بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
(١٠) كتاب الحج والعمرة)
الحج يقال بفتح الحاء وكسرها لغتان قرئ بهما فى السبع، وأكثر السبعة بالفتح، وكذا الحجة فيها لغتان فتح الحاء وكسرها أيضا، فمعناه على الفتح الفعلة من الحج أى المرة، وعلى الكسر الحالة والهيئة كالتلبية والأجابة (ومعنى الحج فى اللغة) القصد مطلقا، وقال الجوهرى هو من قولك حججته إذا أتيته مرة بعد أخرى، والأول هو المشهور، وقال الليث والخليل أصل الحج فى اللغة زيارة شاء تعظمه، وقال كثيرون هو إطالة الاختلاف إلى الشاء، واختاره ابن جرير، قال أهل اللغة يقال حج يحج بضم الحاء فهو حاج، والجمع حجاج وحجيج وحجج بضم الحاء، حكاه الجوهرى كنازل ونزل (ومعناه فى عرف الشرع) القصد إلى زيارة البيت الحرام على وجه التعظيم بأفعال مخصوصة كالطواف والسعى والوقوف بعرفة وغيرها محرما بنية الحج (وأما العمرة) ففيها قولان لأهل اللغة، حكاهما الأزهرى وآخرون، أشهرهما أصلها الزيارة، ولم يذكر ابن فارس والجوهرى غيره (والثاني) أصلها القصد، قاله الزجاج وغيره، قال الأزهرى وقيل إنما اختص الاعتمار بقصد الكعبة لأنه قصد إلى موضع عامر، والله أعلم (وقد اختلف فى وقت ابتداء فرض الحج) فقيل نزلت فريضته سنة خمس من الهجرة وأخره النبى ﷺ من غير مانع، فانه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج، وفتح مكة سنة ثمان ولم يحج، وبعث أبا بكر أميرًا على الحج سنة تسع، وحج هو سنة عشر، وعاش بعدها ثمانين يوما ثم قبض، وكل هذه الأمور مجمع عليها بين أهل السير إلا فرض الحج فذكر القرطبى أنه فرض سنة خمس؛ وقيل سنة تسع قال وهو الصحيح، وذكر البيهقى أنه كان سنة ست، وفى حديث ضمام بن ثعلبة ذكر الحج، وذكر محمد بن حبيب أن قدومه كان سنة خمس من الهجرة، وقال الطرطوشى وقد روى أن قدومه على النبى ﷺ كان فى سنة تسع، وذكر الماوردى أنه فرض سنة ثمان وقال إمام الحرمين سنة تسع أو عشر وقيل سنة سبع وقيل كان قبل الهجرة وهو شاذ، والله أعلم
_________________
(١) (رموز واصطلاحات تختص بالشرح) (خ) للبخارى فى صحيحه (م) لمسلم (ق) لهما (د) لأبى داود (مذ) للترمذى (نس) للنسائى (جه) لابن ماجه (الأربعة) لأصحاب السنن الأربعة، أبى داود. والترمذى. والنسائى وابن ماجه (ك) للحاكم فى المستدرك (حب) لابن حبان فى صحيحه (خز) لابن خزيمة (*)
[ ١١ / ٢ ]
-[رموز واصطلاحات تختص بالشرح]-
(١) باب ما ورد فى فضل الحج والعمرة
(١) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه
_________________
(١) عن أبي هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا يزيد أنا *) في صحيحه (بز) للبزار فى مسنده (طب) للطبرانى فى معجمه الكبير (طس) له فى الأوسط (طص) له فى الصغير (ص) لسعيد بن منصور فى سننه (ش) لابن أبى شيبة فى مصنفه (عب) لعبد الرزاق فى الجامع (عل) لأبى يعلى فى مسنده (قط) للدارقطنى فى سننه (حل) لأبى نعيم فى الحلية (هق) للبيهقى فى السنن الكبرى (لك) للأمام مالك فى الموطأ (فع) للأمام الشافعى، فان اتفقا على إخراج حديث قلت أخرجه الأمامان (مى) للدارمى فى مسنده (طح) للطحاوى فى معانى الآثار، وهؤلاء هم أصحاب الأصول والتخريج ﵏، (أما الشراح) وأصحاب كتب الرجال والغريب ونحوهم فاليك ما يختص بهم (طرح) للحافظ أبي زرعة ابن الحافظ العراقى فى كتابه طرح التثريب (نه) للحافظ ابن الأثير فى كتابه النهاية (خلاصة) للحافظ الخزرجى فى كتابه خلاصة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال، ثم إذا قلت (قال الحافظ) وأطلقت فمرادى به الحافظ ابن حجر العسقلانى فى فتح البارى شرح البخارى، فان كان فى غيره بينته (وإذا قلت) قال النووى فالمراد به فى شرح مسلم، فان كان فى المجموع فالرمز له (ج) وإذا قلت قال المنذرى فالمراد به الحافظ زكى الدين عبد العظيم بن عبد القوى المنذرى فى كتابه الترغيب والترهيب (وإذا قلت) قال الهيثمى فالمراد به الحافظ على بن أبى بكر بن سليمان الهيثمى فى كتابه مجمع الزوائد (وإذا قلت) قال فى التنقيح فالمراد به المحدث الشهير أبو الوزير أحمد حسن فى كتابه تنقيح الرواة فى تخريج أحاديث المشكاة (واذا قلت) قال فى المنتقى فالمراد به الحافظ مجد الدين عبد السلام المعروف بابن تيمية الكبير المتوفى سنة ٦٢١ جد ابن تيمية المشهور شيخ ابن القيم (واذا قلت) قال الزيلعى فمرادى الحافظ جمال الدين الزيلعى فى كتابه نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية (وإذا قلت) قال الشوكانى فالمراد به المحدث الشهير محمد بن على بن محمد الشوكانى فى كتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، فان نقلت عن غير هؤلاء ذكرت أسماءهم وأسماء كتبهم، رحمة الله عليهم أجمعين (تنبيه) يجد القاراء بالاستقراء من أول الكتاب إلى نهاية الجزء السابع أنى أورد فى الشرح فى آخر كل باب قبل الأحكام ما يتيسر لى من الأحاديث الزائدة على ما أخرجه الأمام أحمد فى الباب سواء أكانت فى الصحاح أو السنن أو المعاجم أو الجوامع أو المسانيد وسواء كانت صحيحة أو حسنة أو ضعيفة ضعفا يقوى بغيرها من طرق أخرى، وهذا الأخير لا أذكره إلا نادرا، معرضا عن ذكر الأحاديث الشديدة الضعف لأنها لا يعمل بها ولا فائدة فى ذكرها (*
[ ١١ / ٣ ]
-[بيان أن الحج من أفضل الأعمال]-
وعلى آله وصحبه وسلَّم أفضل الأعمال عند الله إيمانٌ لا شكَّ فيه وغزوٌ لا غلول فيه وحجٌّ مبرورٌ قال أبو هريرة رضى الله ﵎ عنه
_________________
(١) هشام عن يحيى عن أبى جعفر أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ أفضل الأعمال- الحديث" (غريبه) (١) وقع فى رواية لمسلم "إيمان بالله ورسوله" وفى ذكر الأيمان بعد قوله أفضل الأعمال عند الله تصريح بأن العمل يطلق على الأيمان (قال النووى) المراد به والله أعلم الأيمان الذى يدخل به فى ملة الأسلام وهو التصديق بقلبه والنطق بالشهادتين، فالتصديق عمل القلب والنطق عمل اللسان، ولا يدخل فى الأيمان ههنا الأعمال بسائر الجوارح كالصوم والصلاة والحج والجهاد وغيرها لكونه جعل قسما للجهاد والحج، ولقوله ﷺ ايمان بالله ورسوله، ولا يقال هذا فى الأعمال، ولا يمنع هذا من تسمية الأعمال المذكورة ايمانا اهـ (قلت) يعنى باعتبار أنه لا يكمل الأيمان الا بها "وقوله لا شك فيه" قيد مخرج لمن آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه كمن يشك فيما علم من الدين بالضرورة كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء وافتراض الصلوات الخمس والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك فهذا لا يقال له مؤمن (٢) الغزو هو الجهاد فى سبيل الله لاعلاء كلمة الله ونصر دينه ودفع المعتدين من الكفار على بلاد المسلمين "والغلول" السرقه من الغنيمة قبل القسمة وهو من الكبائر قال تعالى ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ فالمجاهد إذا غل لا يكون مجاهدا وليس له فى الجهاد ثواب بل عليه الوزر وشدة العذاب، نسأل الله السلامة، وسيأتى الكلام عليه أيضا فى كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى (٣) قال النووى الأصح الأشهر أن المبرور هو الذى لا يخالطه إثم مأخوذ من البر وهو الطاعة، وقيل هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع خيرا مما كان ولا يعاود المعاصى، وقيل هو الذى لا رياء فيه، وقيل الذى لا يعقبه معصية وهما داخلان فيما قبلهما اهـ *) قاصدا بذلك أن يكون (كتابى هذا أجمع كتاب) فى علم السنة لا يحتاج مقتنيه إلى غيره، ولما كانت هذه الأحاديث الزائدة تزداد فى كل جزء عن سابقه بحسب زيادة المواد التى لم تكن موجودة قبل ذلك وكان لها ارتباط بالأحكام وتكثر الأشارة إليها فى الشرح، رأيت أن أترجم لها بعنوان (زوائد الباب) وتكون الأشارة اليها بلفظ الزوائد (فاذا قلت) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على كذا أو حديث عمر مثلا الذى فى الزوائد يدل على كذا، فمرادى بلفظ الزوائد ما زدته فى الشرح من الأحاديث التي تناسب الباب لغير الأمام أحمد، فتنبه والله الهادي
[ ١١ / ٤ ]
-[كلام العلماء فى أحاديث تفضيل الأعمال - والجمع بين ما تعارض منها]-
حجٌّ مبرورٌ يُكفِّر خطايا تلك السَّنة (١)
_________________
(١) هذا قول أبى هريرة ولا ينافى ما جاء مرفوعا أنه يرجع كهيئته يوم ولدته أمه كما فى الحديث الآتى، وهو كناية عن غفران الذنوب كلها. وسيأتى الكلام عليه فى شرحه (واعلم) أنه جاء فى تفضيل الأعمال أحاديث صحيحة غير هذا عند الشيخين والأمام أحمد فى غير هذا الموضع على غير هذا الترتيب كما فى (حديث ابن مسعود) تفضيل الصلاة ثم بر الوالدين ثم الجهاد، وفى حديث أبى ذر الأيمان والجهاد ولم يذكر الحج (وفى حديث عبد الله بن عمرو) أى الأسلام خير قال تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف (وفى حديث أبى موسى) وعبد الله بن عمر أى المسلمين خير قال من سلم المسلمون من لسانه ويده (وصح فى حديث عثمان) خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وأمثال هذا فى الصحيح كثيرة فكيف الجمع بينها؟ "قال النووى" ﵀ اختلف العلماء فى الجمع بينها، فذكر الأمام الجليل أبو عبد الله الحليمى الشافعى عن شيخه الأمام العلامة المتقن أبى بكر القفال الشاشى الكبير وهو غير القفال الصغير المروزى المذكور فى كتب متأخرى أصحابنا الخراسانيين، قال الحليمى وكان القفال أعلم من لقيته من علماء عصره أنه جمع بينها بوجهين (أحدهما) أن ذلك اختلاف جواب جرى على حسب اختلاف الأحوال والأشخاص، فانه قد يقال خير الأشياء كذا ولا يراد به خير جميع الأشياء من جميع الوجوه وفى جميع الأحوال والأشخاص، بل فى حال دون حال أو نحو ذلك. واستشهد فى ذلك بأخبار، منها عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال حجة لمن لم يحج أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة (الوجه الثانى) أنه يجوز أن يكون المراد من أفضل الأعمال كذا أو من خيرها، أو من خيركم من فعل كذا، فحذفت من وهى مرادة. كما يقال فلان أعقل الناس وأفضلهم. ويراد أنه من أعقلهم وأفضلهم؛ ومن ذلك قول رسول الله ﷺ خيركم خيركم لأهله، ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقًا، ومن ذلك قولهم أزهد الناس فى العالم جيرانه، وقد يوجد فى غيرهم من هو أزهد منهم فيه، هذا كلام القفال، وعلى هذا الوجه الثانى يكون الأيمان أفضلها مطلقا، والباقيات متساوية فى كونها من أفضل الأعمال والأحوال، ثم يعرف فضل بعضها على بعض بدلائل تدل عليها وتختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فان قيل فقد جاء فى بعض هذه الروايات أفضلها كذا ثم كذا بحرف ثم وهى موضوعة للترتيب (فالجواب) أن ثم هنا للترتيب فى الذكر كما قال تعالى ﴿وما أدراك ما العقبة فك رقبة﴾ الى قوله ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ ومعلوم أنه ليس المراد هنا الترتيب فى الفعل، وكما قال تعالى ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا وبالوالدين احسانا ولا تقتلوا -الى قوله- ثم آتينا موسى الكتاب﴾
[ ١١ / ٥ ]
-[كلام العلماء فى الحكمة فى ذكر الجهاد قبل الحج فى حديث أبى هريرة]-
(٢) وعنه أيضًا قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من حجَّ (وفى روايةٍ من أمَّ هذا البيت) فلم يرفث ولم
_________________
(١) وقوله تعالى ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ ونظائر ذلك كثيرة وأنشدوا: قل لمن ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده وذكر القاضى عياض فى الجمع بينهما وجهين * (أحدهما) * نحو الأول من الوجهين اللذين حكيناهما، قال قيل اختلف الجواب لاختلاف الأحوال، فأعلم كل قوم بما بهم حاجة اليه، أو بما لم يكملوه بعد من دعائم الأسلام ولا بلغهم علمه * (والثاني) * أنه قدَّم الجهاد على الحج لانه كان أول الاسلام، ومحاربة أعدائه والجد فى اظهاره (وذكر صاحب التحرير) هذا الوجه الثانى ووجها آخر أن ثم لا تقتضى ترتيبًا، وهذا قول شاذ عند أهل العربية والأصول، ثم قال صاحب التحرير والصحيح أنه محمول على الجهاد فى وقت الزحف الملجاء والنفير العام، فانه حينئذ يجب الجهاد على الجميع، وإذا كان هكذا فالجهاد أولى بالتحريض والتقديم من الحج لما فى الجهاد من المصلحة العامة للمسلمين مع أنه متعين متضيق فى هذا الحال بخلاف الحج، والله أعلم اهـ * (قلت) * وهو وجيه (تخريجه) (حب) فى صحيحه بلفظ حديث الباب، ورواه الشيخان عن أبى هريرة أيضا قال سئل رسول الله ﷺ أى العمل أفضل؟ قال ايمان بالله ورسوله قيل ثم ماذا؟ قال جهاد فى سبيل الله قيل ثم ماذا؟ قال حج مبرور، وللامام أحمد أيضا بهذا اللفظ وتقدم فى أول كتاب الايمان
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم عن سيار عن أبى حازم عن أبى هريرة- الحديث" (غريبه) (١) فى رواية للبخارى "من حج لله فلم يرفث (٢) فى رواية أخرى للبخارى أيضا "من حج هذا البيت" ولمسلم "من أتى هذا البيت" وهو يشمل الأتيان للحج والعمرة (وللدارقطنى) من طريق الاعمش عن أبى حازم بسند فيه ضعف من حج واعتمر (٣) بتثليث الفاء فى المضارع والماضى؛ لكن الأفصح الضم فى المضارع والفتح فى الماضى، أى الجماع أو الفحش فى القول، أو خطاب الرجل المرأة فيما يتعلق بالجماع (وقال الازهرى) الرفث اسم جامع لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عمر يخصه بما خوطب به النساء "وقوله ولم يفسق" أى لم يأت بسيئه ولا معصية. وقال سعيد بن جبير فى قوله تعالى ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج﴾ الرفث إتيان النساء والفسوق السباب. والجدال المراء، يعنى مع الرفقاء والمكارين. ولم يذكر فى الحديث الجدال فى الحج اعتمادا على الآية، ويحتمل أن يكون ترك الجدال قصدًا، لأن وجوده لا يؤثر في
[ ١١ / ٦ ]
-[تكفير كل الذنوب بالحج - ومباهات الله تعالى ملائكته بأهل عرفة]-
يفسق رجع كهيئته يوم ولدته أمُّه
(٣) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم كان يقول إنَّ الله ﷿ يباهي ملائكته
_________________
(١) ترك مغفرة ذنوب الحاج إذا كان المراد به المجادلة فى أحكام الحج لما يظهر من الأدلة، أو المجادلة بطريق التعميم لا تؤثر أيضا، لأن الفاحش منها دخل فى عموم الرفث، والحسن منها ظاهر فى عدم التأثير، والمستوى الطرفين لا يؤثر أيضا، قاله الحافظ، والفاء فى قوله فلم يرفث عطف على الشرط (١) هذا جواب الشرط، أى رجع من ذنوبه "كهيئته يوم ولدته أمه" أى مشابها لنفسه فى أنه يخرج بلا ذنب كما خرج بالولادة وهو يشمل الصغائر والكبائر والتبعات (قال الحافظ) وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرح بذلك (قلت سيأتى فى أحكام الباب) قال وله شاهد من حديث ابن عمر فى تفسير الطبرى اهـ. لكن قال الطبرى إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجر عن وفائها (وقال الترمذى) هو مخصوص بالمعاصى المتعلقة بحقوق الله خاصة دون العباد ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنوب تأخيرها فنفس التأخير يسقط بالحج لا هى أنفسها فلو أخرها بعده تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق (قلت) ظاهر الحديث يدل على غفران الذنوب التى قبل الحج كلها صغيرها وكبيرها مطلقا وفضل الله واسع، ويؤيد ذلك ما جاء فى صحيح مسلم فى كتاب الأيمان فى (باب كون الأسلام يهدم ما قبله، وكذا الحج والهجرة) من حديث عمرو بن العاص أن النبى ﷺ قال له "أما علمت أن الأسلام يهدم ما كان قبله. وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها. وأن الحج يهدم ما كان قبله- الحديث" ومعنى يهدم ما كان قبله أى يسقطه ويمحوا أثره والله أعلم (تخريجه) (ق. نس. جه) ورواه أيضا الترمذى إلا أنه قال غفر له ما تقدم من ذنبه
(٢) عن عبد الله بن عمرو (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أزهر ابن القاسم ثنا المثنى يعنى ابن سعيد عن قتادة عن عبد الله بن بابا عن عبد الله بن عمرو بن العاص- الحديث (غريبه) (٢) المباهاة لغة ذكر مآثر نفسه وأصوله للاستعلاء على الغير، وهذا محال على الله ﷾، فالمراد اظهار فضل الحجاج للملائكة لأنهم قمعوا شهواتهم بخلاف الملائكة، فانهم وان كانوا معصومين، إلا أن ذلك بالجبلة لعدم تركيب
[ ١١ / ٧ ]
-[المتابعة بين الحج والعمرة تنفى الفقر والذنوب]-
عشيَّة عرفة بأهل عرفة، فيقول انظروا إلى عبادى أتونى شعثًا غبرًا
(٤) وعن أبى هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ مثله
(٥) عن عمر بن الخطَّاب ﵁ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال تابعوا بين الحجِّ والعمرة، فإنَّ متابعةً بينهما ينفيان الفقر والذُّنوب كما ينفى الكير الخبث
_________________
(١) الشهوة فيهم، والمراد الحجاج الذين حجوا بمال حلال قاصدين وجه الله تعالى مخلصين له فى حجهم بدون رياء؛ فلا مباهاة بمن حج من حرام أو قصد افتخارا "وقوله عشية عرفة" أى وقت الوقوف بعرفة (١) بضم الشين المعجمة وسكون العين المهملة آخره مثلثة. أى لم يتعهدوا تنظيف أبدانهم وملابسهم وشعورهم "وقوله غبرا" أى قد علاهم غبار الأرض، قال المناوى وذا يقتضى الغفران وعموم التكفير (تخريجه) أخرجه أيضا الطبرانى فى الكبير ورجال الأمام أحمد موثقون
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو قطن واسماعيل ابن عمر قالا ثنا يونس عن مجاهد أبى الحجاج عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن الله ﷿ ليباهى الملائكة بأهل عرفات يقول "انظروا إلى عبادى شعثا غبرا" (تخريجه) (حب. ك) وقال صحيح على شرطهما ولم يخرجاه اهـ (قلت) وأقره الذهبى
(٣) عن عمر بن الخطاب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن عمر ﵁ يبلغ به النبى ﷺ، وقال سفيان مرة عن النبى ﷺ- الحديث" (غريبه) (٢) أى أوقعوا المتابعة بينهما بأن تجعلوا كلا منهما تابعًا للآخر أى إذا حججتم فاعتمروا واذا اعتمرتم فحجوا (٣) هكذا بالأصل (فان متابعة بينهما ينفيان) أى تجعلهما ينفيان الفقر والذنوب الخ، أى يزيلانه وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد والفقر الباطن بحصول غنى القلب، وكذلك يزيلان الذنوب ويمحوانها، قيل المراد بها الصغائر ولكن يأباه قوله "كما ينفى الكير الخ" وهو ما ينفخ به الحداد لاشتعال النار لتصفية خبث الحديد (٤) الخبث بفتحتين ويروى بضم فسكون، والمراد الوسخ والرداء الخبيث (تخريجه) (ش جه) وفى اسناده عاصم بن عبيد الله ضعيف، لكن يعضده الحديثان بعده
[ ١١ / ٨ ]
-[فضل المتابعة بين الحج والعمرة]-
(٦) عن عبد الله بن عامرٍ عن أبيه ﵁ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم مثله - وفيه فإنَّ متابعةً بينهما تزيد فى العمر والرِّزق وتنفيان الذنوب كما ينفى الكير خبث الحديد
(٧) عن عبد الله (بن مسعودٍ) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ تابعوا بين الحجِّ والعمرة فإنَّهما ينفيان الفقر والذُّنوب كما ينفى الكير خبث الحديد والذَّهب والفضَّة، وليس للحجَّة المبرورة ثوابٌ دون الجنَّة
(٨) عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ الحجُّ المبرور
_________________
(١) عن عبد الله بن عامر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أسود ابن عامر ثنا شريك عن عاصم عن عبد الله بن عامر عن أبيه- الحديث" (غريبه) (١) هو عامر بن ربيعة الصحابي ﵁، وهذا الحديث رواه عامر عن النبى ﷺ بدون واسطة، والحديث السابق رواه عامر عن النبى ﷺ بواسطة عمر، فهذا من مسند عامر، وذاك من مسند عمر ﵄ (٢) المراد بالزيادة هنا البركة، فاذا كان عمره عشرين عاما مثلا بارك الله له فيها بتوفيقه للأعمال الصالحة ومضاعفة الثواب حتى يكون ثوابه أكثر ممن عاش أربعين عاما لم يعمل مثل عمله، وإذا كان يكتسب كل يوم درهما مثلا بارك الله له فيه حتى يكون كمن عنده عشرة دراهم وهكذا (تخريجه) (جه) وفى اسناده عاصم ابن عبيد الله أيضا ويعضده حديث ابن مسعود الآتى بعده
(٢) عن عبد الله (بن مسعود) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو خالد الأحمر قال سمعت عمرو بن قيس عن عاصم عن شقيق عن عبد الله- الحديث" (غريبه) (٣) تقدم الكلام فى معنى الحج المبرور فى شرح الحديث الأول من أحاديث الباب (والثواب) الجزاء، والمعنى أن الحج المبرور ليس له جزاء إلا دخول الجنة أوَّلا وإلا فمطلق الدخول يكفى فيه الأيمان، وهذا الحديث من أدلة القائلين بأن الحج يكفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها والله أعلم (تخريجه) (د. مذ) وقال حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح غريب من حديث عبد الله بن مسعود
(٣) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا عبد الرحمن قال
[ ١١ / ٩ ]
-[الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة]-
ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة، والعمرتان تكفِّران ما بينهما من الذُّنوب
(٩) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ الحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة، قالوا يا نبيَّ الله ما الحجُّ المبرور؟ قال إطعام الطَّعام وإفشاء السَّلام
(١٠) عن أبى سعيدٍ الخدرىِّ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال
_________________
(١) ثنا سفيان عن سمى عن أبى صالح عن أبى هريرة- الحديث (غريبه) (١) هذا ظاهر فى فضيلة العمرة وأنها مكفرة للخطايا الواقعة بين العمرتين، وسبق فى أول أبواب الوضوء فى شرح حديث عمرو بن عبسة رقم ١٨٣ صحيفة ٣٠٠ بيان هذه الخطايا وبيان الجمع بين هذا الحديث وأحاديث تكفير الوضوء للخطايا وتكفير الصلاة، وقد أشار ابن عبد البر إلى أن المراد تكفير الصغائر دون الكبائر، قال وذهب بعض علماء عصرنا إلى تعميم ذلك ثم بالغ فى الأنكار عليه (قال الحافظ) واستشكل بعضهم كون العمرة كفارة مع أن اجتناب الكبائر يكفر. فماذا تكفر العمرة؟ (والجواب) أن تكفير العمرة مقيد بزمنها؛ وتكفير الاجتناب عام لجميع عمر العبد فتغايرا من هذه الحيثية والله أعلم (تخريجه) (م. نس. وغيرهما) وللأمام أحمد أيضا عن عامر بن ربيعة قال قال رسول الله ﷺ العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما من الذنوب والخطايا، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا عبد الصمد ثنا محمد بن ثابت ثنا محمد بن المنكدر عن جابر- الحديث" (غريبه) (٢) أى ما علامة الحج المبرور؟ قال "اطعام الطعام" يعنى للفقراء والمساكين "وإفشاء السلام" يعنى اظهاره والبدء به على من عرف ومن لم يعرف (وفى رواية عند الطبرانى) من حديث جابر أيضًا قال وطيب الكلام بدل وإفشاء السلام، والمراد أن هذه الخصال من علامات الحج المبرور وليست علاماته قاصرة على هذه، والظاهر والله أعلم أنه ﷺ أجاب السائل بذلك لكونه رأى منه التقصير فى هذه الخصال، لأنه ﷺ كان يجيب كل انسان على حسب حاله (تخريجه) أورده المنذرى بلفظ اطعام الطعام وطيب الكلام وهو لفظ الطبرانى، ثم قال رواه أحمد والطبرانى فى الأوسط بأسناد حسن وابن خزيمة فى صحيحه والبيهقى والحاكم مختصرا وقال صحيح الأسناد (وفى روايه لأحمد والبيهقى) "اطعام الطعام وافشاء السلام"
(٣) عن أبى سعيد الخدرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان
[ ١١ / ١٠ ]
-[استمرار الحج والعمرة إلى ما بعد خروج يأجوج ومأجوج - وفضل النفقة فى الحج]-
ليحجَّنَّ البيت وليعتمرنَّ بعد خروج يأجوج ومأجوج
(١١) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال قال رسول الله ﷺ النَّفقة فى الحجِّ كالنفقة فى سبيل الله بسبعمائة ضعفٍ
(١٢) عن أمِّ سلمة ﵂ قالت قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم الحجُّ جهاد كلِّ ضعيفٍ
_________________
(١) قال ثنا أبان ثنا قتادة عن عبد الله بن أبى عتبة عن أبى سعيد الخدرى- الحديث" (غريبه) (١) بضم المثناة التحتية وفتح الحاء والجيم مبنيا للمفعول مؤكدا بالنون الثقيلة؛ وكذا قوله وليعتمرن، ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، وهما قبيلتان من يافث بن نوج، وبه جزم غير واحد من الأوائل، وعليه كثير من الأواخر والله أعلم (٢) هذا الحديث يفهم منه أن البيت يحج حتى بعد أشراط الساعة، لكن يعارضه ما ورد فى الصحيحين وعند الأمام أحمد وغيرهم أن الحبشة يخربون البيت فلا يعمر بعد ذلك، وما ورد عندهم أيضا بلفظ "لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت، وظاهر هذا التعارض، لأنه يفهم من هذين الحديثين عدم الحج بعد أشراط الساعة وخراب البيت، ويفهم من حديث الباب عكس ذلك، وقد جمع الحافظ بينهما بأنه لا يلزم من حج البيت بعد خروج يأجوج ومأجوج أن يمتنع الحج فى وقت مّا عند قرب ظهور الساعة، قال ويظهر والله أعلم أن المراد بقوله ليحجن البيت أى مكان البيت يحج؛ لأن الحبشة إذا خربوه لم يعمر بعد ذلك اهـ (تخريجه) (خ. خز. عل) وأبو داود الطيالسى وأبو عوانة
(٢) عن عبد الله بن بريدة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا بكر بن عيسى ثنا أبو عوانة ثنا عطاء بن السائب عن أبى زهير عن عبد الله بن بريدة الخ (غريبه) (٣) المعنى أن النفقة فى الحج تضاعف إلى سبعمائة ضعف كالنفقة فى الجهاد لأنها كلها فى سبيل الله (تخريجه) أورده المنذرى وقال رواه أحمد والطبرانى فى الأوسط والبيهقى واسناده حسن
(٣) عن أم سلمة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا القاسم ابن الفضل عن أبى جعفر محمد بن على عن أم سلمة- الحديث" (غريبه) (٤) المعنى أن من أراد الجهاد فى سبيل الله لأعلاء كلمة الله وابتغاء مرضاة الله وعجز عن ذلك لمرض ألمَّ به أو لضعف ببدنه وكان يمكنه الحج فليحج البيت، فان فعل ذلك كتب الله له مثل ثواب المجاهد فى سبيل الله ببركة نيته وإخلاصه وفضل الله واسع (تخريجه) (جه) ورجاله ثقات
[ ١١ / ١١ ]
-[الحج والعمرة جهاد الكبير. والضعيف. والمرأة]-
(١٣) عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التَّيميِّ عن أبى هريرة ﵁ عن رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أنَّه قال إن كان قاله جهاد الكبير والضَّعيف والمرأة الحجُّ والعمرة
_________________
(١) عن محمد بن إبراهيم (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هارون قال حدثنى ابن وهب عن حيوة عن ابن الهاد عن محمد بن ابراهيم- الحديث" (غريبه) (١) هكذا فى الأصل "ان كان قاله" لكن رواه النسائى عن محمد بن ابراهيم أيضا عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال "جهاد الكبير. والصغير. والضعيف. والمرأة. الحج والعمرة" وهذا اتم وأظهر، والمعنى ان الحج والعمرة يقومان مقام الجهاد لمن منعه عنه كبر. أو ضعف بدن، أو صغر، أو أنوثة، ويؤجرون عليهما كأجر الجهاد، والله تعالى أعلم (تخريجه) (نس) وسنده جيد (زوائد الباب) (عن ابن عمر ﵄) قال قال رسول الله ﷺ استمتعوا بهذا البيت فقد هدم مرتين ويرفع فى الثالثة، (بز. طب) ورجاله ثقات (وعن الحسين بن على) ﵄ قال جاء رجل الى النبى ﷺ فقال إنى جبان وإنى ضعيف، فقال هلم إلى جهاد لا شوكة فيه الحج (طب. طس) ورجاله ثقات (وقوله لا شوكة فيه أى لا قتال فيه، وشوكة القتال شدّته وحدّته (نه) (وعن عثمان بن سليمان) عن جدته أم أبيه قالت جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال إنى أريد الجهاد فى سبيل الله، قال الا أدلك على جهاد لا شوكة فيه؟ قلت بلى- قال حج البيت (طب) وفيه الوليد بن أبى ثور ضعفه أبو زرعة وجماعة وزكاه شريك (وعن أبى سعيد الخدرى) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن الله يقول إن عبدا أصححت له بدنه وأوسعت عليه فى الرزق لم يفد إلىَّ فى كل اربعة أعوام لمحروم، رواه الطبرانى فى الأوسط وأبو يعلى الا أنه قال خمسة أعوام ورجال الجميع رجال الصحيح (وعن أنس بن مالك) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ الحج فى سبيل الله، النفقة فيه الدرهم بسبعمائة (طس) وفيه من لم أعرفه (وعن جابر) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن للكعبة لسانا وشفتين ولقد اشتكت إلى الله فقالت يا رب قلَّ عوادى وقلَّ زوارى، فأوحى الله ﷿ إنى خالق بشرا خشَّعا سجَّدا يحنون اليك كما تحن الحمامة إلى بيضها (طس) وفيه سهل بن قرين وهو ضعيف (وعن أبى ذر) ﵁ أن النبى ﷺ قال ان داود النبى ﷺ قال إلا هى ما لعبادك عليك إذا هم زاروك فى بيتك؟ قالَّ إن لكل زائر على المزور حقا، يا داود إن لهم على أن أعافيهم في الدنيا وأغفر لهم
[ ١١ / ١٢ ]
-[زوائد الباب فى فضل الحج والعمرة - وكلام العلماء فى ذلك]-
__
_________________
(١) إذا لقيتهم (طس) وفيه محمد بن حمزة الرقى وهو ضعيف (وعن جابر بن عبد الله) ﵄ رفعه قال ما أمعر حاج قط، قيل لجابر ما الأمعار؟ قال ما افتقر، (طس. بز) ورجاله رجال الصحيح- الأمعار أصله من معر الرأس وهو قلة شعره (وعن عائشة ﵂) قالت قال رسول الله ﷺ من خرج فى هذا الوجه لحج أو عمرة فمات فيه لم يعرض ولم يحاسب وقيل له ادخل الجنة، قالت وقال رسول الله ﷺ ان الله يباهى بالطائفين (عل طس) وفى اسناد الطبرانى محمد بن صالح العدوى. ولم أجد من ذكره. وبقية رجاله رجال الصحيح وإسناد أبى يعلى فيه عائذ بن بشير وهو ضعيف (وعن أبى هريرة) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاج الى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا فمات كتب له أجر المعتمر الى يوم القيامة، ومن خرج غاريا فمات كتب له أجر الغازى الى يوم القيامة (طس) وفي جميل بن أبى ميمونة، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان فى الثقات (وعن جابر) ﵁ أن النبى ﷺ قال ان هذا البيت دعامة من دعائم الأسلام، فمن حج البيت أو اعتمر فهو ضامن على الله فان مات أدخله الجنة، وان رده الى أهله رده بأجر وغنيمة (طس) وفيه محمد بن عبد الله ابن عمير وهو متروك (وعن سهل بن سعد) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما راح مسلم فى سبيل الله مجاهدا أو حاجا مهلا أو ملبيا إلا غربت الشمس بذنوبه وخرج منها (طس) وفيه من لم أعرفه، أورد هذه الزوائد الحافظ الهيثمى وتكلم عليها جرحا وتعديلا، هذا وقد جاء فى مسند الأمام أحمد ﵀ أحاديث كثيرة فى خصال متعددة من أفضل الأعمال، كالحج. والجهاد. والصلاة. وغير ذلك ستأتى (فى باب الترغيب فى خصال متعددة من أفضل أعمال البر) من قسم الترغيب ان شاء الله تعالى (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على فضل الحج والعمرة وانهما يمحوان الذنوب كلها صغيرها وكبيرها إذا حسنت النية وتمحض الأخلاص لله ﷿، وتقدم الكلام فى الشرح على ما قاله العلماء فى ذلك، وحديث العباس بن مرداس الذى أشار اليه الحافظ (فى الكلام على قوله فى حديث أبى هريرة- رجع كهيئته يوم ولدته أمه) رواه ابن ماجه عن عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس أن أباه أخبره عن أبيه أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة فأجيب انى قد غفرت لهم ما خلا الظالم فانى آخذ للمظلوم منه، قال أى رب إن شئت أعطيت المظلوم الجنة وغفرت للظالم، فلم يجب عشية عرفة، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب الى ما سأل، قال فضحك رسول الله ﷺ أو قال تبسم، فقال له أبو بكر وعمر ﵄ بأبى أنت وأمى إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذى أضحكك؟
[ ١١ / ١٣ ]
-[أدلة وجوب الحج]-
(٢) باب وجوب الحج
(١٤) عن عليٍّ ﵁ قال لمَّا نزلت هذه الآية ﴿ولله على النَّاس حجُّ البيت من استّطاع إليه سبيلًا﴾ قالوا يا رسول الله أفي كلِّ عامٍ؟ فسكت فقالوا أفى كلِّ عامٍ؟ فسكت، قال ثمَّ قالوا أفى كلِّ عامٍ؟ فقال لا، ولو قلت نعم لوجبت فأنزل الله تعالى ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن
_________________
(١) أضحك الله سنك، قال ان عدو الله ابليس لما علم أن الله قد استجاب دعائى وغفر لأمتى أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه ويدعو بالويل والثبور، فأضحكنى ما رأيت من جزعه (وأورده المنذرى) أيضا وقال رواه البيهقى من حديث ابن كنانة بن العباس بن مرداس ولم يسمه عن أبيه عن جده عباس، ثم قال وهذا الحديث له شواهد كثيرة وقد ذكرناها فى كتاب البعث، فان صح بشواهده ففيه الحجة، وان لم يصح فقد قال الله تعالى ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ وظلم بعضهم بعضا دون الشرك اهـ (قلت) ورواه الأمام أحمد أيضا وسيأتى فى الباب السادص فى دعوات النبى ﷺ لأمته من أبواب فضائل الأمة المحمدية وهو أحد الأحاديث التى أوردها ابن الجوزى فى الموضوعات وذب عنها الحافظ رحمه الله تعالى، وسيأتى الكلام عليه هناك وذكر ما ذب به الحافظ عنه والله أعلم، وقد تمسك بحديث ابن مسعود وحديث أبى هريرة الذى بعده من أحاديث الباب من قال بوجوب العمرة، ولكنه لا يكون مجرد اقتران العمرة بهذه الأمور الواجبة دليلا على الوجوب لما سيأتى فى باب حكم العمرة من حديث جابر قال أتى النبى ﷺ أعرابى، فقال يا رسول الله أخبرنى عن العمرة أواجبة هى؟ فقال رسول الله ﷺ لا، وان تعتمر خير لك وسيأتى الكلام عليه هناك ان شاء الله تعالى (وفى أحاديث الباب أيضا) فوائد كثيرة تقدم الكلام عليها فى الشرح. والله الموفق
(٢) عن على ﵁ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا منصور بن وردان الأسدى ثنا على بن عبد الأعلى عن أبيه عن أبى البخترى عن على ﵁- الحديث" (غريبه) (١) فيه دليل على أن الحج لا يجب الا مرة واحدة وهو مجمع عليه كما قال النووى والحافظ وغيرهما، وكذلك العمرة عند من قال بوجوبها لا تجب إلا مرة إلا أن ينذر بالحج أو العمرة وجب الوفاء بالنذر بشرطه (٢) ظاهره يقتضى أن افتراض الحج كل عام كان مفروضًا عليه، حتى لو قال نعم لحصل، وليس بمستبعد
[ ١١ / ١٤ ]
-[الدليل على أن الحج واجب فى العمر مرة]-
تبد لكم تسؤكم الى آخر الآية﴾
(١٥) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال يا أيُّها النَّاس كتب عليكم الحجُّ، قال فقام الأقرع بن حابسٍ فقال فى كلِّ عامٍ يا رسول الله؟ قال لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها أو لم تستطيعوا أن تعملوا بها، فمن زاد فهو تطوُّعٌ (وعنه من طريقٍ ثانٍ) أنَّ الأقرع بن حابسٍ سأل رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم الحجُّ كلّ عامٍ؟ فقال لا- بل حجَّةٌ، فمن حجَّ بعد ذلك فهو تطوُّعٌ، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تسمعوا ولم تطيعوا
(١٦) عن سعيدٍ بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ عن الفضل أو أحدهما
_________________
(١) إذ يجوز أن يأمر الله تعالى بالأطلاق ويفوض أمر التقييد الى الذى فوض اليه البيان، فهو إن أراد أن يقيد بكل عام يقيده به والله أعلم (١) فى الحديث اشارة الى كراهة السؤال فى النصوص المطلقة والتفتيش عن قيودها، بل ينبغى اطلاقها حتى يظهر فيها قيد، وقد جاء القرآن موافقا لهذه الكراهة (تخريجه) (جه. مذ) وقال حديث على حديث حسن غريب من هذا الوجه. ورواه أيضا البزار فى مسنده وقال البخترى لم يسمع من على اهـ وأخرجه الحاكم فى المستدرك فى تفسير آل عمران وسكت عنه ولم يتعقبه الذهبى فى مختصره بالانقطاع. ولكن أعله بعبد الأعلى قال وقد ضعفه أحمد اهـ
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا سليمان بن كثير أبو داود الواسطى قال سمعت ابن شهاب يحدث عن أبى سنان عن ابن عباس- الحديث" (غريبه) (٢) يعنى على المرة الواحدة فهو تطوع يثاب عليه (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا محمد بن أبى حفصة ثنا ابن شهاب عن أبى سنان عن ابن عباس أن الأقرع- الحديث" (٤) أى لم تسمعوا سماع قبول. ولم تطيعوا إن سمعتم (تخريجه) (د. نس. هق. ك) وصحح الحاكم اسناده، وأقره الذهبى
(٣) عن سعيد بن جبير (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا أبو اسرائيل العبسى عن فضيل بن عمرو عن سعيد بن جبير الخ (غريبه) (٥) هو ابن عباس
[ ١١ / ١٥ ]
-[حجة القائلين بأن الحج واجب على الفور]-
عن الآخر قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من أراد الحجَّ فليتعجَّل فإنَّه قد يمرض المريض وتضلُّ الضَّالَّة وتعرض الحاجة
(١٧) عن ابن عباسٍ ﵄ عن النَّبىِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال على كلِّ مسلمٍ حجَّةٌ ولو قلت كلَّ عامٍ لكان
(فصل منه فى وجوب الحج على النساء وفى أمور تتعلق بهن)
(١٨) عن أبى هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال لنسائه عام حجَّة الوداع هذه الحجَّة ثمَّ (وفى لفظ إنَّما هذه الحجَّة ثمَّ الزمن) ظهور الحصر، قال فكنَّ كلُّهنَّ يحججن إلَّا زينب بنت جحشٍ وسودة بنت زمعة
_________________
(١) ﵄. والمراد بقوله عن ابن عباس هو عبد الله وهو أصغر من أخيه الفضل وقد اشتهر عند المحدثين بابن عباس دون باقى أولاد العباس. فاذا ذكر ابن عباس بدون اسم علم أنه عبد الله "وقوله أو أحدهما عن الآخر" يعنى عن الفضل بن عباس عن أخيه عبد الله. يشك الراوى فى ذلك. وعلى كل حال فالحديث مروى عن أحدهما عن أخيه عن النبى ﷺ فلا يضر الشك لأنهما صحابيان (١) استدل به القائلون بوجوب الحج على الفور وسيأتى ذكرهم فى الأحكام (تخريجه) (جه. هق. مى) وسنده جيد
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو أحمد الزبيرى ثنا شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس- الحديث" (غريبه) (٢) أى واحدة واجبة فى العمر وله بعد ذلك أن يتطوع ما شاء (٣) أى لكان الحج فرضا فى كل عام مرة، ولكن لم يقل ذلك رحمة بأمته ﵊ (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد
(٣) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حجاج وحدثنا يزيد بن هارون قال أنا ابن أبى ذئب واسحاق بن سليمان قال سمعت ابن أبى ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبى هريرة- الحديث" (غريبه) (٤) أى انما الواجب عليكن هذه الحجة ثم الزمن البيوت فلا تخرجن الى الحج مرة أخرى، فكنى النبى ﷺ بظهور الحصر عن ملازمتهن البيوت. وظهور جمع ظهر والحصر بضم أوله وسكون ثانيه
[ ١١ / ١٦ ]
-[حجة القائلين باقتصار المرأة على الحجة المفروضة]-
رضي الله تعالى عنهما، وكانتا تقولان والله لا تحرِّكنا دابَّةٌ بعد أن سمعنا ذلك من النَّبىِّ ﷺ (وفى لفظ) بعد قول رسول الله ﷺ هذه ثمَّ ظهور الحصر
(١٩) عن واقد بن أبى واقدٍ اللَّيثىِّ عن أبيه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لنسائه في حجَّته هذه ثمَّ ظهور الحصر
(٢٠) عن عائشة بنت طلحة أنَّ عائشة امَّ المؤمنين ﵂ قالت قلت للنَّبيِّ ﷺ ألا نجاهد معك؟ فقال رسول الله ﷺ لك أحسن الجهاد
_________________
(١) ويجوز ضم الصاد المهملة أيضا جمع حصير. وهو ما يفرش فى البيوت، ولذا قالت زينب بنت جحش وسودة بنت زمعة "والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم" (١) هذا اللفظ من رواية اسحاق بن سليمان أحد رجال السند كما يستفاد ذلك من نفس الحديث فى الأصل، ففيه بعد قوله "سمعنا ذلك من النبى ﷺ" قال اسحق بن سليمان فى حديثه قالتا- والله لا تحركنا دابة بعد قول رسول الله ﷺ هذه ثم ظهور الحصر. وقال يزيد بعد أن سمعنا ذلك من رسول الله ﷺ (تخريجه) أوررده الهيثمى وقال رواه أحمد وأبو يعلى إلا أنه قد قال "فكنَّ كلهن يحججن الا زينب وسودة" والبزار وقال "انما هى هذه الحجة ثم ظهور الحصر" وفيه صالح مولى التوأمة. ولكنه من رواية ابن أبى ذئب عنه، وابن أبى ذئب سمع منه قبل اختلاطه وهو حديث صحيح اهـ.
(٢) عن واقد بن أبى واقد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سعيد بن منصور ثنا عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن واقد بن أبى واقد- الحديث" (غريبه) (٢) يعنى حجة الوداع كما تقدم فى حديث أبى هريرة "وقوله هذه" أى هذه الحجة هى الواجبة عليكن ثم الزمن ظهور الحصر يعنى البيوت، لأنه لا يجب عليكن حج بعدها (تخريجه) (د. هق) وسنده جيد
(٣) عن عائشة بنت طلحة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس قال ثنا عبد الواحد عن حبيب بن أبى عمرة قال حدثتنا عائشة بنت طحة أن عائشة أم المؤمنين- الحديث" (غريبه) (٣) أى نبذل المقدور فى القتال، لأن معنى الجهاد بذل النفس فى القتال (٤) هكذا رواية الأمام أحمد (لك) بكاف الخطاب المكسورة
[ ١١ / ١٧ ]
-[حجة القائلين بجواز الحج للمرأة تطوعا]-
وأجمله، الحجُّ حجٌّ مبرورٌ، فقالت عائشة فلا أدع الحجَّ أبدًا بعد أن سمعت هذا من رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم
(٢١) عن عمران بن حطَّان السَّدوسىِّ عن عائشة ﵂ أنّها سألت النَّبىَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فقالت يا رسول الله أعلى النِّساء جهادٌ؟ قال الحجُّ والعمرة هو جهاد النِّساء
_________________
(١) للمؤنثة المفردة؛ ووقع فى رواية للبخارى "لكنَّ" بضم الكاف وتشديد النون بلام الجر الداخلة على ضمير المخاطبات، وهو ظرف مستقر خبر أحسن، وأجمله عطف عليه. والحج بدل من أحسن "وحج مبرور" خبر مبتدأ محذوف، أى هو حج مبرور أو بدل من البدل، ويجوز لكنَّ بفتح اللام وكسر الكاف مع زيادة ألف قبل الكاف وتشديد النون للاستدراك، وأحسن نصب بها، وهو رواية للبخارى أيضا، وعزاه الحافظ فى باب فضل الحج المبرور للحموى. وقال التميمى لكن بتخفيف النون وسكونها، وأحسن مبتدأ. والحج خبره اهـ (قلت) والأول أرجح بدليل رواية الأمام أحمد لأنها لا تقبل تأويلا وأليق بسياق الحديث والله أعلم. والمعنى ليس لك أو لكنَّ الجهاد. ولكن الأفضل منه فى حقك أو حقكن حج مبرور، ولذا قالت عائشة لا أدع أى لا أترك الحج أبدًا الخ، وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب فى الحج أن المراد بقوله ﷺ "هذه ثم ظهور الحصر" عدم وجوب الحج عليهن مرة أخرى، فلا ينافى أنه مستحب فى حقهن لما جاء من الترغيب فى الحج والله أعلم (تخريجه) (خ. د. نس. جه) وغيرهم
(٢) عن عمران بن حطان (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سليمان ابن داود قال ثنا حميد بن مهران عن محمد بن سيرين عن عمران بن حطان- الحديث" (غريبه) (١) أى لأنهما يشبهان الجهاد فى السفر والخروج من البلاد والتعب، أما مقاتلة الأعداء فلا تقوى عليها المرأة (تخريجه) أورده صاحب المنتقى وقال رواه أحمد وابن ماجه وسنده صحيح (زوائد الباب) (عن أبى أمامة) ﵁ قال قام رسول الله ﷺ فى الناس فقال إن الله كتب عليكم الحج، فقام رجل من الأعراب، فقال أفى كل عام؟ فعلق كلام رسول الله ﷺ وغضب ومكث طويلا ثم مكث فقال من هذا السائل؟ فقال الأعرابى أنا يا رسول الله، فقال ويحك يؤمنك أن أقول نعم، والله لو قلت نعم لوجبت لو أن أحللت لكم جميع ما فى الأرض من شاء وحرمت عليكم
[ ١١ / ١٨ ]
-[زوائد الباب - وحجج القائلين بوجوب الحج على الفور]-
__
_________________
(١) مثل خف بعير لوقعتم، فأنزل الله ﷿ عند ذلك ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم- الآية﴾ (طب) واسناده حسن جيد (وعن ابن مسعود) ﵁ قال أمرتم بأقامة أربع. اقامة الصلاة. وايتاء الزكاة. وأقيموا الحج والعمرة الى البيت. والحج الحج الأكبر، والعمرة الحج الأصغر (طب) ورجاله ثقات، أوردهما الهيثمى (الأحكام) أحاديث الباب تدل على وجوب الحج وجوا عينيًا على كل مسلم مكلف مستطيع وذلك باجماع المسلمين، وتظاهرت على ذلك دلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، والأصل فى ذلك قول الله ﷿ ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا﴾ هذه آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل بل هى قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ والأول أظهر، وقد وردت الأحاديث الصحيحة المتعددة بأنه أحد أركان الأسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك اجماعا ضروريا؛ وإنما يجب على المكلف فى العمر مرة واحدة بالنص والأجماع، وقد جاء ذلك صريحًا فى حديث ابن عباس الثانى من أحاديث الباب أن الأقرع بن حابس سأل رسول الله ﷺ الحج كل عام؟ فقال لا- بل حجة واحدة فمن حج بعد ذلك فهو تطوع- الحديث" وفى حديث أبى هريرة الأخير من أحاديث الباب أن رسول الله ﷺ قال لنسائه عام حجة الوداع هذه ثم ظهور الحصر وغير ذلك كثير فى أحاديث الباب (وقد اختلف العلماء) هل الحج واجب على الفور أم على التراخى؟ (فذهب جماعة) إلى أنه واجب على الفور لما جاء فى حديث ابن عباس أو الفضل أو أحدهما عن صاحبه قال قال رسول الله ﷺ "من أراد أن يحج فليتعجل- الحديث" وللأمام أحمد أيضا وأبى داود حديث آخر عن ابن عباس وحده عن النبى ﷺ قال تعجلوا الى الحج يعنى الفريضة فان أحدكم لا يدرى ما يعرض له، والى القول بالفور ذهب الأئمة (أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك وأحمد) والمزنى من أصحاب الشافعى ومن أهل البيت زيد بن على والهادى والمؤيد بالله والناصر، واحتج لهم بقوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وهذا أمر والأمر يقتضى الفور، وبحديث ابن عباس السابق "من أراد أن يحج فليتعجل" وبما رواه سعيد بن منصور فى سننه عن عبد الرحمن بن سابط قال قال رسول الله ﷺ من مات ولم يحج حجة الأسلام لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أى حال شاء يهوديا أو نصرانيا، ولأن وجوبه على التراخى يخرجه عن رتبة الواجبات لأنه يؤخر الى غاية، ولا يأثم بالموت قبل فعله لكون الشارع رخص له فى تأخيره، وليس على الموت أمارة يقدر بعدها على فعله (وذهب الائمة الشافعى والأوزاعى والثورى) ومحمد بن الحسن ونقله الماوردى عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس إلى أنه واجب على التراخي
[ ١١ / ١٩ ]
-[حجج القائلين بوجوب الحج على التراخى - وعدد من حج مع النبى ﷺ]-
__
_________________
(١) (قال النووي) واحتج الشافعى والأصحاب بأن فريضة الحج نزلت بعد الهجرة وفتح رسول الله ﷺ مكة فى رمضان سنة ثمان. وانصرف عنها فى شوال من سنته. واستخلف عتاب بن أسيد فأقام للناس الحج سنة ثمان بأمر رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ مقيما بالمدينة هو وأزواجه وعامة أصحابه، ثم غزا غزوة تبوك فى سنة تسع وانصرف عنها قبل الحج فبعث أبا بكر ﵁ فأقام للناس الحج سنة تسع ورسول الله ﷺ هو وأزواجه وعامة أصحابه قادرون على الحج غير مشتغلين بقتال ولا غيره، ثم حج النبى ﷺ بأزواجه وأصحابه كلهم سنة عشر، فدل على جواز تأخيره، هذا دليل الشافعى وجمهور الأصحاب (قال البيهقى) وهذا الذى ذكره الشافعى مأخوذ من الأخبار "قال "فأما نزول فرض الحج بعد الهجرة فكما قال، واستدل أصحابنا له بحديث كعب بن عجرة قال وقف علىّ رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسى يتهافت قملا، فقال يؤذيك هو امُّك؟ قلت نعم يا رسول الله، فقال قد أذاك هو امُّ رأسك؟ قلت نعم، قال فاحلق رأسك، قال ففىَّ نزلت هذه الآية ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية الخ﴾ رواه البخارى ومسلم (قال أصحابنا) فثبت بهذا الحديث أن قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فأن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه الخ﴾ نزلت سنة ست من الهجرة، وهذه الآية دالة على وجوب الحج، ونزل بعدها قوله تعالى ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ وقد أجمع المسلمون على أن الحديبية كانت سنة ست من الهجرة فى ذى القعدة، وثبت بالأحاديث الصحيحة واتفاق العلماء أن النبى ﷺ غزا حنينا بعد فتح مكة وقسم غنائمها واعتمر من سنته فى ذى القعده، وكان احرامه بالعمرة من الجعرَّانة، ولم يكن بقى بينه وبين الحج إلا أيامًا يسيرة، فلو كان على الفور لم يرجع من مكة حتى يحج مع أنه هو وأصحابه كانوا حينئذ موسرين، فقد غنموا الغنائم الكثيرة ولا عذر لهم ولا قتال ولا شغل آخر، وإنما أخره ﷺ عن سنة ثمان بيانا لجواز التأخير وليتكامل الأسلام والمسلمون فيحج بهم حجة الوداع ويحضرها الخلق فيبلّغوا عنه المناسك، ولهذا قال فى حجة الوداع "ليبلّغ الشاهد منكم الغائب ولتأخذوا عنى مناسككم" ونزل فيه قوله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ قال أبو زرعة الرازى فيما روينا عنه حضر مع رسول الله ﷺ حجة الوداع مائة ألف وأربعة عشر ألفا كلهم رآه وسمع منه، فهذا قول الأمام أبي زرعة الذى لم يحفظ أحد من حديث رسول الله ﷺ كحفظه ولا ما يقاربه (قال النووى) واحتج أصحابنا أيضًا بحديث أنس فذكره وهو حديث ضمام بن ثعلبة وتقدم بطوله رقم ١٠ صحيفة ٦٦ فى باب من وفد على النبى ﷺ من كتاب الأيمان في الجزء
[ ١١ / ٢٠ ]
-[حجج القائلين بوجوب الحج على التراخى وردُّ حجج المخالفين]-
__
_________________
(١) الأول وفيه "وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع اليه سبيلا- قال صدق" (قال النووى) رواه مسلم فى صحيحه فى أول كتاب الأيمان، وروى البخارى أصله، وفى رواية البخارى أن هذا الرجل ضمام بن ثعلبة (قلت وكذلك فى رواية الأمام أحمد) قال وقدوم ضمام بن ثعلبة على النبى ﷺ كان سنة خمس من الهجرة، قاله محمد بن حبيب وآخرون، وقال غيره سنة سبع. وقال أبو عبيد سنة تسع، وقد صرح فى هذا الحديث بوجوب الحج (قال واحتج أصحابنا) أيضا بالأحاديث الصحيحة المستفيضة أن رسول الله ﷺ أمر فى حجة الوداع من لم يكن معه هدى أن يفسخ الأحرام بالحج ويجعله عمرة وهذا صريح فى جواز تأخير الحج مع التمكن (واحتج أصحابنا أيضا) بأنه إذا أخره من سنة الى سنة أو أكثر وفعله يسمى مؤديا للحج لا قاضيا بأجماع المسلمين؛ هكذا نقل الأجماع فيه القاضى أبو الطيب وغيره، ونقل الاتفاق عليه أيضا القاضى حسين وآخرون، ولو حرم التأخير لكان قضاء لا أداء (قال) وأما الجواب عن احتجاج الحنفية بالآية الكريمة وأن الأمر يقتضى الفور فمن وجهين (أحدهما) أن أكثر أصحابنا قالوا إن الأمر المطلق المجرد عن القرائن لا يقتضى الفور بل هو على التراخى، وهذا الذى ذكرته من أن أكثر أصحابنا عليه هو المعروف فى كتبهم فى الأصول، ونقله القاضى أبو الطيب فى تعليقه فى هذه المسألة عن أكثر أصحابنا (والثانى) أنه يقتضى الفور وهنا قرينة، ودليل يصرفه إلى التراخى وهو ما قدمناه من فعل رسول الله ﷺ وأكثر أصحابه (وأما الحديث) "من أراد الحج فليتعجل" فجوابه من أوجه (أحدها) أنه ضعيف (قلت) هذا بالنسبة لرواية أبى داود لأن فى سندها مهران أبا صفوان وفيه مقال، لكن رواه الأمام أحمد من غير هذا الطريق بسند جيد (قال) (والثانى) أنه حجة لنا، لأنه فوض فعله إلى ارادته واختياره، ولو كان على الفور لم يفوض تعجيله الى اختياره (والثالث) أنه ندب جمعا بين الروايتين (قلت وهذا أوجه الأجوبة) قال وأما الجواب عن حديث فليمت إن شاء يهوديا، فمن أوجه * (أحدها) * أنه ضعيف * (والثانى) * أن الذم لمن أخره إلى الموت ونحن نوافق على تحريم تأخيره إلى الموت، والذى نقول بجوازه هو التأخير بحيث يفعل قبل الموت * (الثالث) * أنه محمول على من تركه معتقدًا عدم وجوبه مع الاستطاعة، فهذا كافر، ويؤيد هذا التأويل أنه قال فليمت ان شاء يهوديا أو نصرانيا؛ وظاهره أنه يموت كافرا ولا يكون ذلك إلا إذا اعتقد عدم وجوبه مع الاستدامة، وإلا فقد أجمعت الأمة على أن من تمكن من الحج فلم يحج ومات لا يحكم بكفره بل هو عاص. فوجب تأويل الحديث لو صح والله أعلم اهـ ج * (قلت) * الظاهر ما ذهب اليه الشافعية ومن وافقهم لقوة أدلتهم
[ ١١ / ٢١ ]
-[الجمع بين حديث منع النساء من الحج بعد الفريضة - وبين حديث عائشة المبيح لذلك]-
__
_________________
(١) وهذا لا ينافي أن الأحوط والأفضل التعجيل للمستطيع بقدر الأمكان، لأن الأجل غير معلوم (وقد استدل بحديثى أبى هريرة وأبى واقد) المذكورين فى الباب على عدم جواز الحج لأزواج النبى ﷺ بعد حجة الوداع لقوله ﷺ لهن إذ ذاك "هذه ثم لزوم الحصر" أى عليكن لزوم البيت ولا يجب عليكن الحج مرة أخرى بعد هذه الحجة، ففهم بعض الصحابة من ذلك المنع مطلقا، ولذلك منع عمر ﵁ فى أول خلافته أزواج النبى ﷺ الحج والعمرة كما روى ابن سعد من طريق أم درة عن عائشة ﵂ قالت منعنا عمر الحج والعمرة حتى إذا كان آخر عام أذن لنا، وإلى ذلك ذهبت زينب بنت جحش وسودة بنت زمعة من أزواج النبى ﷺ فقالتا "والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من النبى ﷺ، ولكن يعارضهما حديث عائشة المذكور بعدهما فى الباب بلفظ "قلت للنبى ﷺ ألا نجاهد معك؟ فقال رسول الله ﷺ لك أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور، فقالت عائشة فلا أدع الحج أبدا بعد أن سمعت هذا من رسول الله ﷺ" رواه أيضا البخارى، ولفظ الاسماعيلى "لو جاهدنا معك، قال لا جهاد- ولكن حج مبرور" وأجيب عن هذا من وجهين (الوجه الأول) أن حديثى أبى هريرة وأبى واقد ليسا صريحين فى المنع فلا يترك بهما المتيقن وهو الجواز المستفاد من حديث عائشة، أما قوله ﷺ "لا جهاد ولكن حج مبرور" فى جواب قولهن "ألا تخرج فنجاهد معك" كما فى لفظ الاسماعيلى فالمراد به أن ذلك ليس بواجب عليكن كما وجب على الرجال ولم يرد بذلك تحريمه عليهن، فقد ثبت فى حديث أم عطية أنهن كن يخرجن فيداوين الجرحى وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب فى الحج إباحة تكريره لهن كما أبيح للرجال تكرير الجهاد وخص به عموم قوله ﷺ "هذه ثم ظهور الحصر" وقوله تعالى ﴿وقرن فى بيوتكن﴾ وكأن عمر ﵁ كان متوقفا فى ذلك ثم ظهر له قوة دليلها فأذن لهن فى آخر خلافته ثم كان عثمان بعده يحج بهن فى خلافته أيضا كما سيجاء (وقال البيهقى) فى حديث عائشة هذا دليل على أن المراد بحديث أبى واقد وجوب الحج مرة واحدة كالرجال لا المنع من الزيادة (وفيه دليل) على أن الأمر بالقرار فى البيوت ليس على سبيل الوجوب اهـ (الوجه الثانى) أن المراد بحديثى أبى هريرة وأبى واقد جواز الترك لا النهى عن الحج لهن بعد حجة الوداع، فقد ثبت حجهن بعد النبى ﷺ لما أخرج البخارى من طريق ابراهيم عن أبيه عن جده أذن عمر ﵁ لأزواج النبى ﷺ فى آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن (وروى ابن سعد) فى الطبقات بأسناد صححه الحافظ من طريق أبى اسحاق السبيعى، قال رأيت نساء النبى ﷺ حججن فى هوادج عليها الطيالسة
[ ١١ / ٢٢ ]
-[حج عثمان بنساء النبى ﷺ فى خلافته - وحجهن أيضا فى خلافة معاوية]-
(٣) باب وجوب الحج على الشيخ الكبير والزمن (*)
(إذا أمكنهما الاستنابة - وجوازه عن الميت إذا كان قد وجب عليه)
(٢٢) عن الفضل بن عبَّاسٍ ﵄ قال أتت امرأةٌ من خثعم فقالت يا رسول الله إنَّ أبى أدركته فريضة الله ﷿ فى الحجِّ وهو شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع أن يثبت على دابَّته قال فحجِّي عن أبيك
_________________
(١) زمن المغيرة أى ابن شعبة، والظاهر أنه أراد بذلك زمن ولاية المغيرة على الكوفة لمعاوية وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها (ولابن سعد أيضا) من حديث أم معبد الخزاعية قالت رأيت عثمان وعبد الرحمن فى خلافة عمر حجا بنساء النبى ﷺ فنزلن بقديد فدخلت عليهن وهن ثمان (وله) من حديث عائشة أنهن استأذن عثمان فى الحج فقال أنا أحج بكن فحج بنا جميعا إلا زينب كانت ماتت وإلا سودة فانها لم تخرج من بيتها بعد النبى ﷺ (وأخرج ابن سعد أيضا) من حديث أبى هريرة فكن نساء النبى ﷺ يحججن إلا سودة وزينب، فقالتا لا تحركنا دابة بعد رسول الله ﷺ وكان عمر متوقفا فى ذلك، ثم ظهر له الجواز فأذن لهن وتبعه على ذلك من ذكر من الصحابة ومن فى عصره من غير نكير والله أعلم
(٢) عن الفضل بن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهرى عن سليمان بن يسار عن ابن عباس حدثنى الفضل بن عباس قال أتت امرأة- الحديث" (غريبه) (١) لم أقف على اسم هذه المرأة وخثعم بالخاء المعجمة المفتوحة فمثلثة ساكنة فعين مهملة غير منصرف للعلمية ووزن الفعل أو التأنيث لكونه اسم قبيلة معروفة (٢) أى لضعفه من الكبر، زاد البخارى ومسلم أفأحج عنه، وفى رواية لمسلم بدون هذه الزيادة كرواية الأمام أحمد، وللأمام أحمد رواية أخرى بهذه الزيادة عن ابن عباس عن النبى ﷺ بدون واسطة الفضل أن امرأة من خثعم سألت رسول الله ﷺ غداة جمع والفضل بن عباس ردفه فقالت إن فريضة الله فى الحج على عباده أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الرحل، فهل ترى أن أحج عنه؟ قال نعم (تخريجه) (ق. والثلاثة) ولفظ البخارى عن عبد الله بن عباس ﵄ قال كان الفضل رديف النبى ﷺ فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر اليها وتنظر اليه فجعل النبى ﷺ يصرف وجه الفضل الى الشق الآخر فقالت ان فريضة الله أدركت أبي شيخا الخ (*) الزمن بكسر الميم من باب تعب هو المريض الذى أصيب بمرض طويل يمنعه من تحمل مشقة السفر
[ ١١ / ٢٣ ]
-[دليل وجوب الحج على الكبير الذى لا يثبت على الراحلة إذا أمكنه الاستنابة]-
(٢٣) عن سليمان بن يسارٍ عن عبد الله بن عبَّاسٍ أو عن الفضل بن عبَّاسٍ ﵃ أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ فقال يا رسول الله إنَّ أبى أدركه الإسلام وهو شيخٌ كبيرٌ لا يثبت على راحلته أفأحجُّ عنه قال أرأيت لو كان عليه دينٌ فقضيته عنه أكان يجزيه، قال نعم قال فاحجج عن أبيك
_________________
(١) عن سليمان بن يسار (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هاشم ثنا يحيى بن اسحاق عن سليمان بن يسار- الحديث" (غريبه) (١) هكذا فى هذه الرواية "أن رجلا سأل" وفى الحديث السابق أن السائل امرأة ولم يذكر فى هذه الرواية التصريح باسم الرجل، وقد جاء التصريح باسمه فى رواية ابن ماجه ولفظه عن ابن عباس عن حصين بن عوف الخثعمى قال قلت يا رسول الله إن أبى أدركه الحج- الحديث" وله رواية أخرى عن أبى الغوث بن حصين الخثعمى أنه استفتى النبى ﷺ عن حجة كانت على أبيه وقوَّى الحافظ إسناد الرواية الأولى، وقد جاء هذا الحديث بروايات متعددة وألفاظ مختلفة عند غير الأمام أحمد أيضا، ففى بعضها أن السائل رجل وأنه سأل عن أبيه. وفى بعضها أن قال إن أمى عجوز كبيرة (وفى رواية) إنى أبى أو أمى، وفى أخرى أن امرأة سألت عن أمها (قال الحافظ) اتفقت الروايات كلها عن ابن شهاب على أن السائلة امرأة وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبى اسحاق عن سليمان فاتفق الرواة عنه على أن السائل رجل اهـ ورجح الحافظ رواية ابن شهاب لقوة سندها، وقد جمع بعض العلماء بين هذه الروايات بتعدد الواقعة، لكن قال الحافظ الذى يظهر لى من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل وكانت ابنته معه، فسألت أيضا- والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعا، ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلى باسناد قوة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل بن عباس "قال كنت ردف النبى ﷺ وأعرابى معه بنت له حسناء، فجعل الأعرابى يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها وجعلت التفت اليها ويأخذ النبى ﷺ برأسى فيلويه، فكان يلبى حتى رمى جمرة العقبة" فعلى هذا فقول الشابة إن أبى لعلها أرادت به جدها لأن أباها كان معها وكأنه أمرها أن تسأل النبى ﷺ ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع أن يسأل ايضا عن أمه؛ وتحصل من هذه الروايات ان اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمى، وأما ما وقع فى الرواية الأخرى أنه ابو الغوث بن حصين فان اسنادها ضعيف، ولعله كان فيه عن ابى الغوث حصين فزيد فى الرواية ابن أو أن أبا الغوث
[ ١١ / ٢٤ ]
-[تقديم أكبر الأولاد فى الحج عن أحد والديه الذى لا يقوى على السفر لضعفه من الكبر]-
(وعنه من طريقٍ ثانٍ) حدَّثنا الفضل قال كنت رديف النَّبيِّ ﷺ فسأله رجلٌ فقال إنَّ أبى أو أمِّى شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحجَّ - فذكر الحديث
(٢٤) عن عبد الله بن الزُّبير ﵄ قال جاء رجلٌ من خثعم إلى رسول الله ﷺ فقال إن أبى أدركه الإسلام وهو شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع ركوب الرَّحل والحجُّ مكتوبٌ عليه، أفأحجُّ عنه؟ قال أنت أكبر ولده؟ قال نعم، قال أرأيت لو كان على أبيك دينٌ فقضيته عنه أكان ذلك يجزئ عنه؟ قال نعم قال فاحجج عنه
(٢٥) وعن سودة بنت زمعة ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ نحوه وفي
_________________
(١) أيضا كان مع ابيه حصين فسأل كما سأل أبوه وأخته، والله اعلم اهـ (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن يحيى بن ابى اسحاق قال سمعت سليمان بن يسار حدثنا الفضل الخ (٢) اى راكبا خلفه وأردفته الا أركبته خلفى (تخريجه) (نس. هق. طب) وسنده جيد، وأخرجه ايضا ابن خزيمة عن الحسن مرسلا، ورواه ابن ماجه من حديث حصين بن عوف الخثعمى كما تقدم
(٢) عن عبد الله بن الزبير (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن يوسف بن الزبير عن عبد الله بن الزبير- الحديث" (غريبه) (٣) استدل به على أن المشروع أن يتولى الحج عن الأب العاجز أكبر أولاده (٤) فيه مشروعية القياس وضرب المثل ليكون أوضح وأوقع فى نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه، وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق عليه، وفيه أن يستحب التنبيه على وجه الدليل لمصلحة (تخريجه) (نس. هق) وقال الحافظ إن اسناده صالح
(٣) عن سودة بنت زمعة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمّى أبو عبد الصمد ثنا منصور عن مجاهد عن مولى لابن الزبير يقال له يوسف بن الزبير بن يوسف عن ابن الزبير عن سودة بنت زمعة، قالت جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال إن أبى شيخ كبير لا يستطيع أن يحج، قال أريتك لو كان على أبيك دين فقضيته عنه قبل منك؟ قال نعم، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالله أرحم، حج عن أبيك
[ ١١ / ٢٥ ]
-[جواز حج الولد مطلقا عن أحد والديه إذا مات بعد أن وجب عليه الحج]-
آخره قالت قال رسول الله ﷺ فالله أرحم حجَّ عن أبيك
(٢٦) عن بريدة الأسلمىِّ ﵁ أنَّ امرأةً أتت النَّبيَّ ﷺ فقالت إنَّ أمِّي قد ماتت ولم تحجَّ فيجزئها أن أحجَّ عنها؟ قال نعم، قالت فإنَّ أمِّى كان عليها صوم شهرٍ فيجزئها أن أصوم عنها؟ قال نعم
_________________
(١) (تخريجه) (هق) وأورده الهيثمى، وقال رواه أحمد والطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات
(٢) عن بريدة الأسلمى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسحاق بن يوسف عن عبد الملك بن أبى سليمان عن عبد الله بن عطاء المكى عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن امرأة أتت النبى ﷺ فقالت يا رسول الله إنى تصدقت على أمى بجارية فماتت وإنها رجعت إلى فى الميراث، قال قد آجرك الله ورد عليك فى الميراث، قالت فان أمى ماتت ولم تحج- الحديث" ذكر بتمامه فى باب نهى المتصدق عن مشترى ما تصدق به رقم ١٨٢ صحيفة ١٣٢ من كتاب الزكاة فى الجزء التاسع (تخريجه) (م. والأربعة) (زوائد الباب) (عن أبى رزين) رجل من بنى عامر أنه قال يا رسول الله إن أبى شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، قال احجج عن أبيك واعتمر (د. هق. خز) وسنده جيد- الظعن بفتحتين أو سكون الثاني، ومعناه الارتحال. أى لا يقوى على السير ولا على الركوب من كبر السن (وعن أنس بن مالك ﵁) قال جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال إن أبى مات ولم يحج حجة الأسلام، فقال رسول الله ﷺ أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه عنه؟ قال نعم، قال فانه دين عليه فاقضه (بز. طب. طس) وإسناده حسن (وعن عقبة بن عامر) ﵁ أن امرأة جاءت إلى النبى ﷺ فقالت يا رسول الله أحج عن أمى وقد ماتت؟ قال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أليس كان مقبولا منك؟ قالت بلى. فأمرها أن تحج عنها؛ وجاءت امرأة فقالت أحج بابنى وهو مرضع أو صغير؟ قال نعم (طب. طس) وفيه شريك أبو حاتم وثقه أبو زرعة وابن معين فى رواية وضعفه النسائى وابن معين فى رواية (وعن زيد بن أرقم) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من حج عن أبيه أو عن أمه أجزأ ذلك عنه وعنهما (طب) وفيه راو لم يسم (وعن أبى هريرة) قال قال رسول الله ﷺ من حج عن ميت فللذى حج عنه مثل أجره، ومن فطَّر صائما فله مثل أجره، ومن دعا الى خير فله مثل أجر فاعله (طس) وفيه على بن زيد بن بهرام (قال الهيثمى) ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات، أورد هذه الأحاديث
[ ١١ / ٢٦ ]
-[مذاهب الأئمة فى الحج عن الضعيف والميت الذى لا يقوى على السفر]-
__
_________________
(١) الحافظ الهيثمي عدا الحديث الأول وتكلم عليها جرحا وتعديلا (الأحكام) احاديث الباب تدل على انه يجوز الحج من الولد عن والده إذا كان غير قادر على الحج لكبر سنه وضعفه وعدم تحمل مشاق السفر أو كان قد مات ولم يحج حجة الأسلام فللولد أن يحج عن أبيه وإن لم يوص الوالد بذلك، والمراد بالولد هنا الجنس سواء أكان ذكرا أم أنثى (وذهب بعض أهل العلم) الى عدم جواز حج المرأة عن الرجل، قالوا لأن المرأة تلبس فى الأحرام ما لا يلبسه الرجل فلا يحج عنه إلا رجل مثله، وقول النبى ﷺ للخثعمية فى أحاديث الباب حجى عن أبيك يردّ هذا القول، (وذهب جماعة) الى أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبى حذيفة بجواز إرضاع الكبير، حكاه ابن عبد البر، وتعقب بأن الأصل عدم الخصوص، وأما ما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب الواضحة بأسنادين مرسلين فى هذا الحديث فزاد حجى عنه وليس لأحد بعده، فلا حجة فى ذلك لضعف اسنادهما مع الأرسال (وذهب جماعة) إلى أن ذلك خاص بالابن ولا يصح من غيره، والظاهر عدم اختصاص ذلك بالابن لحديث ابن عباس ﵄ أن النبى ﷺ سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة قال من شبرمة؟ قال أخ لى أو قريب لى، قال حججت عن نفسك؟ قال لا، قال حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة، رواه أبو داود وابن ماجه، وقال فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة، ورواه الدارقطنى أيضا وفيه قال هذه عنك وحج عن شبرمة، وأخرجه أيضا ابن حبان وصححه، والبيهقى وقال اسناده صحيح اهـ (وقال الخطابى) فى الكلام على حديث الخثعمية (فيه) بيان جواز حج الأنسان عن غيره حيا وميتا، وأنه ليس كالصلاة والصيام وسائر الأعمال البدنية التى لا تجزاء فيها النيابة (والى هذا ذهب الشافعى) وكان مالك لا يرى ذلك وقال لا يجزئه ان فعل، وهو الذى روى حديث ابن عباس، وكان يقول فى الحج عن الميت إن لم يوص به الميت- إن تصدق عنه وأعتق أحب إلى من أن يحج عنه، (وكان ابراهيم النخعى وابن أبى ذئب) يقولان لا يحج أحد عن أحد والحديث حجة على جماعتهم، قال وفيه دلالة على أن فرض الحج يلزم من استفاد مالا فى حال كبره وزمانته إذا كان قادرا به على أن يأمر غيره فيحج عنه كما لو قدر على ذلك بنفسه، وقد يتأول بعضهم قولها "ان فريضة الله أدركت أبى شيخا" فقال معناه أنه أسلم وهو شيخ كبير، وحكى عن (مالك وعن أبى حنيفة) أنهما قالا الزّمن لا يلزمه فرض الحج إلا أن أبا حنيفة قال إن لزمه الفرض فى حال الصحة ثم زمن لم يسقط عنه بالزمانة (وقال مالك) يسقط، واستدل الشافعى بخبر الخثعمية على وجوب الحج على المعضوب الزمن إذا وجد من يبذل له طاعته من ولده وولد ولده، ووجه ما استدل به من هذا الحديث أنها ذكرت وجوب فرض الحج
[ ١١ / ٢٧ ]
-[ما يستفاد من حديث الخثعمية - ومذاهب الأئمة فى الحج عن الحى والميت]-
__
_________________
(١) على أبيها حال الزمانة وهو قولها "إن فريضة الله على عباده أدركت ابى شيخا كبيرا لا يستطيع ان يستمسك على الراحلة" ولا بد من تعلق وجوبه بأحد أمور، إما بمال أو بقوة بدن أو وجود طاعة من ذى قوة. وقد علمنا عجزه ببدنه ولم يجر للمال ذكر، وإنما جرى الذكر لطاعتها وبذلها نفسها عنه، فدل عل أن الوجوب تعلق به. ومعلوم فى اللسان أن يقال فلان مستطيع لأن يبنى داره إذا كان يجد من يطيعه فى ابتنائها كما إذا وجد ما لا ينفقه فى بنائها وكما لو قدر عليه بنفسه انتهى كلام الخطابى رحمه الله تعالى (وقد اختلفوا) فيما إذا عوفى المعضوب. (فقال الجمهور) لا يجزئه لأنه تبين أنه لم يكن مأيوسا منه (وقال الأمامان أحمد واسحاق) لا تلزمه الأعادة لئلا تفضى الى إيجاب حجتين (وأجيب) بأن العبرة بالانتهاء وقد انكشف أن الحجة الأولى غير مجزئة (وقد ذكر النووى) ﵀ لأحاديث الباب فوائد (منها) جواز الأرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة فى الاستفتاء والمعاملة وغير ذلك (ومنها) تحريم النظر الى الأجنبية (ومنها) إزالة المنكر باليد لمن أمكنه (ومنها) جواز حج المرأة عن الرجل (ومنها) بر الوالدين بالقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة وحج وغير ذلك (ومنها) وجوب الحج على من هو عاجز بنفسه مستطيع بغيره كولده، وهذا مذهبنا لأنها قالت أدركته فريضة الحج شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة (ومنها) جواز قول حجة الوداع وأنه لا يكره ذلك (ومنها) جواز حج المرأة بلا محرم إذا أمنت على نفسها وهو مذهبنا (ومذهب الجمهور) جواز الحج عن العاجز بموت أو عضب وهو الزمانة والهرم ونحوهما (وقال مالك والليث والحسن بن صالح) لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الأسلام (قال القاضى) (وحكى عن النخعى وبعض السلف) لا يصح الحج عن ميت ولا غيره وهى رواية عن مالك وإن أوصى به (وقال الشافعى والجمهور) يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره سواء أوصى به أم لا ويجزاء عنه (ومذهب الشافعى) وغيره أن ذلك واجب فى تركته، وعندنا يجوز للعاجز الاستنابة فى حج التطوع على أصح القولين، واتفق العلماء على جواز حج المرأة عن الرجل الا الحسن بن صالح فمنعه، وكذا يمنعه من منع أصل الاستنابة مطلقا والله أعلم اهـ (قلت) وفى حديث بريدة الأخير من أحاديث الباب دلالة على أنه يجزاء عن الميت صيام وليه عنه إذا مات وعليه صوم واجب وإن لم يوص بذلك، وتقدم الكلام على ذلك مستوفى فى أحكام باب وصول ثواب القرب المهداة الى الميت صحيفة ١٠١ من كتاب الجنائز فى الجزء الثامن والله الموفق
[ ١١ / ٢٨ ]
-[حجة القائلين بجواز حج الصغير والأثابة عليه]-
(٤) باب ما جاء فى صحة حج الصبى والعبد من غير إيجاب له عليهما
(٢٧) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال كان النَّبىُّ ﷺ بالرَّوحاء فلقى ركبًا فسلَّم عليهم فقال من القوم؟ قالوا المسلمون، قالوا فمن أنتم؟ قال رسول الله ﷺ ففزعت امرأةٌ فأخذت بعضد صبىٍّ فأخرجته من محفَّتها فقالت يا رسول الله هل لهذا حجٌّ؟ قال نعم ولك أجرٌ
_________________
(١) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن ابراهيم عن عقبة عن كريب عن ابن عباس- الحديث" (غريبه) (١) الروحاء مكان على ستة وثلاثين ميلا من المدينة "وقوله فلقى ركبا" قال القاضى عياض يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلا فلم يعرفوه ﷺ، ويحتمل كونه نهارا لكنهم لم يروه ﷺ قبل ذلك لعدم هجرتهم فأسلموا فى بلدانهم ولم يهاجروا قبل ذلك اهـ. وكان ذلك اللقاء حين رجوعه ﷺ من مكة إلى المدينة بعد الحج، ففى رواية النسائى عن ابن عباس قال صدر رسول الله ﷺ، فلما كان بالروحاء- الحديث" وفى زاد المعاد للحافظ ابن القيم "ثم ارتحل رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، فلما كان بالروحاء لقى ركبا الخ" (والركب) بفتح الراء وسكون الكاف جمع راكب وهم العشرة فما فوقها من أصحاب الأبل فى السفر دون بقية الدواب ثم اتسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة (٢) معناه أن النبى ﷺ قال مستفهما من القوم؟ فقال القوم نحن المسلمون، ثم قالوا لرسول الله ﷺ ومن معه فمن أنتم؟ فقال النبى ﷺ أنا رسول الله ﷺ، فلفظ رسول الله ﷺ خبر لمبتدأ محذوف (٣) أى خافت فوت الجواب وبادرت فأخذت بعضد صبى أى بساعده وهو من المرفق إلى الكتف (٤) بكسر الميم وتشديد الفاء، مركب من مراكب النساء كالهودج إلا أنها ليس لها قبة كقبة الهودج (٥) قال الخطابى إنما كان له الحج من ناحية الفضيلة دون أن يكون محسوبا عن فرضه لو بقى حتى بلغ ويدرك مدرك الرجل؛ وهذا كالصلاة يؤمر بها إذا أطاقها وهى غير واجبة عليه وجوب فرض، ولكن يكتب له أجرها تفضلا من الله ﷾؛ ويكتب لمن يأمره بها ويرشده اليها أحر، فاذا كان له حج فقد علم أن من سننه أن يوقف به فى المواقف ويطاف به حول البيت محمولا إن لم يطق المشى، وكذلك السعى بين الصفا والمروة ونحوها من أعمال الحج، وفى معناه المجنون إذا كان مأيوسا من إفاقته، وفى ذلك دليل على أن حجه إذا فسد ودخله نقص فان جبرانه واجب عليه كالكبير وإن اصطاد صيدا لزمه الفداء كما يلزم الكبير (تخريجه) (م. د. نس)
[ ١١ / ٢٩ ]
-[جواز حج الصبى والرمى عنه - فان بلغ فعليه حجة أخرى]-
(٢٨) عن جابر (بن عبد الله ﵄) قال حججنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ومعنا النِّساء والصِّبيان ورمينا عنهم
(٢٩) عن السَّائب بن يزيد ﵁ قال حجَّ بى مع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم فى حجَّة الوداع وأنا ابن سبع سنين
_________________
(١) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن نمير ثنا أشعث عن أبى الزبير عن جابر- الحديث" (غريبه) (١) أى نيابة عنهم، وفيه أن من لا يقدر على أداء فعل يجوز أن ينوب عنه رفيقه، وظاهره أن الرمى حصل نيابة عن النساء والصبيان، لكن رواه ابن أبى شيبة وابن ماجه بلفظ حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم" وهويفيد أن التلبية والرمى حصل نيابة عن الصبيان لا النساء، وهى تبين أن المراد بقوله فى رواية الأمام أحمد "ورمينا عنهم" يعنى عن الصبيان فقط، ولا مانع من الرمى عن المرأة أيضا إذا عجزت عن ذلك، والله أعلم (تخريجه) (جه. ش) وفى اسناده أشعث بن سوّار، بعضهم وثقه وبعضهم ضعفه والاكثرون على تضعيفه، ورواه الترمذى من هذا الوجه بلفظ آخر قال- كنا إذا حججنا مع رسول الله ﷺ فكنا نلبى عن النساء ونرمى عن الصبيان (قال ابن القطان) ولفظ ابن أبى شيبة أشبه بالصواب، فان المرأة لا يلبى عنها غيرها أجمع على ذلك أهل العلم
(٢) عن السائب بن يزيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا قتيبة ابن سعيد ثنا حاتم بن اسماعيل عن محمد يعنى ابن يوسف عن السائب بن يزيد- الحديث" (غريبه) (٢) كذا للأكثر بضم أوله على البناء لما لم يسم فاعله (وقال ابن سعد) عن الواقدى عن حاتم "حجت بى أمى" وللفاكهى من وجه آخر عن محمد بن يوسف عن السائب "حج بى أبى" ويجمع بينهما بأنه كان مع أبويه، أفاده الحافظ (تخريجه) (خ. مذ) ولم يذكر البخارى لفظ حجة الوداع (زوائد الباب) (عن محمد بن كعب القرظى) عن النبى ﷺ قال أيما صبى حج به أهله فمات أجزأت عنه، فان أدرك فعليه الحج، وأيما رجل مملوك حج به أهله فمات أجزأت عنه، فان اعتق فعليه الحج، أورده صاحب المنتقى وقال ذكره أحمد بن حنبل فى رواية ابنه عبد الله هكذا مرسلا اهـ (قلت) لم أقف على هذا الحديث فى المسند ولعله فى كتاب آخر من كتب الأمام أحمد أو ابنه عبد الله لا سيما ولم يعزه صاحب المنتقى الى المسند والله أعلم، وأخرجه أيضا أبو داود فى المراسيل، وفيه راو لم
[ ١١ / ٣٠ ]
-[زوائد الباب - ومذاهب العلماء فى حكم حج الصبى]-
__
_________________
(١) يسم (وعن ابن عمر) ﵄ قال كنا نحج بصبياننا فمن استطاع منهم رمى ومن لم يستطع رمى عنه، أورده صاحب المهذب (وعن عبد الله بن أبى يزيد) قال سمعت ابن عباس ﵄ يقول بعثنى أو قدَّ منى النبى ﷺ فى الثَّقل من جمع بليل، رواه البخارى- الثقل بفتح المثلثة والقاف ويجوز اسكانها أى الأمتعة، ووجه الدلالة منه أن ابن عباس كان دون البلوغ (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أنه يصح حج الصبى ولا يجب عليه، أما عدم وجوبه عن الصبى فمجمع عليه (قال ابن المنذر) أجمع أهل العلم على سقوط فرض الحج عن الصبى وعن المجنون والمعتوه؛ قال وأجمعوا على أن المجنون إذا حج ثم أفاق أو الصبى ثم بلغ أنه لا يجزئهما عن حجة الاسلام، قال وأجمعوا على أن جنايات الصبيان لازمة لهم اهـ. وقد ذهب الى صحة حج الصبى الأئمة (مالك والشافعى وأحمد وداود) وجماهير العلماء من السلف والخلف، وأشار ابن المنذر الى الاجماع فيه (وقال ابن بطال) أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبى حتى يبلغ إلا أنه إذا حج كان له تطوعا عند الجمهور (وقال أبو حنيفة) لا يصح احرامه ولا يلزمه شاء من محظورات الأحرام، وإنما يحج على جهة التدريب، وشذ بعضهم فقال إذا حج الصبى أجزأه ذلك عن حجة الأسلام لظاهر قوله ﷺ (نعم) فى جواب قولها "ألهذا حج" وقال الطحاوى لا حجة فى قوله ﷺ نعم على أنه يجزئه عن حجة الاسلام بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له، قال لأن ابن عباس راوى الحديث قال "أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى" ثم ساقه بأسناد صحيح، وقد أخرج هذا الحديث مرفوعا الحاكم وقال على شرطهما. والبيهقى وابن خزيمة وصححه (وقال ابن خزيمة) الصحيح موقوف وأخرجه كذلك (قال البيهقى) تفرد برفعه محمد بن المنهال، ورواه الثورى عن شعبة موقوفا، ولكنه قد تابع محمد بن المنهال على رفعه الحارث بن شريح أخرجه كذلك الاسماعيلى والخطيب، ويؤيد صحة رفعه ما رواه ابن أبى شيبة عن ابن عباس، قال احفظوا عنى ولا تقولوا قال ابن عباس فذكره وهو ظاهر فى الرفع (وقد أخرج ابن عدى) من حديث جابر بلفظ "لو حج صغير حجة لكان عليه حجة أخرى" ومثل هذا حديث محمد بن كعب المذكور فى الزوائد فيؤخذ من مجموع هذه الأحاديث أنه يصح حج الصبى ولا يجزئه عن حجة الاسلام إذا بلغ، وهذا هو الظاهر فتعين المصير اليه جمعا بين الأدلة (قال القاضى عياض) ﵀ أجمعوا على أنه لا يجزئه أذا بلغ عن فريضة الأسلام إلا فرقة شذت فقالت يجزئه لقوله نعم، وظاهره استقامة كون حج الصبى حجا مطلقا، والحج إذا أطلق تبادر منه اسقاط الواجب، ولكن العلماء ذهبوا الى خلافه محتجين بحديث ابن عباس (يعني
[ ١١ / ٣١ ]
-[حجة من اعتبر الزاد والراحلة من الاستطاعة]-
(٥) باب اعتبار الزاد والراحلة من الاستطاعة
(وكذلك سلامة الطريق ووجود محرم للمرأة)
(٣٠) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى ثنا يحيى عن ابن جريجٍ أنا عطاءٌ قال سمعت ابن عباسٍ قال قال رسول الله ﷺ لامرأةٍ من الأنصار سمَّاها ابن عبَّاسٍ فنسيت اسمها ما منعك أن تحجِّي معنا العام قالت يا نبيَّ الله إنَّما كان لنا ناضحان فركب أبو فلانٍ وابنه لزوجها وابنها ناضحان وترك ناضحًا ننضح عليه؛ فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فإذا كان رمضان فاعتمري فيه، فإنَّ عمرةً فيه تعدل حجَّةً
_________________
(١) المذكور آنفًا فى الزوائد) قال وقد ذهبت طائفة من أهل البدع إلى منع الصغير من الحج اهـ (قال النووى) وهو مردود ولا يلتفت اليه لفعل النبى ﷺ وأصحابه واجماع الأمة على خلافه اهـ
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبه) (١) قال الحافظ القائل نسيت اسمها ابن جريج بخلاف ما يتبادر الى الذهن من أن القائل عطاء وانما قلت ذلك لأن المصنف "يعنى البخارى" أخرج الحديث فى باب حج النساء من طريق حبيب المعلم عن عطاء فسماها ولفظه "لما رجع النبى ﷺ من حجته قال لأم سنان الأنصارية ما منعك من الحج- الحديث" ويحتمل ان عطاء كان ناسيا لاسمها لما حدَّث به ابن جريج وذاكرًا له لما حدث به حبيبا (٢) يعنى عام حجة الوداع لأنه ﷺ لم يحج بعد نزول فرض الحج غيرها (٣) تثنية ناضح بضاد معجمة ثم مهملة اى بعير (قال ابن بطال) الناضح البعير أو الثور أو الحمار الذى يستقى عليه اهـ. لكن المراد به هنا البعير لتصريحه بلفظ البكر فى حديث أبى بكر بن عبد الرحمن الآتى بعد هذا (٤) أى تعنى زوجها وابنها "وقولها ننضح" بكسر الضاد المعجمة (٥) رمضان بالرفع وكان تامة اى فاذا جاء رمضان (٦) قال ابن خزيمة فى هذا الحديث إن الشاء يشبه الشاء ويجعل عدله إذا أشبهه فى بعض المعانى لا جميعها. لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر (تخريجه) (ق. وغيرهما) ومناسبة هذا الحديث للترجمة أن المرأة لم تستطع الحج لعدم تيسر الراحلة، وقد اختلف العماء فى معنى هذا الحديث، فقال بعضهم ان الحجة التى فاتت هذه المرأة كانت تطوعا لأجماع الأمة على ان العمرة لا تجزاء عن حجة الفريضة إذ لا مانع من ان تكون حجت مع ابى بكر ﵁ فى السنة التاسعة. ثم أرادت أن تحج
[ ١١ / ٣٢ ]
-[حديث أم معقل الأسدية - وقصة الجمل]-
(٣١) عن معقل بن أمِّ معقلٍ عن أمِّ معقلٍ الأسديَّة قال أرادت أمِّى الحجَّ وكان جملها أعجف فذكرت ذلك للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، فقال اعتمرى فى رمضان، فإنَّ عمرةً فى رمضان كحجَّةٍ (وعنه من طريقٍ ثانٍ) عن أبى سلمة بن عبد الرَّحمن عن أمِّ معقلٍ
_________________
(١) مع النبي ﷺ فى حجة الوداع فى السنة العاشرة فمنعها عدم تيسر الراحلة (وقال بعضهم) إن الحجة التى فاتت هذه المرأة هى حجة الوداع، وكانت أول حجة أقيمت فى الأسلام فرضا (قلت) وهذا مبنى على أن الحج إنما فرض فى السنة العاشرة ولكنه غير متفق عليه، وتقدم الخلاف فيه بأدلته فى احكام الباب الثانى (وعلى كل حال) فان كان ما فاتها حجة الفرض فيكون المراد من الحديث بيان فضل العمرة فى رمضان وأن ثوابها كثواب حجة لكنها لا تسقط الحجة المفروضة، بل لا بد من الأتيان بها من قابل. وان كان ما فاتها تطوعا فالعمرة فى رمضان تقوم مقام الحجة فى التطوع والله أعلم (ونقل الترمذى) عن اسحاق ابن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن قل هو الله احد تعدل ثلث القرآن (وقال ابن العربى) حديث العمرة هذا صحيح وهو فضل من الله ونعمة فقد ادركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان اليها (وقال ابن الجوزى) فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد والله اعلم
(٢) عن معقل بن أم معقل (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد عن هشام قال حدثنى يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن معقل بن أم معقل- الحديث" (غريبه) (١) بفتح الهمزة والسين المهملة نسبة الى أسد بن خزيمة ابن مدركه بن الياس بن مضر أبى قبيلة عظيمة من مضر الحمراء، قال فى تاج العروس، وأم معقل هذه غير المرأة المبهمة المتقدمة فى حديث ابن عباس، فان هذه أسدية وتلك أنصارية، وهذه اسمها أم معقل، وتلك اسمها أم سنان، وقد صرح باسمها فى رواية للبخارى ومسلم فهما قصتان وقعتا لامرأتين كما قال الحافظ (٢) العجف الهزال. وبابه طرب فهو أعجف، والأنثى عجفاء. وعجف بالضم لغة، والجمع عجاف بالكسر على غير قياس، والمعنى أن جملها كان ضعيفا مهزولا لا يقدر على السفر؛ والظاهر أن أم معقل كانت أدت الحجة المفروضة وتريد الحج تطوعا، فأخبرها أن عمرة فى رمضان تعدل حجة، فلها أن تعتمر فى رمضان ريثما يقوى جملها أو تجد غيره، والله أعلم (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني
[ ١١ / ٣٣ ]
-[حديث أم معقل الأسدية - وقصة الجمل]-
الأسديَّة أنَّها قالت يا رسول الله إنِّى أريد الحجَّ وجملى أعجف فما تأمرنى؟ قال اعتمرى فى رمضان، فإنَّ عمرةً في رمضان تعدل حجَّةً
(٣٢) عن أبى بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ عن امرأةٍ من بنى أسد بن خزيمة يقال لها أمُّ معقلٍ قالت أردت الحجَّ فضلَّ بعيري فسألت رسول الله ﷺ فقال اعتمري في شهر رمضان، فإنَّ عمرةً فى شهر رمضان تعدل حجَّةً (وعنه من طريقٍ ثانٍ) قال كنت فيمن ركب مع مروان حين ركب إلى أمِّ معقلٍ، قال وكنت فيمن دخل عليها من النَّاس معه وسمعتها حين حدَّثت هذا الحديث (وعنه من طريقٍ ثالثٍ) قال أرسل مروان إلى أمِّ معقلٍ الأسديَّة يسألها عن هذا الحديث فحدَّثته أنَّ زوجها
_________________
(١) أبي ثنا روح ومحمد بن مصعب قالا ثنا الأوزاعى عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن- الحديث" (تخريجه) (عب. وابن منده) وسنده جيد، والطريق الثانية فيها انقطاع، لأن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يدرك أم معقل
(٢) عن أبى بكر بن عبد الرحمن (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق قال أنا معمر عن الزهرى عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث- الحديث" (غريبه) (١) أى غاب وخفى موضعه وأضللته بالألف فقدته (قال الأزهرى) وأضللت الشاء بالألف إذا ضاع منك فلم تعرف موضعه كالدابة والناقة وما أشبههما، فان أخطأت موضع الشاء قلت ضللته ولا تقل أضللته (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب قال ثنا أبى عن ابن اسحاق قال ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير عن الحارث بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه قال كنت فيمن ركب- الحديث" (غريبه) (٣) يعنى حديثها الآتى (٤) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا ثنا شعبة عن ابراهيم بن مهاجر عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث قال أرسل مروان إلى أم معقل- الحديث" (غريبه) (٥) فى الطريق السابق قال كنت فيمن ركب مع مروان، وفى هذا الطريق قال أرسل مروان إلى أم معقل، فيحتمل أن مروان أرسل إليها أولا ثم ركب إليها
[ ١١ / ٣٤ ]
-[حديث أم معقل الأسدية - وقصة الجمل]-
جعل بكرًا لها فى سبيل الله وأنَّها أرادت العمرة فسألت زجها البكر فأبى، فأتت النَّبىِّ ﷺ فذكرت ذلك له فأمره أن يعطيها، وقال النَّبيُّ ﷺ الحجُّ والعمرة من سبيل الله وقال عمرةٌ فى رمضان تعدل حجَّة أو تجزئ حجَّةً، وقال حجَّاجٌ تعدل بحجَّةٍ أو تجزئ بحجَّةٍ (وعنه من طريقٍ رابعٍ) قال أخبرنى رسول مروان الَّذى أرسل إلى أمِّ معقلٍ قال قالت جاء أبو معقلٍ مع النَّبيِّ ﷺ حاجًّا، فلمَّا قدم أبو معقلٍ قال قالت أمُّ معقلٍ قد علمت أنَّ علىَّ حجَّةً وأنَّ عندك بكرًا فأعطنى فلأحجَّ عليه، قال فقال لها إنَّك قد علمت أنِّى قد جعلته في سبيل الله؛ قالت فأعطني صرام
_________________
(١) بنفسه لشدة اهتمامه بأمر هذا الحديث، فكان أبو بكر بن عبد الرحمن فيمن ركب معه والله أعلم (١) هكذا بالأصل "وأنها أرادت العمرة" ولم أجد من قال ذلك فى طريق من الطرق ولا أصل من الأصول غير هذه الطريق. بل كلهم قالوا الحج بدل العمرة، ولا أدرى هل وقع ذلك تحريفا من الناسخ أو خطأ من بعض الرواة، لا سيما وفى اسناد هذه الطريق ابراهيم بن مهاجر وهو ضعيف لا يحتج بحديثه والله أعلم (٢) فيه أنه جعل الحج من سبيل الله، وعليه فيجوز صرف الزكاة لمن يريد الحج كالمجاهد، وفى ذلك خلاف سيأتى فى الأحكام (٣) (سنده) حدثنى عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان قال ثنا أبو عوانة قال ثنا ابراهيم بن مهاجر عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال أخبرنى رسول مروان- الحديث" (غريبه) (٤) فى هذه الطريق "قال أخبرنى رسول مروان" وفى الطريق الثانية "قال كنت فيمن ركب مع مروان حين ركب إلى أم معقل قال وكنت فيمن دخل عليها من الناس وسمعتها حين حدثت هذا الحديث" ولا منافاة بين ذلك لاحتمال أن رسول مروان أدركها قبلهم فحدثهم بما سمع منها ثم لم يكتفوا بحديثه فقابلوها فحدثتهم والله أعلم (٥) يتبادر إلى الذهن من هذا التعبير أن عليها حجة مفروضة أو منذورة وليس كذلك، بل المعنى أنها جعلت على نفسها حجة مع النبى ﷺ لتحوز بذلك شرف المعية وكثرة الثواب، وإنما قلت ذلك لأنها لو كانت مفروضة أو منذورة ما كانت العمرة فى رمضان تغنى عنها، ويؤيد ذلك ما جاء عند النسائى بلفظ "ان أم معقل جعلت عليها حجة معك" وعند ابن منده أيضا "جعلت على نفسها حجة معك فلم يتيسر لها ذلك" والله أعلم (٦) الصرام قطع الثمرة واجتناؤها من
[ ١١ / ٣٥ ]
-[بقية حديث أم معقل الأسدية - وقصة الجمل]-
نخلك قال قد علمت أنه قوت أهلى، قالت فإنِّى مكلِّمةٌ النَّبيَّ ﷺ وذاكرته له، قال فانطلقا يمشيان حتَّي دخلا عليه، قال فقالت له يا رسول الله إنَّ علىَّ حجَّةً وإنَّ لأبى معقلٍ بكرًا، قال أبو معقلٍ، صدقت جعلته في سبيل الله، قال أعطها فلتحجَّ عليه فإنَّه فى سبيل الله، قال فلمَّا أعطاها البكر قالت يا رسول الله إنِّى امرأةٌ قد كبرت وسقمت فهل من عملٍ يجزئ عنِّى من حجَّتى؟ قال فقال عمرةٌ فى رمضان تجزيء لحجَّتك
_________________
(١) النخلة، والمعنى أعطنى ما جنيته من ثمرة نخلك (١) أى يكون ثوابه مثل ثواب حجتى التى أريدها؟ (تخريجه) (د. نس) ورواه الترمذى مختصرا عن أم معقل أن النبى ﷺ قال عمرة فى رمضان تعدل حجة. وقال حديث حسن غريب، ورواه أيضا ابن خزيمة فى صحيحه باختصار إلا أنه قال إن الحج والعمرة فى سبيل الله، وإن عمرة فى رمضان تعدل حجة أو تجزاء حجة، وهذا اللفظ أعنى قول النبى ﷺ (عمرة فى رمضان تعدل حجة) صحيح متفق على صحته، رواه الشيخان والأمام أحمد وغيرهم من عدة طرق عن كثير من الصحابة كما سيأتى فى أبواب العمرة؛ وإنما الاختلاف والضعف والاضطراب جاء فى قصة أم معقل، قال صاحب عون المعبود فى شرح سنن أبى داود، ولا شك أن رواة هذا الحديث لم يتقنوا ألفاظ الحديث ولم يحفظوها بل اختلطوا وغيروا الألفاظ واضطربوا فى الأسناد وفيه ضعيف ومجهول اهـ (قلت) يعنى بالضعيف ابراهيم بن مهاجر؛ وبالمجهول رسول مروان لأنه لم يسم، ولأجل دفع الاضطراب ورفع التناقض قد أولت فى تفسير كثير من ألفاظه كما عرفت، والحديث الصحيح الذى عليه المعول هو الحديث الأول من أحاديث الباب فقد أخرجه الشيخان والأمام أحمد وليس فيه اختلاط، ولأبى داود رواية أخرى من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته أم معقل قالت، لما حج رسول الله ﷺ حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل فى سبيل الله وأصابنا مرض وهلك أبو معقل وخرج النبى ﷺ، فلما فرغ من حجه جئته فقال يا أم معقل ما منعك أن تخرجى معنا قالت لقد تهيأنا فهلك أبو معقل وكان لنا جمل هو الذى نحج عليه، فأوصى به أبو معقل فى سبيل الله، قال فهلا خرجت عليه فان الحج فى سبيل الله، فأما إذ فاتتك هذه الحجة معنا فاعتمرى فى رمضان فانها كحجة، فكانت تقول الحج حجة والعمرة عمرة، وقد قال هذا لي.
