[ ٦٩ ]
[٢٥] نسب إلى داود الظاهري وجوب التسمية عند الوضوء وكذلك رواية عن أحمد بن حنبل، أقول: لم يرد الوجوب عن أحمد، وتفرد بالوجوب منا الشيخ ابن الهمام وجد على تفرده، وكذلك تفرد في بعض المسائل، وقال تلميذه العلامة قاسم بن قطلوبفا: لا تقبل تفردات شيخنا، وقال ابن الهمام: إن لفظة لا لنفي الكمال مجاز، ولنفي الأصل حقيقة، فهو ههنا على الحقيقة، وإنما قلنا بالوجوب كيلا يلزم الزيادة بخبر الواحد على القاطع، ثم قال تحت بحث الصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب: إن لفظة لا مشتركة بين النفيين فبين كلاميه تناف، وأقول: إنها لنفي الأصل حقيقة، وإما لنفي الكمال فبإنزال الناقص منزلة المعدوم وهذا ليس بمجاز لأنه تغيير في المصداق لا في الدلالة، وأما التسمية فليس عليه تعامل كثير من السلف ليقال بالوجوب وأما الحديث فضعيف، وقال الإمام أحمد: ما وجدت في هذا حديثًا صحيحًا، فلا بد من كون التسمية مستحبة. وقيل: المراد من التسمية النية، ونسب هذا إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ولكن ذكر الاسم في أمثاله لإرادة التلفظ باللسان، وحسَّن الحديث ابن الهمام، وتمسك الطحاوي لعدم وجوب التسمية بحديث مهاجر بن قنفذ «أنه ﵊ كان يتوضأ فسلَّم عليه أحد فرد عليه بعد الفراغ عن الوضوء، وقال: لم أرد عليك لأني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر» وقال صاحب البحر: إن تمسك الطحاوي ليس بصحيح لأنه ينبغي الاستحباب أيضًا ولا ننفيه، وإنما أراد الطحاوي ذلك الوضوء، وقد ذكر أيضًا في كتابه: إن الذكر كان ممنوعًا في الحدث ثم نسخ. ثم إن لفظ تسميته ﵊ في الوضوء كما روى الطبراني في معجمه عن أبي هريرة أنه ﵊ كان يقول في ابتداء الوضوء: «بسم الله والحمد الله»، وحسن العيني إسناده والشيخ نور الدين الهيثمي أيضًا.
(ف) الأخبار الآحاد التي لم تبلغ مرتبة الضرورة موكولة إلى رأي المجتهد والتأويل في ضروريات الدين غير مسموع والمأوِّل فيها كافر كما في الخيالي وكما قال تقي الدين بن دقيق العيد،
[ ٦٩ ]
وهو في فتح المغيث. (ف) في كتب الفقه: إن الرجوع عن التقليد بعد العمل غير جائز، مراده أن مسألة بتحققه عند أحد تتحقق فعل شيئًا على تلك المسألة والتحقيق ثم بدا له بعد العمل أن عمله لا يصح على تحقيقه فيقول: أختار تحقيقًا آخر فإنه ممنوع عنه، مثل: إن صلى حنفي ثم ظهر له بعد الصلاة أن جسده كان يسيل منه الدم، فيقول: أختار مذهب الشافعي، فهذا غير جائز، وحكي أن أبا يوسف ﵀ صلى ثم بدا له أن في الماء فأرة، والماء كان أزيد من قلتين، فقال بعد صلاته واطلاعه على الفأره فيه: إنا لنعمل بقول إخوتنا أهل الحجاز، أقول: إنه لا يقدح فإن بعد تسليم هذه الواقعة يمكن أن يكون مراده أسلوب الحكيم، وغرضه أنا نحكم بنجاسة الماء عند العلم بالنجاسة كما هو مذهبه فصحت صلاته، وإنما كان الرجوع غير جائز لتوارث السلف لأنه لم يثبت عن أحد منهم مثل هذا الرجوع، نعم ثبت الرجوع عن تحقيق إلى تحقيق آخر وهو جائز كما أن الشافعي ﵀ كان يقول أولًا بعدم وجوب القراءة خلف الإمام في الجهرية، ورجع عنه قبل موته بسنتين، وقال بوجوبها، ولم يقضي ما كان أدى على التحقيق الأول من الصلوات، وكذلك نظائر أخر لا تحصى.
