باشر ابن العطار - ﵀ - مشيخة النووي من سنة أربع وتسعين وسبع مئة إلى أن توفي - ﵀ -، مدة ثلاثين سنة، كما درس بالقوصية بالجامع، وولي مشيخة العلمية.
نسخ الأجزاء، ودار مع الطلبة، وغلب عليه الفقه، ودَرَّسَ وأفتى سنين، وانتفع به النَّاس، وكتب الكثير، وحمله، واشتهر ذكره بين النَّاس.
قال الذهبي -وهو أخوه لأمه من الرضاعة-: وهو الذي استجاز لي ولأبي من الصَّيْرفيُّ، وابن الخير، وعِدَّة.
وقال أيضًا: خَرَّجتُ له "معجمًا" في مجلد انتفعتُ به، وأحسن إلي باستجازته لي كبارَ المشيخة.
وقد انتفع الذهبي بعد ذلك بهذه الإجازة انتفاعًا شديدًا.
وذكر السبكي أنه نيّف فيه على ثمانين شيخًا.
وقد سمع هذا "المعجم": الشَّيخ كمال الدين بن الزملكاني بقراءته، وابن الفخر، وابن المجد، والبرزالي، والمقاتلي.
ثم قال الذهبي: وصنف أشياء مفيدة، وكان صاحب معرفة حسنة، وأجزاء وأصول.
وقال ابن كثير: له مصنفات، وفوائد، ومجاميع، وتخاريج.
وكانت له - ﵀ - محاسن جمة، وزهد وتعبد، وأمر بالمعروف، على قسوة في أخلاقه، وله أتباع ومحبون.
تنبيه: ذكر الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة" في ترجمة ابن العطار - ﵀ - نقيصةً بحقه، لا ينبغي ذكرها؛ لما فيها من غمزٍ لهذا الإمام، فقال: "ولم يكن بالماهر مثل الأقران الذين نبغوا في عصره، حتَّى إنه عُقِدَ مجلسٌ، فحضره العلماء، فأحضر هو في محفّته، فلما رآه الزملكاني قال: من قال لكم تحضرون هذا، نحن طلبنا أقماع العلماء، ما قلنا لكم تحضرون الصلحاء؟! ".
[ ١ / ١٤ ]
قلت: كلام الزملكاني -إن صحَّ النقل عنه- فيه نظر وتعقب، فإما أن يكون خرج مخرج كلام الأقران في بعضهم، وهذه مسألة مشتهرة بين العلماء، أو يكون له نظرة ورأي في علم ابن العطار، ولكلٍّ وجهة هو موليها.
لكن ممَّا يطمئننا إلى رسوخ قدم ابن العطار في العلم ما ذكره في كتابه "تحفة الطالبين" في ترجمة شيخه النووي، قال: وأذن لي -أي: شيخه النووي ﵁-، في إصلاح ما يقع في تصانيفه، فأصلحت في حضرته أشياء، فكتبه بخطه، وأقرني عليه، ودفع إليَّ دُرْجًا فيه عدة الكتب التي كان يكتب فيها، ويضيف بخطه، وقال لي: إذا انتقلتُ إلى الله تعالى، فأتمَّ "شرح المهذب" من هذه الكتب، فلم يُقَدَّرْ لي ذلك.
فهذا الإمام النووي - ﵀ - لو لم يعلم من تلميذه القدرة والكفاءة في العلم، لما أذن له في إصلاح الغلط، وإتمام "شرح المهذب". والله أعلم بالصواب.