[ ٥٠ ]
قرر الشارع الأوراد والأذكار في الأحوال المتواردة، كدخول المسجد، والخروج عنه، والدخول في الخلاء، والخروج عنه، وفي حديث: (كان النبي - ﷺ - يذكر الله على كل أحيانه)، فقيل: المراد به الذكر اللساني، فيرد عليهم أنه ﵊ كان يشتغل بغيره من الأشغال، فكيف يذكر الله على كل أحيانه، وقيل: إن الذكر هو الذكر القلبي، كما في أشغال التصوف، وهذا أيضًا بعيد، فإن اللغة آبية عن هذا المعنى فإن الذكر في اللغة هو اللساني، وأقول: إن المراد من الأحوال هي الأحوال المتواردة لا الأحوال المتشابهة.
[ ٥٠ ]
[٧] قوله: (غفرانك) في الحاشية: أي اغفر غفرانك، أو أسأل غفرانك، ويعني أنه مفعول مطلق أو مفعول به، وعندي أنه مفعول مطلق، كما ذكر الرضي ضابطة، وهي هذه: إذا كان فاعلُ عاملِ المفعول المطلق أو مفعولُه مذكورًا بعده بواسطة الإضافة أو حرف الجر يجب حذف العامل، كما في (سبحانك) وأشار إليه ابن حاجب مجملًا، وأما نكتة حذف العامل فمذكورة في كتاب سيبويه.
قال المغربي: رأيت في كتاب أن آدم لما هبط على الأرض وجد الريح النتنة من الغائط، فقال: (غفرانك) زعمًا منه أنه بسبب ما عهده من أكل الحبة، فجرت هذه السنة في أولاده، والله أعلم.
قوله: (حسن غريب) في بعض المواضع يكون غريب حسن بتقديم الغريب، فقال أبو الفتح بن سيد الناس اليعمري:
إن الأقدم اتهم بشأنه، ثم جمع المصنف بين الحسن والغريب، وللغريب معان:
أحدها: ما فسرها الجمهور به، وهو ما حصل فيه التفرد في أي موضع كان، ولا تنافي بين الغريب والحسن عند الجمهور، لأن سند الحسن أيضًا قد يكون واحدًا.
وثانيها: ما تفرد فيه الراوي بزيادة شيء وليس في المشهور تلك الزيادة.
وثالثها: أحد السندين الواصلين إلى شيخ معين يكون أحدها مشهورًا والآخر متفردًا فيه، فالثاني
[ ٥٠ ]
يكون غريبًا، لكن باعتبار قول الترمذي بين الحسن والغريب تناف، لأنه فسر الحسن في العلل الصغرى، واشترط فيه تعدد الطرق، وفي الغريب تكون وحدة الطريقة، فالأجوبة عديدة، إن مدار الحديث قد يكون واحدًا والرواة عن المدار كثير، فيسمى الحديث بالنسبة إليه غريبًا، وبالنسبة إلى ما تحته من الرواة حسنًا، كما تشير إليه عبارة الترمذي في مواضع، لكن هذا الجواب لا يجري فيما قال الترمذي في الحسن من تعدد الطرق، وقال: ويروى من غير وجه نحو ذلك، وأجيب بأن تعريف الترمذي إنما يؤخذ به إذا كان غير مقرون بالغريب، وإذا كان مقرونًا بالغريب لا يكون المراد ذلك الحسن، وقال ابن صلاح: إن تعريف الخطابي للحسن محمول على الحسن لذاته، وتعريف الترمذي له محمول على الحسن لغيره، ولكنه بعيد لأن الترمذي ربما يحكم بالحسن على أحاديث الصحيحين، ومن القطع أن أحاديث الصحيحين لا تنحط عن مرتبة الحسن لذاته، فكلام ابن صلاح بمراحل عن الصواب، ومنشأ زعمه عدم تقييده رواة الحسان بالإتقان، والحال أن القيد مراد له ومنوي، والجواب: إن تعدد الطرق في الحسن مشروط إذا كان التفرد تفردًا مضرًا، وأما إذا لم يكن مضرًا فلا يشترط التعدد، والتفرد المضر زيادة راوٍ في حديث عن شيخ لم يذكرها غيره من تلامذة ذلك الشيخ، وغير المضر الذي يروى راو حديثًا بتمامه عن شيخ لم يروه غيره من تلامذته عنه وتفرد الراوي المضر قد يكون مقبولًا عند المحدثين، وقد لا يقبل، وأما بعضهم فيقبلونه كليًا، وسبيل التفرد تتبع متابعٍ له أو شاهد، والمتابعة تكون في الرواة، والشهادة من الصحابي، ثم المتابعة قريبة وبعيدة.
(ف) وإذا أقول: لفظ الحجازيين فأريد به الشافعية والموالك، وإذا أقول: لفظ العراقيين أريد به الأحناف، ومذهب أحمد دائر بين العراقيين والحجازيين، ومن عادة الترمذي وأبي داود والنسائي إخراج أحاديث الحجازيين والعراقيين، وقد يأتي بهما مسلم وأما البخاري فيبوب على ما هو مختار عنده.
[ ٥١ ]