عن أنسِ بنِ مالكٍ - ﵁ - قال: كانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَدْخُلُ الخَلاءَ، فأحملُ أنا وغُلامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وعَنَزَةً، فَيَسْتنجِي بِالماءِ (١).
العَنَزَةَ: الحَرْبةُ.
أمَّا أنسٌ، فتقدم الكلامُ عليه.
وأما الخلاءُ -بفتح الخاء والمدُّ- فهو: الخالي المتَّخَذُ لقضاءِ الحاجة، سواءٌ
_________________
(١) رواه البخاري (١٥١)، كتاب: الوضوء، باب: حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء، ومسلم (٢٧١)، كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء من التبرز. =
[ ١ / ١٢٨ ]
كان في الصحراء أو البنيان، لكن الظَّاهرَ أنَّ المرادَ به في هذا الحديث البَراحُ من الأرض؛ بقرينةِ حمل العَنَزَةِ؛ فإنَّ الصَّلاة إليها إنَّما تكونُ بعدَ الوضوء وقضاءِ الحاجة.
والغُلامُ: الصَّبيُّ، مأخوذ من الغُلْمَة، وهي الحركةُ والاضطراب.
والإِدَاوَةُ -بكسر الهمزة-: إناءٌ صغير من جلدٍ يُتَّخذ للماء كالسطيحة ونحوها، وجمعها أَداوى.
والعَنَزَةُ -بفتح العين والنُّون والزَّاي-: عَصَا طويلةٌ في أسفلها زُجٌّ، ويقال: رمحٌ قصيرٌ، وإنما كان يستصحبُها - ﷺ - لأنه كان إذا توضَّأ صلَّى، فيحتاج إلى نصبها بين يديه؛ لتكونَ حائلًا يصلِّي إليه، وقد ورد في حديث أنه - ﷺ - كانت تُوضع له فيصلِّي إليها (١)، وهذا إنما يناسبُ البَراحَ من الأرض لقضاء الحاجة والوضوء والصَّلاة بعده.
وأمّا في البنيان، فلا يُناسب؛ لأنَّه لا يحتاج إلى العَنَزَةِ، ولا إلى خدمة الذُّكور له، بل يناسبه خدمة أهل بيته من نسائه ونحو ذلك.
وقول أنس: "أَنا وغُلَامٌ نَحْوِي"؛ أي: مقاربٌ لي في السنِّ، والحريَّةِ، لا أنه مثلُه من كل وجهٍ.
وفي الحديث فوائدُ:
منها: خدمة الصالحين وتفقُّد حاجاتهم، خصوصًا المتعلِّقة بالطهارة والعبادة.
ومنها: التَّباعدُ لقضاء الحاجة عن الناس لقرينةِ حمل العنزةِ والإداوة.
ومنها: جوازُ استخدامِ الرجُلِ الفاضلِ بعضَ أتباعِه الأحرار، خصوصًا إذا أَرْصدوا لذلك نفوسَهم، والاستعانة في مثل هذا.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧٢)، كتاب: الصلاة، باب: سترة الإمام سترةُ مَنْ خلفه، ومسلم (٥٠١)، كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي، من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ -.
[ ١ / ١٢٩ ]
ومنها: جوازُ الاستنجاءِ بالماء واستحبابهُ ورجحانهُ على الاقتصار على الحجر، لكنَّ مذهبَ جمهورِ السلفِ والخلفِ، والذي أجمعَ عليه أئمَّةُ الفتوى من أهل الأمصار أن الأفضلَ الجمعُ بينهما، فيقدم الحجرَ، ثمَّ يَستعمل الماءَ، فتخفُّ النجاسة، وتقل مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في الإنقاء، فإن أراد الاقتصارَ على الحجر معَ وجود الماء، جاز.
وقال ابن حبيب المالكي: لا يجوزُ مع وجود الماء، وهو ضعيف، لكن الاقتصارَ على الماء أفضلُ من الاقتصارِ على الحجر؛ لكوبه يُزيلُ عينَ النجاسةِ وأثرَها، والحجرُ يُزيل العينَ دون الأثر؛ لكنَّه معفو عنه، وتصح الصَّلاةُ معه؛ كسائر النَّجاسات المعفو عنها.
وذهب بعضُ السلف إلى أن الأفضلَ الحجرُ، وجازفَ بعضُهم، فأوهم كلامُه أن الماء لا يجوز الاستنجاءُ به؛ لكونه مطعومًا، وهذا كله مخالفٌ لظواهرِ الأحاديثِ الصحيحة، ولِما امتنَّ الله تعالى به في كتابه العزيز من التَّطهير به، وما عليه العلماء من السلف والخلف.
وسُئِلَ سعيدُ بنُ المسيبِ عن الاستنجاء بالماء، فقال: هو وضوءُ النّساء (١)، ونحوُه عن غيرِه، ولعله ذكر ذلكَ في مقابلة غُلُوِّ مَنْ أنكر الاستجمار بالأحجار، وبالغَ في إنكاره بهذه الصِّيغة؛ ليمنعه من الغلو -والله أعلم-.
وقد استدل بعضُ العلماء بهذا الحديث على أن المستحبَّ أَنْ يتوضَّأ من الأواني دون البِرَكِ ونحوِها، وهو غير مقبول، قال القاضي عياضٌ - ﵀ -: هذا لا أصل له؛ لأنه لم يُنقلْ عن النبي - ﷺ - أنهُ وَجَدَ البركَ والمشارع ثمَّ عدل عنها إلى الأَواني -والله أعلم-.
* * *
_________________
(١) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (١/ ٣٣).
[ ١ / ١٣٠ ]