[ ١١ / ٣٦ ]
-[التحذير من النوم فوق السطوح التى ليس لها حاجز]-
(٣٣) عن أبي عمران الجونىِّ قال حدَّثنى بعض أصحاب محمَّدٍ ﷺ وغزونا نحو فارس، فقال قال رسول الله ﷺ من بات فوق بيتٍ ليس له إجَّارٌ فوقع فمات فقد برئت منه الذِّمَّة ومن ركب البحر عند ارتجاجه
_________________
(١) رسول الله ﷺ ما أدرى ألى خاصة؟ والحديث بهذا السياق لا يستقيم معناه، لأنه يفهم منه أن أبا معقل توفى قبل خروج النبى ﷺ الى الحج وأنه أوصى قبل وفاته بجعل جملهم فى سبيل الله ففهمت أنها لا تملكه ولا يجوز استعماله فى الحج، وهذا هو السبب فى عدم خروجها مع النبى ﷺ مع أنه ثبت فى حديثها الطويل المذكور فى الباب عند الأمام أحمد وأبى داود أيضا أن زوجها منعها الجمل، لأنه جعله فى سبيل الله، ثم حج مع النبى ﷺ وتركها وأنها اشتكه لرسول الله ﷺ بعد حضورهما من الحج. فالحديث فيه تقديم وتأخير والصواب ما فى حديث الباب (أما قولها الحج حجة، والعمرة عمرة) فمعناه أنهما ليسا سواء فى المنزلة فكيف جعل النبى ﷺ عمرة فى رمضان كحجة؟ ولا تشك فى أن النبى ﷺ قال لها ذلك، فهل هذه المزية لها خاصة أم للناس عامة؟ (قال الحافظ) وبالخصوصية قال بعض المتقدمين، ففى رواية أحمد بن منيع قال سعيد بن جبير ولا نعلم هذا إلا لهذه المرأة وحدها. واستظهر الحافظ حمله على العموم والله أعلم
(٢) عن أبى عمران الجونى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أزهر بن القاسم ثنا محمد بن ثابت عن أبى عمران الجونى- الحديث" (غريبه) (١) الأجار بهمزة مكسورة بعدها جيم مشددة وآخره راء مهملة، هو ما يرد الساقط من البناء من حائط على السطح أو نحوه، ووقع فى رواية أبى داود "ليس له حجار" والحجار جمع حجر بكسر الحاء المهملة. أى ليس عليه شاء يستره ويمعه من السقوط، يقال احتجرت الأرض اذا ضربت عليها منارا تمنعها به عن غيرك، أو يكون من الحجر وهى حظيرة الأيل وحجرة الدار وهو راجع الى المنع أيضا (٢) معنى الذمة هنا العهد. وذلك أن لكل من الناس عهدا من الله تعالى بالحفظ والكلاءة، فاذا ألقى بيده الى التهلكة انقطع عنه ذلك العهد ووكله الله الى نفسه ولا يؤاخذ أحد بدمه (٣) الارتجاج الاضطراب أى عند هياجه وتلاطم أمواجه، لأن من ركبه فى هذه الحال فقد ألقى بنفسه الى الهلاك، والله تعالى يقول ﴿ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة﴾ أما اذا ركبه فى وقت هدوئه فلا بأس بذلك، ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن من وجب عليه الحج وكان لا يصل اليه الا بطريق البحر
[ ١١ / ٣٧ ]
-[كراهة ركوب البحر عند هياجه - والنهى عن سفر المرأة بغير محرم]-
فمات فقد برئت منه الذِّمَّة (وعنه من طريقٍ ثان) قال كنَّا بفارس وعلينا أميرٌ يقال له زهير بن عبد الله، فقال حدَّثنى رجلٌ أنَّ نبىَّ الله ﷺ قال من بات فوق إجَّارٍ أو فوق بيتٍ ليس حوله شيءٌ يردُّ رجله فقد برئت منه الذِّمَّة، ومن ركب البحر بعد ما يرتجُّ فقد برئت منه الذِّمَّة
(٣٤) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قال لا تسافر امرأةٌ إلَّا ومعها ذو محرمٍ، وجاء النَّبىُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم رجلٌ فقال إنِّى اكتتبت فى غزوة كذا وكذا وامرأتى حاجَّةٌ، قال فارجع فحجَّ معها
_________________
(١) فلا يركب البحر عند هياجه وإن فاته الحج (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أزهر ثنا هشام يعنى الدستوائى عن أبي عمران الجونى قال كنا بفارس- الحديث" (٢) أى حاجز يمنع رجله من السقوط لا سيما فى الليالى المظلمة، وربما يفهم بعض الناس أن معنى البيات المذكور فى الحديث منحصر فى النوم فقط، وليس كذلك. فان إتيانه بمعنى النوم نادر، والأصل فى معناه السهر بالليل- قال تعالى ﴿والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما﴾ وقال الأزهرى قال الفراء بات الرجل إذا سهر الليل كله فى طاعة أو معصية (وقال الليث) من قال بات بمعنى نام فقد أخطأ، ألا ترى أنك تقول بات يرعى النجوم، ومعناه ينظر اليها، وكيف ينام من يراقب النجوم؟ اهـ (قلت) ويشير الى ذلك قوله فى الحديث (يرد رجله) أى عن المشى إلى موضع السقوط. ولا يمشى عادة إلا المتيقظ. وحدوثه من النائم نادر، ومع هذا فالحديث يستفاد منه النهى عن النوم فوق السطوح التى ليس لها حاجز والمكث عليها للمتيقظ، وسيأتى فى الزوائد ما يؤيد ذلك والله أعلم (تخريجه) أورده المنذرى وقال رواه أحمد والبيهقى ورجاله ثقات (وفى رواية للبيهقى) عن أبى عمران أيضا قال كنت مع زهير الشنوى فأتينا على رجل نائم على ظهر جدار وليس له ما يدفع رجليه فضربه برجله ثم قال قم ثم قال زهير قال رسول الله ﷺ فذكر نحو حديث الباب
(٢) عن ابن عباس ﵄ الخ. هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه فى باب سفر النساء من أبواب صلاة المسافر رقم ١١٩٧ صحيفة ٨٥ من الجزء الخامس فارجع اليه ان شئت وإنما ذكرته هنا لمناسبة الترجمة
[ ١١ / ٣٨ ]
-[النهي عن سفر المرأة ولو مسيرة يوم واحد بغير محرم - وزوائد الباب]-
(٣٥) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر يومًا وليلةً (وفى روايةٍ "تسافر ليلةً" وفى روايةٍ "ثلاثة أيَّامٍ" وفى روايةٍ "يومًا تامًّا) إلَّا مع ذي محرمٍ من أهلها
_________________
(١) عن أبي هريرة الخ الحديث تقدم أيضا بسنده وشرحه وتخريجه رقم ١٢٠٠ صحيفة ٨٦ فى الباب المشار اليه فى الجزء الخامس أيضا (زوائد الباب) (عن ابن عباس) ﵄ قال أراد رسول الله ﷺ الحج فقالت امرأة لزوجها أحجتى مع رسول الله ﷺ على جملك، فقال ما عندى ما أحجك عليه، فقالت أحججنى على جملك فلان، قال ذاك حبيس فى سبيل الله ﷿، فأتى رسول الله ﷺ فقال إن امرأتى تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وأنها سألتنى الحج معك قالت أحججنى مع رسول الله ﷺ، فقلت ما عندى ما أحججك عليه، قالت أحجنى على جملك فلان، فقلت ذاك حبيس فى سبيل الله ﷿ قال أما إنك لو أحججتها عليه كان فى سبيل الله، وأنها أمرتنى أن أسألك ما يعدل حجة معك؟ قال رسول الله ﷺ اقرأها السلام ورحمة الله وبركاته وأخبرها أنها تعدل حجة معى يعنى عمرة فى رمضان، رواه أبو داود وابن خزيمة فى صحيحه كلاهما بالقصة، واللفظ لأبى داود. وآخره عندهما سواء (وعنه أيضا) قال جاءت أم سليم الى رسول الله ﷺ فقالت حج أبو طلحة وابنه وتركانى، فقال يا أم سليم عمرة فى رمضان تعدل حجة، رواه ابن حبان فى صحيحه (وعن أبى طليق) أن امرأته قالت له وله جمل وناقة أعطنى جملك أحج عليه، قال هو حبيس فى سبيل الله، قالت إنه فى سبيل الله أن أحج عليه، قالت فأعطنى الناقة وحج على جملك، قال لا أوثر على نفسى أحدا؛ قالت فأعطنى من نفقتك، قال ما عندى فضل عن ما أخرج به وأدع لكم، ولو كان معى لأعطيتك، قالت فاذ فعلت ما فعلت فاقرأ رسول الله ﷺ السلام إذا لقيته وقل له الذى قلت لك، فلما لقى رسول الله ﷺ اقرأه منها السلام وأخبره بالذى قالت له، فقال رسول الله ﷺ صدقت أم طليق، لو أعطيتها جملك كان فى سبيل الله، ولو أعطيتها من نفقتك أخلفها الله لك، قلت فما يعدل الحج معك؟ قال عمرة فى رمضان، أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الكبير والبزار باختصار عنه ورجال البزار رجال الصحيح اهـ (قلت) قال الحافظ المنذرى أبو طليق هو أبو معقل وكذلك زوجته أم معقل تكنى أم طليق أيضا، ذكره ابن عبد البر النمرى اهـ. وأشار إلى هذا الحديث أيضا الحافظ فى الفتح وذكر شيئا منه، ثم قال وزعم ابن عبد البر أن أم معقل
[ ١١ / ٣٩ ]
-[ذكر النسوة اللاتي اشتركن فى قصة الجمل - وزوائد الباب]-
__
_________________
(١) هي أم طليق كنيتان وفيه نظر، لأن أبا معقل مات فى عهد النبى ﷺ وأبا طليق عاش حتى سمع منه طلق بن حبيب وهو من صغار التابعين، فدل على تغاير المرأتين ويدل عليه تغاير السياقين أيضا اهـ (قلت) يستفاد مما أوردنا فى أحاديث الباب والزوائد أن قصة الجمل وقعت لأربع نسوة إحداهن أم سنان الأنصارية. والثانية أم معقل الأسدية. والثالثة أم سليم. والرابعة أم طليق بل قال الحافظ ووقعت (يعنى القصة) لأم الهيثم أيضا فيصرن خمسة، والظاهر أن القصة تعددت وأن هؤلاء النسوة كن قد أدين فريضة الحج مع أبى بكر ﵁ سنة تسع، ولذلك لم يستعد أزواجهن لما يوصلهن إلى الحج مع النبى ﷺ والله أعلم (وعن ابن عمر ﵄) عن رسول الله ﷺ فى امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها زوجها فى الحج، قال ليس لها أن تنطلق الا باذن زوجها (قط)، وأورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الصغير والأوسط ورجاله ثقات (وعن جابر بن عبد الله) ﵄ قال لما نزلت هذه الاية ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا﴾ قام رجل فقال يا رسول الله ما السبيل؟ قال الزاد والراحلة (قط) وفى اسناده محمد بن عبد الله بن عبيد الليثى (قال الزيلعى) تركوه وأجمعوا على ضعفه (وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده قال قال رجل يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال الزاد والراحلة (قط) وفيه محمد بن عبيد الله بن ميسرة العزرمى الكوفى (قال الأمام أحمد) ترك الناس حديثه وقال الفلاس متروك (وعن أنس) ﵁ عن النبى ﷺ فى قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا﴾ قال قيل يا رسول الله ما السبيل؟ قال الزاد والراحلة رواه الدارقطنى، وأخرجه أيضا الحاكم وقال صحيح على شرطهما، والبيهقى كلهم من طريق سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن مرسلا (قال الحافظ) فى التلخيص وسنده صحيح الى الحسن ولا أرى الموصول إلا وهما، وقد رواه الحاكم من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس أيضا الا أن الراوى عن حماد هو ابو قتادة عبد الله بن واقد الحرانى وهو منكر الحديث كما قال أبو حاتم، ولكنه قد وثقه أحمد (وعن ابن عباس) ﵄ أن رسول الله ﷺ قال الزاد والراحلة، يعنى قوله من استطاع اليه سبيلا- رواه ابن ماجه والدارقطنى (قال الحافظ) وسنده ضعيف، ورواه ابن المنذر من قول ابن عباس (وعن ابن عمر) ﵄ قال جاء رجل الى النبى ﷺ فقال يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال الزاد والراحلة. رواه الترمذى وقال هذا حديث حسن. والظاهر أن الترمذى حسنه لكثرة شواهده، والا ففى سنده ابراهيم بن يزيد الخوزى وهو متروك الحديث كما صرح به الحافظ فى التقريب (وعنه أيضا) قال سأل رسول الله ﷺ فقال ما الحاج
[ ١١ / ٤٠ ]
-[زوائد الباب مع شرح الغريب منها - وفضل من حج ماشيا]-
__
_________________
(١) قال الشعث التفل، فقال آخر يا رسول الله أى الحج أفضل؟ قال العج والثج، فقام آخر فقال يا رسول الله ما السبيل؟ فقال الزاد والراحلة، رواه الأمام الشافعى فى مسنده وابن ماجه، ورواه والترمذى فى التفسير إلى قوله والثج، وفى اسناده ابراهيم بن يزيد الخوزى وتقدم الكلام عليه فى الحديث السابق لكن حسنه المنذرى، وقال رواه ابن ماجه باسناد حسن، والشعث بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة وبالثاء المثلثة، الذى تفرق شعره، والتفل بالتاء المثناة من فوق وبالفاء المكسورة. الذى لا يتطيب فتوجد منه رائحة كريهة، والعج رفع الصوت بالتلبية. وهو بفتح العين المهملة وبالجيم، والثج بفتح الثاء المثلثة وبالجيم نحر البدن، قال وكيع فى رواية ابن ماجه يعنى بالعج العجيج بالتلبية والثج نحر البدن (وعن بشير بن مسلم) عن عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄ قال قال رسول الله ﷺ لا يركب البحر الا حاج أو معتمر أو غاز فى سبيل الله، فان تحت البحر نارا وتحت النار بحرا، رواه أبو داود وسعيد بن منصور فى سننهما وهذا لفظ أبى داود، ومعنى قوله فان تحت البحر نارًا الخ. قيل هو على ظاهره فان الله على كل شاء قدير (وقال الخطابي) تأويله تفخيم أمر البحر وتهويل شأنه، وذلك أن الآفة تسرع إلى راكبه ولا يؤمن الهلاك عليه فى كل وقت كما لا يؤمن الهلاك فى ملابسة النار ومداخلتها والدنو منها اهـ (قال المنذرى) فى هذا الحديث اضطراب روى عن بشير هكذا، وروى عنه أنه بلغه عن عبد الله بن عمرو. وروى عنه عن رجل عن عبد الله بن عمرو وقيل غير ذلك (وقال أبو داد) رواته مجهولون. وذكره البخارى فى تاريخه وذكر له هذا الحديث وذكر اضطرابه وقال لم يصح حديثه (وقال الخطابى) قد ضعفوا إسناد هذا الحديث اهـ (وعن زاذان) قال مرض ابن عباس مرضا شديدًا فدعا ولده فجمعهم فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول من حج من مكة ماشيًا حتى يرجع الى مكة كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة كل حسنة مثل حسنات الحرم. قيل وما حسنات الحرم؟ قال بكل حسنة مائة ألف حسنة (هق. ك) وقال الحاكم هذا حديث صحيح الأسناد ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبى (وعن عبد الله بن عبيد بن عمير) قال قال ابن عباس ما ندمت على شاء فاتنى فى شبابى إلا أنى لم أحج ماشيا ولقد حج الحسن ابن على ﵄ خمسة وعشرين حجة ماشيا وان النجائب لتقاد معه. ولقد قاسم الله ما له ثلاث مرات حتى إنه يعطى الخف ويمسك النعل (قال البيهقى) ابن عمير يقول ذلك رواية عن الحسن بن على. وقد روى فيه عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما حديث مرفوع وفيه ضعف (وعن عطاء عن ابن عباس) ﵄ قال ما آسى على شاء ما آسى على أنى لم أحج ماشيًا (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أن الاستطاعة المذكورة فى قول الله ﷿ ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه
[ ١١ / ٤١ ]
-[مذاهب الأئمة فى تفسير الاستطاعة إلى الحج]-
سبيلا" تشتمل على جملة أمور، ومع ذلك فهى نوعان (أحدهما) أن يكون مستطيعًا بنفسه (والثانى) أن يكون عاجزا بنفسه لا يقدر على الثبوت على الراحلة لمرض مزمن أو كبر وله مال أو من يطيعه من ولده أو ولد ولده، فيلزمه أن يستأجر بماله أو يأذن للمطيع فى الحج عنه؛ وتقدم الكلام عليه فى باب وجوب الحج على الشيخ الكبير الخ (وأما الاستطاعة بالنفس) فتشتمل على جملة أمور كما قدمنا (منها) أن يكون صحيحا واجدًا للزاد والراحلة "وفى معنى الراحلة ما حدث من المراكب البرية والبحرية والهوائية" لحديث الجمل المذكور أول الباب، رواه الشيخان وغيرهما، ولأحاديث الزاد والراحلة المذكورة فى الزوائد وإن كانت ضعيفة ولكنها جاءت من عدة طرق عن كثير من الصحابة، وصحح بعضها جماعة من الحفاظ، على أنها لكثرة طرقها يقوى بعضها بعضا فتصلح للاحتجاج بها (وقد استدل بها) من قال إن الاستطاعة المذكورة فى القرآن هى الزاد والراحلة، أما الزاد فهو أن يجد ما يكفيه ويكفي من يعول حتى يرجع، وأما الراحلة أو ما يقوم مقامها فيشترط أن تبلغه مقصوده ذهابًا وإيابًا سواء أكانت ملكه أو بأجرة معتدلة يقدر على دفعها بدون غبن، وهذا إذا كانت المسافة بعيدة لا يمكنه المشى اليها، والى ذلك ذهب الأئمة (أبو حنيفة والشافعى وأحمد) وبه قال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وإسحاق (قال الترمذى) والعمل عليه عند أهل العلم أن الرجل اذا ملك زادًا أو راحلة وجب عليه الحج اهـ وفسرعكرمة الاستطاعة بالصحة (وقال الضحاك) ان كان شابا فليؤاجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضى نسكه (وعن مالك) ان كان يمكنه المشى وعادته سؤال الناس لزمه الحج، لأن هذه الاستطاعة فى حقه فهو كواجد الزاد والراحلة، وفى ذلك نظر. لأن السؤال محرم الا لضرورة الحياة. فكيف يجعل واجبا لغير ضرورة؟ (وفى حديثى ابن عباس وأم معقل) أنه جعل الحج من السبيل، وقد اختلف الناس فى ذلك، فكان ابن عباس لا يرى بأسا أن يعطى الرجل من زكاته فى الحج، وروى مثل ذلك عن ابن عمر (وكان الأمام أحمد واسحاق) يقولان يعطى من ذلك فى الحج. وقال الأئمة (أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثورى والشافعى) لا تصرف الزكاة الى الحج، وسهم السبيل عندهم الغزاة والمجاهدون (ومنها) أى من الاستطاعة أيضا أن يكون الحاج آمنا على نفسه وماله سواء أكان السفر برًا أم بحرًا فان كان لا بد له من اجتياز البحر جاز له ركوبه، وقد جاء فى ذلك حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄، وتقدم فى الزوائد بلفظ "لا يركب البحر الا حاج أو معتمر أو غاز فى سبيل الله- الحديث" رواه أبو داود والبيهقى وآخرون، ولكنه ضعيف، وتقدم الكلام عليه. فان كان البحر هائجا فلا يجوز له ركوبه لا لحج ولا غيره حتى يهدأ لحديث
[ ١١ / ٤٢ ]
-[مذاهب الأئمة فى سفر المرأة إلى الحج وهل يشترط لها المحرم أم لا؟]-
__
_________________
(١) أبي عمران الجونى المذكور فى الباب، وذلك باتفاق العلماء (قال النووى ﵀) إذا كان البحر مفرقًا أى مخيفًا أو كان قد اغتلم وماج حرم ركوبه لكل سفر لقول الله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة﴾ ولقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ هكذا صرح به امام الحرمين والأصحاب قال (ومذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد) أنه يجب الحج فى البحر إن غلبت فيه السلامة والا فلا، وهذا هو الصحيح عندنا اهـ (ومن الاستطاعة أيضا) وجود محرم للمرأة يسافر معها، والمحرم من لا يحل له نكاحها من الأقارب كالأب والابن والأخ والعم ومن يجرى مجراهم، وقد استدل بحديث ابن عباس المذكور قبل الحديث الأخير من أحاديث الباب على أن الزوج داخل فى مسمى المحرم أو قائم مقامه، لقول النبى ﷺ للرجل الذى أرادت امرأته الحج "فارجع فحج معها" (قال الحافظ) وقد أخذ بظاهر الحديث بعض أهل العلم فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال (أحمد وهو وجه للشافعى) والمشهور أنه لا يلزمه كالولى فى الحج عن المريض، فلو امتنع إلا بأجرة لزمتها لأنه من سبيلها فصار فى حقها كالمؤنة (واستدل به) على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض (وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية) والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخى، وقد روى الدارقطنى عن ابن عمر مرفوعا فى امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها فى الحج ليس لها أن تنطلق إلا بأذن زوجها (وأجيب عنه) بأنه محمول على حج التطوع جمعا بين الحديثين (ونقل ابن المنذر الأجماع) على أن للرجل منع زوجته عن الخروج فى الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما إذا كان واجبا (وقد استدل ابن حزم) بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة السفر بغير زوج ولا محرم لكونه لم يعب عليها ذلك السفر بعد أن أخبره زوجها (وتعقب) بأنه لو لم يكن ذلك شرطا لما أمر زوجها بالسفر معها وترك الغزو الذى كتب فيه اهـ (واعلم) أنه وردت أحاديث كثيرة فى النهى عن سفر المرأة الا بمحرم فيها اختلاف فى تقدير المسافة التى يحرم قطعها فى السفر بغير محرم، ففى بعضها مسافة ثلاثة أيام، وفى بعضها ثلاثة أيام فصاعدا (وفى رواية) مسافة يومين (وفى رواية) يوم وليلة (وفى أخرى) يوم (وفى رواية ليلة) بل جاء فى رواية لأبى داود لا تسافر بريدا والبريد نصف يوم، وتقدمت هذه الروايات وأشبعنا الكلام عليها فى باب سفر النساء فى الجزء الخامس صحيفة ٨٥ (قال العلماء) اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين واختلاف المواطن وليس فى النهى عن الثلاثة تصريح بأباحة اليوم والليلة أو البريد (قال البيهقى) كأنه ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثا بغير محرم فقال لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم فقال لا، وسئل عن سفرها يوما فقال لا، وكذلك البريد فأدى كل منهم ما سمعه،
[ ١١ / ٤٣ ]
-[مذاهب الأئمة واختلافهم فى حكم المحرم للمرأة فى سفر الحج]-
__
_________________
(١) وما جاء منها مختلفًا عن رواية واحد فسمعه فى مواطن، فروى تارة هذا وتارة هذا وكله صحيح وليس فى هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد ﷺ تحديد أقل ما يسمى سفرا (فالحاصل) أن كل ما يسمى سفرا تنهى عنه المرأة بغبر زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوما أو بريدا أو غير ذلك لرواية ابن عباس المطلقة (قلت) هى المذكورة قبل الحديث الأخير من أحاديث الباب بلفظ "لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم" ولفظ مسلم "الا مع ذى محرم" (قال النووى وأجمعت الأمة) على أن المرأة يلزمها حجة الأسلام اذا استطاعت؛ لعموم قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ وقوله ﷺ "بنى الأسلام على خمس- الحديث" واستطاعتها كاستطاعة الرجل. لكن اختلفوا فى اشتراط المحرم لها (فأبو حنيفة يشترطه) لوجوب الحج عليها الا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل. ووافقه جماعة من أصحاب الحديث وأصحاب الرأى. وحكى ذلك عن الحسن البصرى والنخعى. وقال عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين (ومالك والأوزاعى والشافعى فى المشهور عنه) لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها (قال أصحابنا) يحصل الأمن بزوج أو محرم أو بنسوة ثقات. ولا يلزمها الحج عندنا الا بأحد هذه الأشياء، فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها، لكن يجوز لها الحج معها، هذا هو الصحيح وقال بعض أصحابنا يلزمها بوجود امرأة واحدة. وقد يكثر الأمن ولا تحتاج الى أحد بل تسير وحدها فى جملة القافلة وتكون آمنة. والمشهور من نصوص الشافعى وجماهير أصحابه هو الأول (واختلف أصحابنا) فى خروجها لحج التطوع وسفر الزيارة والتجارة ونحو ذلك من الأسفار التى ليست واجبة. فقال بعضهم يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات كحجة الأسلام (وقال الجمهور) لا يجوز الا مع زوج أو محرم. وهذا هو الصحيح للأحاديث الصحيحة. وقد قال القاضى عياض (واتفق العلماء) على أنه ليس لها أن تخرج فى غير الحج والعمرة إلا مع ذى محرم إلا الهجرة من دار الحرب. فاتفقوا على أن عليها أن تهاجر منها الى دار الأسلام وان لم يكن معها محرم، والفرق بينهما أن اقامتها فى دار الكفر حرام اذا لم تستطع اظهار الدين وتخشى على دينها ونفسها. وليس كذلك التأخر عن الحج، فانهم اختلفوا فى الحج هل هو على الفور أم على التراخى (قال القاضى عياض) قال الباجى هذا عندى فى الشابة، وأما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر كيف شاءت فى كل الأسفار بلا زوج ولا محرم، وهذا الذى قاله الباجى لا يوافق عليه، لأن المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع فى الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينه
[ ١١ / ٤٤ ]
-[مذاهب العلماء فى حكم المشى إلى الحج - وتفسير الصرورة]-
(٦) باب التغليظ فى ترك الحج للمستطيع
(٣٦) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أنَّه كان يقول لا صرورة في الإسلام
_________________
(١) ومروءته وخيانته ونحو ذلك والله أعلم (وفى حديث ابن عباس) المذكور فى آخر الزوائد والآثار المذكورة بعده دلالة على استحباب المشى لمن قدر على الحج راكبا وماشيا، وبه قال (داود الظاهرى) واحتج أيضا بما فى حديث عائشة عند البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال لها "ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك" وفى رواية أخرى صحيحة "على قدر عنائك ونصبك" (وذهب جمهور العلماء) إلى أن الحج راكبا أفضل، لأنه ﷺ حج راكبا ولأنه أعون على المناسك والدعاء وسائر عباداته فى طريقه وأنشط له (فان قيل) إن حجه ﷺ راكبًا كان لبيان الجواز (فالجواب) أن ذلك يقال فيما يتكرر فعله لأنه ﷺ كان يواظب فى معظم الأوقات على الصفة الكاملة؛ أما ما لم يفعله إلا مرة واحدة فلا يفعله إلا على أكمل وجوهه ومنه الحج فانه ﷺ لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة بأجماع المسلمين وهى حجة الوداع، سميت بذلك لأنه ودع الناس فيها لا سيما وقد قال ﷺ "لتأخذوا عنى مناسككم" (وللشافعية فى ذلك قولان) أصحهما تفضيل الركوب اقتداء به ﷺ (قال الغزالى) من سهل عليه المشى فهو أفضل فى حقه، ومن ضعف وساء خلقه بالمشى فالركوب أفضل (قال النووى) والصحيح أن الركوب أفضل مطلقا والله أعلم
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن بكر قال أنا ابن جريج أخبرنى عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس- الحديث" (غريبه) (١) بفتح الصاد المهملة وضم الراء هو الذى لم يحج قط، وهو نفى معناه النهى. أى لا يترك الحج فى الاسلام من استطاعه، وأصله من الصر وهو الحبس والمنع، فمن ترك الحج مع الاستطاعة فقد منع عن نفسه الخير، وفى الموطأ قال مالك فى الصرورة من النساء التى لم تحج قط إنها إن لم يكن لها ذو محرم يخرج معها أو كان لها فلم يستطع أن يخرج معها أنها لا تترك فريضة الله عليها فى الحج ولتخرج فى جماعة النساء اهـ. وفى النهاية لا صرورة فى الأسلام (قال أبو عبيد) هو فى الحديث التبتل وترك النكاح، والصرورة أيضا الذى لم يحج قط وأصله من الصر الحبس والمنع، وقيل أراد من قتل فى الحرم قتل ولا يقبل منه أن يقول إنى صرورة ما حججت ولا عرفت حرمة الحرم، كان الرجل فى الجاهلية إذا أحدث حدثًا
[ ١١ / ٤٥ ]
-[زوائد الباب فى وعيد من ترك الحج وهو مستطيع]-
__
_________________
(١) فلجأ إلى الكعبة لم يهج فكان إذا لقية ولى الدم فى الحرم قيل له هو صرورة فلا تهجه اهـ (قال الخطابى) الصرورة تفسر تفسيرين (أحدهما) أن الصرورة هو الرجل الذى قد انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب رهبانية النصارى (والآخر) أن الصرورة هو الرجل الذى لم يحج، فمعناه على هذا أن سنة الدين أن لا يبقى أحد من المسلمين يستطيع الحج فلا يحج حتى يكون صرورة فى الأسلام اهـ (تخريجه) (د. ك) وقال هذا حديث صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبى (زوائد الباب) عن الحارث عن على ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من ملك زادا وراحلة تبلغه الى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، وذلك أن الله يقول فى كتابه ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا﴾ أخرجه الترمذى وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفى اسناده مقال. وهلال بن عبد الله مجهول. والحارث يضعف فى الحديث اهـ. وقد ورد هذا الحديث من عدة طرق (منها) هذه التى ذكرها الترمذى (ومنها) ما رواه البيهقى وأبو يعلى وسعيد بن منصور فى سننه عن شريك بن أبى سليم عن ابن سابط عن أبى أمامة بلفظ "من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا، وليث ضعيف. وشريك سيء الحفظ وقد خالفه سفيان الثورى فأرسله (قال الحافظ فى التلخيص) رواه أحمد فى كتاب الأيمان له (هو كتاب آخر غير المسند) عن وكيع عن سفيان عن ليث عن ابن سابط قال قال رسول الله ﷺ من مات ولم يحج ولم يمنعه من ذلك مرض حابس أو سلطان ظالم أو حاجة ظاهرة فذكره مرسلا، وكذلك ذكره ابن أبى شيبة عن أبى الأحوص عن ليث مرسلا، وأورده أبو يعلى من طريق أخرى عن شريك مخالفة للأسناد الأول، وراويها عن شريك عمار بن مطر ضعيف (ومنها) عن أبى هريرة رفعه من مات ولم يحج حجة الأسلام فى غير وجع حابس أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فليمت أى الميتتين شاء إما يهوديا أو نصرانيا، رواه ابن عدى من حديث عبد الرحمن القطامى عن أبى المهزم وهما متروكان عن أبى هريرة (قال الحافظ) بعد ذكر هذه الطرق مع ألفاظها وله طريق صحيحة إلا أنها موقوفة، رواها سعيد ابن منصور والبيهقى عن عمر بن الخطاب ﵁ قال لقد هممت أن أبعث رجالا إلى أهل الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليه الجزية ما هم بمسلمين (لفظ سعيد) ولفظ البيهقى أن عمر قال ليمت يهوديا أو نصرانيًا يقولها ثلاث مرات. رجل مات ولم يحج وعنده كذلك سعة وخليت سبيله (قال الحافظ) وإذا انضم هذا الموقوف الى مرسل ابن سابط علم أن لهذا الحديث أصلا ومحمله على من استحل الترك
[ ١١ / ٤٦ ]
-[المذاهب في حكم من لم يحج وهو مستطيع - ومن حج عن غيره ولم يحج عن نفسه]-
(أبواب العمرة)
(١) باب ما جاء فى فضل العمرة خصوصا فى رمضان
(٣٧) عن هرم بن خنبشٍ ﵁ قال كنت جالسًا عند
_________________
(١) وتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع والله أعلم اهـ (قال الشوكاني) وهذه الطرق يقوى بعضها بعضا، وبذلك يتبين مجازفة ابن الجوزى فى عده لهذا الحديث من الموضوعات، فان مجموع تلك الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسنا لغيره وهو محتج به عند الجمهور ولا يقدح فى ذلك قول العقيلى والدارقطنى لا يصح فى الباب شاء، لأن نفى الصحة لا يستلزم نفى الحسن (الأحكام) حديث الباب مع الزوائد تدل على التغليظ على من ترك الحج وهو مستطيع، وأنه لا ينبغى تأخيره (أما قوله) فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا فهو محمول على من استحل الترك وعدم الوجوب كما قال الحافظ (وقال بعض العلماء) هو من باب التغليظ الشديد والمبالغة فى الوعيد لمن اعتقد وجوبه وتساهل فى الأداء وهو قادر عليه (وقال الطيبى) ﵀. المعنى أن وفاته بهذه الحالة ووفاته على اليهودية أو النصرانية سواء، والمقصود التغليظ فى الوعيد كما فى قوله تعالى ومن كفر اهـ (قال الخطابي) وقد يستدل بحديث الباب من يزعم أن الصرورة لا يجوز له أن يحج عن غيره، وتقدير الكلام عنده أن الصرورة إذا شرع فى الحج عن غيره صار الحج عنه وانقلب عن فرضه ليحصل معنى النفى فلا يكون صرورة (وهذا مذهب الأوزاعى والشافعى وأحمد واسحاق) وقال مالك والثورى حجه على ما نواه (واليه ذهب أصحاب الرأى) وقد روى ذلك عن الحسن البصرى وعطاء والنخعى اهـ والله أعلم
(٢) عن هرم بن خنبش (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن عبيد ثنا داود الأودى عن عامر الأودى عن هرم بن خنبش- الحديث" (غريبه) (١) قال فى الخلاصة هرم بكسر الراء بن خنبش بمعجمتين بينهما نون ثم موحدة صحابى كذا سماه داود الأزدى، والصحيح وهب اهـ (قلت) ومما يؤيد ذلك أنه ترجم له فى المسند بقوله (حديث وهب بن خنبش الطائى عن النبى ﷺ) ثم ذكر له هذا الحديث من ثلاث طرق (إحداها) قال حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا وكيع ثنا داود الزعافرى عن الشعبى عن ابن خنبش الطائى قال قال رسول الله ﷺ "عمرة فى رمضان تعدل حجة" (والثانية) حديث الباب بسنده (والثالثة) قال حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ويحيى بن معين قالا ثنا وكيع ثنا سفيان وقال مرة وكيع وقال سفيان عن بيان وجابر عن الشعبى عن وهب
[ ١١ / ٤٧ ]
-[فضل العمرة في شهر رمضان]-
رسول الله ﷺ فأتته امرأةٌ فقالت يا رسول الله فى أيِّ الشُّهور أعتمر؟ قال اعتمري في رمضان، فإنَّ عمرةً فى رمضان تعدل حجَّةً
(٣٨) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ عن النَّبىِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال عمرةٌ فى رمضان تعدل حجَّةً
(٣٩) عن جابر (بن عبد الله رضى الله تعالى عنهما) عن النَّبىِّ ﷺ مثله
(٤٠) عن عمر بن الخطَّاب ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه استأذنه
_________________
(١) ابن خنبش الطائي قال قال رسول الله ﷺ "عمرة فى رمضان تعدل حجة" فعبر عنه مرة بابن خنبش. ومرة بهرم. ومرة بوهب. وصحح الأخير صاحب الخلاصة كما تقدم والله أعلم (١) تقدم الكلام على معنى ذلك قبل باب أى فى باب اعتبار الزاد والراحلة الخ (تخريجه) أخرجه ابن ماجه من طريقين (احداهما) من طريق وكيع عن سفيان عن بيان وجابر عن الشعبى عن وهب بن خنبش قال قال رسول الله ﷺ "عمرة فى رمضان تعدل حجة" (والثانية) من طريق وكيع عن داود بن يزيد الزعافرى عن الشعبى عن هرم بن خنبش قال قال رسول الله ﷺ "عمرة فى رمضان تعدل حجة" قال البوصيرى فى زوائد ابن ماجه حديث وهب بن خنبش إسناد الطريق الأولى من طريق صحيح، وإسناد الطريق الثانية ضعيف لضعف داود بن يزيد، وضبط خنبش بأنه بمعجمة ونون وبموحدة بوزن جعفر اهـ
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الله بن نمير ثنا ابن أبى ليلى عن عطاء عن ابن عباس- الحديث" (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٣) عن جابر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا زكريا بن عدى أنبأنا عبيد الله يعنى ابن عمرو الرقى عن عبد الكريم عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم "عمرة فى رمضان تعدل حجة" (تخريجه) (جه) وفيه من لم أعرفه وباقى رجاله ثقات
(٤) عن عمر بن الخطاب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبى ﷺ- الحديث" (غريبه) (٢ فى الأصل عن عبد الله بن عمر عن النبى ﷺ كما ترى فى السند ولم يذكر عمر، والظاهر أن لفظ عمر سقط من الناسخ، لأن الحديث
[ ١١ / ٤٨ ]
-[تواضع النبي ﷺ - ومنقبة لعمر بن الخطاب ﵁]-
في العمرة فأذن له، فقال يا أخي لا تنسنا من دعائك وقال بعد فى المدينة أشركنا فى دعائك فقال عمر ما أحبُّ أنَّ لى بها ما طلعت عليه الشَّمس لقوله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يا أخي
(٤١) عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم العمرة إلى العمرة كفَّارةٌ
_________________
(١) عند الإمام أحمد فى مسند عمر، وقد رواه الترمذى وأبو داود وابن ماجه جميعًا عن عبد الله ابن عمر عن عمر بن الخطاب، ويؤيد ذلك قوله فى آخر الحديث "فقال عمر ما أحب أن لى بها ما طلعت عليه الشمس الخ (١) فيه استحباب طلب الدعاء من الحاج أو المعتمر فى مواطن الخير، وفيه أن الأنسان لا يخص نفسه بالدعاء، وفيه تواضع النبى ﷺ حيث طلب الدعاء من عمر وهو ﷺ أفضل الخلق على الأطلاق (٢) معنى هذه الجملة وهى قوله "وقال بعد فى المدينة أشركنا فى دعائك" أن شعبة روى هذا الحديث عن عاصم فى غير المدينة؛ ثم لقيه بعد ذلك فى المدينة فحدثه به مرة أخرى فقال فيه "أشركنا فى دعائك" فيحتمل أنه قالها بدل قوله فى الرواية الأولى "لا تنسنا من دعائك" ويحتمل أنه زادها على الرواية الأولى لكونه سمعها كذلك فنسى تبليغها أوَّلا كما سمعها؛ فقد جاء هذا الحديث عند ابن ماجه عن ابن عمر عن عمر أنه استأذن النبى ﷺ فى العمرة فأذن له وقال يا أخى أشركنا فى شاء من دعائك ولا تنسنا" ولفظه عند أبى داود عن سالم بن عبد الله عن أبيه "عن عمر قال استأذنت النبى ﷺ فى العمرة فأذن لى وقال لا تنسنا يا أخى من دعائك، فقال كلمة ما يسرني أن لى بها الدنيا، قال شعبة ثم لقيت عاصما بعد بالمدينة، فحدثنيه فقال أشركنا يا أخى فى دعائك" (٣) يريد أن قول النبى ﷺ له يا أخى- أحب اليه مما طلعت عليه الشمس، يعنى أنه لو أعطيت له الدنيا بما احتوت عليه بدل قول النبى ﷺ له يا أخى ما قبلها ولا رغب فيها، فالباء فى قوله بها للبدلية (تخريجه) (د. جه. مذ) وقال حديث حسن صحيح (قلت) فى إسناده عند الجميع عاصم بن عبيد الله ضعيف، وبعضهم قال لا بأس بحديثه، ولعل الترمذى من هذا الفريق. والله أعلم
(٢) عن عبد الله بن عامر بن ربيعة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى قال ثنا حجاج قال ابن جريج حدثنى يحيى بن جرحة عن ابن شهاب قال حدثنى عبد الله ابن عامر قال رأى عامر رسول الله ﷺ يصلى على ظهر راحلته قال ثنا يونس بن محمد
[ ١١ / ٤٩ ]
-[فضل الحج والعمرة - وزوائد الباب - وشاء من الأحكام]-
لما بينهما من الذُّنوب والخطايا، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة
_________________
(١) وسريج بن النعمان قالا ثنا فليج عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر- الحديث" (غريبه) (١) قيل المراد بالذنوب هنا الصغائر دون الكبائر كما فى قوله الجمعة إلى الجمعة كفارة، لما بينهما وقيل غير ذلك، وتقدم الكلام عليه مستوفى فى شرح حديث أبى هريرة رقم ٨ صحيفة ٩ من هذا الجزء فى باب ما ورد فى فضل الحج والعمرة (فان قيل) الذى يكفر ما بين العمرتين العمرة الأولى أو العمرة الثانية؟ (فالجواب) أن ظاهر الحديث أن العمرة الأولى هى المكفرة لأنها هى التى وقع الخبر فيها أنها تكفر، ولكن الظاهر من حيث المعنى أن العمرة الثانية هى التي تكفر ما قبلها إلى العمرة التى قبلها فان التكفير قبل وقوع الذنب خلاف الظاهر، قاله العينى، والله أعلم (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف اهـ (قلت) يعضده حديث أبى هريرة الوارد بلفظه عند مسلم والأمام أحمد وغيرهما وتقدم فى الباب المشار اليه آنفًا والله أعلم (زوائد الباب) (عن ابن عباس) ﵄ أن النبى ﷺ اعتمر فى رمضان رواه الطبرانى فى الكبير وفيه مسلم بن كيسان الأعور وهو ضعيف لاختلاطه (وعن أنس ابن مالك) ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "عمرة فى رمضان كحجة معى (طب) وفيه هلال مولى أنس وهو ضعيف (وعن عروة البارقى) قال قال رسول الله ﷺ "عمرة فى رمضان تعدل حجة" (طب) وفيه جابر الجعفى وفيه كلام كثير، وقد وثقه شعبة وسفيان (وعن على ﵁) قال قال رسول الله ﷺ "عمرة فى رمضان تعدل حجة" (بز) وفيه حرب بن على (قال الهيثمى) لم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على فضل العمرة خصوصا فى رمضان، وتقدم الكلام على كونها تعدل حجة فى شرح حديث رقم ٣٠ صحيفة ٣٢ فى باب اعتبار الزاد والراحلة الخ "أما تكفير ما بين العمرتين من الذنوب" فقد تقدم الكلام عليه فى شرح حديث أبى هريرة صحيفة ١٠ فى باب ما ورد فى فضل الحج والعمرة، فارجع اليه والله الموفق (تنبيه) قال الحافظ لم يعتمر النبى ﷺ إلا فى أشهر الحج، وقد ثبت فضل العمرة فى رمضان بحديث الباب فأيهما أفضل؟ الذى يظهر أن العمرة فى رمضان لغير النبى ﷺ أفضل، وأما فى حقه فما صنعه هو أفضل، لأن فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فأراد الرد عليهم بالقول والفعل، وهو لو كان مكروها لغيره لكان فى حقه أفضل والله أعلم (وقال صاحب الهدى) يحتمل أنه ﷺ كان يشتغل فى رمضان من العيادة بما
[ ١١ / ٥٠ ]
-[جواز العمرة قبل الحج وفى أى شهر من أشهر السنة]-
(٢) باب جواز العمرة فى جميع أشهر السنة قبل الحج وبعده ومعه
(٤٢) خط عن عكرمة بن خالدٍ قال سألت عبد الله بن عمر ﵄ عن العمرة قبل الحجِّ، فقال ابن عمر لا بأس على أحدٍ يعتمر قبل أن يحجَّ قال عكرمة قال عبد الله اعتمر النَّبيُّ ﷺ قبل أن يحجَّ "قر" (وعنه من طريقٍ ثانٍ) قال قدمت المدينة فى نفرٍ من أهل مكَّة نريد العمرة منها فلقيت عبد الله بن عمر ﵄، فقلت إنَّا قومٌ من أهل مكَّة قدمنا المدينة ولم نحجَّ قطُّ. أفنعتمر منها؟ قال نعم، وما يمنعكم من ذلك؟ فقد اعتمر رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم عمره كلَّها قبل حجَّته واعتمرنا
(٤٣) عن أبى عمران أسلم أنَّه قال حججت مع موالىَّ فدخلت على أمِّ
_________________
(١) هو أهم من العمرة وخشى من المشقة على أمته، إذ لو اعتمر فى رمضان لبادروا إلى ذلك مع ما هم عليه من المشقة فى الجمع بين العمرة والصوم، وقد كان ﷺ يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته وخوفا من المشقة عليهم اهـ
(٢) "خط" عن عكرمة بن خالد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى قال وجدت فى كتاب أبى ثنا محمد بن بكر أنا ابن جريج قال قال عكرمة بن خالد سألت عبد الله ابن عمر- الحديث" (غريبه) (١) هو ابن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم مات سنة أربع عشرة ومائة (٢) يعنى ليس عليه شاء ولا حرج إذا اعتمر قبل أن يحج (٣) يعنى عمرة الحديبية. وعمرة القضاء. وعمرة الجعرانة، وسيأتى بيان ذلك مفصلا فى محله (٤) "قر" (سنده) حدّثنا عبد الله قال قرأت على أبى ثنا يعقوب بن ابراهيم ثنا أبى عن ابن اسحاق حدثنى عكرمة بن خالد بن العاص المخزومى قال قدمت المدينة- الحديث" (تخريجه) (خ. هق. د. خز)
(٣) عن أبى عمران (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حجاج ثنا ليث بن سعد المصرى قال حدثنى يزيد بن أبى حبيب عن أبى عمران أسلم- الحديث" (غريبه) (٥) هو أسلم بن يزيد النجيبى مولاهم أبو عمران المصرى عن أبى أيوب وعقبة بن عامر وأم سلمة، وعنه يزيد بن أبى حبيب وعبد الله بن عياض وثقه النسائي
[ ١١ / ٥١ ]
-[جواز العمرة قبل الحج وبعده ومعه]-
سلمة زوج النَّبيِّ ﷺ، فقلت أعتمر قبل أن أحجَّ؟ قالت إن شئت اعتمر قبل أن تحجَّ وإن شئت بعد أن تحجَّ، قال فقلت إنَّهم يقولون من كان صرورةً فلا يصلح أن يعتمر قبل أن يحجَّ، قال فسألت أمَّهات المؤمنين فقلن مثل ما قالت، فرجعت إليها فأخبرتها بقولهنَّ، قال فقالت نعم وأشفيك سمعت رسول الله ﷺ يقول أهلُّوا يا آل محمَّدٍ بعمرةٍ فى حجٍّ
(٤٤) عن البراء بن عازبٍ ﵁ قال اعتمر رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قبل أن يحجَّ، واعتمر قبل أن يحجَّ فقالت عائشة لقد علم أنَّه اعتمر أربع عمرٍ بعمرته الَّتى حجَّ فيها
(٤٥) عن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ عائشة ﵂
_________________
(١) "خلاصة" وقال الحافظ فى التقريب ثقة من الثالثة (١) أى من لن يسبق له حج قط وتقدم تفسيره بأطول من هذا فى شرح حديث ابن عباس رقم ٣٦ صحيفة ٤٥ فى باب التغليظ فى ترك الحج للمستطيع (٢) أى أزيدك ربحا وعلما أكثر مما علمت، وعبرت بهذا التعبير البليغ، لأن الجهل داء والعلم شفاء (٣) أى مع الحج وهذا يقال له القران، وهو أن يحرم بالحج والعمرة معا، وهذه فائدة أخرى استفادها أبو عمران بغير سؤال، لأنه سألها عن العمرة قبل الحج فأجابته بجوازها قبل الحج وبعده، ثم زادته أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أمرهم بالعمرة مع الحج، فتلخص من هذا أن العمرة جائزة قبل الحج وبعده ومعه (تخريجه) (هق) وسنده جيد
(٢) عن البراء بن عازب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد قال أخبرنا زكريا عن أبى اسحاق عن البراء بن عازب- الحديث" (غريبه) (٤) يعنى أنه اعتمر قبل أن يحج مرتين فقالت عائشة (لقد علم) أى البراء (أنه) أى النبى ﷺ اعتمر أربع عمر الخ. ويحاب عن ذلك بأن البراء لم يحسب العمرة الأولى وهى عمرة الحديبية. لأنها لم تتم، لأن المشركين صدوا النبى ﷺ عنها، وأسقط الأخيرة لدخولها فى أعمال الحج. وأثبت عمرة القضاء وعمرة الجعرانة والله أعلم (تخريجه) (خ. هق)
(٣) (عن جابر بن عبد الله) هذا ظرف من حديث طويل سيأتي بسنده وطوله
[ ١١ / ٥٢ ]
-[اعتمار عائشة ﵂ فى شهر الحجة بعد انقضاء الحج]-
حاضت فنسكت المناسك كلَّها غير أنّها لم تطف بالبيت، فلمَّا طهرت طافت قالت يا رسول الله أتنطلقون بحجٍّ وعمرةٍ وأنطلق بالحجِّ فأمر عبد الرَّحمن ابن أبى بكرٍ أن يخرج معها إلى التَّنعيم فاعتمرت بعد الحجِّ فى ذى الحجَّة
(٤٦) عن عبد الله بن طاوسٍ عن أبيه عن عائشة ﵂ أنَّها
_________________
(١) في باب فسخ الحج إلى العمرة، وقد اقتصرت منه هنا على ما يناسب ترجمة الباب وهو ان عائشة اعتمرت بعد الحج فى أشهر الحج (غريبه) (١) سيأتى من حديث عائشة نفسها فى باب ما تفعل من حاضت فى الحج أو نفست أن حيضها كان بسرف قبل دخولهم مكة (قال الحافظ) وفى رواية أبى الزبير عن جابر عند مسلم أن دخول النبى ﷺ وشكواها ذلك له كان يوم التروية، ووقع عند مسلم من طريق مجاهد عن عائشة أن طهرها بعرفة، وفى رواية القاسم عنها وطهرت صبيحة ليلة عرفة حين قدمنا منى، وله من طريقه فخرجت من حجتى حتى نزلنا منى فتطهرت ثم طفنا بالبيت- الحديث" واتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الأفاضة من يوم النحر، واقتصر النووى فى شرح مسلم على النقل عن أبى محمد بن حزم أن عائشة حاضت يوم السبت ثالث ذى الحجة وطهرت يوم السبت عاشر يوم النحر، وإنما أخذه بن حزم من هذه الروايات التى فى مسلم ويجمع بين قول مجاهد وقول القاسم أنها رأت الطهر وهى بعرفة ولم تتهيأ للاغتسال إلا بعد أن نزلت منى، أو انقطع الدم عنها بعرفة وما رأت الطهر إلا بعد أن نزلت منى، وهذا أولى والله أعلم اهـ (٢) أى لأن الطهارة من شرط الطواف (٣) تريد أن الناس يرجعون بحج منفرد. وعمرة منفردة. وترجع هى بحج مقرون بعمرة، وسيأتى بيان ذلك فى شرح الحديث التالى (٤) بفتح المثناة وسكون النون وكسر المهملة مكان معروف خارج مكة وهو على أربعة أميال من مكة إلى جهة المدينة كما نقله الفاكهى (وقال المحب الطبرى) التنعيم أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل وليس بطرف الحل. بل بينهما نحو من ميل، ومن أطلق عليه أدنى الحل فقد تجوز (قال الحافظ) أو أراد بالنسبة إلى بقية الجهات، قال وروى الفاكهى من طريق عبيد بن عمير قال إنما سمى التنعيم لأن الجبل الذى عن يمين الداخل يقال له ناعم والذى عن اليسار يقال له منعم والوادى نعمان اهـ (قلت) وهو المعروف الآن بمساجد عائشة (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن عبد الله بن طاوس (سنده) حدثنى عبد الله حدثنى أبى قال ثنا عفان ثنا وهيب ثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن عائشة رضى الله تعالى عنها- الحديث"
[ ١١ / ٥٣ ]
-[اعتمار عائشة عقب الحج يدل على جواز العمرة فى أشهر الحج]-
أهلَّت بعمرةٍ فقدمت ولم تطف بالبيت حتَّى حاضت، فنسكت المناسك كلَّها وقد أهلَّت بالحجِّ، فقال لها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يوم النَّحر يسعك طوافك لحجِّك ولعمرتك فأبت، فبعث بها مع عبد الرَّحمن إلى التَّنعيم فاعتمرت بعد الحجِّ
(٤٧) عن عيسى بن عبد الرَّحمن البجلىِّ السَّلمىِّ عن أمِّه قالت سألت عائشة ﵂ عن العمرة بعد الحجِّ قالت أرسل رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم معى أخي فخرجت من الحرم فاعتمرت
(٤٨) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال ما أعمر رسول الله ﷺ
_________________
(١) (غريبه) (١) جاء في رواية القاسم وغيره عند البخارى والأمام أحمد وغيرهما أنها أهلت بالحج، ولا منافاة فانها أول ما أهلت بعد خروجهم من المدينة أهلت بالحج كما صرحت بذلك عند البخارى فى رواية القاسم عنها قالت خرجنا مهلين بالحج الخ. ثم فسخته إلى العمرة لمَّا فسخ الصحابة، وعلى هذا يتنزل قول طاوس عنها، وكذا عروة فى رواية أخرى أنها "أهلت بعمرة" فلما حاضت وتعذر عليها التحلل من العمرة لأجل الحيض وجاء وقت الخروج إلى الحج أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة واستمرت إلى أن تحللت، وعليها يدل قول النبى ﷺ لها فى الحديث "يسعك طوافك لحجك ولعمرتك" فلما أبت ووجدها حريصة على عمرة منفردة كما فعل الناس ووجد فى إعمارها مخالفة لعادة المشركين وهى تحريم العمرة فى أشهر الحج كما سيأتى. تلطف بها وأمر أخاها عبد الرحمن بن أبى بكر أن يعمرها من التنعيم فاعتمرت بعد الحج، وهذا موضع الدلالة من الحديث والله أعلم (تخريجه) (م. وغيره)
(٢) عن عيسى بن عبد الرحمن (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو أحمد قال ثنا عيسى بن عبد الرحمن البجلى- الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وأم عيسى بن عبد الرحمن لم أقف على من ترجمها وباقى رجاله ثقات
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن اسحاق قال حدثنى عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس- الحديث"
[ ١١ / ٥٤ ]
-[إبطال ما زعمه المشركون من تحريم العمرة فى أشهر الحج بعمرة عائشة]-
عائشة ليلة الحصبة إلَّا قطعًا لأمر أهل الشِّرك فإنَّهم كانوا يقولون إذا برأ الدَّبر، وعفا الأثر، ودخل صفر، فقد حلَّت العمرة لمن اعتمر،
(٤٩) عن ابن أبى مليكة قال قال عروة لابن عبَّاسٍ حتَّى متى تضلُّ النَّاس يا ابن عبَّاسٍ، قال ما ذاك يا عروة؟ قال تأمرنا بالعمرة في أشهر الحجِّ وقد نهى أبو بكرٍ وعمر فقال ابن عبَّاسٍ قد فعلها رسول الله ﷺ، فقال
_________________
(١) (غريبه) (١) بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين وفتح الباء الموحدة وهى الليلة التى تلى ليلة النفر الأخير، والمراد بها ليلة المبيت بالمحصب (٢) يعنى أهل الجاهلية فانهم كانوا يرون أن العمرة فى أشهر الحج من أفجر الفجور فى الأرض ويجعلون المحرم صفرا كما صرح بذلك فى رواية لمسلم والأمام أحمد (قال العلماء) المراد الأخبار عن النساء الذى كانوا يفعلونه وكانوا يسمون المحرم صفرا ويحلونه وينسئون المحرم، أى يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة تضيق عليهم أمورهم من الغارة وغيرها فأضلهم الله تعالى فى ذلك، فقال جل ذكره ﴿إنما النساء زيادة فى الكفر- الآية﴾ (٣) بفتح المهملة والموحدة أى ما كان يحصل بظهور الأبل من أثر الحمل عليها أو مشقة السفر فانه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحج (٤) أى زال واندرس أثر الأبل وغيرها فى سيرها لطول مرور الأيام هذا هو المشهور (وقال الخطابى) المراد أثر الدبر والله أعلم اهـ (قال النووى) وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر ويوقف عليها، لأن مرادهم السجع اهـ (٥) يريدون أنها لا تحل إلا بعد ذلك؛ وهذا من تحكماتهم الباطلة المأخوذة من غير أصل، فأراد النبى ﷺ إبطال هذه العادة القبيحة وأعمر عائشة ليلة الحصبة لأنها من أشهر الحج ليخالفهم فيما تعودوه (تخريجه) (د. هق) وسنده جيد، قال المنذرى وأخرج البخارى ومسلم طرفا منه ولم يخرجا قصة عائشة فى العمرة
(٢) عن ابن أبى مليكة (سنده حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا أيوب عن ابن أبى مليكة- الحديث" (غريبه) (٦) يريد أن ابن عباس أخطأ فى إفتاء الناس بجواز العمرة فى أشهر الحج، لا يريد عروة أن ابن عباس يقصد إضلالهم (٦) الظاهر أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا ينهيان عن العمرة فى الحج بقصد التمتع، لا لأن ذلك حرام لا يجوز فعله، بل لأن الأكمل أن يأتى بالعمرة فى غير أشهر الحج
[ ١١ / ٥٥ ]
-[جراءة الصحابة فيما يرونه حقا - ومحاورة عروة وابن عباس]-
عروة كانا هما أتبع لرسول الله ﷺ وأعلم به منك
_________________
(١) لتكون عمرة مستقلة يتحمل مشقتها فيكون ثوابها أعظم، ويؤيد ذلك ما ثبت عند الأمام أحمد، وسيأتي فى باب ما جاء فى التمتع بالعمرة إلى الحج عن سالم بن عبد الله بن عمر قال كان ابن عمر يفتى بالذى أنزل الله ﷿ من الرخصة بالتمتع وسن رسول الله ﷺ فيه فيقول ناس لابن عمر كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك؟ فيقول لهم عبد الله ويلكم ألا تتقون الله، إن كان عمر نهى عن ذلك فيبتغى فيه الخير، يلتمس به تمام العمرة، فلم تحرّمون ذلك وقد أحله الله وعمل به رسول الله ﷺ، أفرسول الله ﷺ أحق أن تتبعوا أم سنة عمر؟ إن عمر لم يقل لكم إن العمرة فى أشهر الحج حرام؛ ولكنه قال أتمُّ العمرة أن تفردها من أشهر الحج (١) يريد عروة أن صحبتهما لرسول الله ﷺ أقدم من صحبته فهما أعلم به منه، وليس بلازم فانه قد يصادف الصغير فى الزمن القصير ما لم يصادف الكبير فى الزمن الطويل والله أعلم (تخريجه) أورده الهيثمى باختلاف قليل فى بعض الألفاظ وعزاه للطبرانى فى الأوسط وقال إسناده حسن، ولفظه (عن عروة بن الزبير) أنه أتى ابن عباس فقال يا ابن عباس طالما أضللت الناس، قال وما ذاك يا عروة؟ قال الرجل يخرج محرما بحج أو عمرة، فاذا طاف زعمت أنه قد حل فقد كان أبو بكر وعمر ينهيان عن ذلك، فقال أهما ويحك آثر عندك أم ما فى كتاب الله وما سن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فى أصحابه وفى أمته؟ فقال عروة هما كانا أعلم بكتاب الله وما سن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم منى ومنك، قال ابن أبى مليكة رحمه الله تعالى فخصمه عروة (زوائد الباب) (عن عائشة ﵂) أنها قالت يا رسول الله يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك، فقيل لها انتظرى فاذا طهرت فاخرجى إلى التنعيم فأهلى ثم ائتينا بمكان كذا، ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك، رواه البخارى (قال الكرمانى) فى قوله أو نصبك "أو" إما للتنويع فى كلام النبى ﷺ وإما شك من الراوى، والمعنى أن الثواب فى العبادة يكثر بكثرة النصب أو النفقة، والمراد النصب الذى لا يذمه الشرع، وكذا النفقة، قال النووى اهـ (قال الحافظ) ووقع فى رواية الاسماعيلى من طريق أحمد بن منيع عن اسماعيل "على قدر نصبك -أو- على قدر تعبك" وهذا يؤيد أنه من شك الراوى، وفى روايته من طريق حسين بن حسن "على قدر نفقتك أو نصبك" أو كما قال رسول الله ﷺ (وأخرجه الدارقطنى والحاكم) من طريق هشام عن ابن عون بلفظ "إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك" بواو العطف، وهذا يؤيد الاحتمال الأول اهـ (الأحكام)
[ ١١ / ٥٦ ]
-[مذاهب العلماء فى مشروعية العمرة فى جميع السنة - ومن أين يحرم لها]-
__
_________________
(١) أحاديث الباب تدل على مشروعية العمرة فى جميع أشهر السنة قبل الحج وبعده وفى أشهر الحج أيضا (وإلى ذلك ذهب الجمهور) قال الشوكانى (وذهبت الهادوية) إلى أن العمرة فى أشهر الحج مكروهة، وعللوا ذلك بأنها تشغل عن الحج فى وقته، وهذا من الغرائب التى يتعجب الناظر منها، فان الشارع ﷺ إنما جعل عمره كلها فى أشهر الحج لأبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع الاعتمار فيها كما عرفت، فما الذى سوغ مخالفة هذه الأدلة الصحيحة والبراهين الصريحة وألجأ إلى مخالفة الشارع وموافقة ما كانت عليه الجاهلية، ومجرد كونها تشغل عن أعمال الحج لا يصلح مانعًا ولا يحسن نصبه فى مقابلة الأدلة الصحيحة؛ وكيف يجعل مانعا وقد اشتغل بها المصطفى ﷺ فى أيام الحج وأمر غيره بالاشتغال بها فيها، ثم أىُّ شغل لمن لم يرد الحج أو أراده وقدم مكة من أول شوال، لا جرم من لم يشتغل بعلم السنة المطهرة حق الاشتغال يقع فى مثل هذه المضايق التى هى السم القتَّال والداء العضال، قال وحكى فى البحر عن الهادى أنها تكره فى أيام التشريق (قال أبو يوسف) يوم النحر (وقال أبو حنيفة) ويوم عرفة اهـ قال الحافظ (واختلف السلف) فى جواز الاعتمار فى السنة أكثر من مرة (فكرهه مالك) وخالفه مطرف وطائفة من أتباعه وهو قول الجمهور (واستثنى أبو حنيفة) يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ووافقه أبو يوسف إلا فى يوم عرفة (واستثنى الشافعى) البائت بمنى لرمى أيام التشريق، وفيه وجه اختاره بعض الشافعية فقال بالجواز مطلقا كقول الجمهور والله أعلم (واختلفوا أيضًا) هل يتعين التنعيم لمن اعتمر من مكة؟ فروى الفاكهى وغيره من طريق محمد بن سيرين قال بلغنا أن رسول الله ﷺ وقَّت لأهل مكة التنعيم، ومن طريق عطاء قال من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها، وأفضل ذلك أن يأتي وقتا أى ميقاتا من مواقيت الحج (قال الطحاوى) ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن كان بمكة إلا التنعيم، ولا ينبغى مجاوزته كما لا ينبغى مجاوزة المواقيت التى للحج، وخالفهم آخرون فقالوا ميقات العمرة الحل، وإنما أمر النبى ﷺ عائشة بالأحرام من التنعيم، لأنه كان أقرب الحل من مكة؛ ثم روى من طريق ابن أبى مليكة عن عائشة فى حديثها، قالت وكان أدنانا من الحرم التنعيم فاعتمرت منه، قال فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحل وأن التنعيم وغيره فى ذلك سواء اهـ (واستدل بحديث خروج عائشة إلى التنعيم مع أخيها) على جواز الخلوة بالمحارم سفرا وحضرا وعلى جواز إرداف المحرم محرمه معه (واستدل به) على تعيين الخروج الى الحل لمن أراد العمرة ممن كان بمكة وهو أحد قولى العلماء، والثانى تصح العمرة ويحب عليه دم لترك الميقات (قال الحافظ) وليس فى حديث الباب ما يدفع ذلك اهـ (واستدل به أيضا) على أن أفضل جهات الحل التنعيم
[ ١١ / ٥٧ ]
-[اختلاف المذاهب فى المكان الذى يحرم منه العمرة]-
(٣) باب حكم العمرة وصفتها
(٥٠) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال أتى النَّبيَّ ﷺ أعرابىٌّ فقال يا رسول الله أخبرنى عن العمرة أواجبةٌ هي؟ فقال رسول الله صلَّى الله
_________________
(١) (وتعقبه الطحاوي) بما تقدم من أن النبى ﷺ إنما أمر عائشة بالأحرام من التنعيم لأنه كان أقرب الحل من مكة لا أنه الأفضل (واستدل بحديث عائشة) المذكور فى الزائد على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحل القريبة أقل أجرا من الاعتمار من جهة الحل البعيدة (قال الحافظ) وهو ظاهر هذا الحديث (وقال الشافعى) فى الأملاء أفضل بقاع الحل للاعتمار الجعرانة، لأن النبى ﷺ أحرم منها ثم التنعيم، لأنه أذن لعائشة منها، قال وإذا تنحى عن هذين الموضعين فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحب إلى، وحكى الموفق فى المغنى (عن أحمد) أن المكى كلما تباعد فى العمرة كان أعظم لأجره (وقالت الحنفية) أفضل بقاع الحل للاعتمار التنعيم (ووافقهم بعض الشافعية والحنابلة) ووجهه أنه لم ينقل أن أحدا من الصحابة فى عهد النبى ﷺ خرج من مكة الى الحل ليحرم بالعمرة غير عائشة، وأما اعتماره ﷺ من الجعرانة فكان حين رجع من الطائف مجتازا إلى المدينة، ولكن لا يلزم من ذلك تعين للفضل لما دل عليه هذا الخبر أن الفضل فى زيادة التعب والنفقة، وإنما يكون التنعيم أفضل من جهة أخرى تساويه الى الحل لا من جهة أبعد منه، والله أعلم (وقال النووى) ظاهر الحديث أن الثواب والفضل فى العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة، وهو كما قال، لكن ليس ذلك بمطرد، فقد يكون بعض العبادة أخف من بعض وهو أكثر فضلا وثوابا بالنسبة الى الزمان، كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليال من رمضان غيرها، وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين فى المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات فى غيره، وبالنسبة إلى شرف العبادة الماليه والبدنية كصلاة الفريضة الى أكثر من عدد ركعاتها أو أطول من قراءتها، ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدرهم من الزكاة بالنسبة الى أكثر منه من التطوع، أشار الى ذلك ابن عبد السلام فى القواعد، قال وقد كانت الصلاة قرة عين النبى ﷺ وهى شاقة على غيره، وليست صلاة غيره مع مشقتها مساوية لصلاته مطلقا والله أعلم، أفاده الحافظ
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا أبو معاوية ثنا الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله- الحديث"
[ ١١ / ٥٨ ]
-[أركان العمرة - وزوائد الباب]-
عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لا؛ وأن تعتمر خيرٌ لك
(٥١) عن عمرو بن دينار ذكروا الرَّجل يهلُّ بعمرةٍ فيحلُّ هل له أن يأتى يعنى امرأته قبل أن يطوف بين الصَّفا والمروة، فسألنا جابر بن عبد الله ﵄ فقال لا حتَّى يطوف بين الصَّفا والمروة، وسألنا ابن عمر ﵄، فقال قدم رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فطاف بالبيت سبعًا فصلَّى خلف المقام ركعتين وسعى بين الصَّفا والمروة، ثمَّ قال لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ
_________________
(١) (غريبه) (١) بفتح الهمزة هكذا ضبطه المحدثون كقوله تعالى ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ وقد احتج بهذا الحديث القائلون بعدم وجوب العمرة، وسيأتى ذكرهم فى الأحكام (تخريجه) (هق. ش. مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح
(٢) عن عمرو بن دينار (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان قال قال عمرو يعنى ابن دينار ذكروا الرجل يهل بعمرة- الحديث" (تخريجه) (نس) والبخارى مقدما سؤال ابن عمر ومؤخرا سؤال جابر بعكس ما هنا (زوائد الباب) (عن يعلى بن أمية) قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ متضمخ بالخلوق (أى متلطخ بالطيب) عليه مقطعات قد أحرم بعمرة، قال كيف تأمرنى يا رسول الله فى عمرتى؟ فأنزل الله ﷿ ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ فقال رسول الله ﷺ من السائل عن العمرة؟ فقال أنا، فقال ألق ثيابك واغتسل واستنق ما استطعت، وما كنت صانعا فى حجتك فاصنعه فى عمرتك، أورده الهيثمى وقال هو فى الصحيح باختصار، رواه الطبرانى فى الأوسط ورجاله رجال الصحيح (وعن ابن عباس) ﵄ عن النبى ﷺ قال "الحج جهاد. والعمرة تطوع" أورده الهيثمى، وقال رواه الطبرانى فى الكبير وفيه محمد ابن الفضل بن عطية وهو كذاب (وعن ابن مسعود) ﵁ قال أمرتم بأقامة أربع، إقامة الصلاة. وإيتاء الزكاة. وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت. والحج الحج الأكبر. والعمرة الحج الأصغر، أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات (وعن وهيب) عن عبد الله بن عون أنه كان يقرأ ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ يقول هى واجبة، قال وكان الشعبى يقرؤها ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ويقول هي تطوع (هق)
[ ١١ / ٥٩ ]
-[زوائد الباب - ومذاهب الأئمة فى حكم العمرة وأدلة القائلين بوجوبها]-
__
_________________
(١) (وعن عبد الله بن لهيعة) عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال الحج والعمرة فريضتان واجبتان (هق) وقال ابن لهيعة غير محتج به، قال وفى حديث الصُّبى بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب ﵁ إنى وجدت الحج والعمرة مكتوبين على، وإنى أهللت بهما، فقال هديت لسنة نبيك ﷺ (قلت سيأتى حديث الصُّبى بن معبد) فى باب ما جاء فى فى القران (وعن ابن جريج) أخبرنى نافع مولى ابن عمر أن عبد الله بن عمر كان يقول ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع الى ذلك سبيلا، فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع (قال ابن جريج) وأخبرت عن ابن عباس ﵄ أنه قال العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع اليه سبيلا (هق) (وعن طاوس) عن ابن عباس ﵄ قال والله انها لقرينتها فى كتاب الله ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ راوه البيهقى وقال رواه الشافعى عن سفيان بن عيينة (وعن ثوير) عن أبيه قال سمعت ابن مسعود يقول "وأقيموا الحج والعمرة الى البيت" ثم يقول والله لولا التحرج أنى لم أسمع من رسول الله ﷺ فيها شيئا لقلت العمرة واجبة مثل الحج (هق) (وعن طلحة بن عبيد الله) ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "الحج جهاد. والعمرة تطوع" رواه ابن ماجه، قال البوصيرى فى زوائد ابن ماجه فى اسناده ابن قيس المعروف بمندل ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما والحسن أيضا ضعيف اهـ (قلت) يعنى الحسن بن يحيى الخشنى أحد رجال السند عند ابن ماجه (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية العمرة، وقد اتفق العلماء على ذلك، لكن منها ما يدل على الوجوب ومنها ما يدل على الندب لهذا اختلفت أنظار العلماء (فذهب الى وجوبها) جماعة من أهل الحديث وهو المشهور عند الأمامين (الشافعى وأحمد) وبه قال اسحاق. والثورى. والمزنى. وطاوس. وعطاء. وابن المسيب. وسعيد بن جبير، والحسن البصرى. وابن سيرين والشعبى. ومسروق. وأبو بردة بن أبى موسى الحضرمى. وعبد الله ابن شداد. وداود، وهو مروى عن عمر. وابن عباس. وابن عمر. وجابر من الصحابة ﵃، واستدلوا بما فى الزوائد من الأحاديث المصرحة بالوجوب، وبحديث عمر بن الخطاب ﵁ فى قصة السائل الذى سأل رسول الله ﷺ عن الأيمان والأسلام وهو جبريل ﵇، فقال له النبى ﷺ الأسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وأن تقيم الصلاة. وتؤتى الزكاة. وتحج البيت. وتعتمر. وتغتسل من الجنابة. وتتم الوضوء. وتصوم رمضان، قال فان قلت هذا فأنا مسلم؟ قال نعم، قال صدقت وذكر الحديث، هكذا رواه البيهقى، وقال رواه مسلم فى الصحيح ولم يسق متنه، هذا
[ ١١ / ٦٠ ]
-[حجة القائلين بأن العمرة سنة لا واجبة]-
كلام البيهقي (قال النووى فى المجموع) وليس هذا اللفظ على هذا الوجه فى صحيح مسلم ولا للعمرة والغسل من الجنابة والوضوء فيه فى هذا الحديث ذكر؛ لكن الأسناد به للبيهقى موجود من صحيح مسلم، وروى الدارقطنى هذا اللفظ الذى رواه البيهقى بحروفه، ثم قال هذا إسناد صحيح ثابت، واحتج البيهقى أيضا بما رواه بأسناده عن أبي رزين العقيلى الصحابى ﵁ أنه قال يا رسول الله إنى شيخ كبير لا أستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، قال حج عن أبيك واعتمر (قال البيهقى) قال مسلم بن الحجاج سمعت أحمد بن حنبل يقول لا أعلم فى إيجاب العمرة، حديثا أجود من هذا ولا أصح منه ولم يجوده أحد كما جوده شعبة، هذا كلام البيهقى (قال النووى) وحديث أبى رزين هذا صحيح، رواه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة، قال الترمذى هو حديث حسن صحيح اهـ (وذهب أبو حنيفة ومالك وأبو ثور) إلى أن العمرة سنة ليست واجبة، وحكاه ابن المنذر وغيره عن النخعى ودليلهم ما جاء فى الزوائد من الأحاديث المصرحة بعدم الوجوب وبحديث جابر المذكور فى الباب، وأجيب عن الحديث بأن فى اسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف وتصحيح الترمذى له فيه نظر، لأن الأكثر على تضعيف الحجاج، واتفقوا على أنه مدلس (قال النووى) ينبغى أن لا يغتر بالترمذى فى تصحيحه فقد اتفق الحفاظ على تضعيفه اهـ (قال الشوكانى) وتصحيح الترمذى له إنما ثبت فى رواية الكروخى فقط، وقد نبه صاحب الأمام على أنه لم يرد على قوله حسن فى جميع الروايات عنه إلا فى رواية الكروخى، وقد قال ابن حزم إنه مكذوب باطل وهو إفراط، لأن الحجاج وإن كان ضعيفًا فليس متهما بالوضع وقد رواه البيهقى من حديث سعيد بن عفير عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله عن أبى الزبير عن جابر بنحوه، ورواه ابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر، ورواه ابن عدى من طريق أبى عصمة عن ابن المنكدر عن أبى صالح. وأبو عصمة قد كذبوه، قال وفى الباب عن أبى هريرة عند الدارقطنى وابن حزم والبيهقى أن رسول الله ﷺ قال "الحج جهاد والعمرة تطوع" وإسناده ضعيف كما قال الحافظ (وعن طلحة) عند ابن ماجه باسناد ضعيف، وعن ابن عباس عند البيهقى (قال الحافظ) ولا يصح من ذلك شاء، وبهذا تعرف أن الحديث من قسم الحسن لغيره وهو محتج به عند الجمهور، ويؤيده ما عند الطبرانى عن أبى أمامة مرفوعا "من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فأجره كعمرة" (واستدل القائلون) بوجوب العمرة أيضا بما أخرجه الدارقطنى من حديث زيد بن ثابت ﵁ بلفظ "الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت" وأجيب عنه بأن فى إسناده اسماعيل بن مسلم المكى وهو ضعيف، وفى الحديث أيضا انقطاع، ورواه
[ ١١ / ٦١ ]
-[مذاهب العلماء فى أفعال العمرة وأركانها]-
البيهقي موقوفًا على زيد (قال الحافظ) واسناده أصح، وصححه الحاكم ورواه ابن عدى عن جابر وفى اسناده ابن لهيعة (قلت واستدلوا أيضا) بما رواه البخارى. وأبو داود. والنسائى وابن ماجه. والأمام أحمد، وتقدم رقم ٢١ صحيفة ١٨ فى فضل وجوب الحج على النساء عن عائشة ﵂ قالت يا رسول الله أعلى النساء جهاد؟ قال الحج والعمرة هو جهاد النساء (قال الشوكانى) والحق عدم وجوب العمرة، لأن البراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف ولا دليل يصلح لذلك لا سيما مع اعتضادها بما تقدم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب؛ ويؤيد ذلك اقتصاره ﷺ على الحج فى حديث بنى الأسلام على خمس واقتصار الله ﷻ على الحج فى قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا﴾ (فان قيل) إن وقوع العمرة فى جواب من سأل عن الأسلام يدل على الوجوب (فيقال) ليس كل أمر من الأسلام واجبا، والدليل على ذلك حديث شعب الأسلام والأيمان فانه اشتمل على أمور ليست بواجبة بالأجماع ﴿وأما قوله تعالى- وأتموا الحج والعمرة لله﴾ فلفظ التمام مشعر بأنه انما يجب بعد الأحرام لا قبله، ويدل على ذلك ما أخرجه الشيخان وأهل السنن (وأحمد والشافعى) وابن أبى شيبة عن يعلى بن أمية (قال جاء رجل الى النبى ﷺ وهو بالجعرانة عليه جبة وعليها خلوق، فقال كيف تأمرنى أن أصنع فى عمرتى؟ فأنزل الله تعالى على النبى ﷺ الآية، فهذا السبب فى نزول الآية، والسائل قد كان أحرم وإنما سأل كيف يصنع، أفاده الشوكاني (هذا وحديث عمرو بن دينار الثانى من حديثى الباب) يستفاد منه أن أركان العمرة ثلاثة. الأحرام. والطواف والسعى (وإلى ذلك ذهب الجمهور وزاد الشافعية) إزالة الشعر لما رواه البخارى والنسائى عن الحسن بن مسلم أن طاوسًا أخبره أن ابن عباس أخبره عن معاوية ﵁ أنه قصر عن النبى ﷺ بمشقص فى عمرة على المروة، وسيأتى للأمام أحمد نحوه فى باب النحر والحلاق والتقصير ان شاء الله تعالى (وزاد الشافعية أيضا) والترتيب بين هذه الأركان، كما فعلها النبى ﷺ الأول فالأول (وخالف الحنفية) فقالوا ليس للعمرة إلا ركن واحد وهو معظم الطواف أربعة أشواط، أما الأحرام فهو شرط لها، وأما السعى بين الصفا والمروة فهو واجب كما فى الحج عندهم، ومثل السعى الحلق أو التقصير فهو واجب فقط لا ركن (فائدة) يجب للعمرة ما يجب للحج، وكذلك يسن لها ما يسن له، وبالجملة فهى كالحج فى الأحرام والفرائض والواجبات والسنن والمحرمات والمكروهات والمفسدات والأحصار وغير ذلك، ولكنها تخالفه فى أمور (وهى) أنها ليس لها وقت معين ولا تفوت. وليس فيها وقوف بعرفة ولا نزول بمزدلفة، وليس فيها رمى جمار ولا جمع بين صلاتين ولا خطبة ولا طواف قدوم، وأن ميقاتها الحل لجميع الناس بخلاف الحج فان ميقاته للمكى الحرم. والله أعلم
[ ١١ / ٦٢ ]
-[عدد غزوات النبى ﷺ وحجه وعمره]-
(٤) باب كم حج النبى ﷺ واعتمر
(٥٢) عن أبى إسحاق حدَّثنى زيد بن أرقم ﵁ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم غزا تسع عشرة وأنَّه حجَّ بعد ما هاجر حجَّةً واحدةَّ، حجَّة الوداع قال أبو إسحاق وبمكَّة أخرى
(٥٣) عن قتادة قال سألت أنسًا كم اعتمر رسول الله ﷺ؟ قال أربعًا عمرته الَّتى صدَّه عنها المشركون فى ذي القعدة وعمرته أيضًا فى العام المقبل فى ذى القعدة، وعمرته حين قسم غنيمة حنينٍ من الجعرانة
_________________
(١) عن أبي اسحاق (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن بن موسى ثنا زهير عن أبى اسحاق قال سألت زيد بن أرقم كم غزوت مع رسول الله ﷺ؟ قال سبع عشرة، قال وحدثنى زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة- الحديث" (غريبه) (١) معناه أنه يعلم أن النبى ﷺ غزا تسع عشرة غزوة وأخبر أنه غزا معه سبع عشرة اهـ وكانت غزواته ﷺ خمسا وعشرين، وقيل سبعًا وعشرين. وقيل غير ذلك وهو مشهور فى كتب المغازى وغيرها وسيأتى تفصيل غزواته صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعددها فى باب حوادث السنة الثانية من الهجرة من كتاب السيرة النبوية ان شاء الله تعالى (٢) كانت سنة عشر من الهجرة؛ وكونه ﷺ لم يحج إلا مرة واحدة بعد الهجرة هذا متفق عليه، "وقوله قال أبو اسحاق وبمكة أخرى" يعنى قبل الهجرة. وسيأتى فى الزوائد أنه ﷺ حج قبل الهجرة أكثر من مرة والله أعلم (تخريجه) (م. وغيره)
(٢) عن قتادة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا همام عن قتادة- الحديث" (غريبه) (٣) له فى رواية أخرى كم حج رسول الله ﷺ؟ قال حجة واحدة واعتمر أربع مرات فذكر نحوه (٤) مفعول لفعل محذوف أى اعتمر أربعًا (٥) هى عمرة الحديبية (٦) يعنى عمرة القضاء (٧) هى المسماة بعمرة الجعرانة وفيها لغتان، إحداهما كسر الجيم وسكون العين المهملة وفتح الراء المخففة وبعد الألف نون، والثانية كسر العين وتشديد الراء. والى التخفيف ذهب الأصمعى وصوبه الخطابى، وقال فى تصحيف المحدثين إن هذا مما ثقلوه وهو مخفف. وحكى القاضى عياض عن ابن المدينى قال أهل المدينة ينقلونه وأهل العراق يخففونه، وهى ما بين الطائف ومكة وهى إلى مكة أقرب
[ ١١ / ٦٣ ]
-[عدد عمر النبى ﷺ وأنها كلها كانت فى أشهر الحج]-
فى ذي القعدة، وعمرته مع حجَّته
(٥٤) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال اعتمر النَّبيُّ ﷺ أربع عمرٍ؛ عمرة الحديبية. وعمرة القضاء. والثَّالثة من الجعرانة. والرَّابعة الَّتى مع حجَّته
(٥٥) عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه أنَّ النَّبىَّ ﷺ اعتمر ثلاث عمرٍ كلُّ ذلك فى ذي القعدة يلبِّى حيث يستلم الحجر
(٥٦) عن عائشة ﵂ قالت ما اعتمر رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم إلَّا في ذى القعدة، ولقد اعتمر ثلاث عمرٍ
(٥٧) عن مجاهدٍ عن ابن عمر ﵄ قال سئل كم اعتمر
_________________
(١) يعني العمرة التى قرنها ﷺ بحجته. لأنه كان قارنا (قال ابن حزم) ستة عشر من الثقات مع أنس اتفقوا على أن لفظ النبى ﷺ كان إهلالا بحجة وعمرة معًا. وصرحوا عن أنس أنه سمع ذلك منه ﷺ اهـ (قلت) وسيأتى ذلك فى باب ما جاء فى القران (تخريجه) (ق. د. مذ) وغيرهم
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو النضر ثنا داود يعنى العطار عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال اعتمر النبى ﷺ- الحديث" (تخريجه) رواه ابن ماجه فى سننه وسنده جيد
(٣) عن عمرو بن شعيب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنا حجاج عن عمرو بن شعيب- الحديث" (غريبه) (٢) يعنى غير العمره التى كانت مع حجته ﷺ فانها كانت فى ذى الحجة (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد
(٤) عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن سلمة عن أبى اسحاق عن يحيى بن عبَّاد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير قال دخلت على عائشة فقالت ما اعتمر رسول الله ﷺ- الحديث" (غريبه) (٤) تعنى سوى التى قرنها بحجة الوداع كما صرحت بذلك فى الحديث التالى (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد ورجاله كلهم ثقات، وروى ابن ماجه الشق الأول منه، وصححه الحافظ
(٥) عن مجاهد عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا
[ ١١ / ٦٤ ]
-[ما جاء في عمرة الحديبية]-
رسول الله ﷺ؟ قال مرَّتين فقالت عائشة لقد علم ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قد اعتمر ثلاثةً سوى الَّتى قرنها بحجَّة الوداع
(فصل منه فى عمرة الحديبية)
(٥٨) عن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ خرج معتمرًا فحال كفَّار قريشٍ بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية فصالحهم على أن يعتمروا العام المقبل، ولا يحمل السِّلاح عليهم
_________________
(١) حسن ثنا زهير عن أبى اسحاق عن مجاهد عن ابن عمر- الحديث" (غريبه) (١) يشبه أن يكون ابن عمر لم يعد العمرة التى قرنها النبى ﷺ بحجته، ولم يعد أيضا عمرة الحديبية لأن النبى ﷺ صدَّ عنها (٢) أى علم مشاهدة لما صرحت به عائشة فى حديث آخر حيث قالت "يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله ﷺ عمرة إلا وهو معه" رواه البخارى والأمام أحمد وسيأتى فى العمرة فى رجب، وكأنها نسبته إلى نسيانه بعد علمه بأنها كانت أربع عمر لما رواه مجاهد وعروة بن الزبير عن عبد الله بن عمر أنهما قالا له كم اعتمر رسول الله ﷺ قال أربعا، رواه البخارى والأمام أحمد وسيأتى فى العمرة فى رجب أيضًا (٣) هى عمرة الحديبية. والقضاء. والجعرانة (٤) هى الرابعة التى قرنها بحجة الوداع سنة عشر كما تقدم (تخريجه) (د) قال المنذرى وأخرجه النسائى وأخرجه ابن ماجه مختصرا بنحوه
(٢) عن عبد الله بن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس وسريج قالا ثنا فليح عن نافع عن ابن عمر- الحديث" (غريبه) (٥) كان خروجه ﷺ يوم الأثنين مستهل ذى القعدة سنة ست من الهجرة وبعث عينًا له من خزاعة يخبر عن قريش، وهذا العين اسمه بسر بضم الموحدة وسكون المهملة بن سفيان. ذكره ابن عبد البر وغيره. وكان دليله إليها عمرو بن عبد تميم الأسلمى ذكره العسكرى وابن شاهين، وقد ثبت فى الصحيحين وعند الأمام أحمد وغيره أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وسيأتى ذلك فى باب عمرة الحديبية من أبواب حوادث السنة السادسة من كتاب السيرة النبوية عن جابر قال كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فقال لنا رسول الله ﷺ أنتم اليوم خير أهل الأرض، وله فى رواية أخرى قال كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهى سمرة على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت (٦) بحاء مضمومة فمهملة مفتوحة
[ ١١ / ٦٥ ]
-[من أفعال العمرة تقليد الهدى وإشعاره والحلاق أو التقصير]-
(وفي لفظ ولا يحمل سلاحًا) إلَّا سيوفًا ولا يقيم بها إلَّا ما أحبُّوا، فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلمَّا أن أقام ثلاثًا أمروه أن يخرج فخرج
(٥٩) عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا قلَّد رسول الله ﷺ الهدى وأشعره بذى الحليفة، وأحرم منها بالعمرة، وحلق بالحديبية فى عمرته، وأمر أصحابه بذلك، ونحر بالحديبية قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك
(فصل منه في عمرة القضاء (*»
_________________
(١) فتحتية ساكنة فموحده مكسورة فتحتية ثانية مخففة، وقيل مشددة، اسم لبئر فى طريق جدة سميت بشجرة حدباء هناك (قال الفاسى يقال إنها المعروفة الآن ببئر شمس قال فى المواهب وهى على تسعة أميال من مكة (١) هذا اللفظ لسريج أحد الراويين اللذين روى عنهما الأمام أحمد هذا الحديث (٢) يعنى عمرة القضاء وسيأتى الكلام عليها فى الفصل التالى (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وسنده جيد ومعناه فى البخارى وغيره
(٢) عن المسور بن مخرمة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهرى عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان- الحديث" (غريبه) (٣) تقليد الهدى هو أن يفتل حبل من قشر شجر الحرم ويجعل فى عنق الهدى كالقلادة ليعلم أنه هدى فلا يمسه أحد بسوء، ويجوز أن تكون القلادة بحبل من العهن أى الصوف، وقيل هو المصنوع منه، وقيل هو الأحمر خاصة، وقد ثبت كون القلادة من العهن من حديث عائشة ﵂ عند البخارى وغيره قالت "فتلت قلائدها من عهن كان عندى" واختار الأمام مالك وربيعة أن تكون من نبات الأرض (قال ابن التين) لعله أراد أنه الأولى مع القول بجواز كونها من الصوف والله أعلم "والأشعار" هو أن يكشط شاء من جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته فيكون ذلك علامة على كونها هديا، ويجوز أن يعلق فى عنقها نعلا، وسيأتى الكلام على ذلك مستوفى فى باب ما جاء فى إشعار البدن وتقليد الهدى، وهو الباب الأول من كتاب الهدايا والضحايا (تخريجه) (خ وغيره) (*) وتسمى أيضا بعمرة القضية، وإنما سميت بهما لأنه ﷺ قاضى قريشًا فيها لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التى صد عنها، إذ لو كان كذلك لكانتا عمرة واحدة (وهذا مذهب الشافعية والمالكية) وقالت الحنفية هى قضاء عنها؛ وكانت فى ذى القعدة سنة سبع من الهجرة قبل
[ ١١ / ٦٦ ]
-[ما جاء في عمرة القضاء أو القضية]-
(٦٠) عن عبد الله بن أبى أوفى ﵁ قال كنَّا مع رسول الله ﷺ حين اعتمر فطاف وطفنا معه، وصلَّي وصلَّينا معه وسعى بين الصَّفا والمروة وكنَّا نستره من أهل مكَّة لا يصيبه أحدٌ بشاءٍ
(٦١) عن إسماعيل بن أبى خالدٍ قال قلت لعبد الله بن أبى أوفي ﵁ أدخل النَّبىُّ ﷺ البيت في عمرته قال لا
_________________
(١) عن عبد الله بن أبي أوفى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعلى ثنا اسماعيل قال سمعت عبد الله بن أبى أوفى يقول كنا مع رسول الله ﷺ- الحديث" (غريبه) (١) قال فى المواهب خرج مع رسول الله ﷺ من المسلمين ألفان واستخلف على المدينة أبارهم، بضم الراء وسكون الهاء اسمه كلثوم بن الحصين الغفارى وساق ﵊ ستين بدنة اهـ (٢) يعنى خلف المقام ركعتين كما فى رواية البخارى، والمراد بالمقام هنا مقام ابراهيم ﵊ (٣) أى خوفا عليه من غدر أهل مكة (تخريجه) (خ. د نس. جه)
(٢) عن إسماعيل بن أبى خالد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنا اسماعيل بن أبى خالد- الحديث" (غريبه) (٤) يعنى الكعبة، وقد ثبت أنه ﷺ دخلها حين فتح مكة بالاتفاق وفى حجة الوداع على خلاف فى ذلك كما سيأتى فى بابه "وقوله فى عمرته" يعنى عمرة القضاء أو القضية (٥)، قيل سبب عدم دخوله ﷺ الكعبة فى هذه العمرة ما كان فيها حينئذ من الأصنام ولا يمكنه إزالتها، لأن المشركين لا يمكنونه من ذلك، فلما كان فى الفتح أمر بأزالتها ثم دخلها، ويحتمل أن يكون دخول البيت لم يقع فى الشرط، فلو أراد دخوله لمنعوه كما منعوه من الأقامة بمكة زيادة على الثلاث فلم يقصد دخولها لئلا يمنعوه (تخريجه) (خ. د. نس. جه) وروى الترمذى وأبو يعلى والطبرانى والنسائى وهذا لفظه عن أنس بن مالك ﵁ قال "دخل النبى ﷺ مكة فتح مكة (قال السهيلى) والمراد بالقضاء والقضية الكتاب الذى وقع بين رسول الله ﷺ والمشركين ووهم من ظن أن المراد قضاء العمرة التى تحللوا منها، إذ لا يجب القضاء على المحصر وتسمى عمرة الصلح، قاله الحاكم فى الأكليل، وتسمى عمرة القصاص لنزول قوله تعالى ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾ اهـ
[ ١١ / ٦٧ ]
-[شعر ابن رواحة فى عمرة القضاء - وما جاء فى عمرة الجعرانة]-
(فصل منه فى عمرة الجعرانة)
(٦٢) عن محرِّشٍ الكعبيِّ الخزاعىِّ ﵁ أنَّ النَّبىَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم خرج ليلًا من الجعرانة حين أمسى معتمرًا فدخل مكَّة ليلًا فقضى عمرته، ثمَّ خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائتٍ حتَّى إذا زالت الشَّمس خرج من الجعرانة فى بطن سرف حتَّى جامع الطَّريق
_________________
(١) في عمرة القضاء وابن رواحة بين يديه يقول: خلوا بنى الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله قال عمر يا ابن رواحة فى حرم الله وبين يدى رسول الله ﷺ تقول هذا الشعر؟ فقال النبى ﷺ خل عنه فوالذى نفسى بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل"
(٢) عن محرش الكعبى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا ابن جريج قال أخبرنى مزاحم بن أبى مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله عن محرش الكعبى- الحديث" (غريبه) (١) بضم أوله وفتح ثانيه وكسر راء مشددة فمعجمة، ويقال بكسر أوله وسكون ثانيه، ويقال بسكون المعجمة وفتح الراء الخفيفة (٢) تقدم ضبطها، والأشهر أنها بكسر الجيم وسكون العين المهملة وهى ما بين الطائف ومكة وهى إلى مكة أقرب (قال الحافظ بن كثير) فى تاريخه البداية والنهاية عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح الذى لا يمكن منعه ولا دفعه، ومن نفاها لا حجة معه فى مقابلة من أثبتها والله أعلم وهم كالمجمعين على أنها كانت فى ذى القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين، وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبرانى بسنده عن ابن عباس قال لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر فيها، وذلك لليلتين بقيتا من شوال فانه غريب جدا وفى اسناده نظر والله أعلم اهـ، ويعارضه ما جاء عند الشيخين والأمام أحمد من حديث أنس مصرحا بأنها كانت فى ذى القعدة، ولفظ مسلم "وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حنين فى ذى القعدة" ويوم حنين كانت غزوة هوازن، وحنين واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وكانت فى سنة ثمان وهى سنة غزوة الفتح، وكانت غزوة هوازن بعد الفتح فى خامس شوال (٣) بوزن كتف مصروفا وممنوعا، وهو موضع قريب من التنعيم، وتقدم الكلام
[ ١١ / ٦٨ ]
-[ما جاء في العمرة فى رجب والكلام على ذلك]-
طريق المدينة بسرف، قال محرِّشٌ فلذلك خفيت عمرته على كثيرٍ من النَّاس (زاد فى روايةٍ) فنظرت إلى ظهره كأنَّه سبيكة فضَّةٍ
(فصل منه فيما جاء فى العمرة فى رجب)
(٦٣) عن مجاهد قال دخلت أنا وعروة بن الزُّبير المسجد فإذا نحن بعبد الله بن عمر ﵄ فجالسناه قال فإذا رجالٌ يصلُّون الضُّحي، فقلنا يا أبا عبد الرَّحمن ما هذه الصَّلاة؟ فقال بدعةٌ فقلنا له كم اعتمر رسول الله ﷺ؟ قال أربعًا إحداهنَّ في رجبٍ، قال فاستحيينا أن نردَّ
_________________
(١) عليه في شرح حديث رقم ١٩٩ صحيفة ٤ فى الباب الأول من أبواب حمل الجنازة فى الجزء الثامن (١) منهم ابن عمر ومولاه نافع، فقد روى مسلم بسنده عن نافع قال ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة فقال لم يعتمر منها (قال الحافظ) ابن كثير فى تاريخه البداية والنهاية، وهذا غريب جدا عن ابن عمر وعن مولاه نافع فى انكارهما عمرة الجعرانة وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، وذكر ذلك أصحاب المغازى والسنن كلهم اهـ (٢) أى فى صفاء اللون والاعتدال، وإنما تمكن من النظر إلى ظهره ﷺ لأنه كان محرما إذ ذاك بالعمرة (تخريجه) (د. نس. مذ) وقال الترمذى حسن غريب ولا يعرف لمحرش الكعبى عن النبى ﷺ غير هذا الحديث، وقال أبو عمرو النمرى روى عنه حديث واحد وذكر هذا الحديث
(٢) عن مجاهد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبيدة بن حميد عن منصور بن المعتمر عن مجاهد- الحديث" (غريبه) (٣) يعنى إظهارها فى المسجد والاجتماع لها هوالبدعة، لا أن نفس تلك الصلاة بدعة (قال القاضى عياض) وغيره إنما أنكر ابن عمر ملازمتها واظهارها فى المساجد وصلاتها جماعة لأنها مخالفة للسنة، ويؤيده ما رواه ابن أبى شيبة عن ابن مسعود أنه رأى قوما يصلونها فأنكر عليهم فقال ان كان ولا بد ففى بيوتكم اهـ (قلت) صلاة الضحى سنة ثابتة بقول رسول الله ﷺ وفعله، انظر أبواب صلاة الضحى صحيفة ١٩ فى الجزء الخامس (٤) يعنى اعتمر أربعا هكذا وقع فى رواية منصور عن مجاهد، وهذا يخالف ما تقدم فى الحديث السادس من أحاديث الباب من رواية أبى اسحاق عن مجاهد عن ابن عمر ﵄، قال سئل كم اعتمر رسول الله
[ ١١ / ٦٩ ]
إنكار عائشة ﵂ اعتمار النبى ﷺ فى رجب
_________________
(١) عليه قال فسمعنا استنان أمِّ المؤمنين عائشة ﵂، فقال لها عروة بن الزُّبير يا أمَّ المؤمنين ألا تسمعى ما يقول أبو عبد الرَّحمن؟ يقول اعتمر رسول الله ﷺ أربعًا إحداهنَّ فى رجبٍ، فقالت يرحم الله أبا عبد الرَّحمن أما إنَّه لم يعتمر عمرةً إلَّا وهو شاهدها، وما اعتمر شيئًا فى رجب (ومن طريقٍ ثانٍ) عن ابن جريجٍ قال سمعت عطاءً يقول أخبرنى عروة بن الزُّبير قال كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة إنَّا لنسمعها تستنُّ، قلت يا أبا عبد الرَّحمن اعتمر رسول الله ﷺ فى رجبٍ؟ قال نعم، قلت يا أمَّاه ما تسمعين ما يقول أبو عبد الرَّحمن، قالت ما يقول؟ قلت يقول اعتمر النَّبيُّ ﷺ في ﷺ قال مرتين، وتقدم توجيهه فى شرحه (قال الحافظ) جعل منصور الاختلاف فى شهر العمرة وأبو اسحاق الاختلاف فى عدد الاعتمار، قال ويمكن تعدد السؤال بأن يكون ابن عمر سئل أولا عن العدد فأجاب فردت عليه عائشة فرجع اليها فسئل مرة ثانية فأجاب بموافقتها، ثم سئل عن الشهر فأجاب بما فى ظنه اهـ (١) يستفاد منه أنهما كان يعلمان الحكم ولكنهما كرها الرد عليه لكبر سنه وشرف صحبته، فأخبر عروة عائشة بما قال ليكون الرد منها (٢) قيل استنانها سواكها، وقيل استعمالها الماء (قال ابن فارس) سننت الماء على وجهى اذا أرسلته إرسالا الا أن يكون استن لم تستعمله العرب الا فى السواك، وقيل معناه سمعنا حس مرور السواك على أسنانها (قلت) جاء صريحا فى رواية عطاء عن عروة عند مسلم قال "وانا لنسمع ضربها بالسواك تستن" (٣) هو عبد الله بن عمر ذكرته بكنيته تعظيما له ودعت له إشارة الى أنه نسى "وقولها أما إنه لم يعتمر" تعنى رسول الله ﷺ "عمرة الا وهو" أى ابن عمر "شاهدها" أى حاضر معه، وقالت ذلك مبالغة فى نسبته الى النسيان ولم تنكر عائشة على ابن عمر الا قوله احداهن فى رجب، ولذا قالت وما اعتمر شيئا فى رجب "وفى رواية للأمام أحمد أيضا" فقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله ﷺ عمرة الا وهو معه، ما اعتمر رسول الله ﷺ فى رجب قط (٤) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن ابن جريج- الحديث"
[ ١١ / ٧٠ ]
-[زوائد الباب فى عدد عمر النبى ﷺ]-
رجبٍ، قالت يغفر الله لأبى عبد الرَّحمن، نسى، ما اعتمر النَّبيُّ ﷺ فى رجبٍ، قال وابن عمر يسمع فما قال لا ولا نعم، سكت
_________________
(١) قال النووي سكوت ابن عمر على انكار عائشة يدل على أنه كان اشتبه عليه أو نسى أو شك، وقال القرطبى عدم إنكاره على عائشة يدل على أنه كان على وهم وأنه رجع لقولها، وقد تعسف من قال إن ابن عمر أراد بقوله اعتمر فى رجب عمرة قبل الهجرة، لأنه وإن كان محتملا، لكن قول عائشة ما اعتمر فى رجب يلزم منه عدم مطابقة ردها عليه لكلامه ولا سيما وقد بينت الأربع وأنها لو كانت قبل الهجرة فما الذى كان يمنعه أن يفصح بمراده فيرجع الأشكال، وأيضا فان قول هذا القائل، لأن قريشا كانوا يعتمرون فى رجب يحتاج إلى نقل وعلى تقديره فمن أين له أنه ﷺ وافقهم، وهب أنه وافقهم فكيف اقتصر على مرة (تخريجه) (ق. وغيرهما) (زوائد الباب) (عن جابر بن عبد الله) ﵄ أن النبى ﷺ حج ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معها عمرة فساق ثلاثة وستين بدنة وجاء على من اليمن ببقيتها فيها جمل لأبى جهل فى أنفه برة (بضم الباء وتخفيف الراء الحلقة تكون فى أنف البعير) من فضة فنحرها فأمر رسول الله ﷺ من كل بدنه ببضعة فطبخت فشرب من مرقها. رواه الترمذى وقال هذا حديث غريب من حديث سفيان لا نعرفه الا من حديث زيد بن حباب ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن روى هذا الحديث فى كتبه عن عبد الله بن أبى زياد. وسألت محمدا (يعنى البخارى) عن هذا الحديث فلم يعرفه من حديث الثورى عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبى ﷺ ورأيته لا يعد هذا الحديث محفوظا، وقال إنما يروى عن الثورى عن أبى اسحاق عن مجاهد مرسلا (وعن عروة عن عائشة ﵂) أن رسول الله ﷺ اعتمر عمرتين، عمرة فى ذى القعدة، وعمرة فى شوال. رواه أبو داود (وعنه أيضا) عن عائشة ﵂ أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اعتمر ثلاث عمر، عمرتين فى ذى القعدة، وعمرة فى شوال. رواه سعيد بن منصور فى سننه والبيهقى وقوَّى الحافظ إسناده، ورواه الأمام مالك فى الموطأ عن هشام عن أبيه مرسلا. لكن قولها فى شوال مغاير لقول غيرها فى ذى القعدة بل لقولها كما فى رواية عباد بن عبد الله بن الزبير عنها قالت "ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا فى ذى القعدة ولقد اعتمر ثلاث عمر" وهو مذكور فى أحاديث الباب. وسيأتى الكلام على ذلك فى الأحكام (وعن أبى هريرة) ﵁ قال اعتمر النبى ﷺ ثلاث عمر كلها فى ذى القعدة (هق) (وعن جابر) ﵁ أن النبى ﷺ اعتمر ثلاث عمر كلها في
[ ١١ / ٧١ ]
-[زوائد الباب - وشئ من احكامه - ومعجزة للنبى ﷺ]-
__
_________________
(١) ذي القعدة، إحداهن زمن الحديبية، والأخرى فى صلح قريش، والأخرى مرجعه من الطائف زمن حنين من الجعرانة (بز. طس) ورجاله رجال الصحيح (وعن عمر بن الخطاب) رضى الله تعالى عنه قال اعتمر رسول الله ﷺ ثلاثا قيل حجه فى ذى القعدة (طس) ورجاله ثقات الا أن سعيد بن المسيب اختلف فى سماعه من عمر (وعن ابن عباس) ﵄ قال لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال (عل) من رواية عتبة مولى ابن عباس ولم أعرفه (وعن خالد بن عبد العزى بن سلامة) ذكر أن رسول الله ﷺ نزل عليه بالجعرانة وأجزره وظل عنده وأمسى عند خالد ثم ندب النبى ﷺ العمرة فانحدر النبى ﷺ ومحرش الى الوادى حتى بلغا مكانا يقال له أشقاب فقال يا محرش ماء هذا المكان الى الكدة (١) وماء الكد لخالد وما بقى من الوادى لك يا محرش، ثم أن النبى ﷺ فحص الكدة بيده فانبجس الماء (أى انفجر) فشرب ثم ندب النبى ﷺ العمرة فأرسل خالد الى رجل من أصحابه يقال له محرش بن عبد الله والنبى ﷺ يومئذ خائف من دخول مكة فسار به طريقا يعدله عن من يخاف من ذلك قد عرفها حتى قضى نسكه وأضحى عند خالد راجعين وأحله محرش يعنى خلفه (طب) أورده الهيثمى وقال فيه من لم أعرفه، وأورد أيضا الثلاثة قبله وتكلم عليها جرحا وتعديلا (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على أن النبى ﷺ حج ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر؛ والمهم منها هى الحجة التى كانت بعد الهجرة سنة عشر، لأنها جاءت بعد افتراض الحج وتعلم الناس المناسك منها. وأجمع المسلمون عليها (وفيها أيضا دلالة) على أنه ﷺ اعتمر أربع عمر (الأولى) عمرة الحديبية سنة ست من الهجرة (والثانية) عمرة القضاء فى السنة السابعة (والثالثة) عمرة الجعرانة فى السنة الثامنة بعد فتح مكة (والرابعة) كانت مع حجته وكلها كانت فى القعدة إلا الرابعة فكانت فى ذى الحجة، هذا هو الصحيح الذى دلت عليه الأحاديث الصحيحة (وذهب اليه المحققون من الفقهاء) والمحدثين (أما ما ورد فيها) مخالفًا لذلك فى العدد كما جاء فى بعض روايات عائشة وابن عمر أنه ﷺ اعتمر مرتين، وفى بعضها ثلاثا كرواية عمرو
(٢) بضم الكاف وفتح الدال المهملة مشدده، قال فى النهاية الكدة هى الأرض الغليظة، لانها تكد الماشى فيها أى تتعبه اهـ، والمعنى أن النبى ﷺ قسم ماء أشقاب الذى ينتهى إلى الكدة قسمين فجعل قسما منه يسمى بماء الكد لخالد بن عبد العزى وما بقى من الوادى لمحرش، وإنما فعل ذلك ﷺ معهما، لأن خالدا أكرم نزله، ومحرشًا رافقه فى الطريق، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يصنع معه معروف إلا ويكافاء صاحبه عليه بأفضل منه فينبغى الاقتداء به ﷺ
[ ١١ / ٧٢ ]
-[كلام العلماء فى أنه ﷺ اعتمر أربع عمر فى ذى القعدة ولم يعتمر فى رجب]-
__
_________________
(١) ابن شعيب وعائشة المذكورين فى أحاديث الباب، وكذلك ما جاء فى الزوائد عن عمر وجابر وأبى هريرة، فيجمع بينها بأن من قال عمرتين فانه لم يحسب الأولى وهى عمرة الحديبية لكونها لم تتم، والعمرة التى كانت مع حجته لانها كانت مقرونة بحجه ﷺ كما تقدم (وأما ما ورد فيها) مخالفا فى الزمن كحديث ابن عمر ﵄ أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم اعتمر فى رجب فيحمل على النسيان كما صرحت بذلك عائشة ﵂ فقالت "يغفر الله لأبى عبد الرحمن نسى" وكذلك قال غير واحد من المحدثين المحققين (وأما ما رواه أبو داود) بسند قوى عن عائشة ﵂ أن النبى ﷺ اعتمر ثلاث عمر عمرتين فى ذى القعدة وعمرة فى شوال فيجمع بينه وبين ما ورد فى الأحاديث الصحيحة أن الثلاثة كانت فى ذى القعدة بأن يكون وقع فى آخر شوال وأول ذى القعدة؛ ويؤيده ما رواه الأمام أحمد وابن ماجه بأسناد صحيح عنها أنها قالت "ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا فى ذى القعدة ولقد اعتمر ثلاث عمر" (قال الحافظ ابن القيم) رحمه الله تعالى وظن بعض الناس أن النبى ﷺ اعتمر فى سنة مرتين، واحتج بما أخرجه أبو داود عن عائشة، قالوا وليس المراد بها ذكر مجموع ما اعتمره فان أنسا وعائشة وابن عباس وغيرهم قد قالوا إنه اعتمر أربع عمر فعلم أن مرادها به أنه اعتمر فى سنة مرتين، مرة فى ذى القعدة ومرة فى شوال، قال وهذا الحديث وهم وإن كان محفوظا عنها فان هذا لم يقع قط فانه اعتمر أربع عمر بلا ريب (العمرة الأولى) كانت فى ذى القعدة عمرة الحديبية ثم لم يعتمر إلا فى العام القابل (عمرة القضية) فى ذى القعدة ثم رجع إلى المدينة ولم يخرج إلى مكة حتى فتحها سنة ثمان فى رمضان ولم يعتمر ذلك العام، ثم خرج إلى حنين وهزم الله أعداءه فرجع إلى مكة (وأحرم بعمرة) وكان ذلك فى ذى القعدة كما قال أنس وابن عباس فمتى اعتمر فى شوال؟ ولكن لقى العدو فى شوال وخرج فيه من مكة وقضى عمرته لما فرغ من أمر العدو فى ذى القعدة ليلا ولم يجمع ذلك العام بين عمرتين ولا قبله ولا بعده، قال وقولها اعتمر فى شوال إن كان هذا محفوظا فلعله فى عمرة الجعرانة حين خرج فى شوال ولكن إنما أحرم بها فى ذى القعدة (قال) ولا تناقض بين حديث أنس "فى الصحيحين" أنهن فى ذى القعدة إلا التى مع حجته وبين قول عائشة وابن عباس لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا فى ذى القعدة، لأن مبدأ عمرة القران كان فى ذى القعدة ونهايتها كان فى ذى الحجة مع انقضاء الحج، فعائشة وابن عباس أخبرا عن ابتدائها، وأنس أخبر عن انقضائها، (فأما قول عبد الله بن عمر) إن النبى ﷺ اعتمر أربعا إحداهن فى رجب فوهم منه ﵁، قالت عائشة لما بلغها ذلك عنه "يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله ﷺ عمرة قط إلا وهو شاهد، وما اعتمر فى رجب قط" وأما ما رواه الدارقطنى عن عائشة قالت
[ ١١ / ٧٣ ]
-[كلام الحافظ ابن القيم فى أحاديث العمرة - وأنه ﷺ لم يعتمر فى رمضان]-
(٥) باب صفة حج النبى ﷺ
(٦٤) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى حدَّثنا يحيي حدَّثنا جعفرٌ حدَّثنى أبى قال أتينا جابر بن عبد الله ﵄ وهو فى بنى سلمة فسألناه عن حجَّة النَّبيِّ ﷺ فحدَّثنا أنَّ رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع سنين لم يحجَّ
_________________
(١) "خرجت مع رسول الله ﷺ فى عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت بأبى وأمى أفطرت وصمت وقصرت وأتممت، فقال أحسنت يا عائشة" فهذا الحديث غلط، فان رسول الله ﷺ لم يعتمر فى رمضان قط، وعمره مضبوطة العدد والزمان، ونحن نقول يرحم الله أم المؤمنين ما اعتمر رسول الله ﷺ فى رمضان قط، وقد قالت عائشة ﵂ لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا فى ذى القعدة، رواه ابن ماجه وغيره، ولا خلاف أن عمره لم تزد على أربع، فلو كان قد اعتمر فى رجب لكانت خمسا، ولو كان قد اعتمر فى رمضان لكانت ستًا إلا أن يقال بعضهن فى رجب. وبعضهن فى رمضان. وبعضهن فى ذى القعدة، وهذا لم يقع، وإنما الواقع اعتماره ﷺ فى ذى القعدة كما قال أنس وابن عباس وعائشة ﵃ (قال) ولم يكن فى عمره عمرة واحدة خارجا من مكة كما يفعل كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عمره كلها داخلا إلى مكة؛ وقد أقام بعد الوحى بمكة ثلاث عشرة سنة لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجا من مكة فى تلك المدة أصلا، فالعمرة التى فعلها رسول اله ﷺ وشرعها فهى عمرة الداخل الى مكة لا عمرة من كان بها فيخرج الى الحل ليعتمر، ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلا عائشة وحدها من بين سائر من كان معه لأنها كانت قد أهلت بالعمرة فحاضت فأمرها فأدخل الحج على العمرة وصارت قارنة، وأخبرها أن طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد وقع عن حجتها وعمرتها فوجدت فى نفسها أن ترجع صواحباتها بحج وعمرة مستقلين فانهن كن متمتعات ولم يحضن ولم يقرنَّ وترجع هى بعمرة فى ضمن حجتها فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها، ولم يعتمر هو من التنعيم فى تلك الحجة ولا أحد ممن كان معه اهـ (ويستفاد من أحاديث الباب أيضا) أن العمرة فى أشهر الحج أفضل منها فى رجب بلا شك، وأما التفضيل بينها وبين العمرة فى رمضان فموضع نظر، وقد تقدم الكلام عليه فى أحكام (باب ما جاء فى فضل العمرة خصوصا فى رمضان) تحت عنوان (تنبيه) صحيفة ٥٠ من هذا الجزء. فارجع اليه والله الموفق
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبه) (١) بفتح الحاء ويجوز كسرها والمراد حجة الوداع (٢) بفتح الكاف وضمها أى لبث بالمدينة بعد الهجرة لكنه اعتمر، وقد
[ ١١ / ٧٤ ]
-[صفة حج النبى ﷺ وتاريخه وعدد من حضره]-
ثمَّ أذِّن فى النَّاس أنَّ رسول الله ﷺ حاجٌّ هذا العام، قال فنزل المدينة بشرٌ كثيرٌ كلُّهم يلتمس أن يحجَّ يأتمُّ برسول الله ﷺ ويفعل مثل ما يفعل فخرج رسول الله ﷺ لعشرٍ بقين من ذى القعدة وخرجنا معه حتَّى أتى ذا الحليفة نفست أسماء بنت عميسٍ بمحمَّد بن أبى بكرٍ، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال اغتسلى، ثم استذفري بثوبٍ ثمَّ أهلِّى، فخرج رسول الله ﷺ حتَّى إذ استوت به ناقته على البيداء أهلَّ بالتَّوحيد لبَّيك