وأما الاقتداء خلف مخالف في الفروع كاقتداء حنفي خلف شافعي، أو عكسه أو غيرهما، ففيه أقوال عديدة، قال صاحب الهداية في باب الوتر (ص١٢٥) بالجواز، ثم قال صاحب البحر: إن بعد الجواز قولين؛ قول: إن العبرة لرأي الإمام لا للمقتدي وقول أن العبرة لرأي المقتدي وقال نوح الأفندي محشى الدر الفرر: إن العبرة للإمام والمقتدي فإن راعى الإمام المسائل المختلفة فيها صحت الصلاة وإلا فلا، وقيل: إن المقتدي لو وجد وشاهد ما ينقض الوضوء على مذهبه لا تصح وإلا صحت ولا يجب عليه السؤال عن الإمام، مثل إن شاهد حنفي مقتدٍ سيلانَ الدم من إمامه الشافعي فتفسد صلاته وإلا صحت، ولا يجب عليه سؤال هل سال دمه أم لا؟ أقول: أن العبرة لرأي الإمام، والدليل هو: توارث السلف فإنهم كانوا يقتدون خلف كل واحد بلا نكير مع كونهم مختلفين في الفروع، ويتمشون على تحقيق إمامهم، وأما إذا صلوا منفردين في بيوتهم فيتمشون على تحقيقاتهم، وحج أبو حنيفة ﵀ خمسين حجًا، وكان في مكة كثير من السلف مخالفين وله في الفروع لم يثبت منه النكير خلف أحد منهم.
وقال أحمد بن حنبل ﵀: إن الدم الكثير مفسد والقليل غير مفسد.
[ ٧٠ ]
وقال مالك ﵀: كلاهما غير مفسد.
وقيل لأحمد: لو وجدت مالك بن حنبل أنس هل تقتدي خلفه؟ قال: لم لا أقتدي؟
وفي فتاوى الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى في المجلد الثاني: أن القاضي أبا يوسف ﵀ اقتدى خلف هارون الرشيد الخليفة هو وكان الرشيد مفتصدًا، والحال أن الدم مفسد للصلاةِ والوضوء عند أبي يوسف إلا أن مالكًا ﵀ كان أفتى هارون الرشيد بعدم نقض الوضوء بالدم ولو سائلًا، فعُلم أن العبرة لرأي الإمام، ونقل ابن الهمام عن شيخه سراج الدين قارئ الهداية: أن نفي الاقتداء خلف المخالف من المتأخرين لا من المتقدمين، ثم أورد ابن الهمام عليه بمسألة الجامع الصغير، وعندي لا يرد على قارئ الهداية ما في الجامع الصغير، لأن القبلة من الحسيات لها سبيل إلى درك الواقع بخلاف أكثر المسائل الاجتهادية، ولو اقتدى حنفي شافعيًا في الوتر، وسلَّم الشافعي على الشفعة ثم أتم الوتر كما هو مذهب الشوافع لا تفسد صلاة الحنفي كما قال ابن وهبان في منظومه:
~ ولو حنفي قام خلف مسلم … لشفع ولم يوتر وثم فموتر
ولا يتوهم أن في الاقتداء خلف المخالف خروجًا عن المذهب، فإنه غلط فإنا لو سئلنا مثلًا: إن صلاة الشافعي مع الدم هل هي صحيحة على رأيه أم لا؟ فلا بد من أن تقول بصحة صلاته. (واقعة): مَرَّ الدامغاني عند مسجد أبي إسحاق الشيرازي الشافعي، فإذا كان وقت الصلاة قريبًا فدخل الدامغاني الحنفي، فامر أبو إسحاق المؤذنَ أن لا يرجِّع، وقدم الدامغاني فصلى بهم الدامغاني صلاة الشوافع، (ف): الحق في موضع الخلاف واحدُ ودائر وهو المشهور عند أرباب الأصول، وقيل: الحق متعدد ونسب هذا إلى المعتزلة وصرح في فتح الباري بأنه مروي عن الأئمة الأربعة، وهو مذهب الصاحبين ومختار الشاه ولي الله في عقد الجيد، وفي جمع الجوامع أنه قول الأشعري، ومع هذا لا
[ ٧١ ]
يجوز الخروج عن تحقيق نفسه، والمسألة طويلة الذيل وسيجئ بعض بحثه في الترمذي في حديث: «الحرام بيِّن والحلال بيِّن وبينهما متشابهات» الخ. وفي ذلك الحديث بحث طويل لكنه يليق بشأن المجتهد وذكر فيه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد المالكي الشافعي شيئًا لطيفًا.
[ ٧٢ ]