عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عباسٍ - ﵄ -، قالَ: أَعْتَمَ النبيُّ - ﷺ -، بالعِشَاءِ، فَخَرَجَ عُمرُ - ﵁ - فَقَالَ: يا رَسُولَ الله! رَقَدَ النِّسَاءُ والصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ وَرَأْسُه يقْطُرُ، يقولُ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمَّتِي -أَوْ عَلَى الناسِ-، لأَمَرْتُهُمْ بِهَذِهِ الصَّلاَةِ، هَذه السَّاعَةَ" (١).
أما ابن عباس، فتقدم ذكره.
وأما قوله: "أَعْتَمَ"، فمعناه: أَخَّر الصلاة حتى اشتدت عتمةُ الليل؛ وهي ظلمتُه، يقال: عَتَم بالليل، يَعْتِم -بكسر التاء-: إذا أظلم، والعتمة: الظلمة، ونقل عن الخليل: أنها اسمٌ لثُلثِ الليل الأول بعد غروب الشفق.
وقد يستعمل أعتم بمعنى: دخل في العتمة؛ كما يقال: أصبح، وأمسى،
_________________
(١) رواه البخاري (٦٨١٢)، كتاب: التمني، باب: ما يجوز من اللّو، ومسلم (٦٤٢)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: وقت العشاء وتأخيرها، وهذا لفظ البخاري.
[ ١ / ٣١١ ]
وأظهر؛ أي: دخل فيها (١)، قال الله تعالى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، وقال: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨].
واستدل بعضهم بقوله: أَعْتَمَ، على جواز تسمية هذه الصلاة: بالعتمة، وليس فيه دليل؛ لأنَّا فسرنا أعتم؛ بمعنى: تأخير الصلاة، أو الدخول في وقت العتمة، ولا يلزم من ذلك جوازُ تسمية العشاء بذلك، وقد تقدَّم في الحديث الرابع من هذا الباب الكلامُ على ذلك، والاختلافُ فيه.
لَكنْ قال الشَّافعي: وأحب ألا تُسَمَّى صلاة العشاء: بالعتمة (٢)، وإنما قال ذلك؛ لما في الحديث من النهي في قوله - ﷺ -: "لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأعرابُ على اسمِ صلاتِكم، أَلا وإنها العِشاءُ" (٣) عن غلبة التسمية، والتنفير عنها؛ لأنفة النفوس من الغلبة.
وإضافة الاسم إليهم في قوله: "عَلَى اسْمِ صلاتِكُم" قال: فيه زيادة، ألا ترى أنا لو قلنا: لا تُغَلبَنَّ على مالك، كان أشدَّ تنفيرًا من قولنا: لا يغلبنَّ على مال، أو على المال؛ لدلالة الإضافة على الاختصاص به.
ولا شَكَّ أَن الأَوْلَى عدمُ تسميتها بالعتمة؛ وهو مقتضى كلام الشَّافعيِّ، أما الكراهة فلا؛ لأن قوله: لا أحبُّ، أقربُ إلى الأولوية، أو نقول: النهي راجع إلى الغلبة؛ كما ذكرنا.
ولا شك أنها مكروهةٌ دائمًا، أو أكثر، ولا يناقضه أن يستعمل قليلًا؛ جمعًا بين استعماله - ﷺ - لفظ العتمة في قوله: "ولو يعلمون ما في الصُّبحِ، والعتمة" (٤)، والنهي عن تسميتها عتمة، والله أعلم.
ثم على قول من قال: إنَّ العتمةَ اسمُ الثلث الأول بعدَ غيبوبة الشفق لا يحمل
_________________
(١) انظر: "غريب الحديث" لابن قتيبة (١/ ٤٤٢ - ٤٤٣)، و"العين" للخليل (٢/ ٨٢)، و"لسان العرب" لابن منظور (١٢/ ٣٨١ - ٣٨٢)، (مادة: عتم).
(٢) تقدم ذكره عن الإمام الشافعي في كتابه "الأم".
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٣١٢ ]
على أول أجزاء هذا الوقت؛ بل على آخره، أو ما يقاربه؛ لتظهر فائدته بمخالفة العادة، وفائدة قول عمر - ﵁ -: "رقدَ النساءُ والصبيانُ"، وقوله - ﷺ -: "لولا أَنْ أَشُقَّ على الناسِ، أو على أُمَّتي؛ لأمرتُهم بهذه الصلاةِ هذهِ الساعَةَ".