_________________
(١) فرض الحج سنة خمس. وقيل سنة ست. وقيل سنة ثمان. وقيل سنة تسع، وتقدم الخلاف فى ذلك (١) بضم الهمزة مبنى للمجهول أى نادى مناد بأذنه، ويجوز بناؤه للمعلوم ويكون النبى ﷺ أعلمهم بذلك بنفسه؛ وعلى كلا الأمرين فالمراد إعلام الناس بحجه ﷺ وإشاعته بينهم ليتأهبوا للحج معه ويتعلموا المناسك والأحكام ويشاهدوا أقواله وأفعاله، وتشيع دعوة الأسلام وتبلغ الرسالة القريب والبعيد، وفيه أنه يستحب للأمام إيذان الناس بالأمور المهمة ليتأهبوا لها (٢) قال القاضى عياض هذا مما يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج لأنه ﷺ أحرم بالحج وهم لا يخالفونه، ولهذا قال جابر وما عمل من شاء عملنا به، ومثله توقفهم عن التحلل بالعمرة ما لم يتحلل حتى أغضبوه واعتذر اليهم، ومثله تعليق علىّ وأبى موسى احرامهما على احرام النبى ﷺ (٣) قال فى المرقاة وقد بلغ جملة من معه ﷺ من أصحابه فى تلك الحجة تسعين ألفًا. وقيل مائة وثلاثين ألفًا اهـ (وقوله ذا الحليفة) بضم الحاء المهملة والفاء اسم مكان على نحو ستة أميال من المدينة، وبينه وبين مكة عشر مراحل أو تسع (٤) بكسر الفاء أى ولدت كما صرح بذلك فى رواية مسلم وأبى داود (٥) بالذال المعجمة وكذا عند أبى داود، وعند مسلم استثفرى بالثاء المثلثة بدل الذال، والمعنى واحد (قال النووى) فيه استحباب غسل الأحرام للنفساء، وفيه أمر الحائض والنفساء والمستحاضة بالاستثفار. وهو أن تشد فى وسطها شيئا وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها فى ذلك المشدود فى وسطها. وهو شبيه بثفر الدابة بفتح الفاء (وفيه) صحة إحرام النفساء وهو مجمع عليه والله أعلم اهـ (وقوله ثم أهلى) أى لبى وارفعى صوتك بالتلبية (قال العلماء) الأهلال رفع الصوت بالتلبية عند الدخول فى الأحرام، يقال أهلَّ المحرم بالحج يهل إهلالا اذا لبى ورفع صوته، والمهل بضم الميم موضع الأهلال، وهو الميقات الذى يحرمون منه (٦) أصل البيداء المفازة التى لا شاء بها، وهى هاهنا اسم موضع
[ ١١ / ٧٥ ]
-[صفة التلبية - وحجة القائلين بأنه ﷺ نوى الحج مفردا]-
اللَّهمَّ لبَّيك، لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنِّعمة لك والملك لا شريك لك، ولبَّي النَّاس. والنَّاس يزيدون ذ المعارج ونحوه من الكلام والنَّبيُّ ﷺ يسمع فلم يقل لهم شيئًا، فنظرت مدَّ بصري وبين يدى رسول الله ﷺ من راكبٍ وماشٍ ومن خلفه مثل ذلك، وعن يمينه مثل ذلك، وعن شماله مثل ذلك، قال جابرٌ ورسول الله ﷺ بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شاءٍ عملنا به، فخرجنا لا ننوى إلَّا الحجَّ حتَّى أتينا الكعبة فاستلم نبيُّ الله ﷺ الحجر الأسود ثمَّ
_________________
(١) مخصوص بين مكة والمدينة وأكثر ما ترد ويرد بها هذه (نه) (وقوله أهل بالتوحيد) يعنى قوله لا شريك لك، وفيه اشارة الى مخالفة ما كانت الجاهلية تزيده بعد قوله "لا شريك لك" فقد كانوا يقولون الا شريكا هو لك تملكه وما ملك (ومعنى لبيك اللهم لبيك) أى اجابة بعد اجابة ولزوما لطاعتك، وسيأتى لذلك مزيد ايضاح فى أول أبواب التلبية ان شاء الله تعالى (١) أى العلو والفواضل، قاله ابن عباس (وقال مجاهد) ذا المعارج معارج السماء (وقال قتادة) ذا الفواضل والنعم (قال القاضى) عياض رحمه الله تعالى فيه اشارة الى ما روى من زيادة الناس فى التلبية من الثناء والذكر كما روى فى ذلك (عن عمر) ﵁ أنه كان يزيد لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوبا منك ومرغوبا اليك (وعن ابن عمر) ﵄ لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء اليك والعمل (وعن أنس) ﵁ لبيك حقا تعبدا ورقا (قال القاضى) قال أكثرالعلماء المستحب الاقتصار على تلبية رسول الله ﷺ وبه قال (مالك والشافعى) والله أعلم (٢) قال النووى هكذا فى جميع النسخ مد بصرى (يعنى نسخ مسلم) وهو صحيح ومعناه منتهى بصرى، قال وأنكر بعض أهل اللغة مد بصرى وقال الصواب مدى بصرى وليس هو بمنكر بما هما لغتان. المد أشهر (٣) فيه جواز الحج راكبًا وماشيا (قال النووى) وهو مجمع عليه، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة واجماع الأمة قال الله تعالى ﴿وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر﴾ (٤) معناه الحث على التمسك بما أخبركم عن فعله فى حجته تلك فانه مأخوذ عن الوحى (٥) فيه أن السنة للحجاج أن يدخلوا مكة قبل الوقوف بعرفات ليتمكنوا من استلام الحجر الأسود والطواف وغيره
[ ١١ / ٧٦ ]
-[كيفية الطواف - ثم الصلاة فى مقام ابراهيم - ثم السعى بين الصفا والمروة]-
رمل ثلاثةً ومشى أربعةً حتَّى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلَّى خلفه ركعتين ثمَّ قرأ ﴿واتَّخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى﴾ قال أبى قال أبو عبد الله يعنى جعفرًا فقرأ فيهما بالتَّوحيد، وقل يا أيُّها الكافرون؛ ثمَّ استلم الحجر وخرج إلى الصَّفا ثمَّ قرأ ﴿إنَّ الصَّفا والمروة من شعائر الله﴾ ثمَّ قال نبدأ بما بدأ الله به فرقي على الصَّفا حتَّى إذا نظر إلى البيت كبَّر قال
_________________
(١) يعني في طواف القدوم، وفيه أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات يسن له طواف القدوم وهو مجمع عليه، وفيه أن الطواف سبع مرات لقوله ثم رمل ثلاثة ومشى أربعة، وفيه أن السنة الرمل فى الثلاث الأول ويمشى على عادته فى الأربع الأخيرة، قال العلماء الرمل هو أسرع المشى مع تقارب الخطا وهو الخبب (٢) هذا دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغى لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلى خلف المقام ركعتى الطواف واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان، وسيأتى ذكر الخلاف فى أبواب الطواف إن شاء الله تعالى (٣) القائل (قال أبى) هو عبد الله بن الأمام أحمد (٤) هو جعفر بن محمد بن على بن الحسين ﵃ يقول ما معناه ان النبى ﷺ قرأ فى ركعتى الطواف فى الركعة الأولى بعد الفاتحة قل يا أيها الكافرون، وفى الثانية بعد الفاتحة بالتوحيد. يعنى بسورة قل هو الله أحد، وقد جاءت هذه الجملة فى صحيح مسلم مرفوعة الى النبى ﷺ بلفظ "فكان أبى يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبى ﷺ كان يقرأ فى الركعتين قل هو الله أحد. وقل يا أيها الكافرون" قال النووى معنى هذا الكلام أن جعفر بن محمد روى هذا الحديث عن أبيه عن جابر قال كان أبى يعنى محمدا يقول إنه قرأ هاتين السورتين، قال جعفر ولا أعلم أبى ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر فى صلاة جابر. بل عن جابر عن قراءة النبى ﷺ فى صلاة هاتين الركعتين (قال) وأما قوله لا أعلم ذكره الا عن النبى ﷺ ليس هو شكا فى ذلك، لأن لفظة العلم تنافى الشك. بل جزم برفعه الى النبى ﷺ، وقد ذكره البيهقى بأسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن جابر أن النبى ﷺ طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثًا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد (٥) فيه دليل للقائلين بالعود الى استلام الحجر الأسود بعد الفراغ من صلاة الركعتين ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب وانما هو سنة لو تركه لم يلزمه دم (٦) أى نبدأ السعى من الصفا، لأن الله ﷿ قدمه فى الذكر فقال "إن الصفا والمروة من شعائر الله" فبدأ
[ ١١ / ٧٧ ]
-[كيفية السعى والأذكار التى تقال على الصفا والمروة]-
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شاءٍ قديرٌ، لا إله إلَّا الله أنجز وعده وصدَّق عبده وغلب الأحزاب وحده، ثمَّ دعا ثمَّ رجع إلى هذا الكلام، ثمَّ نزل حتَّي إذا انصبَّت قدماه فى الوادى رمل حتَّى إذا صعد مشى حتَّي أتى المروة فرقى عليها حتَّي نظر إلى البيت فقال عليها كما قال على الصَّفا فلمَّا كان السَّابع عند المروة، قال يا أيُّها النَّاس إنِّى لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي
_________________
(١) بالصفا ولذا اشترط جمهور الفقهاء بدء السعى من الصفا، وبه قال الأمامان (مالك والشافعى والجمهور) وقوله (فرقى على الصفا) أى صعد على جل الصفا (حتى نظر الى البيت) أى الكعبة فيه دلالة على استحباب ذلك للحاج ان أمكن (وقوله حتى إذا نظر الى البيت) فيه استحباب الوقوف على الصفا مستقبلا ذاكرا بهذا الذكر كما فعل رسول الله ﷺ (ومعنى أنجز وعده) أى وفى وعده بأظهاره ﷿ للدين (١) هكذا فى المسند "وصدق عبده" يعنى محمدًا ﷺ ورواية مسلم وأبى داود فى هذا الحديث نفسه (ونصر عبده) بدل وصدق، ومعنى تصديق الله تعالى لعبده تأييده بالمعجزات. والله ﷾ أعلم (وغلب الأحزاب) أى هزمهم فى يوم الخندق (وحده) أى من غير قتال الآدميين قال تعالى ﴿فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها﴾ أو المراد كل من تحزب لحرب رسول الله ﷺ فانه هزمهم؛ وكان الخندق فى شوال سنة أربع من الهجرة وقيل سنة خمس (٢) أى بعد فراغه من هذا الذكر (ثم رجع إلى هذا الكلام) أى الذكر بعد الدعاء، قال السندى يقول الذكر ثلاث مرات ويدعو بعد كل مرة (٣) قال القاضى عياض مجاز من قولهم صب الماء فانصب أى انحدرت قدماه، ومنه إذا مشى كأنه ينحط فى صبب أى موضه منحدر (٤) أى سعى وأسرع فى المشى فى بطن الوادى، وقد صرح بذلك فى رواية أبى داود، والمراد ببطن الوادى المنخفض منه، فاذا بلغ المرتفع منه مشى باقى المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعى مستحب فى كل مرة من المرات السبع فى هذه المواضع؛ والمثنى مستحب فيما قبل الوادى وبعده (٥) يعنى صنع على المروة كما صنع على الصفا من الرقى واستقبال القبلة والذكر والدعاء، وهذا متفق عليه (٦) أى لو علمت فى قبل من أمرى ما علمته فى دبر منه، والمعنى لو ظهر لى هذا الرأى الذى رأيته الآن لأمرتكم به فى أول أمرى وابتداء خروجى و(لم أسق الهدي)
[ ١١ / ٧٨ ]
-[أمر النبي ﷺ كل من ليس معه هدى أن يتحلل من إحرامه ويجعله عمرة]-
ولجعلتها عمرةً فمن لم يكن معه هديٌ فليحلل وليجعلها عمرةً، فحلَّ النَّاس كلُّهم، فقال سراقة بن مالك بن جعشمٍ وهو فى أسفل المروة يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبَّك رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أصابعه فقال للأبد ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ قال دخلت العمرة فى الحجِّ إلى يوم القيامة، قال وقدم علىٌّ من اليمن فقدم بهديٍ وساق رسول الله ﷺ معه
_________________
(١) "بضم السين" يعنى لما جعلت علىَّ هديا وأشعرته وقلدته وسقته بين يدى، فانه إذا ساق الهدى لا يحل حتى ينحر، ولا ينحر إلا يوم النحر فلا يصح له فسخ الحج بعمرة، بخلاف من لم يسق فانه يجوز له فسخ الحج، قال ذلك ﷺ تطييبًا لقلوبهم وليعلموا أن الأفضل لهم ما دعاهم اليه إذ كان يشق عليهم ترك الاقتداء بفعله (١) أى جعلت إحرامى بالحج مصروفا إلى العمرة كما أمرتكم به موافقة (٢) بسكون الحاء المهملة أى ليصر حلالا وليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة (وقوله وليجعلها عمرة) أى وليجعل الحجة عمرة إذ قد أبيح له ما قد حرم عليه بسبب الأحرام حتى يستأنف الأحرام بالحج، قاله القاراء (٣) معناه أن سراقة ﵁ يستفهم من النبى ﷺ هل جواز فسخ الحج إلى العمرة "كما هو الظاهر من سياق الحديث" أو الأتيان بالعمرة فى أشهر الحج، أو مع الحج يختص بهذه السنة أم للأبد؟ (٤) يعنى أن ذلك جائز فى كل عام لا يختص بعام دون آخر إلى يوم القيامة، وكرر ذلك ثلاثًا للتأكيد، وشبك بين أصابعه إشارة الى اشتراك كل الأعوام فى ذلك بدون اختصاص أحدها (وقد اختلف العلماء) فى معنى هذا السؤال فقال بعضهم المراد منه فسخ الحج إلى العمرة، وقال آخرون بل المراد الأتيان بالعمرة فى أشهر الحج، وذهب فريق إلى أن المراد بذلك القران يعنى اقتران الحج بالعمرة (فعلى الأول) يكون معنى قوله ﷺ (دخلت العمرة فى الحج الى يوم القيامة) أى دخلت نية العمرة فى نية الحج، بحيث أن من نوى الحج صح له الفراغ منه بالعمرة (وعلى الثانى) حلت العمرة فى أشهر الحج وصحت (وعلى الثالث) دخلت العمرة فى الحج أى اقترنت به لا تنفك عنه لمن نواهما معا، وتندرج أفعال العمرة فى أفعال الحج حتى يتحلل منهما معًا، وسيأتى ذكر الخلاف مبسوطا فى أحكام باب فسخ الحج الى العمرة إن شاء الله تعالى (٥) فى رواية مسلم وأبى داود (وقدم علىٌّ من اليمن ببدن رسول الله ﷺ) بضم الباء وسكون الدال، جمع بدنة والبدنة واحدة الأبل، سميت به لعظمها وسمنها وتقع على الجمل والناقة. وقد تطلق على البقرة. ونسبت لرسول الله ﷺ لأن عليا ﵁
[ ١١ / ٧٩ ]
-[جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير - كأن يقول أحرمت بما أحرم به فلان]-
من المدينة هديًا فإذا فاطمة ﵂ قد حلَّت ولبست ثيابها صبيغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليٌّ ﵁ عليها فقالت أمرنى به رسول الله ﷺ قال قال علىٌّ بالكوفة قال جعفرٌ قال أبى هذا الحرف لم يذكره جابرٌ فذهبت محرِّشًا أستفتى بها النَّبىَّ ﷺ فى الَّذى ذكرت فاطمة، قلت إنَّ فاطمة لبست ثيابها صبيغًا واكتحلت وقالت أمرنى به أبى، قال صدقت صدقت صدقت أنا أمرتها به، قال جابرٌ وقال لعلىٍّ بم أهللت؟ قال قلت اللَّهم إنِّى أهللت بما أهلَّ به رسولك ﷺ قال ومعى الهدي، قال فلا تحلَّ قال فكانت جماعة الهدى الَّذي أتى به علىٌّ رضى الله تعالى عنه من اليمن والَّذي
_________________
(١) اشتراها له لا أنها من السعاية على الصدقة كما يتبادر إلى الذهن، وكان عددها سبعًا وثلاثين بدنة (١) كان عدد الهدى الذى ساقه النبى ﷺ معه منا المدينة ثلاثا وستين بدنة كما جاء فى رواية الترمذى وأعطى عليا البدن التى جاءت معه من اليمن وهى تمام المائة (٢) أى مصبوغا (٣) فيه إنكار الرجل على زوجته ما يراه منها مخالفا للدين، لأنه ظن أن ذلك لا يجوز فأنكره (٤) معنى هذا أن جعفرا أحد رجال السند يذكر عن أبيه محمدا راوى هذا الحديث عن جابر أن جابرًا لم يذكر هذا الحرف يعنى هذه الجملة فى حديثه، والظاهر أن محمدا رواها عن على ﵁ حين كان بالكوفة وهى قوله "فذهبت محرشا استفتى به النبى ﷺ إلى قوله صدقت أنا أمرتها به" وجاء فى رواية مسلم بلفظ "ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت إن أبى أمرنى بهذا. قال فكان على يقول بالعراق فذهبت الى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم محرشا على فاطمة للذى صنعت مستفتيا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيما ذكرت- الحديث" والله أعلم (٥) التحرش الأغراء والمراد هنا أن يذكر للنبى ﷺ ما فعلته ليزجرها عنه (٦) أى بأى شاء نويت حين أحرمت، بحج أو عمرة أو بهما؟ "فقال قلت اللهم إنى أهللت بما أهل به رسولك" فيه أنه يصح الأحرام معلقا وهو أن يحرم إحراما كأحرام فلان فينعقد احرامه وصير محرما بما أحرم به فلان (٧) إنما أمر عليا ﵁ بعدم
[ ١١ / ٨٠ ]
-[مكان النحر بمنى - وتحديد منًى وعرفات]-
أتى به النَّبي ﷺ مائةً فنحر رسول الله ﷺ بيده ثلاثةً وستِّين ثمَّ أعطى عليًّا فنحر ما غبر وأشركه فى هديه، ثمَّ أمر من كلِّ بدنةٍ ببضعةٍ فجعلت في قدرٍ فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثمَّ قال نبيُّ الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، قد نحرت هاهنا، ومنًى كلُّها منحرٌ ووقف بعرفة، فقال ونفت هاهنا وعرفة كلُّها موقفٌ، ووقف
_________________
(١) الحل، لأنه كان آتيا بالهدى معه (١) فيه استحباب ذبخ المهدى هديه بنفسه وجواز الاستنابة فيه، وذلك جائز بالأجماع إذا كان النائب مسلما (٢) أى ما بقى وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة فى يوم النحر ولا يؤخر بعضها الى أيام التشريق (وأما قوله وأشركه فى هديه) فظاهره أنه أشركه فى نفس الهدى (قال القاضى عياض) وعندي أنه لم يكن تشريكا حقيقة بل أعطاه قدرًا يذبحه اهـ والظاهر أن النبى ﷺ تولى ذبح البدن التى جاءت معه من المدينة، لأنها كانت ثلاثا وستين كما تقدم وأعطى عليا البدن التى جاءت معه من اليمن وهى تمام المائة والله أعلم (قال القارى) ولا يبعد أنه ﷺ أشرك عليا فى ثواب هديه، لأن الهدى يعطى حكم الأضحية (٣) البضعة بفتح الباء الموحدة لا غير، هى القطعة من اللحم، وفيه استحباب الأكل من هدى التطوع وأضحيته (قال العلماء) لما كان الأكل من كل واحدة سنة وفى الأكل من كل واحدة من المائة منفردة كلفة جعلت فى قدر ليكون آكلا من مرق الجميع الذى فيه جزء من كل واحدة، ويأكل من اللحم المجتمع فى المرق ما تيسر، وأجمع العلماء على أن الأكل من هدى التطوع وأضحيته سنة ليس بواجب (٤) يعنى كل بقعة منها يصح النحر فيها وهو متفق عليه، لكن الأفضل فى المكان الذى نحر فيه ﷺ (كذا قال الشافعى) ومنحر النبى ﷺ هو عند الجمرة الأولى التى تلى مسجد منى. كذا قال ابن التين، وحدُّ منى من وادى محسر الى العقبة (٥) يعنى عند الصخرات وعرفة كلها موقف يصح الوقوف فيها، وقد أجمع العلماء على أن من وقف فى أى جزء كان من عرفات صح وقوفه ولها أربعة حدود، حد الى جادة طريق المشرق (والثانى) الى مسافات الجبل الذى وراء أرضها (والثالث) الى البساتين التى تلى قرنيها على يسار مستقبل الكعبة. (والرابع) وادى عرنة بضم العين وبالنون، وليست هى ولا نمرة من عرفات ولا من الحرم (م ١١ - الفتح الربانى - ج ١١)
[ ١١ / ٨١ ]
-[الإحرام بالحج يوم التروية - ووجوب الهدى على من تمتع بالعمرة الى الحج]-
بالمزدلفة فقال قد وقفت هاهنا والمزدلفة كلُّها موقفٌ (وعنه من طريقٍ ثانٍ بنحوه إلى قوله لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ثمَّ قال) ولو لم أسق الهدى لأحللت، ألا فخذوا مناسككم، قال فقام القوم بحلِّهم حتَّي إذا كان يوم التَّروية وأرادوا التَّوجُّه إلى منًى أهلُّوا بالحجِّ قال فكان الهدى على من وجد والصِّيام على من لم يجد وأشرك بينهم فى هديهم، الجزور بين سبعةٍ، والبقرة بين سبعةٍ وكان طوافهم
_________________
(١) يعني بالمزدلفة، وفى قوله والمزدلفة كلها موقف دلالة على أنها كلها موقف كما أن عرفات كلها موقف وسيأتى تحديدها فى شرح الحديث التالى (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسين ابن محمد وخلف بن الوليد قالا ثنا الربيع يعنى ابن صبيح عن عطاء عن جابر بنحوه (٣) أى حلوا من إحرامهم، ولفظ مسلم "قال فحل الناس كلهم وقصَّروا إلا النبى ﷺ ومن كان معه هدى" (قال النووى) والمراد بقوله حل الناس كلهم أى معظمهم، والهدى بأسكان الدال وكسرها وتشديد الياء مع الكسر وتخفف مع الأسكان، قال وأما قوله وقصَّروا ولم يحلقوا مع أن الحلق أفضل لأنهم أرادوا أن يبقى شعر يحلق فى الحج، فلو حلقوا لم يبق شعر، فكان التقصير هنا أحسن ليحصل فى النسكين إزالة شعر. والله أعلم (٤) يوم التروية هو الثامن من ذى الحجة سمى به لأن الحجاج يرتوون ويشربون فيه من الماء ويسقون الدواب لما بعده (٥) قال النووى (والأفضل عند الشافعى) وموافقيه أن من كان بمكة وأراد الأحرام بالحج أحرم يوم التروية عملا بهذا الحديث، وفيه بيان أن السنة أن لا يتقدم أحد الى منى قبل يوم التروية (وقد كره مالك ذلك) وقال بعض السلف لا بأس به، ومذهبنا أنه خلاف السنة اهـ (٦) أى وجد الهدى والمراد به هدى التمتع (٧) المراد لم يجد هديا هناك إما لعدم الهدى وإما لعدم ثمنه. وإما لكونه يباع بأكثر من ثمن المثل. وإما لكونه موجودا لكنه لا يبيعه صاحبه، ففى كل هذه الصور يكون عادما للهدى فينتقل الى الصوم سواء كان واجدا لثمنه فى بلده أم لا، قاله النووى (قلت) وفيه اشارة الى قوله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدى. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة اذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ وللعلماء خلاف فى أفضل الأوقات للصيام فى الحج سيأتى فى بابه ان شاء الله تعالى (٨) المعنى أن البدنة أو البقرة تجزاء فى الهدى عن سبعة اشخاص، وقد جاء صريحا فى حديث جابر قال "أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك فى الأبل والبقر كل سبعة منا في بدنة"
[ ١١ / ٨٢ ]
-[القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد وسعى واحد - وذكر زيادة مسلم في حديث جابر]-
بالبيت وسعيهم بين الصَّفا والمروة لحجِّهم وعمرتهم طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا
_________________
(١) رواه الشيخان والأمام أحمد وسيأتى ذلك فى كتاب الهدايا والضحايا ان شاء الله تعالى (١) هذا الحكم يختص بالقارن الذى أحرم بالحج والعمرة معًا، فانه يجزاء عنهما طواف واحد وسعى واحد، اما المتمتع فلا بد للعمرة من طواف وسعى، وللحج كذلك (تخريجه) (م. د. جه) مطولا (قال النووى) ﵀ وهو حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم، لم يروه البخارى فى صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم (قال القاضى) وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا. وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءا كبيرا، وخرَّج فيه من الفقه مائة ونيفا وخمسين نوعا، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه اهـ (قلت) هذا الحديث عند مسلم تضمن قصة حج النبى ﷺ من أول خروجه من المدينة الى نهاية حجه، وجاء فى مسند الأمام أحمد ما تضمنته هذه القصة فى حديثين (أحدهما) حديث الباب عن جابر بنحو ما رواه مسلم الى يوم التروية (والثانى) من حديث على وفيه القصة بنحو رواية مسلم من يوم الوقوف بعرفة الى نهاية الحج بطواف الأفاضة؛ ما أفعال الحج كالتوجه الى منى يوم التروية وما يفعله الحجاج بمنى وتوجههم إلى عرفة يوم عرفة ونحو ذلك كالخطب فقد ذكرها الأمام أحمد متفرقة فى أحاديث متعددة، وحرصا على راحة القارئ وتقريب الفائدة له أتيت بهذه الأفعال من رواية مسلم فى الشرح لتكون القصة متصلة الحلقات كما فى صحيح مسلم. على أن الأمام أحمد رحمه الله تعالى روى فى هذا الباب أحاديث كثيرة ليست فيه عند مسلم. واليك ما رواه مسلم ﵀ من حديث جابر قال "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر. والعصر. والمغرب. والعشاء. والفجر. ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش الا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية. فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة (أى قاربها) فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادى فخطب الناس وقال ان دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، ألا كل شاء من أمر الجاهلية تحت قدمىَّ موضوع ودماء الجاهلية موضوعة. وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا فى بنى سعد موضوع كله. فاتقوا الله فى النساء فانكمأخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فان فعلن ذلك فاضربوهن
[ ١١ / ٨٣ ]
-[الوقوف بعرفة وكلها موقف - ثم الدفع منها إلى المزدلفة]-
(٦٥) "ز" عن علي ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ وقف بعرفة وهو مردف أسامة بن زيد فقال هذا الموقف وكلُّ عرفة موقف، ثمَّ دفع يسير العنق وجعل النَّاس يضربون يمينًا وشمالًا وهو يلتفت ويقول السَّكينة أيُّها النَّاس، السَّكينة أيُّها النَّاس، حتَّى جاء المزدلفة وجمع بين الصَّلاتين،
_________________
(١) ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها الى السماء وينكتها الى الناس اللهم اشهد. اللهم اشهد. اللهم اشهد. ثلاث مرات، ثم أذن. ثم أقام فصلى الظهر. ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا. ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء الى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه (حبل المشاة هو بالحاء المهملة وإسكان الباء يعنى مجتمعهم) واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى ان رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة - الحديث" "مورك الرحل هو ما يجعل فى مقدمة الرحل شبه المخده" وقوله "أيها الناس السكينة" أى الزموا السكينة
(٢) "ز" عن على ﵁ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أحمد ابن عبدة البصرى ثنا المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومى حدثنى أبى عبد الرحمن ابن الحارث عن زيد بن على بن حسين بن على عن أبيه على بن حسين عن عبيد الله بن أبى رافع مولى رسول الله ﷺ عن على بن أبى طالب ﵁ - الحديث" (غريبه) (١) فيه جواز الأرداف اذا كانت الدابة مطيقة. وقد تظاهرت به الأحاديث (٢) بالتحريك من أعنق أى أسرع. يعنق اعناقا أى اسراعا، والأسم العنق "ومنه حديث لا يزال المؤمن معنقا ما لم يصب دما حراما" أى مسرعا (٣) بالنصب أى الزموا السكينة وهى الرفق والطمأنينة، ففيه أن السكينة فى الدفع من عرفات سنة، فاذا وجد فرجة فلا بأس من الأسراع، وانما أمرهم بالسكينة لأنهم كانوا يسرعون جدا أكثر من اسراعه ﷺ (٤) بكسر اللام معروفة، سميت بذلك من التزلف والازدلاف وهو التقرب، لأن الحجاج اذا أفاضوا من عرفات أزلفوا اليها أى مضوا اليها وتقربوا منها، وقيل سميت بذلك لمجاء الناس اليها فى زلف من الليل أى ساعات، وتسمى جمعا بفتح الجيم واسكان الميم، سميت بذلك
[ ١١ / ٨٤ ]
-[الوقوف بالمزدلفة وتحديدها - والدفع منها الى منى]-
ثمَّ وقف بالمزدلفة فوقف على قزح وأردف الفضل بن العبَّاس، وقال هذا الموقف وكلُّ المزدلقة موقف، ثمَّ دفع وجعل يسير العنق والنَّاس يضربون يمينًا وشمالًا وهو يلتفت ويقول السَّكينة السَّكينة أيُّها النَّاس؛ حتَّى جاء محسِّرًا فقرع راحلته فخبَّب حتَّى خرج ثمَّ عاد لسيره الأوَّل حتَّى رمى الجمرة ثمَّ جاء المنحر وكلُّ منًى منحر، ثمَّ جاءته امرأة شابَّة من خثعم فقالت إنَّ أبى شيخ كبير وقد أفند وأدركته فريضة الله في الحجِّ ولا يستطيع أداءها فيجزئ عنه أن أؤديها عنه؟ قال رسول الله ﷺ نعم. وجعل يصرف وجه
_________________
(١) لاجتماع الناس فيه، والمزدلفة كلها من الحرم، قال الأزدرقى فى تاريخ مكة والماوردى وكثير من الشافعية حد مزدلفة ما بين مأزمى عرفة ووادى محسر وليس الحدان منها ويدخل فى المزدلفة جميع تلك الشعاب والحبال الداخلة فى الحد المذكور اهـ - الحبال بالحاء المهملة المكسورة جمع حبل وهو التل اللطيف من الرمل الضحم (وقوله وجمع بين الصلاتين) أى جمع تأخير. وسيأتى الكلام على ذلك فى باب الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة (١) بضم القاف وفتح الزاى، وهو القرن أى المكان المرتفع الذى يقف عنده الأمام بالمزدلفة، ولا ينصرف للعدل والعلمية كعمر، وهو من قزح الشاء أى ارتفع (٢) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر السين المهملة المشددة. سمى بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أى أعيى وكلَّ ومنه قوله تعالى ﴿ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير﴾ (وقوله فقرع راحلته) أى ضربها بسوطه لتسرع فى السير. وهو معنى قوله فخبَّب، والأسراع فى ذلك الموضع سنة (قال العلماء) يسرع الماشى ويحرك الراكب دابته فى وادى محسر ويكون ذلك قدر رمية حجر (٣) أى من وادى محسر ثم عاد لسيره الأول بدون إسراع (٤) يعنى المسماة بجمرة العقبة ولفظ مسلم "ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف، وسيأتى للأمام أحمد نحو هذا بى بابه ونفيض الكلام عليه فى الشرح ان شاء الله (وقوله ثم جاء المنحر) قال القاضى عياض فيه دلالة على أن المنحر موضع معين من منى، وحيث ذبح منها أو من الحرم أجزأه (٥) أى كبر حتى صار هرما والفند فى الأصل الكذب. وأفند تكلم بالفند، ثم قالوا للشيخ اذا هرم قد أفند لأنه يتكلم بالمخرّف من الكلام عن سنن الصحة، وأفنده الكبر إذا
[ ١١ / ٨٥ ]
-[طواف الإفاضة - وفضل الوضوء والشرب من ماء زمزم]-
الفضل بن العبَّاس عنها ثمَّ أتاه رجل فقال إنِّى رميت الجمرة وأفضت ولبست ولم أحلق، قال فلا حرج فاحلق ثمَّ أتاه رجل آخر فقال إنِّى رميت وحلفت ولبست ولم أنحر، فقال لا حرج فانحر ثمَّ أفاض رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فدعا بسجلٍ من ماء زمزم فشرب منه وتوضَّأ ثمَّ قال انزعوا يا بنى عبد المطَّلب فلولا أن تغلبوا عليها لنزعت قال العبَّاس يا رسول الله إنِّى رأيتك تصرف وجه ابن أخيك، قال إنِّى رأيت غلامًا شابًّا وجاريةً شابَّةً فخشيت عليهما الشَّيطان
(٦٦) عن سالم بن عبد الله أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ قال
_________________
(١) أوقعه في الفند "نه" (١) أى لأنه وجده ينظر اليها وهو شاب وهى شابة جميلة فخشى عليهما الشيطان كما سيأتى فى آخر الحديث؛ وفيه تحريم النظر الى المرأة الأجنبية وفيه إزالة المنكر باليد إن أمكن (٢) فيه جواز تأخير الحلاق بعد طواف الأفاضة والتحلل بلبس الثياب (٣) فيه جواز تأخير النحر على الحلاق والتحلل بلبس الثياب أيضا (وقوله ثم أفاض رسول الله ﷺ) أى طاف طواف الأفاضة وهو ركن من أركان الحج باتفاق العلماء (٤) فيه استحباب الشرب والوضوء من ماء زمزم (وقوله انزعوا) بكسر الزاى معناه استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء، والدلاء جمع دلو وهو معروف والرشاء الحبل الذى يربط فى الدلو ليجذب به ولفظ مسلم "فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم فقال انزعوا بنى عبد المطلب - الحديث" ومعناه أنه ﷺ أتى بنى بعد المطلب بعد فراغه من طواف الأفاضة فوجدهم يسقون على زمزم أى يغرفون بالدلاء ويصبونه فى الحياض ونحوها ليشرب الحجاج أو يسقونهم من الدلاء نفسها (٥) لفظ مسلم "فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه" ومعناه لولا خوفى أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاسقاء، وفيه فضيلة الاستقاء واستحباب شرب ماء زمزم (تخريجه) لم أقف عليه من حديث على لغير عبد الله بن الأمام أحمد وسنده جيد ومعناه فى الصحيحين
(٢) عن عبد الله بن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حجاج
[ ١١ / ٨٦ ]
-[شبهة القائلين بأن النبي ﷺ أحرم أولا بالعمرة]-
تمتَّع النَّبيُّ ﷺ في حجَّة الوداع بالعمرة إلى الحجِّ وأهدى فساق معه الهدى من ذي الحليفة وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ وتمتَّع النَّاس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ، فإنَّ من النَّاس من أهدى فساق الهدى ومنهم من لم يهد، فلمَّا قدم رسول الله ﷺ قال للنَّاس من كان منكم أهدى فإنَّه لا يحلُّ من شئٍ حرم منه حتَّى يقضى حجَّه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصَّفا والمروة وليقصّر وليحلل ثمَّ ليهلَّ بالحجِّ وليهد، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيامٍ في الحجِّ وسبعةً
_________________
(١) ثنا ليث قال حدثنى عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله - الحديث" (غريبه) (١) قال القاضى عياض ﵀ قوله تمتع هو محمول على التمتع اللغوى. وهو القران آخرا، ومعناه أنه ﷺ أحرم أولا بالحج مفردًا ثم أحرم بالعمرة فصار قارنًا فى آخر أمره، والقارن هو متمع من حيث اللغة ومن حيث المعنى، لأنه ترفه باتحاد الميقات والأحرامم والفعل، ويتعين هذا التأويل هنا للجمع بين الأحاديث فى ذلك وممن، روى إفراد النبى ﷺ ابن عمر الراوى هنا (وأما قوله بدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج) فهو محمول على التلبية فى أثناء الأحرام، وليس المراد أنه أحرم فى أول أمره بعمرة ثم أحرم بحج لأنه يفضى إلى مخالفة الأحاديث السابقة "يعنى أنهم أحرموا أولا بالحج كما ثبت ذلك عن جابر وعائشة" قال ويؤيد هذا التأويل (قوله تمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج) ومعلوم أن كثيرًا منهم أو أكثرهم أحرموا بالحج أولا مفردا، وإنما فسخوه إلى العمرة آخرا فصاروا متمتعين "فقوله وتمتع الناس" يعنى فى آخر الأمر والله أعلم (٣) معناه أن من لم يكن معه هدى فليفعل الطواف والسعى والتقصير، وقد صار حلالا فله فعل ما كان محظورا عليه فى الأحرام من الطيب واللباس والنساء والصيد وغير ذلك، وإنما أمرهم النبى ﷺ بالتقصير ولم يأمرهم بالحلاق مع أن الحلاق أفضل لما تقدم من أنه ﷺ أمر بذلك ليبقى له شعر يحلقه فى الحج، فان الحلاق فى تحلل الحج أفضل منه فى تحلل العمرة (قال النووى) وهذا دليل على أن التقصير أو الحلق نسك من مناسك الحج، وهذا هو الصحيح فى مذهبنا. وبه قال جماهير العلماء اهـ (وقوله ثم ليهل بالحج) معناه يحرم به في وقت الخروج
[ ١١ / ٨٧ ]
-[صفة أفعال القارن في الحج ومن أهدى وساق الهدى]-
إذا رجع إلى أهله وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكَّة استلم الرُّكن أول شيءٍ ثمَّ خبَّ ثلاثة أطوافٍ من السَّبع ومشى أربعة أطوافٍ، ثمَّ ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثمَّ سلَّم فانصرف، فأتى الصَّفا فطاف بالصَّفا والمروة ثمَّ لم يحلل من شئٍ حرم منه حتَّى قضى حجَّه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت، ثمَّ حلَّ من كلِّ شئٍ حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدي وساق الهدى من النَّاس
(٦٧) عن أنس بن مالك ﵁ قال صلَّى رسول الله ﷺ الظُّهر بالمدينة أربعًا وصلَّى العصر بذي الحليفة ركعتين وبات بها حتَّى
_________________
(١) إلى عرفات، لا أنه يهل به عقب تحلل العمرة، ولهذا قال ثم ليهل. فأتى بثم التى هى للتراخى والمهلة (١) تقدم الكلام على ذلك فى شرح الحديث الشابق وسيأتى مستوفى فى أحكام باب التمتع (٢) أى أسرع فى المشى عن المعتاد وفيه اثبات طواف القدوم واستحباب السرعة فى ثلاثة أطواف منه، وأنه يصلى ركعتى الطواف وأنهما يستحبان خلف المقام وقد سبق بيان هذا فى حديث جابر وسنذكره ان شاء الله تعالى بأوضح من هذا فى أبوابه الآتية (وقوله ثم لم يحلل من شاء حرم منه) معناه أن النبى ﷺ بقى على إحرامه لم يحل كغيره لأنه كان قارنا والقارن لا يتحلل بالطواف والسعى. بل لا بد فى تحلله من الوقوف بعرفات والرمى والحلاق والطواف كما فى الحاج المفرد (تخريجه) (ق. د. نس. هق)
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدنى أبى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا خالد ثنا أيوب عن أبى قلابة عن أنس - الحديث" (غريبه) (٣) أى أربع ركعات تامة بدون قصر لأنه لم يفارق البلد (٤) انما صلى العصر ركعتين على سبيل القصر لأنه كان منشئا للسفر، وبين المدينة وذى الحليفة ستة أميال، ويقال سبعة، وهذا الحديث مما احتج به أهل الظاهر فى جواز القصر فى طويل السفر وقصيره، وقال الجمهور لا يجوز القصر الا فى سفر يبلغ مرحلتين (وقال أبو حنيفة) وطائفة شرطه ثلاث مراحل واعتمدوا فى ذلك آثارا عن الصحابة، وأما هذا الحديث فلا دلالة فيه لأهل الظاهر لأن المراد أنه حين سافر ﷺ الى مكة فى حجة الوداع صلى الظهر بالمدينة أربعًا ثم سافر
[ ١١ / ٨٨ ]
-[حديث أنس ﵁ في صفة حج رسول الله ﷺ]-
أصبح فلمَّا صلَّى الصُّبح ركب راحلته فلمَّا انبعثت به سبَّح وكبَّر حتَّى استوت به البيداء ثمَّ جمع بينهما فلما قدمنا مكَّة أمرهم رسول الله ﷺ أن يحلوُّا فلمَّا كان يوم التَّروية أهلوُّا بالحجِّ ونحر رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم سبع بدنات بيده قيامًا وضحَّى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بكبشين أقرنين أملحين
_________________
(١) فأدركته العصر وهو مسافر بذى الحليفة فصلاها ركعتين، وليس المراد أن ذا الحليفة كان غاية سفره فلا دلالة فيه قطعًا، وأما ابتداء القصر فيجوز من حين يفارق بنيان بلده أو خيام أهله إن كان من أهل الخيام، هذا جملة القول فيه، أفاده النووى (قلت) تقدم تفصيل ذلك فى باب مسافة القصر فى الجزء الخامس صحيفة ١٠٠ (١) أى بات بذى الحليفة حتى دخل فى الصباح، قال العلماء وهذا المبيت ليس من سنن الحج، وإنما فعله ﷺ رفقا بأمته ليلحق به من تأخر عنه فى السير ويدركه من لم يمكنه الخروج معه (٢) أى فلما نهضت به قائمة أهل حينئذ بالحج وما زال يسبح ويكبر (حتى استوت به البيداء) أى حتى صارت به راحلته على البيداء، فالبيداء منصوب على نزع الخافض، وتقدم تفسيرها فى حديث جابر أول الباب، ونزيد هنا أنه مكان مرتفع معروف متصل بذى الحليفة، وقد جاء فى رواية النسائى من حديث أنس أنه ﷺ صلى الظهر بالبيداء ثم ركب وصعد جبل البيداء وأهل بالحج والعمرة (٣) أى جمع بين الحج والعمرة فى التلبية، فقال لبيك عمرة وحجا، وقد ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة الكثيرة؛ منها رواية النسائى المتقدمة. ومنها ما رواه الشيخان والأمام أحمد وغيرهم عن أنس قال سمعت رسول الله ﷺ يلبى بالحج والعمرة جميعًا يقول لبيك عمرو وحجا وغير ذلك كثير (٤) أى أمر الناس الذين كانوا معه ولم يسوقوا الهدى بالتخلل فحلوا أى صاروا حلالا (٥) برفع يوم لأن كان تامة فلا تحتاج إلى خبر، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذى الحجة كما تقدم، وسمى بالتروية لأنهم كانوا يرددون دوابهم بالماء ويحملونه معهم أيضا فى الذهاب من مكة إلى عرفات (٦) تقدم فى حديث جابر أنه ﷺ نحر بيده ثلاثًا وستين، ولا منافاة لاحتمال أن أنسًا ﵁ لم ير إلا ذلك العدد (٧) أى أبيضين لكل واحد منهما قرنان حسنان، وذلك بالمدينة فى عيد الأضحى فى غير سنة حجه ﷺ ويحتمل أنه أناب عنه من يذبحهما بالمدينة سنة حجة ضحية والله أعلم (تخريجه) (ق. د. نس)
[ ١١ / ٨٩ ]
-[بيان الحال التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه في حجة الوداع]-
(٦٨) عن أبي إسحاق بن سعيد عن أبيه قال صدرت مع ابن عمر يوم الصَّدر فمرَّت بنا رفقه يمانيَّة ورحالهم الأدم وخطهم إبلهم الجرر، فقال عبد الله بن عمر ﵄ من أحبَّ أن ينظر إلى أشبه رفقةٍ وردت الحجَّ العام برسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وأصحابه إذ قدموا في حجَّة الوداع فلينظر إلى هذه الرُّفقة
(فصل منه في ذكر الأمكنة التى نزل بها النبي ﷺ والمساجد التي صلى فيها)
(فى طريقة بين المدينة ومكة فى حجة الوداع رواية نافع عن عبد الله بن عمر)
(٦٩) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى قال قرأت على أبى قرَّة موسي بن طارق قال قال موسى بن عقبة وقال نافع كان عبد الله (يعني بن عمر)
_________________
(١) عن أبي إسحاق (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هاشم ثنا اسحاق بن سعيد عن أبيه - الحديث" (غريبه) (١) هو سعيد بن عمرو بن سعيد ابن العاص الأموى أبو عثمان بن أبى أحيحة الأشدق عن أبيه وابن عباس وابن عمر، وعنه ابناه اسحاق وخالد وشعبة، قال النسائى ثقة، قال الذهبى وفد على الوليد بن يزيد "خلاصة" (٢) الصدر بالتحريك رجوع المسافر من مقصده، وسمى به اليوم الذى يعزم فيه الحاج على الرجوع إلى بلده بعد قضاء نسكه وهو المراد هنا (٣) بضم الراء وكسرها جماعة ترافقك فى السفر (والرحال) جمع رحل وهو الذى تركب عليه الأبل كالسرج للفرس، قال فى الصحاح رحل البعير هو أصغر من القتب والجمع رحال اهـ (والأدم) بفتحتين جمع أديم وهو الجلد المدبوغ (٤) جمع خطام ككتاب وكتب، وهو كل ما وضع فى أنف البعير ليقتاد به من أى شاء (والجرر) جمع جرير وهو حبل من أدم ويطلق على غيره، (٥) المعنى أن هذه الرفقة هى أشبه الناس برسول الله ﷺ وأصحابه وقت قدومهم فى حجة الوداع فى تواضعهم وأحوالهم ورحالهم وخطم ابلهم، يريد ابن عمر ﵄ أن يظهر لمن لم ير النبى ﷺ وأصحابه فى عصره ما كانوا عليه من التقشف والتواضع ونحو ذلك والله أعلم (تخريجه) (د) مختصرا بسنده عن ابن عمر أنه رأى رفقة من أهل اليمن رحالهم الأدم فقال من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة كانوا بأصحاب رسول الله ﷺ فلينظر إلى هؤلاء، وسكت عنه المنذرى فهو صالح، وسنده عند الأمام أحمد جيد
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبه) (٦) لفظ البخارى "وحدثنى نافع" ونافع
[ ١١ / ٩٠ ]
-[ذكر الأمكنة التي نزل بها النبي ﷺ أو صلى فيها في طريق حجة الوداع]-
﵄ إذا صدر من الحجِّ أو العمرة أناخ بالبطحاء التى بذي الحليفة (وأنَّ عبد الله) حدَّثه أنَّ رسول الله ﷺ كان يعرِّس بها حتَّى يصلِّى صلاة الصبح، قال موسي (وأخبرنى سالم) أنَّ عبد الله بن عمر أخبره أن رسول الله ﷺ أتى فى معرّسه فقيل له إنَّك فى بطحاء مباركة، قال وقال (حدَّثنا نافع) أنَّ عبد الله بن عمر أخبره أنَّ رسول الله ﷺ صلَّي حيث المسجد الصَّغير الذَّى دون المسجد الذى يشرف على الرَّوحاء، قال (وقال نافع) إنَّ عبد الله بن عمر حدثه أنَّ رسول الله ﷺ كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطَّريق في مكان بطح سهل حيث يقضي من الأكمة
_________________
(١) هو العدوي مولاهم أبو عبد الله المدنى أحد الأعلام عن مولاه ابن عمر وأبى لبابة وأبى هريرة وعائشة وخلق، وعنه ابناه أبو بكر وعمر وأيوب وابن جريج ومالك وخلائق، قال البخارى أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، قال حماد بن زيد مات عشرين ومائة "خلاصة" (١) أى رجع (والبطحاء) المسيل الواسع المجتمع فيه دقاق الحصى من مسيل الماء "وذى الحليفة" تقدم ضبطه وهو الميقات المشهور لأهل المدينة (وقوله وأن عبد الله) يعنى ابن عمر ﵄ (٢) بمهملات مع تشديد الراء (والتعريس) نزول المسافر آخر الليل للاستراحة (ولفظ البخارى) كان ينزل بذى الحليفة حين يعتمر وفى حجته تحت سمرة فى موضع المسجد الذى بذى الحليفة (٣) هو ابن عقبة. وسالم هو ابن عبد الله بن عمر (٤) يعنى آتاه آت من قبل الله ﷿ فى هذا المكان وهو بطحاء ذى الحليفة فأخبره بذلك وفيه فضل هذا المكان وأنه مبارك (٥) أى الذى هو فى أعلا مكان فى الروحاء (والروحاء) بفتح الراء مشددة وسكون الواو وبالحاء المهملة ممدودا اسم موضع فيه قرية جامعة على ليلتين من المدينة، بينه وبين المدينة ستة وثلاثون ميلا كما عند مسلم فى الأذان، ولابن أبى شيبة ثلاثون، وقد قال فيه النبى ﷺ هذا واد من أودية الجنة. وقد صلى فيه قبلى سبعون نبيا، ومر به موسى بن عمران ﵊ حاجا أو معتمرًا أفاده القسطلانى (٦) بفتح السين والحاء المهملتين بينهما راء ساكنه شجرة ضخمة. أى عظيمة (والرويثة) بضم الراء وبالمثلثة مصغرا قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر
[ ١١ / ٩١ ]
-[ذكر الأمكنة التي نزل بها النبي ﷺ أو صلى فيها في طريق حجة الوداع]-
دون بريد الرُّويثة بميلين وقد انكسر أعلاها وهي قائمة على ساقٍ (وقال نافع) إنَّ عبد الله بن عمر حدَّثه رسول الله ﷺ صلَّى من وراء العرج وأنت ذاهب على رأس خمسة أميالٍ من العرج فى مسجدٍ إلى هضبةٍ عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة، على القبور رضم من حجارةٍ على يمين الطَّريق عن سلمات الطَّريق بين أولئك السَّلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشَّمس بالهاجرة فيصلِّى الظُّهر فى ذلك المسجد (وقال نافع) إنَّ عبد الله بن عمر حدَّثه أنَّ رسول الله ﷺ نزل تحت سرحةٍ (وفى لفظ سرحاتٍ) عن يسار الطَّريق في مسيلٍ دون هرشا، ذلك المسيل لاصق على هرشا (وفى لفظٍ لاصق بكراع هرشا) بينه وبين الطَّريق قريب من
_________________
(١) فرسخا (وقوله فى مكان بطح) بفتح الباء الموحدة وسكون المهملة وكسرها أى واسع (وقوله حيث يفضى) أى يخرج ﷺ (من الأكمة) بفتح الهمزة والكاف موضع مرتفع (١) أى بينه وبين المكان الذى ينزل فيه البريد بالرويثة سيلان. وقيل المراد بالبريد سكة الطريق (وقوله وقد انكسر اعلاها) يعنى الشجرة المعبر عنها بالسرحة (وهى قائمة على ساق) يعنى كالبنيان ليست متسعة من أسفل (٢) بفتح العين وسكون الراء المهملتين آخره جيم. قرية جامعة بينها وبين الرويثة ثلاثة عشر أو أربعة عشر ميلا (٣) بفتح الهاء وسكون الضاد المعجمة جبل منبسط على وجه الأرض أو ما طال واتسع وانفرد من الجبال (٤) بفتح الراء وسكون المعجمة، وللأصيلى رضم بفتحها أى صخور بعضها فوق بعض (٥) بفتح اللام جمع سلمة بالفتح، وهو شجر من العضاه ورقه القرظ الذى يدبغ به، وبه سمى الرجل سلمة. ويجوز أن يكون بكسر اللام جمع سلمة. بالكسر وهى الحجر، وهذه رواية الأصيلى وأبى ذر للبخارى، وبالفتح رواية غيرهما، وأضيفت السلمات إلى الطريق لأنها فى المكان الذى يتفرع عن جوانبه (٦) أى نصف النهار عند اشتداد الحر (٧) بفتح الراء جمع سرحة بفتح السين وسكون الراء، تقدم تفسيرها وهى الشجرة الضخمة العظيمة (وقوله فى مسيل) بفتح الميم وكسر المهملة مكان منحدر (دون هرشا) بفتح الهاء وسكون الراء وبالشين المعجمة مقصور. جبل على ملتقى طريق المدينة والشام قريب من الجحفة
[ ١١ / ٩٢ ]
-[ذكر الأمكنة التي نزل بها النبي ﷺ أو صلى فيها في طريق حجة الوداع]-
غلوة سهمٍ (وقال نافع) إنَّ عبد الله بن عمر حدَّثه أنَّ رسول الله ﷺ كان ينزل بذى طوًي يبيت به حتَّى يصلِّي صلاة الصُّبح حين قدم إلى مكَّة، ومصلَّى رسول الله ﷺ ذلك على أكمةٍ غليظة ليس فى المسجد الذَّي بنى ولكن أسفل من ذلك على أكمةٍ خشنةٍ غليظةٍ (قال وأخبرنى) أنَّ عبد الله بن عمر أخبره أنَّ رسول الله ﷺ استقبل فرضتى الجبل الطَّويل الَّذي قبل الكعبة فجعل المسجد الَّذي بنى يسار المسجد بطرف الأكمة ومصلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أسفل منه على الأكمة السوداء، يدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها، ثمَّ يصلِّي مستقبل الفرضتين من الجبل الطَّويل الذي بينه وبين الكعبة
_________________
(١) وفي لفظ (لاصق بكراع هرشا) بضم الكاف أى بطرف هرشا (١) بفتح الغين المعجمة غاية بلوغ السهم. أو أمد جرى الفرس (٢) بضم الطاء موضع بمكة، قال القسطلانى ولأبى ذر عن الكشميهنى طوى بكسرها وعزاه العينى كابن حجر للأصيلى، وله فى الفرع كأصله طوى بفتحها، ولأبى ذر بذى الطوى بزيادة "أل" مع كسر الطاء والمد، وعزا العينى كابن حجر زيادة الألف واللام للحموى والمستملى، وحكيا فتح الطاء عن عياض وغيره، وهو الذى فى الفرع. وليس فيه ضم التاء البتة اهـ (٣) بفتحات موضع مرتفع على ما حوله. أو تل من حجر واحد (وقوله غليظة) أى عظيمة كما فى رواية (٤) بضم الفاء وسكون الراس وفتح الضاد المعجمة مدخل الطريق الى الجبل (وقوله قبل الكعبة) بكسر القاف وفتح الموحدة أى ناحيتها (٥) قال العينى قوله فجعل. الظاهر أنه من كلام نافع وفاعله عبد الله "ويسار" مفعول ثان (وقوله بطرف الأكمة) صفة للمسجد الثانى اهـ (٦) بالنصب على الظرفية أو بالرفع خبر مبتدأ (تخريجه) (خ) وقد ذكر الحافظ عقب شرحه لهذا الحديث (تنبيهات) فقال رحمه الله تعالى (الأول) اشتمل هذا السياق على تسعة أحاديث أخرجها الحسن بن سفيان فى مسنده مفرقة من طريق اسماعيل بن أبى أويس عن أنس بن عياض يعيد الأسناد فى كل حديث إلا أنه لم يذكر الثالث، وأخرج مسلم منها الحديثين الأخيرين فى كتاب الحج (الثانى) هذه المساجد لا يعرف اليوم منها غير مسجد ذي الحليفة،
[ ١١ / ٩٣ ]
-[ذكر المساجد التي كانت بالمدينة غير مسجد النبي ﷺ وما بقى منها]-
والمساجد التي بالروحاء يعرفها أهل تلك الناحية، وقد وقع فى رواية الزبير بن بكار فى أخبار المدينة من طريق أخرى عن نافع عن ابن عمر فى هذا الحديث زيادة بسط فى صفة تلك المساجد، وفى الترمذى من حديث عمر بن عوف أن النبى ﷺ صلى فى وادي الروحاء وقال لقد صلى فى هذا المسجد سبعون نبيًا (الثالث) عرف من صنيع ابن عمر استحباب تتبع آثار النبى ﷺ والتبرك بها (وقد قال البغوى من الشافعية) إن المساجد التى ثبت أن النبى ﷺ صلى فيها لو نذر أحد الصلاة فى شاء منها تعين كما تتعين المساجد الثلاثة (الرابع) ذكر البخارى المساجد التى فى طرق المدينة ولم يذكر المساجد التى كامن بالمدينة لأنه لم يقع له إسناد فى ذلك على شرطه، وقد ذكر عمرو بن شبة فى أخبار المدينة المساجد والأماكن التى صلى فيها النبى ﷺ بالمدينة مستوعبا، وروى عن أبى غسان عن غير واحد من أهل العلم أن كل مسجد بالمدينة ونواحيها مبنى بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد صلى فيه النبى ﷺ. وذلك أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد المدينة سأل الناس وهم يومئذ متوافرون عن ذلك؛ ثم بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة اهـ. وقد عين عمرو بن شبة منها شيئا كثيرا، لكن أكثره فى هذا الوقت قد اندثر وبقى من المشهورة الآن مسجد قباء. ومسجد القضيخ. وهو شرقى مسجد قباء. ومسجد بنى قريظة. ومشربة أم ابراهيم وهى شمال مسجد بنى قريظة. ومسجد بنى ظفر. شرقى البقيع ويعرف بمسجد البغلة. ومسجد بنى معاوية ويعرف بمسجد الأجابة. ومسجد الفتح قريب من جبل سلع. ومسجد القبلتين فى بنى سلمة. هكذا أثبته بعض شيوخنا. اهـ ما نقله الحافظ (زوائد الباب) (عن جابر بن عبد الله) ﵄ أن النبى ﷺ قدم فقرن بين الحج والعمرة وساق الهدى وقال من لم يقلد الهدى فليجعلها عمرة، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح (وعن ابن أبى أوفى) ﵁ قال إنما جمع رسول الله ﷺ بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعد ذلك (بز. طب. طس) وفيه يزيد بن عطاء وثقه الأمام أحمد وغيره وفيه كلام (وعن أبى داود) يعنى الأنصارى المازنى ﵁ قال خرجنا مع رسول الله ﷺ فلما جئنا ذا الحليفة دخل رسول الله ﷺ المسجد فصلى ركعتين ثم أحرم فى دبر الصلاة بحج وعمرة معًا (طس) وفيه أبو غزية محمد بن موسى الأنصارى ضعفه البخارى وغيره. ووثقه الحاكم. وفيه أيضًا جماعة لم أعرفهم ولم يسمعوا (وعن عائشة) ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ فى حجة الوداع لولا أهديت لحللت. وكان أهل بعمرة وحج - قلت هو فى الصحيح خلا قولها وكان أهل بعمرة وحج (طس) ورجاله ثقات رجال الصحيح (وعن البراء بن عازب) ﵁ قال كنت مع على حين أمّره رسول الله ﷺ على
[ ١١ / ٩٤ ]
-[كلام العلماء في صفة حجة النبي ﷺ والجمع بين مختلف الروايات]-
_________________
(١) اليمن فأصبت معه أواقىّ، فلما قدم على رسول الله ﷺ قالت فاطمة قد نضحت البيت بنضوح "أى طيبته بطيب" فقالت مالك إن رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه فأحلوا، قال قلت لها إني أهللت بأهلال النبى ﷺ، قال فأنى سقت الهدى وقرنت، وقال لأصحابه لو أني استقبلت من أمرى ما استدبرت لفعلت كما فعلتم، ولكنى قد سقت الهدى وقرنت، فقالت انحر من البدن سبعا وستين. أو ستا وستين وأمسك لنفسك ثلاثا وثلاثين وأربعا وثلاثين وأمسك من كل بدنة بضعة - قلت للبراء حديث فى الصحيح بغير هذا السياق وليس فيه ذكر القران والله أعلم، أورد هذه الزوائد الحافظ الهيثمى وتعقب كل حديث بما فيه جرحا وتعديلا (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد (منها) ما يدل على أن النبى ﷺ كان قارنًا (ومنها) ما يدل على أنه ﷺ كان متمتعًا، وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة، وأما النهى الوارد عن عمر وعثمان ﵄ عن التمتع فسيأتى الكلام عليه وتوضيح معناه فى باب ما جاء فى التمتع بالعمرة إلى الحج ان شاء الله تعالى (ومعنى الأفراد) أن يحرم بالحج فى أشهره ويفرغ منه ثم يعتمر (والتمتع) أن يحرم بالعمرة فى أشهر الحج ويفرغ منه ثم يحج من عامه (والقران) أن يحرم بهما جميعا، وكذا لو أحرم بالعمرة وأحرم بالحج قبل طوافها صح وصار قارنًا، (وقد روى أنه ﷺ حج قرانًا) عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر. وعائشة. والبراء بن عازب. وعلى. وعمران بن حصين. وأبو قتادة. وسراقة بن مالك. وأبو طلحة. والهرماس ابن زياد الباهلى. وابن أبى أوفى. وأبو سعيد. وجابر. وأم سلمة. وحفصة. وسعد بن أبى وقاص. وأنس بن مالك ﵃ (وأما حجه ﷺ تمتعًا) فروى عن عائشة وابن عمر. وعلى. وعثمان. وابن عباس. وسعد بن أبى وقاص (وأما حجه ﷺ إفرادا) فروى عن عائشة وابن عمر وجابر وكلها أحاديث صحيحة، إلا أن بعضها ليس على ظاهره بل يحتاج إلى تأويل، وستأتى كل هذه الأحاديث فى أبواب الأفراد والقران والتمتع (قال النووى ﵀) ولقد اختلفت روايات أصحابه ﵃ فى صفة حجة النبى ﷺ حجة الوداع، هل كان قارنا أم مفردا أم متمتعًا؟ وقد ذكر البخارى ومسلم رواياتهم كذلك، وطريق الجمع بينها أنه ﷺ كان أولا مفردا ثم صار قارنا، فمن روى الأفراد فهو الأصل، ومن روى القران اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوى وهو الانتفاع والارتفاق، وقد ارتفق بالقران كارتفاق المتمتع وزيادة فى الاقتصار على فعل واحد، وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها، وقد جمع بينها أبو محمد بن حزم الظاهرى فى كتاب صنفه فى حجة الوداع خاصة، وادعى أنه ﷺ كان قارنا، وتأول باقي الأحاديث، والصحيح
[ ١١ / ٩٥ ]
-[أدلة القائلين بأنه ﷺ كان مفردا في حجته - وكلام القاضى عياض في ذلك]-
_________________
(١) ما سبق (يعني أنه كان أولا مفردا ثم صار قارنا) قال واحتج الشافعى وأصحابه فى ترجيح الأفراد بأنه صح ذلك من رواية جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة، وهؤلاء لهم مزية فى حجة الوداع على غيرهم (فأما جابر) فهو أحسن الصحابة سياقة لرواية حديث حجة الوداع فانه ذكرها من حين خروج النبى ﷺ من المدينة الى آخرها فهو أضبط لها من غيره (وأما ابن عمر) فصح عنه أنه كان آخذا بخطام ناقة النبى ﷺ فى حجة الوداع، وأنكر على من رجح قول أنس على قوله، وقال كان أنس يدخل على النساء وهن مكشفات الرءوس وإنى كنت تحت ناقة النبى ﷺ يمسنى لعابها أسمعه يلبى بالحج (وأما عائشة) فقربها من رسول الله ﷺ معروف، وكذلك اطلاعها على باطن أمره وظاهره وفعله فى خلوته وعلانيته مع كثرة فقهها وعظم فطنتها (وأما ابن عباس) فمحله من العلم والفقه فى الدين والفهم الثاقب معروف مع كثرة بحثه وتحفظه أحوال رسول الله ﷺ التى لم يحفظها غيره، وأخذه إياها من كبار الصحابة (ومن دلائل ترجيح الأفراد) أن الخلفاء الراشدين ﵃ بعد النبى ﷺ أفردوا الحج وأفردوا الحج وواظبوا على إفراده، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ واختلف فعل على ﵁، ولم يكن الأفراد أفضل وعلموا أن النبى ﷺ حج مفردا لم يواظبوا عليه مع أنهم الأئمة الأعلام وقادة الأسلام، ويقتدى بهم فى عصرهم وبعدهم، فكيف يليق بهم المواظبة على خلاف فعل رسول الله ﷺ، وأما الخلاف عن على ﵁ وغيره فانما فعلوه لبيان الجواز. وقد ثبت فى الصحيح ما يوضح ذلك (ومنها) أن الأفراد لا يجب فيه دم بالأجماع وذلك لكماله، ويجب الدم فى التمتع والقران وهو دم جبران لفواة الميقات وغيره فكان ما لا يحتاج إلى جبر أفضل اهـ (قلت) وأجاب الطحاوى عن ذلك بأن هذا مبنى على أن دم القران دم جبران، وقد منعه من رجح القران وقال إنه دم فضل وثواب كالأضحية، ولو كان دم نقص لما تام الصيام مقامه ولأنه يؤكل منه، ودم النقص لا يؤكل منه كدم الجزاء (وقال القاضى عياض) ﵀ قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث فمن مجيد منصف ومن مقصر متكلف ومن مطيل مكثر ومن مقصر مختصر، قال وأوسعهم فى ذلك نفسا أبو جعف الطحاوى الحنفى فانه تكلم فى ذلك فى زيادة على ألف ورقة، وتكلم معه فى ذلك أبو جعفر الطبرى ثم أبو عبد الله بن أبى صفرة ثم المهلب. والقاضى أبو عبد الله بن المرابط. والقاضى أبو الحسن بن القصار البغدادى والحافظ أبو عمرو بن عبد البر وغيرهم (قال القاضى عياض) وأولى ما يقال فى هذا على ما فحصناه من كلامهم واخترناه من اختياراتهم مما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الأحاديث أن النبى ﷺ أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ليدل على جواز جميعها ولو أمر بواحد
[ ١١ / ٩٦ ]
-[جمع القاضي عياض بين مختلف الروايات في إحرام النبي ﷺ وحجج القائلين بالقرآن]-
_________________
(١) لكان غيره يظن أنه لا يجزاء فأضيف الجميع اليه وأخبر كل واحد بما أمره به وأباحه له ونسبه إلى النبى ﷺ إما لأمره به وإما لتأويله عليه (وأما إحرامه ﷺ بنفسه) فأخذ بالأفضل فأحرم مفردا للحج وبه تظاهرت الروايات الصحيحة (وأما الروايات بأنه كان متمتعًا) فمعناها أمر به (وأما الروايات بأنه كان قارنا) فأخبار عن حالته الثانية لا عن ابتداء إحرامه، بل إخبار عن حاله حين أمر أصحابه بالتحلل من حجهم وقلبه إلى عمرة لمخالفة الجاهلية إلا من كان معه هدى، وكان هو ﷺ ومن معه هدى فى آخر احرامهم قارنين بمعنى أنهم أدخلوا العمرة على الحج؛ وفعل ذلك مواساة لأصحابه وتأنيسا لهم فى فعلها فى أشهر الحج لكونها كانت منكرة عندهم فى أشهر الحج ولم يمكنه التحلل معهم بسبب الهدى، واعتذر اليهم بذلك فى ترك مواساتهم فصار ﷺ قارنا فى آخر أمره، وقد اتفق جمهور العلماء على جواز ادخال الحج على العمرة، وشذ بعض الناس فمنعه وقال لا يدخل إحرام على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة (واختلفوا) فى إدخال العمرة على الحج فجوزه أصحاب الرأى (وهو قول الشافعى) لهذه الأحاديث، ومنعه آخرون وجعلوا هذا خاصا بالنبى ﷺ لضرورة الاعتمار حينئذ فى أشهر الحج؛ قال وكذلك يتأول قول من قال كان متمتعا أى تمتع بفعل العمرة فى أشهر الحج وفعلها مع الحج، لأن لفظ التمتع يطلق على معان فانتظمت الأحاديث واتفقت، قال ولا يبعد رد ما ورد عن الصحابة من فعل مثل ذلك الى مثل هذا مع الروايات الصحيحة أنهم أحرموا بالحج مفردا، فيكون الأفراد إخبارا عن فعلهم أولا، والقران اخبارا عن احرام الذين معهم هدى بالعمرة ثانيا، والتمتع لفسخهم الحج الى العمرة ثم اهلالهم بالحج بعد التحلل منها كما فعل كل من لم يكن معه هدى اهـ (قال الحافظ) وهذا الجمع هو المعتمد وقد سبق اليه قديما ابن المنذر وبيَّنه ابن حزم فى حجة الوداع بيانا شافيا ومهده المحب الطبرى تمهيدا بالغا يطول ذكره، ومحصله أن كل من روى عنه الأفراد حمل على ما أهل به فى أول الحال، وكل من روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روى عنه القران أراد ما استقر عليه الأمر (ورجح الحافظ رواية من روى القران) بأمور يطول ذكرها (منها) أن أحاديثه مشتملة على زيادة عن من روى الأفراد وغيره والزيادة مقبولة إذا خرجت من مخرج صحيح فكيف اذا ثبتت من طرق كثيرة عن جمع من الصحابة "وتقدم فى ذكرهم فى أول الأحكام" (ومنها) أن من روى الأفرد والتمتع اختلف عليه فى ذلك لأنهم جميعا روى عنهم أنه ﷺ حج قرانا (ومنها) أن روايات القران لا تحتمل التأويل بخلاف روايات الأفراد والتمتع فانها تحتمله (ومنها) أن رواة القران أكثر كما تقدم (ومنها) أن فيهم من أخبر عن سماعه لفظا صريحا، وفيهم من أخبر عن أخباره ﷺ
[ ١١ / ٩٧ ]
-[جمع الحافظ ابن تيمية بين مختلف روايات الأفراد والقران والتمتع - ومذاهب العلماء في تفضيل أيها]-
_________________
(١) بأنه فعل ذلك، وفيهم من أخبر عن أمر ربه بذلك (ومنها) أن النسك الذى هو أمر به كل من ساق الهدى فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدى ثم يسوق هو الهدى ويخالفه، وقد جمع شيخ الأسلام الحافظ ابن تيمية جمعا حسنا فقال ما حاصله، إن التمتع عند الصحابة يتناول القران فتحمل عليه رواية من روى أنه حج تمتعا، وكل من روى الأفراد قد روى أنه ﷺ حج تمتعًا وقرانا فيتعين الحمل على القران، وأنه أفرد أعمال الحج ثم فرغ منها وأتى بالعمرة اهـ (وقد اختلف العلماء) فى هذه الأنواع الثلاثة أيها أفضل، فذهب جماعة من الصحابة والتابعين وأبو حنيفة واسحاق ورجحه جماعة من الشافعية منهم المزنى وابن المنذر وأبو اسحاق المروزى وتقى الدين السبكى الى أن القران أفضل (وذهب جماعة) من الصحابة والتابعين وجماعة من الشافعية وغيرهم إلى أن الأفراد أفضل (وذهب جماعة) من الصحابة والتابعين أيضا ومن بعدهم كالأمامين (مالك وأحمد) إلى أن التمتع أفضل لكونه ﷺ تمناه فقال "لولا أنى سقت الهدى لأحللت" ولا يتمنى إلا الأفضل (قال الحافظ) وأجيب بأنه إنما تمناه تطييبًا لقلوب أصحابه لحزنهم على فوات موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره الله له واستمر عليه قال (وقال ابن قدامة يترجح التمتع) بأن الذى يفرد إن اعتمر بعدها فهى عمرة مختلف فى إجزائها عن عمرة الأسلام بخلاف عمرة التمتع فهى مجزئة بلا خلاف، فيترجح التمتع على الأفراد ويليه القران (وقال من رجح القران) هو أشق من التمتع وعمرته مجزئة بلا خلاف فيكون أفضل (قلت وقال من رجح الأفراد) إن الخلفاء الراشدين ﵃ أفردوا الحج وواظبوا على ذلك، فلو لم يكن أفضل لم يواظبوا عليه، وتقدم ذلك فى أول الأحكام (قال الحافظ) وحكى عياض عن بعض العلماء أن الصور الثلاثة فى الفضل سواء، وهو مقتضى تصرف ابن خزيمة فى صحيحه (وعن أبى يوسف) القران والتمتع فى الفضل سواء أوهما أفضل من الأفراد (وعن أحمد) من ساق الهدى فالقران أفضل له ليوافق فعل النبى ﷺ ومن لم يسق الهدى فالتمتع أفضل له ليوافق ما تمناه وأمر أصحابه، زاد بعض أتباعه، ومن أراد أن ينشاء لعمرته من بلده سفرا فالأفراد أفضل له، قال وهذا أعدل المذاهب وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة (فمن قال الأفراد أفضل) فعلى هذا يتنزل لأن أعمال سفرين للنسكين أكثر مشقة فيكون أعظم أجرا ولتجزاء عنه عمرته من غير نقص ولا اختلاف، أفاده الحافظ (واختاره الشوكانى) ما ذهب اليه الأمام أحمد لاحتجاجه بما اتفق عليه من حديث جابر وغيره أن النبى ﷺ قال لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ولجعلتها عمرة (قال الشوكانى) وهذا هو الحق، فانه لا يظن أن نسكا أفضل من نسك اختاره ﷺ لأفضل الخلق وخير القرون، وأما ما قيل من أنه ﷺ إنما قال
[ ١١ / ٩٨ ]
-[جواز التبرك بآثار النبي ﷺ كما ورد - والتحذير من مجاوزته إلى ما يجر إلى مفسدة]-
_________________
(١) كذلك تطييبًا لقلوب أصحابه لحزنهم على فوات موافقته ففاسد، لأن المقام مقام تشريع للعباد، وهو لا يجوز عليه ﷺ أن يخبر بما يدل على أن ما فعلوه من التمتع أفضل مما استمر عليه والأمر على خلاف ذلك، وهل هذا إلا تغرير يتعالى عنه مقام النبوة، قال وبالجملة لم يوجد فى شاء من الأحاديث ما يدل على أن بعض الأنواع أفضل من بعض غير هذا الحديث، فالتمسك به متعين. ولا ينبغى أن يلتفت إلى غيره من المرجحات فانها فى مقابلته ضائعة اهـ (هذا وأحاديث الفصل) المروية عن نافع عن ابن عمر ﵄ تدل على استحباب النزول فى الأماكن التى نزل فيها النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصلاة فى المساجد التى صلى فيها فى طريقه بين مكة والمدينة فى حجة الوداع تبركا بأثره الشريف كما كان يفعل ابن عمر ﵄، فقد كان يستحب التببع لآثار النبى ﷺ والتبرك بها إلا ما ورد النهى عنه كاتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، والاستغاثة بأصحاب تلك القبور من ضر نزل به أو طلب منفعة تعود عليه كما يفعل كثير من الناس الآن، فان هذا إشراك بالله الواحد الأحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فالله وحده هو الضار النافع لا يشاركه فى ذلك أحد مهما علت درجته، قال تعالى مخاطبا أفضل خلقه ﴿قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء. إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ فواجب على العلماء أن يعلموا العوام هذه العقيدة ويغرسوها فى قلوبهم، وإلا كانوا كعلماء بنى إسرائيل الذين لعنهم الله فى كتابه العزيز بقوله ﷿ ﴿لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون﴾ إذا علمت هذا فلا بأس بالنزول فى الأمكنة التى نزل بها النبى ﷺ وصلى فيها اقتداء به، ولكن على شرط أن لا يجر ذلك إلى اعتقاد وجوبه؛ فقد روى شعبة عن سليمان التيمى عن المعرور بن سويد قال كان عمر بن الخطاب ﵁ فى سفر فصلى الغداة ثم أتي على مكان فجعل الناس يأتونه ويقولون صلى فيه النبى ﷺ، فقال عمر إنما هلك أهل الكتاب أنهم كانوا اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوا كنائس وبيعًا؛ فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض، وإنما كره عمر ﵁ ذلك لأنه خشى أن يلتزم الناس فى الصلاة فى تلك المواضع فيشكل ذلك على من يأتى بعدهم ويرى ذلك واجبا، وكذا ينبغى للعالم إذا رأى الناس يلتزمون النوافل التزاما شديدا أن يترخص فيها فى بعض المرات ليعلم بفعله ذلك أنها غير واجبة كما فعل ابن عباس فى ترك الأضحية، وروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة فى المواضع التى صلى فيها الشارع فقال ما يعجبني ذلك إلا في
[ ١١ / ٩٩ ]
-[سبب مشروعية الرمَل في طواف القدوم]-
(٦) باب ما رواه أبو الطفيل عن ابن عباس ﵄ فى أسباب بعض أعمال الحج
(٧٠) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى ثنا سريج ويونس قالا ثنا حمَّاد يعنى ابن سلمة عن أبى عاصم الغنويِّ عن أبى الطُّفيل قال قلت لابن عباسٍ يزعم قومك أنَّ رسول الله ﷺ رمل بالبيت وأنَّ ذلك سنَّة، قال صدقوا او كذبوا قلت وما صدقوا وكذبوا؟ قال صدقوا. رمل رسول الله ﷺ بالبيت، وكذبوا. ليس بسنَّةٍ إنَّ قريشًا قالت زمن الحديبية دعوا محمَّدًا وأصحابه حتَّى يموتوا موت النَّغف فلمَّا صالحوه على أن يقدموا من العام المقبل ويقيموا بمكَّة ثلاثة أيام، فقدم رسول الله ﷺ والمشركون من قبل قعيقان فقال رسول الله ﷺ لأصحابه ارملوا بالبيت ثلاثًا وليس بسنَّةٍ،
_________________
(١) مسجد قباء لأنه ﷺ كان يأتيه راكبًا وماشيًا ولم يفعل ذلك فى تلك الأمكنة، فرحم الله الأمام مالك فقد بنى مذهبه على سد الذرائع، وهذا أسلم والله أعلم
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبه) (١) قال المنذرى أبو الطفيل هو عامر ابن واثلة، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ وأبو عاصم الغنوى لا يعرف اسمه (٢) يعنى فى طواف القدوم، وتقدم معنى الرمل (٣) يعنى صدقوا فى أن النبى ﷺ فعله وكذبوا فى قولهم إنه سنة مقصودة متأكدة، لأن النبى ﷺ لم يجعله سنة مطلوبة دائما على تكرار السنين، وإنما أمر به تلك السنة لأظهار القوة عند الكفار، وقد زال ذلك المعنى، هذا معنى كلام ابن عباس (٤) قال النووى ﵀ هذا الذى قاله (يعنى ابن عباس) ﵄ من كون الرمل ليس سنة مقصودة هو مذهبه، وخالفه جميع العلماء من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ومن بعدهم فقالوا هو سنة فى الطوفات الثلاث من السبع، فان تركه فقد ترك سنة وفاتته فضيلة، ويصح طوافه ولا دم عليه اهـ (٥) بفتح النون والغين المعجمة وفاء، دود يكون فى أنوف الأبل والغنم، واحدتها نغفة يقال للرجل إذا استحقر واستضعف ما هو إلا نغفة، يعنى أنهم قالوا ذلك احتقارًا للنبى ﷺ وأصحابه لأنهم كانوا إذ ذاك قليلوا العدد والعدد، ولم يعلموا أن الله ﷿ ناصر نبيه ﷺ (٦) بصيغة التصغير جبل مشرف على الحرم من جهة الغرب (وفى رواية أخرى) للأمام أحمد "والمشركون على جبل
[ ١١ / ١٠٠ ]
-[سبب مشروعية السعى بين الصفا والمروة وحكم الركوب فيه]-
قلت ويزعم قومك أنَّه طاف بين الصَّفا والمروة على بعير وأنَّ ذلك سنَّة، فقال صدقوا وكذبوا فقلت وما صدقوا وكذبوا؟ فقال صدقوا قد طاف بين الصَّفا والمروة على بعير، وكذبوا ليست بسنَّةٍ، كان الناس لا يدفعون عن رسول الله ﷺ ولا يصرفون عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه ولا تناله أيديهم، قلت ويزعم قومك أنَّ رسول الله ﷺ سعى بين الصَّفا والمروة وأنَّ ذلك سنَّةٌ، قال صدقوا إنَّ إبراهيم لمَّا أمر بالمناسك عرض له
_________________
(١) قيقعان، فبلغه أنهم يتحدثون أن بهم هزالا فأمر بهم أن يرملوا ليريهم أن بهم قوة، وكان ذلك فى عمرة القضاء، وجاء أصرح من هذا فى رواية أخرى لمسلم والأمام أحمد وستأتى فى باب طواف القدوم والرمل الخ. عن ابن عباس ﵄ قال قدم رسول الله ﷺ وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب، قال فقال المشركون إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى، قال فأطلع الله النبى ﷺ على ذلك فأمر أصحابه أن يرملوا وقعد المشركون ناحية الحجر ينظرون اليهم، فرملوا ومشوا ما بين الركنين، قال فقال المشركون هؤلاء الذين تزعمون أن الحمى وهنتهم، هؤلاء أقوى من كذا وكذا ذكروا قولهم، قال ابن عباس فلم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم (١) أى صدقوا فى أنه ﷺ طاف راكبا، وكذبوا فى أن الركوب أفضل. بل المشى أفضل، وإنما ركب ﷺ لشدة ازدحام الناس عليه وسؤالهم إياه عن أحكام المناسك، وكان من خلقه ﷺ أن لا يدفع قاصده ولا يضرب الناس بين يديه كما يفعل الملوك والعظماء، فدفعا لما يحصل من ضرر الزحام ركب ﷺ، وهذا معنى قوله كان الناس لا يدفعون عن رسول الله ﷺ بضم الياء التحتية مبنى للمجهول وكذا قوله ولا يصرفون، وفى لفظ لمسلم "قال ان رسول الله ﷺ كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت، قال وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب والمشى والسعى أفضل" (٢) أى ما يلقيه عليهم من المواعظ وتعليم الأحكام (ولا تناله أيديهم) أى لأن كل سائل يريد أن يلفته اليه بمدّ يده عليه، وفى هذا إيذاء له ﷺ، فمن أجل ذلك ركب والله أعلم (قال النووى) وهذا الذى قاله ابن عباس مجمع عليه، أجمعوا على أن الركوب فى السعى بين الصفا والمروة جائز وأن المشى أفضل منه إلا لعذر (٣) أقرّ ابن عباس ﵄ هذا السؤال ولم
[ ١١ / ١٠١ ]
-[سبب مشروعية رمي الجمرات - وأن الذبيح اسماعيل على الأرجح]-
الشيطان عند السَّعي فسابقه فسبقه إبراهيم، ثمَّ ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة فعرض له شيطان (وفي لفظٍ الشيَّطان) فرماه بسبع حصيات حتَّى ذهب، ثمَّ عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات قال قد تلَّه للجبين (وفى لفظ وثمَّ تلَّه للجبين) وعلى إسماعيل قميص أبيض، وقال يا أبت إنَّه ليس لى ثوب تكفِّننى فيه غيره؛ فاخلعه حتَّى
_________________
(١) يكذبه، لأن السعى بين الصفا والمروة مشروع بنص القرآن. قال تعالى ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما﴾ وهو من أركان الحج عند الجمهور، ثم ذكر ابن عباس للسائل سبب مشروعية السعى وهو أن ابراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما أمره الله بأداء مناسك الحج وذبح أحد ولديه قربانا لله تعالى عقب مناسك الحج، والراجح أنه اسماعيل كما صرح بذلك فى هذا الحديث، اعترضه الشيطان ليفسد عليه عبادته ففر منه ابراهيم تخلصا من شره، فتبعه الشيطان مسرها فأسرع ابراهيم فسبقه وكان ذلك بين الصفا والمروة (١) هذا اللفظ ليونس أحد الراويين اللذين روى عنهما الأمام أحمد هذا الحديث. يعنى أن الشيطان عرض له مرة ثانية يريد إفساد عبادته فرماه ابراهيم بسبع حصيات حتى ذهب عنه، ثم عرض له مرة ثالثة عند الجمرة الوسطى فرمان بسبع حصيات أيضا ليدفعه عن نفسه، والظاهر أن اسماعيل كان مع أبيه ابراهيم فى ذاك الوقت؛ وقد استحضره ابراهيم ﵇ استعدادا لتنفيذ ما أمره الله به من ذبحه، وقد حاول الشيطان منعه بكل الوسائل فلم يفلح، ففى الرواية للبغوى أن الشيطان أقبل على ابراهيم ﵇ فقال له أين تريد أيها الشيخ؟ قال أريد هذا الشعب لحاجة لى فيه، قال والله انى لأرى الشيطان قد جاءك فى منامك فأمرك بذبح ابنك هذا، فعرفه ابراهيم ﵇ فقال اليك عنى يا عدو الله فوالله لأمضين أمر ربى، فرجع ابليس بغيظه (٢) زاد البغوى هنا فى رواية "حتى ذهب حتى أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى ابراهيم لأمر الله ﷿" (٣) بفتح الثاء المثلثة أى وهناك تله للجبين، وهذا اللفظ ليونس أيضا "ومعنى تله للجبين" أى صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه (قال ابن عباس) ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة "وتله للجبين" أى أكبه على وجهه (٤) الظاهر أنه أراد بخلع القميص عدم تلوثه
[ ١١ / ١٠٢ ]
-[سبب مشروعية الهدي والتضحية - وتعليم جبريل ابراهيم ﵉ مناسك الحج]-
تكفِّنني فيه، فعالجه ليخلعه فنودى من خلفه أن يا إبراهيم قد صدَّقت الرُّؤيا فالتفت إبراهيم فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين، قال ابن عبَّاس لقد رأيتنا نتَّبع هذا الضَّرب من الكباش (قال) ثمَّ ذهب به جبريل إلى الجمرة القوصى، فعرض له الشَّيطان فرماه بسبع حصيات حتَّى ذهب، ثمَّ ذهب به جبريل إلى منيً قال هذا منًى (وفي لفظٍ هذا مناخ النَّاس) ثمَّ أتى به جمعًا؛ فقال هذا المشعر الحرام، ثمَّ ذهب به إلى عرفة؟ فقال ابن عبَّاس هل تدري لم سمِّيت عرفة؟ قلت لا، قال إنَّ جبريل قال لإبراهيم عرفت (وفى لفظ هل عرفت؟) قال نعم، قال ابن عبَّاس فمن ثمَّ سمِّيت عرفة؟ ثمَّ قال هل تدرى كيف كانت التلبية؟ قلت وكيف كانت؟ قال إنَّ إبراهيم لمَّا أمر أن يؤذِّن فى النَّاس بالحجِّ خفضت له الجبال رءوسها
_________________
(١) بالدم ليكون عند التكفين نظيفًا طاهرا والله أعلم (١) أى قد حصل المقصود من رؤياك باضجاعك ولدك للذبح وامتثالك أمر ربك، وذكر السدى وغيره أنه أمرَّ السكين على رقبته فلم تقطع شيئا بل حال ببنها وبينه صفيحة من نحاس ونودى ابراهيم عند ذلك قد صدَّقت الرؤيا (٢) أى له قرنان حسنان (أعين) أى واسع العين (٣) أى نطلب هذا الصنف المتصف بذلك لأجل الضحية (٤) هذا اللفظ ليونس أيضا وهو بضم الميم موضع الأناخة لأن الناس يبيتون بها فينيخون إبلهم (وقوله ثم أتى جمعًا) بفتح الجيم يعنى المزدلفة، وسميت جمعًا لاجتماع الناس بها أو لكونهم يجمعون فيها بين صلاتى المغرب والعشاء جمع تأخير وتقدم معنى تسميتها بالمزدلفة (٥) المشعر. واحد المشاعر. هى المعالم الظاهرة، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام لأنها داخل الحرم (٦) روى عبد الرزاق أخبرنى ابن جريج قال قال ابن المسيب قال على بن أبى طالب (﵁) بعث الله جبريل ﵇ إلى ابراهيم ﷺ فحج به حتى إذا أتى عرفة قال عرفت وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة، وقال ابن المبارك عن عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء قال إنما سميت عرفة أن جبريل ﵇ كان يرى إبراهيم المناسك فيقول عرفت عرفت، فسميت عرفات
[ ١١ / ١٠٣ ]
-[سبب مشروعية التلبية تأذين ابراهيم في الناب بالحج]-
ورفعت له القرى فأذَّن في النَّاس بالحجِّ
_________________
(١) روى ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس. ومجاهد. وعكرمة. وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف أن الله ﷿ أمر ابراهيم أن يؤذن فى الناس بالحج. أى ينادى فى الناس داعيا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذى أمره الله ببنائه، فذكر أنه قال يا رب كيف أبلغ الناس وصوتى لا ينفذهم، فقال نادو علينا البلاغ فقام على مقامه "أى مقام ابراهيم" وقيل على الحجر، وقيل على الصفا. وقيل على أبى قبيس، وقال يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه، فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض وأسمع من فى الأرحام والأصلاب وأجابه كل شاء سمعه من حجر ومدر وشجر ومن كتب الله أن يحج إلى يوم القيامة "لبيك اللهم لبيك" (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد والطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات اهـ (قلت) روى مسلم وأبو داود منه الجزء المختص بالطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة من حديث الطفيل عن ابن عباس أيضا (وللأمام أحمد رواية أخرى) مختصرة "عن ابن عباس أيضا أن رسول الله ﷺ قال إن جبريل ذهب بابراهيم ﵇ الى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى الجمرة القصوى فرماه بسبع حصيات فساخ، فلما أراد ابراهيم أن يذبح اسحاق قال يا أبت أوثقنى لا اضطرب فينضح عليك دمى اذا ذبحتنى، فشده، فلما أحد الشفرة وأراد أن يذبحه نودى من خلفه أن يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا" فى هذه الرواية أن الذبيح اسحاق، ولكن فى اسنادها عطاء بن السائب وقد اختلط (زوائد الباب) (عن ابن عباس) ﵄ قال جاء جبريل الى النبى ﷺ ليريه المناسك فانفرج له ثبير فدخل منى فأراه الجمار ثم أراه جمعا، وأراه عرفات، فلما كان عند الجمرة نبع له ابليس (أى خرج له من الأرض كما يخرج الماء من العين) فرماه بسبع حصيات فساخ (أى غاص فى الأرض) ثم نبع له حتى ذكر جمرة العقبة فساخ فذهب (وفى رواية عن ابن عباس أيضا) قال انطلق جبريل ﵇ بالنبى ﷺ ليريه المناسك فأتى به جمرة العقبة فاذا إبليس عليها فأمره فرماه بسبع حصيات فساخ فى الأرض، ثم أتى الجمرة الوسطى فاذا هو بابليس فأمره فرماه بسبع حصيات فساخ فى الأرض، ثم أتي الثالثة فقال مثل ذلك، ثم أتى جمعا ثم لبى من عرفات، أورده الهيثمى وقال رواه كله الطبرانى فى الكبير وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط (الأحكام) اشتمل هذا الباب على ذكر أسباب شاء كثير من أفعال الحج، فذكر فيه سبب الرمل فى طواف القدوم والسعى بين الصفا والمروة
[ ١١ / ١٠٤ ]
-[بيان مواقيت الإحرام المكانية وتحديد ذى الحليفة والجحفة]-
(أبواب الاحرام ومواقيته وصفته واحكامه)
(١) باب مواقيت الاحرام المكانية
(٧١) عن ابن عبَّاس ﵄ قال وقَّت رسول الله ﷺ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لأهل المدينة ذا الحلِّيفة ولأهل الشَّام
_________________
(١) والركوب فيه (وفيه أيضا) سبب رمى الجمرات الثلاث والمبيت بمنى والوقوف بالمزدلفة (وفيه أيضا) سبب تسمية عرفة بعرفة وسبب التلبية، أما أحكام هذه الأفعال ومذاهب الأئمة فيها فستأتى مفصلة فى أبوابها ان شاء الله تعالى والله الموفق
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى ثنا يزيد أنا حماد ابن زيد عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (١) قال القاضى عياض وقت أى حدَّد (وقال الحافظ) أصل التوقيت أن يجعل للشاء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضا، قال ابن الأثير التأقيت أن يجعل للشاء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة، يقال وقت الشاء بالتشديد يؤقته، ووقته بالتخفيف يقته إذا بين مدته، ثم اتسع فيه فقيل للموضع ميقات (وقال الشوكانى) المراد بالتوقيت هنا التحديد، ويحتمل أن يريد به تعليق الأحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشرط المعتبر (وقال ابن دقيق العيد) إن التأقيت فى اللغة تعليق الحكم بالوقت ثم استعمل للتحديد والتعيين، وعلى هذا فالتحديد من لوازم الوقت وقد يكون وقَّت بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى ﴿ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ (٢) أى النبوية ومن سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم (وقوله ذا الحليفة) مفعول وقت وهو تصغير حلفة، نبت معروف. وهى قرية خربة وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب. وبئر يقال لها بئر على، وقال فى القاموس هو ماء لبنى جشم على ستة أميال (يعنى من المدينة) وصححه النووى، وقول من قال كابن الصباغ فى الشامل والرويانى فى البحر إنه على ميل من المدينة وهم يرده الحس (٣) أى من العريش إلى نابلس، وقيل إلى الفرات ومن سلك طريقهم (الجحفة) بضم الجيم واسكان الحاء المهملة وفتح الفاء قرية على ستة أميال من البحر وثمان مراحل من المدينة، ومن مكة خمس مراحل أو ستة أو ثلاثة، قال ابن الكلبى كان العماليق يسكنون يثرب فوقع بينهم وبين بنى عبيل "بفتح المهملة وكسر الموحدة" وهم اخوة عاد حرب، فأخرجوهم من يثرب فنزلوا مهيعة "بفتح أوله وسكون ثانيه" وهي
[ ١١ / ١٠٥ ]
-[ميقات أهل اليمن يلملم - وأهل نجد قرن - وتحديد يلملم وقرن]-
الجحفة؛ ولأهل اليمن يلملم ولأهل نجد قرنًا، وقال وهنَّ وقت لأهلهنَّ ولمنّ مرَّ بهنَّ من غير أهلهنَّ يريد الحجَّ والعمرة، فمن كان منزله من وراء الميقات فإهلاله من حيث ينشئ وكذلك، حتَّى أهل مكَّة إهلالهم
_________________
(١) الجحفة كما صرح بذلك فى رواية عند مسلم، فجاء سيل فاجتحفهم أى استأصلهم فسميت الجحفة، وهى الآن خربة لا يصل اليها أحد لوخمها، وإنما يحرم الناس الآن من رابغ لكونها محاذية لها، وفى حديث عائشة عند النسائى مرفوعا ولأهل الشام ومصر الجحفة (وعند الشافعى) فى مسنده عن عطاء مرسلا ولأهل المغرب الجحفة، قال الولى بن العراقى وهذه زيادة يجب الأخذ بها وعليها العمل (١) يعنى إذا مروا بطريق تهامة ومن سلك طريق سفرهم ومر عليهم فيمقاتهم جميعا (يلملم) بفتح الياء التحتية واللامين وسكون الميم الأولى بينهما غير منصرف. جبل من جبال تهامة، ويقال فيه ألملم بهمزة بدل الياء على مرحلتين من مكة، فان مر أهل اليمن من طريق الجبال فميقاتهم نجد (٢) أى نجد الحجاز أو اليمن ومن سلك طريقهم فى السفر (قرنا) بفتح القاف وسكون الراء أى قرون المنازل كما فى رواية أخرى للشيخين والأمام أحمد، وضبطه صاحب الصحاح بفتح الراء وغلطه صاحب القاموس، وحكى النووى الاتفاق على تخطئته. وقيل إنه بالسكون. الجبل. وبالفتح. الطريق، حكاه عياض عن القابسى (قال الحافظ) والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان اهـ. ويسمى قرن الثعالب، وسمى بذلك لكثرة ما كان يأوى اليه من الثعالب، وحكى الرويانى عن بعض قدماء الشافعية أنهما موضعان، أحدهما فى هبوط، وهو الذى يقال له قرن المنازل والآخر فى صعود، وهو الذى يقال له قرن الثعالب، والمعروف الأول، لكن فى أخبار مكة للفاكهى أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى بينه وبين منى ألف وخمسمائة ذراع فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت (٣) أى هذه المواقيت لأهل هذه البلدان (ولمن مر بهن) أى بهذه المواقيت (من غير أهلهن) أى من غير أهل البلاد المذكورة، فاذا أراد الشامى الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها ولا يؤخر حتى يأتى الجحفة التى هى ميقاته الأصلى، فان أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور، وحكى النووى الأجماع على ذلك، وتعقب بأن المالكية يقولون يجوز له ذلك وإن كان الأفضل خلافه؛ وبه قالت الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية؛ وهكذا ما كان من البلدان خارجا عن البلدان المذكورة، فان ميقات أهلها الميقات الذى يأتون عليه (٤) أى بين الميقات ومكة
[ ١١ / ١٠٦ ]
-[من أين يحرم أهل مكة - ومن كان بلده بين الميقات ومكة]-
من حيث ينشئون (وعنه من طريقٍ ثانٍ بنحوه وفيه) فمن كان من دون ذلك فمن حيث أنشأ حتَّي أهل مكَّة من مكَّة
(٧٢) عن نافعٍ عن ابن عمر ﵄ أنَّ رجلًا سأل النبي ﷺ من أين يحرم؟ قال مهلُّ أهل المدينة من ذى الحليفة، ومهلُّ أهل الشَّام من الجحفة، ومهلُّ أهل اليمن من يلملم، ومهلُّ أهل نجد من قرن، وقال ابن عمر وقاس النَّاس ذات عرق بقرن (ومن طريقٍ ثانٍ) عن عبد الله
_________________
(١) (فإهلاله من حيث ينشيء) أى يهل من ذلك الموضع (قال الحافظ) وهذامتفق عليه إلا ما روى عن مجاهد أنه قال ميقات هؤلاء نفس مكة ويدخل فى ذلك من سافر غير قاصد للنسك فجاوز الميقات ثم بدا له بعد ذلك النسك، فانه يحرم من حيث تجدد له القصد، ولا يجب عليه الرجوع الى الميقات (١) يعنى أن أهل مكة وغيرهم ممن هنا بها يهلون من مكة (كما فى الطريق الثانية) ولا يخرجون الى الميقات للأحرام منه وهذا فى الحج، وأما فى العمرة فيجب الخروج الى أدنى الحل كما سيأتى (قال المحب الطبرى) ولا أعلم أحدا جعل مكة ميقاتا للعمرة، واختلف فى القارن فذهب الجمهور الى أن حكمه حكم الحاج فى الأهلال من مكة، وقال ابن الماجشون يتعين عليه الخروج الى أدنى الحل والله أعلم (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم هن لهم ولكل آت أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة. فمن كان من دون ذلك - الحديث" (٣) أى فمهله من مكانه حيث قصد الذهاب إلى مكة (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن نافع عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنا يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمرو بن عون وغير واحد عن نافع عن ابن عمر - الحديث" (غريبه) (٤) بضم الميم وفتح الهاء أى موضع اهلال أهل المدينة الخ (٥) ومثلها مصر والمغرب من الجحفة (٦) يريد ابن عمر ﵄ أنه لم يسمع فى ذات عرق حديثا مرفوعا. وسيأتى الكلام عليه (٧) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن عبد الله ثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر
[ ١١ / ١٠٧ ]
-[كلام العلماء في مهل أهل العراق - وهل هو ثابت من كلام النبي ﷺ أم لا]-
ابن دينار عن ابن عمر ﵄ قال وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل نجدٍ قرنًا، ولأهل الشَّام الجحفة، وقال هؤلاء الثَّلاث حفظتهنَّ من رسول الله ﷺ وحدِّثت أنَّ رسول الله ﷺ قال ولأهل اليمن يلملم، فقيل له العراق، قال لم يكن يومئذ عراق
(٧٣) عن ابن جريح أخبرني أبو الزُّبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهلِّ فقال سمعت ثمَّ انتهى، أراه يريد النَّبيَّ ﷺ يقول مهلُّ أهل
_________________
(١) - الحديث" (غريبه) (١) أى سمعهن من رسول الله ﷺ بغير واسطة (وقوله وحدثت أن رسول الله ﷺ قال ولأهل اليمن يلملم) يريد أنه لم يسمع هذا الميقات الرابع من النبى ﷺ. وإنما بلغه عنه بواسطة، وهذا لا يقدح فى الحديث، فقد ثبت ذلك فى حديث ابن عباس المتقدم ورواه الشيخان أيضا، وفى حديث جابر الآتى رواه مسلم وغيره (٢) أى فقيل لابن عمر ما ميقات العراق (فقال لم يكن يومئذ عراق) يعنى أن العراق لم يكن فتح فى زمنه ﷺ، وهذا لا ينافى أن النبى ﷺ وقت لأهل العراق قبل فتحه لعلمه بأنه سيفتح، ويكون ذلك من معجزات النبى ﷺ والأخبار بالمغيبات المستقبلات ولم يبلغ ابن عمر ذلك؛ فقد وقت ﷺ لأهل الشام الجحفة فى جميع الأحاديث الصحيحة، ومعلوم أن الشام لم يكن فتح حينئذ. وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ أنه أخبر بفتح الشام واليمن والعراق. وأنهم يأتون اليهم يبسون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. وأنه ﷺ أخبر بأنه زويت له مشارق الأرض ومغاربها، وقال سيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها وأنهم سيفتحون مصرى وهى أرض يذكر فيها القيراط، وأن عيسى ﵇ ينزل على المنارة البيضاء شرقى دمشق. وكل هذه الأحاديث فى الصحيح. وفى الصحيح من هذا القبيل ما يطول ذكره. والله أعلم. قاله النووى (قلت) جاءت أحاديث وآثار كثيرة من عدة طرق تدل على أن النبى ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق. بل جاء ذلك فى حديث جابر رواه مسلم والأمام أحمد وسيأتى بعد هذا. إلا أنه مشكوك فى رفعه. وسيأتى الكلام على هذه المسألة فى الأحكام ان شاء الله تعالى (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن ابن جريج (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا ابن جريج - الحديث" (٣) بضم الميم أى مواضع الأهلال (فقال) أي جابر (سمعت
[ ١١ / ١٠٨ ]
-[تحديد ذات عرق - وحجة القائلين بأن مهل أهل العراق لم ينبت مرفوعا]-
المدينة من ذي الحليفة، والطَّريق الأخرى الجحفة، ومهلُّ أهل العراق من ذات عرقٍ ومهلُّ أهل نجدٍ من قرنٍ، ومهلُّ أهل اليمن من يلملم (ومن
_________________
(١) ثم انتهى) أى سكت جابر عن الكلام ثم قال (أراه) بضم الهمزة أى أظنه، وقد ثبت فى رواية مسلم بعد قوله ثم انتهى "فقال أراه" يعنى أن جابرًا عدل عن قوله سمعت، وأتى بقوله أراه بدلها، والضمير فى قوله أراه يرجع إلى النبى ﷺ بديل قول أبى الزبير (يريد النبى ﷺ) فهذه الجملة من كلام أبى الزبير مفسرة لقول جابر أراه (يقول) يعنى النبى ﷺ (مهل أهل المدينة من ذى الحليفة - الحديث) والمعنى أن أبا الزبير سمع بعض الناس يسأل جابرا عن مواضع إحرام الحجاج من جميع الجهات، فقال جابر سمعت ثم وقف عن الكلام، ثم قال أراه أى أظن أن النبى ﷺ قال مهل أهل المدينة من ذى الحليفة الخ. وأما قوله يريد النبى ﷺ فهو من كلام أبى الزبير يفسر به رجوع الضمير الى النبى ﷺ فى قول جابر أراه يعنى مرفوعا إلى النبى ﷺ (قال النووى) ﵀ لا يحتج بهذا الحديث مرفوعا لكونه لم يجزم برفعه (١) هو الجبل الصغير. وقيل العرق من الأرض السبخة تنبت الطرفاء وبينها وبين مكة اثنان وأربعون ميلا، وهذا صريح فى كونه ميقات أهل العراق، لكن قال النووى إنه غير ثابت لعدم جزمه برفعه (وأجيب) بأن قوله أراه أو أحسبه كما فى رواية لمسلم معناه أظنه، والظن فى باب الرواية يتنزل منزلة اليقين وليس ذلك قاد حافى رفعه، وأيضا فلو لم يصرح برفعه لا يقينا ولا ظنا فهو منزل منزلة المرفوع، لأن هذا لا يقال من قبل الرأى، وإنما يؤخذ توقيفا من الشارع، لا سيما وقد ضمه جابر إلى المواقيت المنصوص عليها يقينًا باتفاق، وقد أخرجه الأمام أحمد من رواية ابن لهيعة كما فى الطريق الثانية؛ وابن ماجه من رواية ابراهيم بن يزيد كلاهما عن أبى الزبير ولم يشكا فى رفعه، ووقع فى حديث عائشة عند أبى داود والنسائى بأسناد صحيح كما قاله النووى أن "رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق" لكن الأمام أحمد كان ينكر على أفلح بن حميد هذا الحديث، نعم قال ابن عدى قد حدث عنه ثقات الناس وهو عندى صالح وأحاديثه مستقيمة كلها وصححه الذهبى، وقال العراقى إن اسناده جيد، وروى الدارقطنى والأمام أحمد وسيأتى بعد هذا من حديث الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال "وقت رسول الله ﷺ فذكر الحديث" وسيأتى بلفظه، وفيه قال "ولأهل العراق ذات عرق" فهذه الأحاديث وإن كانت لا تخلوا من مقال، فمجموعها لا يقصر عن درجة الاحتجاج، وقد قال ذلك غير واحد
[ ١١ / ١٠٩ ]
-[تحديد تهامة والعقيق - وحجة القائلين بأن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق]-
طريقٍ ثانٍ) عن ابن لهيعة ثنا أبو الزُّبير قال سألت جابرًا عن المهلِّ قال سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول مهلُّ أهل المدينة من ذى الحليفة فذكره باللَّفظ المتقدِّم
(٧٤) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال وقَّت رسول الله ﷺ لاهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشَّام الجحفة، ولأهل اليمن وأهل تهامة يلملم، ولأهل الطَّائف وهى نجد قرنًا، ولأهل العراق ذات عرقٍ
(٧٥) عن ابن عبَّاس ﵄ قال وقَّت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لأهل المشرق العقيق
_________________
(١) من أئمة الحديث والله أعلم (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ثما ابن لهيعة - الحديث" (٢) هنا صرح بالسماع فالحديث مرفوع بلا شك (تخريجه) أخرج الطريق الأولى منه مسلم، ولكن بالشك فى رفعه كما هنا، وأخرج الطريق الثانية ابن ماجه بغير شك وفى اسناده ابن لهيعة ضعيف
(٢) عن عمرو بن شعيب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا حجاج عن عطاء عن جابر. وعن أبى الزبير عن جابر. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - الحديث" (غريبه) (٣) بكسر التاء المثناة، هى أرض أولها ذات عرق من قبل نجد إلى مكة وما وراءها بمرحلتين أو أكثر، ثم تتصل بالغور وتأخذ الى البحر، ويقال إن تهامة تتصل بأرض اليمن وإن مكة من تهامة اليمن، والنسبة اليها تهامى وتهام أيضا بالفتح. قاله فى المصباح (تخريجه) (قط) وفى إسناده الحجاج بن أرطاة فيه كلام قال الهيثمى. وقد وثق
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا سفيان عن يزيد بن أبى زياد عن محمد بن على بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (٤) هو واد وراء ذات عرق مما يلى المشرق، قال الأمام أبو منصور الأزهرى فى تهذيب اللغة يقال لكل مسيل ماء شقه السيل فأنهره ووسعه عقيق. قال وفى بلاد العرب أربعة أعقه، وهى أودية عادية. منها عقيق يدفق ماؤه فى غور ثهامة وهو الذى ذكره الشافعى فقال لو أهلوا من العقيق كان أحب إلى (تخريجه) (د. مذ) وقال
[ ١١ / ١١٠ ]
-[حجة القائلين بجواز الأحرام قبل الميقات - وفضل الأحرام من بيت المقدس]-
(٧٦) عن عبد الله بن الزُّبير ﵄ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وقَّت لأهل نجد قرنًا
(٧٧) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة عن أمِّ حكيمٍ السَّلميَّة عن أم سلمة زوج النَّبي ﷺ ورضي عنها أنَّ رسول الله ﷺ قال من أحرم من بيت المقدس غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه (ومن طريقٍ ثانٍ) عن يحيى بن أبى سفيان الأخنسىِّ عن أمِّه أمِّ حكيم بنة أمية بن الأخنس عن أمِّ سلمة زوج النبيَّ ﷺ ورضى عنها قالت سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول من أهلَّ من المسجد الأقصى بعمرةٍ أو بحجةٍ غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه، قال فركبت أمُّ حكيمٍ عند ذلك
_________________
(١) حديث حسن (قال النووى) فى شرح المهذب وليس كما قال فانه من رواية يزيد بن زياد وهو ضعيف باتفاق المحدثين اهـ. وقال الخطابى الحديث فى العقيق أثبت منه فى ذات عرق والله أعلم
(٢) عن عبد الله بن الزبير (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو كامل ثنا حماد يعنى ابن سلمة عن أيوب عن عبد الله بن الزبير ﵄ - الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وأورده الهيثمى وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أيوب بن أبى تميمة لم يسمع من ابن الزبير
(٣) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ثنا ابن لهيعة قال ثنا جعفر بن ربيعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة - الحديث" (غريبه) (١) هى بنت أمية بنت الأخنس كما فى الطريق الثانية (٢) تقدم غير مرة الكلام فى تكفير الذنوب بالأعمال الصالحة والخلاف فى ذلك، وفيه فضيلة الأحرام من بيت المقدس، لأن له مزايا عديدة لا توجد فى غيره (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب قال حدثنى أبى عن ابن إسحاق قال حدثنى سليمان بن سحيم مولى آل جبير عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي - الحديث"
[ ١١ / ١١١ ]
-[تحديد التنعيم وأنه ميقات العمرة لمن بمكة]-
الحديث إلى بيت المقدس حتَّى أهَّلت بعمرةٍ
(٧٨) عن عبد الرَّحمن بن أبى بكر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ ارحل هذه النَّاقة، ثمَّ أردف أختك فإذا هبطتما من أكمة التَّنعيم فأهلاَّ وأقبلا، وذلك ليلة الصَّدر (وعنه من طريقٍ ثانٍ) بنحوه وفيه فإذا هبطت بها من الأكمة فلتحرم فإنَّها عمرة متقبَّلة
_________________
(١) (غريبه) (١) أي عندما سمعت هذا الحديث لتحوز هذه المزية العظمى، وسيأتى الكلام عليه فى الأحكام (تخريجه) (د. جه. هق) وغيرهم قال النووى وإسناده ليس بالقوى (قلت) إسناده عند الأمام أحمد لا بأس به والله أعلم
(٢) عن عبد الرحمن بن أبى بكر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على بن اسحاق أنبأنا عبد الله يعنى ابن المبارك أنبأنا زكريا بن اسحاق عن ابن أبى نجيح أن أباه حدثه أنه أخبره من سمع عبد الرحمن بن أبى بكر يقول قال رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (٢) أى شد عليها رحلها يقال رحلت البعير رحلا من باب نفع شددت عليه رحله، وتقدم شرحه، وهو للبعير كالسرج للفرس (٣) أى اجعلها خلفك على ظهر الناقة؛ والرديف الذى تجعله خلفك على ظهر الدابة، تقول أردفته اردافا، وفيه جواز إرداف المرأة مع الرجل إذا كانت محرما له (٤) الأكمة بفتحات تل وقيل شرفة كالرابية وهو ما اجتمع من الحجارة فى مكان واحد، وربما غلظ وربما لم يغلط، والجمع أكم وأكمات مثل قصبة وقصب وقصبات، وجمع الأكم إكام مثل جبل وجبال وجمع الأكام أكم بضمتين مثل كتاب وكتب وجمع الأكم آكام مثل عنق وأعناق (مصباح) والتنعيم موضع قريب من مكة وهو أقرب أطراف الحل الى مكة، ويقال بينه وبين مكة أربعة أميال ويعرف بمساجد عائشة، وتقدم الكلام عليه بأطول من هذا فى باب جواز العمرة فى جميع أشهر السنة صحيفة ٥٣ فى الشرح (٥) بفتحات أى ليلة سفرهم من مكة الى المدينة بعد انقضاء نسكهم (٦) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا داود بن مهران الدباغ حدثنا داود يعنى العطار عن ابن خثيم عن يوسف بن ماهك عن حفصة بنة عبد الرحمن ابن أبى بكر الصديق عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال لعبد الرحمن أردف أختك يعنى عائشة فأعمرها من التنعيم فاذا هبطت بها - الحديث" (تخريجه) (ق. وغيرهما)
[ ١١ / ١١٢ ]
-[زوائد الباب - واتفاق الأئمة على مشروعية المواقيت]-
_________________
(١) من مسند عائشة بألفاظ مختلفة. وفى الطريق الأولى من حديث الباب رجل لم يسم (زوائد الباب) (عن نافع عن ابن عمر) ﵄ قال لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنا وهو جور عن طريقنا وإنا إن أردنا قرنا شق علينا، قال فانظروا حذوها من طريقكم؛ فحد لهم ذات عرق رواه البخارى (وقوله المصران بالتثنية) المراد بهما البصرة والكوفة (وعن عائشة) ﵂ أن النبى ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق (د. نس) وسكت عنه أبو داود والمنذرى فهو صالح (وعن أنس بن مالك) ﵁ أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدائن العقيق. ولأهل البصرة ذات عرق. ولأهل المدينة ذا الحليفة. ولأهل الشام الجحفة (طب) وفيه أبو ظلال هلال بن يزيد وقفه ابن حيان وضعفه جمهور الأئمة وبقية رجاله رجال الصحيح (وعن الحارق بن عمرو) قال أتيت رسول الله ﷺ وهو بمنى أو بعرفات ووقت لأهل اليمن يلملم أن يهلوا منها (طب) ورجاله ثقات (وعن ابن عباس ﵄) أن النبى ﷺ قال لا تجاوز الموقت إلا باحرام (طب) وفيه خصيف وفيه كلام قد وثقه جماعة (وعن ابن عمر) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من أحرم من بيت المقدس دخل مغفورا له (قال الهيثمى) هكذا وجدته فى نسختين، رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه غالب بن عبد الله العقيلى وهو متروك (وعن الحسن) أن عمران بن حصين ﵁ أحرم من البصرة، فلما قدم على عمر وكان قد بلغه ذلك أغلظ له وقال يتحدذ الناس أن رجلا من أصحاب النبى ﷺ أحرم من مصر من الأمصار (طب) ورجاله رحال الصحيح الا أن الحسن لم يسمع من عمر (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية المواقيت المذكورة فيها، وقد أجمع العلماء على ذلك، وحكمها الوجوب عند جمهور العلماء، منهم (الأئمة الأربعة) بحيث لو تركها وأحرم بعد مجاوزتها أثم ولزمه دم وصح حجه (وقال عطاء والنخعى) لا شاء عليه (وقال سعيد بن جبير) لا يصح حجه (قال النووى) وفائدة المواقيت أن من أراد حجا أو عمرة عليه مجاوزتها بغير احرام ولزمه الدم (قال أصحابنا) فان عاد الى الميقات قبل التلبس بنسك سقط عنه الدم، وفى المراد بهذا النسك خلاف منتشر (وأما من لا يريد حجا ولا عمرة) فلا يلزمه الأحرام لدخول مكة على الصحيح من مذهبنا سواء دخل لحاجة تتكرر كحطَّاب وحشّاش وصياد ونحوهم أو لا تتكرر كتجارة وزيارة (وأما من مر بالميقات) غير مريد دخول الحرم بل لحاجة دونه ثم بدا له أن يحرم فيحرم من موضعه الذى بدا له فيه، فان جاوزه بلا إحرام ثم أحرم أثم ولزمه الدم؛ وان أحرم من الموضع الذى بدا له أجزأه ولا دم عليه ولا يكلف
[ ١١ / ١١٣ ]
-[اختلاف الأئمة في ميقات العراق وأدلاء كل بحجته والجمع بين ذلك]-
