[ ١٦٢ ]
[١٤٤] فيه اختلافات منها أنه ضربة عند أحمد، وضربتان عندنا وعند الشافعي ﵀، ومنها أنه إلى الرسغين عند أحمد، وإلى المرفقين عندنا وعند الشافعية، وظاهر موطأ مالك الوجوب إلى المرفقين، وقال شارحوه من الزرقاني وغيره: إنه مستحب إلى المرفقين، واجب إلى الرسغين، وظاهر مدونة مالك أيضًا الوجوب إلى المرفقين، وقال المحدثون: إن الترجيح لمذهب أحمد بن حنبل فإنه أخذ بما هو أصح ما في الباب، وتمسك الأحناف والشوافع بالحسان، وقالوا: إن في حديث عمار المسح إلى الرسغين إشارة إلى المعهود.
[ ١٦٢ ]
واعلم أن الصفات الثابتة في الروايات خمسة: أحدها: المسح إلى الرسغين، وثانيها: المسح إلى نصف الساعد، وثالثها: إلى المرفق، والرابع: إلى نصف العضد، وخامسها: المسح إلى الآباط والمناكب، وقال الحافظ في الفتح: إن أحاديث المسح إلى النصفين ضعاف، وحديث المسح إلى الرسغين أصح ما في الباب، وحديث المسح إلى المرفقين حسن، وحديث المسح إلى الإبط قوي، أقول: إن لعمار واقعتين أحدهما واقعة نزول آية التيمم في قصة غزوة بني المصطلق حين فقدت قلادة عائشة، فإذا نزل ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] عمل كل أحد من الصحابة ما بدا له من المسح إلى الرسغين والمرفقين والإبطين ونصف الساعد ونصف العضد، فبلغ الأمر إلى النبي - ﷺ -، فنزلت صفة التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وإلى هذا أشار الطحاوي ص (٦٦)، وأتى برواية فيها ابن لهيعة، وقال الذهبي: إن رواية العبادلة الثلاثة عن ابن لهيعة معتدلة فإنهم أخذوا قبل حرق كتبه، وأيضًا هذه الرواية لابن لهيعة عن أبي الأسود وكان ابن لهيعة يروي من كتاب عنده، فروايته من الكتاب معتبرة، ثم واقعة ثانية لعمار بن ياسر حين كان عمر وعمار راعيين في السفر فأجنبا فتمعر عمار وصلى، وترك عمر الصلاة، فبلغ الأمر إلى النبي - ﷺ - فقال لعمار: «إنما يكفيك هكذا» ففي هذا إشارة إلى المعهود المبين صفة قبل، لا حكم المسح إلى الرسغين، ولم ينبه على تعدد الواقعتين إلا الطحاوي، وإليه يشير كلام الشافعي أن رواية عمار المسح إلى المرفقين قبل رواية المسح إلى الرسغين، فإذا ثبت تعدد الواقعتين فنقول: إن واقعة عمر وعمار بعد بيان صفة التيمم، وإشارة إلى المعهود من الصفة، فلا يقال بترجيح رواية الرسغين فإنها أيضًا إشارة إلى المرفقين، وإني تتبعت الكتب فلم أجد تاريخ
واقعة عمر وعمار، ولم أجد تعيين سفرهما، ولكنها بعد واقعة نزول صفة التيمم كما تدل القرائن، استدل لنا على المسح إلى المرفقين بما أخرجه الزيلعي عن مسند البزار والحافظ أيضًا في الدراية تلخيص نصب الراية وحسَّن إسناده.
(ف) لخص الحافظ نصب الراية للزيلعي وسماه الدراية، وكتب الناسخ أن اسمه أيضًا نصب الراية وهذا خطأ.
ومستدلنا الثاني: ما في سنن الدارقطني بسند حسن، ولينَّة الحافظ فإن في سنده أبا صالح،
[ ١٦٣ ]
وأقول: إنه من متابعات البخاري فيكون حسنًا، ومستدلنا الثالث: ما في سنن الدارقطني عن جابر بن عبد الله بسند حسن ورجاله ثقات، وقال: والصواب أنه موقوف، وأخرجه الزيلعي عن سنن الدارقطني، ولم يذكر لفظ: والصواب أنه موقوف، وكنت مترددًا في هذا إلى أن وجدت في تلخيص الحبير: قال الدارقطني: رجاله ثقات، وكتب في الحاشية: والصواب أنه موقوف، ونقل الزيلعي ما في حوض الكتاب ولم يذكر ما كان في الحواشي، ولعل الدارقطني أيضًا متردد في الوقف لكتابته في الحواشي، وقال جماعة من المحدثين: إن رواية جابر موقوفة، وقالت جماعة منهم: إنها مرفوعة، ووقفها الطحاوي، وعندي أنها مرفوعة، واختلط على الموقفين لفظ «أتاه» فإنهم زعموا أن مرجع الضمير المنصوب هو جابر بن عبد الله، والحال أن المرجع هو النبي - ﷺ - كما قال الحافظ العيني.
قوله: (سفيان الثوري) هذا مذهب الأحناف، وقلما يذكر المصنف مذهب العراقيين، فإنه لم يحصل له مذهبهم بالسند.
قوله (فأمره بالتيمم) هذا الحديث فعلي يقينًا، وعبره راوي حديث الباب بالحديث القولي فهذا مسامحة.
[ ١٦٤ ]
قوله (قال ابن عباس): هذا قياس ابن عباس، ولنا أيضًا قياس: بأن التيمم أقرب إلى الوضوء من السرقة فألحقناه بالوضوء منه.
[ ١٦٥ ]