عن نُعيمٍ الْمُجْمِرِ، عَنْ أبي هريرةَ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قالَ: "إن أمتي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" (٣).
وفي لفظ: رأيتُ ابا هريرةَ يتوضَّأ، فَغسَلَ وجهَه ويدَيْه حتَى كَادَ يبلغُ المنكبينِ، ثمَّ غسَلَ رِجْلَيه حتَى رفعَ إلى الساقين، ثمَّ قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ -
_________________
(١) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (١/ ٢٦).
(٢) رواه أبو داود (٤١٤١)، كتاب: اللباس، باب: في الانتعال، وابن ماجه (٤٠٢)، كتاب: الطهارة، باب: التيمن في الوضوء، والإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٣٥٤)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٧٨)، وابن حبان في "صحيحه" (١٠٩٠). قلت: ولم يروه الترمذي باللفظ المزبور، وإنما روى (١٧٦٦)، كتاب: اللباس، باب: ما جاء في القمص، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "كان رسول الله - ﷺ - إذا لبس قميصًا بدأ بميامنه". ولعل المؤلف قد تبع شيخه النووي - ﵀ - في "رياض الصالحين" (ص: ١٩٨)، في نسبة الحديث للترمذي، والله أعلم.
(٣) رواه البخاري (١٣٦)، كتاب: الوضوء، باب: فضل الوضوء، والغر المحجلون من آثار الوضوء.
[ ١ / ١٠٥ ]
يقولُ "إن أمتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أثَرِ الوُضُوء، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنكمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" (١).
وفي لفظٍ لمسلمٍ: سمعت خليلي - ﷺ - يقولُ: "تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ" (٢).
أما نعيمٌ، فكنيته أبو عبد الله بنُ عبدِ الله، ويقالُ: ابنُ محمدٍ، حكاه ابن حبان، وهو عدوي، مولى عمرَ بنِ الخطَّاب - ﵁ -، تابعي مدني، سمعَ ابنَ عمرَ وأَنَسًا وأبا هريرة، اتفقوا على توثيقه، روى له صاحبا "الصحيحينِ".
وأما المُجْمِرُ، فهو -بضم الميم وسكون الجيم وكسر الميم الثانية-، ويشتبه بمِخْمَرٍ -بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الميم الثانية- ابنِ اخي النجاشي ذي مِخْمَر، وقال ابنُ يونس: مُجْمِر -بضمِّ الميم وكسر الثانية- ويقال: مِخْبَر -بكسر الميم وإبدال الثانية باءً موحدة مفتوحة-، وجماعة من آباء الرواة مجمر (٣) بلا اختلاف، وهو صفةٌ لعبدِ الله أبي نُعيم، لا لنعيمٍ على قولِ الأكثرين، منهمُ ابنُ حِبانَ، وصاحب "المطالع"، وقال: إنما استُعمل في نعيم مجازًا، قال ابن حِيان: وإنما قيل: الْمُجْمِر؛ لأن أباه كان يأخذُ المجمرَ قدامَ عمرَ بنِ الخطاب إذا خرجَ إلى المسجد في شهر رمضان، ويقال: إن عمرَ جعلَ نعيمًا على إجمار المسجد، فسمي: المجمِّرَ؛ ذكره عبد الغني المقدسي في "ترجمة كيسان"، وما أظنهُ صحيحًا -والله أعلم- (٤)، وتجمير المسجد: تبخيرُه.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٤٦)، كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء.
(٢) رواه مسلم (٢٥٠)، كتاب: الطهارة، باب: تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء.
(٣) في "ح": "مخمر".
(٤) وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٥/ ٣٠٩)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٨/ ٤٦٠)، و"الثقات" لابن حبان (٥/ ٤٧٦)، و"مشارق الأنوار" للقاضي عياض (١/ ٣٩٥)، و"الإرشاد في معرفة علماء الحديث" للخليلي (١/ ٢١٦)، و"تهذيب الكمال" للمزي (٢٩/ ٤٨٧)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (٥/ ٢٢٧)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (١٠/ ٤١٤).
[ ١ / ١٠٦ ]
وأما أبو هريرة، فتقدم.
وأما الغُرَّةُ، فهي البياض في الوجه، والتَّحجيلُ: بياضٌ في اليدين والرّجلين، وأصله في اللغة: البياضُ في جبهة الفرس ويديها ورجليها (١)، ثمَّ استعملَهُ - ﷺ - في العلامة التي تكون على المؤمنين يوم القيامة في مواضع الوضوء، وهي نور، وسمَّاه غرةً وتحجيلًا من آثار الوضوء، والمرادُ به في الغرة: غسلُ شيءٍ من مقدم الرأس وما يجاوزُ الوجهَ زائدٍ على الجزء الذي يجبُ غسلُه لاستيعابِ كمالِ الوجه، وفي التَّحجيل: غسلُ ما فوقَ المرفقين والكعبين، وهو مستحب بلا خلاف، وادعَى الإمامُ أبو الحسن بن بطَّالٍ المالكي، ثم القاضي عياض اتفاقَ العلماء على أنه لا يُستحبُّ الزيادة فوق المرفقِ والكعبِ، وهي دعوى باطلة؛ فقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله - ﷺ -، وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهما محجوجان بذلك، واحتجاجهما بقوله - ﷺ -: "مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أو نَقَصَ، فَقَدْ أسَاءَ وَظَلَمَ" (٢) غيرُ صحيح؛ لأن المرادَ به الزّيادةُ في عدد المراتِ أو النقصُ عن الواجبِ، أو الثواب المرتب على نقص العدد، لا الزّيادة على تطويل الغرة والتَّحجيل -والله أعلم-.