_________________
(١) الرجوع إلى الميقات. هذا مذهبنا ومذهب الجمهور (وقال أحمد واسحاق) يلزمه الرجوع الى الميقات اهـ. وقد اتفق العلماء أن رسول الله ﷺ نص على الأربعة مواقيت المذكورة فى حديث ابن عباس الأول من أحاديث الباب (واختلفوا) فى ذات عرق هل صرت ميقاتا لأهل العراق بتوقيت النبى ﷺ ونصه. أم باجتهاد عمر بن الخطاب ﵁ كما هو صريح فى صحيح البخارى وهو الحديث الأول من أحاديث الزوائد؟ (قال صاحب المهذب) انه لم ينص عليه النبى ﷺ بل هو اجتهاد من عمر نص على ذلك الشافعى فى الأم، ووجهه ما روى عن ابن عمر قال لما فتح هذان المصران فذكر الحديث اهـ (قلت) هذا الحديث هو الأول من أحاديث الزوائد (وذهبت الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية) الى أنه منصوص عليه. محتجين بحديثى جابر وعمرو بن شعيب. والحديث الثانى لابن عباس من أحاديث الباب، وبحديثى أنس وعائشة المذكورين فى الزوائد (قال النووى) فى شرح المهذب وهو الصحيح عند جمهور أصحابنا أنه منصوص عليه من النبى ﷺ، وممن صرح بتصحيحه الشيخ أبو حامد فى تعليقه. والمحاملى فى كتابيه المجموع والتجريد. وصاحب الحاوى واختاره القاضى أبو الطيب فى تعليقه. وصاحب الشامل وغيرهما (قال الرافعى) واليه ميل الأكثرين (ورجح جماعة) كونه مجتهدا فيه، منهم القاضى حسين، وإمام الحرمين. وغيرهما وقطع به الغزالى فى الوسيط (قال إمام الحرمين) الصحيح أن عمر وقته قياسا على قرن ويلملم قال والذى عليه التعويل أنه باجتهاد عمر (وذكر القاضى أبو الطيب) فى تعليقه أن قول الشافعى قد اختلف فى ذات عرق، فقال فى موضع هو منصوص عليه، وفى موضع ليس منصوصا عليه (وممن قال إنه مجتهد فيه) من السلف طاوس وابن سيرين وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وحكاه البيهقى وغيره (وممن قال من السلف إنه منصوص عليه) عطاء بن أبى رباح وغيره، وحكاه ابن الصباغ عن (أحمد وأصحاب أبى حنفة) واحتج من قال إنه مجتهد فيه بحديث ابن عمر لما فتح المصران (واحتج) القائلون بأنه منصوص عليه بالأحاديث السابقة عن النبى ﷺ. يعنى المنصوص فيها أن ذات عرق ميقات العراق، وتقدم بعضها فى أحاديث الباب وبعضها فى الزوائد (قال النووى) قالوا وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوى بعضه بعضا ويصير الحديث حسنا ويحتج به، ويحمل تحديد عمر ﵁ باجتهاده على أنه لم يبلغه تحديد النبى ﷺ فحدده باجتهاده فوافق النص، وكذا قال الشافعى فى أحد نصية السابقين إنه مجتهد فيه لعدم الحديث عنده، وقد اجتمعت طرقه عند غيره فقوى وصار حسنا والله أعلم اهـ (قال الحافظ) لعل من قال إنه غير منصوص لم يبلغه أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق منها لا يخلو عن مقال، قال لكن الحديث
[ ١١ / ١١٤ ]
-[اختلاف العلماء في ميقات أهل العراق هل هو العقيق أو ذات عرق والجمع بين ذلك]-
_________________
(١) بمجموع الطرق يقوى (وممن قال بأنه غير منصوص) وإنما أجمع عليه الناس طاوس وبه قطع الغزالى والرافعى فى شرح المسند "يعنى مسند الشافعى" والنووى فى شرح مسلم وكذا وقع فى المدونة لمالك (وممن قال بأنه منصوص عليه) الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية والرافعى فى الشرح الصغير. والنووى فى شرح المهذب. وقد أعله بعضهم بأن العراق لم تكن فتحت حينئذ، قال ابن عبد البر هى غفلة، لأن النبى ﷺ وقت المواقيت لأهل النواحى قبل الفتوح لكونه علم أنها ستفتح، فلا فرق فى ذلك بين الشام والعراق، وبهذا أجاب الماوردى وآخرون، وقد ورد ما يعارض أحاديث الباب فأخرج أبو داود والترمذى (قلت والأمام أحمد فى أحاديث الباب) عن ابن عباس أن النبى ﷺ وقت لأهل المشرق العقيق وحسنه الترمذى، ولكن فى اسناده يزيد بن أبى زياد (قال النووى) ضعيف باتفاق المحدثين (قال الحافظ) فى نقل الاتفاق نظر يعرف من ترجمته، ويريد المذكور أخرج حديثه أهل السنن الأربع ومسلم مقرونًا بآخر، قال شعبة لا أبالى إذا كتبت عن يزيد أن لا أكتب عن أحد، وهو من كبار الشيعة وعلمائها، ووصفه فى الميزان بسوء الحفظ، وقد جمع بين هذا الحديث وبين ما قبله بأوجه (منها) أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب لأنه أبعد من ذات عرق (ومنها) أن العقيق ميقات لبعض العراقيين وهم أهل المدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة، ووقع ذلك فى حديث أنس عند الطبرانى وإسناده ضعيف (ومنها) أن ذات عرق كانت أولا فى موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة، فعلى هذا فذات عرق والعقيق شاء واحد اهـ بتصرف واختصار (قال ابن المنذر) واختلفوا فى المكان الذى يحرم منه من أتى من العراق على ذات عرق، فكان أنس يحرم من العقيق، واستحب ذلك الشافعى (وكان مالك واسحاق وأحمد وأبو ثور) وأصحاب الرأى يرون الأحرام من ذات عرق، وقال أبو بكر الأحرام من ذات عرق يجزاء وهو من العقيق أحوط، وقد كان الحسن بن صالح يحرم من الربذة، وروى ذلك عن خصيف والقاسم بن عبد الرحمن (وفى أحاديث الباب أيضا) دلالة على أن من كان من أهل مكة وأراد الحج فميقاته من مكة نفسها، وتقدم الكلام على ذلك فى شرح الحديث الأول من أحاديث الباب، وإن أراد العمرة فميقاته من أدنى الحل (وفضَّل الأمام الشافعى وأصحابه) الأحرام بالعمرة من الجعرانة لأنه ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة وتقدم صحيفة ٦٨ رقم ٦٢ من حديث محرش الكعبى، وسيأتى فى باب طواف القدوم والرمل عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من جعرانة فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا، قالوا فان أخطأ الجعرانة فمن التنعيم، لأن النبى ﷺ أعمر عائشة من التنعيم كما فى حديث الباب عن عبد الرحمن بن أبى بكر، وقد تقدم الكلام في الإحرام بالعمرة
[ ١١ / ١١٥ ]
-[كلام العلماء فيمن أحرم قبل الميقات أو بعده - تتمة في مواقيت الحج الزمانية]-
_________________
(١) من التنعيم ومذاهب العلماء فيه صحيفة ٥٧ فى أحكام باب جواز العمرة فى أشهر السنة فارجع اليه إن شئت (وقد استدل بحديث أم سلمة) المذكور فى الباب على استحباب تقديم الأحرام على الميقات، ويؤيد ذلك ما أخرجه الأمام الشافعى فى الأم عن عمر والحاكم فى المستدرك بأسناد قوى عن على ﵄ أنهما قالا إتمام الحج والعمرة فى قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ أن تحرم لهما من دويرة أهلك، بل ثبت ذلك مرفوعا من حديث أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فى قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ قال إن من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك، وهو المشهور عن عمر وعلى ﵄ (وبه قال الأمام أبو حنيفة وهو قول للأمام الشافعى) وصححه الرافعى، وحكاه ابن المنذر عن علقمة والأسود وعبد الرحمن وأبى اسحاق والبيهقى (قال ابن المنذر) وثبت أن ابن عمر أهلَّ من ايلياء وهو بيت المقدس (وذهب الأمامان مالك وأحمد) إلى أن الأفضل أن يحرم من الميقات، وبه قال عطاء والحسن البصرى واسحاق، وروى عن عمر بن الخطاب، حكاه ابن المنذر عنهم كلهم (وهو قول للأمام الشافعى) وصححه النووى قال وهو موافق للأحاديث الصحيحة "هن وقت لأهلهن ولمن مر بهن من غير أهلهن" أما من كان مسكنه بين مكة والميقات فميقاته موضعه (وبه قال الأئمة الأربعة) وطاوس وأبو ثور والجمهور، وقال مجاهد يحرم من مكة. ودليل الجمهور حديث ابن عباس المذكور أول الباب والله أعلم (تنبيه) حكى الأمام الشافعى وابن المنذر رحمهما الله عن ابن عمر ﵄ أنه أحرم من الفرع (بضم الفاء وإسكان الراء) وهو بلاد بين مكة والمدينة بين ذى الحليفة وبين مكة، فتكون دون ميقات المدنى وابن عمر مدنى، وهذا ثابت عن ابن عمر، رواه الأمام مالك فى الموطأ بأسناده الصحيح، وتأوله الأمام الشافعى وأصحابه تأويلين (أحدهما) أن يكون خرج من المدينة إلى الفرع لحاجة ولم يقصد مكة ثم أراد النسك فان ميقاته مكانه (والثانى) أنه كان بمكة فرجع قاصدًا الى المدينة، فلما بلغ الفرع بدا له أن يرجع الى مكة فميقاته مكانه والله أعلم (تتمة فى مواقيت الحج الزمانية) اعلم أرشدنى الله واياك أن للحج مواقيت زمانية كما له مواقيت مكانية، وقد علمت المكانية وما فيها من الأحكام (أما الزمانية) فهى أشهر معلومة يكون الأحرام بالحج فيها، والأصل فى ذلك قول الله ﷿ ﴿الحج أشهر معلومات﴾ قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره اختلف أهل العربية فى قوله تعالى ﴿الحج أشهر معلومات﴾ فقال بعضهم تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الأحرام بالحج فيها أكمل من الأحرام فيما عداها وان كان ذاك صحيحا، والقول بصحة الأحرام فى جميع السنة (مذهب مالك وأبي حنيفة
[ ١١ / ١١٦ ]
-[تعيين أشهر الحج واختلاف المذاهب في الأحرام في غيرها]-
_________________
(١) وأحمد بن حنبل) واسحاق بن راهويه؛ وبه يقول ابراهيم النخعى والثورى والليث ابن سعد، واحتج لهم بقوله تعالى ﴿يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج﴾ وبأنه أحد النسكين فصح الاحرام به فى جميع السنة كالعمرة (وذهب الشافعى) ﵀ الى أنه لا يصح الأحرام بالحج الا فى أشهره مروى عن ابن عباس وجابر وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد رحمهما الله، والدليل عليه قوله ﷿ ﴿الحج أشهر معلومات﴾ وظاهره التقدير الآخر الذى ذهب اليه النحاة، وهو أن وقت الحج أشهر معلومات، فخصصه بها بين سائر شهور السنة، فدل على أنه لا يصح قبلها كميقات الصلاة (وقال الشافعى) ﵀ أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج أخبرنى عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لا ينبغى لا حد يحرم بالحج الا فى شهور الحج من أجل قول الله تعالى ﴿الحج أشهر معلومات﴾ وكذا (رواه ابن أبى حاتم) بسنده عن ابن جريج به (ورواه ابن مردويه) فى تفسيره من طريقين عن حجاج بن أرطاة عن الحكم بن عيينة عن مقسم عن ابن عباس أنه قال من السنة أن لا يحرم بالحج الا فى أشهر الحج (وقال ابن خزيمة فى صحيحه) حدثنا أبو كريب حدثنا أبو خالد الأحمر عن شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال لا يحرم بالحج الا فى أشهر الحج فان من سنة الحج أن يحرم بالحج فى أشهر الحج، وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابى من السنة كذا فى حكم المرفوع عند الاكثرين ولا سيما قول ابن عباس تفسيرًا للقرآن وهو ترجمانه (وقد ورد فيه حديث مرفوع) عند ابن مردويه بسنده عن جابر عن النبى ﷺ قال "لا ينبغى لأحد أن يحرم بالحج إلا فى أشهر الحج" وإسناده لا بأس به (لكن رواه الشافعى والبيهقى) من طرق عن ابن جريج عن أبى الزبير أنه سمع جابر ابن عبد الله ﵄ يسأل أيهل بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال لا؛ وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع ويبقى حينئذ مذهب صحابى يتقوى بقول ابن عباس من السنة أن لا يحرم بالحج إلا فى أشهره. والله أعلم (وقوله أشهر معلومات) قال البخارى. قال ابن عمر هى شوال وذو القعدة. وعشر من ذى الحجة، وهذا الذى علقه البخارى بصيغة الجزم رواه ابن جرير موصولا بسند صحيح عن ابن عمر "الحج أشهر معلومات" قال شوال وذو القعدة وعشر من ذى الحجة (ورواه الحاكم) عن ابن عمر أيضا بسند قال هو على شرط الشيخين قال الحافظ ابن كثير وهو مروى عن عمر. وعلى. وابن مسعود. وعبد الله بن الزبي. وابن عباس. وعطاء. وطاوس. ومجاهد وابراهيم النخعى. والشعبى. والحسن. وابن سيرين. ومكحول. وقتادة. والضحاك بن مزاحم. والربيع بن أنس. ومقاتل بن حيان (وهو مذهب الشافعى وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل وأبى يوسف وأبى ثور) ﵏
[ ١١ / ١١٧ ]
-[اختلاف المذاهب في أشهر الحج هل هي ثلاثة كاملة أو شهران وبعض الثالث]-
(٢) باب اختلاف الصحابة ﵃ فى المكان الذي أهل عنه النبي ﷺ
(٧٩) عن سعيد بن جبيرٍ قال قلت لعبد الله بن عبَّاس ﵄ يا أبا العبَّاس عجبًا لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ فى إهلال رسول الله
_________________
(١) واختار هذا القول ابن جرير، قال وصح اطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب كما تقول العرب رأيته اليوم، وإنما وقع ذلك فى بعض العام واليوم، وكقوله تعالى ﴿فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه﴾ وإنما تعجل فى يوم ونصف يوم (وقال الأمام مالك بن أنس والشافعى فى القديم) شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله وهو رواية عن ابن عمر أيضا رواه ابن جرير بسنده عنه. قال شوال وذو القعدة وذو الحجة (وقال ابن أبى حاتم) فى تفسيره حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرنى ابن جريج قال قلت لنافع أسمعت عبد الله بن عمر يسمى شهور الحج؟ قال نعم، كان عبد الله يسمى شوالا وذا القعدة وذا الحجة، قال ابن جريج وقال ذلك "ابن شهاب. وعطاء. وجابر بن عبد الله" صاحب النبى ﷺ. وهذا إسناد صحيح الى ابن جريج، وقد حكى هذا أيضا عن طاوس. ومجاهد وعروة ابن الزبير والربيع بن أنس وقتادة وجاء فيه حديث مرفوع ولكنه موضوع "وفائدة مذهب مالك" أنه إلى آخر ذى الحجة بمعنى أنه مختص بالحج فيكره الاعتمار فى بقية ذى الحجة لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر (فقد روى ابن أبى حاتم) بسند صحيح عن طارق بن شهاب قال قال عبد الله الحج أشهر معلومات ليس فيها عمرة، قال ابن جريج وإنما أراد من ذهب الى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة إنما هى للحج وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى كما قال محمد بن سيرين ما أحد من أهل العلم يشك فى أن عمرة فى غير أشهر الحج أفضل من عمرة فى أشهر الحج، وقال ابن عون سألت القاسم بن محمد عن العمرة فى أشهر الحج فقال كانوا لا يرونها تامة (قال الحافظ) ابن كثير وقد ثبت عن عمر وعثمان ﵄ أنهما كانا يحبان الاعتمار فى غير أشهر الحج وينهيان عن ذلك فى أشهر الحج والله اعلم اهـ (قلت) تقدم ان العمرة جائزة فى جميع أشهر السنة قبل الحج وبعده ومعه وهو ترجمة باب تقدم صحيفة ٥١ وتكلمنا هناك بما فيه الكفاية والله الموفق
(٢) عن سعيد بن جبير (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن اسحاق ثنا خصيف بن عبد الرحمن الجزرى عن سعيد بن جبير - الحديث" (غريبه) (١) أى إحرامه (وقوله أوجب) أي أوجب على نفسه بإحرامه اجتناب
[ ١١ / ١١٨ ]
-[حديث ابن عباس في الجمع بين مختلف الأحاديث في مكان إهلال النبي ﷺ]-
ﷺ حين أوجب، فقال إنِّى لأعلم النَّاس بذلك، إنَّها إنَّما كانت من رسول الله ﷺ حجَّة واحدة فمن هنالك اختلفوا، خرج رسول الله ﷺ حاجًّا، فلمَّا صلَّى فى مسجده بذى الحليفة ركعتيه أوجب فى مجلسه، فأهلَّ بالحجِّ حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا عنه ثمَّ ركب فلمَّا استقلت به ناقته أهلَّ، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أنَّ النَّاس إنَّما كانوا يأتون أرسالًا فسمعوه حين استقلَّت به ناقته يهلُّ فقالوا إنَّما أهلَّ رسول الله ﷺ حين استقلَّت به ناقته، ثمَّ مضى رسول اله ﷺ فلمَّا علا على شرف البيداء أهلَّ، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا إنَّما أهلَّ رسول الله ﷺ حين علا على شرف البيداء وأيم الله لقد أوجب في مصلاَّه، وأهلَّ حين استقلَّت به ناقته، وأهلَّ حين علا على شرف البيداء، فمن أخذ بقول عبد الله بن عبَّاس
_________________
(١) ما يجتنبه المحرم والتزم ذلك، ويحتمل أيضا أنه أوجب لنفسه الجنة والثواب عند الله تعالى باحرامه، حتى لو مات وهو محرم قبل إتمام الحج كتب له ثواب الحج وجاء يوم القيامة ملبيا كما ورد فى صحاج الأحاديث (١) أى نقلوا عنه أنه ﷺ أهل بذلك المكان بعد فراغه من صلاة ركعتيه بمسجد ذى الحليفة (٢) أى فلما نهضت برسول الله ﷺ ناقته وارتفعت وتعالت (أهل) يعنى لبى (٣) بفتح الهمزة أى جماعات متتابعين (٤) أى لان مجيئهم صادف إهلاله وهو على ناقته فظنوا أنه لم يهل إلا فى ذلك الوقت، فنقلوا عنه ﷺ أنه أهل حين استقلت به راحلته لأنهم لم يسمعوا إهلاله بالمسجد (٥) أى أعلى مكان فيها (والبيداء) مكان قريب من ذى الحليفة فوق علميها (أى علمى ذى الحليفة) لمن صعد من الوادى، قاله أبو عبيد البكرى وغيره (٦) أى لأن مجيئهم صادف إهلاله حين علا على شرف البيداء فظنوا أنه لم يهل إلا فى هذا المكان، فنقلوا عنه أنه ﷺ إنما أهل فى هذا المكان لأنهم لم يروا إهلاله السابق (٧) هذه الجملة من كلام سعيد بن جبير كما صرح بذلك فى رواية أبى داود بلفظ "قال سعيد فمن أخذ بقول ابن عباس الخ" ومعناه أن من بلغه قول ابن عباس من أهل المدينة ومن على ميقاتها أهل من ذى الحليفة بعد فراغه من صلاة الركعتين
[ ١١ / ١١٩ ]
-[حجة القائلين بأن احرام النبي ﷺ كان وهو على البيداء]-
أهلَّ في مصلاَّه إذا فرغ من ركعتيه
(٨٠) عن أنس بن مالكٍ ﵁ أنَّ النَّبىَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم صلَّي الظُّهر ثمَّ ركب راحلته فلمَّا علا جبل البيداء أهلَّ
(٨١) عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ قال كان ابن عمر يقول هذه البيداء التَّى يكذبون فيها على رسول الله ﷺ والله ما أحرم النَّبيُّ
_________________
(١) سنة الإحرام لأنه كان مع رسول الله ﷺ عند خروجه من المدينة وحفظ ذلك عنه ومن حفظ حجة على من لم يحفظ (تخريجه) (د) قال المنذرى فى إسناده خصيف بن عبد الرحمنم الحرانى وهو ضعيف اهـ (قلت) قال فى الخلاصة ضعفه أحمد ووثقه ابن معين وأبو زرعة، وقال ابن عدى إذا حدث عنه ثقة فلا بأس به اهـ (قلت) ورواه الحاكم فى المستدرك عن أحمد بن جعفر القطيعى عن عبد الله بن الأمام أحمد عن أبيه بسند حديث الباب ولفظه، ثم قال هذا حديث صحيح على شرط مسلم مفسر فى الباب ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبى، وقول الحاكم (مفسر فى الباب) يريد أنه مفسر لغيره من الأحاديث الواردة فى الباب
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا أشعث عن الحسن عن أنس بن مالك - الحديث (غريبه) (١) يعنى بذى الحليفة (٢) هذه الرواية تشعر بأنه ﷺ لم يهل إلا بعد صعوده جبل البيداء، وقد علمت من حديث ابن عباس المتقدم أنه ﷺ أهل من ذى الحليفة عقب صلاة الركعتين بمسجد ذى الحليفة، ولعل أنسا ﵁ لم يسمع إهلاله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالمسجد، وإنما سمعه على جبل البيداء فأخبر بما سمع والله تعالى أعلم (تخريجه) (د. نس) وسكت عنه أبو داود والمنذرى ورجال إسناده رجال الصحيح إلا أشعث بن عبد الملك الحمرانى وهو ثقة، والله ﷾ أعلم
(٣) عن سالم بن عبد الله بن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن موسى بن عقبة عن سالم - الحديث" (غريبه) (٣) قال النووى قال العلماء هذه البيداء هى الشرف الذى قدام ذى الحليفة إلى جهة مكة، وهى بقرب ذى الحليفة، وسميت بيداء لأنه ليس فيها بناء ولا أثر، وكل مفازة تسمى بيداء، وأما هنا فالمراد بالبيداء ما ذكرناه اهـ (وقوله يكذبون فيها) أى يقولون إنه ﷺ أحرم منها، ولم يحرم منها
[ ١١ / ١٢٠ ]
-[إنكار ابن عمر أن النبي ﷺ أحرم من البيداء - وإنما أحرم من مسجد ذى الحليفة]-
ﷺ إلاَّ من عند المسجد (زاد فى روايةٍ) يعنى مسجد ذى الحليفة (وعنه من طريقٍ ثانٍ) قال كان ابن عمر إذا ذكر عنده البيداء يسبُّها ويقول إنَّما أحرم رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم من ذى الحيفة
(٨٢) عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا أدخل رجله فى الغرز واستوت به ناقته قائمةً أهلَّ من مسجد ذي الحليفة
_________________
(١) وإنما أحرم قبلها من عند مسجد ذى الحليفة ومن عند الشجرة التى كانت هناك وكانت عند المسجد، وسماهم ابن عمر كاذبين لأنهم أخبروا بالشئ على خلاف ما هو، والكذب عند أهل السنة هو الأخبار عن الشئ بخلاف ما هو، سواء تعمده أم غلط فيه أو سها، وقالت المعتزلة يشترط فيه العمدية، وعندنا أن العمدية شرط لكونه إنما لا يكونه يسمى كذبا، فقول ابن عمر جار على قاعدتنا، وفيه أنه لا بأس باطلاق هذه اللفظة اهـ (١) ثبتت هذه الزيادة عند مسلم وأبى داود (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا مؤمل حدثنا سفيان عن موسى بن عقبة عن سالم قال كان ابن عمر- الحديث (٣) إنما كان يسبها لأن الناس جعلوها ميقاتًا لأحرام النبى صل الله عليه وسلم وليست كذلك، وإنما الميقات من ذى الحليفة كما ثبت فى باب المواقيت (تخريجه) أخرج الطريق الأولى منه الشيخان وأبو داود والنسائى وغيرهم، والطريق الثانية لم أقف على من أخرجها وسندها جيد
(٢) عن نافع عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن عبيد عن نافع عن ابن عمر- الحديث" (غريبه) (٤) بفتح الغين المعجمة ثم راء ساكنة ثم زاى، وهو ركاب كور البعير إذا كان من جلد أو خشب، وقيل هو الكور مطلقا كالركاب للسرج (تخريجه) (م. وغيره) (زوائد الباب) (عن جابر ابن عبد الله) ﵄ قال أراد النبى صلى الله عليه سلم الحج أذَّن فى الناس فاجتمعوا، فلما أتى البيداء أحرم (مذ) وقال حديث حسن صحيح (وعن عائشة بنت سعد بن أبى وقاص) قالت قال سعد بن أبى وقاص كان نبى الله ﷺ إذا أخذ طريق الفرع أهلَّ إذا استقلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أحد أهل إذا أشرف على جبل البيداء (د) قال المنذرى فى إسناده محمد بن اسحاق بن يسار اهـ (قلت) هو ثقة لكنه مدلس، وقد روى هذا الحديث بالعنعنة لا بالتحديث، والمدلس إذا عنعن لا يحتج بحديثه (وعن عبد الله بن عمر) ﵄ قال رأيت رسول الله ﷺ ركب راحلته بذى الحليفة ثم يهل حين تستوي به
[ ١١ / ١٢١ ]
-[اختلاف الأدلة في المكان الذي أحرم منه النبي ﷺ والجمع بينها والمذاهب في ذلك]-
_________________
(١) قائمة (م) (الاحكام) أحاديث الباب مع الزوائد منها ما يدل على أن النبى ﷺ أهل من مسجده بذى الحليفة (ومنها) ما يدل على أن إهلاله ﷺ كان بعد ما استقلت به راحلته (ومنها) ما يدل على أنه كان بعد ما علا جبل البيداء (وفى بعضها) أنه ﷺ صلى الظهر "يعنى بذى الحليفة" ثم ركب راحلته، فلما علا جبل البيداء أهل، وهو حديث أنس المذكور فى الباب؛ ومثله عند مسلم من طريق أبى حسان عن ابن عباس أن النبى ﷺ صلى الظهر بذى الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج، لكن روى النسائي ما يخالف ذلك من طريق الحسن عن أنس أنه ﷺ صلى الظهر بالبيداء ثم ركب، وفى هذا تناقض واختلاف (أما الاختلاف) فى صلاة الظهر فطريق الجمع فيه أن يقال انه ﷺ صلى الظهر فى آخر ذى الحليفة وأول البيداء والله أعلم (وأما الاختلاف) فى مكان الأهلال فقد جمع بينه حديث ابن عباس المذكور أول الباب بأن الناس كانوا يأتون أرسالا جماعة بعد أخرى فرأى قوم شروعه ﷺ فى الأهلال بعد الفراغ من صلاته بمسجد ذي الحليفة فنقلوا عنه أنه أهل بذلك المكان، ثم أهل لما استقلت به راحلته، فسممه آخرون فظنوا أنه شرع فى الأهلال فى ذلك الوقت، لأنهم لم يسمعوا إهلاله بالمسجد فقالوا إنما أهل عندما استقلت به راحلته، ثم روى كذلك من سمعه يهل على شرف البيداء، وهذا يدل على أن الأفضل لمن كان ميقاته ذا الحليفة أن يهل فى مسجدها بعد فراغه من الصلاة ويكرر الأهلال عند ركوب دابته وعند مروره بشرف البيداء (قال الحافظ) وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف فى الأفضل اهـ (قلت) ذهب الأمامان (مالك والشافعى والجمهور) الى أن الأفضل أن يحرم اذا انبعث به راحلته لاتفاق أغلب الروايات فى المعنى وأصحها على أنه ﷺ أهل عند انبعاث راحلته، وانبعاثها هو استواؤها قائمة (وقال أبو حنيفة وأحمد وداود) يحرم عقب الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته وقبل قيامه (قال النووى) وهو قول ضعيف للشافعى وفيه حديث من رواية ابن عباس لكنه ضعيف اهـ (قلت) يشير الى حديث ابن عباس المذكور أول الباب وقد علمت ما فيه، وإنما ضعفوه لأن فى إسناده خصيف بن عبد الرحمن الحرانى وهو غير متفق على ضعفه، على أن النووى نفسه قال فى شرح المهذب، وأما قول البيهى إن خصيفا غير قوى فقد خالفه فيه كثيرون من الحفاظ والأئمة المتقدمين فى البيان فوثقه يحيى بن معين قوى إمام الجرح والتعديل ووثقه أيضا محمد بن سعد وقال النسائى فيه هو صالح اهـ (وفى أحاديث الباب) دلالة على أن التلبية لا تقدم على الأحرام (وفيها) استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الأحرام ويكونان نافلة (وإلى ذلك ذهب العلماء كافة) إلا ماحكاه
[ ١١ / ١٢٢ ]
-[كلام العلماء في استحباب الركعتين قبل الأحرام وأن الأحرام من الميقات أفضل من دويرة أهله]-
(٣) باب ما يصنع من أراد الاحرام من الغسل والطيب
(٨٣) عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بحطمىّ وأشنان ودهنه بشئٍ من زيت غير كثير
_________________
(١) القاضي عياض وغير عن الحسن البصرى أنه استحب كونهما بعد صلاة فرض، قال لأنه روى أن هاتين الركعتين كانتا بعد صلاة الصبح (قال النووى) والصواب ما قاله الجمهور وهو ظاهر الحديث (قال أصحابنا) وغيرهم من العلماء وهذه الصلاة سنة لو تركها فاتته الفضيلة ولا إثم عليه ولا دم اهـ (وفى أحاديث الباب أيضا) دلالة على أن ميقات أهل المدنية من عند مسجد ذى الحليفة ولا يجوز لهم تأخير الأحرام إلى البيداء، وبهذا قال جميع العلماء (وفيها) أن الأحرام من الميقات أفضل من دويرة أهله لأنه ﷺ ترك الأحرام من مسجده مع كمال شرفه (قال النووى) فان قبل إنما أحرم من الميقات لبيان الجواز، قلنا هذا غلط لوجهين (أحدهما) أن البيان قد حصل بالأحاديث الصحيحة فى بيان المواقيت (والثانى) أن فعل رسول الله ﷺ انما يحمل على بيان الجواز فى شئ يتكرر فعله كثيرا فيفعله مرة أو مرات على الوجه الجائز لبيان الجواز ويواظب غالبا على فعله على أكمل وجوهه، وذلك كالوضوء مرة ومرتين وثلاثًا كله ثابت، والكثير أنه ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثلا، وأما الأحرام بالحج فلم يتكرر، وانما جرى منه ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم مرة واحدة فلا يفعله غلا على أكمل وجوهه. والله أعلم اهـ
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا زكريا ابن عدى قال انا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عروة عن عائشة -الحديث" (غريبه) (١) بكسر الخاء المعجمة وفتحها وكسر الميم بينهما طاء مهملة ساكنة، نبات كالسدر يغسل به الرأس وغيره، وقد ذكر له صاحب القاموس خواص: فقال نبات محلّل منضّج مليّن نافع لعسر البول والحصاة والنَّسا وقرحة الأمعاء والارتعاش ونضج الجراحات وتسكين الوجع ومع الخل للبهق ووجع الأسنان مضمضة ونهش الهوام وحرق النار، وخلط برزه بالماء أو سحيق أصله يجمّدانه، ولعابه المستخرج بالماء الحار ينفع المرأة العقيم والمقعد اهـ (والأشنان) يضم الهمزة وكسرها وسكون الشين المعجمة يغسل به أيضا، قال فى القاموس الأشنان بالضم والكسر معروف نافع للجرب والحكة جلاء. منق مدر للطمث مسقط للأجنة (تخريجه) (قط) وأورده الهيثمى بلفظه، وقال رواه البزار والطبرانى فى الأوسط باختصار وإسناد البزار حسن
[ ١١ / ١٢٣ ]
-[حجة القائلين باستحباب الطيب لمريد الأحرام قبل إحرامه]-
(٨٤) وعنها ﵂ قالت طيَّبت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بيدىَّ (وفي لفظٍ بيدىَّ هاتين) بذريرةٍ لحجَّة الوداع للحلِّ والإحرام حين أحرم وحين رمى جمرة العقبة يوم النَّحر قبل أن يطوف بالبيت (وفي لفظٍ قبل أن يفيض)
(٨٥) عنخ عثمان بن عروة أنَّه سمع أباه يقول سألت عائشة ﵂ بأيِّ شئٍ طيَّبت رسول الله ﷺ؟ قالت بأطيب الطِّيب
(٨٦) عن عائشة ﵂ قالت كأنِّى أنظر إلى وبيص المسك
_________________
(١) وعنها ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا ابن جريج أخبرنى عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبران عن عائشة قالت طيبت رسول الله ﷺالحديث" (غريبه) (١) هو نوع من الطيب مجموع من أخلاط (٢) أى لتحلله من محظورات الأحرام بعد رمى جمرة العقبة والحلق، وقبل الطواف. أى طواف الأفاضة كما يدل عليه اللفظ الآخر "قبل أن يفيض" وفيه دلالة على استباحة الطيب قبل طواف الأفاضة وبعد الرمى والحلق، واليه ذهب الجمهور (وقولها والأحرام حين أحرم) معناه أنها طيبته عند إرادته الأحرام بالحج، وفيه دلالة على استحباب الطيب عند إرادة الأحرام، وإنما يحرم ابتداؤه بعد الأحرام وهو مذهب الجمهور، وسيأتى الكلام على ذلك فى الأحكام (تخريجه) (ق. لك. والأربعة. وغيرهم)
(٢) عن عثمان بن عروة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان ثنا عثمان بن عروة- الحديث" (غريبه) (٣) أطيب الطيب المسك، فقد روى عن أبى سعيد قال ذكر المسك عند رسول الله ﷺ فقال هو أطيب الطيب، رواه الأمام أحمد وغيره، وسيأتى فى أبواب الطيب والكحل من كتاب اللباس والزينة، وسيأتى بعد هذا الحديث عن عائشة أنها قالت كأنى أنظر إلى وبيص المسك فى رأس رسول الله ﷺ وهو محرم (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٣) عن عائشة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسحاق بن يوسف قال أخبرنا سفيان عن الحسن بن عبيد الله عن ابراهيم عن الأسود عن عائشة- الحديث" (غريبه) (٤) بفتح الواو وكسر ابلء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي
[ ١١ / ١٢٤ ]
-[حجة القائلين باستحباب الطيب لمريد الأحرام قبل إحرامه]-
في رأس رسول الله ﷺ وهو محرم (وعنها من طريقٍ ثانٍ) قالت كأنِّى أنظر إلى وبيص الطِّيب فى مفرق رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم (وفى لفظ فى مفارقه) وهو يلبيِّ
(٨٧) وعنها أيضًا ﵂ أنهنَّ كنَّ يخرجن مع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم عليهنَّ الضِّماد قد أضمدن قبل أن يحرمن
_________________
(١) آخره صاد مهملة وهو البريق واللمعان، والمراد أثر الطيب لا جرمه، وقال الأسماعيلى الوبيص زيادة على البريق، والمراد به التلألؤ، وهو يدل على وجود عين قائمة لا الريح فقط اهـ. وإنما قالت كأني أنظر لأنها أرادت بذلك قوة تحققها لذلك بحيث أنها لشدة استحضارها له كأنها ناظرة اليه (١) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا إبراهيم ابن أبى العباس قال ثنا شريك عن أبى اسحاق عن الأسود عن عائشة قالت كأنى أنظر الخ (٢) بفتح الميم وكسر الراء وهو المكان الذى يفترق فيه الشعر فى وسط الرأس "وفى لفظ فى مفارقه" بالجمع وإنما جمع تعميما لجوانب الرأس التى يفرق فيها (وقال الجوهرى) قولهم للمفرق مفارق كأنهم جعلوا كل موضع منه مفرقا (وقولها وهو يلبى) الواو فيه للحال أى والحال انه يلبى، وفيه دلالة على أن أثر الطيب بعد الأحرام لا يضر والله تعالى أعلم (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) وعنها أيضا ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن عبد الله بن الزبير قال ثنا عمر بن سويد قال سمعت عائشة ابنة طلحة تذكر وذكر عندها المحرم يتطيب فذكرت عن عائشة أم المؤمنين أنهن كن يخرجن- الحديث" (غريبه) (٣) أى الى مكة فى حجة الوداع تعنى نفسها وسائر أزواج النبى ﷺ (٤) أصل الضماد الخرقة يشد بها العضو الجريح، ثم قيل لوضع الدواء على الجرح وغيره وان لم يشد، ثم استعير لكل شئ بوضع على الجسد من دواء وطيب وغيره، والمراد هنا الطيب (وقولها قد أضمدن) أى قد وضعن الطيب على جباههن قبل أن يحرمهن، وقد جاء عند أبى داود واضحا لفظ "كنا نخرج مع النبى ﷺ الى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الأحرام، فاذا عرقت اجدانا سال على وجهها فيراه النبى ﷺ فلا ينهانا" (ومعنى نضمد) أى نلطخ (السك) بضم السين المهملة طيب معروف يضاف الى غيره من الطيب ويستعمل، كن يضعنه قبل الأحرام فيبقى موجودًا بعد الأحرام يسيل مع العرق فلا ينهاهن عنه
[ ١١ / ١٢٥ ]
-[مذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄ كراهة أثر الطيب للمحرم]-
ثمَّ يغتسلن وهو عليهنَّ يعرقن ويغتسلن لا ينهاهن عنه
(٨٨) عن سليمان بن يسار أنَّ عمر بن الخطَّاب ﵁ وجد ريح طيب بذي الحليفة فقال ممَّن هذه الرِّيح؟ فقال معاوية منيِّ يا أمير المؤمنين، فقال منك لعمرى فقال طيبَّتنى أمُّ حبيبة وزعمت أنها طيَّبت رسول اله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم عند إحرامه، فقال أذهب فأقسم عليها لما غسلته فرجع إليها فغسلته
(٨٩) عن إبراهيم بن محمَّد بن المنتشر عن أبيه أنَّه سأل ابن عمر عن الرجل يتطيَّب عند إحرامه؟ فقال لأن أطَّلى بقطران أحبُّ إلي من أن
_________________
(١) أي غسل الإحرام بعد تلطخهن بالطيب، ويستفاد منه استحباب الغسل للاحرام وأن أثر الطيب لا يضر بعده (٢) بفتح الراء من باب تعب، أى فيسيل مع العرق كما فى رواية أبى داود (وقولها ويغسلن) أى وجوههن للوضوء ونحوه فيسيل معه فلا ينهاهن، وما ذلك إلا لكونه مباحا، وفى ذلك خلاف سيأتى فى الأحكام (تخريجه) (د. ش) وسنده جيد
(٢) عن سليمان بن يسار (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو كامل ثنا حماد يعنى ابن سلمة عن يحيى بن أبى إسحاق عن سليمان بن يسار- الحديث" (غريبه) (٣) الظاهر أن ذلك كان فى حجة أو عمرة اعتمرها عمر ﵁ فى رجب سنة ١٧ من الهجرة بعد وفاة النبى ﷺ (٤) فى الموطأ "منك لعمر الله" وإنما أقسم عمر أن الطيب من معاوية لأنه كان يحب الرفاهية، وكان عمر ﵁ يسميه كسرى العرب (٥) يعنى زوج النبى ﷺ بنت أبى سفيان وأخت معاوية واسمها رملة، ولكنها مشهورة بكنيتها (٦) إنما أمره عمر بغسله وأكد عليه، لأنه كان يكره الطيب للمحرم ووافقه آخرون، وسيأتى الكلام على ذلك فى الأحكام (تخريجه) (لك. عب) وسنده جيد
(٣) عن ابراهيم بن محمد (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن جعفر ثنا شعبة عن ابراهيم بن محمد- الحديث" (غريبه) (٧) بتشديد الطاء يقال طليته بكذا أى لطخته وأطليت افتعلت منه إذا فعلته بنفسك فالتشديد هنا أظهر وإن خففت تقدر المفعول أى نفسى (والقطران) بفتح فكسر معروف واللام في لأن أطلى
[ ١١ / ١٢٦ ]
-[استحباب الغسل قبل الأحرام حتى للحائض والنفساء]-
أفعله، قال فسأل أبى عائشة ﵂ فأخبرها بقول ابن عمر ﵄، فقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن، كنت أطيِّب رسول الله ﷺ ثم يطوف على نسائه ثمَّ يصبح محرمًا ينتضح طيبا
(فصل منه فيما تفعل الحائض والنفساء قبل الأحرام وبعده)
(٩٠) عن ابن عباس ﵄ رفعه إلى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم، أنَّ النفساء والحائص، تغتسل، وتحرم، وتقضى المناسك كلَّها غير أنَّها لا تطوف بالبيت حتَّى تطهر
_________________
(١) مفتوحة وهو مبتدأ خبره أحب (١) فى رواية الأمام أحمد ينتضح بتاء بعد النون، وعند غيره ينضح بغير تاء (قال فى النهاية) وهو بالحاء المهملة أى يفوح، والنضوح بالفتح ضرب من الطيب تفوح رائحته، وأصل النضح الرشح. فشبه كثرة ما يفوح من طيبه بالرشح، وروى بالحاء المهملة، وقيل هو بالخاء العجمة فبما نحن من الطيب. وبالمهملة فيما رق كالماء، وقيل هما سواء وقيل بالعكس اهـ (تخريجه) (نس) بلفظ حديث الباب والبخارى ولفظه عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال سألت عائشة فذكرت لها قول ابن عمر ما أحب أن أصبح محرما أنضح طيبا، فقالت عائشة أنا طيبت رسول الله ﷺ ثم طاف فى نسائه ثم أصبح محرما، وله فى رواية أخرى، فقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن كنت أطيب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه ثم يصبح محرما ينضخ طيبا "رواية البخارى بالخاء المعجمة"
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا مروان ابن شجاع حدثنى خيف عن عكرمة ومجاهد وعطاء عن ابن عباس ﵄ - الحديث" (٢) انما منعت الحائض والنفساء (يعنى التى ولدت قبل الأحرام أو بعده) من الطواف بالبيت لأمرين (الأول) لأن البيت من داخل المسجد وهما ممنوعتان من دخوله (والثانى) لأن من شرط صحة الطواف الطهارة عند الجمهور، وهما غير طاهرتين ما بقى الدم، أما باقى المناسك كالسعى والوقوف بعرفة والمزدلفة ورمى الجمار ونحو ذلك فلا تمنعان منها كما ذهب اليه الجمهور لأن الطهارة ليست شرطًا فيها (تخريجه) (د. مذ) وقال حسن غريب من هذا الوجه اهـ (قلت) وفى اسناده مروان بن شجاع وخصيف بن عبد الرحمن الحزرى فيهما مقال؛ ووثقهما جماعة والله أعلم
[ ١١ / ١٢٧ ]
-[استحباب الغسل عند الأحرام للحائض والنفساء وغيرهما]-
(٩١) عن أسماء بنت عميسٍ ﵂ أنَّها ولدت محمَّد بن أبى بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله ﷺ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم مرها فلتغتسل ثم لتهلَّ
(٩٢) عن عبد الرَّحمن بن القاسم عن أبيه قال كانت عائشة تقول خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نذكر إلا الحجَّ، فلمَّا قدمنا سرف طمثت
_________________
(١) عن أسماء بنت عميس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى قال قرأت على عبد الرحمن عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء بنت عميس -الحديث" (غريبه) (١) بضم العين وفتح الميم امرأة أبى بكر الصديق ﵄ كانت تحت جعفر بن أبى طالب وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، ثم قتل عنها فى غزوة مؤتة، فتزوجها أبو بكر ﵁ فمات عنها، ثم تزوجها على ﵁، وولدت لجعفر عبد الله ومحمدا، وولدت لأبى بكر محمدا بالبيداء أثناء سفرهما لحجة الوداع وهو المراد هنا، وولدت لعلىّ أبى الأرقم بمكة، وبايعت النبى ﷺ ﵂ (والبيداء) تقدم تفسيرها وهى مكان بذى الحليفة، وقد جاء فى كثير من الروايات فى صحيح مسلم وغيره، ولدت أسماء بذى الحليفة، فذكره الخ، وفى رواية له أيضا (نفست بالشجرة) وهذه المواضع الثلاثة متقاربة فالشجرة بذى الحليفة، وأما البيداء فهي بطرف ذى الحليفة (قال القاضى عياض) يحتمل أنها نزلت بطرف البيداء لتبعد عن الناس، وكان منزل النبى ﷺ بذى الحليفة حقيقة وهناك بات وأحرم فسمى منزل الناس كلهم باسم منزل إمامهم (٢) بسكون اللام الأولى ويجوز كسرها، وهذا الغسل لأجل الأحرام ففيه صحة إحرام النفساء ومثلها الحائض وأولى منهما الجنب لأنهما شاركتاه فى شمول اسم الحدث وزادتا عليه بسيلان الدم، ولذا صح صومه دونهما، وأولى منهم غير المحدث فالغسل مستحب لكل من يريد الأحرام مطلقا والغرض منه النظافة للحائض والنفساء، وسيأتي الكلام عليه فى الأحكام (تخريجه) (لك. م. د. جه. مى. وغيرهم)
(٢) عن عبد الرحمن بن القاسم (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هاشم بن القاسم قال ثنا عبد العزيز يعنى ابن عبد الله بن أبى سلمة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه-الحديث" (غريبه) (٣) تقدم تفسيره وضبطه (وقولها طمثت)
[ ١١ / ١٢٨ ]
-[يجوز للحائض والنفساء فعل كل أفعال الحج وأقواله إلا الطواف بالبيت]-
فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكى، فقال ما يبكيك؟ قلت وددت أنِّى لم أخرج العام، قال لعلَّك نفست يعنى حضت، قالت قلت نعم، قال إنَّ هذا شيء كتبه الله على بنات آدم فافعلى ما يفعل الحاجُّ غير أن لا تطوفى بالبيت حتَّى تطهرى الحديث (ومن طريقٍ ثانٍ عن عروة عن عائشة بنحوه وفيه) فحضت قبل أن أدخل مكَّة فأدركنى يوم عرفة وأنا حائض فشكوت ذلك إلى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فقال دعى عمرتك وانقضى رأسك وامتشطى واغتسلى وأهلىِّ بالحجِّ ففعلت الحديث
_________________
(١) بفتح أوله وكسر ثانيه أى حضت، يقال طمثت المرأة تطمث بكسر الميم طمثا بسكونها إذا حاضت فهي طامث؛ وطمثت بفتح الميم إذا دميت بالافتضاد، والطمث الدم والنكاح (نه) (١) هو بفتح النون وضمها لغتان مشهورتان، الفتح أنصح والفاء مكسورة فيهما، وأما النفاس الذى هو الولادة فيقال فيه نفثت بالضم لا غير (٢) هذا تسلية لها وتخفيف لهما ومعناه أنك لست مختصة به. بل كل بنات آدم يكون منهن هذا كما يكون منهن ومن الرجال البول والغائط وغيرهما، واستدل البخارى فى صحيحه فى كتاب الحيض بعموم هذا الحديث على أن الحيض كان فى جميع بنات آدم. وأنكر به على من قال إن الحيض أول ما أرسل ووقع فى بنى اسرائيل (٣) معناه أصنعى كل شئ يصنعه الحاج من أفعال الحج، وأقواله وهيآته إلا الطواف وركعتيه، فيصح الوقوف بعرفات وغيره كما تقدم (٤) (سنده حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد ثنا هشام قال يحيى أملاه علىَّ هشام قال أخبرنى أبى قال أخبرتنى عائشة- الحديث" (٥) قال النووى ليس معناه إبطالها بالكلية والخروج منها "فان العمرة والحج لا يصح الخروج منهما بعد الأحرام بنية الخروج، وانما يخرج منهما بالتحلل بعد فراغهما" بل معناه ارفضى العمل فيها واتمام أفعالها التى هى الطواف والسعى وتقصير شعر الرأس، فأمرها ﷺ بالأعراض عن أفعال العمرة وأن تحرم بالحج فتصير قارنة وتقف بعرفات وتفعل المناسك كلها الا الطواف فتؤخره حتى تطهر وكذلك فعلت (٦) قال الخطابى استشكل بعض أهل العلم أمره لها بنقض رأسها ثم بالامتشاط، وكان الشافى يتأوله على أنه أمرها أن تدع العمرة وتدخل عليها الحج فتصير قارنة، قال وهذا لا يشاكل القصة، وقيل إن مذهبها أن المعتمر غذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج
[ ١١ / ١٢٩ ]
-[استحباب الغسل للأحرام من الحائض قبل انقطاع الدم]-
(٩٣) عن جابر بن عبد الله قال دخل النَّبىُّ ﷺ على عائشة وهى تبكى فقال لها مالك تبكين؟ قالت أبكى أنَّ النَّاس أحلوُّ ولم أحلل، وطافوا بالبيت ولم أطف، وهذا الحجُّ قد حضر، قال إنَّ هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم فاغتسلى وأهلِّى بالحجِّ وحجِّى، قالت ففعلت ذلك فلمَّا طهرت قال طوفى بالبيت وبين الصَّفا والمروة ثمَّ قد أحللت من حجِّك ومن عمرتك قالت يا رسول الله إنِّى أجد فى نفسى من عمرتي أنِّى لم أكن طفت حتَّى
_________________
(١) إذا رمى الجمرة، قال وهذا لا يعلم وجهه؛ وقيل كانت مضطرة الى ذلك، قال ويحتمل أن يكون نقض رأسها كان لأجل الغسل لتهل بالحج لاسيما إن كانت ملبدة فتحتاج الى نقض الضفر، وأما الامتشاط فلعل المراد به تسريحها شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شيء ثم تضفره كما كان (تخريجه) الطريق الأولى طرف من حديث سيأتى بتمامه فى باب فسخ الحج الى العمرة والطريق الثانية بعض حديث سيأتى بتمامه فى باب التخيير للمحرم بين التمتع والأفراد والقران وكلاهما أخرجه الشيخان وغيرهما
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن بكر أنا ابن جريج أنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول دخل النبى ﷺ على عائشة -الحديث" (غريبه) (١) هذا الغسل لأجل الأحرام وهو موضع الدلالة من الحديث، وقد سبق بيانه، وأنه استحب لكل من أراد الأحرام بحج أو عمرة سواء الحائض وغيرها (٢) قال النووى ﵀ يستنبط منه ثلاث مسائل حسنة (إحداها) أن عائشة ﵂ كانت قارنة ولم تبطل عمرتها (والثانية) أن القارن يكفيه طواف واحد وسعى واحد وهو مذهب الشافعى والجمهور، وقال أبو حنيفة وطائفة يلزمه طوافان وسعيان (والثالثة) أن السعى بين الصفا والمروة يشترط وقوعه بعد طواف صحيح، وموضع الدلالة أن رسول الله أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت "يعنى كما فى الطريق الأولى من الحديث السابق" ولم تسع كما لم تطف، فلو لم يكن السعى متوقفًا على تقدم الطواف عليه لما أخرته اهـ (قلت) يستفاد من كلام النووى ﵀ أن الطهارة ليست شرطا للسعى وانها ما امتنعت عن السعى إلا لأن من شرطه أن يكون مسبوقًا بطواف، وعلى هذا فلو حاضت بعد الطواف، ثم سعت صح سعيها، والله ﷾ أعلم
[ ١١ / ١٣٠ ]
-[زوائد الباب - ومذاهب العلماء في حكم الغسل للأحرام]-
حججت قال فاذهب يا عبد الرَّحمن فأعمر أختك من التَّنعيم
_________________
(١) تعني أن غيرها ممن لم يكن عندهم عذر طافوا مرتين مرة للعمرة ومرة للحج وهى لم تطف إلا مرة واحدة بعد الطهر وإن كان هذا يكفى لنسكها الا أنها لم يسترح ضميرها لذلك فجبرا لخاطرها ولبيان جواز العمرة فى أشهر الحج أمر أخاها أن يعمرها من التنعيم والله أعلم (تخريجه) (ق. وغيرهما) (زوائد الباب) (عن ابن عباس ﵄) قال تطيب قبل أن تحرم (طب) ورجاله الصحيح (وعن أم سلمة) ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ لا تطيبى وأنت محرمة ولا تمسى الحناء فانه طيب (طب) وفيه ابن لهيعة، قال الهيثمى حديثه حسن وفيه كلام (وعن ابن عمر) ﵄ قال من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد أن يحرم، رواه البزار والطبرانى فى الكبير إلا أنه قال "عند إحرامه وعند دخول مكة" ورجال البزار ثقات كلهم. قاله الهيثمى (وعن خارجة ابن زيد بن ثابت عن أبيه) أنه رأى النبى ﷺ تجرد لأهلاله واغتسل، رواه الترمذى وقال هذا حديث حسن غريب. وأخرج الحاكم والبيهقى من طريق يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس ﵄، قال اغتسل رسول الله ﷺ ثم لبس ثيابه، فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين ثم قعد على بعيره، فلما استوى على البيداء أحرم، ويعقوب ضعيف، قاله الحافظ (الأحكام) أحاديث الباب منها ما يدل على مشروعية الغسل لكل من يريد الأحرام بحج أو عمرة أو بهما، سواء أكان رجلا أم امرأة ولو حائضا أو نفساء ويغتسلان بنية غسل الأحرام كما ينوى غيرهما، والغرض من مشروعية الغسل لهما النظافة وإن بقى حكم الحدث موجودا (قال النووى) فى شرح المهذب اتفق العلماء على أنه يستحب الغسل عند ادارة الأحرام بحج أو عمرة أو بهما سواء كان احرامه من الميقات الشرعى أو غيره ولا يجب هذا الغسل، وإنما هو سنة متأكدة يكره تركها نص عليه الشافعى فى الأم واتفق عليه الأصحاب (قال ابن المنذر) فى الأشراف (أجمع عوام أهل العلم) على أن الأحرام بغير غسل جائز، قال (وأجمعوا على أن الغسل للأحرام ليس بواحب) والدليل على عدم وجوبه أنه غسل لأمر مستقبل فلم يكن واجبا كغسل الجمعة والعيد والله أعلم (قال الشافعى) ﵀ فى الأم استحب الغسل عند الأحرام للرجل والصبى والنرأ' الحائض والنفساء وكل من أراد الأحرام، قال وأكره ترك الغسل له، وما تركت الغسل للأحرام؛ ولقد كنت اغتسل له مريضا فى السفر وإني أخاف ضرر الماء، وما صحبت أحدا اقتدى به
[ ١١ / ١٣١ ]
-[اختلاف المذاهب في حكم الطيب لمن أراد الأحرام وإدلاء كل بحجته]-
_________________
(١) رأيته تركه، قال وإذا أتت الحائض والنفساء الميقات وعليهما من الزمان ما يمكن فيه طهرهما وأدراكهما الحج بلا علة أحببت استئخارهما ليطهرا فيحرما طاهرتين، وان أهلتا غير طاهرتين أجزأ عنهما ولا فدية، قال وكل ما عملته الحائض عمله الرجل الجنب والمجدث والاختيار له أن لا يعلمه كله الا طاهرا، قال وكل عمل الحج تعمله الحائض وغير الطاهر من الرجال إلا الطواف بالبيت وركعتيه، هذا آخر نصه فى الام بحروفه (قال النووى) واتفق لأصحابنا فى جميع الطرق على جميع هذا الا قولا شاذا ضعيفا حكاه الرافعى أن الحائض والنفساء لا يسن لهما الغسل (والصواب) استحبابه لهما للحديث السابق "يعنى حديث أسماء بنت عميس) المذكور فى الباب اهـ (وفى أحاديث الباب أيضا) ما يدل على مشروعية الطيب لمن يريد الأحرام بحج أو عمرة أو بهما، فيستحب له أن يتطيب فى بدنه بأى نوع من أنواع الطيب سواء الذى يبقى له جرم بعد الأحرام والذى لا يبقى، وسواء الرجل والمرأة لأحاديث عائشة المذكورة فى الباب من عدة طرق أخرجها الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم، وأخرج حديثها الطحاوى من ثمانية عشر طريقا (وبه قال جمهور العلماء) من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء منهم سعد بن أبى وقاص. وابن عباس. وابن الزبير. ومعاوية. وعائشة وأم حبيبة. وابن جعفر. وأبو سعيد الخدرى: وجماعة من التابعين بالحجاز والعراق والأئمة (أبو حنيفة. وأبو يوسف. والشافعى. وأحمد) والثورى. واسحاق. وأبو ثور وابن المنذر وداود. وغيرهم (وقال آخرون بكراهته) وأنه لا يجوز أن يتطيب المحرم قبل احرامه بما يبقى عليه رائحته بعد الأحرام، واذا أحرم حرم عليه الطيب حتى يطوف بالبيت منهم (عطاء والزهرى ومالك) وسعيد بن جبير. والحسن. وابن سيرين، واليه ذهب (محمد بن الحسن) واختاره الطحاوى وهو مذهب عمر. وعثمان. وابن عمر. وعثمان ابن أبي العاص، واحتج لهم بحديث يعلى بن أمية قال "كنا عند رسول الله ﷺ فأتاه رجل وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر الخلوق، فقال يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع فى عمرتى؟ فقال النبى ﷺ اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك أثر الخلوق واصنع فى عمرتك كما تصنع فى حجك" رواه الشيخان والأمام أحمد وغيرهم، واحتج الأولون بأحاديث الباب كما سبق، وأجاب النووى عن حديث يعلى بن أمية بأوجه (احدها) أن هذا الخلوق كان فى الجبة لا فى البدن، والرجل منهى عن التزعفر فى كل الأحوال (قال أصحابنا) ويستوى فى النهى عن المزعفر الرجل الحلال والمحرم (الثانى) أن خبرهم متقدم وخبرنا متأخر فكان العمل على المتأخر، وانما قلنا ذلك لأن خبرهم بالجعرانة كان عقب فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وخبرنا كان عام حجة الوداع بلا شك وحجة الوداع كانت سنة عشر
[ ١١ / ١٣٢ ]
-[اختلاف المذاهب في حكم الطيب لمن أراد الأحرام وإدلاء كل بحجته]-
_________________
(١) من الهجرة، وإنما قلنا إنه كان عام حجة الوداع لأنه ﷺ لم يحج بعد الهجرة غيرها بالأجماع (الثالث) أنه يحتمل أنه استعمل الطيب بعد إحرامه فأمر بأزالته، وفى هذا الجواب جمع بين الأحاديث فيتعين المصير اليه اهـ ج (واعلم) أن القاضى عياضا وغيره كالطحاوى ومحمد بن الحسن ممن يقول بكراهة الطيب قبل الأحرام، قالوا ويزيد هذا قولها فى الرواية الأخرى "طيبت رسول الله ﷺ عند احرامه ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرما" هكذا ثبت فى رواية لمسلم، فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه ثم زال بالغسل بعده لاسيما وقد نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى ولا يبقى مع ذلك طيب؛ ويكون قولها (ثم أصبح ينضخ طيبا) كما ثبت فى رواية لمسلم أى أصبح ينضخ طيبا قبل غسله، وقد ثبت فى رواية لمسلم (قلت والأمام أحمد) أن ذلك الطيب كان ذريرة وهى مما يذهبه الغسل، قالوا وقولها "كأنى أنظر إلى وبيص الطيب فى مفارق رسول الله وهو محرم" المراد أثره لا جرمه هذا اعتراضهم (والصواب) ما قاله الجمهور من استحباب الطيب للأحرام لقولها طيبته لأحرامه وهذا ظاهر فى أن التطيب للأحرام لا للنساء، ويعضده قولها كأنى أنظر الى وبيص الطيب، وتأويلهم المذكور غير مقبول لمخالفته الظاهر بغير دليل يحملنا عليه والله أعلم اهـ (ونقل العينى) عن الطرطوشى أنه قال يكره الطيب المؤنث كالمسك والزعفران والكافور والغالية والعود ونحوها، فان تطيب وأحرم فعليه الفدية، فان آكل طعامًا فيه طيب فان كانت النار مسته فلا شئ عليه وإن لم تمسه النار فه وجهان "وأما غير المؤنث" مثل الرياحين والياسمين والورد فليس من ذلك. ولا فدية فيه أصلا، والطيب المؤنث طيب النساء كالخلوق والزعفران. قاله شمر (وأما شم الريحان) ففى شرح المهذب الريحان الفارسى والمرزنجوش واللينوفر والنرجس فيها قولان (أحدهما) يجوز شمها لما روى عن عثمان ﵁ أنه شئل عن المحرم يدخل البستان؟ قال نعم، ويشم الريحان (والثانى) لا يجوز لانه يراد الرائحة فهو كالورد والزعفران، والأصح تحريم شمها ووجوب الفدية، وبه قال ابن عمر وجابر والنووى (ومالم وأبو حنيفة) وأبو ثور إلا أن أبا حنيفة ومالكا يقولان يحرم ولا فدية (وقال ابن المنذر) واختلف فى الفدية عن عطاء وأحمد، وممن جوزه وقال هو حلال ولا فدية فيه عثمان وابن عباس والحسن ومجاهد واسحاق رحمهم الله تعالى، قال العبدرى وهو قول أكثر العلماء وفى التوضيح الحناء عندنا ليس طيبا خلافا لابى حنيفة (وعند مالك وأحمد) فيه الفدية، وقالت عائشة وكان ﷺ يكره ريحه، أخرجه أبى عاصم فى كتاب الخضاب، وكان يحب الطيب فلو كان طيبا لم يكرهه (وأما الطيب بعد رمي الجمرة)
[ ١١ / ١٣٣ ]
-[جواز الاشتراط في الأحرام للمريض ومن يخشى عدم الأتمام لمانع]-
(٣) باب الاشتراط في الإحرام
(٩٤) عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه قال جاءت ضباعة بنت الزُّبير ابن عبد المطَّلب رسول الله ﷺ فقالت إنِّى امرأة ثقيلة وإنِّى أريد الحجَّ فكيف تأمرني كيف أهلُّ؟ قال أهلِّى واشترطي أنَّ محلىِّ حيث حسبتنى قال فأدركت (وعنه منّ طريقٍ ثانٍ) أنَّها قالت يا رسول الله إنِّي أريد أن أحجَّ فأشترط؟ قال نعم، قالت فكيف أقول؟ قال قولى لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك محلىِّ من الأرض حيث تحبسني
_________________
(١) فقد رخص فيه ابن عباس. وسعد بن أبى وقاص. وابن الزبير. وعائشة. وابن جبير والنخعى. وخارجة بن زيد. وهو قول الكوفيين والشافعى. وأحمد. واسحاق. وأبى ثور وكرهه سالم ومالك، وقال ابن القاسم ولا فدية لما جاء فى ذلك اهـ والله أعلم
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن بكر أنا ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع طاوسا وعكرمة يخبران عن ابن عباس أنه قال جاءت ضباعة- الحديث" (غريبه) (١) بضاد معجمة مضمومة ثم موحدة مخففة هى ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب (قال الشافعى) ﵀ كنيتها أم حكيم. وهى بنت عم النبى ﷺ أبوها الزبير بن عبد المطلب بن هاشم (قال النووى) وأما قول صاحب الوسيط "يعنى الغزالى" هى ضباعة الأسلمية فغلط فاحش والصواب الهاشمية اهـ (٢) أى ضخمة كثيرة اللحم، وفى حديثى أم سلمة وعائشة الأثيين أن اعتذارها كان بسبب المرض، وأن النبى ﷺ هو الذي جاءها، فيحتمل أنها أتته مرة واعتذرت بثقل بدنها، ثم جاءها مرة أخرى فاعتذرت بأنها وجعه، ويحتمل أنه جاءها فلم يجدها فأرسل فى طلبها فجاءته والله أعلم (٣) أى كيف أنوى الحج وكيف ألى (٤) بفتح الميم وكسر الحاء المهملة أى مكان إحلالى (حيث حبستنى) أى حيث حصل لى مانع يمنعنى عن الأتمام (٥) أى أدركت الحج ولم يحصل لها مانع يلجئها للتحلل حتى فرغت منه (٦) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عباد بن العوام عن هلال يعنى ابن خباب عن عكرمة عن ابن عباس ان ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت النبى ﷺ فقالت يا رسول الله إنى أريد أن أحج - الحديث" (تخريجه) (م. والأربعة) وزاد النسائى فى رواية وقال فإن لك على
[ ١١ / ١٣٤ ]
-[جواز الاشتراط في الأحرام للمريض ومن يخشى عدم الأتمام لمانع]-
(٩٥) عن أمِّ سلمة ﵂ قالت أتى رسول الله ﷺ ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب وهى شاكية فقال ألا تخرجين معنا فى سفرنا هذا؟ وهو يريد حجَّة الوداع، قالت يا رسول الله إنِّى شاكية وأخشى أن يحبسنى شكواى قال فأهلِّي بالحجِّ وقولى اللهمَّ محلىِّ حيث تحبسنى
(٩٦) عن عائشة ﵂ قالت دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزُّبير بن عبد المطَّلب فقالت إنِّى أريد الحجَّ وأنا شاكية، فقال النَّبيُّ ﷺ حجِّي واشترطى أنَّ محلىِّ حيث حبستنى (وعنها من طريقٍ ثانٍ) قالت دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزُّبير، فقال لها أردت الحجَّ؟ قالت والله ما أجدني إلاَّ وجعةً، فقال لها حجِّي واشترطى، فقال قولى اللَّهمَّ محلي
_________________
(١) ربك ما استثنيت، وقد جاء هذا الحديث فى مسند الأمام أحمد فى موضعين، الطريق الأولى فى مسند ابن عباس فى الجزء الأول منه، والطريق الثانية فى مسند ضباعة فى الجزء السادس منه، فانظر كيف جمع الله بين الشتيتين، ورحم الله الأمام أحمد
(٢) عن أم سلمة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب قال حدثنى أبى قال فزعم ابن اسحاق عن أبى بكر بن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أم سلمة -الحديث" (غريبه) (١) أى أخشى ان يزداد مرضى فلا أقدر على اتمام الحج (تخريجه) (طب) وسنده جيد
(٣) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرازق ثنا معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة وهشام عن أبيه عن عائشة -الحديث. وقوله وهشام عن أبيه معناه أن الرزاق روى هذا الحديث من طريقين (أحدهما) عن معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة (والثانى) عن معمر عن هشام "يعنى ابن عروة" عن أبيه عن عائشة، وهكذا رواه مسلم أيضا (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حماد بن أسامة قال أنا هشام عن أبيه عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- الحديث"
[ ١١ / ١٣٥ ]
-[رأى ابن عمر ﵄ عدم الاشتراط فى الحج]-
حيث حبستني وكانت تحت المقداد بن الأسود
(٩٧) عن سالم (بن عبد الله بن عمر) عن ابن عمر ﵄ أنَّه كان يكره الاشتراط في الحجَّ ويقول أما حسبكم بسنَّة نبيِّكم صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أنه لم يشترط
_________________
(١) أي كانت زوج المقداد بن الأسود ﵁ فولدت له عبد الله وكريمة، وقتل عبد الله فى وقعة الجمل، روى عنها ابن عباس وجابر وأنس وعائشة وعروة وعبد الرحمن الأعرج وسعيد بن المسيب وابنتها كريمة (تخريجه) (ق. هق. والأربعة. وغيرهم)
(٢) عن سالم (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرازق أنا معمر عن الزهرى عن سالم- الحديث" (غريبه) (٢) رواية الترمذى "ينكر" بدل يكره، ومعنى ذلك أنه كان يكره فعل الاشتراط وينكره على من أفتى به، وفيه اشارة الى إنكار ابن عمر ما كان يفتى به ابن عباس من جواز الاشتراط (قال البيهقى) لو بلغ ابن عمر حديث ضباعة فى الاشتراط لصار اليه ولم ينكر الاشتراط كما لم ينكره أبوه (٣) أى أما يكفيكم سنة رسول الله ﷺ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شئ حتى حج عاما قابلا ويهدى أو يصوم إن لم يجد، وهذا التفسير جاء فى رواية للبيهقى من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب الزهرى عن سالم عن عبد الله بن عمر، وفى آخره قال يونس قال ربيعة لا نعلم شرطا يجوز فى احرامه (تخريجه) (خ. مذ. هق) (زوائد الباب) (عن جابر) ﵁ أن النبى ﷺ قال لضباعة حجى واشترطى أن محلى حيث حبستى (طب. طس) وفيه حجاج بن نصير وثقه ابن حبان وقال يهم وفيه كلام. قاله الهيثمى (قلت) حديث جابر رواه البيهقى أيضا من طريقين وليس فى واحد منهما حجاج بن نصير (وعن ابن عمر) ﵄ قال أرادت ضباعة بنت الزبير الحج فقال لها رسول الله ﷺ حجى وقولى محلى حيث حبستى (طب) قال الهيثمى وفيه على بن عاصم وهو متكلم فيه لسوء حفظه وتماديه على الخطأ واحتقاره العلماء اهـ (قلت) وكأن البيهقى لم يطلع على هذا الحديث أو لم يعتبره لهذه العلة، فانه قال لوبلغ ابن عمر حديث ضباعة فى الاشتراط لصار اليه الخ ما تقدم والله أعلم (وعن سعيد بن المسيب) عن ضباعة بنت الزبير قال قالت يا رسول الله أنى أريد الحج فكيف أهل بالحج؟ قال قولى اللهم إنى أهل بالحج إن أذنت لى به وأعتنى عليه ويسرته لى، وإن حبستنى فعمرة وإن حبستنى عنهما جميعًا
[ ١١ / ١٣٦ ]
-[زوائد الباب - ومذاهب العلماء في جواز الاشتراط في الحج وعدمه]-
_________________
(١) فمحلي حيث حبستنى (وعن زينب بنت نبيط) امرأة أنس بن مالك عن ضباعة بنت الزبير أن النبى ﷺ قال لها حجى واشترطى، رواهما البيهقى (وعن سويد بن غفلة) قال قال لى عمر بن الخطاب ﵁ يا أبا أمية حج واشترط فان لم ما اشترطت ولله عليك ما اشترطت (وعن عمير بن زياد) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال حج واشترط وقل اللهم الحج أردت وله عمدت فان تيسر وإلا فعمرة، رواهما البيهقى أيضا (وعن علقمة ابن أبى علقمة) عن أمه عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول استثنوا فى الحج. اللهم الحج أردت وله عمدت فان تممته فهو حج وإلا فهى عمرة، وكانت تستثنى وتأمر من معها أن يستثنوا (هق) (وعن هشام بن عروة) عن أبيه قال قالت لى عائشة ﵂ هل تستثنى اذا حججت؟ فقلت لها ماذا أقول؟ فقالت قل اللهم الحج أردت وله عمدت فان يسرته فهو الحج وإن حبسنى حابس فهو عمرة (هق) قال ورزينا عن محمد بن عمرو بن أبى سلمة قال كانت أم سلمة زوج النبى ﷺ تأمرنا إذا حججنا بالاشتراط (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على جواز الاشتراط فى الحج خوفا من حدوث طارئ يطرأ عليه أثناء الحج من مرض أو نحوه (وإلى ذلك ذهب جمع من الصحابة) منهم عمر بن الخطاب وعلى وابن مسعود. وجابر. وابن عباس. وعائشة. وأم سلمة. وضباعة صاحبة القصة ﵃، وبه قال جماعة من التابعين واليه ذهب الأئمة (أحمد واسحاق وأبو ثور) وهو الصحيح من مذهب الشافعى وحجتهم أحاديث الباب (وذهب الأمامان أبو حنيفة ومالك) وبعض التابعين إلى أنه لا يصح الاشتراط، وهو مروى عن ابن عمر كما فى حديثه المذكور فى الباب، وتقدم قول البيهقى لو بلغ ابن عمر حديث ضباعة لصار اليه ولم ينكر الاشتراط؛ وحملوا أحاديث الباب على أنها قضية عين وأنها مخصوصة بضباعة (قال النووى) وهو تأويل باطل، وقيل معناه محلى حيث حبسنى الموت إذا أدركتنى الوفاة انقطع إحرامى، حكاه إمام الحرمين، وأنكره النووى وقال إنه ظاهر الفساد، وقيل إن الشرط خاص بالتحلل من العمرة لا من الحج، حكاه المحب الطبرى- وقصة ضباعة تردُّه، وقد أطنب ابن حزم فى التعقب على من أنكر الاشتراط بما لا مزيد عليه "ومن الغريب أن بعض العلماء" ادعى أنه لا يثبت فى الاشتراط اسناد صحيح، وكأنه صحيح، وكأنه غفل عما رواه البخارى ومسلم والأمام أحمد وغيرهم من عدة طرق صحيحة عن جمع من الصحابة (قال الحافظ) صح القول بالاشتراط عن عمر. وعثمان. وعلى. وعمار. وابن مسعود وعائشة. وأم سلمة. وغيرهم من الصحابة، ولم يصح انكاره عن أحد من الصحابة الا عن ابن عمر، ووافقه جماعة من التابعين ومن بعدهم من الحنفية والمالكية اهـ (قال النووى) فى حديث قصة ضباعة- هذا الحديث مشهور
[ ١١ / ١٣٧ ]
-[جواز تعليق الأحرام بالحج على احرام رجل آخر]-
(٤) باب من أحرم مطلقا أو قال أحرمت بما احرم بـ فلان
(٩٨) عن أبى موسى الأشعريِّ ﵁ قال بعثنى رسول الله ﷺ إلى أرض قومى فلمَّا حضر الحجُّ حجَّ رسول الله ﷺ وحججت فقدمت عليه وهو نازل بالأبطح فقال لى بم أهللت يا عبد الله بن قيس؟ قال قلت لبيَّك بحجٍّ كحجٍِّ رسول الله ﷺ قال أحسنت ثمَّ قال هل سقت هديًا؟ فقلت ما فعلت، فقال لى اذهب فطف بالبيت وبين الصَّفا والمروة
_________________
(١) في صحيحي البخارى ومسلم وسنن أبى داود والترمذى والنسائى وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة، وفيما ذكره مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية، قال وفى هذا الحديث ذليل على أن المرض لا يبيح التحلل اذا لم يكن اشتراط فى حال الأحرام والله أعلم اهـ
(٢) عن أبى موسى (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا الثورى عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبى موسى الأشعرى-الحديث" (غريبه) (١) يعنى إلى اليمن، ولفظ البخارى "بعثنى رسول الله ﷺ إلى قوم باليمن" قيل كان بعثه ﷺ إياه إلى اليمن فى السنة العاشرة من الهجرة قبل حجة الوداع؛ (وعن أبى بردة) قال بعث النبى صلى الله عيله وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل ﵄ الى اليمن وبعث كل واحد منهما على مخلاف، قال واليمن مخلافان، والمخلاف بكسر الميم فى اليمن كان كالرستاق فى العراق وجمعه مخاليف (٢) لفظ البخارى "وهو بالبطحاء" والواو فى (وهو) للحال "والأبطح أو البطحاء" يعنى بطحاء مكة وهو المحصب، هو فى الأصل مسيل واديها، وحدُّه من الحجون ذاهبًا إلى منى (٣) هو اسم أبى موسى ﵁ (٤) استحسان النبى ﷺ فعل أبى موسى دليل على جوازه "وقوله اذهب فطف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم احلل" معناه أنه صار كالنبى ﷺ وتكون وظيفته أن يفسخ حجته الى عمرة فيأتى بأفعالها، وهى الطواف والسعى والحلق، فاذا فعل ذلك صار حلالا وتمت عمرته، وإنما لم يذكر الحلق هنا، لأنه كان مشهورا عندهم، ويحتمل أنه داخل في قوله واحلل
[ ١١ / ١٣٨ ]
-[رأى عمر بن الخطاب ﵁ إفراد العمرة في غير أشهر الحج]-
ثمَّ احلل فانطلقت ففعلت ما أمرنى، وأتيت امرأة من قومي فغسلت رأسى بالخطميِّ وفلته ثمَّ أهللت بالحجِّ يوم الرَّوية فما زلت أفتى النَّاس بالَّذى أمرنى رسول الله ﷺ حتى توفِّى، ثمَّ زمن أبى بكر ﵁، ثمَّ زمن عمر ﵁، فبينا أنا قائم عند الحجر الأسود أو المقام أفتى النَّاس بالَّذي أمرني به رسول الله ﷺ إذ أتاني رجل فسارَّنى فقال لا تعجل بفتياك فإنَّ أمير المؤمنين قد أحدث في المناسك شيئًا فقلت أيُّها النَّاس من كنَّا أفتيناه فى المناسك شيئا فلينَّئد فإنَّ أمير المؤمنين قادم فيه فأتمُّوا قال فقدم عمر ﵁ فقلت يا أمير المؤمنين هل أحدثت فى المناسك شيئًا؟ قال نعم، إن تأخذ بكتاب الله ﷿ فإنَّه يأمر بالتَّمام (وفي لفظٍ فإنَّ الله تعالى قال وأتمُّوا الحجَّ والعمرة لله) وإن نأخذ بسنَّة نبيِّنا صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فإنَّه لم يحلل حتَّى نحر الهدي
_________________
(١) هذا محمول على أن هذه المرأة كانت محرما له (والخطمىّ) بكسر الخاء وضمها مع كسر الميم بينهما طاء مهملة ساكنة. تقدم تفسيره فى باب ما يصنع من أرادا الأحرام رقم ٨٣ صحيفة ١٢٣ (وفلته) بتخفيف اللام أى أخرجت ما به من القمل ونحوه بواسطة المشط، ففى رواية البخارى فمشطتنى أو غسلت رأسى، وفى رواية لمسلم فمشطتنى وغسلت رأسى (٢) المعنى أنه تحلل بالعمرة وأقام بمكة حلالا إلى يوم التروية وهو الثامن من ذى الحجة ثم أحرم بالحج يوم التروية (٣) يعنى مقام ابراهيم ﵇ (٤) فى رواية لمسلم رويدك بعض فتياك، ورويد اسم فعل معناه أمهل وأمسك عن الفتيا، ويقال فتيا وفتوى لغتان مشهورتان (٥) أى خلاف ما كان أبو موسى يفتى به الناس (٦) هذا أمر بالتؤدة، يقال انأد فى فعله اذا تأنىَّ وتثبت ولم يعجل، واتئد فى أمرك أى تثبت، وأصل التاء فيهما واو (٧) أى فأنموا به وأطيعوه فيما يأمركم، لأن الله تعالى يقول "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم" (٨) قال الحافظ محصل جواب عمر فى منعه الناس من التحلل بالعمرة أن كتاب الله دال على منع التحلل والأمر بالأتمام فيقتضي استمرار
[ ١١ / ١٣٩ ]
-[اختلاف العلماء في جواز تعليق الأحرام بالحج على احرام شخص آخر]-
(٩٩) عن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال لعلىٍّ ﵁ بم أهللت؟ قال قلت اللَّهمَّ إنِّى أهلُّ بما أهلَّ به رسولك، قال ومعى الهدى، قال فلا تحلُّ
_________________
(١) الإتمام إلى فراغ الحج وأن سنة رسول الله ﷺ أيضا دالة على ذلك لأنه لم يحل حتى بلغ الهدى محله، لكن الجواب عن ذلك ما أجاب به هو ﷺ حيث قال، ولولا أن معى الهدى لأحللت، فدل على جواز الأحلال لمن لم يكن معه هدى، وتبين من مجموع ما جاء عن عمر فى ذلك أنه منع منه سدا للذريعة اهـ. والله أعلم (تخريجه) (ق. نس. وغيرهم)
(٢) (عن جابر بن عبد الله) هذا طرف من حديث طويل تقدم جمعيه بسنده وشرحه فى باب صفة حج النبى ﷺ صحيفة ٧٤ رقم ٦٤ من هذا الجزء (١) فى هذا الحديث أن رسول الله ﷺ أمر عليا بالبقاء على إحرامه وعدم التحلل، وفى الحديث السابق أمر أبا موسى بفسخه الى عمرة وكلاهما قد أحرم بما أحرم به النبى ﷺ وعاق إحرامه على إحرامه، فما الفرق بينهما (الجواب) أن عليا ﵁ كان معه الهدى كما كان مع النبى ﷺ الهدى فبقى على إحرامه كما بقى النبى ﷺ وكل من معه الهدى، وأبو موسى لم يكن معه هدى فتحلل بعمرة كمن لم يكن معه هدى، ولولا الهدى مع النبى ﷺ لجعلها عمرة (تخريجه) (م. د. جه) وللشيخين والأمام أحمد أيضا من حديث أنس قال قدم على ﵁ على النبى ﷺ من اليمن، فقال بم أهللت؟ قال بما أهل به النبى ﷺ فقال لولا أن معى الهدى لأحللت (الأحكام) حديثا الباب يدلان على جواز تعليق الأحرام بأحرام شخص معين يعرفه من أراد التعليق، وأما مطلق الأحرام على الأبهام فهو جائز ثم يصرفه المحرم إلى ما شاء لكونه ﷺ لم ينه عن ذلك (قال الشوكانى) وإلى ذلك (ذهب الجمهور) وعند المالكية لا يصح الأحرام على الأبهام، وهو قول الكوفيين (قال ابن المنير) وكأنه مذهب البخارى لأنه أشار فى صحيحه عند الترجمة لهذين الحديثين "يعنى حديث أبى موسى وحديث أنس المذكور فى الشرح قبل الأحكام" إلى أن ذلك خاص بذلك الزمن، وأما الآن فقد استقرت الأحكام وعرفت مراتب الأحرام فلا يصح ذلك، وهذا الخلاف يرجع إلى قاعدة أصولية، وهى هل يكون خطابه ﷺ لواحد أو لجماعة مخصوصة فى حكم الخطاب العام للأمة أولا؟ فمن ذهب الى الأول جعل حديث على وأبى موسى شرعا عاما ولم يقبل دعوى الخصوصية إلا بدليل، ومن ذهب إلى الثانى قال إن هذا الحكم مختص بهما والظاهر الأول اهـ (وقال النووى) فى الكلام على شرح
[ ١١ / ١٤٠ ]
-[حجة القائلين بالتخيير في الأحرام بين التمتع والأفراد]-
(٥) باب التخيير في الاحرام بين التمتع والأفراد والقران
(١٠٠) عن هشام بن عروة قال أخبرنى أبى قال أخبرتنى عائشة ﵂ قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين لهلال ذى الحجَّة فقال رسول الله ﷺ من أحبَّ يهلَّ بعمرةٍ فليهلَّ، ومن أ؛ ب أن يهلَّ بحجَّةٍ فليهلَّ فلولا أنِّى أهديت لأهلك بعمرةٍ، قالت فمنهم من أهلَّ بعمرةٍ ومنهم من أهلَّ بحجةٍ، وكنت ممَّن أهلَّ بعمرةٍ فحضت قبل أن أدخل مكَّة فأدركنى يوم عرفة وأنا حائض فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال دعى عمرتك وانقضى رأسك وامتشطى وأهلِّى بالحجِّ ففعلت، فلمَّا كانت ليلة الحصبة أرسل معى عبد الرَّحمن إلى التَّنعيم فأردفها فأهلَّت بعمرةٍ
_________________
(١) حديث أبي موسى فى هذا الحديث فوائد (منها) جواز تعليق الأحرام، فاذا قال أحرمت بأحرام كأحرام زيد صح إحرامه وكان إحرامه كاحرام زيد؛ فان كان زيد محرما بحج أو بعمرة أو قارنا كان المعلق مثله، وإن كان زيد أحرم مطلقا كان المعلق مطلقًا ولا يلزمه أن يصرف إحرامه الى ما يصرف زيد إحرامه اليه، فلو صرف زيد إحرامه الى حج كان للمعلق صرف إحرامه الى عمرة وكذا عكسه (ومنها) استحباب الثناء على من فعل فعلا جميلا لقوله ﷺ "يعنى لأبى موسى" أحسنت اهـ. والله اعلم
(٢) عن هشام بن عروة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى ابن سعيد ثنا هشام قال يحيى أملاه علىَّ هشام قال أخبرني أبي قال أخبرتنى عائشة- الحديث" (غريبه) (١) أى مقاربين لاستهلاله، وكان خروجهم قبله لخمس فى ذى القعدة كما صرحت به فى رواية عمرة عند مسلم عن عائشة (٢) فيه دليل لجواز الأنواع الثلاثة (قال النووى) وقد أجمع المسلمون على ذلك، وإنما اختلفوا فى أفضلها اهـ (قلت) تقدم الكلام على ذلك فى آخر باب صفة حج النبى ﷺ فى الأحكام ص ٩٨ فارجع اليه ان شئت (٣) احتج به القائلون بتفضيل التمتع، ومثله قوله ﷺ "لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى، ووجه الدلالة منهما أنه ﷺ لا يتمنى الا الأفضل وتقدم بيان ذلك فى الباب المشار اليه آنفًا (٤) بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين وهي
[ ١١ / ١٤١ ]
-[حجة القائلين بالتخيير في الأحرام بين الحج مفردا وبين التمتع بالعمرة أوَّلًا]-
مكان عمرتها فقضي الله عزّ َوجلَّ حجَّها وعمرتها ولم يكن في شئٍ من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة
(١٠١) عن أسماء بنت أبى بكر ﵄ قالت خرجنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم حتَّى إذا كنَّا بذى الحليفة قال من أراد منكم أن يهلَّ بالحجِّ فلبهلَّ ومن أراد منكم أن يهلَّ بعمرةٍ فليهلَّ
_________________
(١) التي بعد أيام التشريق، وسميت بذلك لأنهم نفروا من منى فنزلوا فى المحصب وباتوا به "وقوله فاردفها" فيه انتقال من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب فى حكايته عن عائشة، ويحتمل أن يكون قوله فأردفها الخ الحديث مدرجا من كلام عروة، وقد جاء فى رواية لمسلم بلفظ "فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معى عبد الرحمن بن أبى بكر فأردفنى وخرج بى إلى التنعيم فأهللت بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا، ولم يكن فى ذلك هذى ولا صدقة ولا صوم (ولمسلم أيضا) فى رواية أخرى بعد هذه ساق فيها الحديث بنحو ما تقدم وقال فيه قال عروة فى ذلك انه قضى الله حجها وعمرتها قال هشام ولم يكن فى ذلك هدى ولا صيام ولا صدقة (قال النووى) وهذا اللفظ وهو قوله ولم يكن فى ذلك هى ولا ولا صدقة ولا صوم" ظاهره فى الرواية الأولى أنه من كلام عائشة، ولكن صرح فى الرواية التى بعدها بأنه من كلام هشام بن عروة، فيحمل الأول عليه ويكون الأول فى المعنى المدرج اهـ. والله أعلم (١) أى مكان عمرتها التى لم تتمها مستقلة كما فعل غيرها ممن أهلوا بالعمرة مثلها ولم يكن لهم عذر كعذرها (٢) قال النووي وهذا محمول على إخبارهما عن نفسها، أى لم يكن علىّ فى ذلك هدى ولا صوك ولا صدقة، ثم انه مشكل من حيث أنها كانت قارنة، والقارن يلزمه الدم وكذلك المتمتع، ويمكن أن يتأول هذا على أن المراد لم يجب علىّ دم ارتكاب شئ من محظورات الأحرام كالطيب وستر الوجه وقتل الصيد وإزالة شعر وظفر وغير ذلك؛ أى لم أرتكب محظورا فيجب بسببه هدى أو صدقة أو صوم، هذا هو المختار فى تأويله اهـ (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن أسماء بنت أبى بكر ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس قال ثنا عمران بن يزيد حدثنا منصور عن أمه عن أسماء-الحديث" (غريبه) (٣) أى من أراد أن ينوى الأحرام بحج مفرد فليفعل، ومن أراد أن يحرم بعمرة فقط فليفعل، ففيه التخبير بين الافراد والتمتع، فالافراد هو الأهلال بالحج وحده
[ ١١ / ١٤٢ ]
-[حجة القائلين بالتخيير في الأحرام بين الأفراد والقران والتمتع]-
قالت أسماء وكنت أنا وعائشة والمقداد والزُّبير ممَّن أهلَّ بعمرةٍ
(١٠٢) عن عائشة ﵂ قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ ثلاثة أنواع، فمنَّا من أهلَّ بحجّ وعمرة ومنَّا من أهل بحجّ مفرد، ومنَّا من أهلَّ بعمرة، فمن كان أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ معًا لم يحلَّ من شيء ممَّا حرَّم الله ﷿ عليه حتَّى يقضى حجَّه، ومن أهلَّ بعمرةٍ ثمَّ طاف بالبيت وسعى بين الصَّفا والمروة وقصَّر أحلَّ ممَّا حرم منه حتَّى يستقبل حجًّا (وعنها من طريقٍ ثانٍ) قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع، فمنَّا من أهلَّ بحجٍّ، ومنَّا من أهلَّ بعمرةٍ فأهدى فقال النّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله
_________________
(١) والتمتع هو الاعتمار فى أشهر الحج ثم التحلل من تلك العمرة والأهلال بالحج فى تلك السنة (١) زاد فى رواية عند مسلم والأمام أحمد وستأتى فى باب التمتع بالعمرة الى الحج "فلم يكن معى هدى فحللت وكان مع الزبير هدى فلم يحلل" (تخريجه) (م. وغيره)
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد بن هارون قال أنا محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال كانت عائشة تقول خرجنا مع رسول الله ﷺ- الحديث" (غريبه) (٢) يعنى قرن فى احرامه بين الحج والعمرة، والقران هو الأهلال بالحج والعمرة وهو جائز باتفاق العلماء، ويطلق التمتع فى عرف السلف على القران (قال ابن عبد البر) ومن التمتع أيضا القران، ومن المتمتع أيضا فسخ الحج إلى العمرة اهـ. وتقدم فى شرح الحديث السابق معنى الأفراد والتمتع، وحكى النووى فى شرح مسلم الأجماع على جواز الأنواع الثلاثة، وتأول ما رود من النهى عن التمتع عن بعض الصحابة (٣) يستفاد منه أن أفعال العمرة هى الأحرام والطواف والسعى والحلاق أو التقصير (٤) أى بعد تحلله من العمرة يحرم بالحج، وليس ذلك على الفور بل له أن يبقى أياما إلا أنه لا يؤخر الأحرام بالحج عن يوم التروية (٥) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا معمر بن بشر قال ثنا عبد الله أنا يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ- الحديث" (٦) أى فساق الهدي معه
[ ١١ / ١٤٣ ]
-[الدليل على أن القارن والمتمتع يلزمهما الهدى]-
وصحبه وسلَّم من أهلَّ بالعمرة ولم يهد فليحل ومن أهلَّ بعمرةٍ فأهدى فلا يحلُّ ومن أهلَّ بحج فليتمَّ حجَّه، قالت عائشة وكنت ممَّن أهلَّ بعمرةٍ
(٦) باب ما جاء فى الافراد
(١٠٣) عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه قال أهلَّ النَّبيُّ ﷺ بالحجِّ
_________________
(١) أي لم يكن معه هدى فليحل بعد أفعال العمرة المصرح بها فى الطريق الأولى (٢) أى فليبق على احرامه (٣) معناه فليهل بالحج مع عمرته فلا يحل حتى يحل منهما جميعًا كما جاء ذلك صريحا من رواية عروة عن عائشة أيضا وسيأتى فى باب القران (تخريجه) (ق. غيرهما) (الأحكام) حدثنا الباب يدلان على جواز الأفراد والقران والتمتع، فالحاج مخير فى أيها شاء، فان أحرم بالحج فقط جاز له ذلك، وإن أحرم به مع العمرة جاز أيضا، وإن أحرم بالعمرة فقط وأدى مناسكها ثم أحرم بالحج جاز له ذلك أيضا، وقد حصل كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة لجماعة من الصحابة على عهد رسول الله ﷺ فى حجة الوداع كما يستفاد من حديث عائشة (قال النووى ﵀) وقد أجمع المسلمون على ذلك، وإنما اختلفوا فى آفضلها (قلت تقدم الخلاف فى تفضيلها فى أحكام باب صفة حج النبى ﷺ صحيفة ٩٨ من هذا الجزء) قال وهذا الحديث (يعنى الطريق الثانى من حديث عائشة المذكور فى الباب) ظاهر فى الدلالة لمذهب (أبى حنيفة وأحمد) وموافقيهما فى أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدى لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر (ومذهب مالك والشافعى) وموافيقهما أنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته وحل له كل شئ فى الحال سواء كان ساق هديا أو لا، واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدى وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحل له كل شئ كما لو تحلل المحرم بالحج، وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التى ذكرها مسلم والتى ذكرها قبلها عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله ﷺ من كان معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى منهما جميعًا، فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التى احتج بها أبو حنيفة، وتقديرها ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهلل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه، ولابد من هذا التأويل لأن القضية واحدة والراوى واحد، فيتعين الجمع بين الروايتين على ما ذكرناه والله أعلم اهـ
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنا
[ ١١ / ١٤٤ ]
-[حجة القائلين بأن النبي ﷺ أحرم بالحج مفردًا]-
فلمَّا قدم طاف بالبيت وبين الصَّفا والمروة ولم يقصِّر ولم يحلَّ من أجل الهدى وأمر من لم يكن ساق الهدى أن يطوف وأن يسعى ويقصِّر أو يحلق ثم يحلَّ
(١٠٤) عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ أمر النَّاس عام حجَّة الوداع، فقال من أحبَّ أن يبدأ منكم بعمرةٍ قبل الحجَّ فليفعل، وأفرد رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم الحجَّ ولم يعتمر
(١٠٥) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال أهللنا أصحاب النَّبيِّ ﷺ بالحجِّ خالصًا ليس معه غيره خالصًا وحده، فقدمنا مكَّة صبح رابعة مضت من ذي الحجَّة فقال النَّبيُّ ﷺ حلُّوا واجعلوها عمرةً - الحديث
_________________
(١) يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عباس- الحديث" (غريبه) (١) يعنى مكة (٢) فيه أن من ساق الهدى لا يتحلل من عمل العمرة حتى يهل بالحج ويفرغ ويكون طوافه وسعيه واحدا لحجه وعمرته، وفيه أنه لا يحل حتى ينحر هديه وهو قول الأمامين (أبى حنيفة وأحمد) رحمهما الله، وفيه دلالة على انه ﷺ كان قارنا (٣) أى ثم يستأنف الأحرام بالحج يوم التروية كما فعل أصحاب رسول الله ﷺ الذين لم يسوقوا الهدى (تخريجه) (د) قال المنذرى فى اسناده يزيد بن أبى زياد أبو عبد الله الكوفى تكلم فيه غير واحد، وأخرج له مسلم فى الشواهد
(٢) عن عائشة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا قتيبة بن سعيد قال ثنا عبد العزيز بن محمد عن علقمة بن أبى علقمة عن أمه عن عائشة- الحديث" (غريبه) (٤) أى لم يعتمر عمرة مستقلة وإنما أهل بالعمرة بعد الحج فصار قارنا لما ثبت أنه ﷺ كان يلبى بهما جميعا، وسيأتي ذلك فى باب القران الآتى بعد هذا (تخريجه) (م. والأربعة)
(٣) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسماعيل أنا ابن جريج عن عطاء قال قال جابر بن عبد الله ﵄ أهللنا- الحديث" (غريبه) (٥) أى لا يخالطه شئ من العمرة ولا القران، ثم أكذ ذلك بقوله خالصا وحده (٦) بكسر الحاء المهملة ويجوز فتحها والكسر أفصح (٧) الحديث له بقية وإنما اقتصرنا فى المتن على هذا المقدار لمناسبة الترجمة وبقيته "فبلغه أنا نقول لماَّ لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نحل فيروح الى منى ناس منا ومذاكيرنا تقطرمنيا، فخطبنا فقال
[ ١١ / ١٤٥ ]
-[زوائد الباب وفيها أن النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ أفردوا الحج]-
(١٠٦) وعنه أيضًا قال أهلَّ رسول الله ﷺ في حجَّته بالحجِّ
(١٠٧) عن ابن عمر ﵄ قال أهللنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بالحجِّ مفردًا
_________________
(١) قد بلغني الذي قلتم وإنى لأتقاكم وأبركم، ولولا الهدى لحللت، ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما أهديت، حلوا واجعلوها عمرة، قال وقدم على ﵁ من اليمن قال بم أهللت؟ قال بما أهل به النبى ﷺ، قال فاهد وامكث حراما كما أنت" وسيأتى فى باب فسخ الحج الى العمرة لجابر حديث أكثر معنى من هذا وأطول (تخريجه) (ق. د. جه. وغيرهم)
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن جابر بن عبد الله ﵄ قال أهل رسول الله ﷺالحديث" (غريبه) (١) يعنى فى أول الأمر لكن ثبت عند اليخارى والأمام أحمد غيرهما أنه ﷺ أدخل العمرة على الحج، وسيأتى عن ابن عمر فى باب القران قال سمعت رسول الله صلى اللهعليه وسلم وهو بالعقيق يقول أتانى الليلة آت من ربى فقال صل فى هذا الوادى المبارك وقل عمرة فى حجة (تخريجه) (م. وغيره)
(٣) عن ابن عمر ﵄ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسماعيل بن محمد ثنا عباد يعنى ابن عباد حدثنى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر -الحديث" (غريبه) (٢) أى من غير عمرة معه؛ وتقدم أن هذا كان فى أول الأمر ثم أدخل عليه العمرة والله أعلم (تخريجه) (م. مذ. وغيرهما) (زوائد الباب) (عن عامر بن ربيعة) ﵁ أن النبى ﷺ أفرد الحج، أورده الهيثمى وقال رواه البزار وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف (وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه) قال حججت مع أبى بكر ﵁ فجرد "أى أفرد" ومع عمر ﵁ فجرد، ومع عثمان ﵁ فجرد (هق) (وعن نافع) أن ابن عمر كان يقول إن عمر ﵁ كان يقول إن تفصلوا بين الحج والعمرة وتجعلوا العمرة فى غير أشهر الحج أتم لحج أحدهم وأتم لعمرته (هق) (وعن عبد الله الحسن) ابنى محمد بن على عن أبيهما أن على بن أبي طالب ﵁ قال يا بنى أفرد بالحج فانه أفضل (هق) (وعن القاسم بن عبد الرحمن) قال قال عبد الله بن مسعود ﵁ جردوا الحج (هق) (وعن الأسود) عن عبد الله (يعنى ابن مسعود) أنه أمر بافراد الحج، قال نسكان أحب أن يكون لكل واحد منهما شعث وسفر (هق) (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية الأفراد فى الحج وأنه أفضل من القران والتمتع، وقد اختلفت الأحاديث
[ ١١ / ١٤٦ ]
-[مذاهب العلماء في إفراد الحج - والجمع بين مختلف الأحاديث]-
(٧) باب ما جاء في القران
(١٠٨) عن عثمان بن المغيرة عن سالم بن أبى الجعد مولى الحسن ابن علىّ ﵄ قال خرجنا مع علىٍّ ﵁ فأتينا ذا الحليفة فقال علىُّ ﵁ إنِّى أريد أن أجمع بين الحجِّ والعمرة، فمن أراد ذلك فليقل كما أقول، ثمَّ لبيَّ قال لبَّيك بحجٍّ وعمرة معًا، قال وقال سالم وقد أخبرني أنس بن مالك ﵁ قال والله إنَّ رجلى لتمسُّ رجل رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وإنَّه ليهلُّ بهما جميعًا
(١٠٩) عن حميد بن هلال قال سمعت مطرِّفًا قال قال لى عمران بن حصين
_________________
(١) في ذلك، فمن أهل العلم من جمع بين الروايات كالخطابى قال إن كلا أضاف الى النبي ﷺ ما أمر به اتساعا، ثم رجح أنه ﷺ أفراد الحج، وكذا قال القاضى عياض وزاد فقال (وأما احرامه) صلى الله علي وسلم ققد تضافرت الروايات الصحيحة بأنه كان مفردًا (وأما رواية من روى التمتع) فمعناه أنه أمر به لأنه صرح بقوله ولوا أن معى الهدى لأحللت فصح أنه لم يتحلل (وأما رواية من روى القرآن) فهو إخبار عن آخر أحواله لأنه أدخل العمرة إلى الحج لما جاء الى الوادى وقيل قل عمرة فى حجة، قال الحافظ هذا الجمع هو المعتمد (قلت) تقدم الكلام على الجمع بين مختلف الروايات فى الأنواع الثلاثة ومذاهب الأئمة فى ذلك وبيان أفضلها فى أحكام باب صفة حج النبى ﷺ ص ٩٥ فارجع اليه والله الموفق
(٢) عن عثمان بن المغيرة (سنده) حدقنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عثمان أبو عوانة ثنا عثمان بن المغيرة- الحديث" (تخريجه) (ق. وغيرهما) بدون قصة على، وقصة على ﵁ جاءت بسياق آخر عند مسلم والبخارى ولفظه (عن سعيد بن المسيب قال اختلف على وعثمان ﵄ وهما بصفا نفى المتعة، فقال على ما تريد إلا أتنهى عن أمر فعله التبى ﷺ قال فلما رأى ذلك على ﵁ أهل بهما جميعًا)
(٣) عن حميد بن هلال (سنده) حدقنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن جعفر وحجاج قالا أنا شعبة عن حميد بن هلال- الحديث" (غربيه) (١) كنيته أبو نجيم بضم النون وفتح الجيم، صحابى جليل، أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر سنة
[ ١١ / ١٤٧ ]
-[حجة القائلين بأن النبي ﷺ كان قارنًا في حجة]-
﵁ إنِّى أحدِّثك حديثًا عسى الله ﷿ أن ينفعك به إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قد جمع بين حجٍّ وعمرةٍ ثمَّ لم ينه عنه حتَّى مات ولم ينزل قرآن فيه يحرِّمه، وإنَّه كان يسلَّم علَّى فلمَّا اكتويت أمسك عنِّي فلمَّا تركته عاد إلىَّ
(١١٠) عن عكرمة بن عمَّار عن الهرماس بن زيادٍ ﵁ قال كنت ردف أبى فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم
_________________
(١) سبع من الهجرة وغزا مع النبى ﷺ غزوات، وبعثه عمر بن الخطاب الى البصرة ليفقه أهلها وكان قاضيها، استقضاه عبد الله بن عامر أياما ثم استعفاه فأعفاه، توفى سنة ثنتين وخمسين، وكان الحسن البصرى يحلف بالله تعالى ما قدم البصرة راكب خير لهم من عمران، وكان مجاب الدعوة، وله مناقب كثيرة ستأتى فى كتاب مناقب الصحابة إن شاء الله تعالى (١) أى إذا علمته وعلَمته الناس (ولمسلم الأمام أحمد) وسيأتى فى كتاب المناقب عن مطر ف "قال بعث الىَ عمران بن حصين فى مرضه الذى توفى فيه، فقال إنى كنت محدثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدى فان عشت فاكتم عنى، وإن مت فحدث بها إن شئت، وإنه قد سلم على، وواعلم أن نبى الله ﷺ قد جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب الله ولم ينه عنها نبى الله ﷺ قال رجل فينها برأيه ما شاء، يشير الى عمر بن الخطاب ﵁ حيث نهى عن المتعة، وسيأتى فى الكلام على ذلك فى باب التمتع بالعمرة الى الحج (٢) بضم أوله وفت اللام مشددة، والمعنى أن عمران بن الحصين ﵁ كانت به بواسير فكان يصبر على المهمات، وكانت الملائكة تسلم عليه، وكان يراهم عيانًا فاكتوى فانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكى فعاد سلامهم عليه، ولذلك قال مطرف، فان عشت فاكتم عنى أى لا تخبر أحدًا بأن الملائكة تسلم علي لأنه كره أن يشاع عنه ذلك فى حياته لما فيه من التعرض للفتنه بخلاف ما بعد الموت، ولذلك قال له "وإن مت فحدث بها إن شئت" ﵁ (٣) يعنى تسليم الملائكة لأنه فعل شيئا يشبه أن ينافى التوكل بالنسبة لدرجته هو وقوة إيمانه، وهذا لا ينافى استحباب التداوى لمن كان ضعيف الأيمان أو لا يصبر على المرض (وقوله فلما تركته) أى ترك التداوى بالاكتواء (عاد الى) يعنى تسليم الملائكة (تخريجه) (م. نس. هق) ورواه البخارى مختصرًا
(٢) عن عكرمة بن عمار (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا
[ ١١ / ١٤٨ ]
-[قصة الصبي بن معبد في إحرامه بالحج والعمرة معًا]-
على بعير وهو يقول لبَّيك بحجَّةٍ وعمرةٍ معًا
(١١١) عن الحكم عن أبي وائل أنَّ الصُّبيَّ بن معبد كان نصرانيًّا تغلبيا أعرابيًّا (وفي رواية أنَّ رجلًا كان نصرانيًّا يقال له الصُّبيُّ بن معبد) فأسلم فسأل أيُ العمل أفضل؟ فقيل له الجهاد في سبيل الله، فأراد أن يجاهد، فقيل له حججت؟ فقال لا، فقيل حجَّ واعتمر ثمَّ جاهد، فانطلق حتَّى إذا كان بالحوائط أهلَّ بهما جميعًا، فرآه زيد بن صوحان وسلمان
_________________
(١) عبد الله بن عمران بن على أبو محمد من أهل الرى وكان أصله أصبهانيا، قال حدثنا يحيى ابن الضريس، قال ثنا عكرمة بن عمار- الحديث" (تخريجه) (طب. طس) قال الهيثمى ورجاله ثقات
(٢) عن الحكم عن أبى وائل (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن الحكم عن أبى وائل- الحديث" (غربيه) (١) يضم الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء التحتية (وقوله تغلبيا) أى من بنى تغلب بكسر اللام ابن وائل بن قاسط، والنسبة اليه تغلى بفتح اللام كما فى القاموس والمختار (٢) رواية النسائى "كنت أعرابيا نصرانيا فأسلمت فكنت حريصا على الجهاد فوجدت الحج والعمرة مكتوبين على "فأتيت رجلا من عشيرتى يقال له هريم بن عبد الله فسألته فقال اجمعهما ثم اذبح ما استيسر من الهدى فأهللت بهما- الحديث" فظهر من هذه الرواية أن المسئول المبهم فى حديث الباب هو هريم بهاء مضمومة ثم راء مفتوحة بالتصفير ابن عبد الله، وكان من عشيرة الصبى بن معبد "وقوله فوجدت الحج والعمرة مكتوبين على" أى مفروضين على الأنسان ولعله أخذ ذلك من قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ والله أعلم (٣) لفظ النسائى وأبى داود "فلما أتيت العذيب لقينى سلمان بن ربيعة وزبدبن صوحان الخ" وقد فسر صاحب النهاية العذيب بأنه اسم ماء لبنى تميم على مرحلة من الكوفة سمى بتصغير العذب، وقيل سمى به لأنه طرف أرض العرب من العذبة. وهى طرف الشاء اهـ، ولم أجد لفظ الحوائط لغير الأمام أحمد، فيحتمل أن هذا المكان كان به بساتين لتوفر الماء فيه، والبستانى يقال له حائط اذا كان عليه حائط، وهو الجدار، وجمعه حوائط، فسمى هذا المكان بالحوائط أيضًا لذلك
[ ١١ / ١٤٩ ]
-[كلام العلماء في قوله ﷺ دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة]-
ابن ربيعة فقالا لهو أصلُّ من جملةٍ أو ما هو بأهدى من ناقته، فانطلق إلى عمر ﵁ فأخبره بقولهما فقال هديت لسنَّة نبيك ﷺ، قال الحكم فقلت لأبى وائل حدَّثك الصُّبىُّ؟ فقال نعم
(١١٢) عن سراقة (بن مالك بن جعشم ﵁) قال سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول دخلت العمرة في الحجِّ إلى يوم القيامة، قال وقرن رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع
_________________
(١) والله أعلم (١) معنى هذه الجملة أن عمر ﵁ منع من الجمع بين الحج والعمرة واشتهر ذلك المنع، وهذا الرجل المسمى بالصبى بن معبد لا يدرى بذلك. فهو وجمله سواء فى عدم العلم (وقوله أو ما هو بأهدى) الخ أو للشك من الراوى، ولفظ ابن ماجه "فقالا لهذا أضل من بعيره فكأنما حملا على جبلا بكلمتهما فقدمت على عمر بن الخطاب" الحديث (٢) على بناء المفعول وتاء الخطاب، أى هداك الله بواسطة من أفتاك أو هداك من أفتاك (فان قيل) كان عمر ﵁ يمنع من الجمع فكيف قرره على ذلك بأحسن تقرير؟ (فالجواب) كان عمر ﵁ يرى جواز ذلك لبعض المصالح ويرى أنه جوز النبى لذلك، فكأنه يرى أن من عرض له مصلحة افتضت الجمع فى حقه فالجمع فى حقه سنة والله أعلم (تخريجه) (د. نس. جه. هق) وسنده جيد
(٢) عن صرافة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا مكى بن ابراهيم ثنا داود يعنى ابن يزيد قال سمعت عبد الملك الزراد يقول سمعت النزال بن يزيد بن سبرة صاحب على يقول سمعت صرافة يقول سمعت رسول الله ﷺ- الحديث (غربيه) (٣) قال النووى ﵀ اختلف العلماء فى معناه على أقوال، أصحها وبه قال جمهورهم معناه أن العمرة يجوز فعلها فى أشهر الحج الى يوم القيامة، والمقصود بها بين إبطال ما كانت الجاهلية تزعمه من امتناع العمرة فى أشهر الحج (الثانى) معناه جواز القران، وتقدير الكلام دخلت أفعال العمرة فى أفعال الحج الى يوم القيامة (والثالث) تأويل بعض القائلين بأن العمرة ليست واجبة، قالوا معناه سقوط العمرة، قالوا ودخولها فى الحج معناه سقوط وجوبها، وهذا ضعيف أو باطل، وسياق الحديث يقتضى بطلانه (والرابع) تأويل بعض أهل الظاهر أن معناه جواز فسخ الحج الى العمرة، وهذا ايضًا ضعيف اهـ (تخريجه) لم أقف
[ ١١ / ١٥٠ ]
-[نهي عثمان بن عفان ﵁ عن التمتع والقران]-
(١١٣) عن عمر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ وهو بالعقيق يقول أتانى اللّيلة آتٍ من ربِّى فقال صلِّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجَّةٍ قال الوليد يعنى ذا الحليفة
(١١٤) عن مروان بن الحكم قال شهدت عليًّا وعثمان ﵄ بين مكَّة والمدينة وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلمَّا
_________________
(١) عليه من حديث سراقة لغير الأمام أحمد، وفى اسناده داود بن يزيد الأودى وهو ضعيف لكن رواه (م. د) من حديث جابر. ورواه (مذ. د) عن ابن عباس مرسلا
(٢) عن عمر ﵁ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا الوليد ابن مسلم ثنا الأوزاعى أن يحيى بن كثير حدثه عن عكرمة مولى ابن عباس قال سمعت ابن عباس يقول سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول سمعت رسول الله الله ﷺ- الحديث" (غربيه) (١) هو ذو الخليفة كما فسر الوليد بن مسلم أحد رجال السند، وسعى بالعقيق لما روى الزبير بن بكار فى أخبار المدينة أن تبعًا لما أنحدر فى مكان عند رجوعه من المدينة، قال هذا عقيق الأرض فسمى العقيق (٢) هو جبريل ﵇ كما صرح به فى رواية للبيهقى (وقوله صل فى هذا الوادى المبارك) قال الكرمائى ظاهرة أن هذه الصلاة صلاة الأحرام وقيل كانت صلاة الصبح، والأول أظهر والله أعلم (٣) برفع عمرة فى أكثر الروايات على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره هى عمرة الخ. وبنصبها فى بعضها باضمار فعل، أى جعلتها عمرة، وهو دليل على أن حجة النبى ﷺ كان قرانا (٤) هو ابن مسلم أحد رجال السند كما تقدمت الأشارة اليه (تخريجه) (خ. د. جه)
(٣) عن مروان بن الحكم (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن الحكم عن على بن الحسين عن مروان بن الحكم- الحديث" (غربيه) (٥) كان ذلك بمصفان كما صرح بذلك فى رواية للبخارى (٦) أى عن فصخ الحج الى العمرة لأنه كان مخصوصًا بتلك السنة التى حج فيها رسول الله ﷺ على بعض الأوقوال، أو عن التمتع المشهور، وهو أن يحرم بعمرة فقط، ثم بعد الفراغ من أفعالها والتحلل منها يحرم بالحج مفردًا (وقوله وأن يجمع بينهما) بضم الياء من قوله يجمع وسكون الجيم وفتح الميم، وضمير الأثنين فى بينهما عائد على الحج والعمرة، والواو في وأن
[ ١١ / ١٥١ ]
-[مخالفة علي لعثمان ﵄ - وتلبيته بالحج والعمرة معًا]-
رأى ذلك علي ﵁ أهلَّ بهما فقال لبَّيك بعمرةٍ وحجٍ معًا، فقال عثمان ﵁ ترانى أنهي النَّاس عنه وأنت تفعله؟ قال لم أكن أدع سنَّة رسول الله ﷺ لقول أحدٍ من النَّاس (وعنه من طريقٍ ثانٍ) قال كنَّا نسير مع عثمان ﵁ فإذا رجل يلبىِّ بهما جميعًا فقال عثمان ﵁ من هذا؟ فقالوا علىّ، فقا لألم تعلم أنِّى نهيت عن هذا؟ قال بلى، ولكن لم أكن لأدع قول رسول الله ﷺ لقولك
(١١٥) عن عبد الله بن الزُّبير ﵄ قال والله إنَّا لمع
_________________
(١) للعطف، فيكون النهى واقعًا على التمتع والقران (١) أى فلما رأى على ﵁ النهى الواقع من عثمان على المتعة والقران (أهل بهما) أى بالحج والعمرة حال كونه قائلا "لبيك بعمرة وحج معا" وإنما فعل ذلك خشية أن يحمل الناس النهى على التحريم فأشاع ذلك، ولم يخف على عثمان أن التمتع والقران جائزان، وإنما نهى عنهما ليعمل بالأفضل كما وقع لعمر، فكل مجتهد مأجور، ولا يقال إن هذه الواقعة دليل لمسألة اتفاق أهل العصر الثانى بعد اختلاف أهل العصر الأول وإن ذكره ابن الحاجب وغيره، لأن نهى عثمان عنه ان كان المراد به الأعمار فى أشهر الحج قبل الحج فلم يستقر الأجماع عليه، لأن الحنفية يخالفون فيه، وإن كان المراد به سخ الحج إلى العمرة فكذلك، لأن الحنابلة يخالفون فيه، على أن الظاهر كما مر أن عثمان ما كان عليه يبطله، وإنما كان يرى الأفراد أفضل منه، وفى رواية النسائى ما يشعر بأن عثمان رجع عن النهى ولفظه "نهى عثمان عن التمتع فلى على وأصحابه بالعمرة فلم ينههم عثمان، فقال له على ألم تسمع رسول الله ﷺ تمتع؟ قال بلى" أفاده الحافظ (قلت) وسيأتى فى حديث عبد الله بن الزبير أن عثمان اعتذر لعلى بأصرح من هذا. فقال "اني لم أنه عنها (يعنى نهى تحريم بل نهى تنزيه) إنما كان رأيا أشرت به فمن شاء أخذ به ومن شاء ترك" (٢) معناه أنه مجتهد لا يجوز عليه أن يقلد مجتهدًا آخر لاسيما مع وجود السنة والله أعلم (٣) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا الأعمش عن مسلم البطين عن على بن الحسين عن مروان بن الحكم قال كنا نسير الحديث (٤) أى بالحج والعمرة (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن عبد الله بن الزبير (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا
[ ١١ / ١٥٢ ]
-[مناقشة علي لعثمان في نهيه عن العمرة في أشهر الحج وإقامة الدليل عليه واعتذار عثمان]-
عثمان بن عفَّان ﵁ بالجحفة ومعه رهط من أهل الشَّام فيهم حبيب بن مسلمة الفهرىُّ إذ قال عثمانوذكر له التَّمتُّع بالعمرة إلى الحجِّ إن أتمَّ للحجِّ والعمرة أن لا يكونا في أشهر الحجِّ فلو أخَّرتم هذه العمرة حتَّى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل، فإنَّ الله تعالى قد وسَّع في الخير، وعلىُّ بن أبى طالب ﵁ فى بطن الوادي يعلف بعيرًا له فبلغه الَّذى قال عثمان، فقال أعمدت إلى سنَّةٍ سنها رسول الله ﷺ ورخصةٍ رخَّص الله تعالى بها للعباد في كتابه تضيِّق عليهم فيها وتنهى عنها وقد كانت لذى الحاجة ولنائى الدَّار ثمَّ أهلَّ بحجَّةٍ وعمرةٍ معًا، فأقبل عثمان على النَّاس
_________________
(١) يعقوب ثنا أبى عن ابن اسحاق حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال والله إنا لمع عثمان- الحديث" (غربيه) (١) بضم الجيم وإسكان الحاء المرحلة وفتح الفاء اسم قرية تقدم الكلام عليها فى باب مواقيت الأحرام صحيفة ١٠٥ وهى مقيات أهل الشام (٢) قال فى التقريب حبيب بن مسلمة بن مالك بن وهب القرشى الفهرى المكى نزيل الشام وكان يسمى حبيب الروم لكثرة دخوله عليهم مجاهدا، مختلف فى صحبته، والراجح ثبوتها لكنه كان صغيرا، وله ذكر فى الصحيح فى حديث ابن عمر مع معاوية، مات بأرمينية وكان أميرا عليها لمعاوية سنة اثنتين وأربعين (٣) معناه أن الأفضل لمن يريد الحج أن لا يجمع بينه وبين العمرة فى أشهر الحج سواء فى ذلك القارن والمتمتع بالعمرة فى أشهر الحج، وإنما يحرم بالحج مفردًا ثم يعتمر فى غير أشهر الحج ليكون قد زار البيت مرتين، مرة للحج ومرة للعمرة، وهذا معنى قوله "فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا البيت زورتين كان أفضل" وهذا رأى عثمان ﵁ واجتهاده كما صرح به فى آخر الحديث (٤) يشير الى قوله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدى﴾ (٥) يعنى أن الله تعالى رخص للناس بالتمتع فى أشهر الحج رحمة بهم، لأن منهم الفقير لاذي لا يمكنه زيارة البيت مرتين فى العام، ومنهم صاحب الأشغال الكثيرة التى لا تسمح له بذلك، ومنهم من بلده بعد يشق عليه الزيارة مرة أخرى لأجل العمرة والله أعلم بخلقه، وقد رخص لهم فى ذلك ولم يمنع رسول الله ﷺ من ذلك، فلا ينبغى ولا يجوز أن يفتى بالرأى مع وجود
[ ١١ / ١٥٣ ]
-[رأي ابن عمر أن النبي ﷺ أفرد الحج - ورأى أنس أنه ﷺ قرن والجمع بينهما]-
فقال وهل نهيت عنها؟ إنِّى لم أنه عنها، إنَّما كان رأيًا أشرت به فمن شاء أخذ به، ومن شاء تركه
(١١٦) عن حميد عن بكر قال قلت لابن عمر إن أنسًا أخبرنا أنَّ النَّبىَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال لبَّيك بعمرة وحج قال وهل أنس، خرج فلبىَّ بالحجِّ ولبينا معه، فلمَّا قدم أمر من لم يكن معه الهدى أن يجعلها عمرةً، قال فذكرت ذلك لأنس، فقال ما تعدُّونا إلاّ صبيانًا
