قوله: (الهروي الكروخي) صفته لأبي الفتح لضابطة إن الصفات والأحوال إنما تكون للراوي لا لأبيه أو جده إلا عند النقل، كما في يحيى بن سعيد القطان أن القطان صفة سعيد على قول.
قوله: (في العشر الأول) عادة العرب أنهم يعتبرون الليالي في التواريخ ولذلك، أتى بالعشر بدون التاء.
قوله: (الأزدي) نسبة إلى بني أزد - بسكون الزاي - المعجمة اسم قبيلة، وقد يبدل الزاي بالسين، فيقال بني أسد، فإذن يلتبس الأسدي المنسوب إلى هذه القبيلة بالمنسوب إلى بني أسد قبيلة أخرى، فقيل في رفع اللبس أن المنسوب إلى بني أزد يستعمل باللام، فيقال: بني أسد والمنسوب إلى بني أسد بلا لام، فيقال: بني أسد، أقول: هذا إذا لم يكن معه ياء نسبة وإن كانت فلا فرق بينهما، فلا يرتفع الالتباس إلا بأن المنسوب إلى بني أزد يقرأ أَسْديًا بسكون الوسط، والمنسوب إلى بني أسد يقرأ أسَدَيًّا بفتح الوسط، وبمعرفة أسماء الآباء والأجداد والتلامذة والمشايخ بالاستقراء.
قوله: (وأنا أسمع) وإنما زاد هذا لأنه لم يكن قارئًا بل القارىء غيره، وكان هذا ساميًا فكان اسمه مكتوبًا في الطبقة، والطبقة في إصطلاح المحدثين ثبت يكون فيه أسماء شركاء الجماعة، ويكتبه كل واحد من الشركاء ليكون سندًا عند التحديث بالأحاديث التي أخذها من ذلك الشيخ مع هؤلاء الشركاء.
قوله: (المروزي والمرزباني) قال علماء اللغة: إن مرو نسب إليه الشخص فيقال: مروزي بزيادة (ز) أو كما في النسبة إلى الرّي يقال: رازي، وأما إذا نسب إليه غير الشخص يقال: مروى، ومرزبان لفظ فارسي يقال له دهقان ومرز اسم بنت.
قوله: (فأقر به الشيخ الثقة) المراد بالشيخ هو المحبوبي كما في ثبت ابن عابدين، وهذه العبارة ليست في النسخ المعتبرة كما قال مولانا مد ظله العالي، وأما على تقدير وجودها في الكتاب فمرادها أن الشيخ المحبوبي نسخ الكتاب وكان علم من قبله بالصدور، فإذا صار العلم بالكتاب فاحتاج تلامذة الشيخ المحبوبي إلى أن يقر المحبوبي بكتابه وصحته، فلذا قال تلميذ المحبوبي: أقر الشيخ المحبوبي بهذا الكتاب لتوثيق الكتاب.
قوله: (قال أبو عيسى إلخ) قد ورد النهي عن التكني بهذه الكنية، ولعل المصنف ﵀ حمله على خلاف الأولى، لكنه بعيد عن شأن المصنف، ولم يتعرض أحد إلى هذا، وعندي العذر من جانب المصنف أن مغيرة بن شعبة تكنى بأبي عيسى بإجازة النبي - ﷺ -، واسم المصنف محمد بن عيسى الترمذي، وترمذ بلدة على ساحل جيحون وهو النهر الذي يضاف إليه ما وراء النهر، وأما النهران جيحان وسيحان ففي بلدة الشام، وعمر المصنف ﵀ سبعون سنة، وارتحل إلى دار البقاء سنة ٢٧٩ مائتين وتسعة وسبعين من الهجرة النبوية كما قيل:
[ ٣١ ]
~ الترمذي محمد ذو زين … عطر مداه وعمره في مين
وله مناقب غير عديدة، منها ما قال شيخه البخاري: استفدت منك ما لم تستفد مني، وأقول: لست احصل هذا القول، فإن الترمذي وإن كان من جبال الحديث ولكن البخاري كان شمس سماء هذا الفن، ولعله مراده أنه أخذ منه العلم مثل ما لم يأخذ غيره، فإن التلميذ كما يحتاج إلى الاستفادة من الشيخ كذلك يكون الشيخ محتاجًا إلى إفادته وإفشاءه علم الدين، ويحتاج إلى تلميذ ذكي والله أعلم، وله مناقب في الحفظ منها أنه سافر للحج فلقيه بعض المحدثين في الطريق والتمس منه التحديث، قال الشيخ: جيء بالقلم والدواة، فالتمس الترمذي فلم يجدهما فجلس بين يدي شيخه وجعل يجر أصبعه على القرطاس، وأخذ الشيخ في التحديث، وروى له قريب ستين حديثًا، فإذن وقع نظر الشيخ على القرطاس فوجده خاليًا صافيًا فغضب على الترمذي وأخذ يقول إنك تضيع أوقاتي، فقال الترمذي: حفظت الأحاديث فقرأ الأحاديث المسموعة عنه عنده، وله مناقب أخر وأما مرتبة كتاب المصنف ﵀، فأول مراتب الصحاح مرتبة البخاري، والثانية مرتبة مسلم، والثالث مرتبة أبي داود، والرابع مرتبة النسائي، والخامس مرتبة الترمذي، وهذا المذكور من الترتيب هو المشهور، وعندي أن مرتبة النسائي أي كتابه أعلى من كتاب أبي داود، فيكون النسائي في المرتبة الثالثة لما قال النسائي: ما أخرجت في الصغرى صحيح، وقال أبو داود ما أخرجت في كتابي صالح للعمل فيعم الحسن والصحيح، ومرتبة الترمذي في المرتبة الخامسة حتى قال الحافظ سراج الدين القزويني الحنفي: إن في الترمذي ثلاثة أحاديث موضوعة، لكن المحدثين لم يسلموا حكم وضعه، نعم قبلوا ضعفها أشد الضعف، ولو التفت إلى أن الترمذي يحكم على أكثر الأحاديث من الصحة والحسن والضعف فيكون أعلى من أبي داود، لكن أبا داود أعلى من الترمذي بحسب الإجمال وإن لم يحكم على كل واحد من الأحاديث، وأما ابن ماجه فقالت جماعة من المحدثين إن ابن ماجة ليس بداخل في
الصحاح لا شتماله على قريب من اثنين وعشرين حديثًا موضوعًا، فعلى هذا السادس من الصحاح الستة موطأ مالك بن أنس إلا أنه رأى مكتوبًا على ابن ماجه صحيح ابن ماجه بقلم علاء الدين المغلطائي الحنفي وهو معاصر ابن تيمية ومن حفاظ الحديث.
