[ ٣٥ ]
[١] قوله: (ح وحدثنا الخ) ح يسمى تحويلًا، والاختلاف في القراءة فإن المغاربة يقرؤون تحويل والمشارقة يقرؤون ح بالمد أو القصر.
قال سيبويه: إن أسماء حروف التهجي إن كانت مركبة في الكلام فممدودة، كما قال محمد في قصيدة البردة:
[ ٣٥ ]
~. . . . . . . . . . . . . . . … لولا التشهد كانت لاءه نعم
وإن كانت منفردة فمقصورة كما يقال في حين التعداد: با، تا، ثا.
أقول: إن هذه الضابطة ليست بأسماء حروف التهجي بل في ذلك كلمة ثنائية تكون في آخرها ألف. واعلم أن التحويل على قسمين: أحدهما: اجتماع الطرق المتعددة من الأسفل، ويسمى الراوي المشترك مدارًا ومخرجًا، وهذا التحويل كثير، ثانيهما: افتراق الطريق الواحد من الأسفل إلى طرق كثيرة، والتحويل بكلا قسميه قد يكون بطريقين وقد يكون بأزيد منهما.
(فـ) ربما تجد في كتب الصحاح وغيرها أنهم يبدؤون السند من الأول أي الأعلى بالعنعنة ثم في الأسفل بالإخبار والتحديث؛ لأن التدليس لم يكن في السلف وحدث في المتأخرين فاحتاج المحدثون إلى التصريح بالسماع، ولا يقبل حديث المدلس إلا عند التصريح بالسماع أو ما يدل عليه.
والتدليس على أنواع:
أحدها: أن يسقط الراوي اسم شيخه لغرض من الأغراض ويروي عن شيخ شيخه بعن كي لا يكون كاذبًا، وثانيهما: تدليس التسوية وهو حذف الرواة الضعفاء من بين السند ورواية الحديث بطريق ثقاته بالعنعنة كتدليس وليد بن مسلم عن الأوزاعي كما سيجيء. وثالثها: أن يذكر الراوي اسم شيخه إن كانت المشهورة كنيته، أو يذكر كنيته إن كان المشهور اسمه ولا يسقط بهذا عدالته ولا ضيق في هذا، وأما القسمان الأولان فقبيحان، وقال شعبة: إن التدليس حرام والمدلس ساقط العدالة، ومن ثم قالوا: السند الذي فيه شعبة بريء عن التدليس وإن كان بالعنعنة والجمهور إلى قبح التدليس، ولكنه لا يسقط به العدالة، وإذا صرح بالسماع أو ما حاذاه يقبل الحديث، ومن عادة المحدثين ضم المتن لأقرب الطرق المتعددة، ومن عادتهم أيضًا ضم متن الحديث للسند العالي، والمصنف راعى العادة الثانية كما يدل عليه قوله: قال هناد في حديثه: إلا بطهور إلخ، فعلم أن المذكور ليس متن هناد، وأما وجه اختياره العادة الثانية على الأولى فعلى ما قيل: سئل ابن المبارك: ما يشتهي قلبه؟ قال: سند عالٍ وبيت خالٍ.
قوله: (لا تقبل صلاة بغير طهور إلخ) القبول على قسمين: أحدهما: كون الشيء متجمعًا بجميع الأركان والشرائط.
وثانيهما: وقوعه في حيز مرضاة الله، وقال ابن دقيق العيد: إن القبول مشترك في المعنيين ولا قرينة على المعنى الأول، وأما الثاني فغير معلوم بغير الله تعالى فلا نعلم ما في حديث الباب، وأقول: إن المراد هو الأول بقرينة الإجماع على عدم صحة الصلاة بدون الطهور، وعدم القبول هو الرد سواء كان لذا أو لهذا، ونسب إلى مالك بن أنس عدم الإعادة على من صلى بلا وضوء، وليست هذه النسبة
[ ٣٦ ]
صحيحة، ولعل وجه النسبة الاشتهار على الألسنة عدم اشتراط طهارة الثوب والمكان عند مالك ﵀ فقاسوا عليهما طهور البدن أيضًا، واعلم أن قول: لا تقبل صلاة بالتنوين مثل لا رجل في الدار، بمعنى (نيست هيج مردي ورخانه) ومعنى لا رجل في الدار بالفتح (نيست مردوخانه) ومعنى ما من رجل في الدار (نيت هيج إزمري مردي وخانه) فعلى هذا معنى لا تقبل صلاة بلا طهور (قبول نمى شود سپح غازي بغير طهور وباكى) فعلم أن كل فرد صلاة موقوف على الطهور، واختلفوا في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة في اشتراط الوضوء لهما فقال بعض: لا يشترط الوضوء لصلاة الجنازة، وأما الإمام الشافعي فليس بقائل بما قالوا، ولعل وجه ما قالوا: إن قال الشافعي بالجنازة على الغائب، ويقول: إنها دعاء كسائر الأدعية، فزعم أنها دعاء كسائر الأدعية في عدم وجوب التوضئ أيضًا، والإمام البخاري موافق لنا في اشتراط الوضوء للجنازة، وأما سجدة التلاوة فقال الشعبي والبخاري: لا يشترط التوضئ، كما أخرج البخاري عن ابن عمر: «أنه كان يسجد على غير وضوء» الخ وفي نسخة البخاري الأصيلي: «كان ابن عمر يسجد على وضوء» وقال خدام البخاري: إن الأول أصح وأما الأئمة الأربعة فقائلون بوجوب التوضئ في سجدة التلاوة لأنها - أي: السجدة - أخص مدارج الصلاة فيشترط لها كما اشترط لها، وأما فاقد الطهورين فرواية عن أبي حنيفة إنه يتشبه بالمصلين، أي يركع ويسجد بلا قراءة، قال مالك: لا يصلي الآن، وقال أحمد بن حنبل: يصلي الآن، ولا يقضي، وللشافعية وجوه أربعة، أحدها: القضاء فقط، وثانيها: الأداء فقط، وثالثها: الأداء في الحال ثم القضاء بعده، ورابعها: وجوب الأداء واستحباب القضاء.