(١١٧) عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله صلَّى الله
_________________
(١) النص. هذا ما ذهب اليه الأمام على ﵁ والدليل بعضده، ثم أهلَ على ﵁ بالحج والعمرة معًا أمام عثمان ليعلم الناس أن ذلك جائز وأنه لا مانع منه (١) اعتذر عثمان ﵁ وبين الناس أنه لم ينه عن العمرة فى أشهر الحج لكونها لا تجوز فيها، بل هى جائزة الا أنها فى غير أشهر الحج أفضل، وهذا رأيه واجتهاده، ولذلك قال فمن شاء أخذ به ومن شاء تركه والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السياق لغير الأمام أحمد وسنده جيد
(٢) عن حميد عن بكر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سهل ابن يوسف عن حميد عن بكر- الحديث" (غربيه) (٢) هو حميد الطويل، وبكر هو ابن عبد الله المزنى كما صرح بذلك فى رواية النسائى (٣) احتج به القائلون بالقران (قال النووى) والصحيح المختار فى حجة النبى ﷺ أنه كان فى أول إحرامه مفردًا ثم أدخل العمرة على الحج قال فحديث ابن عمر هما محمول على اول احرامه ﷺ، وحديث انس محمول على أواخره واثنائه، وكأنه لم يسمعه أولا. ولابد من هذا التأويل أو نحوه لتكون رواية أنس موافقة لرواية الأكثرين واله أعلم (٤) بكسر الهاء أى غلط يقال وهل عن الشاء وفيه. وهلا من باب تعب، أى غلط فيه (وقوله خرج) يعنى رسول الله ﷺ (٥) أى كأنكم ما تأخذون بقولنا لعدكم ايانا صبيابا خينئذ، وقد علمت الجمع بين الحديثين وكلاهما حق (تخريجه) (م. نس. وغيرهما)
(٣) عن ابن عمر ﵄ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا
[ ١١ / ١٥٤ ]
-[زوائد الباب في أدلة القران بين الحج والعمرة]-
عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من قرن بين حجَّته وعمرته أجزأه لهما طواف واحد
(١١٨) عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جدَّه أنَّ رسول الله ﷺ إنَّما قرن خشية أن يصدَّ عن البيت وقال إن لم يكن حجَّة فعمرة
_________________
(١) أحمد بن عبد الملك الحرانى أنا الدراوردى عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر- الحديث" (تخريجه) (م. وغيره)
(٢) عن عمرو بن شعيب (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو أحمد ثنا يونس بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- الحديث" (غربيه) (١) من المعلوم قطعًا أنه ﷺ ما حج بعد الهجرة إلا مرة واحدة هى حجة الوداع وهى التى قرن فيها، وكانت سنة عشر من الهجرة فى أواخر أيام حياته ﷺ بعد أن عزز الله الأسلام وأظهره على سائر الأديان، وفتحت مكة وغيرها من البلدان، ونزل فى حجة الوداع قوله تعالى ﴿اليوم أكملت لكن دينكم وأتممت ليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ فكيف يخشى رسول الله ﷺ أن يصد عن البيت، هذا مما لا يفهم له معنى ولا يؤخذ على ظاهره، ولابد أن يكون غلط فيه يعض الرواة لاسيما وفى اسناده من تكلم فيه والله أعلم (تخريجه) أورده الهيثمى بلفظه عن عمرو بن شعيب عن أبيه ولم يقل عن جده كما هنا، وعزاه للإمام أحمد ثم قال، وهو مرسل وفيه يونس بن الحارث وثقه ابن حبان وغيره وضعفه أحمد غيره، ولا أدرى ما معنى خشية أن يصد عن البيت وهو فى حجة الوداع والله أعلم (زوائد الباب) (عن أبن أبى أوفى) ﵁ قال إنما جمع رسول الله ﷺ بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعد ذلك (بز. طب. طس) وفيه يزيد بن عطاء، قال الهيثمى وثقه أحمد وغيره وفيه كلام (وعن جابر) أن النبى ﷺ قدم فقرن بين الحج والعمرة وساق الهدى وقال من لم يلد الهدى فليجعلها عمرة (بز) ورجاله رجال الصحيح (وعن أبى داود) يعنى الأنصارى المازنى قال خرجنا مع رسول الله ﷺ فلما جئنا ذا الحليفة دخل رسول الله ﷺ المسجد فصلى ركعتين ثم أحرم فى دبر الصلاة بحجة وعمرة معًا (طس) وفيه أبو غزية محمد بن موسى الأنصارى ضعفه البخارى وغيره ووثقه الحاكم، قال الهيثمى وفيه أيضا جماعة لم أعرفهم ول يسموا (وعن عائشة) ؤضى الله عنها قالت قال رسول الله ﷺ فى حجة الوداع ولولا أخهديت لحللت، وكان أهل بعمرة وحج (طس) ورجاله ثقات رجال الصحيح، قال الهيثمي هو في الصحيح
[ ١١ / ١٥٥ ]
-[أحكام الباب في القران بين الحج والعمرة ومذاهب الأئمة في ذلك]-
(٨) باب ما جاء فى التمتع بالعمرة إلى الحج
(١١٩) عن عمران بن حصين ﵁ قال نزلت آية المتعة فى كتاب الله ﵎ وعملنا بها مع رسول الله ﷺ فلم ينزل آية تنسخها ولم ينه عنها النَّبي صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم حتَّى مات
(١٢٠) عن شعبة قال سمعت أبا جمرة الضُّبعىَّ قال تمتَّعت فنهانى ناس عن ذلك فأتيت ابن عبَّاس ﵄ فسألته عن ذلك فأمرني
_________________
(١) خلا قولها وكان أهل بعمرة وحج، أورد هذه الأحاديث الحاف الهيثمى (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية القران بين الحج والعمرة، وأن النبى ﷺ قرنبينهما فى حجته، وللعلماء خلاف فى ذلك تقجم فى أحكام باب صفة حج النبى ﷺ صحيفة ٩٥ فارجع اليه
(٢) عن عمران بن حصين (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى ثنا عمران القصير ثنا أبو رجاء عن عمران بن حصين- الحديث (غربيه) (١) زاد فى رواية عند مسلم "يعنى متعة الحج" (وقوله فى كتاب الله تعالى) يشير الى قوله ﷿ ﴿فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدى﴾ قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره والتمتع بالعمرة الى الحج يشمل من أحرم بهما أو أحرم بالعمرة أولًا، فلما فرغ منها أحرم بالحج، وهذا هو التمتع الخامس. وهو المعروف فى كلام الفقهاء، والتمتع العام يشمل القسمين كما دلت عليه الأحاديث الصحاح، فان من الرواة من يقول تمتع رسول الله ﷺ وآخر يقول قرن. ولا خلاف أنه ساق هجيا. وقال تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدى﴾ أى فليذبح ما قدر عليه من الهدى وأقله شاة (٢) لفظ مسلزم "ثم لم تنزل آية تفسخ آية متعة الحج .. الحديث" (تخريجه) (ق. هق. وغيرهم)
(٣) عن شعبة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا ثنا شعبة- الحديث" (غربيه) (٣) بالجيم والراء اسمه نصر بن عمران والضبعى بضم الضاد المعجمة وفتح الباء نسبة إلى ضبيعة بن نزار (٤) قال الحافظ لم أقف على أسمائهم وكان ذلك فى زمن ابن الزبير وكان ينهى عن المتعة كما رواه مسلم من حديث أبى الزبير عنه وعن جابر (قلت وسيأتى للأمام أحمد أيضا) ونقل ابن أبى حاتم عن الزبير
[ ١١ / ١٥٦ ]
-[حجة القائلين بجواز التمتع بالعمرة الى الحج]-
بها قال ثمَّ انطلقت إلى البيت فنمت فأتانى آتٍ فى منامي فقال عمرة متقبَّلة وحجُّ مبرور، قال فأتيت ابن عبَّاس فأخبرته بالَّذى رأيت فقال الله أكبر الله أكبر، سنَّة أبى القاسم صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وقال فى الهدى جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم
(١٢١) عن ابن عباس ﵄ قال تمتَّع رسول الله ﷺ حتَّى مات، وأبو بكر حتَّى مات، وعمر حتَّى مات، وعثمان حتَّى مات، ﵃
_________________
(١) أنه كان لا يرى التمتع إلا للمحصر ووافقه علقمة وابراهيم، وقال الجمهور لا اختصاص بذلك للحصر (١) أى بالعمرة لأنه كان يرى جوازها (٢) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف أى هذه عمرة متقبلة (وحج مبرور) اى مقبول، وتقدم الكلام فى معناه بأوسع من هذا فى الباب الأول من كتاب الحج (٣) بالرفع خبر مبتدأ محذوف أى هذه سنة أبى القاسم ويجوز فيه النصب أى وافقت سنة أبى القاسم ﷺ، والى هنا انتهى الحديث عند مسلم، زاد البخارى "فقال لى أقم عندى فأجعل لك سهما من مالى، قال شعبة فقلت لم؟ فقال للرؤيا التى رأيت" أى لأجل الرؤيا المذكورة (قال الحافظ) ويؤخذ منه إكرام من أخبرنه المرء بما يسره وفرح العالم بموافقة الحق والاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعى، وعرض الرؤيا على العالم والتكبير عند المسرة والعمل بالأدلة الظاهرة والتنبيه على اختلاف أهل العلم ليعمل بالراجح منه للدليل اهـ (٤) هذه الجملة وهى قوله وقال فى الهدى الخ ليست عند الشيخين وهى من كلام ابن عباس، وقد جاء مرفوعا فى غير هذا الحديث، ومعناه أن الهدى يكون من الأبل أو البقر أو الغنم ويجوز أن يشترك سبعة فى بقرة أو بدنة، وفى بعض الروايات عشرة فى بدنة، وسيأتى ذلك مع الكلام عليه فى كتاب الهدايا والضحايا إن شاء الله تعالى (٥) فى الأصل بعد قوله فى دم، قال عبد الله "يعنى ابن الأمام أحمد" ما أسند شعبة عن أبى جمرة إلا واحدا وأبو جمرة أوثق من أبى حمزة والله أعلم (تخريجه) (ق. هق. وغيرهم)
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس ابن محمد ثنا عبد الواحد يعنى ابن زياد ثنا ليث عن طاوس عن ابن عباس- الحديث"
[ ١١ / ١٥٧ ]
-[نهي معاوية بن أبى سفيان عن العمرة في أشهر الحج وتعجب ابن عباس منه]-
وكان أوَّل من نهى عنها معاوية قال ابن عبَّاس فعجبت منه وقد حدَّثني أنَّه قصَّر عن رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بمشقصٍ
(١٢٢) عن غنيمٍ قال سألت سعد بن أبى وقاَّص ﵁
_________________
(١) (غريبه) (١) يعارضه ما فى صحيح مسلم قال عبد الله بن شقيق كان عثمان ينهى عن المتعة وكان على يأمر بها، وسيأتى للأمام أحمد نهى عثمان وعمر أيضا عن المتعة فى هذا الباب، ويمكن أن يجاب أن نهيهما محمول على التنزية، ونهى معاوية ﵁ على التحريم، فأوليته باعتبار التحريم (قال النووى) ﵀ وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهى تنزيه لا تحريم اهـ. ويمكن الجمع بين فعلهما ونهيهما بأن الفعل كان متأخرا لما علما جواز ذلك ويتحمل أن يكون لبيان الجواز كذا فى شرح أبى الطيب (٢) هذه الجملة وى قوله (قال ابن عباس فعجبت منه الخ- الحديث. لم أقف عليها فى هذا الحديث لغير الأمام أحمد، ورواه الترمذى إلى قوله وكان أول من نهى عنها معاوية، نعم جاءت قصة تقصير معاوية شعر النبى ﷺ فى حديث مستقل رواه مسلم وأبو داود والنسائى والأمام أحمد أيضا، وإنما تعجب منه ابن عباس ﵁ لكونه كان ينكر العمرة، والظاهر أنه كان ينكرها فى أشهر الحج سواء أكانت مقرونة بالحج أم مفردة والنبى ﷺ كان قارنا أو متمتا باعتبار أن القران يسمى تمتعًا، وقد أخبر معاوية أنه قصر عن رسول الله ﷺ فلماذا ينكر العمرة وقد أعلم أن النبى ﷺ فعلها؟ ففى رواية لأبى داود أن معاوية قال لابن عباس أما علمت أنى قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص أعرابى على المروة لحجته، قال ابن حزم فى حجة الوادع. قال السندى وهذا مشكل يتعلق به من يقول إنه ﷺ كان متمتعا، والصحيح الذى لا شك فيه والذى نقله الكواف أنه ﷺ لم يقصر من شعره شيئا ولا أحل شيئا من إحرامه إلى أن حلق بمنى يوم النحر، ولعل معاوية عنى بالحجة عمرة الجعرانة لأنه قد أسلم حينئذ، ولا يصوغ هذا التأويل فى رواية من روى أنه كان فى ذى الحجة، أو لعله قصر عنه ﵊ بقية شعر لم يكن استوفاء الحلاق بعد قصره معاوية على المروة يوم النحر اهـ والله أعلم (٣) المشقص كمنبر نصل عريض أو سهم فيه ذلك، والنصل الطويل أو سهم فيه ذلك يرمى به الوحش، قاله فى القاموس (تخريجه) (مذ) وقال حديث ابن عباس حديث حسن اهـ وروى (م. د. نس) منه قصة تفسير معاوية عن النبى ﷺ وعلى آله وصحبة وسلم
(٢) عن غنيم (سنده) حدثنا عبد لله حدثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد أنبأنا سليمان يعنى التيمى حدثنى غنيم- الحديث" (غربيه) (٤) هو ابن قيس
[ ١١ / ١٥٨ ]
-[رأي سعد بن أبى وقاص ﵁ جواز العمرة في أشهر الحج]-
عن المتعة قال فعلناها وهذا كافر بالعرش يعنى معاوية
(١٢٣) عن مالك بن أنسٍ عن ابن شهاب عن محمَّد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطَّلب أنَّه حدَّثه أنه سمع سعد بن أبى وقَّاص والضَّحَّاك بن قيس ﵄ عام حجِّ معاوية بن أبى
سفيان وهما
_________________
(١) المازني (١) بضم العين والراء هى بيوت مكة كما فسرت بذلك فى رواية عند مسلم (قال أبو عبيد) سميت بيوت مكة عرشا لأنها عيدان تنصب وتظلل، قال ويقال لها أيضا عروش بالراء واحدها عرش كفلس وفلوس، ومن قال عرش فواحدها عريش كقليب وقلب (قال النووى) وفى حديث آخر أن عمر ﵁ كان إذا نظر إلى عروش مكة قطع التلبية وقال واما قوله ﴿وهذا يومئذ كافر بالعرش﴾ فالأشارة بهذا الى معاوية بن أبى سفيان وفى المراد بالكفر هنا وجهان (أحدهما) ما قاله المازرى وغيره المراد وهو مقيم فى بيوت مكة، قال ثعلب يقال اكتفر الرجل إذا لزم الكفور وهى القرى، وفى الأثر عن عمر ﵁ "أهل الكفور هم أهل القبور" يعنى القرى البعيدة عن الأمصار وعن العلماء (والوجه الثانى) المراد الكفر بالله تعالى، والمراج أنا تمتعنا ومعاوية يومئذ كافر على دين الجاهلية مقيم بمكة، وهذا اختيار القاضى عياض وغيره وهو الصحيح المختار، والمراد بالمتعة العمرة التى كانت سنة سبع من الهجرة وهى عمرة القضاء وكان معاوية يومئذ كافر، وإنما أسلم بعد ذلك عامالفتح سنة ثمان، وقيل إنه أسلم بعد عمرة القضاء سنة سبع. والصحيح الأول، وأما غير هذه العمرة من عمر النبى ﷺ فلم يكن معاوية كافرا ولا مقيما بمكة بل كان معه النبى ﷺ (قال القاضى عياض) وقال له بعضهم كافر بالعرش بفتح العين واسكان الراء، المراد عرش الرحمن قال القاضى هذا تصحيف، وفى هذا الحديث جواز المتعة فى الحج اهـ (تخريجه) (م. وغيره)
(٢) عن مالك بن أنس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى قال قرأت على عبد الرحمن عن مالك قال أبى وحدثنا عبد الرواق أنبأنا مالك بن أنس- الحديث" (غربيه) (٢) سعد بن أبى وقاص صحابى معلوم ومشهور (والضحاك بن قيس) يعنى ابن خالد بن وهب الفهرى الأمير المشهور صحابى أيضا، وقتل فى موقعة مرج راهط سنة ٥٥ على الصحيح (٣) كان أول حجة حجها بعد الخلافة سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين، ذكره ابن جرير، والمراد الأولى، لأن سعدا مات سنة خمس وخمسين
[ ١١ / ١٥٩ ]
-[نهي عمر بن الخطاب ﵁ عن المتعة فى أشهر الحج]-
يذكران التَّمتع بالعمرة إلى الحجِّ فقال الضحَّاك لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله فقال سعد ﵁ بئسما قلت يا ابن أخى، فقال الضَّحَّاك فإنَّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك فقال له سعد قد صنعها رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وصنعناها معه
(١٢٤) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال متعتان كانتا على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فنهانا عنهما عمر فانتهينا
(١٢٥) عن إبراهيم بن أبى موسى عن أبي موسى (الأشعرىِّ ﵁) أنه كان يفتى بالمتعة فقال له رجل رويدك ببعض فتياك فإنَّك لا تدرى ما أحدث أمير المؤمنين في النُّسك بعدك حتَّى لقيه بعد فسأله
_________________
(١) على الصحيح (١) أى لأن الله تعالى قال ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ فأمره بالأتمام يقتضى الاستمرار الى فراغ الحج ومنع التحلل، والتمتع يتحلل ويستمتع بما كان محظورا عليه (٢) أى نهى عن التمتع وتقدم نهى عمر من حديث أبى موسى فى باب من أحرم مطلثا أو قال أحرمت بما أحرم به فلان، وسيأتى نحوه فى هذا الباب أيضا مع تعليل نهى عمر ﵁ (٣) أى فلا حجة لأحد بعد فعل رسول الله صلة الله عليه وسلم وأصحابه (خريجه) (لك. نس. هق. مذ) وصححه
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الصمد ثنا حماد عن عاصم عن أبى نضرة عن جابر- الحديث" (غربيه) (٤) إحداهما متعة النكاح وهى نكاح المرأة الى الرجل، وهذه قد وقع الأجماع على تحريمها (والثانية) متعة الحج، وهذه قد وقع الأجماع على جوازها سواء أكانت مقرونة بحج أم مفردة فى أشهر الحج (٥) سيأتى كلام عمر ﵁ فى علة نهيه عن المتعة فى الحديث التالى (تخريجه) (م) وغيره
(٣) عن ابراهيم بن موسى (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو عبد الله محمد بن جعفر ثنا شعبة عن الحاكم عن عمارة بن عمير عن ابراهيم بن أبى موسى عن أبى موسى- الحديث" (غربيه) (٦) أى ارفق قليلا وأمسك عن الفتيا
[ ١١ / ١٦٠ ]
-[بيان السبب في نهى عمر بن الخطاب ﵁ عن المتعة فى أشهر الحج]-
فقال عمر ﵁ قد علمت أنَّ النبَّيَّ ﷺ قد فعله وأصحابه، ولكنىِّ كرهت أن يظلوُّا بهنَّ معرسين في الأراك ثمَّ يرحون بالحجِّ تقطر رءوسهم (وعنه من طريقٍ ثانٍ) عن أبى بردة عن أبى موسي (الأشعرىِّ ﵁) أنَّ عمر ﵁ قال هى سنَّة رسول الله ﷺ يعنى المتعة، ولكنىِّ أخشى أن يعرسوا بهنَّ تحت الأراك ثمَّ يرحوا بهنَّ حجَّاجًا
(١٢٦) عن سالم بن عبد الله بن عمر قال كان ابن عمر ﵄ يفتى بالَّذي أنزل الله ﷿ من الرُّخصة بالتَّمتُّع وسنَّ رسول الله ﷺ فيه، فيقول ناس لابن عمر كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك؟ فيقول لهم عبد الله ويلكم. ألا تتقون الله، إن كان عمر نهي عن ذلك فيبتغى فيه الخير،
_________________
(١) هو بإسكان العين وتخفيف الراء، والضمير فى بهن يعود إلى النساء للعلم بهن وإن لم يذكرون، يقال أعرس الرجل فهو معرس إذا دخل بأمرأته عند بنائها، وأراد هنا الوط، فسماه إعراسا لأنه من توابع الأعراس ولا يقال فيه عرس، والتعريس نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة، يقال منه عرس يعرس تعريسا "الأراك" بفتح الهمزة شجر معروف بأرض الحجاز، له حمل كعناقيد العنب. واسمه الكباث بفتح الكاف، وإذا نضج يسمى المرد بفتح الميم وسكون الراء والمعنى أن عمر ﵁ كره التمتع لأنه يقضى التحلل ووطء النساء إلى حين الخروج إلى عرفات، فبين العلة التى لأجلها كره التمتع، وكان من رأيه عدم الترفه للحاج بكل طريق. فكرة قرب عهدهم بالنساء لئلا يستمر البلل إلى ذلك بخلاف من بعد عهده به، ومن يتفعلم ينفطم (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق قال وأخبرنى هشيم عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم بن عتيبة عن عمارة عن أبى بردة- الحديث" (تخريجه) (م. نس. جه. هق. وغيرهم)
(٢) عن سالم بن عبد الله بن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا روح ثنا صالح بن أبى الأخضر ثنا ابن شهاب عن سالم- الحديث (غربيه) (٣) يشير إلى قوله ﷿ ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾
[ ١١ / ١٦١ ]
-[من قال أن متعة النساء والحج كانتا جائزتين أوَّلًا للحاجة اليها ثم نسختا]-
يلتمس به تمام العمرة فلم تحرِّمون ذلك وقد أحلَّه الله وعمل به رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، أفرسول الله ﷺ أحقُّ أن تتبَّبعوا أم سنَّة عمر؟ إنَّ عمر لم يقل لكم إنَّ العمرة في أشهر الحجِّ حرام، ولكنَّه قال أتمُّ العمرة أن تفردوها من أشهر الحجِّ
(١٢٧) عن أبى نضرة قال قلت لجابر بن عبد الله إنَّ ابن الزُّبير ﵄ ينهى عن المتعة وإنَّ ابن عبَّاس ﵄ يأمر بها، قال فقال لى على يديَّ جرى الحديث، تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ قال عفَّان ومع أبى بكر، فلمَّا ولى عمر خطب النَّاس فقال إنَّ القرآن هو القرآن وإنَّ رسول الله ﷺ هو الرَّسول وإنَّهما كانتا متعتان على عبد رسول الله
_________________
(١) يعني أن تكون مفردة مستقلة عن الحج لتكون أشق على النفس فيكون ثوابها أعظم، هذه وجهة نظر عمر ﵁ (٢) يعنى أنه لا قول لأحد بعد قول الله ﷿ ورسوله، ومع هذا فان عمر لم يخالف الله ورسوله ولم يقل بتحريم العمرة، بل قصد بنهيه الأثم والأفضل فى نظره وهو مجتهد، ولا لوم عليه فى ذلك والله أعلم (تخريجه) (هق) وفى اسناده صالح بن أبى الأخضر، قال يحيى بن معين ضعيف، وقال الأمام أحمد يعتبر به، وقال العجلى يكتب حديثه وليس بالقوى
(٢) عن أبى نضرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا بهز قال وثنا عفان قالا ثنا همام ثنا قتادة عن أبى نضرة- الحديث (غربيه) (٣) هو أحد رجال السند يعنى أنه زاد فى روايته ومع أبى بكر (٤) يريد أن كتاب الله ﷿ محفوظ لا يعتبر به تغيير ولا تبجيل وانه واجب الاتباع، وأن رسول الله ﷺ كلامه مسموع وأمره مطاع لأنه لا ينطق عن الهوى (وأنهما كانتا متعتان) جائزتان على عهد رسول الله ﷺ للحاجة اليهما وقد انتهت الحاجة "احداهما متعة الحج والأخرى متعة النساء" (وأما متعة الحج) فقد قال الله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وقد فهم عمر ﵁ من ذلك أن إتمامهما إفراد كل واحد منهما عن الآخر وأن تكون العمرة فى غير أشهر الحج، فقد روى عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهرى قال بلغنا أن عمر قال في قول الله تعالى
[ ١١ / ١٦٢ ]
-[كلام العلماء فيما استقر عليه الأمر في متعة الحج ومتعة النساء]-
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم متعة الحجِّ والأخرى متعة النِّساء
(١٢٨) عن يونس عن الحسن أنَّ عمر ﵁ أراد أن ينهى عن متعة الحجِّ فقال له أبىُّ (بن كعب) ﵁ ليس ذاك لك قد تمتَّعنا مع رسول الله ﷺ ولم ينهنا، فأضرب عن ذلك عمر ﵁ وأراد أن ينهى عن حلل الحبرة لأنَّها تصبغ بالبول، فقال له أبىُّ ليس ذلك لك، قد لبسهنَّ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ولبسناهنَّ في عهده
_________________
(١) "وأتموا الحج والعمرة لله" من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما من الآخر وأن تعتمر في غير أشهر الحج، إن الله تعالى يقول "الحج أشهر معلومات" وقال هشام عن ابن عوف سمعت القاسم بن محمد يقول ان العمرة في أشهر الحج ليست بتامة، فقيل له فالعمرة في المحرم؟ قال كانوا برونها تامة (وأما متعة النساء) فقد روى الشيخاني والأمام أحمد عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأنسية (وعن سبرة الجهني) ﵁ أن رسول الله ﷺ في حجة الوداع نهى عن نكاح المتعة" رواه الأمام أحمد وأبو داود، وسيأتي في باب نكاح المتعة الى يوم القيامة، وأما متعة الحج فقد اختلف فيها الصحابة ثم انعقد الأجماع بعد ذلك على جواز الأفراد والقران والتمتع كما سيأتي في الأحكام عن النووي والله أعلم (تخريجه) (م. هق. وغيرهما) ولفظ مسلم عن جابر تمتعنا مع رسول الله ﷺ فلما قام عمر قال إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء وإن القرآن قد نزل بنازله "فأتموا الحج والعمرة" كما أمركم الله وأبتوا نكاح هذه النساء فلن أوتي برجل نكح امرأة الى أجل إلا رجمته بالحجارة (وله في رواية) فافصلوا حجكم من عمرتكم فانه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم
(٢) عن يونس عن الحسن (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هشيم أنبأنا يونس عن الحسن_ الحديث" (غريبه) (١) أي ليس ذاك من حقك، وإنما هو من حق رسول الله ﷺ المشرع وقد تمتعنا ولم ينهنا (٢) أي فأعرض عن قوله ولم يعره التفاتا، لأن له نظرا خاصا في فعل رسول الله ﷺ تقدم بيانه (٣) بوزن عنبة ثياب يمانية من قطن أو كتان مخططة، والجمع حبر وحبرات مثل عنب وعنبات (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد، وأورده الهيثمي وقال الحسن لم يسمع من
[ ١١ / ١٦٣ ]
-[نهي عثمان وابن الزبير ﵃ عن المتعة وإنكار ابن عباس عليهما ذلك]-
(١٢٩) عن سعيد بن المسيَّب قال اجتمع علىّ وعثمان ﵄ بعسفان فكان عثمان ﵁ ينهي عن المتعة والعمرة فقال له علىّ ﵁ ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تنهى عنها فقال عثمان ﵁ دعنا منك
(١٣٠) عن إسحاق بن يسار قال إنَّا لبمكَّة إذ خرج علينا عبد الله ابن الزُّبير ﵄ فنهى عن التَّمتُّع بالعمرة إلى الحجِّ وأنكر أن يكون النَّاس صنعوا ذلك مع رسول الله ﷺ فبلغ ذلك عبد الله بن عبَّاس ﵄، فقال وما علم ابن الزُّبير بهذا؟ فليرجع إلى أمِّه أسماء بنت
_________________
(١) أبي ولا من عمر ورجاله رجال الصحيح
(٢) عن سعيد بن المسيب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب_ الحديث" (غريبه) (١) قال النووي ﵀ المختار أن المتعة التي نهى عنها عثمان هي التمتع المعروف في الحج وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهي تنزيه لا تحريم، وإنما نهيا عنها لأن الأفراد أفضل، فكان عمر وعثمان يأمران بالأفراد لأنه أفضل. وينهيان عن التمتع نهي تنزيه لأنه مأمور بصلاح رعيته، وكان يرى الأمر بالأفراد من جملة صلاحهم والله اعلم (٢) أي ما تقصد بنهيك هذا عن أمر فعله رسول الله ﷺ (٣) أي اتركنا من كلامك، وإنما قال عثمان ذلك لأنه يرى أن ما رآه من مصلحة الناس، زاد مسلم فقال (يعني عليا ﵁) لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى علىّ ذلك أهل بهما جميعًا (قال النووي) ففيه اشاعة العلم وإظهاره ومناظرة ولاة الأمور وغيرهم في تحقيقه ووجوب مناصحة المسلم في ذلك، وهذا معنى قول علي لا أستطيع أن أدعك، وأما إهلال علي بهما فقد يحتج به من يرجح القران، وأجاب عنه من رجح الأفراد بأنه إنما أهل بهما ليبيبن جوازهما لئلا يظن الناس أو بعضهم أنه لا يجوز القران ولا التمتع وأنه يتعين الأفراد والله اعلم (تخريجه) (ق. هق)
(٣) عن اسحاق بن يسار (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي قال ثنا يعقوب بن ابراهيم قال حدثني أبي عن ابن اسحاق قال حدثني أبي إسحاق بن يسار
[ ١١ / ١٦٤ ]
-[نهي ابن الزبير عن متعة الحج وانكار ابن عباس عليه واستشهاده بأمه أسماء امرأة الزبير]-
أبي بكر ﵄ فليسألها فإن لم يكن الزُّبير قد رجع إليها حلالًا وحلَّت، فبلغ ذلك أسماء فقالت يغفر الله لابن عبَّاس، والله لقد أفحش، قد والله صدق ابن عبَّاس، لقد حلوُّا وأحللنا وأصابوا النِّساء
(١٣١) عن مسلم القرِّيِّ قال سألت ابن عبَّاس عن متعة الحجِّ فرخَّص فيها وكان ابن الزُّبير ينهى عنها، فقال هذه أمُّ ابن الزُّبير تحدث أنَّ رسول الله ﷺ رخَّص فيها فأدخلوا عليها فاسألوها، قال فدخلنا عليها فإذا امرأة ضخمة عمياء فقالت قد رخَّص رسول الله ﷺ فيها
_________________
(١) قال إنا لبمكة_الحديث" (غريبه) (١) ظاهر هذا أن الزبير حل مع من أحلوا وليس كذلك، فقد ثبت عند مسلم والامام أحمد وغيرهما وسيأتي في هذا الباب ان الزبير كان معه الهدى فلم يحل، وأسماء لم يكن معها هدى فحلت (٢) يعني أنه جاوز الحد في كلامه لأمرين (الأمر الاول) لن في قوله فليرجع "يعني ابن الزبير الى أمه الخ" تلميحا بأن الزبير أصاب أسماء حينما حل كما فعل من أحلوا مع نسائهم، وهذا لا ينبغي التلميح به (الأمر الثاني) أن كلامه يفهم منه أن الزبير قد حل من احرامه والواقع غير ذلك، فقد كان معه الهدى ولم يحل، وسيأتي في حديث أسماء انها قالت فلم يكن معي هدى فحللت وكان مع الزبير زوجها هدى فلم يحل، قالت فلبست ثيابي وحللت فجئت الى الزبير فقال قومي عني قالت فقلت أتخشى أن أثب عليك؟ "ويجاب عن ابن عباس" في الأمر الأول بأنه كان يفهم أن الزبير حل مع من أحلوا لأنه كان محرما بعمرة ولم يعلم أنه ساق الهدى وإن كان هذا الفهم خطأ فالخطأ مغتفر، ولذلك دعت له أسماء بالمغفرة لأنها فهمت أن ذلك ناشئ عن خطأ لا عن عمد. أما قولها ٠ قد والله صدق ابن عباس) فانها تعني أن بعض الناس قد كان معتمرا وحل وأصاب النساء حقيقة كما قال ابن عباس، والله اعلم (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السباق لغير الأمام أحمد، ورواه مسلم بسياق آخر سيأتي بعد هذا
(٢) عن مسلم القرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا روح ثنا شعبة عن مسلم القرى_ الحديث" (غريبه) (٣) هو بقاف مضمومة ثم راء مشددة، قال السمعاني هو منسوب الى نبي قرة حي من عبد القيس (تخريجه) (م. هق)
[ ١١ / ١٦٥ ]
-[رجوع عبد الله بن الزبير عن نهيه عن التمتع بالعمرة الى الحج]-
(١٣٢) عن عبد الله بن شريك الِّعامرىِّ قال سمعت عبد الله بن عمر وعبد الله بن عبَّاس وعبد الله بن الزُّبير ﵃ سئلوا عن العمرة قبل الحجِّ في المتعة فقالوا نعم سنَّة رسول الله ﷺ تقدم فتطوف بالبيت بين الصَّفا والمروة ثمَّ تحلُّ وإن كان ذلك قبل يوم عرفة بيوم ثمَّ تهلُّ بالحجِّ فتكون قد جمعت عمرةً وحجَّةً أو جمع الله لك عمرةً وحجَّةً
(١٣٣) عن أسماء بنت أبى بكر ﵄ قالت خرجنا محرمين
_________________
(١) عن عبد الله بن شريك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبيس ثنا اسحاق بن يوسف عن شربك عن عبد الله بن شربك_ الحديث" (غريبه) (١) ان قيل هذا ينافي ما تقدم في الحديثين السابقين من نهي عبد الله بن الزبير عن التمتع بالعمرة إلى الحج وإنكاره على من فعل ذلك (فالجواب) أن ذلك كان قبل أن يتحقق وقوعه للناس مع رسول الله ﷺ في حجة بالوداع، وغيرها فلما تحقق وقوعه من آمه رجع عن الأنكار وأفنى بالجواز، والرجوع الى الحق فضيلة (٢) ظاهره جواز الحل بعد الطواف والسعي بين الصفا والمروة، وليس كذلك، بل الحل لا يكون إلا بعد الحلق والتقصير، وإنما حذف للعلم به لأنهم كانوا يعلمون أنه من لوازم الحل، وقد صرح بالحلق أو التقصير في حديث ابن عباس، وتقدم في باب ما جاء في الأفراد قال "وامر من لم يكن ساق الهدى أن يطوف وان يسعى ويقصر أو يحلق ثم يحل" (٣) يعني يوم التروية وهو غاية المدة التي يجوز التحلل فيها، والغرض أن يحرم بالحج يوم التروية كما فعل أصحاب النبي ﷺ الذين تحللوا سواء حل من العمرة يوم التروية أو قبلها بأيام، وليهد إن تيسر له، فان لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع (٤) أي كتب الله له ثواب عمرة مستقلة وحجة كذلك والله أعلم (تخريجه) (طب) اورده الهيثمي بلفظه. وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير، وعبد الله بن شربك وثقه أبو زرعة وابن حبان، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح
(٢) عن أسماء بنت أبي بكر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا محمد بن بكر قال أنا ابن جريج وروح قال ثنا ابن جريج قال أخبرني منصور بن عبد الرحمن عن صفية بنت شيبة وهي أمه عن أسماء الخ (غريبه) (٥) هكذا عند مسلم أيضًا
[ ١١ / ١٦٦ ]
-[حجة القائلين بجواز التمتع وأن المتمتع لا يحل من احرامه إذا كان معه هدى]-
فقال النَّبيُّ ﷺ من كان معه هدي فليتمَّ (وفى لفظٍ فليقم على إحرامه) ومن لم يكن معه هدي فليحلل، قالت فلم يكن معى هدى فحللت وكان مع الزُّبير زوجها هدى فلم يحلَّ قالت فلبست ثيابى وحللت؛ فجئت إلى الزُّبير، فقال قومي عنىِّ قالت فقلت أتخشى أن أثب عليك
(١٣٤) عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أمر النَّاس عام حجَّة الوداع، فقال من أحبَّ أن يبدأ منكم بعمرة قبل الحجِّ فليفعل، وأفرد رسول الله ﷺ الحجَّ ولم يعتمر
(١٣٥) وعنها أيضًا ﵂ قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ
_________________
(١) خرجنا محرمين، وله في رواية أخرى "مهلين بالحج" والمعنى أن بعضهم كان مهلا بحج وبعضهم بعمرة كما صرحت بذلك عائشة في حديثها المتقدم في أول باب التخبير في الأحرام وفيه "فمنهم من أهل بعمرة ومنهم من أهل بحجة" وكانت أسماء وطائشة أهلتا بعمرة كما صرحت بذلك أسماء في حديثها المذكور في الباب المشار اليه وفيه "قالت أسماء وكنت أنا وعائشة والمقداد والزبير ممن أهل بعمرة" (١) هذا اللفظ لروح أحد رجال السند، ومعناه فليبق محرما حتى يتحلل يوم النحر (٢) هذا تصريح بأن الزبير لم يتحلل في حجة الوداع قبل يوم النحر خلافا لمل فهمه ابن عباس، وقد تقدم الكلام عليه قبل حديثين (٢) إنما أمرها بالقيام مخافة من عارض قد يندر منه كلمس بشهوة أو نحوه، فان اللمس بشهوة حرام في الأحرام، فاحتاط لنفسه بمباعدتها من حيث أنها زوجة متحللة تطمع بها النفس (تخريجه) (م. هق. وغيرهما)
(٢) (عن عائشة ﵂) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب ما جاء في الأفراد، وإنما ذكرته هنا لمناسبة الترجمة ولأنه ﷺ أباح لهم التمتع بالعمرة فدل على جواز ذلك والله اعلم
(٣) وعنها أيضا ﵂ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي قال قرأت على عبد الرحمن عن مالك عن ابن شهاب وحدثنا محمد بن جعفر قال ثنا مالك عن
[ ١١ / ١٦٧ ]
-[حجة القائلين بجواز التمتع وأن المتمتع لا يحل من إحرامه إذا كان معه هدى]-
عام حجَّة الوداع فأهللنا بعمرةٍ ثمَّ قال رسول الله ﷺ من كان معه هدى فليهلَّ بالحجِّ مع العمرة ثمَّ لا يحلُّ حتَّى يحلَّ منها جميعًا قالت فقدمت مكَّة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصَّفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال انقضى رأسك وامتشطى وأهلِّى بالحجِّ ودعى العمرة قالت ففعلت، فلمَّا قضينا الحجَّ أرسلنى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم مع عبد الرَّحمن بن أبى بكر إلى التَّنعيم فاعتمرت فقال هذه مكان عمرتك قالت فطاف الَّذين أهلوُّا بالعمرة بالبيت وبين الصَّفا
_________________
(١) الزهري عن عروة عن عائشة_ الحديث" (غريبه) (١) تعني نفسها وآخرين وافقوها، وأحرم آخرون بالحج كما ثبت في الآحاديث المتقدمة (٢) قال القاضي عياض ﵀ الذي تدل عليه نصوص الآحاديث في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من رواية عائشة وجابر وغيرهما ان النبي ﷺ إنما قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج في منتهى سفرهم ودنوهم من مكة بسرف كما جاء في رواية عائشة، أو بعد طوافه بالبيت وسعيه كما جاء في رواية جابر، ويحتمل تكرار الامر بذلك في الموضعين وأن العزيمة كانت آخرا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة (٣) أي اتتركي العمل فيها وإتمام أفعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس، وليس معناه رفضها بالكلية، وإنما أمرها ﷺ بالأعراض عن أفعال العمرة وأن تحرم بالحج فتكون قارنة وتقف بعرفات وتفعل المناسك كلها إلا الطواف فتؤخره حتى تطهر وكذلك فعلت، ومما يؤيد ذلك ما تقدم في حديث جابر في آخر باب ما يصنع من أراد الاحرام من الفعل والطيب ان رسول الله ﷺ قال لها طوفي بالبيت "يعني طواف الأفاضة" وبين الصفا والمروة، ثم قد أحللت من حجك وعمرتك، فهذا يفيد بقاء عمرتها صحيحة مجزئة وأنها كانت قارنة (٤) معناه أنها أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج الى العمرة وأتموا العمرة وتحللوا منها قيل يوم التروية ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة، وأما عائشة فأنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك، أي وقد تما وحسبا لك جميعا فأبت وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس، فلما اعتمرت عمرة منفردة قال لها النبي ﷺ
[ ١١ / ١٦٨ ]
-[أحكام الباب وكلام العلماء في المراد بالنهى عن المتعة]-
والمروة، ثمَّ أحلوُّا ثمَّ طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منًي لحجِّهم، فأمَّا الَّذين جمعوا الحجَّ فطافوا طوافا واحدا
_________________
(١) هذه مكان عمرتك أي التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة فمنعك الحيض من ذلك، وإنما حرصت على ذلك لتكثر أفعالها فيزداد ثوابها والله أعلم (١) أي بعد الحلق او التقصير كما تقدم (٢) هذا دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد عن طواف الركن وأنه يقتصر على أفعال الحج وتندرج أفعال العمرة كلها في أفعال الحج، وبهذا (قال الأمام الشافعي) وهو محكى عن ابن عمر وجابر وعائشة (والأمة مالك وأحمد) واسحاق وأبو داود، وقال (الأمام أبو حنيفة) يلزمه طوافان وسعيان، وهو محكى عن علي بن أبي طالب وابن مسعود والشعبي والنخعي والله أعلم (تخريجه) (ق. هق. وغيرهم) (الاحكام) أحاديث الباب تدل على جواز التمتع بالعمرة الى الحج في أشهر الحج سواء أكانت العمرة مفردة أو مقرونة بالحج، أما أحاديث النهي الواردة في الباب عن عمر وعثمان وعبد الله ابن الزبير فتقدم الكلام عليها في الشرح ونزيد هنا ما لم يذكر هناك (قال المازري) ﵀ اختلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج فقيل فسخ الحج الى العمرة وقيل هي العمرة في أشهر الحج ثم الحج من عامه، وعلى هذا إنما نهى عنها ترغيبا في الأفراد الذي هو أفضل لا أنه يعتقد بطلائها او تحريمها (وقال القاضي عياض) ظاهر الأحاديث أن المتعة التي اختلفوا فيها إنما هي فسخ الحج الى العمرة، قال ولهذا كان عمر ﵁ يضرب الناس عليها ولا يضربهم على مجرد التمتع في أشهر الحج، وإنما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة أن فسخ الحج الى العمرة كان مخصوصا في تلك السنة (قال ابن عبد البر) لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقول الله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدى" هو الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال ومن التمتع أيضا القران لأنه تمتع بسقوط سفره للنسك الآخر من بلده، قال ومن التمتع أيضا فسخ الحج الى العمرة، هذا كلام القاضي (قال النووي) والمختار ان عمر وعثمان وغيرهما إنما نهوا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ثم الحج من عامه، ومرادهم نهى أولوية للترغيب في الأفراد لكونه أفضل، وقد انعقد الأجماع بعد هذا على جواز الأفراد والتمتع والقران من غير كراهة، وإنما اختلفوا في الأفضل منها اخ (قلت) تقدم الكلام في التفضيل في آخر باب صفة حج النبي ﷺ في الاحكام صحيفة ٩٨ من هذا الجزء فارجع اليه والله الموفق
[ ١١ / ١٦٩ ]
-[تاريخ قتل عبد الله بن الزبير ﵄ وسببه]-
(٩) باب جواز ادخال الحج على العمرة والتحلل بالأحصار
(١٣٦) عن عروة عن عائشة ﵂ قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجَّة الوداع فأهللت بعمرةٍ ولم أكن سقت الهدى، فقال رسول الله ﷺ من كان معه الهدى فليهلَّ بالحجِّ مع عمرته ثمَّ لا يحلُّ حتَّى يحلَّ منهما جميعا فحضت، فلمَّا دخلت ليلة عرفة قلت يا رسول الله إنِّى كنت أهللت بعمرةٍ فكيف أصنع بحجَّتى؟ قال انقضي رأسك وامتشطى وأمسكى عن العمرة وأهلِّى بالحجَّ، فلمَّا قضيت حجَّتى أمر عبد الرحمن بن أبى بكر فأعمرنى من التَّنعيم مكان عمرتى التَّى نسكت عنها
(١٣٧) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى حدَّثنا هيحيى عن عبيد الله أخبرنى نافع أنَّ عبد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله كلَّما عبد الله (يعنى ابن عمر ﵄) حين نزل الحجَّاج لقتال ابن الزُّبير فقالا لا يضرُّك
_________________
(١) عن عروة عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة_ الحديث (غريبه) (١) هذا موضع الدلالة من الحديث، ففيه ادخال الحج على العمرة وبهذا يكون قارنا وتكفيه أفعال الحج عن أفعال العمرة (٢) أي عن بقية أفعالها لأن أفعال الحج تغني عنها (٣) أي مكان عمرتي في التي أدركني الحج فيها ولم أحلل منها كما صرح بذلك في رواية لمسلم (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبه) (٤) هو ابن عمر بن حفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب العمري أبو عثمان المدني أحد الفقهاء السبعة والعلماء الاثبات (ونافع) هو العدوى مولاهم أبو عبد الله أحد الاعلام، روى عن مولاه ابن عمر وأبي لبابة وأبي هريرة وعائشة وخلق، وروى عنه ابناه أبو بكر وعمر وأيوب وابن جريج ومالك وخلائق (قال البخاري) أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر (٥) هما ابنا عبد الله ابن عمر (٦) سبب ذلك على ما ذكره أصحاب الأخبار أنه لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية ولم يستخلف بقي الناس بلا خليفة شهرين وأياما، فأجمع أهل الحل والعقد من أهل مكة
[ ١١ / ١٧٠ ]
-[جواز إدخال الحج على العمرة والتحلل بالأحصار]-
أن لا تحجَّ هذا العام، فإنَّا نخشى أن يكون بين النَّاس قتال، وأن يحال بينك وبين البيت، قال إن حيل بينى وبينه فعلت كما فعل رسول الله ﷺ وأنا معه حين حالت كفَّار قريش بينه وبين البيت أشهدكم أنِّى قد أوجبت عمرةً فإن خلِّى سبيلى قضيت عمرتى، وإن حيل بينى وبينه فعلت كما فعل رسول الله ﷺ وأنا معه ثمَّ خرج حتَّى أتى ذا الحليفة فلبَّي بعمرةٍ ثمَّ تلا ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ ثمَّ سار حتَّى إذا كان بظهر البيداء قال ما أمرهما إلاَّ واحد، إن حيل بيني وبين العمرة حيل بيني وبين الحجِّ، أشهدكم أنِّى قد أوجبت حجَّةً مع عمرتى فانطلق حتَّى ابتاع
_________________
(١) فبايعوا عبد الله بن الزبير وتم له ملك الحجاز والعراق وخراسان وأعمال المشرق، وبابع أهل الشام ومصر مروان بن الحكم، فلم يزل الأمر كذلك حتى مات مروان وولى ابنه عبد الملك فمنع الناس الحج خوفًا أن يبايعوا ابن الزبير ثم بعث جيشًا أمَّر عليه الحجاج بن يوسف الثقفى فقاتل أهل مكة وحاصرهم حتى غلبهم وقتل ابن الزبير وصلبه، وذلك سنة ثلاث وسبعين (١) يعنى فى عمرة الحديبية حيث منعوا النبى ﷺ من دخول مكة، فقد روى الأمام مالك فى الموطأ أنه بلغه أن رسول الله ﷺ حل هو وأصحابه بالحديبية فنحروا الهدى وحلقوا رءوسهم وحلوا من كل شئ قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل اليه الهدى؛ ثم لم يعلم أن رسول الله ﷺ أمر أحدًا من أصحابه (يعنى المتقدمين ى صحبته الملازمين له) ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئًا ولا يعودوا لشئ ﴿وقوله أشهدكم﴾ إنما قاله ليعلمه من أراد الاقتداء به ممن كانوا معه، فلهذا قال أشهدكم ولم يكتف بالنية مع أنها كافية فى صحة الأحرام (٢) تقدم بيان ما فعله رسول الله ﷺ من رواية مالك فى الموطأ (٣) أى لأنه ميقات أهل المدينة، وإنما أهل بعمرة ليوافق ما فعله النبى ﷺ حيث أحرم بعمرة الحديبية سنة ست (٤) تقدم الكلام عليها وهى مكان قريب من ذى الحليفة ﴿وقوله ما آمرهما إلا واحد﴾ يعنى الحج والعمرة فى حكم الحصر، فاذا جاز التحلل فى العمرة مع أنها غير محدودة بوقت فهو فى الحج أجوز (٥) يعنى أنه أدخل الحج على العمرة
[ ١١ / ١٧١ ]
-[جواز الاكتفاء بطواف القدوم عن طواف الأفاضة للقارن]-
بقديدٍ هديًا ثمَّ طاف لهما طوافًا واحدًا بالبيت وبالصَّفا والمروة ثمَّ لم يزل كذلك إلى يوم النَّحر (ومن طريقٍ ثانٍ) عن نافع خرج ابن عمر يريد العمرة فأخبروه أن بمكَّة أمرًا، فقال أهلُّ بالعمرة فإن حبست صنعت كما صنع رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة، فلمَّا سار قليلا وهو بالبيداء قال ما سبيل العمرة إلاَّ سبيل الحجِّ أوجب حجَّا أو قال أشهدكم أنِّى قد أوجبت حجًّا، فإنَّ سبيل الحجِّ سبيل العمرة، فقدم مكَّة فطاف بالبيت سبعًا وبين الصَّفا والمروة سبعا، وقال هكذا رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فعل أتى قديدًا فاشترى هديًا فساقه
(١٣٨) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى حدَّثنا محمَّد بن جعفر وروح قالا حدَّثنا شعبة قال روح سمعت مسلمًا القرِّىَّ قال محمد عن مسلم القرِّي قال
_________________
(١) فصار قارنا، وهذا موضع الدلالة من الحديث (١) بالتصغير موضع بين مكة والمدينة (٢) يعني طواف القدوم اكتفى به عن طواف الأفاضة كما هو شأن القارن، وهذا معنى قوله "ثم طاف لهما" أي للحج والعمرة طوافا واحدا (وقوله ثم لم يزل كذلك) يعني محرما بالحج والعمرة (إلى يوم النحر) أي ثم تحلل بالنحر والحلاق أو التقصير (وفي رواية للشيخين) فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزل على ذلك ولم ينحر ولم يحلق ولم يقصر ولم يحلل من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، وقال ابن عمر كذلك فعل رسول الله ﷺ "يعني في حجة الوداع" (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان ثنا أيوبي بن موسى عن نافع خرج ابن عمر-الحديث" (٤) الظاهر أنه يشير بقوله هكذا إلى شراء رسول الله ﷺ الهدى من قديد وسوقه، ويحتمل رجوع الأشارة إلى الأفعال المتقدمة أيضًا، ويؤيد ذلك رواية الشيخين المذكورة آنفًا، وفيها قال ابن عمر بعد ذكر هذه الأفعال المتقدمة "كذلك فعل رسول الله ﷺ (تخريجه) (ق. لك. هق. وغيرهم)
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبة) (٥) معناه أن روحا روى هذا الحديث
[ ١١ / ١٧٢ ]
-[أحكام الباب ومذاهب العلماء في جواز إدخال الحج على العمرة]-
سمعت ابن عبَّاس ﵄ يقول أهلَّ رسول الله ﷺ بالعمرة وأهلَّ أصحابه بالحجِّ، قال روح أهلَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وأصحابه بالحجِّ فمن لم يكن معه هدى أحلَّ وكان ممَّن لم يكن معه هدي طلحة ورجل آخر فأحلاَّ
_________________
(١) عن مسلم القرى بالسماع، وأما محمد بن جعفر فرواه عنه بالعنعنة " والقرى" بضم القاف وكسر الراء مشددة، وتقدم الكلام عليه في الباب السابق (١) لعله يريد بقوله "أهلّ رسول الله ﷺ بالعمرة" أي لبى بتا لا أحرم ليوافق الأحاديث الكثيرة الصحيحة عن ابن عباس أيضًا وغيره عند الشيخين والأمام أحمد وغيرهم أنه ﷺ أحرم بالحج أولا (٢) يعني أن روحا قال في روايته أهل رسول الله ﷺ وأصحابه (يعني وبعض أصحابه) بالحج وهذه الرواية تؤيد ماقلنا من أنه ﷺ أحرم بالحج أوّلا (وقال البيهقي) بعد ذكر هذا الحديث وقول من قال إنه أهل بالحج لعلة أشبه لموافقته رواية أبي العالية البراء وابي حسان الأعرج عن ابن عباس في إهلال النبي ﷺ بالحج والله أعلم (تخريجه) (م. نس. هق) (الأحكام) أحاديث الباب يستفاد منها جملة أحكام (منها) جواز إدخال الحج على العمرة كما في ترجمة الباب، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء لكن بشرط أن يكون الأدخال قبل الشروع في طواف العمرة، وقيل إن كان قبل مضي أربعة أشواط صح (وهو قول الحنفية) وقبل ولو بعد تمام الطواف (وهو قول المالكية) وشذ بعض الناس فمنعه مطلقًا، وقال لا يدخل إحرام على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة، ونقل ابن عبد البر أن أبا ثور شذ فمنع ادخال الحج على العمرة قياسًا على منع إدخال العمرة على الحج مع أن إدخال العمرة على الحج ثابت بفعله ﷺ وإن اختلفوا فيه، فجوزه أصحاب الرأي (وهو قول الشافعي) ومنعه آخرون وجعلوه خاصًا بالنبي ﷺ لضرورة الاعتماد حينئذ في أشهر الحج (ومنها) أن القارن يقتصر على طواف واحد وسعي واحد (وهو مذهب الجمهور) وخالف فيه الأمام أبو حنيفة وطائفة (ومنها) جواز التحلل بالأحصار (ومنها) أن القارن يهدى، وشذ ابن حزم فقال لا هدى على القارن (ومنها) صحة القياس والعمل به وأن الصحابة ﵃ كان يستعملونه، ولهذا قاس ابن عمر ﵄ الحج على العمرة لأن النبي ﷺ إنما تحلل من الأحصاء عام الحديبية من إحرامه بالعمرة وحدها (ومنها) جواز الخروج إلى النسك في الطريق المظنون خوفه إذا رجا السلامة. قاله ابن عبد البر (ومنها) غير ذلك تقدم بعضه في الشرح والله أعلم
[ ١١ / ١٧٣ ]
-[كلام العلماء في معنى التلبية واشتقاقها]-
(١٠) باب التلبية وصفتها واحكامها
(فيه ثلاثة فصول - الفصل الأول فيما جاء في ألفاظها وفضلها)
(١٣٩) خط عن نافع عن ابن عمر ﵄ كان يقول سمعت النَّبىَّ ﷺ يقول لبَّيك الَّلهمَّ لبَّيك لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد
_________________
(١) "خط" عن نافع (سنده) حدّثنا عبد الله قال وجدت كتاب أبي ثنا محمد بن بكر أنا ابن جريج أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول -الحديث" (غريبة) (١) قال ابن المنير مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه ﷾ (قال المازري) التلبية مثناة للتكثير والمبالغة ومعناها إجابة بعد إجابة ولزوما لطاعتك فثنى للتوكيد لا تثنية حقيقة (وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام) لب بالمكان إذا أقام به، فالملبي يخبر عن إقامته وملازمته لعبادة الله ﷿ وثنى هذا المصدر لتدل التثنية على الكثرة فكأنه يقول تلبية بعد تلبية أبدًا، وليس المراد مرتين فقط لقوله ﷿ ﴿ثم ارجع البصر كرتين﴾ المراد كرة بعد كرة أبدًا ما استطعت، وإذا كان المعنى في التلبية الأخبار بالملازمة على العبادة فهل المراد كل عبادة الله أيّ عبادة كانت ـو العبادة التي هو فيها من الحج؟ الأحسن عند المفسرين الثاني دون الأول للاهتمام بالمقصود (وقال القاضي عياض) قيل هذه الأجابة لقوله تعالى لابراهيم ﷺ ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ (وقال إبراهيم الحربى) في معنى لبيك أي قربا منك وطاعة والألباب القرب (وقال أبو نصر) معناه أنا ملب بين يديك أي خاضع (٢) يروى بكسر الهمزة من إن وفتحها وجهان مشهوران لأهل الحديث وأهل اللغة (قال الجمهور) الكسر أجود، قال الخطابى الفتح رواية العامة، وقال ثعلب الاختيار الكسر وهو الأجود في المعنى من الفتح، لأن من كسر جعل معناه إن الحمد والنعمة لك على كل حال، ومن فتح قال معناه لبيك لهذا السبب (وقوله والنعمة لك) المشهور فيه نصب النعمة (قال القاضي عياض) ويجوز رفعها على الابتداء ويكون الخبر محذوفًا (قال ابن الأنباري) وإن شئت جعلت خبر إن محذوفًا تقديره إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك اهـ قال الكرماني وحاصله أن النعمة والشكر على النعمة كليهما لله تعالى ﴿وقوله والملك﴾ يجوز فيه الوجهان الرفع والنصب كما تقدم (قال ابن المنير) قرن الحمد والنعمة وأفرد الملك، لأن الحمد متعلق النعمة، ولهذا يقول الحمد لله على نعمه؛ فكأنه قال لا حمد إلا لك لأنه لا نعمة إلا لك ﴿وأما الملك﴾ فهو مستقل بنفسه، ذكر لتحقيق أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك
[ ١١ / ١٧٤ ]
-[من زاد في التلبية عن الوارد - ومعنى التلبية للمحرم واستحبابها]-
والنِّعمة لك والملك لا شريك لك، قال نافع وكان ابن عمر يقول وزدت أنا لبَّيك لبَّيك وسعديك والخير في يديك، لبَّيك والَّرغباء إليك والعمل
(١٤٠) عن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يهلُّ ملبِّدًا يقول لبَّيك اللهمَّ لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنِّعمة لك والملك لا شريك لك، لا يزيد على هؤلاء الكلمات
_________________
(١) يستفاد منه جواز الزيادة على الوارد بما يحب من ذكر الله تعالى؛ ولكن الاقتصار على الوارد أفضل (٢) قال القاضي عياض اعرابها وتثنيتها كما سبق في لبيك، ومعناه مساعدة لطاعتك بعد مساعدة (وقوله والخير في يديك) رواية مسلم (بيديك) بالباء بدل الفاء والمعنى واحد، وهو أن الخير كله بيد الله تعالى ومن فضله (٣) يروى بفتح الراء والمد وبضم الراء مع القصر ونظيره العلا والعلياء والنعمى والنعماء، قاله المازري (وقال القاضي عياض) وحكى أبو علي فيه أيضًا الفتح مع القصر الرغبي مثل سكري، ومعناه هنا الطلب والمسألة إلى من بيده الخير، وهو المقصود بالعمل المستحق للعبادة (تخريجه) (ق. لك. وغيرهما)
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا علي بن اسحاق ثنا عبد الله أنا يونس عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر - الحديث" (غريبة) (٤) هو حال من يهل (قال العلماء) التلبيد ضفر الرأس بالصمغ أو الخطمى وشبههما مما يضم الشعر ويلزق بعضه ببعض ويمنعه النمعط والقمل، فيستحب تلبيد الرأس قبل الأحرام لكونه أرفق به، وقد نص عليه الشافعي وأصحابه، وهو موافق لحديث الأعرابي الذي خر عن بعيره وهو محرم، فأمرهم النبي ﷺ أن لا يمسوه بطيب ولا يخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا (وفي رواية ملبدا) رواه الشيخان والأمام أحمد وتقدم مع الكلام عليه صحيفة ١٨٩ رقم ١٤٣ من كتاب الجنائز في الجزء السابع (٥) هذا لا ينافى ما سيأتي من حديث أبي هريرة قال (كان من تلبية رسول الله ﷺ لبيك اله الحق) لاحتمال أن ابن عمر لم يسمعها من النبي ﷺ وسمعها أبو هريرة، والظاهر أنه كان يقول هذه الجملة التي رواها أبو هريرة قليًلا لتضافر الروايات على رواية ابن عمر والله أعلم (تخريجه) (ق. هق. ك. والأربعة. وغيرهم).
[ ١١ / ١٧٥ ]
-[تلبية رسول الله صلى الله التي كان بها يلبى بها في حجة الوداع]-
(١٤١) عن الضَّحَّاك (بن مزاحم) عن ابن عباس ﵄ قال كانت تلبية النَّبيِّ ﷺ لبَّيك لبَّيك الَّلهم لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنٍِّعمة لك والملك لا شريك لك (وعنه من طريقٍ ثانٍ) قال كان ابن عبَّاس إذا لبيَّ يقول لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك (فذكر مثل الطَّريق الأولى ثمَّ قال) وقال ابن عبَّاسٍّ انته إليها فإنَّها تلبية رسول الله ﷺ
(١٤٢) عن أبى عطيَّة قال قالت عائشة ﵂ إنَّى لأعلم كيف كان رسول الله ﷺ يلبىِّ، قال ثمَّ سمعتها تلبيِّ تقول لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنِّعمة لك، والملك لا شريك لك
(١٤٣) عن أبى هريرة ﵁ قال كان من تلبية رسول الله
_________________
(١) عن الضحاك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أسود ثنا شريك عن أبي إسحاق عن الضحاك -الحديث (غريب) (١) هكذا رواية الأمام أحمد في المسند لبيك لبيك مرتين قبل اللهم (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حسن بن موسى ثنا زهير عن أبي اسحاق عن الضحاك بن مزاحم قال كان ابن عباس -الحديث" (٣) أي اعمل بتا فإن هذه الألفاظ كانت تلبية النبي ﷺ والله تعالى يقول ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ من حديث ابن عباس لغير الأمام أحمد؛ وأورده الهيثمي بلفظه وقال رواه أحمد ورجاله ثقات.
(٢) عن أبي عطية (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد ابن فضيل قال ثنا الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبلي عطية -الحديث" (غريبة) (٤) اسمه مالك بن عامر الهمداني الوادغي (تخريجه) (خ. هق) وأخرجه أيضًا أبو داود الطيالسي في مسنده.
(٣) عن أبي هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو سعيد ثنا عبد العزيز بن عبد الله ثنما عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة-الحديث"
[ ١١ / ١٧٦ ]
-[جواز التلفظ بما أحرم به الأنسان في التلبية - ومن لبى بغير الوارد]-
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لبَّيك إله الحقِّ
(١٤٤) عن بكر بن عبد الله المزنىِّ قال سمعت أنس بن مالك يحدِّث قال سمعت النبيَّ ﷺ يليِّ بالحجِّ والعمرة جميعا، فحدَّثت ابن عمر بذلك فقال لبيَّ بالحجِّ وحده فلقيت أنسًا فحدَّثته بقول ابن عمر، فقال ما تعدُّوننا إلاَّ صبيانًا سمعت رسول الله ﷺ يقول لبَّيك عمرةً وحجًّا
(١٤٥) عن عبد الله بن أبى سلمة أنَّ سعد بن أبى وقَّاص ﵁ سمع رجلا يقول لبَّيك ذا المعارج فقال إنَّه لذو المعارج ولكنَّا كنَّا مع
_________________
(١) (تخريجه) (نس. جه. حل. هق. ك) وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي.
(٢) عن بكر بن عبد الله المزنى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هشيم أنا حميد الطويل أنا بكر بن عبد الله المزنى-الحديث" (غريبة) (١) لا منافاة بين قول ابن عمر وقول أنس، قال النبي ﷺ أحرم أوًلا بالحج فلبى به فسمعه ابن عمر يلبي بالحج وحده، فأخبر بما سمع، ثم أدخل العمرة على الحج فلبى بهما جميعًا فسمعه أنس فأخبر بما سمع (٢) أي كأنكم ما تأخذون بقولنا لعدكم إيانا صبيانًا حيئنذ ثم ذكر الحديث، فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول لبيك عمرة وحجا، فهو صريح جدًا في كونه ﷺ كان قارنا ولا يقبل تأويًلا، وفيه أيضًا جواز التلفظ بما أحرم به الإنسان من حج أو عمرة أو بهما جميعًا في التلبية، وهذا موضع الدلالة منه والله أعلم (تخريجه) (ق. نس هق. وغيرهم).
(٣) عن عبد الله بن أبي سلمة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى عن ابن عجلان عن عبد الله بن أبي سلمة -الحديث (غريبة) (٣) أي مصاعد الملائكة وهي السموات، وقال قتادة معناه ذا الفواضل والنعم اهـ. وجاء في حديث جابر تقدم في باب صفة حج النبي ﷺ ذكر فيه التلبية بمثل ما جاء في حديث ابن عمر، ثم قال والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي ﷺ يسمع فلم يقل لهم شيئًا، ففيه إشارة إلى جواز التلبية بذلك ونحوه من مل ذكر فيه تعظيم لله ﷿، وسيأتي بسط
[ ١١ / ١٧٧ ]
-[الأمر بالتلبية وفضلها وأنها مكفرة للذنوب]-
رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لا نقول ذلك
(١٤٦) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من أضحى يومًا محرمًا ملبِّيًا حتَّى غربت الشَّمس غربت بذنوبه كيوم ولدته أمُّه
(الفصل الثاني فى حكم التلبية والجهر بها)
(١٤٧) عن أمِّ سلمة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول يا آل محمَّد من حجَّ منكم فليهلَّ في حجِّه أو حجَّته شكَّ أبو عبد الرَّحمن
(١٤٨) عن سعيد بن جبير قال أتيت على ابن عبَّاس ﵄ بعرفة وهو يأكل رمَّانًا، فقال أفطر رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم
_________________
(١) الكلام على ذلك في الأحكام (تخريجه) (هق) وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد وأبو يعلى والبزار ورجاله رجال الصحيح إلا أن عبد الله لم يسمع من سعد بن أبي وقاص والله أعلم
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حماد الخياط ثنا عاصم بن عمر عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن جابر ابن عبد الله-الحديث" (غريبة) (١) معناه أن من كان محرمًا بحج أو عمرة فلبى بعد ارتفاع الشمس من وقت الضحى إلى غروب الشمس، ويستثنى من ذلك وقت أكله وصلاته ونومه وأشغاله الضرورية غربت الشمس بذنوبه، وهو كناية عن غفران ذنوبه كلها صغيرها وكبيرها كما يستفاد من تشبيهه بالمولود وفضل الله واسع (تخريجه) (جه. طب) وفي إسناده عاصم بن عبيد الله وعاصم بن عمر بن حفص، وهما ضعيفان فالحديث ضعيف، والأحاديث الصحيحة المتقدمة في باب الحج تغنى عنه، والله أعلم
(٣) عن أم سلمة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الله بن يزيد قال حدثنا حيوة وابن لهبمة قالا سمعنا يزيد بن حبيب يقو حدثني أبو عمران قال قالت أم سلمة سمعت رسول الله ﷺالحديث" (غريبة) (٢) أي فليلب (وقوله شك أبو عبد الرحمن) يعني عبد الله بن الأمام أحمد (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد.
(٤) عن سعيد بن جبير (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي قال ثنا
[ ١١ / ١٧٨ ]
-[الأمر برفع الصوت بالتلبية واستحباب ذلك]-
بعرفة وقد بعثت إليه أمُّ الفضل بلبن فشربه، وقال لعن الله فلانًا عمدوا إلى أعظم أيَّام الحجِّ فمحوا زينته؛ وإنَّما زينة الحجِّ التَّلبية
(١٤٩) عن خلاَّد بن السَّائب بن خلاَّد عن أبيه ﵁ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال أتاني جبريل ﵇ فقال مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالإهلال (وعنه من طريقٍ ثانٍ) عن أبيه أنَّ رسول الله ﷺ قال أتانى جبريل ﵇ فقال أن آمر أصحابي
_________________
(١) إسماعيل ثنا أيوب قال لا أدري أسمعته من سعيد ب جبير أم نبئته عنه، قال أتيت على ابن عباس بعرفة -الحديث" (غريبة) (١) لم يذكر اسم الملعون ولم أقف على من ذكره، ولعله من كبار كفار قريش قبل فتح مكة أو من مشركى العرب الذين تأخر اسلامهم (وقوله عمدوا) بواو الجماعة يعنى هو وأتباعه (٢) أعظم أيام الحج هو يوم عرفة وأيام منى، لأنه يكثر فيها التلبية والتكبير وأعمال الحج (وقوله فمحو ازينته) إما أن يكون ذلك بتركهم التلبية بالكلية، وإما بادخالهم فيها لفظ الشرك وهو قولهم لبيك لا شريك لك الا شريكًا تملكه وما ملك، رواه مسلم والبيهقي من حديث ابن عباس، وسيأتي جميعه في الزوائد والله أعلم (تخريجه) أورده الحافظ السيوطي في الجامع الكبير، وعزاه لابن جرير وسنده جيد، لولا ماذكره أيوب من الشك في سماعه هل سمعه من سعيد بن جبير نفسه أو بلغه بواسطة ولم يذكر من الواسطة
(٢) عن خلاد بن السائب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر بن الحارث عن خلاد بن السائل- الحديث" (غريبة) (٣) أي التلبية كما صرح بذلك في رواية عند النسائي، وهذا الأمر حمله الجمهور على الندب وحمله الظاهرية على الوجوب (٤) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي قال قرأت على عبد الرحمن بن مهدى عن مالك وثنا روح قال ثنا مالك يعني ابن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن خلاد بن السائب اِلأنصاري عن أبيه -الحديث" (٥) لفظ الموطأ فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي الحديث "وأو" هنا للشك من الرواى اشارة إلى أن النبي ﷺ قال أحد اللفظين وكل منهما سد مسد الآخر
[ ١١ / ١٧٩ ]
-[الأمر برفع الصوت بالتلبية وأنه من شعائر الدين]-
أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتَّلبية أو بالإهلال يريد أحدهما
(١٥٠) عن السَّائب بن خلاَّد ﵁ أنَّ جبريل ﵇ أتى النَّبيَّ ﷺ قال كن عجَّاجًا ثجَّاجًا. والعجُّ التَّلبية. والثَّج نحر البدن
(١٥١) عن زيد بن خالد الجهنىِّ ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم جاءنى جبريل ﵇، فقال يا محمَّد مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتَّلبية فإنَّها من شعائر الدِّين
(١٥٢) عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه
_________________
(١) أي إظهارًا لشعائر الأحرام وتعليمًا للجاهل ما يستحب في ذلك المقام (وقوله أو بالأ هلال) أو للشك من الرواى والأهلال هو رفع الصوت بالتلبية كما تقدم، فالتصريح بالرفع معه زيادة بيان (وقوله يريد أحدهما) يعنى أنه ﷺ انما قال أحد هذين اللفظين، لكن الراوى شك فيما قاله من ذلك فأتى بأو التي لأحد الشيئين، ثم زاد ذلك بيانًا بقوله "يريد أحدهما" وتقدم أنه جاء في رواية للنسائى التصريح بالتلبية بدون شك، ولابن ماجه بالأهلال، وفي رواية للحاكم في المستدرك والأمام أحمد وسيأتي بعد من حديث زبد بن خالد الجهني التصريح بالتلبية أيضًا (تخريجه) (لك. هق. ك. والأربعة) وصححه الترمذى وابن خزيمة والحاكم وابن حبان
(٢) عن السائب بن خلاد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان قال ثنا حماد بن سلمة قال أنا محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبي لبيد عن المطلب بن عبد الله بن حّنطب عن السائب بن خلاد أن جبريل -الحديث" (تخريجه) (طب) وفي اسناده محمد بن اسحاق ثقة ولكنه مدلس وقد عنعن.
(٣) عن زيد بن خالد الجهني (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا سفيان عن عبد الله بن أبي لبيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد الجهني-الحديث" (تخريجه) أورده المنذرى وقال رواه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم وقال صحيح الأسناد
(٤) عن أبي هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا
[ ١١ / ١٨٠ ]
-[الأمر برفع الصوت بالتلبية وفعلها عقب الصلاة]-
وسلَّم أمرني جبريل برفع الصَّوت في الإهلال فإنًَّه من شعائر الحجِّ
(١٥٣) عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال إنَّ جبريل أتانى فأمرنى أن أعلن بالتَّلبية
(الفصل الثالث فى مدة التلبية وفعلها عقب الصلاة)
(١٥٤) وعنه أيضًا ﵁ أنَّ النَّبىَّ ﷺ لبىَّ دبر الصَّلاة ﷺ
(١٥٥) عن ابن سخبرة قال غدونا مع عبد الله بن مسعود
_________________
(١) أسامة بن زيد قال حدثني عبد الله بن أبي لبيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال سمعت ابا هريرة قال قال رسول الله ﷺالحديث" (تخريجه) (هق. ك) وصححه، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله ثقات
(٢) ع ن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى قال ثنا عبد الصمد ثنا عبد الرحمن يعني ابن عبد الله بن دينار ثنا أبو حازم عن جعفر عن ابن عباس -الحديث" (غريبة) (١) يعني أن أجهرر بتا (تخريجه) لم اقف عليه لغير الأمام أحمد، وأورده الحافظ في التلخيص، وعزاه للأمام أحمد فقط وسكت عنه.
(٣) وعنه أيضًا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا الحكم قنا عبد السلام بن حرب عن خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس-الحديث" (غريبة) (٢) يعني أن أول إهلاكه بالتلبية كان عقبل تحلله من صلاة الركعتين سنة الأحرام، وبعد قال الأئمة الثلاثة (أبو حنيفة ومالك وأحمد- وقالت الشافعية) الأفضل أن يهل عند انبعاث راحلته، مستدلين بحديثي ابن عمر وجابر المتفق عليهما وتقدما أن رسول الله ﷺ لم يهل حتى استقلت به راحلته والله أعلم (تخريجه) أورده الحافظ في التلخيص وقال رواه أصحاب السنن (يعني الأربعة) والحاكم والبيهقي مطولا ومختصرا من حديث ابن عباس وفي اسناده خصيف وهو مختلف فيه اهـ.
(٤) عن ابن سخبرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا صفوان ابن عيسى أنا الحارث بن عبد الرحمن عن مجاهد عن ابن سخبرة قال غدونا - الحديث" (غريبة) (٢) اسمه عيسى بن ميمون الواسطى عن مولاه القاسم بن محمد وحماد ابن سلمة، ويسميه الطفيل بن سخبرة، وعنه يزيد بن هارون وأبو نعيم رحمهم الله تعالى
[ ١١ / ١٨١ ]
-[استحباب التلبية في الذهاب من منى إلى عرفات]-
﵁ من منىً إلى عرفات فكان يلبىِّ، قال وكان عبد الله رجلًا آدم له ضفران عليه مسحة أهل البادية، فاجتمع عليه غوغاء من غوغاء النَّاس، قالوا يا أعرابىُّ إنَّ هذا اليوم ليس يوم تلبيةٍ إنَّما هو يوم تكبير، قال فعند ذلك التفت إلىَّ فقال أجهل النَّاس أم نسوا؟ والَّذى بعث محمَّدًا ﷺ بالحقِّ لقد خرجت مع رسول الله ﷺ فما ترك التَّلبية حتَّى رمى جمرة العقبة إلاَّ أن يخلطها بتكبير أو تهليل
(١٥٦) عن ابن عمر ﵄ قال غدونا مع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم إلى عرفات منَّا المكبِّر ومنَّا الملبيِّ
_________________
(١) أي لأجل الوقوف بعرفة ٠٢) الآدم من الناس السمر والجمع أدمان (وقوله له ضفران) تثنية ضفر، وهو نسج الشعر بعضه على بعض، والمعنى أن شعر رأسه كان طويلًا فجعله ذؤابتين (٣) بفتح الميم أي يبه أهل البادية في لونهم وذيهم (٤) أصل الغوغاء الجراد حين يخف للطيران، ثم استعير للسفلة من الناس والمتسرعين إلى الشر، ويجوز أن يكون من الغوغاء الصوت والجلبة لكثرة لغطهم وصياحهم وهو المراد هنا، والمعنى أنه كثر صياح الناس بقولهم يا أعرابي الح (٥) أي أجهل الناس أحكام الحج فلم علموها أم لموها ثم نسوها؟ (٦) أي من منى إلى عرفة كما صرح بذلك في رواية الحاكم (حتى رمى جمرة العقبة) يعني يوم النحر (إلا أن يخلطها بتكبير أو تهليل) فإن ذلك جائز لأنه من الأذكار المطلوبة في هذه الأيام أيضًا، والله أعلم (تخريجه) رواه الحاكم في المستدرك وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (قلت) واقره الذهبي.
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنبأنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن أبي سلمة عن ابن عمر - الحديث (غريبة) (٧) أي من منى كما صرح بذلك في رواية أخرى لمسلم (إلى عرفات) للوقوف بعرفة (منا المكبر ومنا الملبي) أي لأن هذا اليوم مما يستحب فيه التكبير أيضًا (تخريجه) (م. نس. هق. وغيرهم)
[ ١١ / ١٨٢ ]
-[استحباب التلبية من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة حتى رمى جمرة العقبة]-
(١٥٧) عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أفاض من عرفات وردفه أسامة، وأفاض من جمع وردفه الفضل بن عبَّاس، قال ولبيَّ حتَّى رمى جمرة العقبة
(١٥٨) عن عكرمة قال وقفت مع الحسين فلم أزل أسمعه يقول لبَّيك حتى رمى الجمرة فقلت يا أبا عبد الله ما هذا الإهلال؟ قال سمعت عليَّ بن أبى طالب ﵁ يهلُّ حتَّى انتهي إلى الجمرة وحدَّثنى أنَّ رسول الله ﷺ أهلَّ حتَّى انتهى إليها (وعن من طريقٍ ثانٍ) قال أفضت مع الحسين بن علىّ ﵄ من المزدلفة فلم أزل أسمعه يلبيِّ حتَّى رمي جمرة العقبة، فسألته فقال أفضت مع أبى من المزدلفة، فلم أزل معه يلبيِّ حتَّى رمى جمرة العقبة، فسألته فقال أفضت مع النَّبيِّ صلَّى الله
_________________
(١) عن ابن عباس ﵄ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم عن عبد الملك عن عطاء عن ابن عباس -الحديث" (غريبة) (١) يعني المزدلفة وسميت بجمع لاجتماع الناس فيها أو لجمعهم صلاة المغرب مع العشا فيها جمع تأخير (تخريجه) لم أقف عليه من حديث ابن عباس لغير الأمام أحمد وسنمده جيد، ورواه مسلم وغيره من حديث ابن عباس عن الفضل بن عباس وسيأتي مثله للإمام أحمد أيضًا في هذا الباب والله أعلم
(٢) عن عكرمة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن أبى عدى عن محمد بن اسحاق حدثنى أبان بن صالح عن عكرمة-الحديث" (غريبه) (٢) هو الحسين بن على ﵄؛ ويحتمل أن هذا الوقوف كان بعرفة، ويحتمل أنه كان بالمزدلفة لقوله في الطريق الثانية "افضت مع الحسين بن علي ﵄ من المزدلفة" (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن سلمة عن أبى اسحاق عن ابان بن صالح عن عكرمة قال افضت مع الحسين-الحديث" (٤) في هذه المرة قال" فلم أول معه" بخلاف التي قبلها والتي بعدها فانه قال "فلم أزل أسمعه" هكذا بالأصل
[ ١١ / ١٨٣ ]
-[استحباب التلبية يوم النحر حتى يرمى جمرة العقبة]-
عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، فلم أزل أسمعه يلبيِّ حتَّى رمي جمرة العقبة
(١٥٩) عن الفضل بن العباس ﵄ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لبىَّ يوم النَّحر حتى رمى جمرة العقبة
_________________
(١) (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد، وسنده جيد
(٢) عن الفضل بن العباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان حدثنا وهيب ثنا عبد الله بن عثمان بن خشيم عن أبي الطفيل عن الفضل بن عباس -الحديث" (تخريجه) (ق. والأربعة) (زوائد الباب) (عن أبي هريرة رضية الله عنه) عن النبي ﷺ قال ما أهل قط إلا بشّر ولا مكبر قط إلا بشّر، قيل يارسلو الله بالجنة؟ قال نعم، رواه الطبراني في الأوسط باسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح، ورواه أيضًا البيهقي إلا أنه قال قال رسول الله ﷺ (ما أهل مهل قط إلا آبت الشمس بذنوبه) يقال أهلّ الملى إذا رفع صوته بالتلبية (وعن سهل بن سعد) رضيى الله عنه عن رسول الله ﷺ قال ما من ملب يلبى إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا عن يمينه وشماله، رواه الترمذى وابن ماجه والبيهقى كلهم من رواية اسماعيل بن عياش عن عمارة بن غزية عن أبى حازم عن سهل ورواه ابن خزيمة في صحيحه عن عبيدة يعنى ابن حميد حدثنى عمارة بن غزية عن أبى حازم عن سهل ورواه ابن خزيمة في صحيحه عن عبيدة يعنى ابن حميد حدثنى عمارة بن غزية عن أبى حازم عن سهل، ورواه الحاكم وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (قلت) واقره الذهبي " وقوله حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا اله" معناه حتى يلبى جميع ما على يمينه وشماله من حجر الأرض ومدرها وشجرها إلى منتهاها من المشرق إلى المغرب والغاية محذوفة أي إلى منتهى الأرض، والمدر هو الطين المستحجر، وفائدة المسلم من تلبية الحجر والشجر والمدر معرفة فضل هذا الذكر وأن له عند الله شرفًا ومكانة، ولا يبعد أن يكتب له ثواب ذلك كأنه فعله بنفسه زيادة عن ذكره الخاص لأن المتسبب فيه والله أعلم (وعن أبى بكر الصديق) ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال العج والنج، رواه (مذ. جه. خز) كلهم من رواية محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن ابن يربوع، وقال الترمذى لم يسمع محمد من عبد الرحمن، ورواه الحاكم وصححه وأقره الذهبى، ورواه البزار إلا أنه قال مابال الحج؟ قال العج والثج، قال وكيع يعني بالعج العجيج بالتلبية والثج نحر البدن يعني لثج الدم من المنحر، وتقدم حديث السائل بن خلاد في أحاديث الباب
[ ١١ / ١٨٤ ]
-[زوائد الباب في فضل التلبية وألفاظها والجهر بها]-
_________________
(١) المتقدمة في ذلك (وعن عامر بن ربيعة) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما أضحى مؤمن يلبى حتى تغرب الشمس إ لا غابت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه (جه. هق) ورواه الطبراني في الكبير، وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف (وعن عبد الله بن مسعود) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ أفضل الحج العج والثج، فأما العج فالتلبية، وأما الثج فنحر البدن (عل) وفيه رجل ضعيف (وعن عبد الله بن عروة) قال سمعت عبد الله ابن الزبير ونحن معه قد خرجنا نعتمر، فلما انحدرنا من الأكمة في الوادي اغتسل ابن الزبير وصلى ركعتين واغتسلنا معه وصلينا ركعتين ثم أهل بالتلبية، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، قال عبد الله بن عروة سمعت ابن الزبير يقول "هذه والله تلبية رسول الله ﷺ" وهكذا فعل رسول الله ﷺ أحرم في دبر الصلاة (طس) وفيه من لم أعرفه (وعن ابن عباس) ﵄ قال كانت تلبية موسى ﷺ لبيك عبدك وابن عبديك، وكانت تلبية عيسى ﷺ لبيك عبدك وابن أمتك وكانت تلبية النبي ﷺ لبيك لا شريك لك (بز) وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط وبقية رجاله رجال الصحيح (وعن أنس بن مالك) ﵁ أن النبي ﷺ كان يلبي لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك (عل) من رواية عبد الله بن نمير عن اسماعيل ولم ينسبه، فإن كان ابن أبى خالد فهو من رجال الصحيح، وإن كان اسماعيل بن ابراهيم بن مهاجر فهو ضعيف، وكلاهما روى عنه (وعنه أيضًا) قال كانت تلبية النبي ﷺ لبيك حجًا حقًا تعبدًا ورقًا (بز) مرفوعًا وموقوفًا ولم يسم شيخه في المرفوع (وعن أبى الطفيل) ﵁ قال رأيت النبي ﷺ على ناقته القصوى بهل والناس يقتل بعضهم بعضا يريدون أن ينظروا إليه (بز) وفيه محمد بن مهزم ولم يجرحه أحد، وقد ذكره ابن أبى حاتم وبقية رجاله رجال الصحيح (وعن ابن عباس) ﵄ أن رسول الله ﷺ وقف بعرفات، فلما قال لبيك الله لبيك قال إنما الخير خير الآخرة (طس) وإسناده حسن (وعن حزيمة بن ثابت) ﵁ قال كان النبي ﷺ إذا فرغ من تلبيته سال الله ﷿ مغفرته ورضوانه واستعتقه من النار (طب) وفيه صالح بن محمد بن زائدة وثقة الأمام أحمد وضعفه خلق، ورواه الأمام الشافعى والدار قطنى أيضًا بلفظ "سال الله ﷿ رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار" (وعن أنس بن مالك) ﵁ كنا نخرج حجاجًا مع رسول الله ﷺ فما بلغ من الغد الروحاء حتى تبح حلوقنا يعنى من رفع الصوت بالتلبية (طس) وفيه عمر ابن صهبان وهو ضعيف (وعن القاسم بن محمد) قاتل كان يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته
[ ١١ / ١٨٥ ]
-[زوائد الباب في تلبية المشركين وسبها]-
_________________
(١) أن يصلي على النبي ﷺ (قط) (وعن عطاء عن ابن بعاس) قال برفع الحديث إنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر (مذ. وصححه) (وعن ابن عباس) ﵄ عن النبي ﷺ قال يلبى المعتمر حتى يستلم الحجر (د) (وعن ابن عمر) ﵄ قال لا تصعد المرأة فوق الصفا والمروة ولا ترفع صوتها بالتلبية (هق) وقال موقوف وترجم له البيهقى (باب المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية استدلالا بما مضى من قول النبي ﷺ التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) ثم ذكره بسنده إلى ابن عمر. (فصل منه فيما جاء في تلبية المشتركين وسببها) عن أنس بن مالك ﵁ قال كان الناس بعد اسماعيل على الأسلام فكان الشيطان يحدث الناس بالشيء يريد أن يردهم عن الأسلام حتى أدخل عليهم في التلبية، لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، قال فما زال حتى أخرجهم عن الأسلام إلى الشرك (بز) ورجاله رجال الصحيح (وعن ابن عباس) ﵄ قال إن المشركين كانوا يطوفون بالبيت فيقولون لبيك لبيك لا شريك لك، فيقول النبي ﷺ قد قد، فيقولون إلا شركا هو لك تملكه وما ملك، ويقولون غفرانك غفرانك، قال فأنزل الله ﷿ "وما كان ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" فقال ابن عباس كان فيهم أمانان، نبي الله ﷺ والاستغفار، قال فذهب نبى الله ﷺ وبقى الاستغفار "ومالهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وماكانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون" قال فهذا عذاب الآخرة وذلك عذاب الدنيا (هق) وقال أخرجه مسلم في الصحيح من حديث النضر بن محمد عن عكرمة بن عمار مختصرا دون قولهم غفرانك إلى آخرره اهـ (قلت) وقوله "قد قد" قال القاضي عياض روى باسكان الدال وكسرها مع التنوين، ومعناه كفاكم هذا الكلام فاقتصروا عليه ولا تزيدو (وعنه أيضًا) قال كان يلبي أهل الشرك لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكهوما ملك، فأنزل الله تعالى " هل لك ما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم) (طس) وفيه حماد بن شعيب وهو ضعيف (وعن عمر ابن معد يكرب) ﵁ قال لقد رايتنا في الجاهلية ونحن إذا حججنا البيت نقول: هذي زبيد قد أتتك قسرا تغدوا بتا مضمرات شزرًا يقطعن خبتا وجبالا وعرا قد تركوا الأصنام خلوًا صفرًا ونحن اليوم نقول كما علمنا رسول الله ﷺ لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك (بز. طب. طص. طس) إلا أنه قال لقد رأيتنا
[ ١١ / ١٨٦ ]
-[كلام العلماء في مشروعية التلبية وألفاظها]-
_________________
(١) من قرن ونحن إذا حججنا قلنا لبيك تعظيمًا اليك عذرا هذى زبيد قد أتتك قسرا يقطعن خبتًا وجبًالاوعرا قد خلفوا الأمداد خلوًا صفرا ولقد رايتنا وقوفا ببطن محسر نخاف أن تخطفنا الجن، فقال النبي ﷺ ارتفوا عن بطن عُرْنة فإنهم إخوانكم إذا أسلموا، ولمنا التلبية فذكره، وفيه شرقى بن قطامى وهو ضعيف وقال البزار إسناده ليس بالثابت " وزاد الطبراني في الكبير وكنا نمنع الناس أن يقفوا في الجاهلية فأمرنا رسول الله ﷺ أن نحول بينهم وبين عرنة، فإنما كان موقفهم ببطن محسّر عشية عرفة فرق أن تخطفهم الجن والباقي نحره (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية التلبية وفضلها وكيفية ألفاظها وحكمها والجهر بها ومدتها وغير ذلك (أما مشروعييتها) فقد أجمع المسلمون عليها (وأما فضلها) فيدل عليه حديث جابر المذكور في آخر الفصل الأول من فصول الباب مع ماجاء في الزوائد من الأحاديث الكثيرة الدالة على فضلها وإن كان بعضها ضعيفًا فالبعض الآخر صحيح، والضعيف منها يقوى بكثرة طرقه فنبت فضلها بذلك، ولم يخالف فيه أحد من علماء المسلمين (وأما لفظها) فقد أجمع المسلمون على لفظ حديث ابن عمر الثاني من أحاديث الباب وما ماثله من أحاديث غيره وما صح مرفوعًا إلى النبي ﷺ بأي لفظ كان" واختلفوا في الزيادة فيها" (فقال الأمام مالك) أكره الزيادة فيها على تلبية رسول الله ﷺ وقد روى عنه أنه لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر يزيده مما هو مذكور في الحديث الأول من أحاديث الباب، وقال الثورى والأوزاعى ومحمد بن الحسن له أن يزيد فيها ماشاء وأحب (وقال الأئمة أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور) لا بأي بالزيادة، وقال الترمذى قال الشافعى إن زاد في التلبية شيئًا من تعظيم الله تعالى فلا بأس إن شاء الله، وأحب إلى أن يقتصر (وقال أبو يوسف والشافعى) في قول لا ينبغي أن يزاد فيها على تلبية النبي ﷺ المذكوة " واليه ذهب الطحاوى واختاره"وقد زاد جماعة في التلبية منهم ابن عمر. ومنهم أبوه عمر بن الخطاب. زاد هذه الزيادة التي جاءت عن ابنه عبد الله المذكوة فيالحديث الأول من أحاديث الباب، ولعل عبد الله أخذها من أبيه كما ثبت ذلك في بعض الروايات (ومنهم ابن مسعود) فروى أنه لبى فقال لبيك عدد الحصى والتراب، وتقدم في حديث جابر في صفة حج رسول الله ﷺ قال أهل رسول الله ﷺ فذكر التلبية، قال والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئًا (وروى سعيد بن منصور) في سننه بأسناده إلى الأسود ابن يزيد أنه كان يقول لبيك غفار الذنوب، وفي تاريخ مكة للأزرق في صفة تلبية
[ ١١ / ١٨٧ ]
-[ما جاء في تلبية بعض الأنبياء - ومذاهب العلماء في حكم التلبية والجهر بها]-
_________________
(١) جماعة من الأنبياء ﵈، رواه من رواية عثمان بن ساج، قال أخبرني صادق أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال لقد مر بفج الروحاء سبعون نبيًا تلبيتهم شتى منهم يونس ابن متى، وكان يونس يقول لبيك فراج الكرب لبيك، وكان موسى ﷺ يقول لبيك أنا عبدك لديك لبيك، قال وتلبية عيسى ﵇ أنا عبدك وابن أمتك بنت عبديك لبيك، وتقدم نحوه في الزوائد عن ابن عباس، وروى الحاكم في المستدرك من رواية داود ابن أبي هند عن عكرمة عم ابن عباس أن رسول الله ﷺ وقف بعرفات؛ فلما قال لبيك اللهم لبيك، قال إنما الخير خير الآخرة، وقال هذا حديث صحيح ولم يخرجاه (وأما حكمها) ففيه خلاف بين الأئمة قال الحافظ فيها مذاهب أربعة يمكن توصيلها إلى عشرة (الأول) أنها سنة من السنن لايجب بتركها شيء (وهو قول الشافعى وأحمد) (ثانيها) واجبة ويجب بتركها دم، حكاه الماوردى عن ابن أبي هريرة من الشافعية، وقال إنه وجد للشافعى نصا يدل عليه (وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية-والخطابى عن مالك وأبي حنيفة) وأغرب النووي فحكى عن مالك أنها سنة ويجب بتركها دم، ولا يعرف ذلك عندهم إلا أن ابن الجلاب قال التلبية في الحج مسنونة غير مفروضة، وقال ابن التين يريد أنها ليست من أركان الحج وإلا فهي واجبة، ولذلك يجب بتركها الدم ولو لم تكن واجبة لم يجب، وحكى ابن العربي أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم، وهذا قدر زائد على أصل الوجوب ٠ قالثها) واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج كالتوجه على الطريق، وبهذا صدّ ابن شاس من المالكية كلامه في الجواهر له (وحكى صاحب الهداية) من الحنفية، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين، وقال ابن المنذر، قال أصحاب الرأي أن كبر وهلل أو سبح ينوي بذلك الأحرام فهو محرم (رابعها) أنها ركن في الحرام لا ينعقد بدونها، حكاه ابن ابد البر (عن الثورى وأبي حنيفة) وابن حبيب من المالكية والزبير من الشافعية، وأهل الظاهر قالوا هي نظير تكبيرة الأحرام للصلاة وهو قول عطاء أخرجه سعيد بن منصور بأسناد صحيح عنه، قال التلبية فرض الحج، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وطاوس وعكرمة، وحكى النووي عن داود أنه لابد من رفع الصوت بتا، وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنا اهـ (وأما الجهر بها) فهو مستحب عند جمهور العلماء، قال بن بطال رفع الصوت بالتلبية مستحب، وبه قال (أبو حنيفة والتورى والشافعي) واختلفت الرواية عن مالك، ففي رواية ابن القاسم لا ترفع الأصوات بالتلبية إلا في االمسجد الحرام ومسجد منى (وقال الشافعي) في قوله القديم لا يرفع الصوت بالتلبية إلا في مساجد الجماعات إلا المسجد الحرام. ومسجد منى. ومسجد عرفة
[ ١١ / ١٨٨ ]
-[مذاهب العلماء في الجهر بالتلبية ومدنها]-
_________________
(١) وقوله الجديد استحبابه مطلقا؛ وفي التوضيح وعندنا أن التلبية المقترنة بالأحرام لا يجهر بتا صرح به الجويني من أصحابنا "وأجمعوا أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية" وإنما عليها أن تسمع نفسها مستدلين بحديث ابن عمر لا تصعد المرأة فوق الصفا والمروة ولا ترفع صوتها بالتلبية، رواه البيهقى موقوفا عل ابن عمر وتقدك في الزوائد، وبما رواه ابن أبي شيبة عن معن عن إبراهيم بن حبيبة عن جاود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس قال" لا ترفع المرأة بالتلبية" ومن حديث أبي الجويرية عن حماد عن إبراهيم مثله، وعن عطاء كذلك (أما حديث السائب بن خلاد) المذكور في الباب بلفظ "أتاني جبريل ﵇ فقال مر اصحابك أن يرفعوا اصواتهم بالتلبية. وفي لفظ فأمرني أن آمر أصحابي الخ" فهو يدل على استحباب رفع الصوت للرجل فقط بالتلبية بحيث لا يضر نفسه، وبه قال ابن رسلان، وخرج بقوله أصحابي النساءن فإن المرأة لا تجهر بتا بل تقتصر على إسماع نفسها؛ قال الروياني فإن رفعت صوتها لا يحرم لأنه ليس بعورة على الصحيح بل يكون مكروها وكذا قال أبو الطيب وابن الرفعة (قال الشوكاتي) (وذهب داود) إلى أن رفع الصوت واجب وهو ظاهر قوله فأمرني أن آم اصحابي لاسيما وأفعال الحج وأقواله بيان المحل واجب قول الله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ وقوله ﷺ "خذوا عني مناسككم اهـ (وأما مدة التلبية) فمن وقت الأحرام إلى رمي جمرة العقبة إن كان مفردًا أو قارنًا كما يستفاد من أحاديث الفصل الثالث من فصول الباب، وكلما أكثر من التلبية كثر ثوابه وأجره لحديث جابر المذكور في آخر الفصل الأول مرفوعًا بلفظ " من أضحى يومًا محرمًا ملبيًا حتى غربت الشمس غربت بذنوبه كيوم ولدته أمه" وحديث عامر بن ربيعة المذكور في الزوائد بنحوه، ويستثنى من ذلك اوقت نومه وأكله وشربه وصلاته ومالابد له منه (وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء) وقالت طائفة يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم وهو مذهب ابن عمر لكن يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة (وقالت طائفة) يقطعها إذا راح إلى الموقف رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة وسعد بن أبي وقاص، وعن علي وأم سلمة أنهما يلبيان حتى نزول الشمس يوم عرفة (وبه قال الأمام مالك) وهو قول الأوزاعي والليث، وعن الحسن البصري مثله، لكن قال إذا ﷺ الغداة يوم عرفة (واختلف الأولون) هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي (فذهب إلى الأول) ابن مسعود وابن عباس وميمونة، وبه قال عطاه. وطاوس. وسعيد بن جبير والنخعى. والثورى. والامامان الشافعي. وأحمد. وأصحاب الرأي (وذهب إلى الثاني) الظاهرية وابن حزم والأمام أحمد في رواية وبعض أصحاب الشافعي، ويدل لهم ما روى
[ ١١ / ١٨٩ ]
-[مذاهب العلماء في المعتمر متى يقطع التلبية وتأكد التلبية في مواضع]-
_________________
(١) ابن خزيمة من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل قال أفضت مع النبي ﷺ من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمي جمرة العقبة ويكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخرر حصاة، قال ابن خزيمة هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم في الروايات الأخرى، وأن المراد حتى رمي جمرة العقبة أي أتم رميها اهـ (قال الوكاني) والمر كلما قال ابن خزيمة، فإن هذه زيادة مقبولة خارجة من مخرج صحيح غير منافية للمزيد وقبولها متفق عليه كما تقرر ف الأصول اهـ (فإن كان محرما بعمرة) فقط فليمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر كما جاء ذلك في حديثي ابن عباس المذكورين في الزوائد، وظاهر هذا أنه يلبي في حال دخوله المسجد وبعد رؤية البيت وفي حال مشيه حتى يرع في الاستلام، ويستثنى منه الأوقات التي فيها دعاء مخصوص، وقد ذهب إلى ما دل عليه الحديث من ترك التلبية عند لاشروع في الاستلام الأمامان (أبو حنيفة والشافعي) في الجديد، وقال في القديم يلبي ولكنه يخفض صوته (وهو قول ابن عباس والأمام أحمد) "وتتأكد التلبية في مواضع" لحديث ذكره صاحب المهذب عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كان رسول الله ﷺ يلبي إذا رأى ركبًا أو صعد أكمه أ، هبط واديًا وفي أدبار المكتوبة وآخر الليل (قال الحافظ) في التلخيص رواه ابن عسكر في تخريجه لأحاديث المهذب من طريق عبد الله بن محمد بن ناجية في فوائده باسناد له عن جابر قال كان رسول الله ﷺ يلبي إذا لقى ركبًا فذكره وفي إسناده من لا يعرف، وروى الشافعي عن سعيد بن سالم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يلبي راكبًا ونازًلا ومضطجعًا (وروى ابن أبي شيبة) من رواية بن سابط قال كان السلف يستحبون التلبية في أربعة مواضع في دبر الصلاة وإذا هبطوا واديًا أو علّوه وعند التقاء الرفاق، وعند خثيمة نحوه وزاد"وإذا استقلت بالرجل راحلته" اهـ مذاكره الحافظ (قلت) وبذلك قال إبراهيم النخعى (والأمامان الشافعي وأحمد والجمهور) وكان الأمام الشافعي قبل يقول مثل قول الأمام مالك لا يلبي عند اصطدام الرفاق (وقول النخعى ومن وافقه) مع رواية ابن أبي شيبة عن ابن سابط يدل على أن السلف رحمهم الله تعالى كانوا يستحبون ذلك والحديث يدل عليه أيضًا (قال ابن قدامة في المغنى) ويجزاء من التلبية في دبر الصلاة مرة واحدة، قال الأثرم قلت لبي عبد الله (يعني الأمام أحمد) ﵀ ما شيء يفعله العامة يلبون في دبر الصلاة ثلاث مرات فتبسم، وقال ما ادرى من اين جاءوا به؟ قلت أليس بجزئه مرة واحدة؟ قال بلى، وهذا لأن المروى التلبية مطلقًا من غير تقييد، وذلك يحصل بكمرة واحدة، وهكذا التكبير في أدبار الصلوات في أيام الأضحى وأيام التشريق، ولا بأس بالزيادة على مرة، لأن ذلك ذكر وخير وتكراره ثلاثًا حسن
[ ١١ / ١٩٠ ]
-[عدم الجهر بالتلبية في مواضع وتركها في أخرى - وكيف يلبى من لم يعرف اللغة العربية]-
أبواب ما يجوز فعله للمحرم وما لا يجوز له
(١) باب نزع المخيط للمحرم وما لا يجوز له من الثياب والطيب
(١٦٠) عن ابن عمر ﵄ أنَّ رجلًا قال يا رسول الله
_________________
(١) فإن الله وتر يحب الوتر (قال ابن قدامة) ولا ستحب رفع الصوت بالتلبية في الأمصار ولا في مساجدها إلا في مكة والمسجد الحرام، لما روى عن ابن عباس أنه سمع رجًلا يلبي بالمدينة فقال إن هذا لمجنون، إنما التلبية إذا برزتن وهذا قول (مالك يعني والأمام أحمد) (وقال الشافعي) يلبي في المساجد كلها ويرفع صوته أخذًا من عموم الحديث، قال ولنا قول ابن عباس، ولأن المساجد إنما بنيت للصلاة، وجاءت الكراهة لرفع الصوت فيها عامًا إلا الأمام خاصة فوجب غبقاؤها على عمومهان فأما مكة فتستحب التلبية فيها لأنها محل النسك وكذلك المسجد الحرام وسائر مساجد الحرم كمسجد منى وفي عرفات أيضًا (قال) ولا يلبى بغير العربية إلا أن يعجز عنها، لأن ذكر مشروع فلا يشرع بغير العربية كالآذان والأذكار المشروعة في الصلاة (قال) ولا بأس بالتلبية في طواف القدوم، وبه يقول ابن عباس وعطاء بن سائب وربيعة بن عببد الرحمن وابن أبي ليلى وداود (والشافعي) وروى عن سالم ابن عبد الله أنه قال لا يلبى حول البيت، وقال ابن عيينة ما رأينا أحدًا يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب، وذكر أبو الخطاب أنه لا يبلى (وهو قول للشافعي) لأنه مشتغل بذكر يخصه فكان أولى (قال) ولنا أنه زمن التلبية فلم يكره له كما لو لم يكن حول البيت، ويمكن الجمع بين التلبية فلم يكره له كما لو لم يكن حول البيت، ويمكن الجمع بين التلبية والذك المشروع في الطواف، ويكره له رفع الصوت بالتلبية لئلا يشغل الطائفين عن طوافهم وأذكارهم، وإذا فرغ من التلبية صلى على النبي ﷺ ودعا بما أحب من خير الدينا والآخرة لما روى الدار القطني بأسناده (قلت تقدم في الزوائد) عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من تلبيته سال الله مغفرته ورضوانه واستعاذ برحمته من النار، وقال القاسم بن محمد يستحب الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلى على محمد ﷺ ٠ قلت رواه الدار قطنى وتقدم في الزوائد أيضًا) قال ولا بأس إن يلبى الحلال؛ وبه قال الجسن. والنخعى. وعطاء بن لاسائل (والشافعي) وأبو ثور وابن المنذر. وأصحاب الرأي (وكرهه مالك) قال ابن قدامة ولنا أنه ذكر يستحب للمحرم فلم يكره لغيره كسائر الأذكار اهـ والله أعلم
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا إسماعيل
[ ١١ / ١٩١ ]
-[ما يجتنبه المحرم من الثياب - وكلام العلماء في تفسير السراويل]-
ما يلبس المحرم أو قال ما يترك المحرم؟ قال لا يلبس القميص ولا السَّراويل ولا العمامة ولا الخفَّين إلاَّ أن لا يجد نعلين؛ فمن لم يجد نعلين فليلبسهما أسفل من اكعبين ولا البرنس ولا شيئًا من الثِّياب
_________________
(١) أنا أيوب عن نافع عن ابن عمر -حديث" (غريبه) (١) أو في قوله (أو قال ما يترك المحرم) للشك من الراوي، وقد جاء في الطريق الثانية من هذا الحديث؛ وفي رواية لمسلم منه أيضًا أن رجًلا سال النبي ﷺ عما يلبسه المحرم من الثياب لا عما يتركه، فقال رسول الله ﷺ لا تلبسوا القمص الخ (قال العلماء) هذا من بديع الكلام وجزله فانه ﷺ سئل عما يلبسه المحرم فقال لا يبلس كذا وكذا، فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات، ويلبس ما سوى ذلك، وكان التصريح بما لا يلبس أولى لأنه منحصر، وأما الملبوس الجائز للمحرم فغير منحصر فضبط الجميع بقوله ﷺ لا يلبس كذا وكذا يعني ويلبس ما سواه (٢) القميص نوع من الثياب معروف والسراويل ثوب خاص بالنصف الأسفل من البدن ولفظه اعجمى لا عربي على الصحيح ٠ قال صاحب المحكم) السراويل فارسي معرب يذكر ويؤنثن ولم يعرف الأصمعى فيها إلا التأنيث والجمع سراويلات، قال سيبويه ولا يكسر لأنه لو كسر لم يرجع إلى لفظ الواحد فترك، وقد قيل سراويل جمع، واحدة سروالة؛ سروله فتسرول. ألبسه إياها فلبسها، والسراوين السراويل، زعم يعقوب أن النون فيها بدل من اللام (وقال الجوهرى) السروايل معروف يذكر ويؤنثن والجمع الساويلات ٠ قال سيبويه) سراويل واحدة وهي اعجمية أعربت فأشبهت من كلامهم مالا ينصرف في معرفة ولا نكرة فهي مصروفة في النكرة، ومن النحويين من لا يصرفه في النكرة ويزعم أنه جمع سروال وسروالةن والعمل على القول الأولن والثاني أقوى (وقال أبو حاتم) السحستاني في كتابه المذكر والمؤنث السراويل مؤنثة لا يذكرها من علمناه، قال وبعض العرب يظن السراويل جماعةن قال وسمعت من الأعراب من يقول الشراويل بالشين يعني المعجمة، ذكره النووي ف يتهذيب الأسماء واللغات (واعلم) أنه ﷺ نبه بالقميص والسراويل على جميع مافي معناهما وهو ما كان مخيطًا أو مخيطًا معموًلا على قدر البدن أو قدر عضو منه (٣) يعني أن من لم يجد نعلين وكان له خفان فليلبسهما بعد قطعهما أسفل من الكعبين، فإن ذلك يجزئه من النعلين بشرط القطع وعدم وجود النعلين وإلا فلا، ونبه ﷺ بالخفاف على كل سائر للرجل من مداس وجمجم وجورب وغيرها فإنه لا يجوزن والمراد كشف الكعبين في الأحرام وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم (٤) البرنس بضم الباء الموحدة والنون
[ ١١ / ١٩٢ ]
-[اجتناب المحرم ما صبغ من الثياب بالوالس والزعفران - ونهى المرأة عن النقاب ولبس القفازين]-
مسَّه ورس ولا زعفران (وعنه من طريقٍ ثانٍ بنحوه وزاد فيه) ولا تنتقب المرأة الحرام ولا تلبس القفَّازين (وعن من طريقٍ ثالثٍ) قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم لا يلبس المحرم البرنس ولا القميص ولا العمامة ولا السَّراويل ولا الخفَّين إلاَّ أن يضطرَّ يقطعه من عند الكعبين، ولا يلبس ثوبا مسَّه الورس ولا الزَّعفران إلاَّ أن يكون
_________________
(١) قال الأزهري وصاحب المحكم وغيرهما البرنس كل ثوب رأسه منه ملتزق به، دراعة كانت أو جبة أو ممطرا (والممطر) بكسر الميم الأولى وفتح الطاء مايلبس في المطر يتوقى به (وقد نبه ﷺ) بالعمائم والبرانس على كل ساتر للرأس مخيطًا كان أو غيره حتى العصابة فانها حرام، فأن احتاج إليها لشجة أو صداع أو غيرهما شدها ولمته الفدية (١) الورس نبت أصفر طيب الريح يكون باليمين يصبغ به الثياب والخز وغيرهما، يقال ورّست الثوب توريسا إذا صبغته بالورس، والزعفران معلوم طيب الريح أيضًا، ونبه ﷺ بالورس والزعفران على ما في معناهما وهو الطيب، فيحرم على الرجل والمرأة جميعًا في الأحرام جميع أنواع الطيب، والمراد مايقصد به التطيب (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هاشم ابن القاسم ثنا ليث حدثني نافع عن عبد الله أنه قال قام رجل فقال يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الأحرام؟ فقال له رسول الله ﷺ لا تلبسوا القمص فذكر نحو ما تقدم في الطريق الأولاوزاد فيه ولا تنتقب المرأة الخ (٣) معناه أن المرأة التي أحرمت بحج أو عمرة لا يجوز لها ستر وجهها بنقاب أو نحوه مما يستر الوجه، لأنه ليس بعورة، والنقاب غطاء للوجه فيه نقبان على العينين تنظر المرأة منهما، وقال الحافظ النقاب الخمار الذي يشد على الأنف أو تحت المحاجر اهـ (وقوله ولا تلبس القفازين) بضم القاف وتشديد الفا وبعد الألف زاي، ما تلبس المرأة في يديها فيغطي أصابعها وكفها عند معانات الشيء كغزل ونحوه، أو للوقاية من البرد ونحوه، وهو لليد كالخف للرجل (٤) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺالحديث" (٥) يعني إلا أن يضطر للبسه لعدم وجود النقل، فإن اضطر لذلك فلقطعه من عند الكعبين أي أسفل منهما (٦) قال ابن العربي ليس الورس من الطيب ولكنه نبه به على اجتناب الطيب ومايشبهه في ملائمة الشم فيؤخذ منه تحريم أنواع
[ ١١ / ١٩٣ ]
-[جواز لبس المحرم ما صبغ من الثياب بالورس والزعفران بعد غسله عند الجمهور]-
غسلًا (وعنه من طريقٍ رابعٍ) قال سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول على هذا المنبر وهو ينهى النَّاس إذا أحرموا عمَّا يكره لهم لا تلبسوا العمائم فذكر نحوه
(١٦١) عن عطاءٍ أنَّه كان لا يرى بأسًا أن يحرم الرَّجل في ثوب مصبوغ بزعفران قد غسل ليس فيه نفض ولا ردع
_________________
(١) الطيب على المحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيب (وقوله ألا أن يكون غسيلا) أي مغسوًلا ذهبت رائحته بالغسل فيجوز عند الجمهور خلافًا للأمام مالك (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا محمد يعني ابن اسحاق عن نافع عن ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر وهو ينهي الناس إذا أحرموا عما يكره لهم لا تلبسوا العمائم ولا القمص ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفين إلا أن يضطر مضطر إليهما فيقطعهما أسفل من الكعبين ولا ثوبا مسه الورس ولا الزعفران؛ قال وسمعته ينهي النساء عن القفاز والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب (وقوله على هذا المنبر) يعني منير مسجد المدينة، ويؤيده رواية الدار قطنى أن رجًلا نادى في المسجد ماذا يترك المحرم من الثياب (تخريجه) أخرج الطريق الأولى منه (ق. والربعة، وغيرهم) واخرج الطريق الثانية منه (خ. نس. مذ) واخرج الطريق الثالثة منه (ق. والأربعة) بدون قوله إلا أن يكون غسيلا، وقد أخرجه بهذه الزيادة يحيى بن عبد الحمد الحماني في مسنده عن أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر كما هنا، وروى الطحاوى عن أحمد بن أبي عمران إن يحيى بن معين أنكره على الحماني فقال له عبد الرحمن بن صالح الأزدي قد كتبته عن أبي معاوية وقام في الحال فأخرج له أصله فكتبه عنه يحيى بن معين اهـ (قال الحافظ) وهي زيادة شاذة لأن ابا معاوية وإن كان متقنا لكن في حديثه عن غير الأعمش مقال، قال أحمد أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيد الله ولم يجاء بهذه الزيادة غيره اهـ، وأخرج الطريق الرابعة منه البخارى والثلاثة.
(٢) عن عطاء (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا الحجاج عن عطاء -الحديث" (غريبه) (٢) الردع بلاعين المهملة أثر الطيب الذي له جرم يظهر في البدن والثوب، يقال ردع به الطيب إذا لزق بجلده (والنفض) ذهاب لون الصبغ مع بقاء أثره، والمعنى أنه يجوز للمحرم أن يلبس ثوبًا مصبوغًا بزعفران قد انقطع
[ ١١ / ١٩٤ ]
-[جواز لبس المحرم الخفين مع قطعهما أسفل من الكعبين إذا لم يجد النعلين]-
(١٦٢) عن عكرمة عن ابن عبَّاس ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ مثله
(١٦٣) عن ابن عمر ﵄ عن النَّبىِّ ﷺ قال إذا لم يجد المحرم النَّعلين فليلبس الخفَّين وليقطعهما أسفل من الكعبين
(١٦٤) عن ابن عبَّاس ﵄ قال خطب رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وقال إذا لم يجد المحرم إزارًا فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النَّعلين فليلبس الخفَّين
(١٦٥) وعن جابر بن عبد الله ﵄ عن النَّبىِّ ﷺ مثله
_________________
(١) ريحه ولا ينفض صبغه على البدن بسبب الغسل ونحوه ويغتفر اثر الصبغ لعسر زواله (تخريجه) هذا الأثر موقوف على عطاء، وفي إسناده الحجاج بن أوطأة فيه كلام؛ وقد جاء مرفوعًا من حديث ابن عباس الآني بعده.