وأما حدُّ الزائِدِ، فقالَ بعضُ أصحابِ الشَّافعيّ: لا حد له، وقال بعضُهم:
حده نصفُ العَضُدِ والساقِ، وقال بعضُهم: إلى الركبتين والمنكِب، والأحاديثُ
تقتضي ذلك كله.
[وقد استعمل أبو هريرة - ﵁ - الحديثَ على إطلاقه، فظاهرُه في إطالة الغرة والتحجيل -والله أعلم-] (٣).
وقوله: "يُدْعَوْنَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ"، يحتمل أَنْ يكونَ منصوبًا على المفعولية
_________________
(١) انظر: "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري (٣/ ٦٢)، و"مختار الصحاح" (ص: ١٩٧)، و"لسان العرب" لابن منظور (٥/ ١٤)، (مادة: غرر) و(مادة: حجل).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ما بين معكوفين لس في "ح".
[ ١ / ١٠٧ ]
ليُدعون بمعنى التسمية؛ أي: يُسموْن غُرًّا، ويحتملُ أَنْ يكونَ على الحال، وهو الأقرب.
وقوله: "مِنْ آثَارِ الوُضُوء" هو -بضم الواو، وهذا هو المعروف، ويجوز أن يُقال بفتحِها، ويكونُ المراد: آثارَ الماءِ المستعملِ في الوضوء، فالغرةُ والتَّحجيلُ نشآ عن الفعل بالماء، فيجوز نسبتُهما إلى كل واحدٍ منهما.
وقوله - ﷺ -: "فَمَنِ استَطَاعَ مِنكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" اقتصارُه - ﷺ - على ذكر الغرة دون التحجيل، من باب التَّغليب بالذكر لأحدِ الشَّيئين، وإن كان بسبيلٍ واحدٍ للتَّرغيب فيه، وقد استعملَ الفقهاءُ ذلك، فقالوا: يُستحب تطويلُ الغرة، ومرادُهم الغُرةُ والتحجيل -والله أعلم-.
وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على أن الوضوءَ من خصائصِ هذه الأمة -زادَها اللهُ تعالى شرفًا-، وقال آخرونَ: ليس الوضوءُ مختصًّا بها، بل الذي اختصَّت به الغرة والتحجيلُ.
واحتجوا بالحديث الآخر: "هَذَا وُضُوئي وَوُضُوءُ الأَنبِياء قَبْلي" (١)، وأجاب الأولون عن هذا بجوابين:
أحدُهما: أنَّه حديثٌ ضعيفٌ معروفُ الضَّعفِ.
والثاني: لو صح، لاحتمل اختصاصَ الأنبياء دون أممهم؛ بخلاف هذه الأمة -والله أعلم-، ولا شكَّ أن هذه الأمة مختصةٌ بآثارِ الوضوء يوم القيامة، وهو النور الذي يكون في الوجوه والأيدي والأرجل المسمَّى بالحِلْية دونَ غيرِهم من الأمم -والله أعلم-.
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٤٢٠)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا، من حديث أبي بن كعب - ﵁ - إلا أن لفظه: " ووضوء المرسلين ". وقد رواه باللفظ الذي ساقه المؤلف: الطيالسي في "مسنده" (١٩٢٤)، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٥٥٩٨)، وابن حبان في "المجروحين" (٢/ ١٦١ - ١٦٢)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٣/ ٢٤٦)، والدارقطني في"سننه" (١/ ٧٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٨٠)، من حديث ابن عمر - ﵄ -.
[ ١ / ١٠٨ ]
وقولُ أبي هريرة - ﵁ -: "سمعت خليلي - ﷺ - " أصلُ الخليل: الصَّديقُ، فَعيلٌ بمعنى مفعول، وهو المحبوبُ الذي تخللت محبته القلبَ، فصارت خِلالَه؛ أي: في باطنه، ولا شكَّ أنه يجبُ محبةُ رسولِ الله - ﷺ - محبةً تُخالطُ القلبَ والبدن، مقدمةً على النفس والمال والولد والناس أجمعين، ويجوزُ إطلاقُ ذلك هنا بهذا المعنى، فيقولُ أحدُ الصحابة أو كلهم: سمعت خليلي، وقال خليلي، وأمَّا هو - ﷺ - فلم يتَّخذْ أحدًا خليلًا؛ لأن خلته كانت مقصورة على حبِّ الله تعالى، فليس فيها متَّسَعٌ لغيره، ولا شركةٌ من محابِّ الدنيا والآخرة، ولا ينال ذلك إلا بفضل الله لمن يشاء من عباده.
ففي الحديث: استحبابُ المحافظةِ على الوضوء وسننِه المشروعة.
وفيه: ما أعدَّه الله تعالى من الفضل والعلامة لأهل الوضوء يوم القيامة.
وفيه: ما أطلعه الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ - من المغيبات المستقبلة التي لم يُطلع عليها نبيًّا غيره - ﷺ - من أمور الآخرة وصفات ما فيها -والله أعلم-.
* * *
[ ١ / ١٠٩ ]