عَنْ عَائشةَ -﵂- قَالَتْ: "لَمْ يكُنِ النبيُّ - ﷺ - عَلَى شَيءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْه عَلَى رَكعَتَيِ الفَجْرِ" (١).
وفي لفظ مسلم: "رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا" (٢).
أما عائشة؛ فتقدم ذكرها.
وأما مناسبة التبويب للحديث، فتقدم قبله أنه لا مناسبة بينهما بوجه.
قوله - ﷺ -: "رَكْعَتا الفجرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها":
المراد بهما: السنَّة، لا الفريضةُ، والمرادُ بالدنيا: حياتُها، وما فيها: متاعُها، لا ذاتها؛ فكأنه قال: خيرٌ من متاع الدنيا، وشدةُ تعاهدِه - ﷺ - على صلاتهما: لِعظم فضلِهما، وجزيلِ ثوابهما.
وجمهور العلماء: على أنهما سنة، ليستا واجبتين.
_________________
(١) رواه البخاري (١١١٦)، كتاب: التطوع، باب: تعاهد ركعتي الفجر ومن سماها تطوعًا، ومسلم (٧٢٤)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر، وهذا لفظ البخاري.
(٢) رواه مسلم (٧٢٥)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر.
[ ١ / ٣٦٧ ]
وحكى القاضي عياض -﵀-، عن الحسن البصري: وجوبهما.
والصواب: أنهما سنة، غيرُ واجبتين؛ لقول عائشة - ﵂ -: "على شيءٍ من النوافلِ"، مع تصريحه - ﷺ -: بعدمِ وجوب غير هذه الصلوات الخمس، وقولِ السائل له: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلَّا أن تَطَوَّعَ" (١).
وقد اختلف أصحاب الشافعي -﵏- في أفضل التطوع، الذي لا تشرع له الجماعة؛ على وجهين: أحدهما: سنة الصبح، والثاني: الوتر، وتمسكوا في أفضلية ركعتي الفجر؛ بهذين الحديثين، من المواظبة عليهما، وكون [ما] فيهما خير من الدنيا وما فيها.
فأما المواظبة عليهما: فمشترَكٌ بينه، وبين الوتر؛ فإنه كان واجبًا عليه - ﷺ -، ومعلوم أنه كان على الواجب أشدَّ محافظةً من المندوب؛ وإذا كان فعلُ المندوب خيرًا من الدنيا، فما ظنك بالواجب؟!
وقد رجَّح بعضُ أصحاب الشافعي أفضليةَ الوتر؛ لكونه مختلفًا في وجوبه بين العلماء؛ وهذا لا يصحُّ؛ فإنه مشتَرك بينه، وبينَ ركعتي الفجر؛ بما حكيناه من وجوبهما، عن الحسن البصري، ومعلوم أنه من فضلاء التابعين، وأئمتهم، وجلتهم؛ فاستويا في ذلك.
وقد اختلف أصحاب مالك في أن ركعتي الفجر؛ هل هما سنة، أو فضيلة؟ مع فرقهم بين السنة والفضيلة، فقالوا: السنةُ: ما واظبَ عليه في الجماعة مظهرًا له، وما لم يواظب عليه من هذه من النوافل، فهو فضيلة، وما واظب عليه ولم يظهره؛ كركعتي الفجر، ففيه قولان: أحدهما: سنة، والثاني: فضيلة.
وهذا اصطلاح لا أصل له؛ وقد بينا السنة ومعناها في الحديث قبله، لكن السنة تختلف رتبتها في الفضيلة، فبعضها آكدُ من بعض، على حسب مقصود
_________________
(١) رواه البخاري (٤٦)، كتاب: الإيمان، باب: الزكاة من الإسلام، ومسلم (١١)، كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، عن طلحة بن عبيد الله - ﵁ -.
[ ١ / ٣٦٨ ]
الشرع، ومقتضاه، ومنطوقه، وشرعية الجماعة فيها، والله أعلم.
ولا شك، أن حكم القراءة فيهما: قراءة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، بعد الفاتحة في الأولى، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] في الثانية كذلك.
أو في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية في البقرة [البقرة: ١٣٦]، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية في آل عمران [آل عمران:٦٤]؛ وكلا القراءتين ثابتة عن رسول الله - ﷺ - فيها، إن شاء مصليهما، قرأ هذا، وإن شاء، قرأ هذا بعد الفاتحة.
وقال مالك: لا يقرأ غيرَ الفاتحة، وبه قال جمهور أصحابه، وقال بعض السلف: لا يقرأ شيئًا؛ وكلا القولين مخالفٌ للسنة الثابتة التي لا معارض لها، والله أعلم.
* * *
[ ١ / ٣٦٩ ]