(٢) عن عكرمة عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا الحجاج عن الحسين بن عبد الله عن عبيد الله عن عكرمة -الحديث" (غريبه) (١) هكذا جاء الحديث في المسند عقب أثر عطاء بعد ذكر السند" عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ مثله بهذا اللفظ" (وقوله مثله) يعني مثل أثر عطاء المتقدم ولم يذكر لفظه (تخريجه) أورده الهيثمي، ولفظه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال" لا بأس أن يحرم الرجل في ثوب مصبوغ بزعفران قد غسل فليس له نفض ولا ردع" ثم قال رواه أبو يعلى والبزار وفيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله وهو ضعيف
(٣) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثناهشيم أنا ابن عون عن نافع عن ابن عمر -الحديث" (تخريجه) (نس. الجهة المدعية) وسنده جيد
(٤) عن ابن بعاس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنبأنا عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس -الحديث" (غريبه) (٢) في رواية لمسلم من طريق شعبة عن عمرو بن دينار بهذا الأسناد أنه سمع النبي ﷺ يخطب بعرفات فذكر هذا الحديث (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٥) وعن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن آدم وابو النضر ثنا زهير عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله
[ ١١ / ١٩٥ ]
-[الرخصة للمرأة المحرمة في لبس الخفين مع عدم قطعهما إذا لم تجد النعلين]-
(١٦٦) عن محمَّد بن إسحاق قال حدَّثنى نافع وكانت امرأته أمَّ ولد لعبد الله بن عمر حدَّثته أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ ابتاع جاريةً بطريق مكَّة فأعتقها وأمرها أن تحجَّ معه فابتغى لها نعلين فلم يجدهما فقطع لها خفَّين من الكعبين، قال ابن إسحاق فذكرت ذلك لابن شهاب فقال حدَّثنى سالم أنَّ عبد الله كان يصنع ذلك، ثمَّ حدَّثته صفيَّة بنت أبى عبيد أنَّ عائشة حدَّثتها أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم كان يرخِّص للنِّساء في الخفَّين ثمًَّ تركه
(١٦٧) عن نافع قال وجد ابن عمر القرَّ وهو محرم فقال ألق علىَّ ثوبًا، فألقيت عليه برنسًا فأخَّره، وقال تلقى علىَّ ثوبًا قد نهى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أن يلبسه المحرم
_________________
(١) صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم من لم يجد نعلين فليلبس خفين ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل (تخريجه) (م. وغيره)
(٢) عن محمد بن اسحاق (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن ابى عدى عن محمد بن اسحاق -الحديث" (غريبه) (١) يعني امرأة نافع (٢) يعني ابن عمر ﵄ (كان يصنع ذلك) أي كان يقطع الخف ويفتى بجوار لبسه للمحرم إ ذا لم يجد نعلا سواء أكان المحرم رجًلا أم امرأة ن فلما بلغه حديث عائشة أن رسول اله ﷺ رخص فيه للنساء افتى بجواز لبسه للنساء بدونق طع ورجع عن رأيه الأول، وهذا معنى قوله "ثم تركه" أي ترك القطع والأفتاء به للنساء (تخريجه) (د. هق) وسنده جيد
(٣) عن نافع (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا جريج ابن حازم ثنا نافع قال وجد ابن عمر القر وهو محرم-الحديث" (غريبه) (٣) بضم القاف أي البرد، يقال قر اليوم قرا بالفتح برد، والأسم القر بالضم فهو قر بالفتح تسمية بالمصدر، ونار على الأصل أي بارد، وليلة فرة وقارة (تخريجه) (خ. د. هق) وسنده جيد
[ ١١ / ١٩٦ ]
-[قصة الرجل الذي أحرم في جبة متضمخا بطيب]-
(١٦٨) عن عطاء أنَّ صفوان بن يعلى بن أميَّة أخبره أنَّ يعلى كان يقول لعمر بن الخطَّاب ﵁ ليتنى أرى النَّبىَّ ﷺ حين ينزل عليه قال فلمَّا كان بالجعرانة وعلى رسول الله ﷺ ثوب قد أظلَّ به، معه ناس من أصحابه، منهم عمر إذ جاءه رجل عليه جبة متضمِّخًا بطيب (وفى لفظ وهو متضمِّخ بخلوق وعليه مقطَّعات) قال فقال يا رسول الله كيف ترى في رجلٍ أحرم بعمرةٍ في جبَّةٍ بعد ما تضمَّخ بطيبٍ فنظر النَّبيُّ ﷺ ساعةً ثمَّ
_________________
(١) عن عطاء (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى -الحديث" (غريبه) (١) هو ابن أمية التميمي وهو المعروف بابن منية بضم الميم وسكون النون وفتح التحتانية وهي أمه. وقبل جدته. وهو والد صفوان الذي روى عنه، قال الحافظ وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عند الشيخين عن صفوان بن يعلى عن أبيه فذكر الحديث (٢) يعني الوحى (وقوله فلما كان) أي النبي ﷺ وبعض أصحابه معتمرين سنة ثمان في ذي القعدة بعد فتح مكة بالعمرة المسماة بعمرة (الجعرانة) وهو اسم مكان بين الطائف ومكة وهو إلى مكة اقرب وفي ضبطه لغتان مشهورتان (قال النووى) إحداهما إسكان العين "يعني بعد الجيم المكسورة" وتخفيف الراء، والثانية كسر العين وتشديد الراء الأولى أفصح، وبهما قال الشافعي وأكثر أهل اللغة، قال هكذا اللغتان في تخفيف الحديبية وتشديدها، والأفصح التخفيف، وبه قال الشافعي وموافقوه اهـ (٣) في الطريق الثانية جاء أعرابي وكذلك جاء بالروايتين عند البخاري، قال الحافظ لم أقف على اسمه (قلت) روى الطحاوي بسنده عن قتاده عهن عطاء بن أبي رباح أن رجًلا يقال له يعلى بن امية أحرم وعليه جبة، فأمره النبي ﷺ بنزعها، قال قتادة قلت لعطاء إنما كنا نرى أن نشقها، فقال عطاء إن الله لا يحب الفساد، فإن صح الحديث فيكون هو يعلى بن أمية صاحب القصة وأبهم اسمه كما يحصل كثيرًا من بعض الرواة لغرض ما والله أعلم (٤) بالضاد والخاء المعجمتين أي متلوثا به مكثرا منه، وفي اللفظ الآخر "وهو متضمخ بخلوق" الخلوق بفتح الخاء هو نوع من الطيب يجعل فيه زعفران (وعليه مقطعات) بفتح الطاء المشددة وهي الثياب المخيطة وفسره في
[ ١١ / ١٩٧ ]
-[الدليل على عدم جواز لبس المخيط والطيب للمحرم]-
سكت فجاءه الوحي، فأشار عمر إلى يعلى أن تعال فجاء يعلى فأدخل رأسه (وفى لفظٍ قال فأدخلت رأسي معهم في السِّتر) فإذا النَّبىَّ ﷺ محمر الوجه يغطُّ كذلك ساعةً ثمَّ سرِّى عنه، فقال أين الَّذى سألنى عن العمرة آنفًا؟ فالتمس الرَّجل فأتى به، فقال النبي ﷺ أمَّا الطِّيب الَّذى بك فاغسله ثلاث مرَّات وأمَّا الجبة فانزعها ثمَّ اصنع فى عمرتك كما تصنع فى حجَّتك (ومن طريقٍ ثانٍ) عن عطاءٍ عن يعلى بن أميَّة قال جاء أعرابى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وعليه جبَّة وعليه ردع
_________________
(١) رواية مسلم بقوله " يعني جبة" (١) إنما سكت ﷺ عن الجواب لانتظار الوحي (٢) أشار عمر ﵁ ليعلى بالمجاء ليبلغ أمنيته وهي رية النبي ﷺ عند مجاء الوحي (٣) أي تحت الثوب الذي يحول بينه وبين النبي ﷺ ومن معه من أصحابه ﵃ (٤) بكسر الغين المعجمة، الغطيط هو كصوت النائم الذي يردده مع نفسه، وسبب ذلك شدة الوحي وهو له، قال تعالى ﴿إنا سنلقى عليك قوًلا ثقيًلا﴾ وقوله (سرى عنه) هو بضم السين المهملة وكسر الراء المشددة أي أزيل ما به وكشف عنه (٥) قال النووي إنما أمر بالثلاث مبالغة في إزالة لونه وريحه والواجب الازالة فإن حصلت بمرة كفت ولم تجب الزيادة، ولعل الطيب الذي كان على هذا الرجل كثير، ويؤيده قوله متضمخ (قال القاضي) ويحتمل أنه قال له ثلاث مرات أغسله فكرر القول ثلاثًا، والصواب ما سبق والله أعلم اهـ (قلت) والظاهر أنه كان على بدنه منه شيء وإلا لاكتفى بأمره بنزع الجبة والله أعلم (وقوله وأما الجبة فانزعها) استدل به الجمهور على أن المحرم إذا صار عليه مخيط ينزعه ولا يلزمه شقه، وقال الشعبي والنخعي لا يجوز نزعه لئلا يصير مغطيا رأسه بل يلزمه شقه (قال النووي) وهذا مذهب ضعيف وقال في قوله "ثمن اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك) معناه من اجتناب المحرمات، ويحتمل أنه ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم مع ذلك الطواف والسعي والحلق بصفاتها وهيئاتها وإظهار التلبية وغير ذلك مما يشترك فيه الحج والعمرة ولا يخص من عمومه مالا يدخل في العمرة من أفعال الحج كالوقوف والرمي والمبيت بمنى ومزدلفة وغير ذلك (٦) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم ثنا منصور وعبد الملك عن عطاء عن يعلى بن أمية قال جاء أعرابي-الحديث" (٧) أي لطخ لم يعمه كله
[ ١١ / ١٩٨ ]
-[عدم جواز الطيب وتغطية الرأس للمحرم - وفضل من مات محرما بالحج]-
من زعفران، فقال يا رسول الله إنِّى أحرمت فيما تري والنَّاس يسخرون منِّى وأطرق هنيهةًَ، قال ثمَّ دعاه فقال اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك هذا الزَّعفران واصنع في عمرتك كما تصنع فى حجَّتك
(١٦٩) عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ رجلًا كان مع النَّبىَّ ﷺ فوقصته ناقته وهو محرم فمات؛ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم اغسلوه بماءٍ وسدر وكفِّنوه فى ثوبيه ولا تمسُّوه بطيب ولا تخمِّروا رأسه فإنَّه يبعث يوم القيامة ملبِّيا
(١٧٠) عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله
_________________
(١) إنما سخروا منه لجهله بالأحكام لكونه لا بسًا مخيطًا ومتلطخًا بزعفران وكلاهما منهى عنه (تخريجه) (ق. لك. د. نس. وغيرهم)
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنبأنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -الحديث" (غريبه) (٢) قال الحافظ لم أقف في شيء من الطرق على تسمية المحرم المذكور (٣) بفتح الواو بعدها قاف ثم صاد مهملة من باب وعد أي رمت به فدقت عنقه، وفي القاموس الوقص الكسر (٤) فيه أنه يكفن المحرم في ثيابه التي مات فيهان وقيل أنما اقتصار على تكفينه في ثوبيه لكونه مات فيهما وهو متلبس بتلك العبادة الفاضلة، ويحتمل أنه لم يجد غيرهما (وقوله ولا تمسوه بطيب) بضم التاء من قوله تمسوه وكسر الميم، من أمسّ، قاله الحافظ، أي لا تضعوا طيبًا على جسمه ولا في كفنه كما يفعل لغير المحرم (ولاتخمروا رأسه) أي لا تغطوه لأن المحرم ممنوع من ذلك، ففيه دلالة على بقاء حكم الأحرام، واصرح من ذلك التعليل بقوله فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، أي يقول لبيك اللهم لبيك كما يقول الحاج، وفي بعض الروايات فإنه يبعث يوم القيامة محرمًا، أي على حالته التي مات عليها ومعه علامة لحجه، وهي دلالة الفضيلة كما يجاء الشهيد يوم القيامة وأوداجه دما (تخريجه) (ق. والأربعة. وغيرهم)
(٣) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا حماد بن سلمة عن فرقد السبخى عن سعيد بن جبير عن ابن عمر - الحديث"
[ ١١ / ١٩٩ ]
-[جواز ادهان المحرم بالزيت غير المطيب عند الأحرام وزوائد الباب]-
وصحبه وسلَّم كان يدَّهن عند الإحرام بالزَّيت غير المقتَّت
_________________
(١) (غريبه) (١) أي المطيب، قال ف يالقاموس زيت مقتت طبخ فيه الرياحين أو خلط بأدهان طيبة اهـ، ففيه دلالة على جواز الأدهان بالزيت الذي لم يخلط بشيء من الطيب ويستدل بمفهومه على أنه لو كان مطيبا لم يجز الأدهان به، لكن الحديث ضعيف، وقد ثبت الأدهان والترحيل من حديث ابن عباس عند البخاري قال انطلق النبي ﷺ من المدينة بعدما ترجل وادّهن -الحديث (تخريجه) (جه. هق. مذ) وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث فرقد السبخي عن سعيد بن جبير، وقد تكلم يحيى ابن سعيد في فرقد السبخي وروى عنه الناس اهـ (قلت) قال الحافظ في التقريب فرقد ابن يعقوب السبخي بفتح المهملة والموحدة وبخاء معجمة أبو يعقوب البصري صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطأ اهـ (زوائد الباب) (عن عبد الله بن عمر) ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من الوان الثياب مصفرًا أو خزا أو حليًا أو سراويل أو قميصًا أو خفًا (د. هق) قال أبو داود روى هذا عن ابن اسحاق عبدة ومحمد بن سلمة عن محمد بن اسحاق إلى قوله " وما مس الورس والزعفران من الثياب لم يذكرا مابعده اهـ (قلت) وكذلك رواه الأمام أحمد بدون الزيادة وتقدم (وعن صفية بنت شيبة) قالت كنت عند عائشة إذ جاءتها امرأة من نساء بني عبد الدار يقال لها تملك فقالت لها يا أم المؤمنين إن ابني فلانة حلفت أن لا تلبس حليها في الموسم فقالت عائشة قولي لها أن أم المؤمنين تقسم عليك إلا لبست حليك كله (وعن ابن باباه المكي) أن امرأته سالت عائشة ما تلبس المرأة في إحرامها؟ قال فقالت عائشة تلبس من خزها وبزها واصباغها وحليها، رواهما البيهقى (وروى البيهقى أيضًا) قال أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ثنا أبو العباس الأصم أنبأنا الربيع بن سليمان أنبأ الشافعي أنبأ سعيد هو ابن سالم عن ابن جريج عن هشام بن حجير عن طاوس قال رأيت ابن عمر سعى بالبيت وقد حزم على بطعنه بثوب، قال وأخبرنا سعيد عن اسماعيل بن أمية أن نافعا أخبره أن ابن عمر لم يكن عقد الثوب عليه نما غرز طرفه على إزاره " وبهذا الأسناد" أنبأنا الشافعي أنبأ سعيد عن مسلم بن جندب قال جاء رجل يسأل ابن عمر وأنا معه فقال أخالف بين طرفي ثوبي من ورائي ثم اعقده وأنا محرم فقال عبد الله بن عمر لا تعقد "وبهذا الأسناد" أنبأ الشافعي أنبأ سعيد بن سالم عن ابن جريج أن رسول الله ﷺ رأى رجًلا محزمًا بحبل أبرق
[ ١١ / ٢٠٠ ]
-[زوائد الباب فيما يجتنبه المحرم وما يجوز له]-
_________________
(١) فقال انزع الحبل مرتين هذا منقطع (ورواه أيضًا) ابن أبي ذئب عن صالح بن حسان وهو أيضًا منقطع إلا أن أحدهما يتأكد بالآخر، ثم بما مضى من أثر ابن عمر، ثم بأنه إذا عقد صار في معنى المخيط اهـ ماذكره البيهقي (وعن ابن عمر) ﵄ أن رسول الله ﷺ قال ليس على المرأة حرم إلا في وجهها (طب. طس) وفيه أيوب بن محمد اليمامي وهو ضعيف (وعنه ايضًا) قال قال رسول الله ﷺ لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين ولا البرقع، فإن أرادت أن تحرم وهي حائض فلتحرم ولتقف المواقف إلا الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة (قال الهيثمي) في الصحيح بعضه (طس) وفيه عمر بن صهبان وهو متروك (وعن ابن عباس) ﵄ قال كان أزواج النبي ﷺ يختضبن بالحناء وهن محرمات ويلبسن المعصفر وهن محرمات (طب) وفيه يعقوب بن عطاء وثقه ابن حبان وضعفه جماعة (وعن أسماء بنت أبي بكر) ﵂ أن نساء النبي ﷺ كن يلبسن الدروع المعصفرات وهن محرمات (طب) قال الهيثمي وفيه جماعة لم أعرفهم (وعن عروة بن الزبير عن أمه أسماء بنت أبي بكر) ﵄ أنها كانت تلبس الثياب المعصفرات المشبعات وهي محرمة ليس فيها زعفران (لك. هق) وقوله المشبعات أي التي لا ينفض صبغها كما فسره ابن حبيب عن مالك، فإذا نفض كره للرجال والنساء لأن ماينفض منه يشبه الطيب (وعن القاسم بن محمد) قال كانت عائشة تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة (ص) بأسناد صحيح (وعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله) ﵄ أنه سمعه يقول لا تلبس المرأة ثياب الطيب وتلبس القياب المعصفرة لا ارى العصفر طيبًا (هق) (وعن نافع) أن نساء ابن عمر كن يلبسن المعصفرات وهن محرمات (هق) (وعن على ابن حوشب) قال سمعت مكحوًلا يقول جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ بثوب مشبع بعصفر، فقالت يارسول الله إني اريد الحج فأحرم في هذا؟ قال لك غيره؟ قال لا، قال فاحرمي فيه (هق) (وعن نافع) أنه سمع اسيلم مولى عمر بن الخطاب يحدث عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبًا مصبوغًا وهو محرم؛ فقال عمر ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة يا أمير المؤمنين إنما هو مدر (بميم ودال مهملة أي مغرة) فقال عمر إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم الناس، فلو أن رجًلا جاهًلا رأى هذا الثوب لقال أن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الأحرام، فلا تلبسوا ايها الرهط شيئًا من هذه الثياب المصبغة (لك. هق) الصبغ بالمغرة وهي الطين الأحمر لا شيء فيه، وإنما كرهه عمر ﵁ لئلا يراه من لا يعرف ذلك فيفه أنه ورس أو زعفران وكلاهما محظور (وعن جبير بن نفير الحضرمى) قال أني لجالس مع عبد الله
[ ١١ / ٢٠١ ]
-[مذاهب العلماء في لبس الخف والسراويل للمحرم إذا لم يجد إزارًا ولا نعلين]-
_________________
(١) ابن عمرو بن العاص ﵄ ببيت المقدس أو في المسجد إذ طلع رجل عليه، معصفرة ثيابه، فقال عبد الله بن عمرو أحرمت في مثل هذا الثوب فرآه رسول الله ﷺ فنهاني عن لبسه، ثم رجعت إلى البيت فصنعت به صنيعًا ولوددت أني صنعت غيرهن قال قلت ما الذي صنعت، قال أوقدت لم تنورًا ثم طرحته فيه، ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه ع جده فأخبر أنه لا بأس بذلك للنساء (هق) (وعن أبي الزبير) أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يسال عن الريحان يشمه المحرم والطيب والدهن فقال لا (وعن نافع) عن ابن عمر أنه كان يكره شم الريحان للمحرم (وعن عكرمة) عن ابن عباس ﵄ أنه كان لا يرى باسًا للمحرم يشم الريحان، روى هذه الآثار الثلاثة للبيهقى (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة مسائل (منها) الأمور الستة التي يجتنبها المحرم وقد جاءت مبينة في حديث ابن عمر المذكور أول الباب وهي القميص والعمامة والبرنس والسراويل والخف والثوب الذي مسه الورس أو الزعفران، وهذا المنع مختص بالرجل فلا يلحق به المرأة (قال ابن المنذر) أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ذلك، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس (وقال القاضي عياض) ﵀ أجمع المسلمون على أن ماذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم، وقد نبه بالقميص على كل مخيط، والعمامة والبرنس على غيره، وبالخفاف على كل سائر اهـ (واختلفوا فيمن لم يجد ازارًا ولا نعلين) (فذهب الأمام أحمد) إلى انه يلبس الخف والسراويل على حالهما والفدية عليه عمًلا بحديثي جابر وابن عباس المذكورين في الباب بلفظ (إذا لم يجد المحرم ازارًا فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين (وذهب الجمهور) إلى قطع الخف وفتق السراويل لمن لم يجد الأزار والنعلين، ويلزمه الفدية عندهم إذا لبس شيئًا منهما على حالخه لقوله في حديث ابن عمر المتقدم في أحاديث الباب (فليقطعهما) فيحمل المطلق على المقيد ويلحق النظير بالنظير (وقالت الحنفية) يلزم الفدية في لبس الخف لعدم وجود النعل ولو قطعه (قال ابن قدامة) الأولى قطع الخفين عمًلا بالحديث الصحيح وخروجا من الخلاف ٠ قال الحافظ) (والأصح عند الشافعية) والأكثر جواز لبس السراويل بغير فتق كقول أحمد، واشترط الفتق محمد بن الحسن وإمام الحرمين وطائفة وذهب الأمامان (أبو حنيفة ومالك) إلى منع السراويل للمحرم مطلقًا، والحديثان المذكوران يردان عليهما، ومن أجاز ليس السراويل على حاله قيده بأن لا يكون على حالة لو فتقه لكان ازارًا، لأنه في تلك الحال يكون واحدًا للأزار كما قال الحافظ، وقد أجاب الحنابلة على الحديث الذي احتج به الجمهور على وجوب القطع بأجوبة (منها) دعوى النسخ لأن حديث ابن عمر كان بالمدينة قبل الإحرام، وحديث
[ ١١ / ٢٠٢ ]
-[كلام العلماء في الجمع بين حديثى ابن عمر وابن عباس في قطع الخف وعدمه الخ]-
_________________
(١) ابن عباس كان بعرفات كما حكى ذلك الدار قطنى عن أبي بكر النيسابوري (وأجاب) الأمام الشافعي في الأم عن هذا فقال كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس لاحتمال أن تكون عزبت عنه. أو شك فيها، أو قالها فلم ينقلها عنه بعض روائه اهـ (وسلك بعضهم) طريقة الترجيح بين الحديثين. قال ابن الجوزى حديث ابن عمر اختلف في وقفه ورفعه وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه؛ وردّ بأنه لم يختلف على ابن عمر ف رفع الأمر بالقطع إلا في رواية شاذة، وعورض بأنه اختلف في حديث ابن عباس فرواهابن أبي شيبة بأسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا (قال الحافظ) ولا يرتاب أحد من المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن بعاس، لأن حديث ابن عمر جاء بأسناد وصف بكونه أصح الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفاظ، ومنهم نفع وسالم بخلاف حديث ابن عباس فلم يأت مرفوعًا إلا من رواية جابر بن زيد عنه حتى قال الأصيل إنه شيخ مصري لا يعرف كذا قال، وهو شيخ معروف موصوف بالفقه عند الأئمة، (واستدل بعضهم) بقياس الخف على السراويل في ترك القطع، ورد بأنه مصادم للنص فهو فاسد الاعتبار (واحتج بعضهم) بقول عطاء إن القطع فساد والله لا يحب الفساد، وردّ بأن الفساد إنما يكون فيما نهى عنه الشارع لا فيما أذن فيه بل أوجبه (وقال ابن الجوزي) يحمل الأمر بالقطع على الإباحة لا عل الاشتراط عمًلا بالحديثين، ولا يخفى تكلفه، أفاد الحافظ (قال الشوكاني) والحق أنه لا تعارض بين مطل ومقيد لأمكان الجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد والجمع ما أمكن هو الواجب فلا يصار إلى الترجيح، ولو جاز المصير إلى الترجيح لأمكن ترجيح المطلق بأنه ثابت من حديث ابن عباس وجابر كما في الباب ورواية اثنين أرجح من رواية واحد اهـ (واعلم أن جميع ما تقدم) في الطريق الأولى من حديث ابن عمر بخصوص الملابس نما هو في حق الرحال، أما المرأة فلها لبس المخيط وستر الرأس، ولفظ الحديث غير متناول لها، فإن لفظ المحرم موضوع للرجل وإنما يقال للمرأة محرمة، وهذا على ما تقرر في الأصول أن لفظ المذكور لا يتناول الأناث خلافًا للحنابلة، ولم يخالف الحنابلة في هذا الفرع لورود مايدل على اختصاص هذا الحكم بالرجال وهو قوله في الطريق الثانية منه "ولا تنتقب المرأة الحرام ولا تلبس القفازين" وهو في صحيح البخارى وغيره كما تقدم ٠ قال ابن المنذر) أجمع أهل العلم على أن للمرأة المحرمة لبس القميص والدرع والسراويلات والخمر والخفاف اهـ فدل النهي عن الانتقاب على تحريم ستر الوجه بما يلاقيه ويمسه دون ما إذا كان متجافيًا عنه (وهذا قول الأمة الأربعة) وبه قال الجمهور، وقال ابن المنذر ولا نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ رخص فيه يعني النقاب، ثم قال وكانت أسماء
[ ١١ / ٢٠٣ ]
-[مذاهب العلماء في لبس النقاب والقفازين للمرأة المحرمة]-
_________________
(١) بنت أبي بكر تغطى وجهها وهي محرمة، وروينا عن عائشة أنها قالت المحرمة تغطي وجهها إن شاءت (وقال ابن عبد البر) وعلى كراهة النقاب للمرأة جمهور علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأمصار أجمعين إلا شيء روى عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، وعن عائشة أنها قالت تغطي المرأة وجهها إن شاءت (أي لحاجة) وروى عنهما أنها لا تفعل، وعليه الناس اهـ (وأما ليس المرأة القفازين) فمختلف فيه (ذهب الأمامان مالك وأحمد) إلى منعه وهو أصح القولين (عن الشافعي) وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وعطاء ونافع وابراهيم النخعي، وقال ابن المنذر اتقاؤه أحب إلى للحديث الذي جاء فيه (وقال ابن عبد البر) الصواب عندي نهى المرأة عنه ووجوب الفدية عليها به لثبوته عن النبي ﷺ (وذهب آخرون) إلى جوازه، وحكاه ابن المنذر عن سعد ابن أبي وقاس وعائشة وعطاء والثوري ومحمد بن الحسن وحكاه النووي وغيره (عن أبي حنيفة) قال ابن البر يشيه أن يكون مذهب ابن عمر، لأنه كان يقول إحرام المرأة في وجهها اهـ. وهو رواية المزني عن الشافعي، وصححه الغزالي والبغوى (قال الرافعي) لكن أكثر النقلة على ترجيح الأول (وحكى الخطابي) عن أكثر أهل العلم أنه لا فدية عليها إذا لبست القفازين وهو قول عند المالكية (وأما ستر المرأة يديها) بغير مخيط كما لو اختضبت فألقت على يديها خرقة فوق الخضاب أو ألقتها بلا خضابن فالمشهور من مذهب الشافعي ﵀ جوازه، وبعضهم أجرى فيه القولين في القفازين؛ وقال الشيخ أبو حامد إن لم تشد الخرقة جاز، وإلا فالقولان (فعلى المشهور) يكون ﵊ نبه بالقفازين على مافي معناهما من المخيط أو المحيط (وعلى الثاني) يكون نبه بتا على مطلق الساتر والله أعلم (ومن مسائل الباب أيضًا) أن المراد باللبس المنهي عنه اللبس المعتاد فلو ارتدى القميص ونحوه لم يمنع منه فإنه لا يعد لابسًا له في العرف " فإن قلت كيف ذلك" وقد ثبت في أحاديث الباب عن نافع قال وجد ابن عمر القر وهو محرم فقال الق على ثوبًا فألقيت عليه برنسًا فأخره وقال تلقى على ثوبًا قد نهى رسول الله ﷺ أن يلبسه المحرم رواه أيضًا البخاري وأبو داود والبيهقى (فالجواب) ماقاله ابن عبد البر، وهو أن هذا من ورعه وتوقيه كره أن يلقى عليه البرنس، وسائر أهل العلم إنما يكرهون الدخول فيه ولكنه ﵁ استعمل العموم في اللباس لأن التغطية والامتهان قد يسمى لباسًا، الم تسمع إلى قول أنس فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس اهـ وهو يقتضي إن ابن عمر إنما فعل ذلك احتياطًا لا اعتقادًا للوجوب (قال العراقي) حمه الله في شرح الترمذي كان مفرجا كالقباء بحيث لو قام عدّ لابسًًا له، فإن بعض البرانس كذلك، وقد حكى
[ ١١ / ٢٠٤ ]
-[محرمات الإحرام سبعة وكلام العلماء في استدامة الطيب والمزعفر إذا غسل]-
_________________
(١) الرافعي عن إمام الحرمين فيما لو ألقى على نفسه قباء أو فرجية وهو مضطجع أنه إن اخذ من بدنه ما إذا قام عُد لابسه فعليه الفدية، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر فلا اهـ (وفي أحاديث الباب أيضًا) دلالة على أنه يجوز للمحرم رجًلا كان أو امرأة لبس الثوب الذي صبغ بزعفران أو ورس بعد غسله وانقطاع ريحه (قال ابن المنذر) اختلفوا في لبس الثوب الذي مسه زعفران أو ورس فغسل، وذهب ريحه ونفضه، فمن رخص فيه سعيد بن المسيب والحسن والمخعى، وروى عن عطاء وطاوس ومجاهد، وبه (قال الشافعي"قلت" والأمام أحمد) وأبو ثور وأصحاب الرأي وكان مالك يكره ذلك إلا أن يكون غسل وذهب لونه اهـ (قلت) وهذا يقتضي أنه لا يجوز الأحرام في ثوب مسه الورس أو الزعفران قبل غسله (قال النووى) ﵀ أجمعت الأمة على تحريم لباسهما "يعني ما مسه الورس أو الزعفران" لكونهما طيبًا، والحقوا بهما جميع أنواع مايقصد به الطيب، قال وأما الفواكه كالأترج والتفاح وأزهار البراري كالشيح والقيصوم ونحوهما فليس بحرام لأنه لا يقصد به الطيب، قال وسبب تحريم الطيب أنه داعية إلى الجماع لأنه ينافي تذلل الحاج فإن الحاج أشعث أغبر وسواء في تحريم الطيب الرجل والمرأة، وكذا جميع محرمات الأحرام سوى اللباس كما سبق بيانه (قال ومحرمات الأحرام سبعة) اللباس بتفصيله السابق، والطيب، وإزالة الشعر. والظفر. والسابع اتلاف الصيد والله أعلم، وإذا تطيب أو لبس ما نهى عنه لزمته الفدية إن كان عامدا بالأجماع، وإنكان ناسيًا فلا فدية عند الثورى والشافعى وأحمد واسحاق وأوجبها (أبو حنيفة ومالك) اهـ ج وقد استدل بحديث يعلى ابن امية) المذكور في الباب على منع استدامة الطيب بعد الأحرام لأنه ﷺ أمر بغسل اثره من الثوب والبدن وهو قول (الأمام مالك ومحمد بن الحسن) وأجاب الجمهور عنه بأن قصى يعلى كانت بالجعرانة وهي في سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة أنها طيبت رسول الله ﷺ بيدها عند احرامهما، وكان ذلك في حجة الوداع وهي سنة عشر بلا خلاف وإنما يؤخذ بالأمر الآخر فالآخر، ولأن المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب فلعل علة الأمر فيهما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهى عن تزعفر الرجل مطلقًا محرمًا وغير محرم (وفيه) أن العمرة يجرم فيها من الطيب واللباس وغيرهما من المحرمات السبعة السابقة مايحرم في الحج (وفيه) أن من أصابه طيب ناسيًا أو جاهلًا ثم علم وجبت عليه المبادرة إلى أزالته (وفيه) دلالة للأئمة الأربعة والجمهور أن المحرم اذا صار عليه مخيط ينزعه ولا يلزمه شقه، وقال الشعبي والنخعي لا يجوز نزعه لئلا يصير مغطيًا
[ ١١ / ٢٠٥ ]
-[مذاهب العلماء في المعصفر والادهان بالزيت وشم الريحان]-
_________________
(١) رأسه بل يلزمه شقه (قال النووى) وهذا مذهب ضعيف، قال وفي هذا الحديث دليل للقاعدة المشهورة أن القاضي والمفتى إذا لم يعلم حكم المسألة أمسك عن جوابها حتى يعلمه أو يظنه بشرطه (وفيه) أن من الأحكام التي ليست في القرآن ماهو بوحى لا يتلى، وفد يستدل به من يقول من أهل الأصول أن النبي ﷺ لم يكن له الاجتهاد وإنما كان يحكم بوحي ولا دلالة فيه، لأنه يحتمل أنه ﷺ لم يظهر له بالاجتهاد حكم ذلك أو أن الوحي بدره قبا تمام الاجتهاد والله أعلم اهـ (قلت وفي حديث ابن عباس وأسماء وعائشة) وابن عمر وغيرهم دلالة على لبس الثوب المعصفر وهو المصبوغ بالعصفر أنه ليس من الطيب (قال ابن قدامة) ولا بأس باستع ماله وشمه ولبس ما صبغ به، وهذا قول جابر وابن عمر وعبد الله ابن جعفر وعقيل بن أبي طالب وهو مذهب (الشافعى يعني والأمام أحمد) قال وعن عائشة وأسماء أزواج النبي ﷺ أنهن كن يحرمن في المعصفرات (وكرهه مالك) إذا كان ينتفض في بدنه ولم يوجب فيه فدية (ومنع منه الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن) وشبهوه بالمورس والزعفرنه طيب الرائحة فأشبهه ذلك، قال ونا ما روى أبو داود بأسناده عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفر من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلى أو سراويل أو قميص أو خف، - وروى الأمام أحمد في المناسك (اسم كتاب للأمام أحمد) بأسناده عن عائشة بنت سعد، قال كن أزواج النبي ﷺ تحرم في المعصفرات، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفًا، ولأنه ليس يطيب فلم يكره ما صبغ به كالسواد والمصبوغ بالمغرة، وأما الورس والزعفران فإنه طيب بخلاف مسألتنا اهـ (وقال النووى) ﵀ ولا يحرم المعصفر عند مالك والشافعى وحرمه الثوري وأبو حنيفة وجعلاه طيبًا وأوجبا في هـ الفدية، قال ويكره للمحرم لبس الثوب المصبوغ بغير طيب ولا يحرم والله أعلم اهـ (وفي حديث ابن عمر) المذكور آخر أحاديث الباب دلالة على جواز تلأدّهان بالزيت الذي لم يخلط بشيء من الطيب، وقد قال ابن المنذر إنه أجمع العلماء عل أنه يجوز للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن والشيرج وأن يستعمل ذلك في جميع بدنه سوى رأسه ولحيته، قال وأجمعوا على أن الطيب لايجوز استعماله في بدنه وفرقوا بين الطيب والزيت في هذا (وقد جاء في شم الريحان) للمحرم آثار عن بعض الصحابة ذكرت في الزوائد (منها عدم الجواز) وهو مروى عن جابر بن عبد الله ﵄، وبه قال الشافعية (ومنها الكراهة) وهو مروى عن ابن عمر ﵄، وبه قال المالكية والحنفية (ومنها الأباحة) وهو مروى عن ابن عباس وبه قال
[ ١١ / ٢٠٦ ]
-[كلام العلماء في الحكمة فيما يجتنبه المحرم]-
(٢) باب ما جاء فى الحجامة والاكتحال وغسل الرأس للمحرم
(١٧١) عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم فى رأسه من صداع وجده
(١٧٢) عن عبد الله بن بحينة ﵁ قال احتجم رسول الله ﷺ بلحى جملٍ من طريق مكَّة على وسط رأسه وهو محرم
_________________
(١) إسحاق (قال الحافظ) وتوقف الأمام أحمد، قال ومنشأ الخلاف أن كل مايتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف، وأما غيره فلا اهـ (وفي أحاديث الباب أيضًا) فوائد غير ماذكرنا تقدم بعضها في خلال الشرح، ولو استقصينا كل مافيها لطال بنا المقام، ونختم الكلام بما قاله العلماء في حكمه تحريم اللباس والطيب على المحرم (قال العلماء) الحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم ولباسه الازار والرداء أن يبعد عن الترفه ويتصف بصفة الخاشع الذليل وليتذكر أنه محرم في كل وقت فيكون اقرب إلى كثرة أذكاره وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته وامتناعه من ارتكاب المحظورات وليتذكر به الموت ولباس الأكفان ويتذكر البعث يوم القيام والناس حفاة عراة مهطعين إلى الداعى، والحكمة في تحريم الطيب واللساء أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها، ويجتمع همه لمقاصد الآخرة نسأل الله ﷾ التوفيق لذلك آمين.
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا هشام عن عكرمة عن ابن عباس -الحديث" (تخريجه) (ق. والثلاثة. وغيرهم)
(٣) عن عبد الله بن بحينة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو سلمة الخزاعى ثنا سليمان بن بلال عن علقمة بن أبي علقمة أنه سمع عبد الرحمن الأعرج أنه سمع عبد الله بن بحينة يقول احتجم رسول الله ﷺالحديث" (غريبه) (١) بفتح اللام وحكى كسرها، وسكون المهملة وفتح الجيم، موضع بطريق مكة كما وقع مبينًا في الحديث وهو إلى المدينة أقرب، وذكر البكرى في معجمه أنه الموضع الذي بقال له بئر جمل، وقاتل غيره هو عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا، ووهم من ظن أن المراد به لحى الجمل الحيوان المعروف وأنه كان آلة الحجم، وجزم الحازمى وغيره أن ذلك كان في حجة الوداع (٢) بفتح المهملة أي متوسط، وهو ما فوق اليافوج فيما بين أعلى القرنين، قال الليث كانت هذه الحجامة في فاس الرأي (تخريجه) (ق. نس. جه)
[ ١١ / ٢٠٧ ]
-[الدليل على جواز الحجامة للمحرم]-
(١٧٣) عن أنس بن مالكٍ ﵁ أن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجعٍ كان به
(١٧٤) عن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم من وثئ كان بوركه أو ظهره
(١٧٥) عن نيه بن وهب قال أرسل عمر بن عبيد الله إلى أبان
_________________
(١) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن قتادة عن أنس- الحديث" (غريبة) (١) ذكر في هذا الحديث أن الحجامة كانت على ظهر القدم، وفي حديثي ابن عباس وابن بحينة أنها كانت في الرأس من صداع وجده، وفي حديث جابر الآتي بعد هذا من وثاء كان بوركه أو ظهره، وهو رضّ العظم بلا كسر، فيحتمل أنه كان به الأمكر أن فاحتجم مرة لوجع الرأس ومرة للوثاء، وأن الحجامة تعددت منه ﷺ في إحرام حجة الوداع، ويحتمل أنها كانت مررة في عمرة، ومرة في حجة الوداع والله تعالاة أعلم (تخريجه) (د. نس) ولفظ النسائي من وثاءكان به بدل قوله"من وجع كان به" وسنده جيد.
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو قطن وروح قالا ثنا هشام، قال روح بن أبي عبد الله عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله -الحديث" (وقوله قال روح بن أبي عبد الله) يعني أن روحا نسب في روايته هشامًا فقال هشام بن أبي عبد الله، وأما أبو قطن فقال ثنا هشام عن أبي الزبير ولم ينسب هشامًا (٢) بفتح الواو وسكون المثلثة آخره همزة، وهو وهن في الرجال دون الخلع والكسر يصيب اللحم ولا يسبلغ العظم، أو وجع العظم من غير كسر، يقال وثئت رجله بالبناء للمجهول فهي موثوءة ووثأتها أنا وقد تترك الهمزة (تخريجه) (نس. جه) وسنده جيد، ولفظه عند ابن ماجه عن جابر أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم عن رهصة أخذته، ومعناه الوهن والشدة. ولفظ النسائي كحديث الباب.
(٣) عن نبيه بن وهب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن نبيه بن وهي-الحديث" (غريبه) (٣) فيه وجهان الصرف وعدمه (قال النووى) والصحيح الأشهر الصرف فمن صرفه. قال وزنه
[ ١١ / ٢٠٨ ]
-[جواز اكتحال المحرم بالصبر ونحوه لحاجة غير زينة]-
ابن عثمان ﵁ أيكحل عينيه وهو محرم أو بأيِّ شئٍ يكحلها وهو محرم؟ فأرسل إليه أن يضدمها بالصَّبر فإنِّى سمعت عثمان ابن عفَّان ﵁ يحدِّث ذلك عن رسول الله ﷺ (وعنه من طريقٍ ثانٍ) عن أبان بن عثمان أنَّه حدَّث عن عثمان ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ رخَّص أو قال في المحرم إذا اشتكى عينيه أن يضمدها بالصَّبر
(١٧٦) عن عبد الله بن حنين قال كنت مع ابن عباس والمسور بالأبواء فتحدَّثنا حتَّى ذكرنا غسل المحرم رأسه فقال المسور لا
_________________
(١) فعال، ومن منعه هو افعل (١) الضماد بالكسر أن يخلط الدواء بمائع ويلين ويوضع على العضو؛ واصل الضمد الشد من باب ضرب، يقال ضمد رأسه وجرحه إذا شده بالضمادة، وهي خرقة يشد بتا العضو الذي به الألم، ثم نقل لوضع الدواء على الجرح وغيره وإن لم يشد (والصبر) بكسر الباء ككتف ويجوز إسكانها، وقيل لا تسكن إلا لضرورة الشعر (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى قال ثنا سفيان عن أيوب بن موسى عن عمرو ابن سعيد عن نبيه بن وهب رجل من الحجبة عن أبان بن عثمان -الحديث" (٣) أو للشك من الراوي يعني أن أبان يشك هل قال عثمان إن رسول الله ﷺ رخص في المحرم. أو قال إن رسول الله ﷺ قال في المحرم (تخريجه) (م. هق والثلاثة) زاد أبو داود " وكان أبان أمير الموسم"
(٢) عن عبد الله بن حنين (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن بكر ثنا ابن جريج وثنا حجاج عن ابن جريج وروح ثنا ابن جريج أخبرني زيد بن أسلم عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين مولى آل عياش وقال روح مولى عباس أنه أخبره عن ابيه عبد الله بن حنين قال كنت مع ابن عباس - الحديث" وقوله في السند "وثنا حجاج عن ابن جريج وروح ثنا ابن جريج" معناه أن الأمام أحمد ﵀ روى هذا الحديث عن ابن جريج من ثلاث طرق (احداها) عن محمد بن بكر ثنا ابن جريج يعنى بالتحديث (والثانية) عن حجاج عن ابن جريج يعنى بالعنعنة (والثالثة) عن روح ثنا ابن جريج يعنى بالتحديث (غريبه) (٤) بفتح الهمزة وسكون الباء والمد. جبل بين مكة والمدينة وعنده بلد تنسب إليه (٥) يعني لا غسل المحرم رأسه كما صرح بذلك في الطريق
[ ١١ / ٢٠٩ ]
-[الدليل على جواز غسل المحرم رأسه وبدنه لعذر]-
وقال ابن عبَّاس بلى، فأرسلنى ابن عبَّاس إلى أبى أيُّوب (الأنصارىِّ ﵁) يقرأ عليك ابن أخليك عبد الله بن عبَّاس السَّلام ويسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه محرمًا، قال فوجده يغتسل بين قرنى بئر قد ستر عليه بثوب فلمَّا استبنت له ضمَّ الثَّوب إلى صدره حتَّى بدا لى وجهه ورأيته وإنسان قائم يصبُّ على رأسه الماء، قال فأشار أبو أيوب بيديه على رأسه جميعا على جميع رأسه فأقبل بهما وأدبر
_________________
(١) الثانية وفي رواية لمسلم (وقوله وقال ابن عباس بلا) يعني يغسل المحرم رأسه، وقد صرح بذلك أيضًا في الطريق الثانية وعند مسلم كذلك (١) أي وقال لي قل له يقرأ عليك ابن أخيك الخ كما يفهم من السياق (وقوله ابن أخيك) يعني أخوة الأسلام (٢) بفتح القاف تثنية قرن وهما الخشبتان القائمتان على رأس البئر وشبههما من البناء، وتمد بينهما خشبة يجر عليها الحبل المستقى به وتعلق عليها البكرة (٣) في رواية مسلم فوجدته يغتسل بني القرنين وهو يستتر بثوب، قال فسلمت عليه فقال من هذا؟ فقلت أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن عباس أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغل رأسه وهو محرم، فوضع أبو ايوب ﵁ يده على الثب فطأطأه حتى بدل لي رأسه- الحديث (٤) أي ظهرت له وعرفني، وفي رواية للأمام أحمد " فلما انتسبت له وسألته ضم الثوب الخ" والمعنى فلما لمت عليه قال من هذا؟ فانتسبتله فقلت أنا عبد الله بن حنين، وهذا المعنى يستفاد من رواية مسلم المتقدمة (٥) قال الحافظ لم اقف على اسمه (وقال النووى) فيه جواز الاستعانة في الطهارة ولكن الأول تركها إلا لحاجة (٦) هكذا بالأصل "فأشار أبو أيوب بيديه على رأسه جميعًا على جميع رأسه" ومثله في رواية عند مسلم إلا أنه قال " فأمرّ أيوب بيديه" بدل قوله هنا فأشار، والمعنى أن ابا أيوب أمرّ بيديه كلتيهما على جميع رأسه (وفي رواية أخرى للبخارى ومسلم) " ثم قال لأنسان يصب اصبب. فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، ثم قال هكذا رأسته ﷺ يفعل"وإنما فعل ذلك أبو أيوب رضي الله تعالى عنه ليريه كيف يغسل المحرم رأسه، أنه المقصود بالسؤال، وكأن ابن عباس خص الرأس بالسؤال لأنها موضع الأشكال في هذه المسألة، لأنها محل الشعر الذي يخشى انتتافه بخلاف بقية البدن غالبًا
[ ١١ / ٢١٠ ]
-[زوائد الباب في جواز الحجامة للمحرم والكحل لعذر]-
فقال المسور لابن عبَّاس لا أماريك أبدًا (وعنه من طريقٍ ثانٍ) قال اختلف المسور ابن مخرمة وابن عبَّاس في المحرم يغسل رأسه فقال ابن عبَّاس يغسل، وقال المسور لا يغسل، فأرسلوني إلى أبى أيُّوب فسألته فصبَّ على رأسه الماء ثمَّ أقبل بيديه وأدبر بهما، ثمَّ قال هكذا رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فعل
_________________
(١) زاد في الأصل بعد هذا، قال الحجاج وروح "يعني في روايتيهما" فلما انتسبت له وسألته ضم الثوب إلى صدره حتى بدالي رأسه ووجه وإنسان قائم، وزاد ابن عييينة بعد قوله في رواية الشيخين؛ هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل "فرجعت إليهما فأخبرتهما فقال المسور لابن عباس لا أماريك أبدًا، أي لا أجادلك، واصل المراء استخراج ما عند الأنسان، يقرأ أمّرًا فلان فلانًا إذا استخرج ما عندهن قال ابن الأنباري، وأطلق ذلك في المجادلة لأن كلا من المتجادلين يستخرج ما عند الآخر من الحجة (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا مالك عن زيد بن أسلم عن إبراهيم ابن عبد الله بن حنين عن أبيه قال اختلف المسور بن مخرمة-الحديث" (٣) أي كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه محرمًا كما في الطريق الأول (قال ابن دقيق العيد) هذا يشعر بأن ابن عباس كا عنده علم بأصل الغسل فإن السؤال عن كيفية الشيء إنما يكون بعد العلم بأصله وأن غسل البدن كان عنده متقرر الجواز إذ لم يسأل عنه، وإنما سأل عن كيفية غسل الرأس (تخريجه) (ق. لك. د. نس. جه. هق) (زوائد الباب) (عن عائشة ﵂) أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم؛ أورده الهيثمي وقال رواه البزار واسناه حسن (وعن نافع أن ابن عمر) ﵄ قال لا يحتجم المحرم إلا أن يكون مضطرًا اليه مما لابد منه (لك) (وعن نافع) قال كان ابن عمر يقول لا يكتحل المحرم بشيء فيه طيب ولا يتداوى به (وعنه أيضًا عن ابن عمر) أنه كان إذا رمد وهو محرم أقطر في عينيه اقطارًا، وأنه قال يكتحل المحرم بأى كحل إذا رمد ما لم يكتحل بطيب ومن غير رمد-ابن عمر القائل (وعن شميسة) قالت اشتكت "وفي لفظ اشتكيت" عيني وأنا محرمة فسألت عائشة أم المؤمنين عن الكحل فقالت اكتحلى بأى كحل شئت غير الأثمد أو قالت غير كل كحل أسود، أما إنه ليس بحرام ولكنه زينة ونحن نكرهه، وقالت
[ ١١ / ٢١١ ]
-[كلام العلماء في الحجامة للمحرم والتداوى بأى نوع كان إذا كان مريضا]-
_________________
(١) إن شئت كحلتك بصبر فأبيت (وعن عكرمة عن ابن عباس) ﵄ قال المحرم يشم الريحان. ويدخل الحمام. وينزع ضرسه. ويفقأ القرحة، وإذا انكسر ظفره أماط عنه الأذى (وقال الشافعى ﵀) أنبأ ابن أبي يحيى أن الزبير بن العوام أمر بوسخ في ظهره فحك وهو محرم (وعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله) أنه قال في حك المحرم رأسه قال ببطن أنامله (وعن أبي مجاز) قال رأيت ابن عمر يحك رأسه وهو محرم ففطنت له فاذا هو يحك بأطراف أنامله (وعن علقمة بن أبي علقمة) عن أمه أنها سمعت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ تُسأل عن المحرم أيحك جسده فقالت نعم فليحك وليشدد، وقالت عائشة ﵂ لو ربطت يدي ولم أجد إلا أن أحك برجلى لحككت (لك) روى هذه الآثار جميعها البيهقى (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة أحكام (منها الحجامة للمحرم) قال النووى أجمع العلماء على جوازها له في الرأس وغيره إذا كان له عذر في ذلك وإن قطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية لقطع الشعر، فإن لم يقطع فلا فدية عليه، ودليل المسألة قوله تعالى ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية الآية﴾ وحديث الحجامة محمول على أن النبي ﷺ كان له عذر في الحجامة في وسط الرأس لأنه لا ينفك عن قطع شعر، أما إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فتضمنت قطع شعر فهي حرام لتحريم قطع الشعر، وإن لم تتضمن ذلك بأن كانت في موضع لا شعر فيه فهي جائزة عندنا وعند الجمهور ولا فدية فيها (وعن ابن عمر ومالك) كراهتها، وعن الحسن البصري فيها الفدية، دليلنا أن إخراج الدم ليس حرامًا في الأحرام (وفي هذا الحديث) "يعني حديث الحجامة" بيان قاعدة من مسائل الأحرام وهي أن الحلق واللباس وقتل الصيد ونحو ذلك من المحرمات يباح للحاجة وعليه الفدية، كمن احتاج إلى حلق أو لباس لمرض أو حر أو برد أو قتل صيد للحاجة وغير ذلك والله أعلم اهـ (وقال الداودي) إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق (واستدل بهذا الحديث) "أي حديث الحجامة" على جواز الفصد ورط الجرح والدمل وقطع العرق وقلع الضرس وغير ذلك من وجوه التداوي إذا لم يكن فيذلك ارتكاب ما نهى المحرم عنه من تناول الطيب وقطع الشعر ولا فدية عليه في شيء من ذلك اهـ (وفيه مشروعية التداوي) واستعمال الطب والتداوي بالحجامة وقد ورد إن أنفع ما تداويتم به الحجامة والقسط البحرى (قال في القاموس) القسط بالضم (يعني ضم القاف) عود هندي وعربي مدرّ للكبد جدًا والمغص والدود وحمى الرّبع شربا، وللزكام والنزلات والوباء بخورًا، وللبهق والكلف طلاء اهـ، وورد أن كان الشفاء في شيء ففي شرطة محجم، أو شربة عسل أو كي بنار؛ وأنهى أمتي عن الكي، رواهما الأمام أحمد وغيره وسيأتيان في كتاب الطب عن شاء الله (ومنها جواز الكحل للمحرم) بقصد التداوى لا لزينة (قال النووي)
[ ١١ / ٢١٢ ]
-[مذاهب العلماء في الكحل للمحرم وغسله رأسه أو بدنه من الجنابة]-
_________________
(١) (اتفق العلماء (على جواز تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه مما ليس بطيب ولا فدية في ذلك، فإن احتاج إلى مافيه طيب جاز له فعله وعليه الفدية (واتفق العلماء) على أن للمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه إذا اختاج إليه ولا فدية عليه فيخ، وأما الاكتحال للزينة فمكروه (عند الشافعى وآخرون، ومنعه جماعة منهم أحمد واسحاق، وفي مذهب مالك) قولان كالمذهبين، وفي إيجاب الفدية عندهم خلاف والله أعلم اهـ (ومنها جواز غسل المحرم رأسه) وتشريبه شعره بالماء ودلكه بيده إذا أمن تناثره، وهو مستفاد من حديث عبد الله بن حنين عن أبي أيوب، وهو الأخير من أحاديث الباب، وقد اتفق العلماء على غسل المحرم رأسه وجسده من الجنابة بل هو واجب عليه، وأما غسله تبردا فمذهب الجمهور جوازه بلا كراهة (واختلفوا في غسل المحرم رأسه) فذهب الأئمة أبو حنيفة والشافعي وأحمد واسحاق والثوري والأوزاعي إلى أنه لابأس بذلك، وردت الرخصة به عن عمر ابن الخطاب وابن عباس وجابر ﵃ وعليه الجمهور وحجتهم حديث الباب (وكان مالك) يكره ذلك للمحرم، وذكر أن عبد الله بن عمر كان لا يغسل رأسه الا من الاحتلام، ويجوز غسل الرأس بالسدر والخطمى عند الشافعية ورواية للحنابلة مع الكراهة بحيث لا ينتف شعرا ولا فدية عليه (وذهب الأئمة أبو حنيفة ومالك وأحمد) إلى التحريم ولزوم الفدية، قال صاحبا أبي حنيفة عليه صدقة، لأن الخطمى تستلذ رائحته وتزيل الشعث وتقتل الهوام فوجبت به الفدية كالورس (وفي حديث عبد الله بن حنين) عن أبي أيوب جملة فوائد (منها) مناظرة الصحابة في الأحكام ورجوعهم إلى النصوص عند الاختلاف وترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص (ومنها قبول خبر الواحد) وأن قبوله كان مشهورًا عند الصحابة ﵃ (قال ابن عبد البر) لو كان معنى الاقتداء في قوله ﷺ "أصحابي كالنجوم بأبهم اقتديتم اهتديتم" يراد به الفتوى لما احتاج ابن عباس ﵁ إلى اقامة البينة على دعواه؛ بل كان يقول للمسور أنا نجم وأنت نجم فباينا اقتدى من بعدنا كفاه، ولكن معناه كما قال المزنى وغيره من أهل النظر أنه في النقل لأن جميعهم عدول (ومنها) الاعتراف للفاضل بفضله وانصاف الصحابة بعضهم من بعض (ومنها) أن الصحابة اذا اختلفوا في قضية لم تكن الحجة في قول أحد منهم الا بدليل يجب التسليم له من كتاب أو سنة كما أتى أبو أيوب بالسنة (ومنها) جواز السلام على المتطهر في وضوء وغسل بخلاف الجالس على الحدث ولابد من غض البصر (ومنها) جواز الاستعانة في الطهارة ولكن الأولى تركها إلا لحاجة (ومنها) ستر المغتسل بثوب ونحوه ع ند الغسل، وفيه غير ذلك والله أعلم
[ ١١ / ٢١٣ ]
-[جواز تظلل المحرم بثوب ونحوه من الحر]-
(٣) باب تظلل المحرم من الحر او غيره
(وما جاء فى تغطية الرأس للرجل والوجه للمرأة - وفى ضرب المحرم خادمه)
(١٧٧) عن أمِّ الحصين ﵂ قالت حججت مع رسول الله ﷺ حجَّة الوداع فرأيت أسامة بن زيد وبلالًا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النَّبيِّ ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحرِّ حتَّى رمى جمرة العقبة
(١٧٨) عن أبى أمامة ﵁ عمَّن رأى النَّبىَّ ﷺ راح إلى منى يوم التَّروية وإلى جانبه بلال بيده عود عليه ثوب يظلِّل به رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم
(١٧٩) عن ابن عبَّاس ﵄ في الرَّجل الَّذي وقصته ناقته
_________________
(١) عن أم الحصين (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبى أنيسة عن يحيى بن الحصين عن أم الحصين جدته حدثته قالت حججت مع النبي ﷺالحديث" (غريبه) (١) هي الأحمسية صحابية شهدت حجة الوداع مع النبي ﷺ روى عنها يحيى بن الحصين والعيزار بن حريث (تخريجه) (م. وغيره)
(٢) عن أبى أمامة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد بن عبد ربه ثنا الوليد أبو مسلم بن عثمان بن أبى العاتكة عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة -الحديث" (غريبه) (٢) قول أبى أمامة عمن رأى النبي ﷺ يفيد أن أبا أمامة روى هذا الحديث عن النبي ﷺ بواسطة، وقد جاء هذا الحديث نفسه عند الطبراني في الكبير عن أبى أمامة عن النبي ﷺ بغير واسطة، فيحتمل أنه رواه مرتين مرة بواسطة ومرة عن النبي ﷺ بغير واسطة، ويحتمل أنه عنى نفسه بقوله عمن رأى النبي ﷺ وابهم نفسه لغرض والله أعلم (تخريجه) (طب) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد هكذا، وقال الطبراني في الكبير عن أبى أمامة أن رسول الله ﷺ راح من مكة إلى منى يوم التروية تقدم موكبه وإلى جانبه بلال معه ثوب معصوب على عود يستره من الشمس (قال الهيثمة) وفي الاسنادين جميعًا على بن يزيد وفيه كلام وقد وثق
(٣) (عن ابن عباس ﵄) هذا طرف من حديث تقدم بطوله في
[ ١١ / ٢١٤ ]
-[جواز ستر المرأة المحرمة وجهها لحاجة]-
وهو محرم فمات أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال ولا تخمِّروا رأسه فإنَّه يبعث يوم القيامة ملبِّيًّا
(١٨٠) عن عائشة ﵂ قالت كان الرُّكبان يمرُّون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه
(١٨١) عن أسماء بنت ابى بكر ﵄ قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ حجَّاجًا حتَّى إذا كنَّا بالعرج نزل رسول الله ﷺ فجلست عائشة إلى جنب رسول الله ﷺ وجلست إلى جنب أبى وكانت زمالة
_________________
(١) الباب السابق صحيفة ١٩٩ رقم ١٦٩ وتقدم الكلام عليه، وإنما أتيت بهذا الطرف منه هنا للاستدلال به على عدم جواز تغطية رأس المحرم (تخريجه) (ق. والأربعة. وغيرهم)
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم قال أنا يزيد بن أبى زياد عن مجاهد عن عائشة _الحديث" (غريبه) (١) جاء في رواية عند مسلم والأمام أحمد ولا تخمروا وجهه ولا رأسه، والتخمير معناه التغطية (٢) هم الجماعة من راكبى الأبل في السفر جون الدواب (٣) هكذا بالأصل حاذوا بنا، ولفظ أبى داود وابن ماجه والبيهقى فإذا جاوزا بنا بالزاي مكان الذال، وفي التلخيص وغيره فاذا حاذونا، والمعنى أنهن كن يسترن وجوههن إذا مر عليهن الرجال بجلابيبهن جمع جلباب، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة إذا خرجت لحاجة، فاذا ابعدوا عنهن كشفن وجوههن (تخريجه) (د. جه. هق) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة وقال في القلب من يزيد بن أبى زياد، ولكن ورد من وجه آخر، ثم أخرج من طريق فاطمة بنت المنذر عن اسماء بنت أبى بكر وهي جدتاها فحوه وصححه الحاكم.
(٣) عن أسماء بنت أبي بكر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الله بن إدريس قال ثنا ابن اسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن أسماء بنت أبى بكر قالت خرجنا مع رسول الله ﷺالحديث" (غريبه) (٤) بفتح العين المهملة وسكون الراء قرية جامعة بين مكة والمدينة (٥) بكسر الزاي أي
[ ١١ / ٢١٥ ]
-[قصة أبي بكر ﵁ مع غلامه الذي أضل البعير]-
رسول الله ﷺ وزمالة أبى بكرٍ واحدة مع غلام أبى بكرٍ فجلس أبو بكر ينتظره أن يطلع عليه فطلع وليس معه بعير، فقال أين بعيرك؟ قال قد أضللته البارحة فقال أبو بكر بعير واحد تضلُّه؟ فطفق يضربه ورسول الله ﷺ يتبسَّم ويقول انظروا إلى هذا المحرم وما يصنع
_________________
(١) مركوبهما وأداتهما وما كان معهما في السفر واحد، الزاملة البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع كأنها فاعلة من الزمل بسكون الميم أى الحمل (١) أى ضيعته أو وجدته ضالا أى ضائعًا، يقال أضللت الشيء إذا وجدته ضالَا كأحمدته وابخلته إذا وجدته محمودا أو بخيلًا (٢) أى تضيعه (وقوله فطفق يضربه) أي أخذ يضربه، لأن فق بمعنى أخذ في الفعل وجعل يفعلن وهي من أفعال المقاربة (٣) إنما تبسم ﷺ لفعل أبي بكر ولم ينهه عنه لأن تأديب المحرم علامه غير محظور. لكن العفو أفضل، وقد علم ﷺ أن ما حمل أبا بكر ﵁ على ترك الأفضل إلا شدة الغيظ من الغلام لفقد بعيرهما فتبسم ﷺ لذلك وذكره بقوله انظروا إلى هذا المحرم ومايصنع يريد أنه لا ينبغي للمحرم أن يفعل ذلك والله أعلم (٤) زاد أبو داود من رواية ابن أبى رزمة فما ييد رسول الله ﷺ على أن يقول انظروا إلى هذا المحرم مايصنع وبتبسم (تخريجه) (د. هق) ورجاله ثقات إلا أن محمد بن اسحاق عن وهو مدلس (زوائد الباب) (عن عبد الله بن عياش ابن ربيعة) قال صحبت عمر بن الخطاب ﵁ في الحج فما رأيته مضطربًا فسطاطا حتى رجع، قال الشافعى وأظنه قال في حديقه أو غيره كان ينزل تحت الشجرة ويستظل بنطع أو بكساء والشيء (وعن عبد الله بن عامكر بن ربيعة) قال رأيت عثمان بن عفان ﵁ بالعرج وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان (وعن القاسم بن محمد) قال أخبرني الفرافصة بن عمير أنه رأى عثمان بن عفان ﵁ مغطيًا وجهه وهو محرم (وعن عبد الرحمن بن القاسم) عن أبيه أن عثمان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم كانوا يخمرون وجوههم وهم حرم (وعن أبى زبير) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال يغتسل المحرم ويغسل ثيابه ويغطى أنفه من الغبار وهو نائم (قال البيهقى) وخالفهم ابن عمر، روى هذه الآثار جميعها البيهقى (الأحكام) أحاديث الباب تشتمل على جملة أحكام (منها) جواز تظليل المحرم على رأسه بثوب أو نحوه سواء أكان راكبًا أو نازًلا واليه ذهب الأمامان (أبو حنيفة والشافعى والجمهور) محتجين بحديثي أم الحصين وأبي أمامة
[ ١١ / ٢١٦ ]
-[مذاهب العلماء في تظلل المحرم من الحر - وتغطية رأسه ووجهه حيًا كان أو ميتًا]-
_________________
(١) المذكورين في الباب (وذهب الأمامان مالك وأحمد) إلى عدم الجواز إلآ إذا كان نازًلا، فإن استظل سائرا فعليه الفدية (وعن الأمام أحمد) رواية أخرى أنه لا فدية؛ وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقف جاز (وقد احتج للأمامين مالك وأحمد) ع لى منع التظلل بما رواه البيهقى بأسناد صحيح عن ابن عمر أنه أبصر رجًلا على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس فقال اضح لمن أحرمت له (وبما أخرجه البيهقى أيضًا) بأسناد ضعيف عن جابر مرفوعًا ما من محرم يضحى للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه" (وقوله اضح) بالضاد المعجمة وكذا يضحى، والمواد أبرز للشمس، وغاية مافيهما أنهما يدلان على الاستحباب (قال الشوكاني) ويجاب بأن قول ابن عمر لا حجة فيه، وبأن حديث جابر مع كونه ضعيفًا لا يدل على المطلوب وهو المنع من التظلل ووجوب الكشف لأن غاية مافيه أنه افضل على أنه يبعد منه ﷺ أن يفعل المفضول ويدع الأفضل في مقام التبليغ اهـ (ومنها) أنه لا يجوز للمحرم تغطية رأسه المفضول ويدع الأفضل في مقام التبليغ اهـ (ومنها) أنه لا يجوز للمحرم تغطية رأسه عمًلا بقوله ﷺ في حديث ابن عباس الثالث من أحاديث الباب "ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" لأن التعليل بقوله فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا يدل على إن العلة الأحرام (قال النووى) أما تخمير الرأس في حق المحرم الحي فجمع على تحريمه (وأما وجهه) فقال (مالك وأبو حنيفة) هو كرأسه (وقال الشافعى) والجمهور لا إحرام في وجهه بل له تغطيته، وانما يجب كشف الوجه في حق المرأة هذا حكم المحرم الحي (وأما الميت فمذهب الشافعى) وموافقيه أنه يحرم تغطية رأسه كما سبق، ولا يحرم تغطية وجهه، بل يبقى كما كان في الحياة، ويتأول هذا الحديث على أن النهى عن تغطية وجهه ليس لكونه وجها، انما هو صيانة للرأس فانهم لو غطوا وجهه لم يمن أن يغطوا رأسه، ولابد من تأويله، لأن مالكا وابا حنيفة وموافقيهما يقولون لا يمنع من ستر رأس الميت ووجهه، والشافعى وموافقوه يقولون يباح ستر الوجه فتعين تأويل الحديث اهـ (وقال الشوكاني) في المحرم الميت لايجوز تغطية رأسه عند الشافعى وأحمد واسحاق وموافقيهم وكذلك لايجوز أن يلبس المخيط لظاهر قوله فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًان وخالف في ذلك مالك والأوزاعى وابو حنيفة فقالوا يجوز تغطيه رأسه والباسه المخيط، والحديث يرد عليهم "يعني رواية ولا تخمروا وجهه ولا رأسه" وأما تغطية وجه من مات محرما فيجوز عند من قال بتحريم تغطية رأسه، وتأولوا هذا الحديث على أن النهى عن تغطية وجهه ليس لكونه وجها انما ذلك صيانة للرأس فانهم لو غطوا وجهه لم يرمن أن يغطوا رأسه، وهذا تأويل لا يلجاء اليه ملجاء اهـ (ومن أحكام الباب) الرخصة للمرأة في ستر وجهها للحاجة كما فعلت عائشة ومن معها من النسوة وهن محرمات عند مرور الرجال عليهن (قال
[ ١١ / ٢١٧ ]
-[جواز ستر وجه المرأة المحرمة لحاجة - وتأديب المحرم خادمه]-
_________________
(١) ابن قدامة) اذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها فانها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها، روى ذلك عن عثمان وعائشة، وبه قال عطاء (ومالك والثوري والشافعى) واسحاق ومحمد بن الحسن (قلت والأمام أحمد) قال ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لما روى عن عائشة ﵂ قالت كان الركبان يمرون بنا فذكر حديث الباب، قال ولان بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها فلم يحرم ستره على الأطلاق كالعورة، قال وذكر القاضي أن الثوب يكون متجافيًا عن وجهها بحيث لا يصيب البرة فإن أصابها ثم زال أو أزالته بسرعة فلا شيء عليها كما لو أطارت الريح الثوب عن عورة المصلي ثم عاد بسرعة لا تبطلن فإن لمك ترفعه مع القدرة افتدت لانها استدامت الستر، ولم ار هذا الشرط عن أحد ولا هو في الخبر مع أن الظاهر خلافه، فإن الثوب المسدول لايكاد يسلم من اصابة البشرة فلو كان هذا شرط البين، وانما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما مما يعد لستر الوجه، فال أحمد انما لها أن تسدل على وجهها من فوق وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل كأنه يقول إن النقاب من أسفل على وجهها (قال) ويجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه، ولا يمكن تغطية جميع الرأس إلا بجزء من الوجه، ولاكشف جميع الوجه إلا بكشف جزء من الرأس، فعند ذلك ستر الرأس كله أولى، لأنه آكد، إذ هو عورة لا يختص بتحريمه حالة الأحرام، وكشف الوجه بخلافه، وقد ابحنا ستر جملته للحاجة العارضة فستر جزء منه لستر العورة أولى اهـ (ومن أحكام الباب أيضًا) جواز تأديب المحرم علامه بضرب أو نحوه إن كان في العفو أو تأخير العقوبة فوات مصلحة أو ضرر، وإلا فالأفضل العفو أو تأخير العقوبة حتى تنتهي مدة الأحرام، لأنه يستحب للمحرم قلة الكلام إلا فيما ينفع، نعم إن التأديب من الأمور النافعة إلا أنه في العادة يكون مصحوبا بغضب، فصيانة للمؤدب عن الوقوع في السب والجدال استحب تأخيره لقوله تعالى ﴿ولا جدال في الحج﴾ وقول رسول الله ﷺ " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، وفي لفظ أو ليسكت" رواه الشيخان والأمام أحمد وغيرهم (وروى عن ابن عمر) ﵄ مرفوعًا من كثر كلامه كثر سقطه. ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه. ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به، رواه الطبراني في الأوسط، وهذا وارد في حق المحرم وغيره فيكون في حال الأحرام أشد وآكد لأنه حال عبادة واستشعار بطاعة فهو يشبه الاعتكاف (قال ابن قدامة المقدسى) ﵀ في الشرح الكبير وقد احتج أحمد ﵀ على ذلك بأن شريحًا ﵀ كان إذا أحرم كأنه حبة صماء، فيستحب للمحرم أن يشتغل بالتلبية وذكر الله تعالى وقراءة القرآن وأمر بالمعروف أو نهي عن منكر أو تعليم جاهل أو يأمر بحاجته أو يسكت، فإن تكلم بما
[ ١١ / ٢١٨ ]
-[جواز حلق رأس المحرم لعذر مع لزوم الفدية]-
(٤) باب حديث كعب بن عجرة ﵁
(وتعدد طرقه فى الرخصة فى حلق رأس المحرم لعذر وبيان فديته)
(١٨٢) عن عبد الرَّحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة ﵁ قال كنَّا مع رسول الله ﷺ بالحديبية ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون وكانت لى وفرة فجعلت الهوَّام تسَّاقط على وجهى، فمرَّ بى النَّبيُّ ﷺ فقال أيؤذيك هوامُّ رأسك؟ قلت نعم، فأمره أن يحلق، قال ونزلت هذه الآية "فمن كان منكم مريضًا أو به أذيً من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" (وعنه من طريقٍ ثانٍ بنحوه وفيه) فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه وقال صم ثلاثة أيامٍ أو أطعم ستَّة مساكين مدَّين
_________________
(١) لا إثم فيه أو أنشد شعرا لا يقبح فهو مباح ولا يكثر، فقد روى عن عمر ﵁ أنهع كان على ناقة وهو محرم فدعل يقول كأن راكبها غصن بمروحة إذا تدلت به أو شارب ثمل الله أكبر الله أكبر ووهذا يدل على الأباحة، والفضيلة ماذكرناه أولا؛ اهـ والله ﷾ أعلم
(٢) عن عبد الرحمن بن أبى ليلى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى -الحديث" (غريبه) «١) تقدم ضبطها والكلام عليها غير مرة، وكان ذلك سنة ست من الهجرة وكانوا محرمين بعمرة مع النبي ﷺ فصدهم المشركون عن دخول مكة (والوفرة) شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن (وقوله فجعلت الهوام) بتمديد الميم جكع هامة، وهي مايدل من الأحناش ونحوها، وهي هنا مايلازم جسد الأنسان إذا طال عهده بالتنظيف. وقد فسر في بعض طرق الحديث بالقمل (وقوله تساقط على وجهي) أي لكثرتها (٢) أو للتخيير، والمراد بالنسك هنا ذبح شاة أو غيرها مما يجزى في الأضحية. وتسمى نسيكة، ويقال نسك ينسك، وينسك بضم السين وكسرها في المضارع. والضم أشهر (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى قال قرأت علي عبد الرحمن عن مالك عن عبد الكريم بن مالك الجزرى عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة أنه كان مع رسول الله
[ ١١ / ٢١٩ ]
-[كفارة من حلق رأسه وهو محرم لعذر]-
مدَّين لكلِّ إنسانٍ أو انسك بشاةٍ أىَّ ذلك فعلت أجزأك (وعنه من طريقٍ ثالثٍ بنحوه وفيه) فأمرنى أن أحلق وهم بالحديبية ولم يتبيَّن لهم أنَّهم يحلقون بها وهم على طمعٍ أن يدخلوا مكَّة، فأنزل الله الفدية فأمرنى رسول الله ﷺ أن أطعم فرقًا بين ستَّة مساكين أو أصوم ثلاثة أيَّام أو أذبح شاةً (وعنه من طريقٍ رابعٍ بنحوه وفيه) قال فاحلقه واذبح شاةً أو صم ثلاثة أيَّام أو تصدَّق بثلاثة آصعٍ من تمرٍ بين ستَّة مساكين (ومن طريقٍ خامسٍ) عن عبد الله بن معقلٍ "المزنيِّ"
_________________
(١) ﷺ فأذاه القمل في رأسه فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق -الحديث" ٠١) يعني أو غيرها مما يجزاء ضحية كما تقدم (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن ابن ابى نجيح عن مجاهد عن عبد الرحمن بن ابى ليلى عن كعب ابن عجرة قال رآنى رول الله ﷺ وقملى يتساقط على وجهى، فقال أتوذيك هوامك هذهظ قال قلت نعم، قال فأمرني أن أحلق-الحديث" (٣) يريد أن النبي ﷺ أمره بالحلق بسبب الذى الذي كان برأسه لا بسبب صدهم عن دخول مكة، لأنه لم يكن تبين لهم بعد وكانوا حينئذ يطمعون في دخول مكة (٤) هو بفتح الراء واسكانها لغتان، وقد فسر في بعض الروايات بثلاثة آصع وهكذا هو، وقد سبق تفسيره ومقداره واضحًا في كتاب الطهارة وسيأتي لذلك مزيد (٥) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا خالد عن أبى قلابة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة قال أتى عليّ رسول الله ﷺ زمن الحديبية وأنا كثير الشعر، فقال كأن هو ام رأسك تؤذيك؟ فقلت اجل، قال فاحلقه واذبح شاة-الحديث (٦) قال النووى معناه مقسومة على سنة مساكين، والآصع جمع صاع. وفي الصاع لغتان التذكير والتأنيث، وهو مكيال يسع خمسة أرطال وثلثا بالبغدادي، هذا مذهب مالك وأحمد وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة يسع ثمانية ارطال، وأجمعوا على أن الصاع أربعة امداد، وهذا الذي قدمناه من أن الآصع جمع صاع صحيح، وقد بت استعمال الآصع في هذا الحديث الصحيح من كلام رسول الله ﷺ وكذلك هو مشهور في كلام الصحابة والعلماء بعدهم وفي كتب اللغة وكتب النحو والتصريف، ولا خلاف في جوازه وصحته اهـ باختصار (٧) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني
[ ١١ / ٢٢٠ ]
-[سبب نزول قوله تعالى (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك)]-
قال قعدت إلى كعب بن عجرة وهو في المسجد (وفى لفظٍ يعنى مسجد الكوفة) فسألته عن هذه الآية ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ قال فقال كعب نزلت فىَّ، كان بى أذًى من رأسى فحملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهى، فقال ما كنت أرى أنَّ الجهد بلغ منك ما أرى، أيجد شاةً؟ فقلت لا. فنزلت هذه الآية ﴿ففدية من صيام أو صدقةٍ أو نسك﴾ قال صوم ثلاثة أيَّام أو إطعام ستَّة مساكين نصف صياع نصف صياع طعام لكلِّ مسكين، قال فنزلت فىَّ خاصَّة وهى لكم عامَّةً (وعنه من طريقٍ سادسٍ بنحوه وفيه) قال أتقدر على نسك؟ قلت لا؛ قال فصم ثلاثة أيَّام أو أطعم
_________________
(١) أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عبد الله بن معقل قال قعدت إلى كعب بن عجرة-الحديث" (١) أى من طعام، والمراد بالطعام هنا التمر كما صرح بذلك في الطريق التالية، فقال نصف صاع من تمر (قال الحافظ) ولبشر بن عمر عن شعبة نصف صاع حنطة، ورواية الحكم عن ابن أبى ليلى تقتضى أنه نصف صاع من زبيب فإنه قال يطعم فرقا من زبيب بين ستة مساكين (قال ابن حزم) لابد من ترجيح احدى هذه الروايات لأنها قصة واحدة في مقام واحد في حق رجل واحد (قال الحافظ) قلت المحفوظ عن شعبة أنه قال في الحديث نصف صاع من طعام، والاختلاف عليه في كونه تمرًا أو حنطة لعله من تصرف الرواة، وأما الزبيب فلم اره إلا في رواية الحكم وقد أخرجها أبو داود، وفي اسنادها ابن اسحاق وهو حجة في المغازى لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمرن فقد وقع بها عند مسلم من طريق أبى قلابة ولم يختلف فيه على أبى قلابة، وكذا أخرجه الطبرى من طريق الشعبة عن كعب، وأحمد من طريق سليمان بن قرم عن ابن الأصبهاني، ومن طريق اشعث وداود عن الشعبة عن كعب، وكذا في حديث عبد الله بن عمرو عند الطبراني، وعرف بذلك قوة قول من قال لا فرق في ذلك بين التمر والحنطة وأن الواجب ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع اهـ (٢) يريد أن هذه الآية نزلت بببه خاصة وأما حكمها فهو عام لجميع المسلمين (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسين بن محمد ثنا سليمان يعنى بن قرم عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عبد الله بن معقل المزني قال سمعت كعب بن عجرة يقول في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة فيّ نزلت هذه الآية خرجنا مع رسول الله ﷺ وهلينا بعمرة فوقع في رأسي ولحيتي وحاجبي وشاربي، فبلغ ذلك
[ ١١ / ٢٢١ ]
-[كفارة المحرم إذا حلق رأسه لعذر صيام أو صدقة أو ذبح شاة]-
ستَّة مساكين لكلِّ مسكين نصف صاع من تمر (ومن طريقٍ سابعٍ) عن أبى قلابة عن كعب بن عجرة قال قملت حتَّى ظننت أنَّ كلَّ شعرة من رأسي فيها القمل من أصلها على فرعها، فأمرنى النَّبيُّ ﷺ حين رأى ذلك قال احلق. ونزلت الآية، قال أطعم ستَّة مساكين ثلاثة آصعٍ من تمرٍ (ومن طريقٍ ثامنٍ) عن يحيى بن جعدة بن كعب بن عجرة أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أمر كعبًا أن يحلق رأسه من القمل، قال صم ثلاثة أيَّام أو أطعم ستَّة مساكين مدَّين مدّين أو اذبح
_________________
(١) النبي ﷺ فأرسل الىّ فدعاني فلما رآني قال لقد اصابك بلاء ونحن لا نشعر، ادع الحجام. فلما جاء أمره فحلقني، قال أتقدر على نسك- الحديث" وجاء عند الأمام أحمد من طريق الشعبى عن عبد الله بن معقل أيضًا عن كعب بن عجرة بنحو من ذلك إلا أنه قال أطعم المساكين ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين، وله من طريق الشعبى أيضًا قال ثنا إسماعيل بن أبى عدى عن داود عن الشعبى عن كعب بن عجرة قال ابن عدى إن كعبًا أحرم مع رسول الله ﷺ فذكراه وقالا آصع من تمر بين ستة مساكين (والظاهر) أن التثنية قفي قوله فذكراه ترجع إلى روايتي عبد الله بن معقل والشعبى عن كعب بن عجرة يعني أنهما ذكراه بنحو ما تقدم؛ وقالا ثلاثة آصع من تمر الخ (قال الحافظ) في روايتي أبى قلابة والشعبى عن كعب عند الأمام أحمد، الصواب أن بينهما واسطة، وهو ابن أبى ليلى على الصحيح اهـ (قلت) رواية ابى قلابة هي السابعة من طرق حديث الباب وهي الآتية بعد هذا (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنا خالد عن أبى قلابة عن كعب بن عجرة قال قلت -الحديث" (٢) هو بفتح القاف وكسر الميم أي كثر قملى (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن ابى بكر أنا ابن جريج أخبرني عمرو دينار عن يحيى بن جعدة عن كعب بن عجرة -الحديث" (٤) يعني شاة كما تقدم في بعض طرق الحديث (قال الحافظ) أصح الروايات أن الذي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة، وروى سعيد بن منصور في سننه وعبد بن حميد " عن أبى هريرة أن كعبا ذبح لأذى كان أصابه" وهذا أصوب والله أعلم (تخريجه) (ق. لك. والأربعة. وغيرهم) واتفق الشيخان على إخراجه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى
[ ١١ / ٢٢٢ ]
-[مذاهب العلماء في كفارة المحرم إذا حلق رأسه لعذر]-
_________________
(١) عن كعب بن عجرة، ومن طريق عبد الله بن معقل عن كعب أيضًا (قال الحافظ) ونقل ابن عبد البر عن أحمد بن صالح المصري قال حديث كعب بن عجرة في الفدية سنة معمول بها لم يروها من الصحابة غيره، ولا رواها عنه إلا ابن أبى ليلى وابن معقل قال وهي سنة أخذها، أهل المدينة من أهل الكوفة (قال الزهرى) سالت عنها علماءنا كلهم حتى سعيد بن المسيب فلم يبينوا كم عدد المساكين (قال الحافظ) قلت فيما أطلقه ابن صالح نظر، فقد جاءت هذه السنة من رواية جماعة من الصحابة غير كعب منهم عبد الله بن عمرو بن العاصب عند الطبرى والطبراني. وأبو هريرة عن سعيد بن منصور وابن عمر عند الطبرى، وفضالة الأنصارى عمن لا يتهم من قومه عند الطبرى أيضًا، ورواه عن كعب بن عجرة غير المذكورين أبو وائل عند النسائى، ومحمد بن كعب القرظي عند ابن ماجه، ويحيى بن جعدة عند أحمد، وعطاء عند الطبرى، وجاء عن أبى قلابة والشعبى أيضًا عن كعب وروايتهما عند أحمد، لكن الصواب أنبينهما واسطة وهو ابن أبى ليلى على الصحيح؛ وقد أورد البخارى حديث كعب هذا في أربعة أبواب متوالية، وأورده أيضًا في المغازى والطب واكفارات الأيمان من طرق أخرى مدار الجميع على ابن ابى ليلى وابن معقل، فيتقيد اطلاق أحمد بن صالح بالصحة، فان بقية الطرق التي ذكرتها (يعنى غير طريقي ابن ابى ليلى وابن معقل) لا تخلوا من مقال إلا طريق أبى وائل يعنى عند النسائى اهـ ماذكره الحافظ (الأحكام) حديث الباب يتضمن كثيرا من الفوائد والأحكام، وهو أصل عظيم في هذه السنة أعنى سنة الفدية، رواه الأئمة أصحاب الأصول المعتبرة في أصولهم من طرق كثيرة، ورواه البخارى في صحيحه في جملة مواضع تقدم ذكرها، وأورد له مسلم ثمان طرق بروايات مختلفة في بعض الألفاظ متفقة في المعنى كما رواه الأمام أحمد كذلك، وزاد طرقا أخرى ذكرتها في الشرح (قال النووى ﵀) في الكلام على روايات مسلم هذه روايات الباب وكلها متفقة في المعنى ومقصودها أن من احتاج إلى حلق الرأس لضرر من قمل أو مرض أو نحوهما فله حلقه في الأحرام وعليه الفدية. قال الله تعالى ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ وبين النبي ﷺ أن الصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة آصع لستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة، وهي شاة تجزاء في الأضحية، ثم أن الآية الكريمة والأحاديث متفقة على أنه مخير بين هذه الأنواع الثلاثة، وهكذا الحكم عند العلماء أنه مخير بين الثلاثة، وأما قوله في رواية "هل عندك نسك قال فما أقدر عليه فأمره أن يصوم ثلاثة أيام، فليس المراد به أن الصوم لا يجزاء إلا لعادم الهدى. بل هو محمول على أنه سأل عن النسك، فان وجده أخبره بأنه مخير بينه وبين الصيام، والأطعام، وإن عدمه
[ ١١ / ٢٢٣ ]
-[اختلاف العلماء في نوع الكفارة وقدرها - وهل هي على الترتيب أو التخيير]-
_________________
(١) فهو مخير بين الصيام والأطعام (واتفق العلماء) على القول بظاهر هذا الحديث إلا ما حكى (عن أبي حنيفة والثورى) أن نصف الصاع لكل مسكين إنما هو في الحنطة، فأم التمر والشعير وغيرهما فيجب صاع لكل مسكين، وهذا خلاف نصه ﷺ ف يهذا الحديث ثلاثة آصع من تمر (وعن أحمد بن حنبل) رواية أنه لكل مسكين مد من حنظة أو نصف صاع من غيره (وعن الحسن البصرى) وبعض السلف أنه يجب إطعام عشرة مساكين أو صوم عشرة أيام، وهذا ضعيف منابذ للسنة مردود اهـ (وقال الحافظ) في قوله ﷺ في الطريق السادسة "أتقدر على نسك؟ قلت لا، قال نعم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين" هذه الرواية تقتضى أن التخيير نما هو بين الأطعام والصيام لمن لم يجد النسك، قال ونحو هذه الرواية للطبراني من طريق عطاء عن كعب؛ ووافقهم أبو الزبير عن مجاهد عند الطبراني وزاد بعد قوله ما أجد هديا. قال فأطعم. قال ما أجد. قاتل صم، ولهذا قال أبو عوانة في صحيحه فيه دليل على أن من وجد نسكالا يصوم يعني ولا يطعم، لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء إلا مارواه الطبري وغيره عن سعيد بن جبير قال" النسك شاة فإن لم يجد قومت الشاة دراهم والدراهم طعامًا فتصدق به أو صام لكل نصف صاع يومًا" أخرجه من طريق الأعمش عنه، قال فذكرته لابراهيم فقال سمعت علقمة مثله، فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين، وقد جمع بينهما بأوجه (منها ماقال ابن عبد البر) إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لأيجابه (ومنها ماقاله النووى) ليس المراد أن الصيام أو الأطعام لا يجزاء إلا لفاقد الهدى فذكر وقل النووى المتقدم، ومقتضاه التخيير بين الأنواع الثلاثة، ثم قال (ومنها ماقل غيرهما) "يعني غير النوى وابن عبد البر" يحتمل أن يكون النبي ﷺ لما أذن له في حلق رأسه بسبب الأذى أفتاه بأن يكفر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه ﷺ أو بوحى غير ملتوّ، فلما أعلمه أنه لا يجد نزلت الآية بالتخيير بين الذبح والأطعام والصيام فخيره حينئذ بين الصيام والأطعام لعلمه بأنه لا ذبح معه، فصام لكونه لم يكن معه مايطعمه ويوضح ذلك رواية مسلم (قلت والأمام أحمد أيضًا في الطريق الخامسة) في حديث عبد الله بن معقل المذكور حيث قال أتجد شاة؟ قلت لا، فنزلت هذه الآية ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فقال صم ثلاثة أيام أو أطعم، وفي رواية عطاء الخراساني قال صم ثلاثة أيام أو أطعن ستة مساكين، قال وكان قد علم أنه ليس عندي ما أنسك به ونحوه، وفي رواية محمد بن كعب القرظى عن كعب وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره، بل السر فيه أن الصحابة الذين خوطبوا شفاها بذلك كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح والأطعام، وعرف من رواية
[ ١١ / ٢٢٤ ]
-[ما ذكره العلماء في حديث كعب من الفوائد غير ما تقدم]-
_________________
(١) أبي الزبير أن كعبًا افتدة بالصيام، ووقع في رواية ابن اسحاق مايشعر بأنه افتدى بالذبح لأن لفظه "صم أو أطعم أو انسك شاة، قال فحلقت رأسى ونسكت" وروى الطبراني من طريق ضعيفة عن عطاء عن كعب في آخر هذا الحديث فقلت يا رسول الله خر لي، قال أطعم ستة مساكين (قال القاضي عياض) ومن تبعه تبعًا لأبى عمر كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرًا فإنما ذكروا شاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء اهـ، لكن يعكر على هذا ما نقله الحافظ من الخلاف، وبما روى أبو داود والطبراني وعبد بن حميد وسعيد بن منصور كلهم من طريق نافع أن كعبا افتدى ببقرة ٠ قال الحافظ) فهذه الطرق كلها تدور على نافع وقد اختلف عليه في الواسطة الذي بينه وبين كعب، وقد عارضها ماهو أصح منها من أن الذي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة، قال وروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق المقبرى عن أبى هريرة أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه، وهذا اصوب من الذي قبله، واعتمد ابن بطال على رواية نافع عن سليمان بن يسار فقال أخذ كعب بارفع الكفارات ولم يخالف النبي ﷺ فيما امر به من ذبح الشاة بل وافق وزاد، ففيه أن من أفتى بأيسر الأشياء فله أن يأخذ بأرفعها كما فعل كعب (قال الحافظ) هو فرع ثبوت الحديث. ولم يثبت لما قدمته والله أعلم اهـ (وقد استدل بهذا الحديث أيضًا) على أن الفدية لايتعين لها مكان، وبه قال أكثر التابعين، وقال الحسن تتعين مكة، وقال مجاهد النسك بمكة ومنى، والأطعام بمكة، والصيام حيث شاء (وقريب منه قول الشافعى وابي حنيفة) الدم والأطعام لأهل الحرم، وألحق بعض أصحاب أبي حنيفة وأبو بكر بن الجهم من المالكية الأطعام بالصيام (واستدل به أيضًا) على أن الحج على التراخى لأن حديث كعب دل على أن نزول قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ كان بالحديبية وهي سنة ست. وفيه بحث والله أعلم (وفي حديث الباب من الفوائد) أن السنة مبينة لمجمل الكتاب لأطلاق الفدية في القرآن وتقييدها بالسنة وتحريم حلق الرأس على المحرم والرخصة له في حلقها إذا أذاه القمل أو غيره من الأوجاع (وفيه) تلطف الكبير بأصحابه وعنايته بأحوالهم وتفقده لهم، وإذا رأى ببعض اتباعه ضررًا سال عنه وأرشده إلى المخرج منه (واستنبط من المالكية) ايجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر فإن ايجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى (قال الحافظ) لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثم قال الشافعى والجمهور لا يتخير العامد بل يلزمه الدم، وخالف في ذلك أكثر المالكية، واحتج لهم القرطبى بقوله في حديث كعب أو اذبح نسكا، قال فهذا يدل على أنه ليس بهدى، قال فعلى هذا يجوز أن يذ ١ بحها حيث شار (قال الحافظ) لا دلالة
[ ١١ / ٢٢٥ ]
-[الدليل على عدم زواج المحرم وتزويجه]-
(٥) باب ما جاء فى نكاح المحرم وانكاحه وخطبته
(١٨٣) عن أبان بن عثمان (بن عفَّان) عن أبيه ﵁ عن النَّبىَّ ﷺ قال المحرم لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب
(١٨٤) ز عن نبيه بن وهب عن عمر بن عبيد الله بن معمر وكان يخطب بنت شيبة بن عثمان على ابنه فأرسل إلى أبان بن عثمان وهو على
_________________
(١) فيه إذ لا يلزم من تسميتها نسكا أو نسيكة لا تسمى هديا أو لا تعطى حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هديا عند البخاري حيث قال "أو تهدى شاة" وفي رواية مسلم ". واهد هديا" وفي رواية الطبري "هل لك هدي؟ قلت لا أجد" فظهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويؤيده قوله في رواية مسلم "أو اذبح شاة" اهـ (وفيه من الفوائد أيضا) استحباب الجلوس في المسجد ومذاكرة العلم والاعتناء بسبب النزول لما يترتب عليه من معرفة الحكم وتفسير القرآن، وفيه غير ذلك والله ﷾ أعلم.
(٢) عن أبان بن عثمان (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى ابن سعيد عن مالك حدثني نافع عن نبيه بن وهب عن أبان بن عثمان عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ- الحديث" (غريبه) (١) الأول بفتح الياء وكسر الكاف، أي لا يتزوج لنفسه، والثاني بضم الياء وكسر الكاف، أي لا يزوج امرأة بولاية ولا وكالة في مدة الأحرام (قال العسكري) ومن فتح الكاف من الثاني فقد صحف (وقوله لا يخطب) أي لا يخطب المرأة وهو طلب زواجها، وقيل لا يكون خطيبًا في النكاح بين يدي العقد والظاهر الأول (تخريجه) (م. والأربعة. وغيرهم) وليس للترمذي فيه ولا يخطب.
(٣) "ز" عن نبيه بن وهب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني محمد ابن أبي بكر المقدمي ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع حدثني نبيه بن وهب- الحديث" (غريبه) (٢) ذكر الزبير بن بكار أن هذه البنت تسمى أمة الحميد اهـ (وقوله على ابنه) أي على ابن عمر بن عبيد الله، واسمه طلحة كما صرح بذلك في رواية لمسلم من طريق مالك عن نافع عن نبيه بن وهب أن عمر بن عبد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير فأرسل إلى أبان بن عثمان- الحديث، وقد وقع في هذه الرواية لمسلم من طريق ملاك (شبيه بن جبير) وله في رواية أخرى من طريق أيوب عن نافع حدثني
[ ١١ / ٢٢٦ ]
-[الدليل على عدم زواج المحرم وتزويجه]-
الموسم فقال ألا أراه أعرابيًّا؛ إنَّ المحرم لا ينكح ولا ينكح أخبرنى بذلك عثمان ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ وحدَّثنى نبيه عن أبيه بنحوه
(١٨٥) خط عن عكرمة بن خالدٍ قال سألت عبد الله بن عمر ﵄ عن امرأة أراد أن يتزوَّجها وهو خارج من مكة فأراد أن يعتمر أو يحجَّ، فقال لا تتزوَّجها وأنت محرم، نهى رسول الله
_________________
(١) نبيه بن وهب قال بعثني عمر بن عبيد الله بن معمر وكان يخطب بنت شيبة بن عثمان على ابنه فأرسلني إلى أبان بن عثمان- الحديث" فذكر في هذه الرواية أنها بنت شيبة بن عثمان كرواية الأمام أحمد (قال النووي) وكذا قال محمد بن راشد بن عثمان بن عمرو القرشي وزعم أبو داود في سننه أنه الصواب وأن مالكا وهم فيه، وقال الجمهور بل قول مالك هو الصواب، فإنها بنت شيبة بن جبير بن عثمان الحجي، كذا حكاه الدارقطني عن رواية الأكثرين (قال القاضي عياض) ولعل من قال شيبة بن عثمان نسبه إلى جده فلا يكون خطأ بل الروايتان صحيحتان، إحداهما حقيقة والأخرى مجاز اهـ (١) يعني وهو أمير على موسم الحج (٢) بضم الهمزة أي أظنه أعرابيا لجهله بالأحكام، ووقع عند مسلم "ألا أراك عراقيا جافيًا" قال النووي هكذا وقع في جميع نسخ بلادنا "يعني نسخ مسلم عراقيا" وذكر القاضي أنه وقع في بعض الروايات "عراقيا" وفي بعضها "أعرابيا" قال وهو الصواب أي جاهلا بالسنة، والأعرابي هو ساكن البادية، قال وعراقيا هنا خطأ، إلا أن يكون قد عرف من مذهب أهل الكوفة حينئذ جواز نكاح المحرم، فيصح عراقيا أي آخذًا بمذهبهم في هذا جهلا بالسنة، والله أعلم اهـ (٣) هو وهب بن عثمان العبدري أخي بني عبد الدار ابن قصي أي واحد منهم، ونبيه من صغار التابعين ومات قبل نافع الراوي عنه، ونافع هو القائل وحدثني نبيه عن أبيه الخ (تخريجه) (لك. م. والأربعة. وغيرهم).
(٢) "خط" عن عكرمة بن خالد (سنده) حدّثنا عبد الله قال وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده ثنا أسود بن عامر ثنا أيوب بن عتبة ثنا عكرمة ابن خالد- الحديث" (غريبه) (٤) الظاهر أن جملة "وهو خارج من مكة" في موضع الحال من عبد الله بن عمر، والمعنى سألت عبد الله بن عمر وهو خارج من مكة عن امرأة الخ (وقوله فأراد أن يعتمر أو يحج) يعني أراد أن يحرم بحج أو عمرة ثم يتزوج
[ ١١ / ٢٢٧ ]
-[حجة القائلين بجواز نكاح المحرم]-
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم عنه
(١٨٦) عن عكرمة عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه كان لا يرى بأسًا أن يتزوَّج الرَّجل وهو محرم ويقول إنَّ نبيَّ الله ﷺ تزوَّج ميمونة بنت الحارث بماءٍ يقال له سرف وهو محرم، فلمَّا قضي نبيُّ الله ﷺ حجَّته أقبل حتَّى إذا كان بذلك الماء أعرس بها (وعنه من طريقٍ ثانٍ عن ابن عبَّاس أيضًا أنَّ رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم وبنى بها حلالًا بسرف وماتت بسرف (وعنه من طريقٍ ثالث) عن ابن عبَّاس أيضًا أنَّ النبَّيَّ ﷺ تزوَّج ميمونة بنت الحارث وهما محرمان
(١٨٧) عن يزيد بن الأصمِّ عن ميمونة زوج النَّبيِّ ﷺ أنَّ رسول
_________________
(١) بعد الإحرام (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وهو من الأحاديث التي وجدها عبد الله في كتاب أبيه بخط يده ولذلك رمزت له (خط) وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد وفيه أيوب بن عتبة وهو ضعيف وقد وثق.
(٢) عن عكرمة عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الله بن بكر ومحمد بن جعفر قالا ثنا سعيد بن أبي عروبة عن يعلى بن حكيم عن عكرمة- الحديث" (غريبه) (١) بفتح السين وكسر الراء ممنوع من الصرف اسم مكان بين مكة والمدينة على ستة أميال من مكة (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا إسماعيل أنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس- الحديث" (٣) (سنه) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يونس ثنا حماد بن سلمة عن حميد عن عكرمة عن ابن عباس- الحديث" (تخريجه) أخرج الطريق الأول منه باختصار (ق. هق والأربعة) عن ابن عباس بلفظ "أن النبي ﷺ تزوج مميمونة وهو محرم" وأخرج الطريق الثانية منه البخاري، وأخرج الطريق الثالثة منه النسائي.
(٣) عن يزيد بن الأصم (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وهب ابن جرير قال ثنا أبي قال سمعت أبا فزارة يحدث عن يزيد بن الأصم عن ميمونة- الحديث" (غريبه) (٤) هو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين ﵂ كوفي
[ ١١ / ٢٢٨ ]
-[حجة القائلين بأن النبى ﷺ تزوج ميمونة حلالا - وتاريخ زواجها ووفاتها]-
الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تزوَّجها حلالا وبنى بها حلالًا وماتت بسرف فدفنَّاها في الظلَّة التي بنى بها فيها، فنزلنا في قبرها أنا وابن عبَّاس
(١٨٨) عن ابى رافعٍ ﵁ مولى رسول الله ﷺ أنَّ رسول الله ﷺ تزوَّج ميمونة حلالًا وبنى بها حلالًا وكنت الرَّسول بينهما
_________________
(١) ثقة نزل الرقة (وميمونة) هي أم المؤمنين زوج النبي ﷺ بنت الحارث بن حزن الهلالية أخت لبابة أم الفضل بن عباس، وكان اسمها برة فسماها النبي ﷺ ميمونة، وتزوجها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة سبع لما اعتمره عمرة القضية، فيقال أرسل جعفر بن أبي طالب يخطبها فأذنت للعباس فزوجها منه، ويقال إن العباس وصفها له وقال قد تأيمت من أبي رهم ابن عبد العزي، فتزوجها النبي ﷺ، قال ابن سعد كانت آخر امرأة تزوجها يعني ممن دخل بها، وذكب بسند له أنه ﷺ تزوجها في شوال سنة سبع، فإن ثبت صح أنه تزوجها وهو حلال لأنه إنما أحرم في ذي القعدة منها. أفاد الحافظ في الإصابة (١) أي قبل الأحرام بعمرة القضية (وبنى بها حلالا) أي دخل بها بعد انتهاء العمرة (قال في النهاية) الابتناء والبناء الدخول بالزوجة، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها فيقال بنى الرجل على أهله (٢) بضم الظاء وتشديد اللام كل ما أظل من الشمس، وهي التي زفت إليه ميمونة فيها وهذا من غرائب الصدف، وكانت وفاتها سنة إحدى وخمسين على الصحيح كما قال الحافظ (تخريجه) أخرجه الترمذي بلفظ حديث الباب وسنده وقال هذا حديث غريب، وروى غير واحد هذا الحديث عن يزيد الأصم مرسلا أن النبي ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال، ورواه مسلم وابن ماجه "ولفظهما تزوجها وهو حلال قال وكانت خالتي وخالة ابن عباس" ورواه أبو داود ولفظه "قالت تزوجني ونحن حلالان بسرف".
(٢) عن أبي رافع (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ويونس قالات ثنا حماد بن زيد قال ثنا مطر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع- الحديث" (غريبه) (٣) يعني الواسطة في أمر الزواج بينه وبين العباس وكيلها في الزواج (تخريجه) (هق. مذ) وقال هذا حديث حسن ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة، وروى مالك بن أنس عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، ورواه مالك مرسلا، ورواه
[ ١١ / ٢٢٩ ]
-[زوائد الباب في عدم جواز نكاح المحرم وإنكاحه]-
_________________
(١) أيضا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلا اهـ (زوائد الباب) (عن أبي الشعثاء) أن ابن عباس أخبره أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، زاد بن نمير فحدثت به الزهري، فقال أخبرني يزيد بن الأصم أنه نكحها حلال (م) (وعن ميمونة بن مهران) قال أتيت صفية بنت شيبة امرأة كبيرة فقلت لها أتزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم؟ قالت لا، ولقد تزوجها وهما حلالان (طب. نس) ورجال الكبير رجال الصحيح (وعن ابن عمر رضي اله عنهما) أن رسول الله صلى الله عليه سولم قال لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ولا يخطب عليه (قال الهيثمي) رواه الطبراني في الأوسط عن أحمد بن القاسم، فإن كان أحمد ابن القاسم بن عطية فهو ثقة، وإن كان غيره فلم أعرفه، وبقية رجاله لم يتكلم فيهم أحد (وعن عثمان بن عفان) ﵁ عن النبي ﷺ مثله (قال الهيثمي) هو في الصحيح وغيره خلا قوله ولا يخطب عليه، رواه الطبراني في الأوسط وأبو يعلى باختصار موقوفا على أبان بن عثمان، إلا أنه قال ولا خطب على نفسه ولا من سواه، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني من لم أعرفهم (وعن عائشة ﵂) أن رسول الله ﷺ تزوج وهو محرم واحتجم وهو محرم (قال الهيثمي) رواه البزار، وروى لها الطبراني في الأوسط أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، ورجال البزار رجال الصحيح (وعن أبي هريرة) ﵁ قال تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم (طس) وفيه عبد الله بن محمد بن المغيرة وهو ضعيف (وعن ابن عباس) ﵄ أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهما حرامان (قال الهيثمي) هو في الصحيح خلا إحرام ميمونة، رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح (وعنه أيضا) أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال (طب) وفيه عثمان بن مخلد الواسطي ذكره ابن أبي حاتم ولم يخرجه وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر، قاله الهيثمي (وعنه أيضا) في قوله تعالى ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ فهو لا حجر عليكم في الشراء والبيع قبل الأحرام وبعده، فأما الأحرام فإن رسول الله ﷺ نهى أن يتزوج أو يزوج أو ينحر حتى يفرغ من إحرامه، قال الهيثمي رواه الطبراني، وعلى بن طلحة لم يسمع من ابن عباس. بينهما مجاهد. وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم كلام (وعن داود بن الحصين) عن أبي غطفان بن طريف المرّي أنه أخبره أن أبا طريفًا تزوج امرأة وهو محرم فرد عمر بن الخطاب ﵁ نكاحه (لك. هق) (وعن الحسن) عن علي ﵄ قال من تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته (وعن جعفر بن محمد) عن أبيه أن عليا ﵁ قال لا ينكح المحرم فإن نكح ودَّ نكاحه (وعن شوذب) مولى لزيد بن ثابت ﵁ أنه تزوج
[ ١١ / ٢٣٠ ]
-[اختلاف المذاهب فى صحة نكاح المحرم والجواب عن حديث ابن عباس]-
_________________
(١) وهو محرم ففرق بينهما زيد بن ثابت، روى هذه الآثار الأربعة البيهقي، ثم قال وروينا في ذلك عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ (وعن قدامة بن موسى) قال تزوجت وأنا محرم فسألت سعيد بن المسيب فقال يفرق بينهما "هق" (وعن سعيد بن المسيب) أن رجلا تزوج وهو محرم فأجمع أهل المدينة على أن يفرق بينهما "هق" (وعن مالك بن أنس) ﵀ أنه بلغه أن سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار سئلوا عن نكاح المرحم فقالوا لا ينكح المحرم ولا ينكح (لك) (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على عدم جواز نكاح المحرم أو إنكاح غيره، وعلى عدم واز الخطبة أيضا إلا ما رواه ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم فإنه يعارض أحاديث الباب، لكن قال سعيد بن المسيب وهم ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم، رواه أبو داود وقد اختلف العلماء بسبب ذلك في نكاح المحرم (قال النووي ﵀) فقال (مالك والشافعي وأحمد) وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم لا يصح نكاح المحرم، واعتمدوا أحاديث الباب (وقال أبو حنيفة) والكوفيون يصح نكاحه لحديث قصة ميمونة وأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة، أصحها أن النبي ﷺ إنما تزوجها حلالا، هكذا رواه أكثر الصحابة (قال القاضي) وغيره ولم يرو أنه تزوجها محرما إلا ابن عباس وحده، وروت ميمونة وأبو رافع وغيرهما أنه تزوجها حلالا، وهم أعرف بالقضية لتعلقهم به، بخلاف ابن عباس لأنهم أضبط من ابن عباس وأكثر (الجواب الثاني) تأويل حديث ابن عباس على أنه تزوجها في الحرم وهو حلال، ويقال لمن هو في الحرم محرم وإن كان حلالا، وهي لغة شائعة معروفة، ومنه البيت المشهور *قتلوا ابن عفان الخليفة محرما* أي في حرم المدينة (والثالث) أنه تعارض القول والفعل، والصحيح حينئذ عند الأصوليين ترجيح القول لأنه يتعدى إلى الغير، والفعل وق يكون مقصورا عليه (والرابع) جواب جماعة من أصحابنا أن النبي ﷺ كان له أن يتزوج في حال الأحرام وهو مما خص به دون الأمة، وهو أصح الوجهين عند أصحابنا (والوجه الثاني) أنه حرام في حقه كغيره وليس من الخصائص، وأما قوله ﷺ ولا ينكح- فمعناه لا يزوج امرأة بولاية ولا وكالة (قال العلماء) سببه أنه لما منع في مدة الأحرام من العقد لنفسه صار كالمرأة فلا يعقد لنفسه ولا لغيره؛ وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن يزوج بولاية خاصة كالأب والأخ والعم ونحوهم أو بولاية عامة وهو السلطان والقاضي ونائبه، وهذا هو الصحيح عندنا، وبه قال جمهور أصحابنا. وقال بعض أصحابنا يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة لأنها يستفاد بها ما لا يستفاد بالخاصة ولهذا يجوز للمسلم تزويج الذمية بالولاية العامة دون الخاصة، واعلم أن النهي عن النكاح
[ ١١ / ٢٣١ ]
-[كلام العلماء في حكم الزواج والخطبة والرجعة للمحرم والجمع بين حديث ابن عباس وأحاديث الباب]-
_________________
(١) والأنكاح في حال الأحرام نهي تحريم، فلو عقد لم ينعقد سواء كان المحرم هو الزوج والزوجة، أو العاقد لهما بولاية أو ووكالة فالنكاح باطل في كل ذلك، حتى لو كان الزوجان والولي مسلمين ووكل الولي أو الزوج محرما في العقد لم ينعقد "وأما قوله ﷺ ولا يخطب" فهو نهي تنزيه لي بحرام وكذلك يكره للمحرم أن يكون شاهدا في نكاح عقده المحلون (وقال بعض أصحابنا) لا ينعقد بشهادته لأن الشاهد ركن في عقد النكاح كالولي، والصحيح الذي عليه الجمهور انعقاده اهـ (قال الحافظ) في الإصابة وقد انتشر الاختلاف في هذا الحكم بين الفقهاء، ومنهم من جمع في هذا الحكم بين الفقهاء، ومنهم من جمع بأنه عقد عليهما وهو محرم وبنى بها بعد أن أحل من عمرته بالتنعيم وهو حلال في الحل، وذلك بين من سياق القصة عند ابن إسحاق، وقيل عقد له عليها قبل أن يحرم وانتشر أمر تزويجها بعد أن أحرم فاشتبه الأمر اهـ (قلت) وهذا الجمع وجيه، وعليه فيقال إن ابن عباس لم يعلم بالعقد إلا بعد انتشاره، والنبي ﷺ محرم بسرف ففهم أن العقد لم يحصل إلا في المكان الذي يقال له سرف، ولهذا قال في روايته أن النبي ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث بماء يقال له سرف وهو محرم، وتقدم أن هذا الماء أقرب إلى مكة من المدينة وميقات أهل المدينة أقرب إلى المدينة من مكة، فثبت أنه كان محرما ما يسرف ولم يبلغ ابن عباس خير الزواج إلا بهذا المكان ففهم أنه حصل حينئذ، والظاهر أن ابن عباس ﵄ رجع عن ذلك، فقد روى الطبراني بسنده عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال وتقدم في الزوائد، وفي الحديث بعده في الزوائد عن ابن عباس أيضا أن رسول الله ﷺ نهى أن يتزوج أو يزوج أو ينحر حتى يفرغ من إحرامه، رواه الطبراني أيضا والله أعلم (أما مراجعة المطلقة رجعيا) في العدة فغير محظورة على المحرم (قال الأمام مالك) ﵀ في الموطأ في الرجل المحرم أنه يراجع امرأته إن شاء إن كانت في عدة منه، أي لأن الرجعة ليست بنكاح فلم تدخل في الحديث، فأما إن خرجت من عدتها فلا يعيدها لأنه نكاح فدخل فيه (قال أبو عمر) لا خلاف في ذلك بين أئمة الفتوى بالأمصار لأن المراجعة لا تحتاج إلى وليّ ولا صداق (قال الباحي) وعن أحمد منعه من الرجعة والله أعلم. (تتمة في حكم من جامع أو قبَّل أو لمس بشهوة وهو محرم) اعلم هداني الله وإياك لما يحب ويرضى أن غشيان النساء أو تقبيلهن أو لمسهن بشهوة أو التعريض لهن بذكر الجماع ونحوه كل ذلك حرام في حال الأحرام، والأصل في ذلك قول الله ﷿ "فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج" وقد فسر الرفث بالجماع كما قال تعالى ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ روى الحافظ
[ ١١ / ٢٣٢ ]
-[تتمة في حكم جامع أو قبَّل أو لمس بشهوة وهو محرم]-
_________________
(١) ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس وابن عمر الرفث غشيان النساء، قال وكذا قال سعيد ابن جبير. وعكرمة. ومجاهد. وإبراهيم (يعني النخعي) وأبو العالية. وعطاء. ومكحول وعطاء الخراساني. وعطاء بن يسار. وعطية. والربيع. والزهري. والسدي. ومالك بن أنس. ومقابل بن حيان. وعبد الكريم بن مالك. والحسن. وقتادة. والضحاك. وغيرهم (وقال علي بن أبي طلحة) عن ابن عباس الرفث غشيان النساء والقبلة والغمز وأن تعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك (وفسر الفسوق) بأتيان معاصي الله في حرم الله، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس، وكذا قال عطاء. ومجاهد. وطاوس. وعكرمة. وسعيد ابن جبير. ومحمد بن كعب. والحسن. وقتادة. وإبراهيم النخعي. والزهري. والربيع ابن أنس. وعطاء بن ياسر. وعطاء الخراساني. ومقاتل بن حيان (وقال آخرون) الفسوق هاهنا السباب، قاله ابن عباس. وابن عمر. وابن الزبير. ومجاهد. والسدى. وإبراهيم النخعي. والحسن، وقد يتمسك لهؤلاء بما ثبت في الصحيح "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (والجدال في الحج) المراء والمخاصمة، روى ابن جرير بسنده عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى "ولا جدال في الحج" قال أن تماري صاحبك حتى تغضبه (وعن التميمي) قال سألت ابن عباس عن الجدال، فقال المراء تماري صاحبك حتى تغضبه، وكذلك روى مقسم والضحاك عن ابن عباس، وكذا قال أبو العالية. وعطاء. ومجاهد. وسعيد بن جبير وعكرمة. وجابر بن زيد. وعطاء الخراساني. ومكحول. والسدى. ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار. والضحاك. والربيع بن أنس. وإبراهيم النخعي. وعطاء بن يسار والحسن. وقتادة. والزهري (وقال علي بن أبي طلحة) عن ابن عباس "ولا جدال في الحج" المراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك، فنهى اله عن ذلك (قلت) وهذا النهي للتحريم، وأشد هذه الأمور تحريما الجماع حال الأحرام لإجماع الأمة على تحريمه وأنه مفسد للحج (قال ابن المنذر) أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد بأتيان شيء في حال الأحرام إلا الجماع اهـ (قلت) وقيل أن أذكر مذاهب الأئمة ﵏ في حكم من أفسد حجه بالجماع وماذا يفعل اذكر ما وقفت عليه في ذلك من الأخبار والآثار ليظهر للقارئ ما بنوا مذاهبهم عليه من الأدلة فأقول. روى البيهقي بسنده عن يزيد بن نعيم الأسلمي التابعي أن رجلا من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله ﷺ فقال لهما اقضيا نسككما واهديا هديا ثم ارجعا حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا ولا يرى واحد منكما صاحبه وعليكما حجة أخرى، فتقبلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فأحرما، وأتما نسككما واهديا (قال البيهقي) هذا منقطع (وفي الموطأ) قال مالك أنه بلغني أن عمر بن الخطاء وعليَّ بن أبي طالب
[ ١١ / ٢٣٣ ]
-[ما ورد من الأحاديث والآثار فيمن أفسد حجة بالجماع]-
_________________
(١) وأبا هريرة ﵃ سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج فقالوا ينفدان لوجههما حتى يقضيا حجهما ثم عليهما الحج من قابل والهدى، وقال على فإذا أهلا بالحج من قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما، هذا الأثر ذكره الأمام مالك بلاغا عنهم وأسنده البيهقي من حديث عطاء أن عمر بن الخطاب قال في محرم أصاب امرأته يعني وهي محرمة فقال يقضيان حجهما وعليهما الحج من قابل، وهو أيضا منقطع فإن عطاء لم يدرك عمر، وإنما ولد عطاء في آخر خلافة عثمان، ورواه سعيد بن منصور عن مجاهد عن عمر وهو منقطع وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا عنه وعن علي وهو منقطع أيضا بين الحكم وبينه (وعن ابن عباس ﵄) أنه سئل عن رجل وقع على أهله وهي بمنى قبل أن يفيض فأمره أن ينحر بدئة، رواه الأمام مالك في الموطأ بإسناد صحيح (وعنه أيضا) في رجل وقع على امرأته وهو محرم فقال اقضيا نسككما وارجعا إلى بلدكما، فإذا كان عام قبل فأخرجا حاجين فإذا أحرمتما فتفرقا ولا تلتقيا حتى تقضيا نسككما واهديا هديا، رواه البيهقي بإٍناد صحيح (وفي رواية) ثم أهلا من حيث أهللتما أول مرة (وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه أن رجلا أتى عبد الله بن عمرو وأنا معه يسأله عن محرم وقع بامرأته فأشار إلى عبد الله بن عمر فقال اذهب إلى ذلك فسله، قال شعيب فلم يعزم الرجل، فذهبت معه نسأل ابن عمر فقال بطل حجك، فقال الرجل فما أصنع قال اخرج مع الناس واصنع ما يصنعون، فإن أدركت قابل فحج واهد؛ فرجع إلى عبد الله بن عمرو وأنا معه فأخبره، فقال اذهب إلى ابن عباس فسله (قال شعيب) فذهبت معه إلى ابن عباس فسأله فقال له كما قال ابن عمر، فرجع إلى عبد الله بن عمرو وأنا معه فأخبره بما قال ابن عباس، ثم قال ما تقول أنت؟ فقال قولي ما قالا، رواه البيهقي بإسناد صحيح، ثم قال البيهقي هذا إسناد صحيح، قال وفيه دليل على صحة سماع شعيب ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص من جده عبد الله بن عمرو (وعن عكرمة) أن رجلا قال لابن عباس أصبت أهلي فقال ابن عباس أما حجكما هذا فقد بطل، فحجا عاما قابلا ثم أهلا من حيث أهللتما، وحيث وقعت عليها ففارقها فلا تراك ولا تراها حتى ترميا الجمرة واهد ناقة ولتهد ناقة، رواه البيهقي (وعن ابن عباس) إذا جامع فعلى كل واحد منهما بدنة، رواه ابن خزيمة والبيهقي بإسناد صحيح (وعنه أيضا) يجزئ عنهما جزور رواه ابن خزيمة والبيهقي بإسناد صحيح (وعنه أيضا) قال إن كنت أعانتك فعلى كل واحد منهما بدنة حسناء جملاء وإن كانت لم تعنك فعليك ناقة حسناء جملاء، رواه ابن خزيمة والبيهقي بإسناد صحيح (قال ابن قدامة الحنبلي في المغني) قال ابن المنذر قول ابن عباس أعلى شيء روى فيمن وطئ في حجه، وروى ذلك عن عمر ﵁، وبه قال
[ ١١ / ٢٣٤ ]
-[مذاهب الأئمة فيما يفعل من أفسد حجة بالجماع - وفى الوطء فيما دون الفرج]-
_________________
(١) ابن المسيب. وعطاء. والنخمي. والثوري (والشافعي) وإسحاق. وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا فرق بين ما قبل الوقوف وبعده (وقال أبو حنيفة) إن جامع قبل اوقوف فسد حجه، وإن جامع بعده لم يفسد لقول النبي صلى الله عليه وسل (الحج عرفة) ولأنه معنى يأمن به الفوات فأمن به الفساد كالتحليل (قال ابن قدامة) ولنا قول الصحابة الذين روينا، فإن قولهم مطلف فيمن واقع محرما، ولأنه جماع صادف إجراما تاما فأفسده كما قبل الوقوف وقوله ﷺ (الحج عرفة) يعني معظمه أو أنه ركن متأكد فيه ولا يلزم من أمن الفوات أمن الفساد بدليل العمرة، إذا ثبت هذا فإنه يجب على المجامع بدنة، قال وإن كانت المرأة مكرهة على الجماع فلا هدي عليها ولا على الرجل أن يهدى عنها، نص عليه أحمد لأنه جماع يوجب الكفارة فلم تجب به حال الإكراه أكثر من كفارة واحدة كما في الصيام، وهذا قول إسحاق وأبي ثور وابن المنذر (وعن أحمد) رواية أخرى أن عليه أن يهدى عنها وهو قول (عطاء ومالك) لأن إفساد الحج وجد منه في حقهما فكان عليه لإفساد حجها هدي قياسًا على حجه، وعنه ما يدل على أن الهدي عليه، لأن فساد الحج ثبت بالنسبة إليها فكان الهدي عليها كما ول طاوعت، ويحتمل أنه أراد أن الهدى عليها يتحمله الزوج عنها فلا يكون رواية ثالثة، فأما حال المطاوعة فعلى كل واحد منهما بدنة، هذا قول ابن عباس. وسعيد بن المسيب. والنخعي. والضحاك (ومالك) والحكم. وحماد، لأن ابن عباس قال اهد ناقة ولتهد ناقة لأنها أحد المتجامعين من غير إكراه فلزمتها بدنة كالرجل (وعن أحمد) أنه قال أرجو أن يجزئهما هدي واحد، وروى ذلك عن عطاء (وهو مذهب الشافعي) لأنه جماع واحد فلم يوجب أكثر من بدنة كحالة الإكراه، والنائمة كالمركهة في هذا، وأما فساد الحج فلا فرق بين حال الإكراه والمطاوعة لا نعلم فيه خلافا. قال ولا فرق بين الوطء في القبل والدبر من آدمي أو بهيمة (وبه قال الشافعي) وأبو ثور ويتخرج في وطئ البهيمة أن الحج لا يفسد به (وهو قول مالك وأبي حنيفة) لأنه لا يوجب الحد فأشبه الوطء دون الفرج، وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة أن اللواط والوطء في الدبر لا يفسد الحج لأنه لا يثبت به الإحصان بالوطء دون الفرج اهـ (وقد اختلف العلماء) في الوطء فيما دون الفرج، فقال النووي لم يفسد حجه عندنا، وعليه شاة في أصح القولين وبدنة في الآخر سواء أنزل أم لا، وكذا قال جمهور العلماء لا يفسد اهـ. وقال الخرقي من أئمة الحنابلة في مختصره، وإن وطئ دون الفرج فلم ينزل فعليه دم، وإن أنزل فعليه بدنة وقد فسد حجة (قال ابن قدامة) في شرحه أما إذا لم ينزل فإن حجه لا يفسد بذلك لا نعلم أحدًا قال بفساد حجه لأنها مباشرة دون الفرج عريت عن الأنزال فلم يفسد بها الحج كاللمس
[ ١١ / ٢٣٥ ]
-[مذاهب الأئمة في حكم الوطء فيما دون الفرج - وما يفعل من قبَّل أو لمس بشهوة]-
_________________
(١) أو مباشرة لا توجب الاغتسال أشبهت اللمس وعليه شاة، وقال الحسن فيمن ضرب بيده على فرج جاريته عليه بدنة (وعن سعيد بن جبير) إذ نال منها ما دون الجماع ذبح بقرة (قال ابن قدامة) ولنا أنها ملامسة من غير إنزال فأشبهت لمس غير الفرج "فأما إن أنزل" فعليه بدنة، وبذلك قال الحسن. وسعيد بن جبير. والثوري. وأبو ثور (وقال الشافعي) وأصحاب الرأي وابن المنذر عليه شاة لأنها مباشرة دون الفرج فأشبه لو لم ينزل (قال ابن قدامة) ولنا أنه جماع أوجب الغسل فأوجب بدنة كالوطء في الفرج، وفي فساد حجه بذلك روايتان (إحداهما) يفسد اختارها الخرقي وأبو بكر وهو قول عطاء. والحسن. والقاسم ابن محمد (ومالك وإسحاق) لأنها عبادة يفسدها الوطء فأفسدها الأنزال عن مباشرة كالصيام (والثانية) لا يفسد الحج وهو قول (الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر) وهي الصحيحة إن شاء الله، لأنه استمتاع لا يجب بنوعه الحد فلم يفسد الحج كما لو لم ينزل ولأنه لا نص فيه ولا إجماع ولا هو في معنى المنصوص عليه، لأن الوطء في الفرج يجب بنوعه الحد ويتعلق به إثنا عشر حكما ولا يفترق فيه الحال بين الأنزال وعدمه؛ والصيام يخالف الحج في المفسدات، ولذلك يفسد بتكرار النظر مع الأنزال والمذي وسائر محظوراته، والحج لا يفسد بشيء من محظوراته غير الجماع فافترقا؛ والمرأة كالرجل في هذا إذا كانت ذات شهوة، وإلا فلا شيء عليها كالرجل إذا لم يكن له شهوة اهـ "وأما إذا قبلها" بشهوة فهو كالوطء فيما دون الفرج من غير إنزال، فلا يفسد الحج وتجب شاة، وبه قال ابن المسيب وعطاء. وابن سيرين. والزهري. وقتادة. والأئمة (الشافعي ومالك والثوري وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وأبو ثور) وقال ابن المنذر روينا ذلك عن ابن عباس وروينا عنه أنه يفسد حجه (وعن عطاء) رواية أنه يستغفر الله تعالى ولا شيء عليه (وعن سعيد بن جبير) أربع روايات (إحداها) كقول ابن المسيب ومن وافقه (والثانية) عليه بقرة (والثالثة) يفسد حجه (والرابعة) لا شيء عليه بل يستغفر الله (ولو ردد النظر إلى زوجته حتى أمنى) لم يفسد حجه ولا فدية عليه عند الأئمة (أبي حنيفة والشافعي وأبي ثور) (وقال الحسن البصري ومالك) يفسد حجه وعليه الهدي، وقال عطاء عليه الحج من قابل وعن ابن عباس روايتان (إحداهما) عليه بدنة، والثانية دم، وقال سعيد بن جبير والإمام أحمد وإسحاق عليه دم (قال النووي) في شرح المهذب (وأما اللمس بغير شهوة) فليس بحرام بلا خلاف، وأما قول الغزالي في الوسيط والوجيز تحرم كل مباشرة تنقض الوضوء فغلطوه فيه، واتفقوا على أنه سهو وليس وجها، وسبب التغليظ أنه قال مباشرة تنقض الوضوء فتدخل فيه المباشرة بغير شهوة وليست محرمة بلا خلاف. والله ﷾ أعلم.
