عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -﵄-، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: "إذَا اسْتأذنَتْ أَحَدَكُم امْرَأتُهُ إلى المَسْجِدِ، فَلا يَمْنَعْهَا".
قالَ: فقالَ بلالُ بنُ عبدِ اللهِ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا ما سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَه قَطُّ، وقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وتَقُولُ: واللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ!! (١).
وفي لفظ: "لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ" (٢).
_________________
(١) رواه مسلم (٤٤٢)، كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، وأنها لا تخرج مطيبة.
(٢) رواه البخاري (٨٥٨)، كتاب: الجمعة، باب: هل على من لم يشهد الجمعة غُسل من النساء =
[ ١ / ٣٥٤ ]
أما عبد الله بن عمر؛ فتقدم ذكره.
وأما بِلالُ بنُ عبدِ الله:
فهو ابنُ عبد الله بن عمر، راوي الحديث؛ تابعيٌّ مدنيٌّ ثقةٌ، روى له مسلم (١).
وقولُه - ﷺ -: "إذا استأذنتْ أحدَكم امرأتُه إلى المسجد، فلا يمنعْها":
مقتضى عدم المنع: الإباحةُ لهن في الخروج إلى المساجد للصلاة.
ويلزم من النهي عن المنع، إذا طلبت ذلك: أنها كانت ممنوعة من الخروج من بيت الزوج لغير ذلك؛ لأنه لو كان جائزًا لها الخروج، لم يكن للنهي عن المنع من الخروج فائدة؛ لأنه إذا كانت الطاعات المشروعة مقيدة بالاستئذان، والإذن، فما ظنك بغيرها من أنواع الخروج؟!
ثم الحديث عامٌّ في النساء، لكنه ذكرهن في اللفظ الثاني في الحديث بقوله - ﷺ -: "لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ الله"؛ لأنه أوقع في السمع من التعبير بالنساء؛ لمناسبة الإضافة بين الإماء والمساجد؛ لقصد تشريف الطائع، ومحل الطاعة.
ثم اعلم: أن الفقهاء خصصوا هذا الحديث بأحاديث أخر، وجعلوها شروطًا للعمل به؛ لمفاسد طرأت؛ كما قالت عائشة - ﵂ - في "الصحيح": لو رأى رسولُ اللهِ - ﷺ - ما أحدثَ النساءُ لمنعهنَّ المساجدَ؛ كما مُنعت نساء بني إسرائيلَ (٢).
_________________
(١) = والصبيان وغيرهم، ومسلم (٤٤٢)، كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة.
(٢) وانظر ترجمته في: "التاريخ الكبير" للبخاري (٢/ ١٠٧)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٢/ ٣٩٦)، و"الثقات" لابن حبان (٤/ ٦٥)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٤/ ٢٩٦)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (١/ ٤٤٢).
(٣) رواه البخاري (٨٣١)، كتاب: صفة الصلاة، باب: انتظار الناس قيام الإمام العالم، ومسلم (٤٤٥)، كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة.
[ ١ / ٣٥٥ ]
فمن الشروط: أن لا يَتَطَيَّبْنَ؛ وهذا مذكور في بعض روايات هذا الحديث: "ولْيَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ" (١)، وفي بعض الأحاديث: "إذا شهدتْ إحداكُنَّ العشاءَ، فلا تَطَيَّبْ تلكَ الليلةَ" (٢)، وفي بعضها: "إذا شهدتْ إحداكنَّ المسجدَ، فلا تَمَسَّنَّ طيبًا" (٣).
ويلحق بالطيب: ما في معناه؛ من البخور، وحسن الملابس، والحلي الذي يظهر أثره في الزينة؛ فإن منعَ الطيبِ لهن في الخروج؛ إنما هو: لدفع داعية الرجال، وشهوتهم، وربما يكون سببًا لتحريك شهوة المرأة أيضًا؛ وكذلك حكم كل خروج يؤدي بهن إلى مفسدة نهى الشرع عنها.
وخص بعضُهم قولَ عائشة في المنع من الخروج؛ للمرأة الجميلة المشهورة، وربما خصَّه بعضهم بالخروج بالليل؛ لرواية في "صحيح مسلم": "لا تمنعوا النساءَ من الخروج إلى المساجد بالليلِ؛ (٤)؛ فالتقييد بالليل مشعر بما قال. ومما قيل في تخصيص الحديث: بأن لا يزاحمْنَ الرجال.
وكل ذلك من المنع خارج عن الحديث، خلا الطيب، وما في معناه؛ من الخلاخل التي يسمع صوتها، والأزر المفعقعة، والأحذية المصرصرة؛ التي توجبُ رفعَ الأبصار إليها بسببها، والافتتان بها، وكذلك ما يعرض لهن في الطريق من أهل الفساد والأذى.
وهذا النهي للتنزيه: إذا كانت ذات زوج، أو سيد، ووجدت الشروط؛ فإن لم يكن لها زوج، ولا سيد، حرم المنع، إذا وجدت الشروط.
_________________
(١) رواه أبو داود (٥٦٥)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، والإمام أحمد في "المسند" (٦/ ٦٩)، عن عائشة - ﵂ -.
(٢) رواه مسلم (٤٤٣)، كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، من حديث زينب الثقفية - ﵂ -.
(٣) رواه مسلم (٤٤٣) (١/ ٣٢٨)، كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، من حديث زينب الثقفية - ﵂ -.
(٤) رواه مسلم (٤٤٢)، كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، عن ابن عمر - ﵄ -.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وأما سبُّ عبدِ الله ولدَه بلالًا، ومبالغتُه فيه: ففيه أن السنَّةَ سبُّ المعترضِ على السنَّةِ، والمعارضِ لها برَأيه.
وفي الحديث فوائد:
منها: منعُ الرجل امرأته من الخروج من منزله، إلا بإذنه.
ومنها: أنه لا يمنعها إذا استأذنته في الخروج إلى المساجد؛ بالشروط المذكورة.
ومنها: الأدب مع السنة، وأن لا تُعارض بصريح الرد، والأخذ بالرأي.
ومنها: تأديبُ المعترضِ عليها، والرادِّ عليها برأيه، وسبُّه، وتعزيرُه، والمبالغةُ في ذلك.
ومنها: الردُّ على العالم بمجرد الهوى، وتأديبُ الرجل ولدهَ؛ وإن كان كبيرًا في تغيير المنكر.
ومنها: تأديبُ العالم مَنْ تعلَّم عنده، وتكلَّم بما لا ينبغي.
ومنها: تقديمُ حقِّ الله تعالى، وحقِّ رسوله - ﷺ - على غيرهم.
ومنها: القولُ بالحق؛ سواء كان القول له قريبًا، أو غيره، والله أعلم.
* * *