عن عائشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلاَةِ، وَإِنَّ بُقَعَ الماءِ في ثَوْبهِ (١).
وفي لفظِ مسلمٍ: لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَرْكًا؛ فَيُصَلِّي فِيهِ (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢٧)، كتاب: الوضوء، باب: غسل المني وفركه، وغسل ما يصيب من المرأة.
(٢) رواه مسلم (٢٨٨)، كتاب: الطهارة، باب: حكم المني.
[ ١ / ٢٢١ ]
اعلم أن تسمية الجنابة باسم المني: من باب تسمية الشيء باسم سببه؛ فإنَّ خروج المني، ووجودَه: سبب لاجتناب الصلاة، وما في معناها، وبعده عنها.
ثمَّ إنَّ غَسْلَ عائشة - ﵂ - للمني، من ثوب النبيِّ - ﷺ - لم يكن لاعتقاد نجاسته، ووجوب غسله؛ وإنما كان لمجرد التنظيف؛ لقولها في الرواية الثانية: "كنتُ أفرُكه من ثوبهِ - ﷺ - فركًا فيصلِّي فيه".
فلو كان نجسًا، لم يتركْه النبي - ﷺ -، ولم يكتفِ بفركه، أو حكه.
وقد اختلف العلماء؛ في طهارة مني الآدمي، ونجاسته:
فقال الشافعي، وأحمد في أصح روايتيه، وأصحابُ الحديث: بطهارته، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة، وبه قال داود -أيضًا-.
واستدلوا بما تقدم من فركه، وحمل حديث غسله على الاستحباب، والتنزه، واختيار النظافة.
وقال مالك، وأبو حنيفة، والليث، والحسن بن صالح: بنجاسته؛ حتى قال مالك: لا بدَّ من غسله، رطبًا ويابسًا.
وقال أبو حنيفة: يكفي في تطهيره فركُه إذا كان يابسًا، ويجب غسله إذا كان رطبًا؛ عملًا بالحديث في فركه، وبالقياس في غسل الرطب.
ولم يرَ الاكتفاءَ بالفرك دليلًا على الطهارة، وشبهه بعض أصحابه: بما جاء في الحديث من دلك النعل من الأذى؛ في قوله - ﷺ -: "إذا وَطِئَ أحدُكم الأذى بنعلِه، أو خُفِّه، فطهورُهما الترابُ" رواه الطحاوي، من حديث أبي هريرة (١)؛ فإنَّ الاكتفاء فيه بالدلك لا يدل على طهارة الأذى.
_________________
(١) رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٥١)، وأبو داود (٣٨٦)، كتاب: الطهارة، باب: في الأذى يصيب النعل، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٩٢)، وابن حبان في "صحيحه" (١٤٠٤).
[ ١ / ٢٢٢ ]
وأمَّا مالك: فعملَ بالقياس في نجاسته رطبًا، ويابسًا، وإزالته، ووجه القياس فيه من وجوه:
أحدها: أنَّ الفضلات المستحيلة إلى الاستقذار في محل يجتمع نَجِسةٌ، والمني منها، فليكن نجسًا.
وثانيها: أنَّ الأحداث الموجبة للطهارة نجسة، والمني من الأحداث الموجبة للطهارة.
وثالثها: أنه يجري على مجرى البول، فيتنجس.
وهذا غير مقبول؛ فإنَّ مجرى المني غير مجرى البول.
ولهذا قال أصحاب الشَّافعي: يجب غسل المني إذا استجمر بالحجر؛ لأنه يجتمع هو والبول في رأس الذكر، وهو نجس معفو عنه بالنسبة إلى الصلاة، غير معفو عنه بالنسبة إلى ما يلاقيه من الرطوبات، فلو كان يجري في مجرى البول، لما كان لقولهم فائدة، ولقالوا: بوجوب غسله؛ لتنجسه.
وأمَّا في إزالته بالماء؛ فكسائر النجاسات، إلَّا ما عفي عنه، والفرد يلحق بالأعم الأغلب.
وأمَّا الليث فقال: نجسٌ تعاد الصلاة منه.
وأمَّا الحسن بن صالح فقال: لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وإن كان كثيرًا، وتعاد منه في الجسد وإن كان قليلًا.
وأمَّا الشَّافعي - ﵀ -: فاتبع الحديث في فركه؛ كما تقدم، ورآه دليلًا على طهارته، فلو كان نجسًا، لما اكتفى فيه إلَّا بالغسل؛ قياسًا على سائر النجاسات.
فلو اكتفى بالفرك مع كونه نجسًا؛ لزم خلاف القياس، والأصل عدم ذلك.
وهذا الحديث يخالف ظاهره لما ذهب إليه مالك، وقد اعتذر عنه بأشياء فيها بعد نقلًا وتأويلًا، والله أعلم.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وهذا الكلام كله في مني الآدمي.
وللشافعي قول شاذ ضعيف: أنَّ مني المرأة نجس، دون مني الرجل.
وقول أشذ منه: أنَّ مني المرأةِ والرجلِ نجسٌ.
لكنَّ الصوابَ: أنهما طاهران؛ فعلى القول الصواب بطهارته، هل يحل أكله؟ وجهان: أظهرهما: لا؛ لاستقذاره، فهو داخل في جملة الخبائث المحرمة علينا.
وأمَّا مني باقي الحيوانات:
فإن كان كلبًا، أو خنزيرًا، أو متولدًا من أحدهما؛ فمنيها: نجس بلا خلاف.
وإن كان غيرهما؛ ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: أنَّها كلَّها طاهرة.
والثاني: أنَّها كلها نجسة.
والثالث: مني مأكول اللحم: طاهر، وغيره: نجس، والله أعلم.
وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث: على طهارة رطوبة فرج المرأة.
وفيها خلاف مشهور لأصحاب الشافعي، وغيرهم، والأظهر: طهارتها.
ووجه الاستدلال بأن قالوا: الاحتلام مستحيل في حق النبي - ﷺ -؛ لأنه من تلاعب الشيطان بالنائم، فلا يكون المني الذي على ثوبه - ﷺ - إلَّا من الجماع.
ويلزم منه مرور المني على موضع أصاب رطوبة فرج المرأة، فلو كانت نجسة، لتنجس بها المني، ولما تركه في ثوبه، ولما اكتفى فيه بالفرك.
وأجاب من قال: بنجاسة رطوبة فرجها بجوابين:
أحدهما: منع استحالة الاحتلام منه - ﷺ - الذي هو فيض من غير تلاعب الشيطان، بخلاف الاحتلام الذي هو تلاعبه؛ فإنه ممنوع عنه - ﷺ -.
والثاني: جواز أَنْ يكونَ ذلك المني من مقدمات الجماع؛ فيسقط منه شيء
[ ١ / ٢٢٤ ]
على الثوب، وأمَّا المتلطخ بالرطوبة؛ فلم يكن على الثوب، فسقط استدلالهم بالحديث على طهارته.
لكن الظاهر منه الأول، والله أعلم.
وفي الحديث دليل على: جواز الصلاة في الثوب الرطب، وإن أصابه شيء من الأوساخ الطاهرة؛ كالتراب، والطين، ونحوهما؛ لا ينجسه.
وفيه: أنه ينبغي للمرأة أن تتفقَّد ثياب زوجها بالتنظيف، والغسل، ونحوهما، خصوصًا إذا كان من أمر يتعلق بها.
وفيه: أنَّه ينبغي للمقتدي أن ينقل أحوال المقتدى به -وإن كان يستحيا من ذكرها في العادة- إلى الناس؛ ليقتدى بها، والله أعلم.
* * *