[ ١١ / ٢٣٦ ]
-[حجة القائلين بمنع المحرم من أكل صيد البر مطلقا]-
(٦) باب تحريم صيد البر على المحرم واكله
(١٨٩) عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ الصَّعب بن جثَّامة الأسدىَّ ﵁ أهدى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم رجل حمار وحش وهو محرم فردَّه وقال إنَّا محرمون
(١٩٠) وعنه أيضًا عن الصَّعب بن جثامة ﵁ قال مرَّ بى رسول الله ﷺ وأنا بالأبواء أو بودَّان فأهديت له من لحم حمار وحشٍ وهو محرم فردَّه علىَّ، فلمَّا رأى في وجهى الكراهة قال إنَّه ليس بنا ردٌّ عليك
_________________
(١) عن ابن عباس ﵄ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هشيم أنبأنا يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس أن الصعب بن جثامة- الحديث" (غريبه) (١) بفتح الصاد وسكون العين المهملتين بعدها موحدة؛ وأبوه جثامة بفتح الجيم وتنقيل المثلثة، وهو من بني ليث بن بكر بن عبد مناة كنانة؛ وكان ابن أخت أبي سفيان بن حرب، أمه زينب بنت حرب بن أمية، وكان النبي ﷺ آخى بينه وبين عوف ابن مالك (٢) وقع في رواية للشيخين والأمام أحمد وستأتي من حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة أيضا أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارا وحشيا، ووقع في رواية لمسلم "رجل حمار وحشي" كما هنا، وسيأتي الكلام على اختلاف الروايات في القدر المهدي في الأحكام إن شاء الله تعالى (٣) أي لم يقبل هديته لأنه لا يجوز للمحرم أكل لحم الصيد، وقد احتج به القائلون بمنع المحرم من أكل صيد البر مطلقا. وسيأتي ذكرهم في الأحكام (تخريجه) (م. نس. هق. وغيرهم) وهذا الحديث من مسند ابن عباس.
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة- الحدث" (غريبه) (٤) بفتح الهمزة وسكون الموحدة جبل من أعمال الفرع بضم الفاء وسكون والراء بعدها مهملة، قيل سمي بالأبواء لوبائه، وقيل لأن السيول تتبوؤه أي تحله (وقوله أو بودَّان) شك من الراوي وهو بفتح الواو وتشديد الدال المهملة آخره نون موضع بقرب الجحفة (٥) أي ليس من خصالنا رد الهدية على مهدبها ولم يمنعنا من قبولها إلا
[ ١١ / ٢٣٧ ]
-[حجة القائلين بمنع المحرم من أكل صيد البر مطلقا]-
ولكنَّا حرم (وعن من طريقٍ ثانٍ) عن الصَّعب بن جثَّامة اللَّيثيَّ أنَّه أهدي إلى رسول الله ﷺ وهو بالأبواء أو بودَّان حمارًا وحشيًّا فردَّه عليه رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم الحديث (وعن من طريقٍ ثالثٍ بنحوه وفيه) فأهديت له حمار وحش فردَّه علىَّ الحديث. وفى آخره قلت لابن شهاب الحمار عقير؟ قال لا أدرى
(١٩١) عن طاوس قال قدم زيد بن أرقم ﵁ فقال له ابن عبَّاس ﵄ يستذكره كيف أخبرتنى عن لحم أهدى للنَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وهو حرام قال نعم، أهدي رجل عضوًا
_________________
(١) أننا (حرم) بضم الحاء والراء أي محرمون، وليس هذا آخر الحديث عند الأمام أحمد، وبقيته (قال) وسمعته يقول لا حمى إلا لله ولرسوله، وسئل عن أهل الدار من المشركين بيتون فيصاب من نسائهم وذراربهم، فقال هم منهم، ثم يقول الزهري ثم نهى عن ذلك بعد اهـ (قلت) سيأتي ذلك في باب جواز تبيت الكفار ورميهم بالمنجنيق من كتاب الجهاد إن شاء الله (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي قال قرأت على عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة- الحديث" (٢) (سنه) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن بكر قال أنا ابن جريج قال أخبرني ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس عن صعب بن جثامة أنه قال مر بي وأنا بالأبواء أو بودان فأهديت له حمار وحش- الحديث" (٣) القائل قلت لابن شهاب هو ابن جريج (وقوله عقير) فعيل بمعنى مفعول أي مقتول من رمية الصائد أو أصابه عقر ولم يمت بعد (تخريجه) (ق. لك. نس. مذ. جه. هق) باختلاف في بعض الألفاظ.
(٢) عن طاوس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال أخبرني حسن بن مسلم عن طاوس قال قدم زيد بن أرقم- الحديث" (غريبه) (٤) أي يتحقق ما سمعه منه سابقا (٥) يعني وهو محرم
[ ١١ / ٢٣٨ ]
-[اختلاف عثمان وعلى ﵄ في المحرم إذا صيد له أيأكله أم لا؟]-
من لحم صيد فردَّه وقال إنَّا لا نأكله إنَّا حرم
(١٩٢) عن عائشة ﵂ قالت أهدى للنَّبيَّ ﷺ وشيقة ظبيٍ وهو محرم فردَّها (وفي لفظٍ فلم يأكله) قال سفيان الوشيقة ما طبخ وقدِّد
(١٩٣) عن عليِّ بن زيد ثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمىُّ قال كان أبى الحارث على أمرٍ من أمر مكَّة في زمن عثمان فأقبل عثمان ﵁ إلى مكَّة فقال عبد الله بن الحارث فاستقبلت عثمان بالنُّزل بقديدٍ فاصطاد أهل الماء حجلًا فطبخناه بماءٍ وملح فجعلناه عراقًا للثَّريد فقدَّمناه إلى عثمان وأصحابه فأمسكوا فقال عثمان صيد لم أصطده ولم نأمر بصيده، اصطاده قوم حلٌّ فأطعمونا فما بأس، فقال عثمان من يقول فى هذا؟ فقالوا علىٌّ، فبعث إلى علىٍّ ﵁ فجاء، قال عبد الله
_________________
(١) (تخريجه) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي.
(٢) عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان عن عبد الكريم عن قيس بن مسلم الجدي عن الحسن بن محمد بن على عن عائشة- الحديث" (غريبه) (١) الوشيقة أن يؤخذ اللحم فيغلي قليلا ولا ينضج ويحمل في الأسفار وقيل هي القديد، وقد فسرنا سفيان في الحديث بذلك والظبي هو الغزال (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٣) عن علي بن زيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي هاشم ابن سليمان يعني ابن المغيرة عن علي بن زيد ثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل- الحديث" (غريبه) (٢) النزل بضمتين الموضع الذي ينزل فيه، وقديد بضم أوله مصغرا موضع بين مكة والمدينة (٣) الحجل طير معروف، الواحدة حجلة وزان قصب وقصبة (وقوله فجعلناه عراقا للثريد) أي بدل لحم الجزور ونحوه وإن كان هذا قليلا (٤) أي لأنهم مجرمون وهذا لحم صيد لا يجوز للمحرم أكله (٥) أي قوم حلال ليسوا محرمين يريد أننا لم نصطده ولم نأمر بصيده فلا مانع من أكله، فكأنه قيل له إن هذا ممنوع على
[ ١١ / ٢٣٩ ]
-[اختلاف عثمان وعلي ﵄ في المحرم إذا صيد له صيد أيأكله أم لا]-
ابن الحارث فكأني أنظر إلى عليٍّ حين جاء وهو يحثُّ الخبط عن كفَّيه فقال له عثمان صيد لم نصطده ولم نأمر بصيده، اصطاده قوم حلٌّ فأطعمونا فما بأس، قال فغضب على وقال أنشد الله رجلًا شهد رسول الله ﷺ حين أتى بقائمة حمار وحشٍ (وفي لفظ بعجز حمار وحش وهو محرم) فقال رسول الله ﷺ إنَا قوم حرم فأطعموه أهل الحلِّ قال فشهد اثنا عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ، ثمَّ قال عليٌّ أشهد الله رجلًا شهد رسول الله ﷺ حين أتى ببيض النَّعام (وفى لفظٍ بخمس بيضات نعام) فقال رسول الله ﷺ إنَّا قوم حرم، أطعموه أهل الحلِّ، قال فشهد دونهم من العدَّة من الاثنى عشر قال فثنى عثمان وركه عن الطَّعام فدخل رحله (وفى لفظٍ فسطاطه) وأكل ذلك الطَّعام أهل الماء
_________________
(١) المجرم فقال (من يقول في هذا) يعني من يقول بعدم الجواز (١) الحت معناه الحك والأزلة، والخبط بالتحريك اسم ما يتساقط من ورق الشجر بعد خبطه أي ضربه بالعصى وهو من علف الإبل، وللعرب طريقة في جعله علفا وهو أن يؤخذ الورق ويجفف ويطحن يوخلط بدقيق أو غيره ويعجن بالماء فتوجره الأبل، والمعنى أن عليا ﵁ كان مشتغلا بعلف بعيره حينما جاءه الرسول ويده ملوثة بالخبط فأسرع في المجيء قبل أن يزيل ما عليها اهتماما بهذا الأمر ثم بعد مجيئه صار يحت الخبط عن كفيه، ولذا قال عبد الله ابن الحارث فكأني أنظر إلى على حين جاء وهو يحت الخبط عن كفيه يعني أنه متحقق ما حصل في هذه القصة كأنها وقعت الآن (٢) بضم الشين المعجمة أي أسأل بالله وأقسم به (وقوله شهد رسول الله) أي كان حاضرا مجلس رسول الله ﷺ حين أتى بقائمة حمار وحش الخ (٣) لابد من تقييد هذا الإطلاق بأن هذا الصيد صيد لأجل المحرم أو بأمره، أما إذا صاده الحلال لنفسه ثم أهدى منه شيئا للمحرم فلا بأس بقبوله وأكله كما يستفاد ذلك من حديث جابر الآتي بعد هذا؛ ويقال مثل ذلك في بيض النعام الآتي (٤) يعني أنه شهد له على بيض النعام بعض الاثني عشر المتقدم ذكرهم (٥) يريد أنه اقتنع بما سمعه من على ﵁ وامتنع عن الطعام فأكله أهل الماء أي المقيمون بهذا المكان من أهل الحل (تخريجه) (عل. بز) بنحوه وفيه على بن زيد فيه كلام وقد وثق
[ ١١ / ٢٤٠ ]
-[حجة القائلين بجواز صيد البر للمحرم ما لم يصده أو يصد له]-
(فصل منه في جواز أكل صيد البر إذا لم يصده أو يصد له)
(١٩٤) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ (وفى لفظٍ سمعت رسول الله ﷺ يقول) صيد البرِّ لكم حلال قال سعيد وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم
(١٩٥) عن عبد الله بن أبى قتادة قال أحرم رسول الله ﷺ عام
_________________
(١) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا ثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن جابر بن عبد الله- الحديث" (غريبه) (١) هذا اللفظ لقتيبة أحد الراويين اللذين روى عنهما الأمام أحمد هذا الحديث (٢) يعني زاد سعيد بن منصور أحد الراويين اللذين روى عنهما الأمام أحمد في روايته (وأنتم حرم) أما قتيبة فقال في روايته "سيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم" بدون قوله "وأنتم حرم" (٣) هذا الحديث صريح في التفرقة بين أن يصيده المحرم أو يصيده غيره له. وبين أن لا يصيده المحرم ولا يصاد له. بل يصيده الحلال لنفسه ويطعمه المحرم، ومقيد لبقية الأحاديث المطلقة كحديث الصعب بن جثامة وطلحة وأبي قتادة، ومخصص لعموم الآية المتقدمة والله تعالى أعلم (تخريجه) (الأربعة. وغيرهم) قال الحافظ في التلخيص رواه أصحاب السنن و(حب. ك. قط. هق) من حديث عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن مولاه المطلب عن جابر قال قال رسول الله ﷺ "سيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" وفي رواية للحاكم "لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم" وعمرو مختلف فيه وإن كان من رجال الصحيحين ومولاه (قال الترمذي) لا يعرف له سماع عن جابر، وقال في موضع آخر قال محمد لا أعرف له سماعا من أحد من الصحابة إلا قوله حدثني من شهد خطبة رسول الله ﷺ، وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول لا نعرف له سماعا من أحد من الصحابة، وقد رواه الشافعي عن الدراوردي عن عمرو عن رجل من الأنصار عن جابر (قال الشافعي) إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى أحفظ من الدراوردي ومعه سليمان بن بلال يعني أنهما قالا فيه عن المطلب (قال الشافعي) وهذا الحديث أحسن شيء في هذا الباب اهـ (قلت) وقول الترمذي قال محمد، يعني البخاري.
(٢) عن عبد الله بن أبي قتادة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا
[ ١١ / ٢٤١ ]
-[قصة خروج أبى قتادة وصيده حمار الوحش وعدم احرامه]-
الحديبية ولم يحرم أبو قتادة قال وحدِّث رسول الله ﷺ أنَّ عدوٌّا بغيقة فانطلق رسول الله ﷺ فبينما أنا مع أصحابى فضحك بعضهم إلى بعض فنظرت فإذا أنا بحمار وحشٍ فاستعنتهم فأبوا أن يعينونى فحملت عليه
_________________
(١) إسماعيل عن هشام الدستوائي ثنا يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة- الحديث" (غريبه) (١) هو الأنصاري الصحابي اسمه الحارث بن رعبي بكسر الراء وسكون الباء بعدها عين مهملة مكسورة، وإنما لم يحرم أبو قتادة، لأن النبي ﷺ بعث أبا قتادة ورفقته لكشف عدو لهم بجهة الساحل كما سيأتي في الطريق الثانية (٢) أي في غيقة وهو بفتح الغين المعجمة بعدها ياء ساكنة ثم قاف مفتوحة ثم هاء (قال السكوني) هو ماء لبنى غفار بين مكة والمدينة، وقال يعقوب هو قليب لبنى ثعلبة يصب فيه ماء رضوى (بإضافة ماء إلى رضوى) ورضوى جبل متصل بالمدينة ويصب هو في البحر اهـ (قال الحافظ) وحاصل القصة أن النبي ﷺ لما خرج في عمرة الحديبية، فبلغ الروحاء وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلا أخبروه بأن عدوا من المشركين بوادي غيقة يخشى منهم أن يقصدوا غرتة، فجهز طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرهم. فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه بالنبي ﷺ فأحرموا إلا هو فاستمر هو حلالا، لأنه إما لم يجاوز الميقات وإما لم يقصد العمرة، وبهذا يرتفع الأشكال الذي ذكره أبو بكر الأثرم، قال كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث ويقولون كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم لا يدرون ما وجهه، قال حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد فيها خرجنا مع رسول الله ﷺ فأحرمنا، فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة وكان النبي ﷺ بعثه في وجه- الحديث، قال فأبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة (قال الحافظ) وهذه الرواية التي أشار إليها تقضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبي ﷺ من المدينة وليس كذلك لما بيناه، ثم وجدت في صحيح ابن حبان والبزار من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة على الصدقة وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا بعسفان فهذا سبب آخر. ويحتمل جمعهما، والذي يظهر أن أبا قتادة إنما أخر الأحرام لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة فساغ له التأخير اهـ (٣) قال العلماء وإنما ضحكوا تعجبا من عروض الصيد ولا قدرة لهم عليه لمنعهم منه والله أعلم (٤) يريد أنه طلب منهم أن ينالوه سوطه ورمحه فأبوا كما سيأتي في بعض
[ ١١ / ٢٤٢ ]
-[حجة القائلين بجواز أكل المحرم من صيد البر اذا لم يصده أو يصد له]-
فأثبتُّه فأكلنا من لحمه وخشينا أن نقتطع فانطلقت أطلب رسول الله ﷺ فجعلت أرفِّع فرسى شاؤًا وأسير شاؤًا، ولقيت رجلًا من بنى غفارٍ فى جوف اللَّيل فقلت أين تركت رسول الله ﷺ؟ قال تركته وهو بتعهن وهو ممّا يلى السُّقيا، فأدركته فقلت يا رسول الله إنَّ أصحابك يقرئونك السَّلام ورجمة الله وقد خشوا أن يقتطعوا دونك فانتظرهم، قال فانتظرهم، قبلت وقد أصبت حمار وحشٍ وعندى منه فاضلة فقال للقوم كلوا وهم
_________________
(١) طرق الحديث (وقوله فأثبته) أي أحكمت الطعن فيه (١) أي خشوا أن يقتطعهم العدو وهم نفر قليلون قبل الوصول إلى رسول الله ﷺ وأصحابه (٢) بتشديد الفاء المكسورة أي أكلفه السير السريع (والشأو) بالشين المعجمة مهموز هو الطلق والغاية. ومعناه اركضه شديد وقتًا وأسوقه بسهولة وقتًا (٣) قال النووي وتعهن المذكورة في هذا الحديث هي عين ماء هناك على ثلاثة أميال من السقيا، وهي بتاء مثناة فوق مكسورة ومفتوحة، ثم عين مهملة ساكنة ثم هاء مكسورة ثم نون (قال القاضي عياض) هي بكسر التاء وفتحها، قال وروايتنا عن الأكثرين بالكسر، قال وكذا قيدها البكري في معجمة، قال القاضي وبلغني عن أبي ذر الهروي أنه قال سمعت العرب نقولها بضم التاء وفتح العين وكسر الهاء وهذا ضعيف اهـ. قال النووي (السقيا) بضم السين المهملة وإسكان القاف وبعدها ياء مثناه من تحت. وهي مقصورة، وهي قرية جامعة بين مكة والمدينة من أعمال الفرع بضم الفاء وإسكان الراء وبالعين المهملة (٤) قال النووي فيه استحباب إرسال السلام إلى الغائب سواء كان أفضل من المرسل أم لا لأنه إذا أرسله إلى ما هو أفضل فمن دونه أولى (قال أصحابنا) ويجب على الرسول تبليغه ويجب على المرسل إليه رد الجواب حين يبلغه على الفور (٥) أي بقى عندي منه شيء، وهذا الشيء هو العضد كما صرح بذلك في الطريق الثانية، ونحوه مسلم والبخاري ولفظه "فرحنا وخبأت العضد معي فأدركنا رسول الله ﷺ فسألتاه عن ذلك فقال هل معكم منه شيء؟ فقلت نعم. فناولته العضد فأكلها وهو محرم" وهذا يدل على جواز أكل المحرم الصيد إذا لم يأمر بصيده أو أعان عليه، ويستفاد ذلك من حديث جابر المتقدم ومن رواية لمسلم وغيره أن النبي ﷺ قال لهم لما سألوه عن هذه الواقعة هل أشار إليه إنسان منكم أو أمره بشيء؟ قالوا لا يا رسول الله
[ ١١ / ٢٤٣ ]
-[حجة القائلين بجواز أكل المحرم لحم صيد البر ما لم يصده أو يصد له]-
محرمون (ومن طريقٍ ثانٍ) عن عبد بن كعب بن مالك عن أبى قتادة الحارث بن ربعىٍّ ﵁ قال بعثنا رسول الله ﷺ إلى سيف البحر فى بعض عمره إلى مكَّة ووعدنا أن نلقاه بقديد فخرجنا ومنَّا الحلال ومنَّا الحرام، قال فكنت حلالًا فذكر الحديث وقال فيه هذه العضد قد شويتها وأنضجتها وأطيبتها؛ قال فهاتها، قال فجئته بها قنهسها رسول الله ﷺ وهو حارم حتَّى فرغ منها (ومن طريقٍ ثالثٍ) عن نافعٍ مولى أبى قتادة الأنصارىِّ عن أبى قتادة أنَّه كان مع رسول الله ﷺ حتَّى إذا كان ببعض طرق مكَّة تخلَّف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم فرأى حمارًا وحشيًا فاستوى على فرسه وسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه
_________________
(١) قال فكلوا (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعقوب حدثني أبي عن ابن إسحاق حدثني معبد بن كعب بن مالك عن أبي قتادة- الحديث" (٢) أي ساحله (وقوله في بعض عمره) هي عمرة الحديبية كما صرح بذلك في الطريق الأولى، وكانت سنة ست من الهجرة (وقديد) تقدم ضبطه وهو مكان بين مكة والمدينة (٣) يعني وقال في الحديث لما سألهم النبي ﷺ (هل معكم من لحمه شيء) كما سيأتي في الطريق الرابعة من هذا الحديث، وكما تقدم في رواية البخاري أيضا (قال هذه العضد قد شويتها) الخ (٤) يقال نهشت اللحم أخذته بمقدم الأسنان، وهو بالسين المهملة. ويصح بالشين المعجمة، نقله ابن فارس عن الأصمعي، وقال الأزهري قال الليث النهش بالشين المعجمة تناول من بعيد كنهش الحية وهو دون النهس، والنهس بالمهملة القبض على اللحم ونثره، وعكس ثعلب فقال النهص بالمهملة يكون بأطراف الأسنان، والنهش بالمعجمة بالأسنان وبالأضراس، وقال ابن القوطية كما قال الليث نهشته الحية بالشين المعجمة ونهمه الكلب والذئب والسبع بالمهملة، قاله في المصباح (وقوله وهو حرام) يعني وهو محرم (٥) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي قال قرأت على عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن نافع مولى أبي قتادة- الحديث" (٦) أي لأجل اكتشاف العدو كما تقدم
[ ١١ / ٢٤٤ ]
-[كلام العلماء في الجمع بين ما تعارض من حديثى أبى قتادة]-
فأبوا فأخذه، ثمَّ شدَّ على الحمار فقتله فأكل بعض أصحاب النَّبيَّ ﷺ وأبى بعضهم، فلمَّا أدركوا رسول الله ﷺ سألوه عن ذلك، فقال إنَّما هى طعمة أطعمكموها الله ﷿ (ومن طريقٍ رابعٍ) عن عطاء بن يسار عن أبى قتادة بنحوه (وفيه) أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال هل معكم من لحمه م شاءٍ
(١٩٦) عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه ﵁ قال خرجت مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية فأحرم أصحابى ولم أحرم فرأيت حمارًا فحملت عليه فاصطدته فذكرت شأنه لرسول الله ﷺ وذكرت أنِّى لم أكن أحرمت وإنَّما اصطدته لك، فأمر النَّبىُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أصحابه فأكلوا ولم يأكل منه حين أخبرته أنِّي اصطدته له
_________________
(١) في رواية لمسلم "فسقط مني سوطي فقلت لأصحابي وكانوا محرمين ناولوني السوط فقالوا والله لا نعينك عليه بشيء" ويستفاد من إبائهم وعدم إعانتهم له أنهم كانوا قد علموا أنه يحرم على المحرم الأعانة على قتل الصيد (٢) بضم الطاء أي طعام (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي قال قرأت على عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار عن أبي قتادة في الحمار الوحشي مثل ذلك "أي مثل الطريق الثالثة) إلا أن في حديث زيد بن أسلم (يعني هذا الطريق) أن رسول الله ﷺ قال هل عندكم من لحمه شيء (تخريجه) (ق. والأربعة. وغيرهم).
(٢) عن عبد الله بن أبي قتادة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه- الحديث" (٤) تقدم الكلام على عدم إحرام أبي قتادة في شرح الحديث السابق (٥) هذا ينافي ما تقدم في الحديث السابق من أن النبي ﷺ أكل منه، قال أبو بكر النيسابوري (قوله إني اصطدته لك وأنه لم يأكل منه) لا أعلم أحدا قاله في هذا الحديث غير معمر؛ وقال ابن خزيمة والدارقطني والجوزقي تفرد بهذه الزيادة معمر، قال ابن خزيمة إن كانت هذه الزيادة محفوظة احتمل أن يكون النبي ﷺ أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة
[ ١١ / ٢٤٥ ]
-[جواز أكل المحرم لحم صيد البر إذا لم يصده أو يصد له]-
(١٩٧) عن عمير بن سلمة الضَّمرىِّ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ مرَّ بالعرج فإذا هو بحمار عقير فلم يلبث أن جاء رجل من بهزٍ فقال يا رسول الله هذه رميتى فشانكم بها، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكرٍ ﵁ فقسَّمه بين الرِّفاق ثمَّ سار حتَّى عقبة أثاية فإذا هو بظبيٍ فيه سهم وهو حاقف فى ظلِّ صخرةٍ، فأمر النبي ﷺ رجلًا من
_________________
(١) أنه اصطاده من أجله، فلما أعلمه امتنع اه (قال الحافظ) وفيه نظر لأنه لو كان حراما ما أقر النبى ﷺ على الأكل منه إلى أن أعلمه أبو قتادة بأنه صاده لأجله، ويحتمل أن يكون ذلك لبيان الجواز، فان الذى يحرم على المحرم إنما هو الذى يعلم أنه صيد من أجله وأما إذا أتى بلحم لا يدرى ألحم صيد أو لا، فحمله على أصل الأباحة فأكل منه لم يكن ذلك حراما على الآكل، وعندى بعد ذلك فيه وقفة، فان الروايات المتقدمة ظاهرة فى أن الذى تأخر هو العضد، وأنه ﷺ أكلها حتى تعرقها أى لم يبق منها إلا العظم، ووقع عند البخارى فى الهبة حتى نفدها أى فرغها، فأى شيء يبقى منها حينئذ حتى يأمر أصحابه بأكله، لكن رواية أبى محمد الآتية فى الصيد (يعنى عند البخاري) "أبقى معكم شئ منه؟ قلت نعم، قال كلوا فهو طعمة أطعمكموها الله" فأشعر بأنه بقى منها غير العضد والله تعالى أعلم اه (قلت) رواية أبقى معكم شئ الخ تقدمت قبل حديث (تخريجه) (جه، قط هق. خز) وسنده جيد
(٢) عن عمير بن سلمة الضمرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم قال أنا يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم قال أخبرنى عيسى بن طلحة بن عبيد الله عن عمير بن سلمة الضمرى - الحديث" (غريبه) (١) بفتح العين وسكون الراء وجيم قرية جامعة من عمل الفرع على أميال من المدينة (٢) أى حمار وحش (وقوله عقير) فعيل بمعنى مفعول أى معقور يعنى متقولا بسهم الصائد، زاد فى الموطأ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال دعوه فانه يوشك أن يأتى صاحبه (٣) اسمه زيد بن كعب السلمى صحابى (٤) بكسر الراء مصدر كالمرافقة، قاله فى المشارق (وقال الجوهري) جمع رفقة بضم الراء وكسرها القوم المترافقون فى السفر (٥) بضم الهمزة وحكى كسرها ومثلثة موضع بطريق الجحفة إلى مكة (٦) بمهملة فألف فقاف ففاء أى واقف منحن رأسه بين يديه إلى رجليه، وقيل الحاقف الذى لجأ إلى حقف وهو ما انعطف من الرمل
[ ١١ / ٢٤٦ ]
-[حجة القائلين بتحريم أكل صيد البر على المحرم مطلقًا]-
أصحابه فقال قف هاهنا حتَّى يمرَّ الرِّفاق، لا يرميه أحد بشيءٍ
(١٩٨) عن عبد الرَّحمن بن عثمان قال كنا مع طلحة بن عبيد الله ﵁ ونحن حرم فأهدي له طير وطلحة راقد، فمنّا من أكل ومنَّا من ورَّع فلم يأكل، فلمَّا استيقظ طلحه وفَّق من أكله وقال أكلناه مع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم
(١٩٩) ز عن علىَّ ﵁ قال أتى النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بلحم صيد وهو محرم فلم يأكله
_________________
(١) وقال أبو عبيد حاقف يعنى قد انحنى وتثنى فى نومه (١) هكذا فى الأصل (لا يرميه أحد بشئ) وفى رواية النسائى والأمام مالك فى الموطأ (لا يريبه) بفتح الياء التحتية وكسر الراء فتحتية فموحدة من الريبة، لا من الرمى كما فى رواية الأمام أحمد، والمعنى على كل لا يمسه أحد ولا يحركه ولا يهيجه، زاد فى رواية الموطأ والنسائى حتى يجاوزه (تخريجه) (لك نس. هق) وصححه ابن خزيمة وغيره، قال الحافظ
(٢) عن عبد الرحمن بن عثمان (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن بكر ثنا ابن جريج حدثنى محمد بن المنكدر عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمى عن أبيه عبد الرحمن بن عثمان قال كنا مع طلحة - الحديث" (غريبه) (٢) هو ابن أخى طلحة بن عبيد الله (٣) بفتح أوله وتشديد الفاء مفتوحة أى صوَّبه، ويحتمل أن يكون معناه دعا له بالتوفيق والله أعلم (تخريجه) (م. نس. هق)
(٣) "ز" عن على ﵁ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى عثمان بن أبى شيبة ثنا عمران بن محمد بن أبى ليلى عن أبيه عن عبد الكريم عن عبد الله ابن الحارث عن ابن عباس عن على - الحديث" (تخريجه) (جه) وفى إسناده عبد الكريم وهو أبو المخارق وهو ضعيف (زوائد الباب) (عن أبى هريرة) ﵁ أنه أقبل من البحرين حتى إذا كان بالربذة وجد ركبا من أهل العراق محرمين فسألوه عن لحم صيد وجدوه عند أهل الربذة فأمرهم بأكله (قال أبو هريرة) ثم إنى شككت فيما أمرتهم به، فلما قدمت المدينة ذكرت ذلك لعمر بن الخطاب فقال عمر ماذا أمرتهم به
[ ١١ / ٢٤٧ ]
-[زوائد الباب فيما يجوز للمحرم أكله من صيد البر]-
_________________
(١) فقال أمرتهم بأكله، فقال عمر بن الخطاب لو أمرتهم بغير ذلك لفعلت بك يتواعده (لك هق) عن عطاء بن يسار أن كعب الأحبار أقبل من الشام فى ركب حتى إذا كانوا ببعض الطريق وجدوا لحم صيد فأفتاهم كعب بأكله، قال فلما قدموا على عمر بن الخطاب بالمدينة ذكروا ذلك له. قال من أفتاكم بذلك؟ قالوا كعب، قال فأنى قد أمّرته عليكم حتى ترجعوا، ثم لما كان ببعض طريق مكة مرت بهم رجل من جراد فأفتاهم كعب أن يأخذوه فيأكلوه، فلما قدموا على عمر بن الخطاب ذكروا له ذلك فقال ما حملك على أن تفتيهم بذلك؟ قال هو من صيد البحر، قال وما يدريك؟ قال يا أمير المؤمنين والذى نفسى بيده إن هى إلا نثرة حوت ينثره فى كل عام مرتين (لك. هق) (عن أبى اسحاق) قال سمعت أبا الشعثاء يقول سألت ابن عمر عن لحم الصيد يهديه الحلال للحرام "يعنى للمحرم" قال كان عمر ﵁ يأكله، قلت إنما أسألك عن نفسك أتأكله؟ قال كان عمر ﵁ يأكله، قلت إنما أسألك عن نفسك أتأكله؟ قال كان عمر ﵁ خيرا منى (هق) (وعن زبير ابن العوام) ﵁ قال كنا نأكل لحم الصيد ونتزوده ونأكله ونحن محرمون مع رسول الله ﷺ، وكذلك رواه ابراهيم بن طهمان عن أبى حنيفة بمعناه (هق) (وعن هشام بن عروة) عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها قالت له يا ابن أختى إنما هى عشر ليال فان يختلج فى نفسك شيء فدعه، يعنى أكل لحم الصيد (هق) (وعنه أيضا) عن أبيه أن الزبير بن العوام كان يتزود صفيف الظباء وهو محرم (قال مالك) والصفيف القديد (لك) القديد كأمير ما صف من اللحم فى الشمس ليجف وعلى الجمر لينشوى (وعن عبد الله بن شماس) قال أتيت عائشة فسألتها عن لحم الصيد يهديه الحلال للحرام فقالت اختلف فيها أصحاب رسول الله ﷺ فكرهه بعضهم ولم ير بعضهم بأسا وليس به بأس (هق) (وعن مجاهد عن ابن عباس) قال إذا أحرم الرجل وعنده صيد فليتركه (وروينا) عن الحسن أنه قال يرسله فان ذبحه فعليه الجزاء (وأخبرنا) أبو سعيد ثنا أبو العباس ثنا الحسن ثنا أبو أسامة عن حماد بن زيد قال سئل عمرو بن دينار عن محرم ذبح صيدا، قال يأكله وعليه الجزاء. القاؤه فساد، قال حماد وكان أيوب يعجيه قول عمرو هذا (وروينا) عن الحسن البصرى أنه قال هو ميتة لا يأكله (وعن عطاء) لا يأكله الحلال، وعن عطاء إذا أصاب صيدا فعليه الفدية، وإذا أكله فعليه قيمة ما أكل (هق) (وعن البراء بن عازب) ﵁ أن النبى ﷺ نزل مرّ الظهران فأهدى له عضو صيد فرده على الرسول وقال اقرأ ﵇، وقل له لولا أنا أحرم ما رددناه عليك (طس طص) وفيه حماد بن شعيب وهو ضعيف (وعن أبى سعيد الخدري) ﵁
[ ١١ / ٢٤٨ ]
-[مذاهب العلماء فيما يحل للمحرم من الصيد - وأدلة القائلين بالمنع مطلقا]-
_________________
(١) قال بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة الأنصارى على الصدقة وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه محرمين حتى نزلوا عسفان فاذاهم بحمار وحش، وجاء أبو قتادة وهو حل ونكسوا رءوسهم كراهية أن يبدوا أبصارهم فيعلم، فرآه أبو قتادة فركب فرسه وأخذ الرمح فسقط منه الرمح، فقال ناولونيه، فقالوا نحن ما نعينك عليه فحمل عليه، فعقره فجعلوا يشوون منه، ثم قالوا رسول الله ﷺ بين أظهرنا وكان تقدمهم فلحقوه فسألوه فلم ير به بأسا، قال فأحسبه قال هل معكم منه شئ؟ شك عبيد الله، رواه البزار ورجاله ثقات (وعن على بن أبى طالب) ﵁ أن النبى ﷺ رخص فى لحم الصيد للمحرم (بز) وفيه عبد الكريم بن أبى المخارق وهو ضعيف (وعن أبى موسى) أن رسول الله ﷺ قال لحم الصيد لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم وأنتم حرم (طب) وفيه يوسف بن خالد الممتى وهو ضعيف (الأحكام) أحاديث الباب تدل بظاهرها على أمور ثلاثة؛ منها ما يدل على تحريم أكل الصيد مطلقا سواء صاده المحرم بنفسه أو صيد له باذنه أو بغير إذنه أو صاده الحلال لنفسه وأهداه للمحرم، وبذلك قال فريق من الناس مستدلين بالآية وهى قوله ﷿ ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ وبحديث الصعب بن جثامة (ومنها) ما يدل على جواز أكل لحم الصيد مطلقا للمحرم ما لم يصده بنفسه، وبه قال الكوفيون وجماعة من السلف مستدلين بحديث طلحة ونحوه من أحاديث الباب المطلقة (ومنها) ما يدل على الجواز بشرط أن لا يصيده بنفسه ولا يأمر به ولا يعين عليه ولا يصاد لأجله وحجتهم حديث جابر وحديث أبى قتادة الذى يليه، لهذا اختلفت أنظار العلماء بعد إجماعهم على تحريم الاصطياد على المحرم، واختلفوا فيما عدا ذلك (فذهبت طائفة) إلى أنه لا يحل للمحرم لحم الصيد أصلا سواء صاده بنفسه أو صاده غيره له أو صاده لنفسه وأهداه إياه فيحرم مطلقًا؛ حكاه القاضى عياض عن على وابن عمر وابن عباس ﵃ لقوله ﷿ ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ قالوا المراد بالصيد المصيد، ولظاهر حديث الصعب ابن جثامة ﵁ المذكور أول الباب، فإن النبى ﷺ رده وعلل رده بأنه محرم ولم يقل لأنك صدته لنا، وقد جاء هذا الحديث من عدة طرق بألفاظ مختلفة فى صفة القدر المهدى بفتح الدال (منها) أن الصعب بن جثامة أهدى للنبى ﷺ لحم حمار وحش فردَّه (ومنها) أهدى رجل حمار وحش (ومنها) عجز حمار وحش يقطر دما (ومنها) شق حمار وحش (ومنها) عضوا من لحم صيد (ومنها) حمار وحش وفى لفظ حمارا وحشيا وكل هذه الألفاظ فى الصحاح بعضها فى البخارى وبعضها عند الأمام أحمد وبعضها بل كلها عند مسلم، وقد اتفقت الروايات كلها على أن النبى ﷺ رده عليه كما قال الحافظ، إلا ما رواه
[ ١١ / ٢٤٩ ]
-[اختلاف المذاهب فيما يجوز للمحرم أكله من صيد البر]-
_________________
(١) ابن وهب والبيهقي من طريقه بأسناد حسن من طريق عمرو بن أمية أن الصعب أهدى للنبى ﷺ عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم (قال البيهقي) إن كان هذا محفوظا حمل على أنه رد الحى وقبل اللحم (قال الحفاظ) وفى هذا الجمع نظر، فان الطرق كلها محفوظة، فلعله رده حيا لكونه صيد لأجله، ورد اللحم تارة لذلك وقبله أخرى بحيث لم يصده لأجله، وقد قال الشافعى فى الأم إن كان الصعب أهدى له حمارا حيا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حيا، وإن كان أهدى له لحما فقد يحتمل أن يكون قد علم أنه صيد له اه (وقال القرطبي) يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحًا ثم قطع منه عضوا بحضرة النبى ﷺ فقدمه له، فمن قال أهدى حمارا أراد بتمامه مذبوحا لا حيًا، ومن قال لحم حمار أراد ما قدمه للنبى ﷺ، ويحتمل أن يكون من قال حمارا أطلق وأراد بعضه مجازا، ويحتمل أنه أهداه له حيا، فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظانا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد حكم الكل والجمع مهما أمكن أولى من توهين بعض الروايات اه (وذهبت الأئمة مالك والشافعى وأحمد وداود) الى جواز أكل لحم الصيد للمحرم بشرط أن لا يصيده أو يصاد له بأذنه أو بغير إذنه، فان صاده حلال لنفسه ولم يقصد المحرم ثم أهدى من لحمه للمحرم أو باعه لم يحرم عليه، وحجتهم حديث جابر المذكور فى الباب بلفظ "صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم" وبما فى بعض طرق حديث أبى قتادة أن النبى ﷺ، قال للقوم "كلوا وهم محرمون" وبقوله ﷺ "هل معكم من لحمه" وفى بعض طرقه أيضا أن النبى ﷺ أكل منه العضد؟؟؟؟ (وذهب جماعة) إلى أنه لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه، حكاه ابن المنذر عن عمر ابن الخطاب وأبى هريرة ومجاهد وسعيد بن جبير، قال وروى ذلك عن الزبير بن العوام وبه قال أصحاب الرأى (وهو مذهب أبى حنيفة) وحجتهم حديث عمير بن سلمة الضمرى وحديث عبد الرحمن بن عثمان، وما جاء فى الزوائد من الأخبار والآثار المطلقة، وأجاب الشافعية وموافقوهم على الأحاديث المطلقة فى التحريم أو الجواز بأنه لابد من تقييدها بحديث جابر جمعًا بين الأحاديث؛ لأن حديث جابر صريح فى الفرق، وهو ظاهر فى الدلالة للشافعى وموافقيه، وردّ لما قاله أهل المذهبين الآخرين، ويحمل ما جاء مطلقا فى بعض طرق حديث أبى قتادة ونحوه على أنه لم يقصدهم باصطياده، ويحمل حديث الصعب على أنه قصدهم باصطياده، وتحمل الآية الكريمة على الاصطياد وعلى لحم ما صيد للمحرم للأحاديث المذكورة المبينة للمراد من الآية (وأما قولهم) فى حديث الصعب أنه ﷺ علل حين ردّه بأنه محرم ولم يقل لأنك صدته لنا، فالجواب عنه أنه ليس فى هذه العبارة
[ ١١ / ٢٥٠ ]
-[كلام العلماء في جزاء كسر بيض الصيد للمحرم - وفى فوائد حديث أبى قتادة]-
(٧) باب جزاء الصيد
(قول الله ﷿ ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ - الآية)
(٢٠٠) عن معاوية بن قرَّة عن رجلٍ من الأنصار أنَّ رجلًا أوطأ بعيره
_________________
(١) ما يمنع أنه صاده للنبى ﷺ، لأنه إنما يحرم الصيد على الأنسان إذا صيد له بشرط أنه محرم فبين الشرط الذى يحرم به "ويستفاد من حديث على ﵁" أن كل طير حرم على المحرم صيده يحرم عليه بيضه، وإذا كسره لزمه قيمته، وإلى ذلك ذهب الأمامان (الشافعى وأحمد وآخرون) قال النووى وبه قال العلماء كافة إلا المزنى وداود فقالا هو حلال ولا جزاء فيه، وقال مالك يضمنه بعشر ثمن أصله، وسيأتى الكلام على جزاء من أتلفه واختلاف المذاهب فى ذلك فى باب أحكام جزاء الصيد الآنى بعد هذا إن شاء الله تعالى والله أعلم (قال الحافظ) وفى حديث أبى قتادة من الفوائد أن تمنى المحرم أن يقع من الحلال الصيد ليأكل المحرم منه لا يقدح فى إحرامه، وأن الحلال إذا صاد لنفسه جاز للمحرم الأكل من صيده، وهذا يقوى من حمل الصيد فى قوله تعالى ﴿وحرم عليكم صيد البر﴾ على الاصطياد (وفيه) الاستيهاب من الأصدقاء وقبول الهدية من الصديق، وقال عياض عندى أن النبى ﷺ طلب من أبى قتادة ذلك تطبيبًا لقلب من أكل منه بيانا للجواز بالقول والفعل لأزالة الشبهة التى حصلت لهم (وفيه) امساك نصيب الرفيق الغائب ممن يتعين احترامه أو ترجى بركته أو يتوقع منه ظهور حكم تلك المسألة بخصوصها (وفيه) تفريق الأمام أصحابه للمصلحة واستعمال الطليعة فى الغزو وتبليغ السلام عن قرب وعن بعد، وليس فيه دلالة على جواز ترك السلام ممن بلغه، لأنه يحتمل أن يكون وقع وليس فى الخبر ما ينفيه (وفيه) أن عقر الصيد ذكاته، وجواز الاجتهاد فى زمن النبى ﷺ (قال ابن العربي) هو اجتهاد بالقرب من النبى ﷺ لا فى حضرته (وفيه) العمل بما أدى اليه الاجتهاد ولو تضاد المجتهدان ولا يعاب واحد منهما على ذلك، وكأن الآكل تمسك بأصل الأباحة، والممتنع نظر الى الأمر الطارئ (وفيه) الرجوع الى النص عند تعارض الأدلة، وركض الفرس فى الاصطياد. وحمل الزاد فى السفر، والرفق بالأصحاب والرفقاء فى السير (وفيه) جواز سوق الفرس للحاجة والرفق مع ذلك لقوله "وأسير شأوا" ونزول المسافر وقت القائلة (وفيه) ذكر الحكم مع الحكمة لقوله "إنما هى طعمة أطعمكموها الله" (تكملة) لا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا إذا صال عليه فقتله دفعا، فيجوز ولا ضمان عليه عند الجمهور والله أعلم اه
(٢) عن معاوية بن قرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن جعفر ثنا سعيد عن مطر عن معاوية بن قرة عن رجل من الأنصار - الحديث"
[ ١١ / ٢٥١ ]
-[دليل الجمهور في أن على المحرم الجزاء في كسر بيض النعام]-
أدحي نعامٍ وهو محرم فكسر بيضها، فانطلق إلى عليَّ ﵁ فسأله عن ذلك، فقال له علىٌّ عليك بكلِّ بيضة جنين ناقة أو ضراب ناقة فانطلق إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قد قال علىٌّ بما سمعت ولكن هلمَّ إلى الرُّخصة، عليك بكلِّ بيضةٍ صوم أو إطعام مسكين
_________________
(١) (غريبه) (١) الأدحى بضم الهمزة وسكون الدال المهملة بعدها حاء مهملة مكسورة ثم ياء مشددة، الموضع الذى تبيض فيه النعامة وتفرَّخ، جمعه أداحى وهو أفعول من دحوت لأنها تدحوه برجلها أى تبسطه ثم تبيض فيه (٢) الظاهر أن أو للشك من الراوى لأن المراد بضراب الناقة هو الجنين الناشئ من نزو الجمل عليها (٣) يعنى أن عليا أفتاك بأن بكل بيضة جنين ناقة ولكن هلم الى الرخصة، أى أقبل الى ما أفتيك به وهو أيسر لك وأسهل عليك (فان قيل) كيف يفتى علىّ مع وجود النبى ﷺ (فالجواب) أن ذلك ربما حصل فى جهة لم يكن النبى ﷺ موجودا بها فأفتاه علىٌّ بذلك اجتهادا منه، وذلك جائز فان أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر، وقد فعل مثل ذلك كثير من الصحابة فى كثير من المسائل أقربها ما حصل لأصحاب أبى قتادة حيث امتنع بعضهم من أكل لحم الحمار الذى اصطاده وأكل بعضهم، وكلاهما مجتهد فى رأيه ولم يعب النبى ﷺ على أحد منهم (٤) هكذا فى المسند أصوم ولم يذكر مقدار هذا الصوم، وقد ثبت فى رواية ابن أبى شيبة والبيهقى صوم يوم، والظاهر أن لفظ يوم فى رواية الأمام أحمد سقط من الناسخ والله أعلم (تخريجه) (هق. ش) وسنده جيد. وقد رواه البيهقى من عدة طرق عن كثير من الصحابة منها حديث الباب بسنده ومتنه (ومنها) ما رواه البيهقى أيضا بسنده ثنا ابن جريج قال أحسن ما سمعت فى بيض النعامة حديث أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال فى كل بيض "هكذا فى نسخه البيهقي" صيام يوم أو إطعام مسكين (ومنها) بسنده عن عائشة أن النبى ﷺ حكم فى بيض النعام كسره رجل محرم صيام يوم لكل بيضة، ثم قال رواه أبو قرة موسى بن طارق عن ابن جريج، ورواه أبو عاصم وهشام بن سليمان بن عبد العزيز بن أبى رواد عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن أبى الزناد عن رجل عن عائشة وهو الصحيح، قاله أبو داود السجستانى وغيره من الحفاظ (ومنها) بسنده
[ ١١ / ٢٥٢ ]
-[زوائد الباب في جزاء الصيد ومقداره]-
_________________
(١) عن أبي موسى الأشعرى ﵁ أنه قال فى بيضة النعامة يصيبها المحرم صوم يوم أو إطعام مسكين، وبأسناده قال أنا الشافعى عن سعيد بن بشير عن قتادة عن أبى عبيدة عن عبد الله بن مسعود بمثله (ومنها) ما رواه بسنده أيضا عن عكرمة عن ابن عباس عن كعب بن عجرة أن النبى ﷺ قضى فى بيض نعام أصابه محرم بقدر ثمنه، قال ورواه موسى ابن داود عن ابراهيم وقال بقيمته، قال وروى ذلك عن ابى المهزِّم عن أبى هريرة عن النبى ﷺ، وروى فى ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين اه (زوائد الباب) (عن جابر بن عبد الله) ﵄ قال جعل رسول الله ﷺ فى الضبع يصيبه المحرم كبشا وجعله من الصيد (حب. ك. هق. والأربعة) قال البيهقى وهو حديث جيد تقوم به الحجة (قال أبو عيسى الترمذي) سألت عنه البخارى فقال هو حديث صحيح (وعن محمد بن سيرين) أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب، فقال إنى أجريت أنا وصاحب لى فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية فأصبنا ظبيًا ونحن محرمان، فماذا ترى؟ فقال عمر لرجل بجنبه تعال حتى نحكم أنا وأنت، قال فحكما عليه بعنز، فولى الرجل وهو يقول هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم فى ظبى حتى دعا رجلا فحكم معه، فسمع عمر قول الرجل فدعاه فسأله هل تقرأ سورة المائدة؟ فقال لا، فقال هل تعرف هذا الرجل الذى حكم معي؟ فقال لا فقال لو أخبرتنى أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا، ثم قال إن الله ﷿ يقول ف كتابه "يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة" وهذا عبد الرحمن بن عوف (لك) (وعن أبى الزبير) أن عمر قضى فى الضبع بكبش، وفى الغزالى بعنز؛ وفى الأرنب بعناق، وفى اليربوع بجفرة (لك) والشافعى بسند صحيح عن عمر (وعن الأجلح بن عبد الله) عن أبى الزبير عن جابر عن النبى ﷺ قال فى الضبع إذا أصابه المحرم كبش، وفى الظبى شاة، وفى الأرنب عناق، وفى اليربوع جفرة، قال والجفرة والتى قد ارتعت، رواه الدارقطنى (قال ابن معين) الأجلح ثقة، وقال ابن عدى صدوق؛ وقال أبو حاتم لا يحتج بحديثه (العناق) بفتح العين وهى الأنثى من أولاد المعز خاصة ما لم تتم سنة (واليربوع) نوع من الفأر، والباء والواو زائدتان، كذا فى النهاية (والحفرة) هى التى بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها (وعن أبى حريز) قال أصبت ظبيا وأنا محرم فأتيت عمر فسألته فقال ائت رجلين من اخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن بن عوف وسعيدًا فحكما تيسا أعفر (وعن طارق) قال خرجنا حجاجا فأوطأ رجل يقال له أربد ضبا ففرز ظهره فقدمنا على عمر فسأله أربد، فقال عمر احكم يا أربد، فقال أنت خير منى يا أمير المؤمنين وأعلم، فقال عمر إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني، فقال أربد أرى
[ ١١ / ٢٥٣ ]
-[زوائد الباب في جزاء الصيد ومقداره وتاريخ ميلاد عطاء الخراسانى ووفاة ابن عباس]-
_________________
(١) فيه جديا قد جمع الماء والشجر، فقال عمر بذلك فيه، رواه الشافعى والبيهقى بأسناد صحيح (وعن على بن أبى طلحة) عن ابن عباس قال إن قتل نعامة فعليه بدنة من الأبل. رواه البيهقى وهو منقطع، لأن على بن أبى طلحة لم يدرك ابن عباس، سقط بينهما مجاهد أو غيره قاله النووى فى شرح المهذب (وعن ابن عباس ﵄) فى بقرة الوحش بقرة وفى الأيّل بقرة، رواه الشافعى والبيهقى بأسناد صحيح (وعن عطاء الخراساني) أن عمر وعثمان وعليا وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية ﵃، قالوا فى النعامة يقتلها المحرم بدنة من الأبل، رواه الشافعى والبيهقى (قال الشافعي) هذا غير ثابت عند أهل العلم بالحديث، وهو قول الأكثرين ممن لقيت (قال البيهقي) وجه ضعفه أنه مرسل فان عطاء الخراسانى ولد سنة خمسين ولم يدرك عمر ولا عثمان ولا عليا ولا زيدا، وكان فى زمن معاوية صبيا، ولم يثبت له سماع من ابن عباس وإن كان يحتمل أنه سمع منه، فان ابن عباس توفى سنة ثمان وخمسين، إلا أن عطاء الخراسانى مع انقطاع حديثه عمن سمينا ممن تكلم فيه أهل العلم بالحديث (وروى الشافعى والبيهقي) بأسناد صحيح عن سريج قال لو كان معى حكم لحكمت فى الثعلب بجدى (وعن عثمان ﵁) أنه قضى فى أم حبين بحلان من الغنم رواه الشافعى والبيهقى بأسناد ضعيف فيه مطرف بن مازن، قال يحيى بن معين هو كذاب "أم حبين" بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة المخففة هى دويبة كالحرباء عظيمة البطن إذا مشت تطأطئ رأسها كثيرا وترفعه لعظم بطنها فهى تقع على رأسها وتقوم (والحلان) بضم الحاء المهملة وتشديد اللام ثم نون، ويقال حلام بالميم أيضا. قال فى النهاية جاء تفسيره فى الحديث أنه الجدي، وقيل إنه يقع على الجدى والحمل حين تضعه أمه اه (قلت) الحمل بفتح الحاء والميم هو الخروف، وقال الأزهرى هو الجدى (وروى الشافعي) عن سعيد عن اسرائيل عن أبى اسحاق عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس أنه قال فى بقرة الوحش بقرة، وفى الأَّيل بقرة، رواه البيهقي، ثم قال وهو فيما أجاز لى أبو عبد الله الحافظ روايته عنه عن أبى العباس عن الربيع عن الشافعى "الأيل" بضم الهمزة وكسرها والياء فيهما مشددة مفتوحة، ذكر الأوعال وهو التيس الجبلي. والجمع الأياييل (وعن قبيصة بن جابر) قال كنت محرما فرأيت ظبيًا فرميته فأصبت خششاءه "يعنى أصل قرنه" فركب ردعه (١) فوقع فى نفسى من ذلك شئ فأتيت عمر بن الخطاب أسأله فوجدت الى جنبه رجلا أبيض رفيق الوجه، فاذا هو عبد الرحمن بن عوف، فقال ترى شاة تكفيه؟ قال نعم. فأمرنى أن أذبح شاة. فلما قمنا من عنده قال صاحب لى إن أمير المؤمنين لم يحسن يفتيك حتى سأل الرجل، فسمع عمر بعض كلامه فعلاه بالدرة ضربا، ثم أقبل علىَّ ليضربنى فقلت يا أمير المؤمنين -----
(٢) الردع العنق، أى سقط على رأسه فاندقت عنقه؛ وقيل غير ذلك
[ ١١ / ٢٥٤ ]
-[بقية زوائد الباب - وتفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم الخ]-
_________________
(١) لم أقل شيئا إنما هو قاله، فتركنى وقال أردت أن تقتل الحرام وتتعدى الفتيا، ثم قال إن فى الإنسان عشرة أخلاق تسعة حسنة وواحد سيء يفسدها ذلك السئ، ثم قال إياك وعثرة الشباب، أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات اه (قلت) ورواه أيضا البيهقي؛ وصحح النووى إسناده (وعن مصعب المكي) قال أدركت أنس بن مالك وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة فسمعتهم يحدثون أن النبى ﷺ قال أمر الله شجرة ليلة الغار فنبتت فى وجه النبى ﷺ فسترته، وأمر العنكبوت فنسجت فى وجه النبى ﷺ فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار، فأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وهراويهم وسيوفهم حتى إذا كانوا من النبى ﷺ قدر أربعين ذراعا، فجعل بعضهم ينظر فى الغار فرأى حمامتين بفم الغار فرجع إلى أصحابه؛ فقالوا مالك؟ قال رأيت حماميتن بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد، فسمع النبى ﷺ ما قال فعرف أن الله قد درأ عنه بهما فدعا لهن وسمّت عليهم وفرض جزاءهن وأقرّن فى الحرم، أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الكبير، ومصعب المكى والذى عنه وهو عوين بن عمرو القيسى لم أجد من ترجمهما، وبقية رجاله ثقات "وقوله وسمت عليهن" بفتح السين المهملة وتشديد الميم مفتوحة أى دعا لهن بحسن الهيئة والمنظر بعد أن دعا لهن دعاء عاما (وعن عطاء) أن غلاما من قريش قتل حمامة من حمام مكة، فأمر ابن عباس أن يفدى عنه بشاة؛ رواه الأمام الشافعي، وأخرجه أيضا ابن أبى شيبة والبيهقى من طرق، وفى الباب عن جماعة من الصحابة منهم على عند الشافعي. وابن عمر عند ابن أبى شيبة، وعن عمر وعثمان عند الشافعى وابن أبى شيبة فهؤلاء قضى كل واحد منهم بشاة فى الحمامة، وقد روى مثل ذلك عن جماعة من التابعين كعاصم بن عمر، رواه عنه الشافعى والبيهقى وسعيد بن المسيب، رواه عنه البيهقي، وعن نافع بن الحارث رواه عنه الشافعي، وروى عن مالك أنه قال فى حمام الحرم الجزاء، وفى حمام الحل القيمة والله أعلم (الأحكام) حديث الباب مع ما ذكرنا فى الزوائد من الأخبار والآثار تدل على أن من قتل صيدا وهو محرم فعليه جزاؤه، والآية الكريمة التى أشرنا إليها فى ترجمة الباب أصل فى ذلك تفرع عنها ما ذكرنا من الأخبار والآثار وهى قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة أو كفَّارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صيامًا ليذوق وبال أمره، عفا الله عمَّا سلف، ومن عاد فينتقم الله منه، والله عزيز ذو انتقام﴾
[ ١١ / ٢٥٥ ]
-[تفسير الآية ومذاهب الأئمة فيما يستفاد منها]-
_________________
(١) وسنتكلم أولا على ما قاله السلف فى تفسير الآية مع ذكر العلماء فى ذلك والله الموفق قال الله ﷿ ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ أى محرمون بحج أو عمرة، وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد فى حال الأحرام ونهى عن تعاطيه فيه، وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول ولو ما تولد منه ومن غيره، فأما غير المأكول من حيوانات البر فالجمهور على تحريم قتلها، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت عند الأمام أحمد والشيخين وغيرهم. أن رسول الله ﷺ قال خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم، وسيأتى ذلك فى بابه بعد باب واحد ان شاء الله تعالى * قوله ﷿ ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ اختلفوا فى هذا العمد فقال قوم هو العمد لقتل الصيد مع نسيان الأحرام، أما إذا قتله عمدا وهو ذاكر لأحرامه فلا حكم عليه وأمره إلى الله، لأنه أعظم من أن يكون له كفارة، هذا قول مجاهد والحسن (وقال آخرون) هو أن يعمد المحرم قتل الصيد ذاكرًا لأحرامه فعليه الكفارة، والذى عليه الجمهور أن العامد والناسى سواء فى وجوب الجزاء عليه (قال الزهري) دل الكتاب على العامد وجرت السنة على الناسي، ومعنى هذا أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد على تأثيمه بقوله "ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه" وجاءت ألسنة من أحكام النبى ﷺ وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء فى الخطأ كما دل الكتاب عليه فى العمد، وأيضا فان قتل الصيد اتلاف. والأتلاف مضمون فى العمد وفى النسيان. لكن المتعمد مأثوم والمخطئ غير ملوم * قوله ﷿ ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ اختلفوا فى ذلك المثل. فذهب الأئمة (مالك والشافعى وأحمد) والجمهور إلى أن المراد مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الأنسى (وذهب الأمام أبو حنيفة) إلى أن المراد به ما يقرب من الصيد المقتول شبها من حيث القيمة ولذلك أوجب القيمة سواء أكان الصيد المقتول مثليا أو غير مثلىّ، قال وهو مخير إن شاء تصدق بثمنه وإن شاء اشترى به هديا، والذى حكم به الصحابة فى المثل أولى بالاتباع، فانهم حكموا فى النعامة ببدنة. وفى بقرة الوحش ببقرة. وفى الغزالى بعنز، وهكذا مما تقدم فى الزوائد * قوله ﷿ ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ يعنى أنه يحكم بالجزاء فى المثل أو بالقيمة فى غير المثل رجلان عدلان، وينبغى أن يكونا فقيهين ينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به، واختلف العلماء فى القاتل هل يجوز أن يكون أحد الحكمين؟ على قولين (أحدهما) لا .. لأنه قد يتهم فى حكمه على نفسه، وهذا مذهب مالك (والثاني) نعم لعموم الآية. وهو مذهب الشافعى وأحمد (واختلفوا) هل تستأنف الحكومة فى كل ما يصيبه المحرم، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل وإن كان قد حكم فى مثله الصحابة؟
[ ١١ / ٢٥٦ ]
-[تفسير الآية ومذاهب الأئمة فيما يستفاد منها]-
_________________
(١) أو يكتفى بأحكام الصحابة المتقدمة؟ على قولين، فقال الأمامان (الشافعى وأحمد) يتبع فى ذلك ما حكمت به الصحابة وجعلاه شرعا مقررًا لا يعدل عنه، وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى عدلين، وقال الأمامان (مالك وأبو حنيفة) يجب الحكم فى كل فرد فرد، سواء وجد للصحابة فى مثله حكم أم لا، لقوله تعالى ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ قوله ﷿ ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ أى واصلا إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك ويفرق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه فى هذه الصورة. قوله ﷿ ﴿أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما﴾ أى إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال. أو قلنا بالتخيير فى هذا المقام بين الجزاء والأطعمة والصيام كما هو قول الأئمة (مالك وأبى حنيفة) وأبى يوسف ومحمد بن الحسن وأحد قولى الشافعى والمشهور عن أحمد ﵏ لظاهر "أو" بأنها للتخيير؛ والقول الآخر أنها على الترتيب، فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة فيقوِّم الصيد المقتول عند مالك وأبى حنيفة وأصحابه وحماد وابراهيم (وقال الشافعي) يقوِّم مثله من النعم لو كان موجودًا ثم يشترى به طعام فيتصدق به فيصرف لكل مسكين مدمنه عند الأمامين (الشافعى ومالك) وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير (وقال الأمام أبو حنيفة) وأصحابه يطعم كل مسكين مدين وهو قول مجاهد (وقال الأمام أحمد) مدّ من حنطة أو مدان من غيره فان لم يجد أو قلنا بالتخيير صام عن إطعام كل مسكين يوما (وقال ابن جرير) وآخرون يصوم مكان كل صاع يوما كما فى جزاء المترفه بالحلق ونحوه، فان الشارع أمر كعب بن عجرة أن يقسم فرقا بين ستة أو يصوم ثلاثة أيام، والفرق ثلاثة آصع "واختلفوا فى مكان هذا الأطعام" فقال الشافعى مكانه الحرم. وهو قول عطاء، وقال مالك يطعم فى المكان الذى أصابه فيه الصيد أو أقرب الأماكن اليه (وقال أبو حنيفة) إن شاء أطعم فى الحرم وان شاء أطعم فى غيره قوله ﷿ ﴿ليذوق وبال أمره﴾ أى أوجبنا عليه الكفارة ليذوق عقوبة فعله الذى ارتكب فيه المخالفة ﴿عفا الله عما سلف﴾ أى فى زمان الجاهلية لمن أحسن فى الأسلام واتبع شرع الله ولم يرتكب المعصية. قوله ﷿ ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ أى ومن فعل ذلك بعد تحريمه فى الأسلام وبلوغ الحكم الشرعى اليه "فينتقم الله منه" قال ابن جريج قلت لعطاء ما "عفا الله عما سلف" قال عما كان فى الجاهلية، قال قلت وما "ومن عاد فينتقم الله منه" قال ومن عاد فى الأسلام فينتقم الله منه وعليه مع ذلك الكفارة، قال قلت فهل فى العود من حد تعلمه؟ قال لا، قال قلت فترى حقا على الأمام أن يعاقبه؟ قال لا، هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله ﷿ ولكن يفتدى، ورواه ابن جرير، وقيل
[ ١١ / ٢٥٧ ]
-[مذاهب العلماء في مسائل من جزاء الصيد ذكرها النوووى في شرح المهذب]-
_________________
(١) معناه فينتقم الله منه بالكفارة، قاله سعيد بن جبير وعطاء ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء، ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة وإن تكرر ما تكرر سواء الخطأ فى ذلك والعمد، وقال على بن أبى طلحة عن ابن عباس قال من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم يحكم عليه فيه كلما قتله، عمدا يحكم عليه فيه مرة واحدة، فان عاد يقال له ينتقم الله منك كما قال الله ﷿، وبه قال شريح ومجاهد وسعيد بن جبير. والحسن البصري. وابراهيم النخعي. ذكره ابن جرير، وقال فى قوله ﷿ ﴿والله عزيز ذو انتقام﴾ يقول عز ذكره والله منيع فى سلطانه لا يقهره قاهر ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع، لأن الخلق خلقه والأمر أمره له العزة والمنعة. وقوله ﴿ذو انتقام﴾ يعنى أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه، نسأل الله العصمة من الزيغ والزلل والتوفيق لصالح العمل آمين. هذا وقد جمع الأمام النووى ﵀ فى شرح المهذب أحكام الباب فى أربع عشرة مسألة وإن كان معظمها تقدم مثله فى تفسير الآية الكريمة. إلا أنه ﵀ بين فيها مذاهب السلف أحسن بيان لم يسبق الى مثله فيما أعلم، لهذا آثرت نقلها هنا لسهولة تناولها وكثرة فوائدها. قال ﵀ (فرع فى مذاهب العلماء فى مسائل من جزاء الصيد) (إحداهما) إذا قتل المحرم صيدا أو قتله الحلال فى الحرم، فان كان له مثل من النعم وجب فيه الجزاء بالأجماع، ومذهبنا أنه مخير بين ذبح المثل والأطعام بقيمته والصيام عن كل مد يوما (وبه قال مالك وأحمد) فى أصح الروايتين عنه وداود إلا أن مالكا قال يقوَّم الصيد ولا يقوَّم المثل (وقال أبو حنيفة) لا يلزمه المثل من النعم وإنما يلزمه قيمة الصيد وله صرف تلك القيمة فى المثل من النعم (وقال ابن المنذر) قال ابن عباس إن وجد المثل ذبحه وتصدق به، فان فقده قوَّمه دراهم والدراهم طعام وصام ولا يطعم، قال وإنما أريد بالطعام الصيام، ووافقه الحسن البصرى والنخعى وأبو عياض وزفر (وقال الثوري) يلزمه المثل. فان فقده فالأطعام. فان فقده صام، دليلنا قوله تعالى ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إلى آخر الآية (واحتج المخالفون) بأن المتلف يجب مثله من جنسه أو قيمته وليست النعم واحدا منهما، فلم يضمن به كالصيد الذى لا مثل له من النعم؛ وكما لو أتلف الحلال صيدا مملوكا، وكضمان المحرم للصيد المملوك لمالكه (قال أصحابنا) هذا قياس منابذ لنص القرآن فلا يلتفت اليه، ثم ما ذكروه منتقض بالآدمى الحر فانه يضمن بالأبل ويضمن فى حق الله تعالى بما لا يضمن به فى حق الآدمي، فانه يضمن للآدمى بقصاص أو ابل، ويضمن لله تعالى بالكفارة وهى عتق والا فصيام، وبهذا يحصل
[ ١١ / ٢٥٨ ]
-[مذاهب العلماء في مسائل من جزاء الصيد ذكرها النووى في شرح المهذب]-
_________________
(١) الجواب عن قياسهم (قال أصحابنا) والفرق بينه وبين صيد لا مثل له أنه لا يمكن فيه المثل فتعذر فوجب اعتبار القيمة بخلاف المثل (الثانية) إذا عدل عن مثل الصيد إلى الصيام فمذهبنا أنه يصوم عن كل مد يوما، وبه قال عطاء ومالك، وحكى ابن المنذر عن ابن عباس والحسن البصري. والثورى (وأبى حنيفة. وأحمد) واسحاق. وأبى ثور أنه يصوم عن كل مدين يوما، قال ابن المنذر وبه أقول، قال وقال سعيد بن جبير الصوم فى جزاء الصيد ثلاثة أيام إلى عشرة، وعن أبى عياض ان أكثر الصوم أحد وعشرون يوما، قال ومال أبو ثور إلى أن الجزاء فى هذا ككفارة الحلق، دليلنا أن الله تعالى قال ﴿أو عدل ذلك صياما﴾ وقد قابل ﷾ صيام كل يوم بأطعام مسكين فى كفارة الظهار، وقد ثبت بالأدلة المعروفة أن إطعام كل مسكين هناك مد، فكذا هنا يكون كل يوم مقابل مد، واحتجوا بحديث كعب بن عجرة، فان النبى ﷺ جعله مخيرا بين صوم ثلاثة أيام وإطعام ستة مساكين كل مسكين نصف صاع، فدل على أن اليوم مقابل بأكثر من مد (والجواب) أن حديث كعب إنما ورد فى فدية الحلق ولا يلزم طرده فى كل فدية ولو طرد لكان ينبغى أن يقابل كل صاع بصوم يوم، وهذا لا يقول به المخالفون ولا نحن ولا أحد والله أعلم (الثالثة) قال أصحابنا مذهبنا أن ما حكمت به الصحابة ﵃ فيه بمثل فهو مثله ولا يدخله بعدهم اجتهاد ولا حكم، وبه قال عطاء وأحمد واسحاق وداود (وأما أبو حنيفة) فجرى على أصله السابق أن الواجب القيمة (وقال مالك) يجب الحكم فى كل صيد وإن حكمت فيه الصحابة دليلنا أن الله تعالى قال ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ وقد حكما، فلا يجب تكرار الحكم (الرابعة) الواجب فى الصغير من الصيد المثلى صغير مثله من النعم، وبه قال ابن عمر وعطاء والثورى وأحمد وأبو ثور (وقال مالك) يجب فيه كبير لقوله تعالى ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ والصغير لا يكون هديا وإنما يجزئ من الهدى ما يجزئ فى الأضحية، وبالقياس على قتل الآدمى فانه يقتل الكبير بالصغير، دليلنا قوله تعالى ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ ومثل الصغير صغير؛ ودليل آخر وهو ما قدمناه عن الصحابة ﵃ أنهم حكموا فى الأرنب بعناق، وفى اليربوع بجفرة. وفى أم حبين بحلان، فدل على أن الصغير يجزئ وأن الواجب يختلف باختلاف الصغير والكبير وقياسًا على سائر المضمونات فانها تختلف مقادير الواجب فيها (والجواب عن الآية) التى احتج بها أنها مطلقة وهنا مقيدة بالمثل، وعن قياسهم على قتل الآدمى أن تلك الكفارة لا تختلف باختلاف أنواع الآدميين من حر وعبد ومسلم وذمى ولم تختلف فى قدرها بخلاف ما نحن فيه والله أعلم "وأما الصيد المعيب" فمذهبنا أنه يفديه بمعيب، وعن مالك يفديه بصحيح ودليلنا ما سبق فى الصغير (الخامسة) إذا اشترك
[ ١١ / ٢٥٩ ]
-[مذاهب العلماء في مسائل من جزاء الصيد ذكرها النووى في شرح المهذب]-
_________________
(١) جماعة فى قتل صيد وهم محرمون لزمهم جزاء واحد عندنا، وبه قال عمر وعبد الرحمن بن عوف. وابن عمر. وعطاء. والزهري. وحماد (وأحمد. واسحاق) وأبو ثور وداود وقال الحسن. والشعبي. والنخعي. والثورى (ومالك وأبو حنيفة) يجب على كل واحد جزاء كامل ككفارة قتل الآدمي. دليلنا أن المقتول واحد فوجب ضمانه موزعًا كقتل الصيد واتلاف سائر الأموال (السادسة) إذا قتل القارن صيدا لزمه جزاء واحد وإذا تطيب أو لبس لزمه فدية واحدة. هذا مذهبنا (وبه قال مالك وأحمد) فى أظهر الروايتين عنه وابن المنذر وداود (وقال أبو حنيفة) يلزمه جزاءان وكفارتان، وسبقت المسألة مع دليلنا عليهم (السابعة) فى النعامة بدنة عندنا وعند العلماء كافة. منهم عمر. وعثمان وعلي. وزيد بن ثابت. وابن عباس. ومعاوية. وعطاء. ومجاهد. ومالك وآخرون. إلا النخعي، فحكى ابن المنذر عنه أن فى النعامة وشبهها ثمنها. دليلنا الآية (الثامنة) مذهبنا أن الثعلب صيد يؤكل ويحرم على المحرم قتله، فان قتله لزمه الجزاء وبه قال طاوس والحسن وقتادة ومالك وهو أحدى الروايتين عن عطاء (وقال عمرو بن دينار) والزهرى وابن المنذر لا يحل أكله ولا يحرم على المحرم ولا فدية فيه وهو عندهم من السباع (وقال أحمد) أمره مشتبه (التاسعة) مذهبنا أن فى الضب جديا نص عليه الشافعى والأصحاب، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب ﵁. وعن جابر وعطاء أن فيه شاة، وعن مجاهد حفنة من طعام (وعن مالك) قبضة من طعام فان شاء أطعم وإن شاء صام، وعن قتادة صاع من طعام (وعن أبى حنيفة) قيمته (العاشرة) مذهبنا أن فى الحمامة شاة سواء قتلها محرم أو قتلها حلال فى الحرم، وبه قال عثمان بن عفان. وابن عباس. وابن عمر. ونافع بن عبد الحارث وعطاء بن أبى رباح. وعروة بن الزبير. وقتادة. وأحمد. واسحاق. وأبو ثور (وقال مالك) فى حمامة الحرم شاة وحمامة الحل القيمة، وعن ابن عباس فى حمامة الحل ثمنها، وعن النخعى والزهرى وأبى حنيفة ثمنها، وعن قتادة درهم، دليلنا ما روى الشافعى والبيهقى بالأسناد الصحيح عن عثمان ونافع بن الحارث وابن عباس أنهم أوجبوا فى الحمامة شاة (الحادية عشرة) العصفور فيه قيمته عندنا، وبه قال أبو ثور وقال الأوزاعى مد طعام، وعن عطاء نصف درهم، وفى رواية عنه ثمنها عدلان (الثانية عشرة) ما دون الحمام من العصافير ونحوها من الطيور تجب فيه قيمته عندنا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والجمهور وهو الصحيح فى مذهب داود. وقال بعض أصحاب داود لا شيء فيه لقوله تعالى ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ فدل على أنه لا شيء فيما لا مثل له. واحتج أصحابنا بأن عمرو ابن عباس وغيرهما أوجبوا الجزاء فى الجرادة فالعصفور أولى. وروى البيهقي بإسناده
[ ١١ / ٢٦٠ ]
-[مذاهب العلماء في حكم بيض الصيد وجزاؤه - وما جاء في حكم صيد الحرم وجراؤه]-
(٨) باب جواز أكل صيد البحر مطلقا للمحرم وغيره
وما جاء فى الجراد - وقول الله ﷿ ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة﴾
(٢٠١) عن أبى هريرة ﵁ قال كنَّا مع النَّبىَّ ﷺ في حجِّ
_________________
(١) عن ابن عباس قال فى كل طير دون الحمام قيمته (الثالثة عشرة) كل صيد يحرم قتله تجب القيمة فى اتلاف بيضه سواء بيض الدواب والطيوب (وقال فى موضع) آخر وبه قال أحمد وآخرون، قال ثم هو مخير بين الطعام والصيام. وبه قال جماعة، وقال مالك يضمنه بعشر ثمن أصله. وقال المزنى وبعض أصحاب داود لا جزاء فى البيض (قال ابن المنذر) اختلفوا فى بيض الحمام فقال على وعطاء فى كل بيضتين درهم. وقال الزهرى والشافعى وأصحاب الرأى وأبو ثور فيه قيمته. وقال مالك يجب فيه عشر ما يجب فى أمه. قال واختلفوا فى بعض النعام فقال عمر بن الخطاب. وابن مسعود. وابن عباس. والشعبي. والنخعي. والزهرى والشافعي. وأبو ثور. وأصحاب الرأى يجب فيه القيمة. وقال أبو عبيدة وأبو موسى الأشعرى يجب فيه صيام يوم أو إطعام مسكين (قلت وهذا هو الذى حكم به النبى ﷺ كما فى حديث الباب) قال وقال الحسن فيه جنين من الأبل (وقال مالك) فيه عشر ثمن البدنة كما فى جنين الحرة غرة عبد أو أمة قيمته عشر دية الأم (الرابعة عشرة) إذا قتل الصيد على وجه لا يفسق به فالأصح عندنا أنه يجوز أن يكون القاتل أحد الحكمين كما سبق وبه قال عمر بن الخطاب ﵁ كما سبق عنه فى قصة أربد (قلت ذكر حديثه فى الزوائد) وبه قال اسحاق بن راهويه وابن المنذر، وقال النخعى ومالك لا يجوز. دليلنا فعل عمر مع عموم قول الله تعالى ﴿يحكم به ذوا عدل﴾ ولم يفرق بين القاتل وغيره اه ما ذكره النووى ﵀ (تنبيه) يحرم صيد الحرم على الحلال والمحرم لما روى ابن عباس أن النبى ﷺ قال "إن الله تعالى حرم مكة لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها. فقال ابن عباس إلا الأذخر لصاغتنا. فقال إلا الأذخر" رواه الشيخان والأمام أحمد وغيرهم وسيأتى الكلام عليه فى فضائل مكة ان شاء الله تعالى، هذا وحكم صيد الحرم فى الجزاء حكم صيد الأحرام لأنه مثله فى التحريم فكان مثله فى الجزاء. فان قتل محرم صيدا فى الحرم لزمه جزاء واحد. لأن المقتول واحد فكان الجزاء واحدًا كما لو قتله فى الحل. قاله صاحب المهذب والله أعلم
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو كامل
[ ١١ / ٢٦١ ]
-[حجة القائلين بأن الجراد من صيد البحر]-
أو عمرة فاستقبلنا رجل من جراد فجعلنا نضربهنَّ بعصيِّنا وبسياطنا ونقتلهنَّ وأسقط فى أيدينا فقلنا ما نصنع ونحن محرمون، فسألنا رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فقال لا بأس بصيد البحر
_________________
(١) وعفان قالا ثنا حماد عن أبى المهزم وقال عفان أخبرنا أبو المهزم عن أبى هريرة - الحديث" (غريبه) (١) هو بكسر الراء وسكون الجيم الجراد الكثير (٢) أى ندمنا على ضربه وقتله ونحن محرمون، تقول العرب فى كل نادم على أمر "قد سقط فى يده" (٣) لفظ الترمذى "فقال ﷺ كلوه فانه من صيد البحر" ولفظ أبى داود "فذكر ذلك النبى ﷺ فقال إنما هو من صيد البحر" قال على القارى قال العلماء إنما عده من صيد البحر لأنه يشبه صيد البحر من حيث أنه يحل ميتته، ولا يجوز للمحرم قتل الجراد ولزمه بقتله قيمته وفى الهداية أن الجراد من صيد البر، قال ابن همام عليه كثير من العلماء ويشكل عليه ما فى أبى داود والترمذى عن أبى هريرة قال (خرجنا مع رسول الله ﷺ فى حجة أو غزوة فاستقبلنا رجل من جراد فجعلنا نضربه بسياطنا وقسينا فقال ﷺ كلوه فانه من صيد البحر) وعلى هذا لا يكون فيه شيء أصلا، لكن تظاهر عن عمر الزام الجزاء فيه، وفى الموطأ أنبأنا يحيى بن سعيد أن رجلا سأل عمر عن جرادة قتلها وهو محرم، فقال عمر لكعب تعال حتى تحكم، فقال كعب درهم، فقال عمر إنك لتجد الدراهم، لتمرة خير من جرادة. ورواه ابن أبى شيبة عنه بقصته وتبع عمر أصحاب المذاهب اه كلام ابن الهمام، قال ملا على القارى لو صح حديث أبى داود كان ينبغى أن يجمع بين الأحاديث بأن الجراد على نوعين بحرى وبرى فيعمل فى كل منهما بحكمه اه (قلت) حديث أبى داود المشار إليه سيأتى فى التخريج (تخريجه) (د. مذ. هق) لفظ الترمذى كلفظ حديث الباب. وقال الترمذى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبى المهزم عن أبى هريرة وأبو المهزم اسمه يزيد ابن سفيان وقد تكلم فيه شعبة اه (قلت أبو المهزم بضم الميم وفتح الهاء وكسر الزاى مشددة) ورواية البيهقى كرواية أبى داود ولفظها عن أبى المهزم عن أبى هريرة قال أصبنا صرما "بكسر الصاد وسكون الراء قطعة من الجماعة الكبيرة" من جراد فكان رجل يضرب بسوطه وهو محرم، فقيل له إن هذا لا يصلح، فذكر ذلك للنبى ﷺ فقال إنما هو من صيد البحر (قال البيهقي) رواه أبو داود عن مسدد، وبمعناه، رواه حماد بن سلمة عن أبى المهزم يزيد بن سفيان ضعيف (زوائد الباب) (عن أبى رافع) عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ قال الجراد من صيد البحر (د) وفى اسناده ميمون بن جابان
[ ١١ / ٢٦٢ ]
-[زوائد الباب فيما ورد في الجزاء وهل هو من صيد البر أو البحر؟]-
_________________
(١) قال البيهقي غير معروف (قلت) بل هو معروف (قال الحافظ) فى التقريب ميمون بن جابان بجيم وموحدة البصرى أبو الحكم مقبول من السادسة (وقال صاحب الجوهر النقي) ميمون ابن جابان معروف روى عنه الحمادان والمبارك بن فضالة ووثقه العجلى، وقال المزى فى كتابه ثقة، وقال صاحب الميزان ذكره ابن حبان فى ثقاته اه ولأبى داود رواية أخرى عن ميمون بن جابان عن أبى رافع عن كعب قال الجراد من صيد البحر (وعن يوسف بن ماهك) أن عبد الله بن أبى عمار أخبره أنه أقبل مع معاذ بن جبل وكعب الأحبار فى أناس محرمين ببيت المقدس بعمرة حتى إذا كنا ببعض الطريق وكعب على نار يصطلى مرت به رجل من جراد فأخذ جرادتين فقتلهما ونسى إحرامه، ثم ذكر إحرامه فألقاهما، فلما قدمنا المدينة دخل القوم على عمر ﵁ ودخلت معهم فقص كعب قصة الجرادتين على عمر فقال عمر ﵁ من بذلك لعلك يا كعب؟ قال نعم، قال إن حمير تحب الجراد، ما جعلت فى نفسك؟ قال درهمين. قال بخ درهمان خير من مائة جرادة. اجعل ما جعلت فى نفسك (هق) وقال النووى اسناده صحيح أو حسن (وعن القاسم بن محمد) قال كنت جالسا عند ابن عباس ﵁ فسأله رجل عن جرادة قتلها؛ فقال ابن عباس فيها قبضة من طعام ولتأخذن بقبضة جرادات، ولكن ولو، قال الشافعى قوله ولنأخذن بقبضة جرادات، أى إنما فيها القيمة وقوله ولو - يقول تحتاط فتخرج أكثر مما عليك بعد أن أعلمتك أنه أكثر مما عليك (وعن ابن جريج) قال سمعت عطاء يقول سئل ابن عباس عن صيد الجراد فى الحرم فقال لا ونهى عنه، قال إمَّا قلت له أو رجل من القوم. فان قومك يأخذونه وهم محتبون فى المسجد. فقال لا يعلمون، قال وأنبأ الشافعى أنبأ مسلم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مثله إلا أنه قال منحنون (قال الشافعي) ومسلم أصوبهما. وروى الحفاظ عن ابن جريج منحنون، رواهما البيهقى وصحح النووى إسنادهما (وروى ابن ماجه) من طريق هاشم بن القاسم حدثنا زياد بن عبد الله عن علام عن موسى بن محمد بن ابراهيم عن أبيه عن جابر وأنس بن مالك أن النبى ﷺ كان إذا دعا على الجراد قال اللهم أهلك كباره واقتل صغاره وأفسد بيضه واقطع دابره وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء. فقال خالد يا رسول الله كيف تدعوا على جند من أجناد الله يقطع دابره؟ فقال ان الجراد نثرة الحوت فى البحر قال هاشم قال زياد فحدثنى من رأى الحوت ينثره، قال الحافظ ابن كثير تفرد به ابن ماجه (الأحكام) حديث الباب مع الزوائد تدل على جواز أكل صيد البحر للحلال والمحرم (قال ابن حزم فى المحلى) وصيد كل ما سكن الماء من البرك أو الأنهار أو البحر أو العيون والآبار حلال للمحرم صيده وأكله لقول الله تعالى ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر
[ ١١ / ٢٦٣ ]
-[إجماع العلماء على جواز صيد البحر للمحرم وغيره وبيان ما هو صيد البحر واختلافهم في الجراد]-
_________________
(١) ما دمتم حرما﴾ وقال تعالى ﴿وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا﴾ فسمى تعالى كل ماء عذب أو ملح بحرا وحتى لو لم تأت هذه الآية لكان صيد البر والبحر والنهر وكل ما ذكرنا حلالا بلا خلاف بنص القرآن، ثم حرم بالأحرام وفى الحرم صيد البر ولم يحرم صيد البحر، فكأن ما عدا صيد البر حلالا كما كان اذ لم يأت ما يحرمه والله التوفيق اه (وقال ابن قدامة فى المغني) ويحل للمحرم صيد البحر لقوله تعالى ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة﴾ قال ابن عباس وابن عمر طعامه ما ألقاه، وعن ابن عباس طعامه ملحه. وعن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير طعامه الملح وصيده ما اصطدنا، وأجمع أهل العلم على أن صيد البحر مباح للمحرم اصطياده وأكله وبيعه وشراؤه. وصيد البحر الحيوان الذى يعيش فى الماء ويبيض فيه ويفرخ فيه كالسمك والسلحفاة ونحو ذلك. وحكى عن عطاء فيما يعيش فى البر مثل السلحفاة والسرطان فأشبه طير الماء. قال ولنا أنه يبيض فى الماء ويفرخ فيه فأشبه السمك. فأما طير الماء كالبط ونحوه فهو من صيد البر فى قول عامة أهل العلم وفيه الجزاء وحكى عن عطاء أنه قال حيث يكون أكثر فهو صيده. وقول عامة أهل العلم أولى لأنه يبيض فى البر ويفرخ فيه فكان من صيد البر كسائر طيره. وانما اقامته فى البحر لطلب الرزق والمعيشة منه كالصياد فان كان جنس من الحيوان نوع منه فى البحر ونوع فى البر كالسلحفاة فلكل نوع حكم نفسه كالبقر منها الوحشى محرم والأهلى مباح اه (واختلف أهل العلم) فى الجراد هل هو من صيد البر أو من صيد البحر (فذهب قوم الى أنه من صيد) البحر عملا بحديث الباب وبحديثى أبى داود المذكورين فى الزوائد عن أبى هريرة وأبى رافع (وذهب آخرون) إلى أنه من صيد البر وفيه الجزاء مستدلين بما ذكرنا فى الزوائد من رواية البيهقى عن عمر وابن عباس أنهما حكما فيه بالجزاء ولم تصح عندهم أدلة المخالفين (قال النووي) ﵀ فى شرح المهذب يجب الجزاء على المحرم بائتلاف الجراد عندنا. وبه قال عمر وعثمان وابن عباس وعطاء (وقال العبدري) وهو قول أهل العلم كافة الا أباس عيد الاصطخرى فقال لا جزاء فيه. وحكاه ابن المنذر عن كعب الأحبار وعروة بن الزبير قالوا هو من صيد البحر فلا جزاء فيه واحتج لهم بحديث أبى المهزم عن أبى هريرة. فذكر حديث أبى هريرة المذكور فى الزوائد، ثم قال رواه أبو داود والترمذى وغيرهما واتفقوا على تضعيفه لضعف أبى المهزم. قال وفى رواية لأبى داود عن ميمون بن جابان عن أبى رافع عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال الجراد من صيد البحر. قال أبو داود وأبو المهزم ضعيف والروايتان جميعًا وهم (قال البيهقي) وغيره ميمون بن جابان غير معروف (قلت بل هو معروف
[ ١١ / ٢٦٤ ]
-[إقامة الدليل على أن الجراد من صيد البر وفيه الجزاء]-
(٩) باب ما يجوز للمحرم قتل من الدواب فى الحرم وغيره
(٢٠٢) عن عروة بن الزُّبير أنَّ عائشة زوج النَّبيَّ ﷺ ورضى عنها قالت قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم خمس من
_________________
(١) وتقدم الكلام عليه) قال واحتج الشافعى والأصحاب والبيهقى بما رواه الشافعى بأسناده الصحيح أو الحسن والبيهقى عن عبد الله بن أبى عمار أنه قال أقبلت مع معاذ بن جبل الحديث. ذكره النووى بطوله وتقدم فى الزوائد، وذكر أيضا حديث القاسم بن محمد وعطاء المذكورين فى الزوائد أيضا وصحيح اسنادهما، ثم قال والجواب عن حديث أبى هريرة فى الجراد أنه من صيد البحر انه حديث ضعيف كما سبق. ودعوى أنه بجرى لا تقبل بغير دليل، وقد دلت الأحاديث الصحيحة والأجماع أنه مأكول فوجب جزاؤه كغيره والله أعلم
(٢) عن عروة بن الزبير (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا بشر ابن شعيب قال أخبرنى أبى عن الزهرى عما يقتل المحرم من الدواب قال الزهرى أخبرنى عروة بن الزبير أن عائشة - الحديث" (غريبه) (١) قال الحافظ التقييد بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره، فيحتمل أن يكون قاله ﷺ أولا ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها فى الحكم، فقد ورد فى بعض طرق عائشة بلفظ أربع، وفى بعض طرقها بلفظ ست، فأما طريق أربع فأخرجها مسلم من طريق القاسم عنها فأسقط العقرب، وأما طريق ست فأخرجها أبو عوانة فى المستخرج من طريق المحاربى عن هشام عن أبيه عنها فأثبتها وزاد الحية، ويشهد لها طريق شيبان التى تقدمت عند مسلم وإن كانت خالية عن العدد، وأغرب عياض فقال وفى غير كتاب مسلم ذكر الأفعى فصارت سبعا، وتعقب بأن الأفعى داخلة فى مسمى الحية، والحديث الذى ذكرت فيه أخرجه أبو عوانة فى المستخرج من طريق ابن عون عن نافع فى آخر حديث الباب، قال قلت لنافع فالأفعى، قال ومن يشك فى الأفعى اه. وقد وقع فى حديث أبى سعيد عند أبى داود نحو رواية شيبان، وزاد السبع العادى فصارت سبعًا، وفى حديث أبى هريرة عند ابن خزيمة وابن المنذر زيادة ذكر الذئب والنمر على الخمس المشهورة فتصير بهذا الاعتبار تسعًا، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلى أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوى للكلب العقور، ووقع ذكر الذئب فى حديث مرسل أخرجه ابن أبى شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود من طريق سعيد بن المسيب
[ ١١ / ٢٦٥ ]
-[ما يجوز للمحرم قتله من الدواب في الحل والحرم]-
الدَّواب كلُّهنَّ فاسقٌ يقتلن فى الحرم الكلب العقور
_________________
(١) عن النبي ﷺ قال يقتل المحرم الحية والذئب ورجاله ثقات، وأخرج أحمد من طريق حجاج ابن رطأة عن وبرة عن ابن عمر قال أمر رسول الله ﷺ بقتل الذئب للمحرم وحجاج ضعيف، وخالفه مسعر عن وبرة فرواه موقوفا أخرجه ابن أبى شيبة، فهذا جميع ما وقفت عليه فى الأحاديث المرفوعة زيادة على الخمس المشهورة ولا يخلو شئ من ذلك عن مقال والله أعلم اه (قلت) جميع الطرق التى جمعها الحافظ من مختلف كتب السنة جاءت عند الأمام أحمد فى هذا الباب إلا النمر، وهذا مما يدل على أن الأمام أحمد جمع فى مسنده ما لم يجمع غيره من المحدثين ﵀ وأجزل له المثوبة وحضرنا فى زمرة العاملين المخلصين آمين (١) بتشديد الباء الموحدة جمع دابة، وهى ما دب من الحيوان من غير فرق بين الطير وغيره، ومن أخرج الطير من الدواب فهذا الحديث من جملة ما يرد به عليه (وقوله كلهن فاسق يقتلن) قيل فاسق صفة لكل. وفى يقتلن ضمير راجع إلى معنى كل، ووقع فى رواية أخرى عند الأمام أحمد من طريق سعيد بن المسيب بلفظ "خمس فواسق" وفى رواية لمسلم من هذا الوجه كلها فواسق (قال النووي) تسمية هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية على وفق اللغة، فان أصل الفسق لغة - الخروج - ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، فوصفت بذلك لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان فى تحريم قتله أو حل أكله أو خروجها بالأيذاء والأفساد (٢) جاءت هذه الرواية هكذا "يقتلن فى الحرم" ولم يذكر الحل، ومثلها عند الشيخين فى رواية الاقتصار على الحرم أيضا (قال النووى ﵀) اختلفوا فى ضبط الحرم هنا؛ فضبطه جماعة من المحققين بفتح الحاء والراء أى الحرم المشهور وهو حرمة مكة، والثانى بضم الحاء والراء، ولم يذكر القاضى عياض فى المشارق غيره، قال وهو جمع حرام كما قال الله تعالى ﴿وأنتم حرم﴾ قال والمراد به المواضع المحرمة. والفتح أظهر والله أعلم اه (قلت) أما الحل فهو ما كان خارجا عن الحرم والمواضع المحرمة، فاذا جاز قتلها فى الحرم فجوازه فى الحل من باب أولى، على أنه قد صرح بلفظ الحل والحرم فى بعض طرق حديث عائشة عند الشيخين والأمام أحمد وستأتى، والمعنى أن هذه الخمس يقتلن المحرم فى الحل والحرم بدون جزاء عليه، وقد صرح بلفظ المحرم فى الطرق الآتية أيضا (٣) اختلف فى المراد بالكلب العقور فروى سعيد بن منصور عن أبى هريرة بأسناد حسن كما قال الحافظ إنه الأسد، وعن زيد بن أسلم أنه قال وأى كلب أعقر من الحية، وقال زفر المراد به هنا الذئب خاصة، وقال فى الموطأ كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم
[ ١١ / ٢٦٦ ]
-[ما يجوز للمحرم قتله من الدواب في الجل والحرم]-
والعقرب - والغراب - والحديَّا - والفأرة - ومن
_________________
(١) مثل الأسد والنمر والفهد والذئب فهو عقور، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان وهو قول الجمهور، وقال أبو حنيفة المراد به هنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به فى هذا الحكم سوى الذئب، احتج الجمهور بقوله تعالى "وما علمتهم من الجوارح مكلبين" فاشنقها من اسم الكلب، وبقوله ﷺ "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فقتله الأسد" أخرجه الحاكم بأسناد حسن (قال الشوكاني) وغاية ما فى ذلك جواز الأطلاق، لأن اسم الكلب هنا متناول لكل ما يجوز اطلاقه عليه وهو محل النزاع (فان قيل) اللام فى الكلب تفيد العموم (قلنا) بعد تسليم ذلك لا يتم إلا إذا كان إطلاق الكلب على كل واحد منها حقيقة، وهو ممنوع وأنه لا يتبادر عند الأطلاق فى لفظ الكلب إلا الحيوان المعروف، والتبادر علامة الحقيقة، وعدمه علامة المجاز، والجمع بين الحقيقة والمجاز لا يجوز، نعم الحاق ما عفر من السباع بالكلب العقور بجامع العقر صحيح، وأما انه داخل تحت لفظ الكلب فلا اه (واختلف العلماء) فى غير العقور مما لم يؤمر باقتنائه، فصرح بتحريم قتله القاضيان حسين والماوردى وغيرهما، ووقع فى الأم للشافعى الجواز، وعلى كراهة قتله اقتصر الرافعى وتبعه فى الروضة وزاد أنها كراهة تيزيه (وذهب الجمهور) الى الحاق غير الخمس بها فى هذا الحكم إلا أنهم اختلفوا فى المعنى، فقيل لكونها مؤذية فيجوز قتل كل مؤذ. هذا قضية مذهب مالك، وقيل لكونها مما لا يؤكل، فعلى هذا كل ما يجوز قتله لا فدية على المحرم فيه، وهذا قضية مذهب الشافعى (وخالف الحنفية) فاقتصروا على الخمس إلا أنهم الحقوا بها الحية لثبوت الخبر، والذئب لمشاركته للكلب فى الكلبية، وألحقوا بذلك من ابتدأ بالعدوان والأذى من من غيرها (١) هذا اللفظ للذكر والأنثى، وقد يقال عقربة وعقرباء، وليس منها العقربان. بل هى دويبة طويلة كثيرة القوائم (قال صاحب المحكم) ويقال إن عينها فى ظهرها وأنها لا تضر ميتًا ولا نائمًا حتى يتحرك، ويقال لدغته العقرب بالغين المعجمة ولسعته بالمهملتين، (قال ابن المنذر) لا نعلمهم اختلفوا فى جواز قتل العقرب (وقال نافع) لمَّا قيل له فالحية قال لا يختلف فيها، وفى رواية ومن يشك فيها (٢) هذا الأطلاق مقيد بما فى الطريق الثانية بلفظ "الأبقع" وهو الذى فى ظهره أو بطنه بياض (قال الشوكاني) ولا عذر لمن قال يحمل المطلق على المقيد من هذا، وقد اعتذر ابن بطال وابن عبد البر عن قبول هذه الزيادة (أى زيادة الأبقع) بأنها لم تصح لأنها من رواية قتادة وهو مدلس، وتعقب ذلك الحافظ بأن شعبة لا يروى عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم، وهذه الزيادة من رواية شعبة بل صرح النسائى بسماع قتادة، واعتذر ابن قدامة عن هذه الزيادة بأن الروايات المطلقة
[ ١١ / ٢٦٧ ]
-[كلام العلماء فى الغراب والحديا والفأرة وأنواعها]-
طريق ثان) عن سعيد بن المسيِّب عن عائشة ﵂ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أنَّه قال خمس فواسق يقتلن في
_________________
(١) أصح وهو اعتذار فاسد، لأن الترجيح فرع التعارض ولا تعارض بين مطلق ومقيد ولا بين مزيد وزيادة غير منافية اهـ (قال الحافظ) وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك، ويقال له غراب الزرع، وأفتوا بجواز أكله فبقى اعداه من الغربان ملحقا بالأبقع والله أعلم اهـ (قال ابن المنذر) أباح كل من يحفظ عنه العلم قتل الغراب في الأحرام إلا عطاء (قال الخطابي) لم يتابع أحد عطاء على هذا (وقوله والحديا) بضم الحاء المهملة وتشديد الياء التحتية مقصور، ومثله لمسلم في رواية هشام بن عروة عن ابيه أيضا، ووقع في الطريق الثانية بلفظ "الحدأ" بكسر أوله وفتح ثانيه بعدها همزة بغير مد، ووقع مثل ذلك في رواية للبخاري، وجاء في الطريق الثالثة بلفظ "الحدأة" بزيادة هاء بلفظ الواحدة وليست للتأنيث بل هى كالهاء في التمرة، وجاء مثل ذلك للبخاري أيضًا، وحكى الأزهري فيها حدوة بواو بدل الهمزة، ومن خواص الحدأة أنها تقف في الطيران، ويقال إنها لا تختطف إلا من جهة اليمين (وقوله والفأرة) بهمزة ساكنة ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حكى عن إبراهيم النخعى فأنه قال فيها جزاء إذا قتلها المحرم، أخرجه ابن المنذر، وقال هذه خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل العلم، ونقل ابن شاس عن المالكية خلافا في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى، والفأر أنواع، منها الجزر بالجيم بوزن عمر، والخلد بضم المعجمة وسكون اللام، وفأره الأبل. وفأرة المسك. وفأرة الغيط. وحكمها في تحريم الأكل وجواز القتل سواء، أفاده الحافظ (قلت) وسيأتي اطلاق الفويسقة عليها من حديث أبي سعيد في هذا الباب وسبب تسميتها بذلك (١) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبه قال سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب عن عائشة - الحديث" (٢) بتنوين خمس جزم بذلك النووى، وقال غيره روى بالأضافة والتنوين، وقوله فواسق جمع فاسق (قال ابن العربي) أمر بالقتل وعلل بالفسق فيتعدى الحكم إلى كل ما وجدت فيه العلة، ونبه بالخمسة على خمسة أنواع من الفسق، فنبه بالغراب على ما يجانسه من سباع الطير وكذا بالحدأة. ويزيد الغراب بحل سفرة المسافر ونقب جرابه، وبالحية على كل ما يلسع والعق ب كذلك؛ والحية تلسع وتفترس، والعقرب تلدغ ولا تفترس، وبالفأرة على ما يجانسها من هوام المنزل المؤذية، وبالكلب العقور على كل مفترس؛ قال ومعنى فسقهن
[ ١١ / ٢٦٨ ]
كلام العلماء في الكلب الكِلب ومعنى ذلك
_________________
(١) الحلِّ والحرم، الحيَّة والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحدأ وعنه من طريق ثالث) عن عائشة عن النَّبيِّ ﷺ قال خمس يقتلهنَّ المحرم الحيَّة والفأرة والغراب الأبقع والحدأة والكلب الكلب قال ابن جعفر يقتلن في الحلِّ والحرم (ومن طريق رابع) عن الحسن عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ أحلَّ من قتل الدَّوابِّ والرَّجل محرم أن يقتل الحيَّة والعقرب والكلب العقور والغراب الأبقع والحديَّا والفأرة، ولدغ خروجهن عن حد الكف إلى الأذية اهـ (١) زاد في هذه الطريق لفظ الحل، والمراد بالحل والحرم أرضهما، وجاء في هذه الطريق الحية بدل العقرب في الطريق الأولى، ووصف الغراب بالأبقع، وتقدم معناه في شر الطريق الأولى (٢) لفظ مسلم "والحديا" وقد جاءت هذه الرواية عند مسلم بسندها ولفظها كما هنا ولم يخالف إلا في هذا اللفظ، وهذا اللفظ تقدم عند الأمام أحمد في الطريق الأولى (٣) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيي وابن جعفر قالا ثنا شعبة ثنا قتادة قال ابن جعفر سمعت قتادة عن سعيد ابن المسيب عن عائشة - الحديث" (٤) صرح في هذه الطريق بقتل المحرم إياهن (٥) وصف الكلب في هذه الطريق بالكلب بكسر اللام يقال كلب الكلب فهو كلب من بابا تعب، وهو داء يشبه الجنون يأخذه فيعقر الناس، ويقال لمن يعقره كلب أيضا، والجمع كلبي قال ابن فارس، والمراد به العقور كما في الروايات الأخرى، وإن لم يكن به هذا الداء والله أعلم (وقوله قال ابن جعفر) هو أحد الراويين اللذين روى عنهما الأمام أحمد هذا الحديث، يعنى أنه زاد في روايته جملة "يقتلن في الحل والحرم" (٦) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الصمد ثنا زيد يعنى ابن مرة أبو المعلى عن الحسن عن عائشة - الحديث (٧) صرح في هذه الطريق بذكر الحية والعقرب فصار العدد ستة، وتقدم في الطريق الأولى عن عروة عن عائشة ذكر العقرب بدل الحية، وفي الطريق الثانية عن سعيد ابن المسيب عن عائشة ذكر الحية بدل العقرب، وجاء في هذه الطريق عن الحسن عن عائشة الجمع بين الاثنين (قال الحافظ) والذي يظهر لي أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم نبه بأحداهما على الأخرى عند الاقتصار وبين حكمها مما حيث جمع
[ ١١ / ٢٦٩ ]
-[ما جاء في لعن العقرب وسبب تسمية الفأرة بالقويسقة]-
رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم عقرب فأمر بقتلها وهو محرم.
(٢٠٣) عن ابن عبَّاس ﵄ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال خمس كلهُّن فاسقة يقتلهنَّ المحرم ويقتلن في الحرم الفأرة. والعقرب. والحيَّة. والكلب العقور. والغراب.
(٢٠٤) عن عبد الرحمن بن أبى نعم عن أبى سعيد الخدرىِّ ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يقتل المحرم الأفعي والعقرب والحداء والكلب العقور والفويسقة، قلت ما الفويسقة؟ قال الفأرة، قلت وما شأن الفأرة؟ قال إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم استيقظ
_________________
(١) في هذه الرواية التصريح بأنها الدغته ﷺ وهو محرم. وقد جاء عند ابن ماجه عن عائشة ﵂ "لدغت النبى ﷺ عقرب وهو في الصلاة، فلما فرغ منها قال: لعن الله العقرب ما تدع مصليا ولا غيره، اقتلوها في الحل والحرم" وروى البيهقي في شعب الأيمان عن علي ﵁ مرفوعا "لعن الله العقرب ما تدع نبيا ولا غير إلا لدغتهم (تخريجه) أخرج الطريق الأولى منه الشيخان والنسائي والترمذي والبيهقي وغيرهم. وأخرج الطريق الثانية والثالثة منه (م. نس. جه. هق) ولم أقف على من أخرج الطريق الرابعة بلفظ رواية الأمام أحمد
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا عثمان بن محمد ثنا جرير عن ليث عن طاوس عن ابن عباس - الحديث" (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد وأبو يعلي وجعل بدل الحية الحدأة، والبراز والطبراني في الكبير والأوسط ببعضه. وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس
(٣) عن عبد الرحمن بن أبي نعم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي قال ثنا عثمان بن محمد وسمعته أنا من عثمان ثنا جرير عن يزيد بن أبى زياد عن عبد الرخحن ابن أبى نعم عن أبي سعيد الخدري - الحديث" (غريبة) (٢) الأفعى ضرب من الحيات، والفويسقة تصغير فاسقة وهي الفأرة (قال الفراء) سميت بذلك لخروجها عن حجرها واغتيالها أموال الناس بالفساد (قلت) ذكر في الحديث سبب تسميتها بذلك
[ ١١ / ٢٧٠ ]
-[سبب تسمية الفأرة بالفويسقة - والغراب الذي يجوز قتله]-
وقد أخذت الفتيلة فصعدت بها إلى السَّقف لتحرق عليه.
(٢٠٥) وعنه أيضًا عن أبى سعيد الخدرىَّ ﵁ أنَّ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم سئل ما يقتل المحرم؟ قال الحيَّة والعقرب والفويسقة، ويرمى الغراب ولا يقتله والكلب العقور
_________________
(١) زاد الطحاوي "لتحرق عليه البيت، فقام اليها وقتلها وأحل قتلها للحلال والمحرم" وروى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي النبي ﷺ على الخمرة التي كان قاعدا عليها فاحترق منها موضع درهم، زاد الحاكم فقال ﷺ فأطفئوا سرجكم فان الشيطان يدل مثل هذه على هذه فتحرقكم قال الحاكم صحيح الأسناد، وليس في الحيوان أفسد من الفأر لأنه لا يبقى على حقير ولا جليل إلا أهلكه وأتلفه (تخريجه) (د. جه. طح. ك) وفي إسناده يزيد بن أبى زياد مختلف فيه، وروى له مسلم مقرونا بغيره والله أعلم
(٢) وعنه أيضا عن أبي سعيد (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا هشيم أنا يزيد بن أبي زياد حدثنا عبد الرحمن من أبى نعم البحلى عن أبى سعيد الخدري - الحديث" (غريبة) (٢) الحية بالضم مبتدأ والغراب والفويسقة معطوفان عليه، والخبر محذوف تقديره يقتلها المحرم، ويقال مثل ذلك في قوله "والكلب العقور الخ" ويجوز أن يكون الحية بالقمح مفعولا لفعل محذوف تقديره يقتل المحرم الحية، والعقرب والفويسقة معطوفان عليه، ويقال مثل ذلك في قوله والكلب العقور الخ والله أعلم (٣) ثبت من روايات عائشة المتقدمة جواز قتل الغراب ولكنه مقيد بالأبقع، ولعل المراد هنا غراب الزرع فانه غير الأبقع، وحكى الخافظ عن صاحب الهداية أنه قال المراد بالغاب في الحديث (يعنى الذي يجوز قتله للمحرم في الحل والحرم) الغداق والأبقع لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع فلا (قال الحافظ) وكذا استثناء ابن قدامة، وما أظن فيه خلافا وعليه يجمل ما جاء في حديث أبى سعيد عند أبى داود إن صح حيث قال فيه ويرمى الغراب ولا يقتله، رواه ابن المنذر وغيره علي ومجاهد اهـ (قال القاضي عياض) لا يصح عن علي وهو مخالف للأحاديث الصحيحة، لكن يوافقه ما لأبي داود والترمذي وقال حسن وابن ماجه (قلت والأمام أحمد) عن أبى سعيد مرفوعا يرمى الغراب ولا يقتله (قال الخطابي) يشبه أن المراد به الغراب الصغير الذي يأكل الحب وهو الذي استثناه مالك
[ ١١ / ٢٧١ ]
-[ما جاء في قتل الذئب والسبع العادى]-
والحدأة، والسَّبع العادي.
(٢٠٦) عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ما يقتل المحرم، قال يقتل العقرب. والفويسقة. والحدأة والغراب. والكلب العقور.
(٧٠٢) عن وبرة سمعت ابن عمر ﵄ يقول أمر رسول الله ﷺ بقتل الذِّئب للمحرم يعنى والفأرة والغراب والحداء، فقيل له فالحيَّة
_________________
(١) من جملة الغربان وقال عطاء فيه الفدية ولم يتابعه أحد اهـ (١) هذا يشمل كل حيوان مفترس كالذئب والنمر والفهد والأسد ونحوه (تخريجه) (د. جه. هق. مذ) وقال هذا حديث حسن والعمل على هذه عند أهل العلم يقتل السبع العادي، وهو قول سفيان الثوري والشافعي (وقال الشافعي) كل سبع عدا على الناس أو على دوابهم فللمحرم قتله اهـ
(٢) عن نافع عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنا يحيي بن سعيد وعبيد الله بن عمر، وابن عون عن نافع عن ابن عمر - الحديث" (تخريجه) (ق. د. نس. جه. هق)
(٣) عن وبرة عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا يزيد أنا حجاج بن أرطااة عن وبرة - الحديث" (غريبة) (٢) جاءت هذه الرواية بلفظ الأمر، ومثلها عند مسلم من حديث ابن عمر أيضا، وعند أبى عوانة ليقتل المحرم - وظاهر الأمر الوجوب، ويحتمل الندب والأباحة، وقد روى البزار من حديث أبى رافع أن النبي (ﷺ أمر بقتل العقرب والفأرة والحية والحدأة. وهذا الأمر ورد بعد نهى المحرم عن القتل، وفي الأمر الوارد بعد النهى خلاف معروف في الأصول هل يفيد الوجوب أم لا؟ وفي لفظ لمسلم أذن. وفي لفظ لأبى داود قتلهن حلال للمحرم (٣) وقع ذكر الذئب والنمر زيادة على الخمس المشهورة عند ابن خزيمة من حديث أبي هريرة، وجاء ذكر الذئب أيضا في حديث مرسل أخرجه ابن أبى شيبه وسعيد بن منصور وأبو داود من طريق سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ قال "يقتل المحرم الحية والذئب" ورجاله ثقات، وقد ألحق الأمام أبو حنيفة الذئب بالكلب، قال لأنه برى فان قتل غيرهما فداه، غلا أن يصول عليه سبع غيرها فيقتله ولا فداء عليه
[ ١١ / ٢٧٢ ]
-[ردّ مذهب من قال بأن المحرم لا يقتل الحية ولا العقرب]-
والعقرب؛ فقال قد كان يقال ذاك
(٢٠٨) عن زيد يعنى ابن جبير قال سمعت ابن عمر وسأله رجل عمَّا يقتل المحرم من الدَّوابِّ، فقال حدَّثتني إحدى النِّسوة أنَّ رسول الله ﷺ قال يقتل الحديَّا والغراب والكلب العقور والفأرة والعقرب.
