عن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَع، ثُمَّ جَهَدَها؛ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ" (١)، وفي لفظ: "وَإنَ لَمْ يُنْزِلْ" (٢).
تقدم الكلام على أبي هريرة.
واختلف العلماء في المراد بالشُّعَبِ:
فقيل: هي يداها، ورجلاها.
وقيل: رجلاها، وفخذاها.
وقيل: فخذاها، وشُفْراها، وقيل: إِسْكتاها؛ وهما: حرفان بشق فرجها.
قال الأزهري: ويفترق الإِسكتان، والشفران؛ في أنَّ الإِسكتين: ناحيتا الفرج، والشُّفران: طرفًا الناحيتين.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٨٧)، كتاب: الغسل، باب: إذا التقى الختانان، ومسلم (٣٤٨)، كتاب: الحيض، باب: نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين.
(٢) رواه مسلم بالرواية المتقدم تخريجها عنه.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وقيل: الشُّعَبُ الأربع: نواحي الفرج الأربع؛ وهو اختيار القاضي عياض - ﵀ -.
والشعب: النواحي، واحدتها: شُعْبة، وأمَّا من قال: أَشْعُبها؛ فهو جمع شُعَبْ (١).
قال شيخنا أبو الفتح القاضي: وكان التفسير للشعبِ بالنواحي تحويم على طلب الحقيقة الموجبة للغسل، قال: والأقرب عندي أَنْ يكونَ المرادُ: اليدين، أو الرجلين والفخذين، ويكون الجماع مكنيًا عنه بذلك، ويكتفى بما ذكر عن التصريح.
وإنَّما رجَّحنا هذا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة، أو هو حقيقة من الجلوس بالكناية عن التصريح؛ لا سيما في أمثال هذا المكان التي يستحيا من التصريح فيها به.
وأيضًا، فقد نقل عن بعضهم أنه قال: الجَهْدُ: من أسماء النكاح؛ ذكر عن الخطابي.
وعلى هذا: فلا يحتاج أن يجعل قوله: "جلسَ بينَ شُعبِها الأربعِ" كناية عن الجماع بالجماع؛ فإنه صرّح [به] بعد ذلك (٢).
وقوله: "ثم جَهَدَها" هو -بفتح الجيم، والهاء-؛ ومعناه: بلغ مشقتها.
وقال الخطابي: حفزها (٣).
قال أهل اللغة: يقال: جَهَدْتُه، وأَجْهَدْتُه: بلغت مشقته.
وهذا -أيضًا- لا يراد حقيقته، وإنما المقصود منه: وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يُنزل، وكل هذه كنايات يُكتفى بفهم المعنى منها عن التصريح.
_________________
(١) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (٢/ ٢٥٤)، و"المُغرب" للمطرزي (١/ ٤٤٤)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٢/ ٤٧٧)، و"لسان العرب" لابن منظور (١/ ٥٠٢).
(٢) انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (١/ ١٠٤ - ١٠٥).
(٣) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٤/ ٤٠).
[ ١ / ٢٢٦ ]
قال القاضي عياض - ﵀ -: الأولى أن يكون جَهَدَ؛ بمعنى: بلغ جهده في عملِه فيها (١).
والجُهْدُ: الطاقة؛ وهو إشارة إلى الحركة، وتمكن صورة العمل؛ وهو نحو قول من قال: حَفَزَها؛ أي: كَدَّها بحركته؛ وإلَّا فأي مشقة بلغ بها في ذلك؟
وقوله في أول الحديث: "بينَ شُعَبِها"؛ كناية عن المرأة، وإن لم يجر لها ذكر؛ اكتفي بفهم المعنى من السياق؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].
وأمَّا ما يتعلق بأحكام الحديث:
ففيه: بيان عدم انحصار وجوب الغسل بالإنزال، بل يجب به، وبالتقاء الختانين؛ وهو تغييب الحشفة، أو قدرِها في الفرج، فعلى هذا يكون الحديث خرج مخرج الغالب؛ لا أن الجلوس بين شعبها، وجهدها شرط لوجوب الغسل.
ولا شك أَنَّ وجوبَ الغسل كان في أول الإسلام منحصرًا في الإنزال؛ لقوله - ﷺ -: "إِنَّما الماءُ من الماءِ" (٢)، ثم نُسخ ذلك بهذا الحديث، وغيرِه؛ كحديث: "إِذا التَقَى الخِتانانِ" (٣)، وفي رواية: "إذا مَسَّ الخِتانُ الخِتانَ" (٤)، وفي رواية أبي داود: "وأُلْزِقَ الخِتانُ بالخِتانِ، فقد وجبَ الغسلُ" (٥).