واعلم أن المؤلفات على أنواع كما ذكر الشاه عبد العزيز ﵀ في العجالة النافعة: الجامع الذي يحتوي على ثمانية أشياء وهي هذه سير وآداب وتفسير وعقائد وفتن وأحكام وأشراط ومناقب، والجامع هو الترمذي والبخاري، وأما صحيح مسلم فليس بجامع لقلة التفسير فيه،
والسنن هي التي فيها الأحكام فقط على ترتيب أبواب الفقه، والسنن أبو داود والنسائي وابن ماجه، ويسمى الترمذي أيضًا سننًا تغليبًا، وكذلك إطلاق الصحاح الستة على هذه المعهودة لأن الصحيح صحيح البخاري ومسلم وباقيتها السنن، والمسند الذي يذكر فيها الأحاديث من الصحابة
[ ٣٢ ]
بحسب رعاية ترتيبهم بدون الترتيب في أبواب الفقه، مثلًا يذكر أولًا الأحاديث المروية عن أبي بكر ثم عن عمر ثم عن عثمان وهكذا،
والمعجم الذي يذكر فيه أحاديث الشيوخ مرتبة كالترتيب في المسند.
والجزء الذي يحتوي على أحاديث مسألة واحدة معينة كجزء القراءة للبخاري، وجزء رفع اليدين له، والمفرد: الذي يحتوي على أحاديث شخص واحد مثل أحاديث أبي هريرة أو حذيفة، والغريبة: التي فيها تفردات تلميذ واحد من شيوخه ولم تكن مروية عن غيره من تلامذة ذلك الشيخ، وأنواع أخر، مثل المستخرج، والمستدرك.
أما شرط أرباب الصحاح فاشترط البخاري الإتقان وكثرة الملازمة للشيخ، واشترط مسلم الإتقان فقط، ولا يشترط ثبوت اللقاء أو كثرة الملازمة، بل يكتفي بالمعاصرة بين الراوي والمروي عنه، وهو مذهب الجمهور في التمسك.
واشترط أبو داود كثرة الملازمة فقط، ولم يشترط الترمذي شيئًا منهما، والمراد بهذه الشروط أنهم يكتفون بهذه الشروط ويأتون بما يكون بشرط أعلى من شرطه أيضًا، وبسبب اعتبار كثرة الملازمة وقلتها يقال: إن فلانًا ضعيف في حق فلان وإن كانا ثقتين في أنفسهما، فعلم أن الضعف على قسمين: ضعف في نفسه، وضعف في غيره.
وأما مذهب أرباب الستة الصحاح فقيل: إن البخاري شافعي لأنه تلميذ الحميدي وهو تلميذ الشافعي.
أقول: لو كان المراد على هذا لقيل: إنه حنفي لأنه تلميذ إسحاق بن راهويه، وأما غيره من شيوخه فمفيدون، وإسحاق من أساتذته الكبار، وإسحاق من خاصة تلامذة ابن المبارك، وهو من خاصة تلامذة أبي حنيفة، ولكن الحق أن البخاري مجتهد، وكثيرًا ما يكون اجتهاده موافق الأحناف إلا أنه وافق في المسائل المشهورة بين أهل العصر الإمام الشافعي، مثل: القراءة خلف الإمام، ورفع اليدين، والجهر بآمين.
ويظهر هذا لمن يتتبع صحيحه، ولله در ما قال القاضي أبو زيد الدبوسي: ولمسألة يختلف فيها كبار الصحابة يعوذ فهمها ويصعب الخروج منها، وإن المسائل مختلفة فيما بين المجتهدين، وهي تحت الحديث ويساعده تعامل السلف ويكون السلف الصالح مختلفين فيها لا يمكن الاتفاق على أحدها إلى قيام القيام.
وأما مسلم فلا أعلم مذهبه بالتحقيق، وأما ابن ماجه فلعله شافعي، والترمذي شافعي، وأما أبو داود والنسائي والمشهور أنهما شافعيان، ولكن الحق أنهما حنبليان، وقد شحنت كتب الحنابلة بروايات أبي داود عن أحمد، والله ﷾ أعلم.
[ ٣٣ ]