ثُم كلمة "لولا" تدل على: انتفاء الشيء؛ لوجود غيره، وقد تقدم ذلك في السواك في قوله - ﷺ -: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي؛ لأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ عِنْدَ كُل صَلاَةٍ"؛ (١) وأَن مطلقَ الأمرِ للوجوب؛ فهل يتساوى لفظ الحديثين في ذلك، أم لا؟
فلك أَنْ تمنعَ التساويَ فيهما، وتقولَ: الذي اقتضاه لفظُ الحديث هنا: انتفاءُ الأمر؛ لوجودِ المشقة، والمنفي أمرُ الوجوب؛ لثبوتِ الاستحباب في تأخيرها عند من يراه.
فأما من يرى أَن تقدَيمها أفضلُ؛ لما دل عليه الدليل عنده، فيتعارضان، ويرجح دليلُ التأخير من خارج، وتكون مقدمة لذلك، ويصيرُ مجموع الحديثين دليلًا على أن الأمر للوجوب بهذه المقدمة.
وقولُ عُمرَ -﵁-: "يا رسولَ اللهِ! رَقَدَ النِّسَاءُ والصِّبيانُ".
يحتمل أنه قاله لطلب فائدة يسمعها من النبي - ﷺ - في ذلك، أو لظن الغفلة عن التقديم، ثم طلب الفائدة قد يكون راجعًا إلى المسجد؛ لقلة احتمال النساء والصبيان المشقة في حضورهم الصلاة في الجماعة، أو انتظارهم في البيوت؛ لمن يصليها في المسجد ممن حضر المسجد؛ إشفاقًا عليهم، أو إشفاقًا على المصلين؛ لشغل قلوبهم بمن في البيوت من النساء والصبيان؛ لانتظارهم إياهم في العادة.
وأما الصبيان، فهو جمع صبي، وهو الغلامُ من حينِ يولد إلى أن يبلغَ -وهو بكسر الصاد، وضمها-؛ كقضيب، وقضبان.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٣١٣ ]
واعلم أنه - ﷺ - إنما أخرها قصدًا؛ لتطويل مدة الانتظار؛ فإن العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة.
وقوله: "فَخَرجَ ورَأْسُهُ تقْطُرُ"؛ أي: شَعْرُ رَأْسه يَقْطُرُ؛ لكون القطر إنما يكون من الشَّعْر لا من الرأس، فعبر عنه مجازًا لنيابة فيه، وكان ذلك من أثر اغتساله - ﷺ -، ويحتمل أنه من أثر الوضوء، وهو بعيد، والله أعلم.
وأما أحكامه:
ففيه دليل على: تتبع أفعال النبي - ﷺ -، وأحواله، وأقواله، ونقلها إلى أمته، وأنها كلها شرع يُقْتَدى به.
وفيه: تأخيرُ صلاة العشاء، وأنه مستحبٌّ، لكن هل هو أفضل، أم التقديم، أم يختلف باختلاف الأحوال والأزمان؟ فيه أقوال للعلماء تقدمت.
ظاهر هذا الحديث: أَن التأخيرَ أفضلُ؛ لأنه - ﷺ - عليه بهذا اللفظ، وأن الغالب كان تقديمها.
وبه استدلَّ من قال بتفضيل التقديم، وقال: لو كان التأخير أفضل؛ لواظَبَ عليه، وإن كان فيه مشقة، والحكمة في تركه: خشيةَ أَنْ يُفْرضَ عليهم، أو يتوهموا إيجابه؛ كتركه - ﷺ - صلاة التراويح، وتعليله إياه: بخشية افتراضها، والعجز عنها، وأجمع العلماء على استحبابها؛ لزوال العلة التي خيف منها، وهذا المعنى موجود في العشاء، فيكون التأخير الآن أفضل.
وفيه: تنبيهُ التابعِ المتبوعَ على أمرٍ يجري على خلاف المعتاد؛ ليتعرف حكمته، أو أنه غفل عنه، ونحو ذلك.
وفيه: أنه يستحب للعالم، أو الإمام: أن يعتذر إلى أصحابه إذا تأخر عنهم، أو جرى منه ما يظن أنه يشق عليهم، ويقول لهم وجه المصلحة فيه.
وفيه دليل على: أن الأمر للوجوب.
وفيه: شرعية النظر في أمر الضعفاء؛ كالنساء، والصبيان، ونحوِهم أكثرَ من غيرهم.
[ ١ / ٣١٤ ]
وفيه: أنه يجوز لغير المؤذن الراتب أن يُعْلِمَ الإمامَ بالصلاة، خصوصًا إذا كان في إعلامه مصلحةٌ ظنها، أو تحقَّقها.
وفيه: ذكر المصلحة مبينة غير مجملة، والله أعلم.
* * *