ولا شك أنَّ هذا الحكم مجمَعٌ عليه، ولم يقل أحد بخلافه؛ إلَّا ما روي عن
_________________
(١) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (١/ ١٦١)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأئير (١/ ٣٢٠).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) رواه ابن ماجه (٦٠٨)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان، والإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٢٣٩)، وابن حبان في "صحيحه" (١١٨٣)، عن عائشة - ﵂ -.
(٤) رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٥/ ٢٢٧)، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٣٠)، عن ابن عمر - ﵄ -.
(٥) رواه أبو داود (٢١٦)، كتاب: الطهارة، باب: في الإكسال، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٣/ ٣٦٣)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١٦٣)، عن أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١ / ٢٢٧ ]
عثمان، وأُبَيٍّ: أنهما لم يريا غسلًا إلَّا من الإنزال، وقد روي رجوعُهما عنه، مع أن المسنَد إليهما في أنه لا يجب إلَّا بالإنزال ضعيف.
قال الإمام أبو بكر بن العربي: وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه بأن الغسل مستحب، وهو أحدُ أئمةِ الدين، وأجلُّ علماءِ المسلمين معرفةً، وعدلًا.
وما بهذه المسألة خفاء؛ فإن الصحابة اختلفوا فيها، ثم رجعوا عنها، وأجمعوا على وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم يكن إنزال (١).
وقد نقل عن البخاري أنه قال: الغسلُ منه أحوط في الدين من باب حديثين تعارضا.
فقدم الذي يقتضي الاحتياط في الدين، لا أنه قال بعدم الوجوب؛ وهو الأشبه بإمامة البخاري، وعلمه، والله أعلم.
وخالفَ في عدم الإيجاب به: داودُ الظاهري، وبعضُ أصحابه، وخالفه بعضُ الظاهرية، ووافق الجماعة.
ومستند الظاهري، ومن وافقه: قوله - ﷺ -: "إنَّما الماءُ من الماءِ".
ثم إنَّه قال في الحديث الآخر الذي رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ من رواية أُبَيِّ بن كعبٍ (٢) - ﵁ -: إنَّما كان الماءُ من الماء رخصةً في أول الإسلام، ثم نُسخ بعد. قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٣)؛ فزال ما استندوا إليه، والله أعلم.
واعلم أنَّ الأحكام كلها من وجوب الغسل، والمهر، وغيرهما: متعلقة
_________________
(١) انظر: "عارضة الأحوذي بشرح الترمذي" لابن العربي المالكي (١/ ١٧٠).
(٢) في "ح": "رواية أبي هريرة".
(٣) رواه أبو داود (٢١٤)، كتاب: الطهارة، باب: في الإكسال، والترمذي (١١٠)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء أن الماء من الماء، وابن ماجه (٦٠٩)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان، وابن حبان في "صحيحه" (١١٧٣).
[ ١ / ٢٢٨ ]
بتغييب الحشفة، بالاتفاق، ولا يشترط تغييب جميع الذكر.
فلو غَيَّبَ بعضَ الحشفة؛ لم يتعلق به شيء من الأحكام بالاتفاق أيضًا إلَّا وجهًا شاذًّا منكرًا مردودًا لبعض أصحاب الشَّافعي - ﵀ -: أن حكمَ بعضِها حكمُ جميعِها، وهو غلط، والله أعلم.
ثم إنه يجب الغسلُ على الرجلِ والمرأة؛ لإطلاقه - ﷺ - إيجابه من غير تقييد بواحد منهما.
وحكم الإيلاج في الدبرِ كذلك في وجوب الغسل، أيَّ دبر كان.
قال أصحاب الشَّافعي: وسواء كان ذلك عن قصد، أو نسيان، وسواء كان ذلك، مختارًا، أو مكرهًا، وسواء كان ذلك مختونًا، أو أغلف؛ فيجب الغسل في كل هذه الصور على الفاعل، والمفعول به.
إلَّا [إذا] كان الفاعل والمفعول به صبيًّا، أو ميتة؛ فإنه لا يقال: وجب عليه؛ [لأنه] ليس مكلفًا، لكن يقال: صار جنبًا.
فإن كان مميزًا، وجب على الولي أن يأمره بالغسل؛ كما يأمره بالوضوء.
فإن صلَّى من غير غسل، لم تصحَّ صلاتُه، وإن لم يغتسل حتى بلغ؛ وجب عليه الغسل.
وإن اغتسل في الصبا، ثم بلغ؛ لم يلزمه إعادة الغسل، والله أعلم.
* * *