(ف) من مصطلحات فقهاءنا التعبير بالقول عما قال المشائخ وبالرواية عما قال الأئمة، وعند الشافعية قول الإمام رواية وأقوال المشائخ وجوه، لنا في التشبه بالمصلين لفاقد الطهورين القياس المستنبط من الإجماعين، أحدهما: من أفسد الصوم أو حاضت المرأة في نهار رمضان أو طهرت أو بلغ الصبي يجب عليهم الإمساك في بقية النهار، وهل هذا إلا تشبه بالصائمين، والإجماع الثاني: أن من أفسد حجة يجب عليه المضي على الأركان ثم يقضي وليس المضي على الأركان إلا تشبه بالمصلين فلما ثبت التشبه في الصوم والحج نعديه إلى الصلاة، وكذا اِكتفاء بعض السلف بالتكبيرة في التحام القتال من هذا، واعترض الخصم علينا في قولنا: البناء على الصلاة لمن أحدث فيها بحديث الباب، فالجواب: أولًا: إن المشي في الصلاة ليس بصلاة كالإياب والذهاب في صلاة الخوف ليس بصلاة، بل فعل في الصلاة، وثانيًا: بأن البناء روي مرفوعًا عن عائشة، ولكن الصواب عند أرباب الحديث الإرسال، والإرسال مقبول سيما إذا كان مؤيدًا بفتيا الصحابة، فيكون حجة قطعًا، ومن الفتاوى استخلاف عمر وعلي رضوان الله عليهما.
قوله: (ولا صدقة من غلول الخ) الغلول في اللغة: سرقة الإبل، وفي اصطلاح الفقهاء: سرقة مال الغنيمة، ثم اتسع فيه فأطلق على كل مال خبيث، قال في الدر المختار: إن التصدق بالمال الحرام ثم رجاء الثواب منه حرام وكفر، وفرَّق البعض بين الحرام لعينه ولغيره، ومنهم العلامة التفتازاني،
[ ٣٧ ]
أقول: ينبغي الفرق بين الحرام الظني والقطعي، لا في لعينه ولغيره، قال ابن قيم في بدائع الفوائد: من اجتمع عنده مال حرام فتصدق يثاب عليه، وفي الهداية: من اجتمع عنده مال حرام سبيله التصدق وقع التعارض بين الدر والهداية، أقول في دفع التعارض إن ها هنا شيئان:
أحدهما: ائتمار أمر الشارع والثواب عليه.
والثاني: التصدق بمال خبيث، والرجاء من نفس المال بدون لحاظ رجاء الثواب من امتثال الشارع، فالثواب إنما يكون على ائتمار الشارع، وأما رجاء الثواب من نفس المال فحرام، بل ينبغي لمتصدق الحرام أن يزعم بتصدق المال تخليص رقبته ولا يرجو الثواب منه، بل يرجوه من ائتمار أمر الشارع، وأخرج الدارقطني في أواخر الكتاب: أن أبا حنيفة ﵀ سئل عن هذا فاستدل بما روى أبو داود من قصة الشاة والتصدق بها.
قوله: (هذا الحديث أصح) لا يلزم من قوله هذا أن يكون صحيحًا في نفسه، بل مراده بالأصح والأحسن أعلى الحديث في هذا الباب وإن لم يكن حسنًا عند المحدثين، ومن عادة الترمذي إخراجه الأحاديث التي لم يخرجها غيره للاطلاع على ذخيرة الحديث، فمراده أنه أعلى الأحاديث التي لم يخرجها أرباب الصحاح، كذلك قال بعض حفاظ الحديث في عادة الترمذي هذه.
قوله: (وفي الباب عن ابن مليح ﵀ الخ) المراد بذكره ههنا هو أبو أبي المليح لا أبو المليح نفسه، لأن الراوي أبوه، واعلم أن الترمذي مع كونه جامعًا ذخيرة الحديث فيه قليلة بخلاف غيره من أرباب الصحاح إلا أنه يكافئه يذكر: وفي الباب عن فلان وعن فلان الخ، وصنف ابن حجر العسقلاني في استخراج ما ذكر الترمذي في الباب وسماه: «اللباب فيما قال الترمذي وفي الباب» ولكنه غير مطبوع، والأسهل لاستخراج أحاديثه المراجعة إلى مسند أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
[ ٣٨ ]