[ ٥٣ ]
[٩] حديث الباب تمسُّك الشافعي ﵀ وتمسكنما ضابطة الشارع.
قوله: (محمد بن إسحاق) اختلف أهل الجرح والتعديل فيه ما لم يختلف في غيره حتى أن قال
[ ٥٣ ]
مالك بن أنس: إن قمت بين الحجر الأسود وباب الكعبة لحلفت أنه دجال كذاب، وقال البخاري: إنه إمام الحديث، قال ابن الهمام: إنه ثقة (ثلاث مرات)، وقال حافظ الدنيا: إنه ثقة، وفي حفظه شيء وأما البيهقي فيتكلم فيه في كتابه الأسماء والصفات، واعتمد في كتاب القراءة خلف الإمام فالعجب، وعندي أنه من رواة الحسان كما في الميزان، ويمكن أن يكون في حفظه شيء.
قوله: (أبان بن صالح. . الخ) إن كان على وزن الفعل فغير منصرف، وإن كان على وزن فعال فمنصرف.
قوله: (ابن لهيعة ضعيف. . الخ) لأن كتبه احترقت فكان بعده يروي عن حفظه، فخلط الصحيح بالسقيم، وأما في علمه فلا ريب فيه، وقال السفيان الثوري: إني قصدت الحج لمحض زيارته حين سمعت أنه يريد الحج، وأما جواب حديث الباب من جانب الأحناف فهذه وقائع فخرج لها المحاصل، ونأخذ بالضابطة والحديث القولي، لأن حديثنا مشتمل على الحكم مع السبب والحكم النهي عن الاستقبال والاستدبار، والسبب إتيان الغائط، وأما حديث الشافعية فواقعة حال لا عموم لها، ولا نعلم سببها وحكمها، فيكون الأقدم حديثنا كما هو مقتضى الأصول، والمراد من السبب الذي يلزم من وجوده وجوب الحكم، وأما حديث ابن عمر فيحتمل احتمالات كثيرة موافقة لنا ومنافية لنا، قيل: إنه من خصوصيته ﵊ لأن الحقيقة المحمدية أعلى من حقيقة الكعبة، ويمكن فيه لأحد أن الأفضلية في عالم التكوين والخلق لا في عالم التشريع والأحكام التكليفية، ويمكن لنا أن نقول بما في الطحاوي ونوادر الأصول أن ابن عمر لم ير إلا رأسه ﵊، وكان النبي ﵊ محاطًا بلبنات، وفي الاستقبال والاستدبار اعتبار العضو المخصوص لا الرأس، فالتشبت بالتشريع الكلي، ولنا أثر أبي أيوب الأنصاري أيضًا، وراجع صفة مخرجه - ﷺ - من الوفاء وبلغ فضلات الأنبياء من الخصائص، ومن مستدلات الشافعية رواية عراك عن عائشة، أخرجها الدارقطني وابن ماجه أنه لما قيل للنبي - ﷺ - إن الناس يكرهون أن يستقبلوا القبلة بغائط أو بول بفروجهم، فقال
[ ٥٤ ]
النبي - ﷺ -: «أو قد فعلوا ذلك استقبلوا بمقعدتي القبلة» وحسّن النووى سندها، وكذلك حسّن ابن الهمام، ولم يُجب من جانب الحنفية، وقال العيني نقلًا عن أحمد بن حنبل: إنه مرسل لأن عراكًا لم يسمع من عائشة، وقيل أخرج مسلم حديث مسكينة تحمل سكينتين دخلت على عائشة عن عراك عن عائشة، فنقول: أحمد بن حنبل أفضل وأعلى من مسلم، ثم المرسل عند الأحناف مقبول إلا أن الاعتبار لما قال الطحاوي من أن الأعلى هو المتصل لا المرسل، كما في فتح المغيث، لا ما في الحسامي من علو المرسل عن المتصل، وأما المرسل فقبله المالك وأبو حنيفة، وفي رواية عن أحمد، وقبله أبو داود، ولم يقبله البخاري ﵀ والشافعي ﵀، إلا أنه اعتبر به الشافعي في ستة مواضع مذكورة في النخبة، وأكثر السلف موافق لأبي حنيفة في قبول المرسل، ونقول أيضًا: إن مسلمًا نافٍ - أي للواسطة - وأحمد مثبت، والمثبت مقدم على النافي، وروى جعفر بن ربيعة - الذي هو أوثق تلامذة عراك حديث عراك - موقوفًا، وقد ذكره في الجوهر عن البخاري، وقال في الميزان: إن الحديث منكر، وقال عمر بن عبد العزيز خليفة العدل: ما استقبلت وما استدبرت مدة عمري، فروى عراك في مقابلة ذلك الحديث، فلم يعمل عمر بن عبد العزيز بذلك الحديث بعد السماع أيضًا، وكان يكره البصاق نحو القبلة، كما في الفتح، ونقول أيضًا: إن حديثنا أصح شيء في هذا الباب، ومشتمل على الوجه والحكم فيؤخذ به، ونظمت في هذه الضابطة:
~ يا من يؤمّل أن تكو … نَ له سِمات قَبولِهْ
~ خذ بالأصول ومِن نصو … ص نبيهِ ورسولِهْ
~ نصًا على سبب أتى … بالساكت المجهولِهْ
~ دع ما يفوتك وجهه … بالبيِّن المنقولِهْ
~ وخذِ الكلام بفوره … لا عرضه أو طوله
~ ليس الوقائع في شَرا … ئِعه كمثل أصولِهْ
~ كتَطرّقِ الأعذار في … فعل خِلافِ مقولِهْ
ومثل ما قلت قال ابن حزم، وقريب من هذا ما قال أبو بكر بن العربي في شرحه على الترمذي، وقال: إن الأقرب مذهب أبي حنيفة ﵀، وقال ابن القيم في تهذيب السنن: الترجيح لمذهب أبي حنيفة ﵀، واستدل لمذهبنا بما روى حذيفة بن اليمان قال: قال النبي - ﷺ -: «من بزق إلى القبلة يأتي يوم القيامة والبزاق على جبهته»، قال الحافظ في الفتح: إن المصلي يناجي ربه، وتحول
[ ٥٥ ]
رحمة الباري بينه وبين القبلة، فلا يبزقن نحو القبلة وقال العيني: إن الحكم عام في الصلاة والمسجد وغيرهما فإذا نهي عن البزاق يكون الاستقبال والاستدبار منهيًا عنه بالأولى، أقول: لا يصح هذا دليلًا لنا، لأن في الكنز من (ص٢٣٠) قيد المصلي في متن حديث حذيفة، وغفل عنه.
[ ٥٦ ]