_________________
(١) وهذا قول الأوزاعى (١) ظاهر هذا أن ابن عمر ﵄ لم يسمع من النبي ﷺ شيئا في قتل الحية والعقرب، وإنما سمعه من بعض الصحابة عن النبي ﷺ، ولكن ثبت في حديثه المتقدم في رواية نافع عنه ذكر العقرب وهو أصح من هذا، ورواه مسلم ومالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر أيضا وهو من مسنده عن النبي ﷺ بلا واسطة، أما الحية فقد ثبت ذكرها في رواية لمسلم من طريق زيد بن جبير قال سأل رجل ابن عمر ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم؟ فقال حدثنى احدى نسوة النبي ﷺ أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور والفأرة والعقرب والحديا والغراب والحية؛ قال وفي الصلاة (قال ابن المنذر) لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب، وقال نافع لما قيل له فالحية؟ قال لا يختلف فيها، وفي رواية ومن يشك فيها، وتعقبه ابن عبد البر بما أخرجه ابن أبى شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم وحمادا فقالا لا يقتل المحرم اللحية ولا العقرب، قال ومن حجتهما أنهما من هوام الارض فليزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوام، وهذا اعتلال لا معنى له، نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية والعقرب التي لا تتمكن من الأذى (تخريجه «هق. ش) وفي اسناده حجاج بن أرطاة، قال أبو حاتم إذا قال حدثنا فهو صالح لا يرتاب في حفظه وصدقه (قال ابن معين) صدوق مدلس وقال أيضا هو والنسائي ليس بالقوى، روى له مسلم مقرونا بغيره، مات سنة سبع وأربعين ومائه (وقال الحافظ) حجاج ضعيف وخالفه مسعر عن وبرة فرواه موقوفا أخرجه ابن أبى شيبة اهـ
(٢) عن زيد يعنى ابن جبير (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سريج بن النعمان قال ثنا أبو عوانة عن زيد يعنى ابن جبير - الحديث" (غريبة) (٢) لفظ مسلم أخبرتنى احدى نسوة رسول الله ﷺ وفي رواية أخرى له وللبخاري أيضا عن ابن عمر قال قالت حفصة زوج النبي ﷺ قال رسول الله ﷺ خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن الحديث، فظهر بذلك أن إحدى النسوة المبهمة في حديث الباب هي إحدى نسوة رسول الله ﷺ وهي حفصة بنت عمر زوج رسول الله ﷺ، وتقدم أن ابن عمر روى هذا الحديث أيضا عن النبي ﷺ بغير واسطة (تخريجه) (ق. وغيرهما)
[ ١١ / ٢٧٣ ]
-[زوائد الباب فيما يجوز للمحرم قتله من الدواب]-
_________________
(١) (زوائد الباب) (عن سالم يعنى ابن عمر) قال قال عبد الله بن عمر ﵄ قال حفصة قال رسول الله ﷺ خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن، الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور (ق. هق) (وعن الأسود عن عبد الله بن مسعود) ﵁ قال بينما نحن مع النبي ﷺ في غار بمنى غذ نول عليه والمرسلات وإنه ليتلوها وإنى لأتلقاها من فيه وإن فاه لرطبة بها إذ وثبت علينا حية، فقال النبي ﷺ اقتلوها، فابتدرناها فذهبت، فقال النبي ﷺ وقيت شركم كما وقيتم شرها (خ. هق) رواه مسلم وابن خزيمة واللفظ له عن أبى كريب عن حفص بن غياث مختصرا ولفظه أن النبي ﷺ أمر محرما بقتل حية في الحرم بمنى، وراه أيضا الأمام أحمد مطولا كرواية البخاري إلا أنه لم يذكر فيه الحرم ولا منى، ولهذا لم أذكره هنا وسيأتي في تفسير سورة المرسلات من كتاب التفسير ان شاء الله تعالى (وعن سفيان) قال أول ما رأيت الزهري انتهبت اليه وهو يحدث الناس سمعته يقول أخبرني سالم عن أبيه قال سئل عمر بن الخطاب ﵁ عن الحية يقتلها المحرم؟ قال هي عدوة فاقتلوها حيث وجدتموها (هق) (وعن سويد بن غفلة) قال أمرنا عمر بن الخطاب ﵁ أن نقتل الحية والعقرب والفأرة والزنبور ونحن محرمون (هق) (وعن أبي هريرة) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال خمس قتلهن حلال في الحرم، والعقرب والحدأة والفأرة والكلب العقور (د. هق) وفي إسناده محمد بن عجلان (قال الحافظ) في التقريب محمد بن عجلان المدنى صدوق إلا أنه أختلطت عليه أحاديث أبى هريرة، من الخامسة، مات سنة أربع وعشرين وله ثمانون سنة اهـ (قلت) له في صحيح مسلم متابعة (وعن أبى رافع) ﵁ قال بينا رسول الله ﷺ في صلاته غذ ضب شيئا في صلاته فاذا هي عقرب ضربها فقتلها وأمر بقتل العقرب والحية والفأرة والحدأة للمرم (بز) وفيه يوسف بن نافع ذكره ابن أبى حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وذكره ابن حيان في الثقات (وعن ابن عباس) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة (طب) وفيه عمرو بن قيس المكى وهو ضعيف (وعن عبد الله بن محمد بن هارون الفرباني) قال سمعت الشافعي محمد بن إدريس بمكة يقول سلوني ما شئتم أجبكم من كتاب الله ﷿ ومن سنة رسول الله ﷺ، قال فقلت له اصلحك الله ما تقول في المحرم يقتل زنبورا؟ قال نعم بسم الله الرحمن الرحيم قال تعالى "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" حدثنا سفيان بن مالك بن عبينه عن عبد الملك بن عمير عن ربعى عن حذيفة قال قال رسول الله ﷺ أقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. وحدثنا سفيان بن عبينة عن مسعر عن قيس بن مسلم عن
[ ١١ / ٢٧٤ ]
-[مذاهب العلماء فيما جوز قتله من الدواب]-
_________________
(١) طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر المحرم بقتل الزنبور (هق) (الأحكام) أحاديث اباب مع الزوائد تدل على جواز قتل المحرم ما ذكر فيها من الحيوان ولا جزاء عليه في ذلك، منها ست جاءت في الأحاديث الصحيحة المرفوعة وهي الحية والعقرب والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحدأة (قال النووى) ﵀ فالمنصوص عليه الست، واتفق جماهير لعلماء على جواز قتلهن في الحل والحرم والأحرام، واتفقوا على أنه يجوز للمحرم أن يقتل ما في معناهن، ثم اختلفوا في المعنى فيهن وما يكون في معناهن (فقال الشافعي) المعنى في جواز قتلهن كونهن مما لا يؤكل، وكل ما لا يؤكل ولا ما هو متولد من مأكول وغيره فقتله جائز للمحرم ولا فدية عليه (وقال مالك) المعنى فيهن كونهن مؤذيات؛ فكل مؤذ يجوز للمحرم قتله وما لافلا، وأما تسمية هذه المذكورات فواسق فصحيحة جارية على وفق اللغة، وأصل الفسق في كلام العرب الخروج، وسمى الرجل الفاسق لخروجه عن أمر الله تعالى وطاعته، فسميت هذه فواسق لخروجها بالأيذاء والأفياد عن طريق معظم الدواب، وقيل لخروجها عن حكم الحيوان في تحريم قتله الحرم والأحرام، وقيل فيها أقوال أخر ضعيفة لا نعتنيها (وأما الغراب الأبقع) فهو الذي في ظهره وبطنه بياض، وحكى الساجى عن النخعى أنه لا يجوز للمحرم قتل الفأرة، وحكى غيره على ومجاهد أنه لا يقتل الغراب ولكن يرمي وليس بصحيح عن علي (واتفق العلماء) على جواز قتل الكلب العقور للمحرم والحلال في الحل والحرم (واختلفوا) في المراد به فقيل هذا الكلب المعروف خاصة، حكاه القاضي (عن الأوزاعى وأبى حنيفة والحسن بن صالح) وألحقوا به الذئب، جمل زفر معنى الكلب على الذئب وحده (وقال جمهور العلماء) ليس المراد بالكلب العقور تخصيص هذه الكلب المعروف؛ بل المراد هو كل عاد مفترس غالبا كالسبع والنمر والذئب والفهد ونحوها، وهذا قول زيد بن أسلم وسفيان الثورى وابن عبينة (والشافعى وأحمد) وغيرهم، وحكاه القاضي عياض عنهم وعن جمهور العلماء. ومعنى العقور والعافر الجارح اهـ (قلت) وإنما سموا كل عاد مفترس كلبا لاشتراكه في السبعية، قالوا ونظيره قوله ﷺ في دعائه على عتبيه بن أبى لهب "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فافترسه الأسد" (تنبيه) وقع في سنن البيهقي وتفسير ابن كثير في تفسير قوله تعالى "أحل لكم الصيد البحر الخ الآية" لفظ عتبة بسكون التاء مكبرا بدل عتيبة بفتحها مصغرا وهو خطأ، والصواب عتيبة بالتصغير كما هنا، فقد حكى صاحب الجوهر النقى عن ابن الصلاح أنه قال في قوله عتبة وأما عتبة فانه بقى حتى أسلم يوم الفتح وهو مذكور في كتب الصحابة ﵃ اهـ (وفي الزوائد) ما يدل على جواز قتل المحرم الوزغ والزنبور ولو في جوف الكعبة، وقد
[ ١١ / ٢٧٥ ]
-[كلام العلماء فيمن وجب عليه قصاص وهل يقتص منه في الحرم؟]-
_________________
(١) وردت أخبار صحيحة مرفوعة تدل على قتل الوزغ مطلقا ستأتى في بابها من كتاب القتل ان شاء الله تعالى (قال الأمام مالك ﵀) لا ارى قتل الوزغ، والأخبار بقتلها متواترة لكن مطلقا لا في الحرم، ولذلك توقف فيها الأمام مالك ﵀ في الحرم (وقالت طائفة) لا يقتل من جنس الغراب غلا الأبقع، وتقدم الكلام عليه في الشرح بما لا يحتاج لزيادة (واختلفوا في الزنبور) فبعضهم شبهة بالعقرب. وبعضهم رأى أنه أضعف نكاية من العقرب، وبالجملة بكل واحد منها ما يشبهه إن كان له شله، ومن لم ير ذلك قصر النهى على المنطوق به والله أعلم (قال النووى) ﵀. وفي قتل هذه الأحاديث دلالة للشافعي وموافقية في أنه يجوز أن يقتل في الحرم كل من يجب عليه قتل بقصاص أو رجم بالزنا أو قتل في المحاربة أو غير ذلك، وأنه يجوز إقامة كل الحدود فيه سواء كان موجب القتل والحد جرى في الحرم أو خارجه ثم لجأ صاحبه إلى الحرم (وهذا مذهب مالك والشافعى) وآخرين (وقال أبو حنيفة) وطائفة ما ارتكبه من ذلك في الحرم يقام عليه فيه، وما فعله خارجه ثم لجأ اليه إن كان إتلاف نفس لم يقم عليه في الحرم، بل يضيق عليه ولا يكلم ولا يجالس ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج منه فيقام عليه خارجه، وما كان دون النفس يقام فيه (قال القاضي) وروى عن ابن عباس وعطاء والشعبي والحكم نحوه. لكنهم لم يفرقوا بين النفس ودونها. وحجتهم ظاهر قول الله تعالى "ومن دخله كان آمنا" وحجتنا عليهم هذه الأحاديث لمشاركة فاعل الجناية لهذه الدواب في اسم الفسق. بل فسقه أفحش لكونه مكلفًا، ولأن التضييق الذي ذكروه لا يبقى لصاحبه أمانا، فقد خالفوا ظاهر ما فسروا به الآية (قال القاضي) ومعنى الآية عندنا وعند أكثر المفسرين أنه إخبار عما كان قبل الأسلام وعطفه على ما قبله من الآيات، وقيل آمن من النار (وقالت طائفة) يخرج ويقام عليه الحد وهو قول ابن الزبير والحسن ومجاهد وحماد والله أعلم - وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. (تم الجزء الحادي عشر) ----- (من كتاب الفتح الرباني "مع شرحه" بلوغ الأمانى) "وما يليه الجزء الثانى عشر واوله" باب دخول مكة وما يتعلق به نسأل الله الأعانة على التمام وحسن الختام آمين
[ ١١ / ٢٧٦ ]
(مع شرحه)
بلوغ الأماني
من أسرار الفتح الرباني.
(كلاهما تأليف)
أحمد عبد الرحمن البنا
الشهير بالساعاتي
(خادم السنة السنية بعطفة الرسام رقم ٥ بالغورية بمصر)
(الجزء الثاني عشر)
وقد جعلنا الفتح الرباني في أعلى الصحيفة وبلوغ الأماني في أدناها مفصولا بينهما بجدول.
(تنبيه) للحافظ ابن حجر العسقلاني كتاب اسماه (القول المسدد، في الذب عن مسند الأمام أحمد) أدرجناه جميعه ضمن الشرح موزعا على كل حديث ذب عنه الحافظ مع عزوه إليه
_________________
(١) الطبعة الأولى الطبعة الثانية دار احياء التراث العربي
[ ١٢ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
(١) باب دخول مكة وما يتعلق به وفيه فصول
(الفصل الأول في الغسل لدخول مكة)
(٢٠٩) عن نافع قال كان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم (١)
_________________
(١) عن نافع (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا اسماعيل عن أيوب عن نافع قال كان ابن عمر- الحديث- (غريبة) (١) أي أول موضع منه أي من (رموز واصطلاحات تختص بالشرح) (خ) البخاري في صحيحه (م) لمسلم (ق) لهما (د) لأبي داود (مذ) للترمذي (نس) للنسائي (جه) لابن ماجه (الأربعة) لأصحاب السنن الأربعة، أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (ك) للحاكم في المستدرك (حب) لابن حبان في صحيحه (خز) لابن خزيمة في صحيحه (بز) للبزار في مسنده (طب) للطبراني في معجمه الكبير (طس) له في الأوسط (طص) له في الصغير (ص) لسعيد بن منصور في سننه (ش) لابن أبي شيبة في مصنفه (عب) لعبد الرزاق في الجامع (عل) لأبي يعلي في مسنده (قط) للدراقنطي في سننه (حل) لأبي نعيم في الحلية (هق) للبيهقي في السنن الكبري (لك) للإمام مالك في الموطأ (فع) للإمام الشافعي، فإن اتفقا على إخراج حديث قلت أخرجه الإمامان (مى) للدارمي في مسنده (طح) للطحاوي في معاني الآثار، وهؤلاء هم أصحاب الأصول والتخريج ﵏. (أما الشراح) وأصحاب كتب الرجال والغريب ونحوهم فإليك ما يختص بهم: (طرح) للحافظ أبي زرعة بن الحافظ العراقي في كتابه طرح التثريب (نه) للحافظ ابن الأثير في كتابه النهاية (خلاصة) للحافظ الخزرجي في كتابه خلاصة تذهيب الكمال في اسماء الرجال، ثم إذا قلت (قال الحافظ) وأطلقت فمرادي به الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح البخاري فإن كان في غيره بينته (وإذا قلت) قال النووي فالمراد به في شرح مسلم، فإن كان في المجموع فالرمز له (ج) وإذا قلت قال المنذري فالمراد به الحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري في كتابه الترغيب والترهيب (وإذا قلت) قال الهيثمي فالمراد به الحافظ علي بن
[ ١٢ / ٢ ]
أمسك عن التلبية، فإذا انتهي إلى ذي طوى (١) بات فيه حتى يصبح ثم يصلي
_________________
(١) حرم مكة لا مسجدها (أمسك عن التلبية) أي حتى يقضي طوافه بين الصفا والمروة ثم يعادوها، وهذا مذهب ابن عمر وخالفه الجمهور، وتقدم الكلام على ذلك في أحكام باب التلبية وصفتها صحيفة ١٨٩ من الجزء الحادي عشر، والدليل على ذلك ما رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق عطاء قال كان ابن عمر ﵁ يدع التلبية إذا دخل الحرم ويراجعها بعد ما يقضي طوافه بين الصفا والمروة (١) بتثليث الطاء مع الصرف وعدمه، فمن صرفه جعله اسم واد ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة (قال النووي) هو موضع عند باب مكة بأسفلها في صوب طريق العمرة المعتادة ومسجد عائشة ويعرف اليوم بآبار الزاهد. يصرف ولا يصرف، وقال أيضا إنه مقصور منون وفي التوضيح هو ربض من أرباض مكة؛ وطاؤه مثلثة مع الصرف وعدمه والمد أيضًا اهـ - أبي بكر بن سليمان الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد (وإذا قلت) قال في التنقيح فالمراد به المحدث الشهير أبو الوزير أحمد حسن في كتابه تنقيح الرواة في تخريج أحاديث المشكاة (وإذا قلت) قال في المنتقى فالمراد به الحافظ مجد الدين عبد السلام المعروف بابن تيمية الكبير المتوفى سنة ٦٢١ جد ابن تيمية المشهور شيخ بن القيم (وأذا قلت) قال الزيلعي فمرادي الحافظ جمال الدين الزيلعي في كتابه نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية (وإذا قلت) قال الشوكاني فالمراد به المحدث الشهير محمد بن علي بن محمد الشوكاني في كتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، فإن نقلت عن غير هؤلاء ذكرت أسماءهم وأسماء كتبهم، رحمة الله عليهم أجمعين. - (تنبيه) يجد القارئ بالاستقراء من أول الكتاب إلى نهاية الجزء السابع أني أورد في الشرح في أخر كل باب قبل الأحكام ما تيسر لي من الأحاديث الزائدة على ما أخرجه الأمام أحمد في الباب سواء أكانت في الصحاح أو السنن أو المعاجم أو الجوامع أو المسانيد وسواء أكانت صحيحة أو حسنة أو ضعيفة ضعفا يقوى بغيرها من طرق أخرى، وهذا الأخير لا أذكره إلا نادرا معرضا عن ذكر الأحاديث الشديدة الضعف لأنها لا يعمل بها ولا فائدة في ذكرها، قاصدا بذلك أن يكون (كتابي هذا أجمع كتاب) في علم السنة لا يحتاج مقتنيه إلى غيره، ولما كانت هذه الأحاديث الزائدة تزداد في كل جزء عن سابقة بحسب زيادة المواد التي لم تكن موجودة قبل ذلك وكان لها ارتباط بالأحكام وتكثر الإشارة إليها في الشرح، رأيت ان أترجم لها بعنوان (زوائد الباب) وتكون الإشارة إليها بلفظ الزوائد (فإذا قلت) أحاديث الباب مع الزوائد ما زدته في الشرح من الأحاديث التي تناسب الباب لغير الإمام أحم، فتنبه والله الهادي.
[ ١٢ / ٣ ]
الغداة ويغتسل (١) ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعله (٢) ثم يدخل مكة ضح فيأتي البيت فيتسلم الحجر (٣) ويقول باسم الله والله أكبر (٤) ثم يرمل (٥) ثلاثة أشواط، يمشي ما بين الركنين، فإذا أتى على الحجر
_________________
(١) وقال السهيلي واد بمكة في أسفلها، وذو طواء ممدودا موضع بطريق الطائف وقيل واد اهـ وفي كتاب الأذواء ذو طوى موضع بظاهر مكة به بئار يستحب لمن يدخل مكة أن يغتسل منها (١) فيه استحباب الاغتسال بذي طوى لمن كان بطريقه إلى مكة بأن يأتي من طريق المدينة وإلا اغتسل من نحو تلك المسافة، قال الطبري ولو قيل يسن له التعريج إليها والاغتسال بها اقتداء وتبركا لم يبعد، قال الأذرعي وبه جزم الزعفراني (٢) يحتمل عود الضمير إلى الفعل الأخير وهو الغسل المقصود بالترجمة، ويحتمل عودة إلى الجميع أعنى الأمساك عن التلبية والبيتوته بذي طوى والاغتسال، واستظهر الحافظ الأخير (٣) بفتح الحاء المهملة والجيم يعني الحجر الأسود وهو في الركن الذي يلي باب البيت من جانب المشرق ويسمى الركن الأسود، ويقال له وللركن اليماني الركنان اليمانيان - واعلم أن للبيت أربعة أركان- هذان الركنان وآخران يقال لهما الركنان الشاميان لأنهما صوب الشام والمغرب. وربما قيل لهما المغربيان (فالركن الأول) من الأربعة له فضليتان كون الحجر الأسود فيه. وكونه على قواعد إبراهيم. أعني القواعد التي بنى إبراهيم ﵇ البيت عليها (وللركن الثاني) وهو اليماني فضيلة واحدة، وهو كونه على قواعد إبراهيم، وليس للآخرين شيء منهما، فلذلك يقبّل الأول ويُستلم الثاني فقط بدون تقبيل، والاستلام معناه المسح باليد، والتقبيل بالفم. ولا يقبل الآخران ولا يستلمان، هذا على رأي الجمهور، واستحب بعضهم تقبيل الركن اليماني، وإنما نبهت على هذه الأركان هنا ليحفظها القارئ ويفهمها جيدا حتى إذا ذكرت مرة أخرى أو تعلق بها حكم كان على بصيرة منها والله الموفق (٤) فيه استحباب التكبير عند استلام الحجر الأسود وتقبيله وإن لم يصرح بالتقبيل في هذا الحديث فسيأتي التصريح به في بابه (٥) من باب قتل، والرمل هو إسراع المشي مع تقارب الخطا ولا يثب ولايعدو عدوا، قالوا والرمل الخبب وهو فوق سجية المشي ودون العدو، وذلك في الثلاثة الأشواط الأول ما عدا المسافة التي بين الركنين، يعني الأسود واليماني فإنه كان يمشى فيها مشيا اعتياديا بغير رمل، وكان المشي بين الركنين أول الأمر في عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة حينما قال المشركون " أنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى" فأطلع الله نبيه على
[ ١٢ / ٤ ]
استلمه وكبر (١) أربعة أطواف مشيا ثم يأتي المقام فيصلى ركعتين ثم يرجع إلى الحجر فيتسلمه، ثم يخرج إلى الصفا من الباب الأعظم فيقوم عليه فيكبر سبع مرار ثلاثا يكبر ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
(٢١٠) عن نافع قال كان ابن عمر ﵄ يبيت بذي طوى فإذا أصبح اغتسل وأمر من معه أن يغتسلوا ويدخل من العليا (٣) فإذا خرج
_________________
(١) ذلك، فأمر أصحابه أن يرملوا وقعد المشركون ناحية الحجر ينظرون إليهم فرملوا ومشوا ما بين الركنين حيث لا يراهم المشركون لأنهم كانوا مما يلي الحجر من قبل قيقعان، فلما حج النبي ﷺ سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر كما صرح بذلك في حديث جابر عند الإمام أحمد وسيأتي في باب ركعتي الطواف، وعند مسلم والإمام مالك من حديث جابر أيضا ولفظه " قال رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أشواط" وللشيخين والإمام أحمد وسيأتي في طواف القدوم عن نافع أن عبدالله بن عمر كان يرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ثلاثة أطواف ويمشي أربعة أطواف ويزعم أن رسول الله ﷺ كان يفعله، فوجب الأخذ به لأنه الآخر من فعل رسول الله ﷺ (١) يعني في كل مرة (وقوله أربعة أطواف) هو مفعول لفعل سابق إما سقط من الناسخ وإما حذف للعلم به، تقديره ثم يمشي أربعة أطواف كما صرح بذلك في رواية أخرى والله أعلم (وقوله مشيا) أي اعتياديا في الأربعة الأشواط الباقية بدون رمل (٢) أي في كل مرة من السبع، وبقية شرح الحديث ستأتي في أبوابها إن شاء الله تعالى (تخريجه) لم أقف عليه مطولا بهذا السياق لغير الإمام أحمد، وأخرجه الشيخان والإمامان وغيرهم مقطعا في جملة أبواب
(٢) عن نافع (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حماد عن عبد الله عن نافع الحديث " غريبة (٣) أي من الثنية العليا كما صرح بذلك في حديثه التالي، والثنية كل عقبة في طريق أو جبل فإنها تسمى ثنية، وهذه الثنية المعروفة بالثنية العليا هي التي ينزل منها إلى باب المعلي مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الحجون بفتح المهملة وضم الجيم وكانت صعبة المرتقى فسهلهنا معاوية، ثم عبد الملك، ثم المهدي، على ما ذكره الأزرقي
[ ١٢ / ٥ ]
خرج من السفلى (١) ويزعم أن النبي ﷺ
كان يفعل ذلك.
(الفصل الثاني من أين يدخل مكة وفي أي وقت)
(٢١١) عن ابن عمر ﵄ قال كان رسول الله ﷺ
إذا دخل مكة دخل من الثنية (٢) العليا، وإذا خرج من الثنية السفلى
(٢١٢) عن عائشة ﵄ دخل رسول الله ﷺ
يوم الفتح من كداء (٣) من أعلى مكة ودخل في العمرة من كدى (٤) (وعنها من طريق ثان) (٥) أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح من ثنية الإذخر (٦)
_________________
(١) ثم سهلها كلها سلطان مصر الملك المؤيد (١) أي من الثنية السفلى، وقد صرح بذلك أيضا في حديثه التالي، وهي عند باب الشبيكة بقرب شعب الشاميين وشعب ابن الزبير (وقوله ويزعم وإلخ) هو من اطلاق الزعم على القول الصحيح، وقد صرح في الحديث أن رسول الله ﷺ كان يفعله (تخريجه) (ق. د. هق. وغيرهم)
(٢) عن ابن عمر سنده حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا أبو معاوية ثنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر- الحديث (غريبة) (٢) تقدم شرح الثنيتين العليا والسفلى في الحديث السابق (تخريجه) (ق. د. نس. جه. هق)
(٣) عن عائشة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو أسامة قال أنا هشام عن أبيه عن عائشة - الحديث (غريبة) (٣) بفتح الكاف والمد قال أبو عبيدة لا تصرف وهي الثنية العليا المتقدم ذكرها في الحديث السابق (٤) بضم الكاف والقصر وهي الثنية السفلى المتقدم ذكرها في الحديث السابق أيضا (قال القاضي عياض) والقرطبي وغيرهما اختلق في ضبط كداء وكدى، والأكثر على أن العليا بالفتح والمد، والسفلى بالضم والقصر. وقيل بالعكس (قال النووي) وهو غلط، وستأتي الحكمة في مخالفة الطريق في الدخول والخروج في الأحكام إن شاء الله (٥) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن ربيعة عن عبيد الله بن أبي زياد عن القاسم بن محمد عن عائشة - الحديث" (٦) الأذخر بكسر الهمزة والخاء المعجمة بينها ذال معجمة ساكنة، حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب أضيفت إليها الثنية لكثرة نبات الأذخر بها وهذه الثنية هي العليا السالفة الذكر، وهي المسماة بكداء بالمد في الطريق الأولى (تخريجه)
[ ١٢ / ٦ ]
(٢١٣) عن ابن عمر ﵄ ﷺ دخل مكة نهارا (١)
(الفصل الثالث في الدعاء عند دخول مكة)
(٢١٤) وعنه أيضا قال كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذا دخل مكة قال: اللهم لا تجعل منايانا بها (٣) حتى تخرجنا منها
_________________
(١) أخرج الطريق الأولى منه الشيخان وأبو داود والبيهقي، ولم أقف على الثانية لغير الإمام أحمد بلفظه
(٢) عن ابن عمر سنده حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا العمري عن نافع عن ابن عمر - الحديث (غريبة) (١) قال الحافظ هو ظاهر في الدخول نهارا؛ قال وأما الدخول ليلا فلم يقع منه ﷺ إلا في عمرة الجعرانة فإنه ﷺ أحرم من الجعرانة ودخل مكة ليلا فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلا فأصبح بالجعرانة كبائت كما رواه أصحاب السنن من حديث محرش (قلت والإمام أحمد وتقدم في عمرة الحديبية صحيفة ٦٨ في الجزء الحادي عشر) قال وترجم عليه النسائي دخول مكة ليلا (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث حسن وفي بعض نسخ الترمذي حسن صحيح.
(٣) وعنه أيضا سنده حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ - الحديث ــ (غريبة) (٢) جمع منية بكسر النون وتشديد الياء التحتية مفتوحة، وهي الموت والظاهر أنه ﷺ قال ذلك عند دخول مكة في غير سنة حجة الوداع لما كان يرجو من الله من تتميم نصره وإظهار دين الإسلام على جميع الأديان، وقد استجاب الله دعاؤه فلم يمت إلا بعد أن تم له ذلك، ونزل في حجه الوداع قوله تعالى" اليوم أكملت لكم دينكم" الأية (تخريجه) لم أقف عليه وسنده جيد (زوائد الباب) عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه كان يغتسل لدخول مكة (فع) (وعنه أيضا) أن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله (ق) وعن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ ترفع الأيدي في الدعاء لاستقبال البيت (ص. هق) وهو ضعيف باتفاق المحدثين لأنه من رواية عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى الإمام المشهور وهو ضعيف عند المحدثين، قاله النووي (ج) وعن مكحول قال النبي ﷺ إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبر وقال "اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما".
[ ١٢ / ٧ ]
_________________
(١) ومهابة وزد من حجه أو اعتمره تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا (هق) ورواه الإمام الشافعي في مسنده عن ابن جريج (قال النووي) هو مرسل معضل (وعن محمد بن سعيد بن المسيب) قال كان سعيد إذا حج فرأى الكعبة قال اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام (هق. فع) وعن سعيد بن المسيب قال سمعت من عمر ﵁ كلمة ما بقى أحد من الناس سمعها غيري، سمعته يقول إذا رأى البيت " اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام" قال النووي ليس اسناده بقوي (هق) (وعن حذيفة) بن أسيد أن النبي ﷺ كان إذا نظر إلى البيت قال " اللهم زد هذا البيت تشريفا وتكريما وبرا ومهابة" (طب. طس) وفيه عاصم بن سليمان الكوزي وهو متروك وعن ابن عمر ﵄ قال دخل رسول الله ﷺ (يعني مسجد مكة) ودخلنا معه إلى المدينة من باب الحرورة وهو باب الخياطين (طس) وفيه مراون بن مراون قال السلماني فيه نظر وبقية رجاله رجال الصحيح (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على جملة أحكام منها استحباب الغسل لدخول مكة وأنه يكون بذي طوى إن كانت في طريقه وإلا اغتسل في غير طريقها كنحو مسافتها، وهو مستحب لكل محرم حتى الحائض والنفساء والصبي، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وخالق المالكية في الحائض والنفساء، قالوا لأن استحباب الغسل لدخول مكة هو لأجل الطواف بالبيت لا للنظافة فلا تفعله الحائض ولا النفساء لأنهما ممنوعتان من الطواف. لأن الطهارة شرط فيه (قال ابن المنذر) الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم يجزئ منه الوضوء، وفي الموطأ أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام، وظاهره أن غسله لدخول مكة كان لجسده دون رأسه وقالت الشافعية إن عجز عن الغسل تيمم (وقال ابن التين) لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة وإنما ذكروه للطواف، والغسل لدخول مكة هو في الحقيقة للطواف (ومن أحكام الباب أيضا) استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج من السفلى كما في حديث ابن عمر، وبه قال جمهور العلماء (قال النووي في شرح المهذب) واعلم أن المذهب الصحيح المختار الذي عليه المحققون من أصحابنا أن الدخول من الثنية العليا مستحب لكل محرم داخل مكة سواء كانت في صوب طريقه أم لم تكن، ويعتدل إليها من لم تكن في طريقه، وقال الصيدلاني والقاضي حسين والفوراني وإمام الحرمين والبغوي والمتولي إنما يستحب الدخول منها لمن كانت في طريقه وأما من لم تكن في طريقه فقالوا لا يستحب له العدول إليها، قالوا وإنما دخل النبي الله ﷺ اتفاقا لكونها كانت في طريقه، هذا كلام الصيدلاني وموافقيه، واختاره إمام الحرمين
[ ١٢ / ٨ ]
_________________
(١) ونقله الرافعي عن جمهور الأصحاب، وقال الشيخ أبو محمد الجويني ليست العليا على طريق المدينة بل عدل إليها النبي الله ﷺ متعمدا لها، قال فيستحب الدخول منها لكل أحد، قال ووافق إمام الحرمين الجمهور في الحكم، ووافق أبا محمد في أن موضع الثنية كما ذكره، وهذا الذي قاله أبو محمد من كون الثنية ليست على نهج الطريق بل عدل إليها هو الصواب الذي يقضي به الحس والعيان، فالصحيح استحباب الدخول من الثنية العليا لكل محرم قصد مكة سواء كانت في طريقه أم لا، وهو ظاهر نص الشافعي في المختصر ومقتضى اطلاقه، فإنه قال ويدخل المحرم من ثنية كداء، ونقله صاحب البيان عن عامة الأصحاب اهـ (قال الطيبي) وإنما فعل الله ﷺ هذه المخالفة في الطريق داخلا أو خارجا للفأل بتغير الحال إلى أكمل منه كما فعل في العيد ليشهد له الطريقان وليتبرك به أهلهما اهـ (قال الحافظ) وقيل الحكمة في ذلك المناسبة بجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى فراقه وقيل لأن إبراهيم لما دخل مكة دخل منها، وقيل لأنه الله ﷺ خرج منها مختفيا في الهجرة فأراد أن يدخلها ظاهرا عليا، وقيل لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلا للبيت، ويحتمل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح فاستمر على ذلك، والسبب في ذلك قول أبي سفيان بن حرب للعباس لا أسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء، فقلت ما هذا؟ قال شيء طلع بقلبي، وأن الله لا يطلع الخيل هناك أبدا، قال العباس فذكرت أبا سفيان لذلك لما دخل (وللبيهقي من حديث ابن عمر) قال قال النبي الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لأبي بكر كيف قال حسان فأنشده: عدمت بنيتي إن لم تروها تثير النقع مطلعها كداء فتبسم وقال ادخلوها من حيث قال حسان (تنبيه) حكى الحميدي عن ابي العباس العذري أن بمكة موضعا ثالثا يقال له كدى وهو بالضم والتصغير يخرج منه إلى جهة اليمين قال المحب الطبري حققه العذري عن أهل المعرفة بمكة، قال وقد بني عليها باب مكة الذي يدخل منه أهل اليمن. أفاده الحافظ ومن أحكام الباب أيضا استحباب دخول مكة نهارا لحديثي ابن عمر المذكورين في الباب وإليه ذهب ابن عمر ﵄، وعطاء والنخعي واسحاق بن راهوية وابن المنذر وجمهور العلماء وللشافعية في ذلك أقوال (قال النووي) قال أصحابنا له دخول مكة ليلا ونهارا ولا كراهة في واحد منهما فقد تثبت الأحاديث فيها " يشير إلى حديثي ابن عمر في دخوله نهارا وإلى حديث محرش الكعبي الصحابي أن رسول الله الله ﷺ دخل مكة ليلا في عمرة الجعرانة، وقد أشرنا إليه في الشرح" قال وفي الفضيلة وجهان أصحهما دخولها نهارا أفضل، حكاه ابن الصباغ وغيره عن أبي اسحاق
[ ١٢ / ٩ ]
_________________
(١) المرزوي ورجحه البغوي وصاحب العدة وغيرهما (وقال القاضي أبو الطيب) والمارودي وابن الصباغ والعبدري هما سواء في الفضيلة لا ترجيح لأحدهما على الآخر، واحتج هؤلاء بأنه قد صح الأمران من فعل النبي الله ﷺ ولم يرد عنه الله ﷺ ترجيح لأحدهما ولانهي فكانا سواء، واحتج من رجح النهار بأنه الذي اختاره النبي الله ﷺ في حجة الوداع وقال في آخرها " لتأخذوا عني مناسككم" فهذا ترجيح ظاهر للنهار، ولأنه أعون للداخل وأرفق به وأقرب إلى مراعاته للوظائف المشروعة له على أكمل وجوهها وأسلم له من التأذي والإيذاء والله أعلم اهـ ج ومن أحكام أحاديث الباب أيضا استحباب الدعاء عند رؤية البيت لحديث ابن عمر المذكور آخر الباب والآثار المذكورة في الزوائد، ولحديث أبي أمامة مرفوعا" تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن، عند التقاء الصفوف في سبيل الله، وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة وعند رؤية الكعبة (طب) وهو ضعيف وإلى استحباب الدعاء عند رؤية البيت ذهب إليه كافة العلماء فيما أعلم وقد استحب جماعة من العلماء رفع اليدين عند هذا الدعاء لحديث ابن عمر المذكور في الزوائد، وسيق الكلام على ضغفه عقب ذكره، ولما رواه البيهقي عن مكحول والإمام الشافعي ﵀ بعد أن أورد حديث ابن جريح ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت شيء فلا أكرهه ولا استحبه (قال البيهقي) فكأنه لم يعتمد على الحديث لانقطاعه وقد ذهب (إلى استحباب رفع اليدين) عند الدعاء لرؤية البيت جمهور العلماء، حكاه ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وسفيان الثوري وابن المبارك وأحمد واسحاق قال وبه أقول (قال النووي) وهو مذهبنا (قلت) وذهب الإمامان أبو حنيفة ومالك إلى عدم الرفع، وقد يحتج لهما بحديث المهاجر المكي قال سئل جابر بن عبد الله عن الرجل الذي يرى البيت يرفع يديه فقال ما كنت أدري أحدا يفعل هذا إلا اليهود، قد حججنا مع رسول الله الله ﷺ فلم يكن يفعله. رواه (د. نس) باسناد حسن، ورواه الترمذي عن المهاجر المكي أيضا قال سئل جابر بن عبد الله أيرفع الرجل يديه إذا رأى البيت فقال حججنا مع النبي الله ﷺ فكنا نفعله هذا لفظ رواية الترمذي وإسناده حسن (قال النووي في شرح المهذب) قال أصحابنا رواية المثبت للرفع أولى، لأن معه زيادة علم (قال البيهقي) رواية غير جابر في اثبات الرفع أشهر عند أهل العلم من رواية المهاجر المكي. قال والقول في مثل هذا قول من رأى وأثبت، والله أعلم اهـ وقال الخطابي في معالم السنن قد اختلق الناس في هذا فكان ممن يرفع يديه إذا رأى البيت سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهوية، وضعف هؤلاء حديث جابر لأن مهاجرا
[ ١٢ / ١٠ ]
أبواب الطواف بالبيت وادابه وما يتعلق به
(١) باب الطهارة والسترة للطواف
(٢١٥) عن ابن عباس ﵄ رفعه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال إن النفساء والحائض تغتسل (١) وتحرم وتقضي المناسك كلها (٢) غير أن لا تطوف بالبيت (٣) حتى تطهر
_________________
(١) راويه عندهم مجهول، وذهبوا إلى حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال " ترفع الأيدي في سبعة مواطن، افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، وعلى الصفا والمروة، والموقفين، والجمرتين." وروى عن ابن عمر أنه كان يرفع اليدين عند رؤية البيت، وعن ابن عباس مثل ذلك والله أعلم اهـ قلت حديث ابن عباس الذي ذكره الخطابي أورده الهيثمي عن ابن عباس عن النبي بلفظ "لاترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن حين تقوم الصلاة وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى البيت، وحين يقوم على الصفا، وحين يقوم على المروة، وحين يقف مع الناس عشية عرفه، وبجمع المقامين حين يرى الجمرة" قال الهيثمي رواه الطبراني في الكبير والأوسط إلا أنه قال رفع الأيدي إذا رأيت البيت، وفيه وعند رمي الجمار، وإذا اقيمت الصلاة. وفي الإسناد الأول محمد بن أبي ليلى وهو سيء الحفظ وحديثه حسن إن شاء الله، وفي الثاني عطاء بن السائب وقد اختلط اهـ
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا مروان ابن شجاع حدثني خصيف عن عكرمة ومجاهد وعطاء عن ابن عباس رفعه إلى النبي ﷺ - الحديث- (غريبة) أي لأجل الإحرام وإن كان عليهما الدم وهذا الغسل مستحب عند الجمهور لإجل النظافة، وكذلك عند دخول مكة وتقدم الكلام عليه
(٣) كالسعي والوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار ونحو ذلك (٣) إنما منعتا من الطواف لأن الطهارة شرط في صحته عند الجمهور وقوله حتى تطهر بفتح التاء والطاء المهملة المشددة ويجوز فتح الطاء مع تشديد الهاء وهو على حذف إحدى التاءين وأصله تتطهر هكذا ضبطه الحافظ في حديث عائشة حيث قال لها النبي ﷺ "افعلي كما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري" والمراد بالطهارة هنا الغسل، ويؤيده ما وقع في رواية لمسلم "غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي" والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها وتغتسل وهو قول الجمهور (تخريجه) (د. مذ) وقال حسن غريب
[ ١٢ / ١١ ]
(٢١٦) عن عائشة ﵂ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت.
(٢١٧) عن عبد الرحمن بن القاسم عن ابيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها وحاضت بسرف قبل أن تدخل مكة اقضي ما يقضى (١) الحاج (٢) غير ألا تطوفي بالبيت (٣) الحديث
(٢١٨) عن زيد بن يثيع (٤) عن أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ بعثه ببراءة لأهل مكة لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت
_________________
(١) من هذا الوجه قلت وفي اسناده مروان بن شجاع وخصيف بن عبد الرحمن الجزري فيهما مقال ووثقهما جماعة
(٢) عن عائشة ﵂ سنده حدثنا عبد الله أبي ثنا وكيع ثنا سفيان عن جابر عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة - الحديث- (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وفي اسناده جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي أحد كبار علماء الشيعة، وثقه الثوري وغيره وقال النسائي متروك اهـ (قلت) وأخرجه باللفظ المذكور ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من حديث ابن عمر ويؤيده والذي قبله حديث عائشة ﵂ الآتي
(٣) عن عبد الرحمن بن القاسم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم - الحديث (غريبة) (٢) أي افعلي ما يفعل الحاج إلا الطواف بالبيت (٣) ليس هذا اخر الحديث وبقيته قالت فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر قلت ما هذا؟ قالوا ضحى رسول الله ﷺ عن أزواجه بالبقر تخريجه (ق. هق. وغيرهم)
(٤) عن زيد بن يثيع (سنده) حدثنا عبد الله قال حدثني أبي قال ثنا وكيع قال قال اسرائيل قال أبو اسحاق عن زيد بن يثيع بضم التحتانية وقد تبدل همزة بعدها مثلثة ثم تحتانية ساكنة ثم مهملة الهمداني الكوفي ثقة مخضرم من الثانية (٥) أي سورة براءة وذلك أن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر اميرا على الحج سنة تسع ليقيم للناس حجهم وأهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت ومنهم من له عهد
[ ١٢ / ١٢ ]
عريان (١) ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة (٢) الحديث
_________________
(١) مؤقت إلى أمد فأنزل الله ﷿: " براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين" إلى قوله: " واذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله" إلى اخر القصة" ففي بعض الروايات أن النبي ﷺ بعث أبا بكر ليبلغها للمشركين في الحج ويقول لهم لا يحج بعد العام مشرك إلخ، وفي بعضها أنه بعث بها عليا وسيأتي تحقيق ذلك في تفسير سورة براءة من كتاب التفسير إن شاء الله تعالى (١) ذكر ابن اسحاق سبب هذا الحديث فقال إن قريشا ابتدعت قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد لمن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثياب أحدهم فإن لم يجد طاف عريانا فإن خالف وطاف بثيابة ألقاها إذا فرغ منها ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام فهدم ذلك كله (٢) ليس هذا آخر الحديث وإنما اقتصرت منه على ما يناسب الترجمة وهو وجوب ستر العورة في الطواف وسيأتي الحديث بتمامه في تفسير سورة براءة من كتاب التفسير إن شاء الله تعالى (تخريجه) (ق. وغيرهما) (زوائد الباب) (عن عائشة ﵂) أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم يعني مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت (ق) وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فلا يتكلمن إلا بخير (نس. مي. مذ) وذكر الترمذي جماعة وقفوه على ابن عباس واخرجه (هق. حب. ك) وصححه وقال قد روي موقوفا على ابن عباس (قال في السراج) المعنى أن الطواف كالصلاة من بعض الوجوه كالطهارة، لا أن أجره كأجر الصلاة وعن ابن طاوس عن ابيه عن ابن عباس قال الطواف من الصلاة فأقلوا فيه الكلام (هق) وصححه وعن أبي الزبير المكي أن أبا ماعز عبد الله بن سفيان أخبره أنه كان جالسا مع عبد الله بن عمر فجاءته امرأة تستفتيه فقالت إني أقبلت أريد أن أطوف بالبيت حتى إذا كنت عند باب المسجد أهرقت الدم فرجعت حتى إذا ذهب ذلك عني، ثم أقبلت حتى إذا كنت عند باب المسجد أهرقت الدم فرجعت حتى إذا ذهب ذلك عني حتى إذا كنت عند باب المسجد أهرقت الدم، فقال عبد الله بن عمر إنما ذلك ركضة من الشيطان، اغتسلي ثم استنفري بثوب ثم طوفي (هق) (وعن ابن عباس ﵄) قال: كانت المرأة تطوف بالبيت في الجاهلية وهي عريانة وعلى فرجها خرقة وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الأية " قل من حرم زينة الله" (نس. هق) وعنه من طريق ثان بنحوه وفيه
[ ١٢ / ١٣ ]
_________________
(١) فنزلت " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد" (م. هق) الأحكام أحاديث الباب مع الزوائد تدل على أن الطواف لا يصح من متنجس أو محدث حدثا أصغر أو أكبر ولا من الحائض والنفساء، وإلى ذلك ذهب الأئمة الثلاثة (مالك والشافعي وأحمد) وحكاه المارودي عن جمهور العلماء وحكاه ابن المنذر في طهارة الحدث عن عامة العلماء وانفرد الإمام أبو حنيفة فقال الطهارة من الحدث والنجس ليست بشرط للطواف فلو طاف وعليه نجاسة أو محدثا أو جنبا صح طوافه (واختلف أصحابه) في كون الطهارة واجبة مع اتفاقهم على أنها ليست بشرط فمن أوجبها منهم قال إن طاف محدثا لزمه شاة، وإن طاف جنبا لزمه بدنة قالوا ويعيده ما دام بمكة وعن الإمام أحمد روايتان إحداهما أنها شرط لصحة الطواف كما ذهب إليه الجمهور والثانية أن الطهارة ليست شرطا متى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة فإن خرج إلى بلده جبره بدم وقال داود الطهارة للطواف واجبه فإن طاف محدثا اجزأه إلا الحائض (وقال المنصوري) من أصحاب داود الطهارة شرط كمذهب الجمهور، واحتج أبو حنيفة وموافقوه بعموم قوله تعالى" وليطوفوا بالبيت العتيق" وهذا يتناول الطواف بلا طهارة قياسا على الوقوف وسائر أركان الحج (واحتج الجمهور) بحديث عائشة المذكور في الزوائد أن النبي ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت وثبت في صحيح مسلم والإمام أحمد وغيرهما من رواية جابر أن النبي ﷺ قال في آخر حجته "لتأخذوا عني مناسككم" قال النووي قال أصحابنا ففي الحديث دليلان (احدهما أن طوافه ﷺ بيان للطواف المجمل في القرآن (والثاني) قوله ﷺ " لتأخذوا عني مناسككم " يقتضي وجوب كل ما فعله إلا ما قام عليه دليل على عدم وجوبه (وعن عائشة أيضا) أن النبي ﷺ قال لها حين حاضت وهي محرمة اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي، رواه البخاري ومسلم بهذا اللفظ، وفيه تصريح باشتراط الطهارة لأنه ﷺ نهاها عن الطواف حتى تغتسل والنهي يقتضي الفساد في العبادات فإن قيل إنما نهاها لأن الحائض لا تدخل المسجد قلنا هذا فاسد لأنه ﷺ قال حتى تغتسلي ولم يقلف حتى ينقطع دمك، وبحديث ابن عباس السابق "الطواف بالبيت صلاة" وقد سبق أنه موقوف على ابن عباس ويحصل منه الدلالة أيضا لأنه قول صحابي حجه أيضا عند أبي حنيفة وأجاب أصحابنا عن عموم الآية التي احتج بها أبو حنيفة بجوابين أحدهما أنها عامة فيجب تخصيصها بما ذكرنا والثاني أن الطواف بغير طهارة مكروه عند أبي حنيفة ولا يجوز حمل الآية على طواف مكروه لأن الله تعالى لا يأمر بالمكروه (والجواب) عن قياسهم على الوقوف وغيره أن الطهارة ليست واجبه في غير الطواف من أركان الحج فلم تكن شرطا بخلاف الطواف فإنهم سلموا
[ ١٢ / ١٤ ]
(٢) باب طواف القدوم والرمل والاضطباع فيه
(٢١٩) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال قدم رسول الله ﷺ وأصحابه (١) وقد وهنتهم حمى يثرب، قال فقال المشركون: إنه ثقدم (٢) عليكم قوم قد وهنتهم الحمى، قال فأطلع الله النبي ﷺ على ذلك، فأمر أصحابه أن يرملوا (٣) وقعد المشركون ناحية الحجر ينظرون
_________________
(١) وجوبها فيه على الراجح عندهم والله أعلم اهـ (وفي حديث أبي بكر) الأخير من أحاديث الباب وحديث ابن عباس المذكور في الزوائد بلفظ كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عاريانة إلخ دلالة على وجوب ستر العورة في الطواف وأنه يشترط لصحته، وإلى ذلك ذهب الأئمة (مالك، والشافعي، وأحمد) والجمهور وذهبت (الحنفية) إلى أنه ليس بشرط، فمن طاف عريانا عند الحنفية أعاد ما دام بمكة فإن خرج لزمه دم والله أعلم (وفي حديث أبي الزبير المكي المذكور في الزوائد) دلالة على صحة الطواف من المستحاضة باتفاق العلماء (تنبيه) اختلف العلماء في النية في طواف الحج أو العمرة، فذهب الأئمة (النووي وأبو حنيفة وجمهور الشافعية) وهو الصحيح عندهم، إلى أنه لا يفتقر شيء من أفعال الحج مطلقا إلى نية، لأن نية الحج تشملها كلها كما أن نية الصلاة تشمل جميع أفعالها ولا يحتاج إلى النية في ركوع أو غيره، ولأنه لو وقف بعرفة ناسيا أجزأه بالإجمعا (وذهب الأئمة أحمد واسحاق) وأبو ثور وابن القاسم المالكي وابن المنذر إلى أنه لا يصح إلا بالنية، لأنه عبادة تفتقر إلى البيت فافتقرت إلى النية كرعتي القيام، والظاهر الأول والله أعلم.
(٢) عن سعيد بن جبير (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا حماد بن زيد ثنا ايوب عن سعيد بن جبير - الحديث (غريبة) (١) يعني إلى مكة في عمرة القضية سنة سبع من الهجرة (٢) بفتح الدال مضارع قدم بكسرها (وقولهم وهنتهم) أي أضعفتهم (ويثرب) بفتح الموحدة غير منصرف اسم المدينة المنورة في الجاهلية (٣) بضم الميم مضارع رمل بفتحها، وتقدم معنى الرمل وهو الإسراع في المشي ليرى المشركون قوتهم بهذا الفعل لانه أقطع في تكذيبهم وأبلغ في نكايتهم، ولذا قالوا هؤلاء الذين تزعمون أن الحمى وهنتهم، هؤلاء أقوى من كذا وكذا (وقوله ومشوا ما بين الركنين) يعني الأسود واليماني، وذلك في الثلاثة الأشواط الأول كما يستفاد من حديثه التالي، والمعنى أنهم كانوا يرملون الشوط كله إلا في الموضع الذي بين الركن اليماني
[ ١٢ / ١٥ ]
إليهم فرملوا ومشوا ما بين الركنين، قال: فقال المشركون: هؤلاء الذين تزعمون أن الحمى وهنتهم، هؤلاء أقوى من كذا وكذا (١) ذكروا قولهم قال ابن عباس فلم يمنعه أن يأمرهم (٢) أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم
(٢٢١) عن ابي الطفيل عن ابن عباس ﵄ قال رمل رسول الله صلى الله عليه وعلى صحبه وسلم ثلاثة أشواط بالبيت إذا انتهى إلى الركن اليماني مشي حتى يأتي الحجر ثم يرمل، ومشي أربعة أشواط، قال: قال ابن عباس وكانت سنة (٣) (زاد في رواية) قال أبو الطفيل وأخبرني ابن عباس
_________________
(١) والركن الأسود، لأن المشركين كانوا لا يرونهم في هذا الموضع، وقد جاء معنى ذلك في رواية لأبي داود من حديث ابن عباس أيضا قال" وكانوا إذا بلغوا الركن اليماني وتغيبوا مشوا ثم يطلعون يرملون (١) لم يصرح في هذه الرواية بما قالوا وجاء في رواية لأبي داود أنهم قالوا" هؤلاء أجلد منا" وله في أخرى " تقول قريش كأنهم الغزلان " (٢) أي من أي يأمرهم فحذف الجار لعدم اللبس (وقوله أن يرملوا الأشواط كلها) أي أن يرملوا فحذف الجار كذلك، أولا حذف أصلا لأنه يقال أمرته بكذا وأمرته كذا، أي لم يمنعه ﵊ أن يأمرهم بالرمل في الطوفات كلها إلا ابقاء عليهم (وفي رواية للبخاري) إلا الإبقاء عليهم بزيادة الألف واللام (قال القسطلاني) بكسر الهمزة وسكون الموحدة والقاف ممدودة مصدر أبقى عليه إذا رفق به وهو مرفوع فاعل لم يمنعه، لكن الإبقاء لا يناسب أن يكون هو الذي منعه من ذلك، إذا الأبقاء معناه الرفق كما في الصحاح فلابد من تأويله بارادة ونحوها، أي لم يمنعه من الأمر بالرمل في الأربعة الا ارادته ﷺ الأبقاء عليهم فلم يأمرهم به وهم لا يفعلونه شيئا الا بأمره اهـ. والأشواط جمع شوط بفتح الشين وهو الجري مرة الى الغاية، والمراد به هنا الطوفة حول الكعبة (تخريجه) (ق. د. نس. وغيرهم)
(٢) عن أبي الطفيل (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا على بن عاصم عن الجريري عن أبي الطفيل وعبد الله بن عثمان بن خثيم كلاهما عن ابن عباس - الحديث (غريبة) (٣) يعني الرمل في الأشواط الأول، والمشي في الأربعة الباقية صار سنة وإن زال سببه، ولذلك صرح في الرواية الأخرى بأن النبي
[ ١٢ / ١٦ ]
أن النبي ﷺ فعل ذلك في حجة الوداع
(٢٢١) عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ طاف سبعا وطاف سبعا (١) وإنما سعى حب أن يرى الناس (٢) قوته
(٢٢٢) وعنه أيضا قال رمل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في حجته وفي عمره كلها وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء (٣)
(٢٢٣) عن ابن عمر ﵄ قال كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذا طاف الطواف الأول (٤) خب ثلاثا ومشي أربعا وكان
_________________
(١) ﷺ ذلك في حجه الوداع وقد زال سبب الرمل والله أعلم (وقوله زاد في رواية) هذه الزيادة جاءت في حديث طويل لأبي الطفيل عن ابن عباس سيأتي بتمامه في باب عمرة القضاء من كتاب السيرة النبوية إن شاء الله تعالى (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السياق لغير الإمام أحمد وسنده جيد
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا همام ثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس - الحديث (غريبة) (١) أي في الثلاثة الأشواط كما تقدم وهو المعبر عنه بالرمل (٢) أي كفار قريش حيث نسبوه ﷺ وهو وأصحابه للضعف وعدم القوة كما تقدم (تخريجه) (ق. م. هق.) بلفظ " إنما سعى رسول الله ﷺ ورمل بالبيت ليُري المشركين قوته" وللإمام أحمد رواية أخرى كروايتهم أيضا
(٣) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو معاوية ثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس_ الحديث (غريبة) (٣) فيه دلالة على مشروعية الرمل في طواف العمرة (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد من حديث ابن عباس وسنده جيد، وذكره الحافظ في التلخيص وعزاه للأمام أحمد فقط وسكت عنه، وقال في فتح الباري نعم عند الحاكم من حديث أبي سعيد رمل رسول الله ﷺ في حجته وعمره كلها وأبو بكر وعمر والخلفاء
(٤) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا على بن بحر ثنا عيسى بن يونس عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر - الحديث" (غريبة) (٤) يعني طواف القدوم (وقوله خب) أي رمل. لأن الرمل والخبب بمعنى واحد، وهو إسراع
[ ١٢ / ١٧ ]
يسعى ببطن المسيل (١) إذا طاف بين الصفا والمروة
(٢٢٤) عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه كان يرمل ثلاثا ويمشي أربعا ويزعم (٢) أن رسول الله ﷺ كان يفعله وكان يمشي ما بين الركنين، قال (٣) انما كان يمشي ما بينهما ليكون أيسر لاستلامه (٤)
(٢٢٥) عن ابن عمر ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود (٥)
_________________
(١) المشي مع تقارب الخطا (وقوله ثلاثا) أي في الطوفات الثلات الأول من السعي (وقوله ومشي أربعا) معناه أنه مشي في الطوفات الأربع الباقية من السبع مشيا اعتياديا بدون خبب (١) بطن المسيل أي المكان الذي يجتمع فيه السيل (قال النووي) وهو قدر معروف وهو من قبل وصوله إلى الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد إلى أن يحاذي الميلين الأخضرين المتقابلين اللذين بفناء المسجد ودار العباس والله أعلم (تخريجه) (ق. هق. وغيرهم)
(٢) عن نافع عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيي عن عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر - الحديث (غريبة) (٢) تقدم أن الزعم هنا هو اطلاق الزعم على القول الصحيح (٣) القائل هو نافع اي لأنه لايتمكن الاستلام، وجعل ابن عباس في حديثه السابق أول الباب العلة فيه الإبقاء عليهم يعني الرفق بهم وهذا الرأي قاله نافع، فإن كان استند فيه إلى فهمه فلا يدفع احتمال أن يكون ابن عمر ووافق ابن عباس اتباعا لما كان من المشي بين الركنين لما عرف من مذهبه في الاتباع (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السياق لغير الإمام أحمد وسنده جيد، وأخرجه الشيخان وغيرهما إلى قوله ويمشي أربعا، وأخرجه النسائي لغير الإمام أحمد وسنده جيد، وأخرجه الشيخان وغيرهما إلى قوله ويمشي أربعا، وأخرجه النسائي إلى قوله " ويزعم أن رسول الله ﷺ كان يفعله"
(٣) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو نوح أنبأنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر - الحديث (غريبة) (٣) فيه أن الرمل يشرع في جميع المطاف من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود " يعني في الثلاث طوفات الأول ما تقدم من الأحاديث الأخرى" وهو يخالف حديث ابن عباس المذكور أول الباب، بل ويخالف حديث ابن عمر نفسه المذكور قبل هذا، لأنه يستفاد منهما ان النبي ﷺ كان يرمل في الثلاثة الأشواط الأول إلا المسافة التي بين الركنين فإنه كان يمشي
[ ١٢ / ١٨ ]
(٢٢٦) عن يعلى بن أمية ﵁ قال أن النبي ﷺ لما قدم طاف بالبيت وهو مضطبع (١) ببرد له حضرمي
(٢٢٧) عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من جعرانة فاضطبعوا أرديتهم تحت آباطهم (وفي لفظ) (٢) جعلوا أرديتهم وقذفوها على عواتقهم اليسرى (وعنه من طريق ثان) (٢) أن رسول
_________________
(١) فيها في كل مرة من الطوفات الثلاثة، وتقدم أن ذلك كان في عمرة القضية سنة سبع قبل فتح مكة وكان في المسلمين إذ ذاك ضعف في أبدانهم، وإنما رملوا اظهارا للقوة واحتاجوا إلى ذلك في غير ما بين الركنين اليمانيين، لأن المشركين كانوا جلوسا مما يلي الحجر وكانوا لا يرونهم بين هذين الركنين ويرونهم فيما سوى ذلك، فلما حج النبي ﷺ حجة الوداع سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر فوجب الأخذ بهذا المتأخر لأنه ناسخ لذاك والله أعلم (تخريجه) (م. د. نس. جه. هق)
(٢) عن يعلي بن أمية (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا سفيان عن ابن جريج عن ابن يعلي عن ابيه أن النبي ﷺ لما قدم - الحديث" (غريبة) (١) الاضطباع افتعال من الضبع بإسكان الباء الموحدة وهو العضد، وهو أن يدخل إزاره تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على منكبه الأيسر ويكون منكبه الأيمن مكشوفا، كذا في شرح مسلم للنووي وشرح البخاري للحافظ، وهذه الهيئة ستأتي في حديث ابن عباس (والبرد) بضم الباء الموحدة وسكون الراء نوع من الثياب (وقوله حضرمي) أي منسوب إل حضر موت بلد باليمن (تخريجه) (د. جه. مي. مذ) وصححه ولفظه عن يعلي بن أمية أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم طاف بالبيت وعليه برد ورواه أبو داود وفيه " وهو مضطجع ببرد له أخضر"
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سريج ويونس قالا ثنا حماد يعني ابن سلمة عن عبد الله بن عثمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - الحديث (غريبة) (٢) هذا اللفظ ليونس أحد رجال السند في روايته (٣) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حسن بن موسى ثنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وأصحابه
[ ١٢ / ١٩ ]
الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من جعرانة فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا
(٢٢٨) عن زيد بن أسلم عن أبيه قال سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول فيما (١) الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أطأ
(٢) الله الإسلام ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (٢)
_________________
(١) اعتمروا من جعرانة فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا (تخريجه) (د. طب) وسكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص، ورجاله رجال الصحيح، وقد صحح حديث الاضطباع النووي في شرح مسلم
(٢) عن زيد بن أسلم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الملك بن عمرو ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه - الحديث (غريبة) (١) باثبات الف ما الاستفهامية وهي لغة، والأكثر يحذفونها، والرملان بفتحتين مصدر رمل، والكشف عن المناكب هو الاضطباع، وتقدم تفسيره قبل حديث (٢) بهمزتين مفتوحتين بينهما طاء مهملة مشددة مفتوحة (قال الخطابي) إنما هو وطأ الله، أي ثبته وأرساه والواو قد تبدل همزة (٣) زاد الاسماعيلي في آخره ثم رمل، وحاصله أن عمر بن الخطاب ﵁ قد هم بترك الرمل في الطواف لأنه عرف سببه، وقد انقضى، فهم أن يتركه لفقد سببه، ثم رجع عن ذلك لاحتمال أن يكون له حكمه ما اطلّع عليها، فرأى أن الاتباع أولى، ويؤيد مشروعية الرمل على الاطلاق ما ثبت في حديث ابن عباس وتقدم في أحاديث الباب أنهم رملنا في حجة الوداع مع رسول الله ﷺ وقد نفي الله في ذلك الوقت الكفر وأهله عن مكة، والرمل في حجة الوداع ثابت أيضا في حديث جابر الطويل عند مسلم والإمام أحمد وغيرهما وتقدم في باب صفة حج النبي ﷺ (قال الخطابي) وفيه دليل على أن النبي ﷺ قد يسن الشيء لمعنى فيزول ذلك المعنى وتبقى السنة عل حالها، وممن كان يرى الرمل سنة مؤكدة ويرى على من تركه دما سفيان الثوري، وقال عامة أهل العلم ليس على تاركه شيء اهـ (تخريجه) (د. جه. بز. ك. هق) وسنده جيد (قال الحافظ) في التلخيص وأصله في صحيح البخاري بلفظ " ما لنا وللرمل، إنما كنا رأينا المشركين وقد أهلكهم الله، ثم قال شيء صنعه رسول الله ﷺ فلا نحب أن نتركه" وعزاه البيهقي إليه " يعني إلى البخاري" ومراده اصله (زوائد الباب) (عن ابن عباس) ﵄ زوائد الباب وبيان أنواع الطواف
[ ١٢ / ٢٠ ]
_________________
(١) أن النبي ﷺ لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه (د. جه. هق) (وعن نافع) أن عبد اله بن عمر ﵄ كان إذا أحرم من مكة لم يطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى، وكان لا يسعى إذا طاف حول البيت إذا أحرم من مكة (قال الشافعي في القديم) في قوله لا يسعى يعني لا يرمل، قال ومن أحرم من مكة أو طاف قبل منة ثم طاف يوم النحر لم يرمل، إنما يرمل من كان ابتداء طوافه (هق) (وعن نافع عن ابن عمر) ﵄ أنه قال ليس على النساء سعى " أي رمل " بالبيت ولا بين الصفا والمروة (عائشة ﵄) قالت يا معشر النساء ليس عليكن رمل بالبيت لكن فينا اسوة، رواهما البيهقى (وعن ابن عباس) ﵄ قال سئل رسول الله صلى عليه وسلم عام حج عن الرمل فقال إن الله قد كتب عليكم السعي فاسعوا (طس) وفيه الفضل بن صدقة وهو ضعيف (وعن سهل بن حنيف) ﵁ أن رسول الله ﷺ لما اعتمر وكان في الطريق قالوا لو أنا نظرنا إلى بعير سمين فنحرناه فأكلناه حتى يروا قوتنا فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله ادع بأزواد القوم ثم ادع فيها فان الله سيبارك فيها، ففعل ذلك رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ بشروا الناس أنه من قال لا إله الله وجبت له الجنة (طب) وفيه رشدين بن سعد وفيه كلام وقد وثق (وعن هلال بن زيد) قال رأيت أنس بن مالك في السعي حول البيت في الطوفات الثلاثة يمشى ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود في الحج والعمرة، ثم سمعت أنس بن مالك يقول هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع (طب) وفيه هلال ابن زيد بن بولي وهو ضعيف (وعن نافع عن ابن عمر) ﵄ قال سعى النبي ﷺ ثلاثة أشواط ومشى أربعة في الحج والعمرة (خ. نس. هق.) (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية طواف القدوم والرمل فيه والاضطباع. وغير ذلك سيأتي الكلام عليه (واعلم أن الطواف ثلاثة أنواع باجماع العلماء) (أحدهما) طواف القدوم على مكة (والثاني) طواف الإفاضة بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر لمن كان محرما بحج (والثالث) طواف الوداع بعد التحلل من أعمال الحج كلها واردة المفر كأنه يودع البيت (واجمعوا) على أن الواجب منها الذي يفوت الحج بفواته هو طواف الإفاضة وأنه المعنىّ بقوله تعالى: " ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق" وأنه لا يجزئ عنه دم (وجمهورهم) على أنه لا يجزئ طواف القدوم على مكة عن طواف الإفاضة إذا نسي طواف الإفاضة كأنهم رأوا أن الواجب إنما هو طواف واحد (وجمهور العلماء) على أن طواف الوداع يجزئ عن طواف الإفاضة إن لم يكن طواف الإفاضة، لأنه
[ ١٢ / ٢١ ]
_________________
(١) طواف بالبيت معمول في وقت طواف الوجوب الذي هو طواف الإفاضة بخلاف طواف القدوم الذي هو قبل وقت طواف الإفاضة (واجمعوا) على أن المكي ليس عليه إلا طواف الإفاضة كما أجمعوا على أنه ليس على المعتمر إلا طواف القدوم، وسيأتي الكلام على طواف القارن والمتمتع والمفرد في أبوابه، ونتكلم الآن على طواف القدوم لأنه المقصود بالترجمة فنقول (أما طواف القدوم) فقد اختلف في وجوبه فذهب الإمامان (مالك وأبو ثور) وبعض أصحاب الإمام الشافعي إلى أنه فرض لقوله تعالى " ليطوفوا بالبيت العتيق" ولفعله ﷺ وقوله " خذوا عنى مناسككم " وذهب الأئمة (أبو حنيفة والشافعي وأحمد) إلى أنه سنة، قالوا لأنه ليس فيه إلا فعله ﷺ وهو لا يدل على الوجوب، وأما الاستدلال على الوجوب بالآية فقال شارح البحر إنها لا تدل على طواف القدوم لأنها في طواف الزيارة (أي الإفاضة) اجماعا اهـ (قال الشوكاني) والحق الوجوب، لأن فعله ﷺ مبين لمجمل واجب هو قوله تعالى" ولله على الناس حج البيت" وقوله ﷺ " خذوا عني مناسككم " وقوله" حجوا كما رأيتموني أحج" وهذا الدليل يستلزم وجوب كل فعل فعله النبي ﷺ في حجه إلا ما خصه دليل، فمن ادعى وجوب شيء من أفعاله في الحج فعليه الدليل على ذلك. وهذه كلية فعليك بملاحظتها في جميع الأبحاث التي ستمر بك اهـ (وفي أحاديث الباب) دلالة على مشروعية الرمل في الطواف الأول في الثلاثة الأشواط الأول وأنه سنة، والطواف الأول هو طواف القدوم (وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء) ومنهم الأئمة الأربعة (قال النووي) ﵀ ولا يسن ذلك إلا في طواف العمرة وفي طواف واحد في الحج، واختلفوا في ذلك الطواف، وهما قولان للشافعي أصحهما أنه إنما يشرع في طواف يعقبه سعي ويتصور ذلك في طواف القدوم، ويتصور في طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع لأن شرط طواف الوداع أن يكون قد طاف للإفاضة فعلى هذا القول إذا طاف للقدوم وفي نيته أن يسعى بعده استحب الرمل فيه، وإن لم يكن هذا في نيته لم يرمل فيه بل يرمل في طواف الإفاضة (والقول الثاني) أنه يرمل في طواف القدوم سواء أراد السعي بعده أم لا والله أعلم (قال أصحابنا) فلو أخل بالرمل في الثلاث الأول من السبع لم يأت به في الأربع الأواخر، لأن السنة في الأربع الأخيرة المشي على العادة فلا يغيره، ولو لم يمكنه الرمل للزحمة أشار في هيئة مشية إلى صفة الرمل، أشار في هيئة مشية إلى صفة الرمل، ولو لم يمكنه الرمل بقرب الكعبة للزحمة وأمكنه إذا تباعد عنها فالأولى أن يتباعد ويرمل، لأن فضيلة الرمل هيئة للعبادة في نفسها والقرب من الكعبة هيئة في موضع العبادة لا في نفسها، فكان في تقديم ما تعلق بنفسها أولى والله أعلم (وفي أحاديث الباب أيضا) مشروعية المشي بين الركنين في الثلاثة الأشواط
[ ١٢ / ٢٢ ]
(٣) باب فضل الطواف والركن اليماني والحجر الأسود ومقام إبراهيم
(٢٢٩) عن ابن عمر ﵄ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله
_________________
(١) الأول ولكن كان ذلك في أول الأمر ثم نسخ بأنه ﷺ رمل مع أصحابه في حجة الوداع من الحجر إلى الحجر كما في أحاديث الباب، وتقدم الكلام عليه في الشرح (وفي أثرى ابن عمر وعائشة) المذكورين في الزوائد دلالة على أن النساء ليس عليهن رمل في الطواف بالبيت ولا بين الصفا والمروة (وحكى النووي اتفاق العلماء على ذلك) ولو تر ك الرجل الرمل حيث شرع له فهو تارك لسنة ولا شيء عليه عند الجمهور (وقال الحسن البصري) والثوري وعبد الملك بن الماجشون المالكي إذا ترك الرمل لزمه دم، وكان الإمام مالك يقول به ثم رجع (واجمعوا) على أنه لا رمل على من أحرم بالحج من مكة من غير أهلها وهم المتمتعون لأنهم قد رملوا في حين دخولهم حيث طافوا للقدوم " واختلفوا في أهل مكة " هل عليهم إذا حجوا رمل أم لا (فقال الإمام الشافعي) كل طواف قبل عرفة مما يوصل بينه وبين السعي فإنه يرمل فيه (وكان الإمام مالك) يستحب ذلك، وكان ابن عمر لا يرى عليهم رملا إذا طافوا بالبيت على ما روي عنه مالك (وفي أحاديث الباب أيضا) مشروعية الاضطباع في الطواف وتقدم معناه في الشرح، وهو أن يدخل إزاره تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على منكبه الأيسر فيكون منكبه الأيمن مكشوفا، وهذه الهيئة هي المذكورة في حديث ابن عباس المذكور في الباب، والحكمة في فعله أنه يعين على إسراع المشي (وقد ذهب إلى استحبابه الجمهور) سوى الإمام مالك فإنه قال الاضطباع لا يعرف ولا رأيت أحدا يفعله (وقال النووي) في شرح المهذب: اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على استحباب الاضطباع في الطواف واتفقوا على أنه لا يسن في غير طواف الحج والعمرة وأنه يسن في طواف العمرة وفي طواف واحد في الحج وهو طواف القدوم أو الإفاضة، ولا يسن إلا في أحدهما، قال وحاصله أنه يسن في طواف فيه الرمل ولا يسن فيما لا يسن فيه الرمل، وهذا الاختلاف فيه اهـ (قال صاحب المهذب) ولا ترمل المرأة ولا تضطبع، لأن في الرمل تبين اعضاءها وفي الاضطباع ينكشف ما هو عورة منها اهـ (قال النووي) في شرحه واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على ذلك والله أعلم
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر والثوري عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن ابن عمر
[ ١٢ / ٢٣ ]
وسلم قال إن مسح الركمن اليماني والركم الأسود (١) يحط الخطايا حطا (٢)
(٢٣٠) عن عبد الله بن عبيد بن عمير أنه سمع أباه يقول لابن عمر مالي لا أراك تستلم إلا هذين الركنين الحجر الأسود والركن اليماني؟ فقال ابن عمر: إن أفعل ذلك (٣) فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: إن استلامهما يحط الخطايا، قال وسمعته يقول من طاف أسبوعا (٤) يحصيه وصلى ركعتين (٥) كان له كعدل رقبةٍ (٦) قال
_________________
(١) الحديث (غريبة) (١) سمي هذا الركن بالأسود لكون الحجر الأسود فيه والمراد مسح الحجر الأسود بيده وتقبيلها إن لم يمكنه تقبيله وإلا فيمسحه بيده ويقبله بفمه، اما الركن اليماني فيمسحه بيده ولا يقبله كما ذهب إليه الجمهور، وتقدمت الإشارة إلى ذلك (٢) أي يسقطها وهو كناية عن غفران الذنوب وأكد بالمصدر إفادة لتحقيق وقوع ذلك (تخريجه) (نس. حب) وفي إسناده بن السائب ثقة، ولكنه اختلط، وحسنه المناوي والسيوطي، ويؤيده الحديث الآتي بعده، ورواه البيهقي بسنده عن عبد الله بن عمير الليثي عن أبيه قال قلت لابن عمر: مالي رأيتك تزاحم على هذين الركنين؟ لم أر أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ يزاحم عليهما غيرك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: مسحهما يحط الخطايا
(٢) عن عبد الله بن عبيد (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هشيم أنا عطاء بن السائب عن عبد الله بن عبيد بن عمير - الحديث (غريبة) (٣) يعني أن أخص هذين الركنين بالاستلام فلا ألام على ذلك لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول إلخ فإن شرطية والجواب مقدر ودليل الجواب قوله فقد سمعت إلخ (٤) أي سبع مرات ومنه قيل أسبوع للأيام السبعة، ويقال له سبوع بلا ألف على لغة قليلة، وقيل هو جمع سُبع أو سَبع كبرد وبرود وضرب وضروب (وقوله يحصيه) أي يكمله عدا ويراعى ما يعتبر في الطواف من الشروط والآداب (٥) هما ركعتي الطواف يصليهما عقب فراغه من الطواف خلف مقام إبراهيم، وقد جاء مصرحا به في حديث جابر الطويل وتقدم في باب صفة حج النبي ﷺ في الجزء الحادي عشر (٦) العدل والعدل بالكسر والفتح في الحديث، وهما بمعنى المثل وقيل هو بالفتح ما ماثله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه
[ ١٢ / ٢٤ ]
وسمعته يقول: ما رفع رجل قدما ولا وضعها (١) إلا كتب له عشر حسنات وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات
(٢٣١) عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يأتي هذا الحجر (٢) يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق (٣)
_________________
(١) وقيل بالعكس (نه) والمعنى أن من طاف وصلى ركعتين بعد الطواف بالشروط المتقدمة كان له مثل اعتاق رقبة في الثواب، والكاف زائدة في قوله كعدل (١) يعني في الطواف (تخريجه) أورده المنذري وقال رواه أحمد وهذا لفظه، والترمذي ولفظه " اني سمعت رسول الله ﷺ يقول ان مسحهم كفارة للخطايا" وسمعته يقول: " لا يضع قدما ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة وكتب له بها حسنة" (رواه الحاكم) وقال صحيح الإسناد (وابن خزيمة) في صحيحه ولفظه " إن أفعل فاني سمعت رسول الله ﷺ يقول مسحهما يحط الخطايا" وسمعته يقول: " من طاف بالبيت لم يرفع قدما ولم يضع قدما إلا كتب الله له حسنة وحط عنه خطيئة وكتب له درجة" وسمعته يقول: " من أحصى أسبوعا كان كعتق رقبة" (ورواه ابن حبان) في صحيحه مختصرا أن النبي ﷺ قال" مسح الحجر والركن اليماني يحط الخطايا حطا" (قال المنذري) رووه كلهم عن عطاء بن السائب عن عبدالله اهـ (قلت) يريد أن عطاأ مختلف فيه، بعضهم وثقه وبعضهم ضعفه لأنه اختلط في آخر أمره والله أعلم، ورواه الترمذي في أواخر الحج بلفظ حديث الباب، وقال هذا حديث حسن
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا على بن عاصم أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس- الحديث (غريبة) يعني الحجر الأسود يبعثه الله يوم القيامة كما يبعث الخلائق (ولفظ الترمذي والله ليبعثنه يوم القيامة له عينان الخ (٣) بحق متعلق باستلمه أي استلمه إيمانا واحتسابا، ويجوز أن يتعلق بيشهد، والحديث محمول على ظاهره، فإن الله تعالى قادر على إيجاد البصر والنطق في الجمادات، لأن الأجسام متشابهة في الحقيقة يقبل كل منها ما يقبل الآخر من الأعراض، هذا مذهب السلف والراسخين في العلم، وهو الذي أعتقده وأدين الله عليه، وذهب آخرون إلى تأويله بأن ذلك كناية عن تحقيق ثواب المستلم وأن سعيه لا يضيع، ولا أدري ما الذي ألجأهم إلى ذلك ألم يسمعوا قول الله تعالى في كتابه المبين" ولقد خلقنا
[ ١٢ / ٢٥ ]
(٢٣٢) وعنه أيضا أن النبي ﷺ قال: الحجر الأسود من الجنة (١) وكان أشد بياضا من الثلج (٢) حتى سودته خطايا أهل الشرك
_________________
(١) الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين" من كان هذا خلقه وهذه قدرته أليس بقادر على خلق عينين ولسان للحجر؟ بلى قادر، اللهم ألهمنا الصواب وقنا شر الزيغ والزلل ووفقنا لصالح العمل آمين (تخريجه) (مذ. جه. هق. خز. حب) وصححاه وقال الترمذي حديث حسن ورواه الطبراني في الكبير ولفظه " يبعث الله الحجر الأسود والركن اليماني يوم القيامة ولهما عينان ولسانان وشفتان يشهدان لمن استلمهما بالوفاء
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا روح ثنا حماد يعني ابن سلمة ثنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ - الحديث (غريبة) (١) آوله بعض الشرح بإرادة المبالغة في تعظيم شأن الحجر وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، والمعنى أن الحجر لما فيه من الشرف والكرامة واليمن والبركة شارك جواهر الجنة فكأنه نزل منها، وأقول لا ملجئ لهذا التأويل بل يحمل الحديث على ظاهره إذ لا مانع من ذلك عقلا ونقلا، لا سيما وقد جاء هذا الحديث عند الطبراني بلفظ يبعد التأويل وسيأتى في التخريج (قال الحافظ) واعترض بعض الملحدين على هذا الحديث فقال كيف سودته خطايا المشركين ولم تبيضه طاعات أهل التوحيد؟ (وأجيب) بما قال ابن قتيبة لو شاء الله لكان ذلك، وإنما أجرى العادة بأن السواد يصبغ ولا يُصبغ على العكس من البياض (وقال المحب الطبري) في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد فتأثيرها في القلب أشد، قال وروي عن ابن عباس إنما غيره بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إل زينة الجنة، فإن ثبت هذا الجواب لكن قال الحافظ أخرجه الحميدي في فضائل مكة باسناد ضعيف (٢) لفظ الترمذي أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم (تخريجه) (هق. خز. مذ) وقال حديث حسن صحيح، ورواه الطبراني في الأوسط والكبير باسناد حسن ولفظه قال: " الحجر الأسود من حجارة الجنة وما في الأرض من الجنة غيره، وكان أبيض كالمها لولا ما مسه من رجس الجاهلية، ما مسه ذو عاهة إلا برأ (وفي رواية) لابن خزيمة قال الحجر الأسود ياقوته بيضاء من يواقيت الجنة وإنما سودته خطايا المشركين، يبعث يوم القيامة مثل أُحد يشهد لمن استلمه
[ ١٢ / ٢٦ ]
(٢٢٣) عن أنس بن مالك ﵁ قال الحجر الأسود من الجنة
(٢٣٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ولم: يأتي الركن (١) يوم القيامة أعظم من أبي قبيس (٢) له لسان وشفتان
(٢٣٥) عن مسافع (٣) بن شيبة سمعت عبد الله بن عمرو (يعني ابن
_________________
(١) وقبله من أهل الدنيا " وقوله المها" مقصورا جمع مهاة وهي البلورة
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحي ابن سعيد عن شعبة ثنا قتادة عن أنس - الحديث (تخريجه) هكذا رواه الإمام أحمد موقوفا على أنس، ورواه البزار والبيهقي والطبراني في الأوسط مرفوعا، وفيه عمر بن ابراهيم العبدي وثقه ابن معين وغيره وفيه ضعف قاله الهيثمي
(٣) عن عبد الله بن عمرو (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سريج ثنا عبد الله بن المؤمل عن عطاء بن أبي رباح عن عبد اله بن عمرو بن العاص- الحديث (غريبة) (١) المراد بالركن الحجر الأسود (٢) اسم جبل بمكة وهو أحد الأخشبين (قال الأزرقي) الأخشبان بمكة هما الجبلان، أحدهما أبو قبيس وهو الجبل المشرف على الصفا إلى السويد إلى الحندمة وكان يسعى في الجاهلية الأمين، لأن الحجر الأسود كان مستودعا فيه عام الطوفان، قال الأزرقي وبلغني عن بعض أهل العلم من أهل مكة أنه قا ل إنما سمي أباقيس لأن رجلا كان يقال له أبو قيس بنى فيه فما صعد فيه بالبناء سمي الجبل أبا قيس (قال مجاهد) أول جبل وضعه الله تعالى على الأرض حين مادت أبو قبيس، وأما الأخشب الآخر فهو الجبل الذي يقال له الأحمر، وكان يسمى في الجاهلية الأعرف وهو الجبل المشرف على قيقعان وعلى دور عبد الله بن الزبير اهـ (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني في الأوسط وزاد " يشهد لم استلمه بالحق وهو يمين الله ﷿ يصافح بها خلقه" وفيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن حبان وقال يخطئ وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح
(٤) عن مسافع بن شيبة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عفان ثنا رجاء أبو يحيى ثنا مسافع- الحديث (غريبة) (٣) هو مسافع بن عبد الله
[ ١٢ / ٢٧ ]
العاص) ﵄ يقول فأنشد بالله (١) ثلاثا ووضع إصبعيه في أذنيه لسمعت رسول الله ﷺ يقول إن الركن (٢) والمقام (وفي لفظ إن الحجر والمقام) ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس اله ﷿ نورهما (٣) ولولا أن الله طمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب (وفي لفظ ما بين السماء والأرض)
_________________
(١) ابن شيبة، فشيبة جده وقد نسب إليه (قال الحافظ) في التقريب مسافع بن عبد الله ابن شيبة بن عثمان العبدري أبو سليمان الحجبي، وقد ينس لجده ثقة من الثالثة قيل قتل يوم الجمل ولا يصح ذلك بل تأخر إلى خلافة الوليد اهـ أي أقسم بالله تعالى وثلتّ القسم للتأكيد ووضع إصبعي في إذنيه تأكيد ثان، واللام في قوله لسمعت تأكيد ثالث، وكل هذه التأكيدات ليثبت أنه سمع الحديث بإذنيه من الرسول ﷺ بدون واسطة (٢) المراد بالركن هنا الحجر الأسود كما في اللفظ الآخر، وأما المقام فمقام إبراهيم، وهو الحجر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار أتاه اسماعيل ﵇ به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار وكلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه وهكذا حتى تم جدران الكعبة، وكانت آثار قدمية ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفا تعرفه العرب في جاهليتها ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية: وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيا غير ناعل وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا كما قال عبد الله بن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثهم قال رأيت المقام فيه أصابعه ﵇ واخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم وروي البيهقي بسنده عن عائشة ﵂ أن المقام كان زمان رسول الله ﷺ وزما أبي بكر ﵁ ملتصقا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁ (قال الحافظ) ابن كثير اسناده صحيح قال ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك (٣) أي أذهبه (قال القارئ) أي بمساس المشركين لهما ولعل الحكمة في طمسهما ليكون الإيمان غيبيا لا عينيا (تخريجه) (مذ. حب. ك. هق) قال الحافظ أخرجه أحمد والترمذي وصححه ابن حبان وفي اسناده رجاء أبو يحيي وهو ضعيف (قال الترمذي) حديث غريب ويروى عن عبد الله بن عمرو موقوفا، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وقفة أشبه، والذي رفعه
[ ١٢ / ٢٨ ]
_________________
(١) ليس بقوي اهـ (زوائد الباب) (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) ﵄ نزل الركن الأسود من السماء فوضع على أبي قبيس كأنه مهاة بيضاء (أي بلورة) فمكث أربعين سنة ثم وضع على قواعد إبراهيم (طب) ورجاله ثقات (وعن ابن عباس) ﵄ قال قال النبي ﷺ: لولا ما طبع الركن من أنجاس الجاهلية وأرجاسها وأيدي الظلمة وا للئمة لاستشفى به من كان به عاهة ولألفى اليوم كهيته يوم خلقه الله، وإنما غيره بالسواد لئلا ينظر أهل النار إلى زينة الجنة وليصرن إليها، وإنها لياقوتة من ياقوت الجنة، وضعه الله حين أنزل آدم في موضع الكعبة والأرض يومئذ طاهرة ولم يعمل فيها شيء من المعاصى وليس لها أهل ينجسونها، فوضع له صف من الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من سكان الأرض. وسكانها يومئذ الجن، لا ينبغي لهم أن ينظروا إليه لأنه شيء من الجنة، ومن نظر إلى شيء من الجنة دخلها، فليس ينبغي أن ينظر إليها إلا من وجبت له الجنة والملائكة يذودونهم عنه وهم وقوف على أطراف الحرم يقذفون بهم من كل جانب، ولذلك سمي الحرم لأنهم يحولون فيما بينهم وبينه (طب) وفيه من لم أعرفه ولا له ذكر (وعن ابن عباس) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ يبعث الله الحجر الأسود والركن اليماني يوم القيامة ولهما عينان ولسانان وشفتان ويشهدان لمن استلمهما بالوفاء (طب) من طريق بكر ابن محمد القرشي عن الحارث بن غسان وكلاهما لم أعرفه (وعن عائشة ﵂) قالت قال رسول الله ﷺ أشهدوا هذا الحجر خيرا فإنه يوم القيامة شافع مشفع له لسان وشفتان يشهد لمن استلمه (طس) وفيه الوليد بن عباد وهو مجهول وبقية رجاله ثقات، أورد هذه الأحاديث الحافظ الهيثمي وتكلم عليها جرحا وتعديلا (وعن محمد بن المنكدر) عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ: من طاف بالبيت أسبوعا لا يلغو فيه كان كعدل رقبة يعتقها (طب) ورواته ثقات (عن حميد بن أبي سوية) قا ل سمعت ابن هشام يسأل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني وهو يطوف بالبيت، فقال عطاء حدثني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " وكل به سبعون ملكا فمن قال اللهم إني أسالك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين" فلما بلغ الركن الأسود قال يا أبا محمد ما بلغك في هذا الركن الأسود؟ فقال عطاء حدثني أبو هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " من فاوضه فإنما يفاوض يد الرحمن" قال له ابن هشام يا أبا محمد فالطواف؟ قال عطاء حدثني أبو هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قال: " من طاف البيت سبعا ولا يتكلم إلا بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله محيت عنه عشر سيئات وكتبت له عشر حسنات ورفع له بها عشر درجات، ومن
[ ١٢ / ٢٩ ]
(٤) باب استلام الركن الأسود واليماني وعدم استلام الركنين الآخرين
(٢١٦) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يستلم الركن اليماني والأسود كل طوفة ولا يستلم الركنين الآخرين اللذين يليان الحجر (١) (وعنه من طريق ثان) أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان لا يدع أن يستلم الحجر والركن اليماني في كل طوف
_________________
(١) طاف فتكلم وهو في تلك الحال خاض في الرحمة برجليه كخائض الماء برجليه" أورده الحافظ المنذري وقال رواه ابن ماجه عن اسماعيل بن عياش حدثني حميد بن أبي سوية وحسنه بعض مشايخنا " وقوله وكل به" أي بالتأمين لمن دعا عنده " وقوله فاوضه " أي قابله بوجهه " وقوله فتكلم وهو في تلك الحال خاض في الرحمة برجليه" معنا هـ أنه إذا تكلم بكلام الدنيا كان في الرحمة برجليه فقط دون سائر جسده بخلاف من يذكر الله في تلك الحا لة فإنه يكون في الرحمة بتمام جسده والله أعلم (وعن ابن عباس) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ يُنزل الله كل يوم على حجاج بيته الحرام عشرين ومائة رحمة. ستين للطائفين وأربعين للمصلين (هق) بإسناد حسن (وعنه أيضا) قال قال رسول الله ﷺ من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (مذ) وقال حديث غريب. سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال إنما يروى عن ابن عباس من قوله (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على فضل الطواف لمن أتى به كاملا مراعيا شروطه وآدابه كالطهارة من الحدث والنجس في الثوب والبدن وستر العورة وأن يطوف داخل المسجد وأن يستكمل سبع طوفات وأن يبتدئ طوافه من الحجر الآسود مع استلامه وتقبيله واستلام الركن اليماني وعدم الكلام إلا بذكر الله تعالى من فعل ذلك كان له عند الله فضل عظيم وثواب جسيم (وفيها أيضا) دلالة على فضل الركن اليماني والحجر الأسود ومقام إبراهيم وأنهما ياقوتتان من الجنة وقد أتينا في الشرح بما فيه الكفاية والله الموفق.
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا الفضل ابن دكين ثنا ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر - الحديث (غريبة) (١) يعني الركنين الشاميين لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيي عن ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ - الحديث (تخريجه) (د. نس. هق.) وفي اسناده عبد العزيز أبي رواد فيه مقال، قال
[ ١٢ / ٣٠ ]
(٢٣٧) عن سالم عن أبيه أنه قال لم أر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين.
(٢٣٨) عن ابن عباس ﵄ كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا يستلم إلا هذين الركنين اليماني والأسود.
(٢٣٩) عن يعلي بن أمية ﵁ قال طفت مع عمر بن الخطاب
_________________
(١) يحيى بن سليم الطائفي كان يرى الأرجاء (وقال يحيي القطان) هو ثقة لا يترك لرأي أخطأ فيه (وقال ابن المبارك) كان يتكلم ودموعه تسيل، ووثقه ابن معين وأبو حاتم
(٢) عن سالم عن أبيه (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هاشم ابن القاسم واسحاق بن عيسى قالا ثنا ليث بن سعد وقال هاشم ثنا ليث حدثني ابن شهاب عن سالم عن أبيه - الحديث (غريبة) (١) قال النووي اليمانيين بتخفيف الياء هذه هي اللغة الفصحى المشهورة، وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما فيها لغة أخرى بالتشديد، فمن خفف قال هذه هي اللغة الفصحى المشهورة، وحكى سيبويه والجوهرى وغيرهما فيها لغة أخرى بالتشديد، فمن خفف قال هذه نسبة إلى اليمن فالألف عوض من إحدى ياءي فتبقى الياء الأخرى مخففة، ولو شددنا لكان جميعا بين العوض والمعوض وذلك ممتنع، ومن شدد قال الألف في اليماني زائدة وأصله اليمني فتبقى الياء مشددة وتكون الألف زائدة كما زيدت النون في صنعاني ورقباني ونظائر ذلك، قال والركنان اليمانيان هما الركن الأسود والركن اليماني وإنما قيل لهما اليمانيان للتغليب كما قيل في الأب والأم الأبوان. وفي الشمس والقمر والقمران وفي أبي بكر وعمر ﵄ العمران. وفي الماء والتمر الأسودان. ونظائره مشهورة (تخريجه) (ق. هق. والأربعة إلا الترمذي)
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا روح ثنا الثوري ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل قال كنت مع معاوية وابن عباس وهما يطوفان حول البيت فكان ابن عباس يستلم الركنين وكان معاوية يستلم الأركان كلها، فقال ابن عباس كان رسول الله ﷺ لا يستلم إلا هذين الركنين اليماني والأسود فقال معاوية ليس منها شيء مهجور (تخريجه) (خ. هق) ورواه أيضا مسلم مختصرا على المرفوع منه.
(٤) عن يعلي بن أمية (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيي عن ابن جريج حدثني سليمان بن عتيق عن عبد الله بن بابية عن يعلي بن أمية - الحديث "
[ ١٢ / ٣١ ]
﵁ فلما كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر (١) أخذت بيده ليستلم، فقال أما طفت مع رسول الله ﷺ؟ قلت بلى، قال فهل رأيته يستلمه؟ قلت لا، قال فانفذ عندك (٢) فإن لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة (وعنه من طريق ثان) (٣) قال طفت مع عمر بن الخطاب ﵁ فاستلم الركن، قال يعلى فكنت مما يلي البيت، فلما بلغت الركن الغربي الذي يلي الأسود جررت بيده ليستلم، فقال ما شأنك؟ فقلت ألا تستلم؟ قال ألم تطف مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟ فقلت بلى، فقال افرأيته يستلم هذين الركنين الغربيين؟ قال فقلت لا، قال أفليس لك فيه أسوة حسنة؟ قال قلت بلى، قال فانفذ عنك
(فصل منه في استلام الحجر الأسود وتقبيله وما يقال عند ذلك وما يفعل من زوحم)
(٢٤٠) عن الزبير بن عربي قال سمعت رجلا (٤) سأل ابن عمر
_________________
(١) (غريبة) (١) هو أحد الركنين الشاميين (٢) في الطريق الثانية فانفذ عنك والمعنى واحد أي دعه وتجاوزه، يقال سر عنك وانفذ عنك أي امض عن مكان وجزه
(٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا روح ثنا ابن جريج أخبرني سليمان ابن عتيق عن عبد الله بن بابيه عن بعض بنى يعلي عن يعلي بن أمية قال طفت مع عمر- الحديث (تخريجه) (هق) وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه من طريق آخر وفيه رجل لم يسم (قلت هي الطريق الثانية من حديث الباب) قال ورواه الطبراني في الأوسط (قلت) وللإمام أحمد وأبي يعلي عن يعلي ابن امية قال طفت مع عثمان فاستلمنا الركن فذكر نحو حديث الباب بإبدال عمر بعثمان فلعل القصة وقعت ليعلى بن أمية مرتين، مرة مع عمر ومرة مع عثمان رواه أبو يعلي باسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح وسند الإمام أحمد فيه راو لم يسم والله أعلم.
(٣) عن الزبير بن عربي (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا روح وحسن ابن موسى قالا ثنا حماد بن زيد ثنا الزبير بن عربي قال سأل رجل ابن عمر وعن استلام الحجر قال حسن عن الزبير بن عربي قال سمعت رجلا سأل ابن عمر إلخ (غريبة) (٤) جاء هذا
[ ١٢ / ٣٢ ]
﵄ عن الحجر، قال رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله، فقال رجل (١) أرأيت إن زاحمت، فقال ابن عمر: اجعل أرأيت باليمن (٢) رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يستلمه ويقبله.
(٢٤١) عن ابن عمر ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ يستلم الحجر الأسود فلا أدع استلامه في شدة ولا رخاء (٣)
(٢٤٢) عن ابن عباس ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁
_________________
(١) الحديث في رواية أبي داود الطيالسي عن حماد حدثنا الزبير سألت ابن عمر الحديث- فالظاهر أن الرجل المبهم هنا هو الزبير بن عربي راوي الحديث وأبهم نفسه لغرض (وقوله عن الحجر) اي عن استلام الحجر وتقبيله (١) لفظ البخاري قال قلت أرأيت إن زحمت، أرأيت إن غلبت، فالرجل المبهم في رواية الإمام أحمد القائل أرأيت إن زحمت هو الزبير بن عربي من غير شك، ومعنى قوله أرأيت إن زحمت أي أخبرني ما أصنع إذا زحمت (قال الحافظ) وزحمت بضم الزاي بغير اشباع، وفي بعض الروايات بزيادة واو (٢) هذا يشعر بأن الرجل يماني، وقد وقع في رواية أبي داود الطيالسي اجعل أرأيت عند ذلك الكواكب، وإنما قال له ذلك لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي فأنكر عليه ذلك وأمره إذا سمع الحديث أن يأخذ به ويتقي الرأي، والظاهر أن ابن عمر لم ير الزحام عذرا في ترك الاستلام وقد روي سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد قال: رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمى، ومن طريق أخرى أنه قيل له في ذلك، قال هوت الأفئدة إليه فأريد أن يكون فؤادي معهم، وروي الفاكهي من طرق عن ابن عباس كراهة المزاحمة وقال لا يؤذي ولا يؤذي أفاده الحافظ (تخريجه) (خ. نس. مذ) والطيالسي
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هشيم أنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر الحديث (غريبة) (٣) يريد أنه كان حريصاعلى استلامه في الزحام وغيره (تخريجه) (ق. نس. وغيرهم)
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا وهيب ثنا عبد الله ثنا عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - الحديث
[ ١٢ / ٣٣ ]
أكب على الركن (١) فقال إني لأعلم أنك حجر ولو لم أر حبيبي ﷺ قبلك واستلمك ما استلمتك ولا قبلتك (٢) "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (٣)
(٢٤٣) عن عابس بن ربيعة قال رأيت عمر ﵁ نظر إلى الحجر (٣) فقال أما والله لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقبلك ما قبلتك ثم قبله
(٢٤٤) عن عمر ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال له يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف (٤)
_________________
(١) (غريبة) (١) أي لزمه (٢) جاء في رواية عند الشيخين " إني أعلم أنك حجر لا تضر ولاتنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك (قال الطبراني) إنما قال ذلك عمر ﵁ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع رسول الله ﷺ لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان اهـ (٣) استدل عمر ﵁ بالأية على أنه ما قبّله إلا تأسيا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لأنه قبله (تخريجه) (ق. د. نس. هق) بألفاظ مختلفة.
(٢) عن عابس بن ربيعة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أسود ابن عامر قال ثنا زهير عن سليمان الأعمش ثنا إبراهيم عن عابس بن ربيعة - الحديث" (غريبة) (٣) لفظ مسلم رأيت عمر ﵁ يقبل الحجر ويقول إني لأقبلك وأعلم انك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقبلك لم أقبلك (تخريجه) (ق. د. نس. مذ. هق)
(٣) عن عمر ﵁ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا سفيان عن أبي يعفور العبدي قال سمعت شيخا بمكة في إمارة الحجاج يحدث عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال له يا عمر - الحديث" (غريبة) (٤) فيه دلالة على أنه لا يجوز لمن كان له فضل قوة أن يضايق الناس إذا اجتمعوا على الحجر لما يتسبب عن ذلك من أذية الضعفاء والإضرار بهم ولكنه يتسلمه خاليا أن تمكن.
[ ١٢ / ٣٤ ]
إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستلمه فهلل وكبر (١)
_________________
(١) وإلا اكتفى بالإشارة والتهليل والتكبير مستقبلا له، وتقدم أن الفاكهي روى من طرق عن ابن عباس كراهة المزاحمة وقال لا يؤذي ولا يؤذى (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وفيه راو لم يسم (زوائد الباب) (عن نافع) قال رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبل يده وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله (ق. وغيرهما) (وعن سويد بن غفلة) قال رأيت عمر قبل الحجر والتزمه وقال رأيت رسول الله ﷺ بك حفيا أي معتنيا (م. نس. هق) (وعن حنظلة) قال رأيت طاوسا يمر بالركن فان وجد عليه زحاما مر ولم يزاحم، وإن رآه خاليا قبله ثلاثا، ثم قال رأيت ابن عباس فعل مثل ذلك، وقال ابن عباس رأيت عمر بن الخطاب فعل مثل ذلك، ثم قال إنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك، ثم قال عمر رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل ذلك (نس) (وعن عامر بن ربيعة) ﵁ قال لم يكن رسول الله ﷺ يستلم من الأركان إلا الركن اليماني والأسود (بز) وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف (وعن عبد الرحمن بن عوف) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ كيف فعلت في استلام الركنين؟ قلت كل ذلك قد فعلت، استلمت وتركت فقال اصبت رواه البزار والطبراني في الصغير متصلا (ورواه البزار) أيضا والطبراني في الكبير مرسلا ورجال المرسل رجال الصحيح الصغير متصلا (ورواه البزار) أيضا والطبراني في الكبير مرسلا ورجال المرسل رجال الصحيح وشيخ البزار في المرفوع أحمد بن محمد بن سعيد الأنماطي ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات (وعن ابن عمر) ﵄ قال رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وسجد عليه، ثم عاد فقبله وسجد عليه، ثم قال هكذا رأيت رسول الله ﷺ، رواه أبو يعلي باسنادين وفي أحدهما جعفر بن محمد المخزومي وهو ثقة وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح ورواه البزار، من الطريق الجيد (وعن ابن عباس) ﵄ قال كان رسول الله ﷺ يقبل الركن (يعني الأسود) ويضع خده عليه (عل) وفيه عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف (وعن سعد بن طارق) عن أبيه قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت فإذا ازدحم الناس على الحجر استلمه بمحجن بيده (طب) وفيه محمد بن عبد الرحمن بن قدامة قال البخاري فيه نظر وبقية رجاله ثقات (وعن زيد بن جبير) أن رجلا ذكر لابن عمر الحجر ومسحه يحال بيني وبينه فلا نستطيع أن نمسحه، فقال عبد الله كنا نقرعه بالعصى إذا لم نستطع مسحه (طب) بأسانيد وبعضها رجاله ثقات (وعن عبد الله بن عمرو) قال: طوفوا بهذا البيت واستلموا هذا الحجر فإنهما كانا حجرين أهبطا من الجنة فرفع أحدهما
[ ١٢ / ٣٥ ]
_________________
(١) وسيرفع الآخر، فإن لم يكن كما قلت فمن مر بقبري فليقل هذا قبر عبد الله بن عمرو الكذاب (وفي رواية) عن عبد الله بن عمرو أيضا قال نزل جبريل ﵇ بهذا الحجر من الجنة فتمتعوا به فإنكم لا تزالون بخير مادام بين أظهركم فإنه يوشك أن يأتي فيرجع به من حيث جاء به، رواه كله الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح (وعن نافع) قال كان ابن عمر إذا استلم الحجر قال اللهم أيمانا بك وتصديقا بكتابك وسنة نبيك، ثم يصلى على النبي ﷺ (طس) ورجاله رجال الصحيح (وعن على ﵁) أنه كأن إذا استلم الحجر قال اللهم أيمانا بك وتصديقا واتباع سنة نبيك ﷺ (طس) وفيه الحارث وعن نافع عن ابن عمر ﵄ قال استقبل رسول الله ﷺ الحجر واستلمه ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا فالتفت فإذا عمر يبكي، فقال يا عمر ها هنا تسكب العبرات (ك) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه اهـ (قلت) وأقره الذهبي (وعن جابر ابن عبدالله) ﵄ قال دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى فأتى النبي ﷺ باب المسجد فأناخ راحلته ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثا ومشي أربعا حتى فرغ، فلما فرغ قبل الحجر ووضع يديه عليه ومسح بهما وجهه (ك) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه اهـ (قلت) واقره الذهبي (وعن جعفر بن عبد الله) وهو ابن الحكم قال رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه، ثم قال رأيت خالك ابن عباس يقبله ويسجد عليه (وقال ابن عباس) رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه، ثم قال رأيت رسول الله ﷺ قبّل هكذا ففعلت (ك) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه اهـ (قلت) وأقره الذهبي (وعن جابر بن عبد الله ﵄) أن رسول الله ﷺ استلم الحجر فقبله واستلم الركن اليماني فقبل يده (هق) وقال فيه عمر بن قيس المكي ضعيف وقد روي في تقبيله خبر لا يثبت (وعن ابن عباس) ﵄ قال كان رسول الله ﷺ إذا استلم الركن قبله ووضع خده الأيمن عليه (هق) وقال تفرد به عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف، قال والأخبار عن ابن عباس في تقبيل الحجر الأسود والسجود عليه إلا أن يكون أراد به الركن اليماني فإنه أيضا يسمى بذلك فيكون موافقا لغيره اهـ (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعيه استلام الركنين الأسود واليماني وعلى مشروعية تقبيل الحجر الأسود دون غيره، وقد اتفق العلماء على أن استلام الركنين المذكورين من سنن الطواف للرجال دون النساء، واختلفوا هل تستلم الأركان كلها أم لا فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة مذاهب الأئمة في أحكام استلام اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود
[ ١٢ / ٣٦ ]
.
_________________
(١) إلى أنه إنما يُستلم الركنان فقط لأحاديث الباب، واحتج من رأى استلام جميعها بما روي عن جابر قال: كنا نرى إذا طفنا أن نستلم الأركان كلها. وسيأتي الكلام عليه في الباب التالي، وإنما خُص الركنان المذكوران بالاستلام دون غيرها لما تقدم أنهما على قواعد إبراهيم وخص الحجر الأسود بالتقبيل لما ثبت في فضله وأنه من الجنة (قال النووي) ﵀ وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفق الجمهور على أنه لا يمسح الركنين الآخرين اهـ. وذهب بعض أهل العلم إلى استحباب تقبيل الركن اليماني ووضع الخد عليه عملا بحديث ابن عباس المذكورين في الزوائد، رواه البيهقي ورواه أيضا البخاري في التاريخ والدراقنطي وهو ضعيف. والثابت عند الشيخين والأمام أحمد وغيرهم من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان يستلمه فقط، فإن صح حديث ابن عباس حمل على أنه أراد الأسود بقوله اليماني لأنه يقال اليماني أيضا، وقد أشار إلى ذلك البيهقي والله تعالى أعلم، (أما تقبيل الحر الأسود خاصة) فقد أجمع العلماء على أنه من سنن الطواف أيضا إن قدر، وإن لم يقدر على الدخول إليه قبل يده لحديث نافع المذكور في الزوائد قال " رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبل يده وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله" رواه الشيخان وغيرهما (قال النووي) ﵀ فيه استحباب تقبيل اليد بعدم استلام الحجر الأسود إذا عجز عن تقبيل الحجر، وهذا الحديث محمول على من عجز عن تقبيل الحجر وإلا فالقادر يقبل الحجر ولا يقتصر في اليد على الاستلام بها، وهذا الذي ذكرناه من استحباب تقبيل اليد بعد الاستلام للعاجز هو مذهبنا ومذهب الجمهور (وقال القاسم) بن محمد التابعي المشهور لا يستحب التقبيل (وبه قال مالك) في أحد قوليه والله أعلم اهـ (وفي حديثي ابن عمر وابن عباس) المذكورين في الزوائد مشروعية تقبيل الحجر والسجود عليه ووضع الخد (أما التقبيل والسجود) فقد جاء في حديث ابن عمر (وأما التقبيل ووضع الخد) فقد جاء في حديث ابن عباس عند الحاكم وغيره، وقد جاء معنى ذلك في حديث سويد بن غفلة عند مسلم والنسائي، قا ل رأيت عمر قبل الحجر والتزمه، وقال رأيت رسول الله ﷺ بك حفيا (يعني معتنيا) فالسجود ووضع الخد من معاني الالتزام (قال النووي) في قوله والتزمه إشارة إلى استحباب السجود على الحجر الأسود بأن يضع جبهته عليه، فيستحب أن يستلمه ثم يقبله ثم يضع جبهته عليه. هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وابن عباس وطاوس والشافعي وأحمد قال (يعنى ابن المنذر) وبه أقول قال وقد روينا فيه عن النبي ﷺ (وانفرد مالك عن العلماء) فقال السجود عليه بدعة واعترف القاضي عياض المالكي بشذوذ مالك في هذه المسألة عن العلماء (وأما الركن اليماني)
[ ١٢ / ٣٧ ]
.
_________________
(١) فيستلمه ولا يقبله بل يقيد اليد بعد استلامه، هذا مذهبنا وبه قال جابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة، وقال أبو حنيفة لا يستلمه. وقال مالك وأحمد يستلمه ولا يقبل اليد بعده (وعن مالك) رواية أنه يقبله. وعن أحمد رواية أنه يقبله. والله أعلم (وأما قول عمر رضي تعالى الله عنه) لقد علمت أنك حجر وإني لأعلم أنك حجر وأنك لاتضر ولا تنفع، فأراد به بيان الحث على الاقتداء برسول الله ﷺ في تقبيله. ونبه على أنه لولا الاقتداء به ﷺ لما فعله، وإنما قال وإنك لا تضر ولا تنفع لئلا يغتر بعض قربى العهد بالإسلام الذين كانوا ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها رجاء نفعها وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها. وكان العهد قريبا بذلك، فخاف عمر ﵁ أن يراه بعضهم يقبله ويعتني به، فيشتبه عليه، فبين أنه لا يضر ولا ينفع بذاته وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب فمعناه أنه لا قدرة له على نفع ولا ضرر وأنه حجر مخلوق كباقي المخلوقات التي لا تضر ولا تنفع، وأشاع عمر هذا في الموسم ليشهد له البلدان ويحفظ عنه أهل الموسم المختلفوا الأوطان والله أعلم اهـ (وقال المهلب) حديث عمر هذا يرد على من قال إن الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده (قلت الحجر يمين الله إلخ - جاء في حديث مرفوع عن جابر عند الخطيب وابن عساكر والطبراني ولكنه ضعيف) قال ومعاذ الله أن يكون لله جارحة، وإنما شرع تقبيله اختبارا ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع وذلك شبيه بقصة إبليس حيث أمر بالسجو لآدم (وقال الخطابي) معنى أنه يمين الله في الأرض ان من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد، وجرت العادة أن العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص به فخاطبهم بما يعهدونه (وقال المحب الطبري) معناه أن كل ملك إذا قدم عليه الوافد قبل يمينه، فلما كان الحاج أول ما يقدم يسن له تقبيله نزل منزلة يمين الله ولله المثل الإعلى (قال الحافظ) وفي قول عمر هذا التسليم للشارع في أمور الدين وحسن الاتباع فيما لا يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي ﷺ فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة (وفيه) دفع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصة ترجع إلى ذاته (وفيه) بيان السنن بالقول والفعل وأن الإمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاد أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضح ذلك اهـ (تتمة في عدم الاغترار بقول القائلين بجواز تقبيل قبره ﷺ ومنبره وقبور الصالحين) ذكر بعض شراح البخاري عن بعض العلماء جواز تقبيل قبره ﷺ ومنبره وقبور الصالحين وأيديهم لأجل التبرك بذلك قياسا على تقبيل الحجر الإسود، ولا أوافقهم على هذا، بل ما ورد فيه نص صريح عن الشارع قبلناه وعملنا بمقتضاه وما لا فلا، نعم ورد أن بعض الصحابة
[ ١٢ / ٣٨ ]
_________________
(١) قبل يد النبي ﷺ وبعضهم قبل جبهته، وقبل بعض التابعين يد بعض الصحابة، وتقبيل اليد من كتاب الأدب إن شاء الله تعالى، وعلى هذا فيجوز تقبيل يد الصالحين والوالدين ومن ترجى بركتهم. أما تقبيل قبره ﷺ ومنبره وقبور الصالحين فم يرد أن أحدا من الصحابة أو التابعين فعل ذلك، بل ورد النهي عنه فقد روى أبو داود بسند حسن من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ" لا تجعلوا بيوتكم قبوار ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) ولهذا الحديث شواهد صادقة من أوجه مختلفة، منها عن على بن الحسين أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: " لاتتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم، رواه الضياء في المختارة وأبو يعلى والقاضي اسماعيل (وقال سعيد بن منصور) في سننه حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهل بن سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال هلم إلى العشاء، فقلت لا أريده، فقال مالي رأيتك عند القبر فقلت سلمت على النبي ﷺ فقال إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء، وفسر الحافظ ابن القيم العيد في قوله ﷺ " لا تتخذوا قبري عيدا" بما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع والانتياب بالعبادة وبغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعله الله تعالى عيدا للحنفاء ومثابة للناس كما جعل أيام العيد منها عيدا، وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بكعبة ومنى ومزدلفة وسائر المشاعر اهـ (وقال شيخ الإسلام) الحافظ بن تيمية ﵀ معنى الحديث لا تعطلوا البيوت من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور فأمر بتحري العبادة بالبيوت ونهى عن تحريها عند القبور عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة، والعيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد أما بعود السنة أو الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك " وقوله وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" يشير إلى أن منا ينالنى منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم عنه فلا حاجه بكم إلى اتخاذه عيدا اهـ (وروى الشيخان والإمام أحمد عن
[ ١٢ / ٣٩ ]
_________________
(١) عائشة أن رسول الله ﷺ قال في مرض موته" لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" تقول عائشة يحذرهم مثل الذي صنعوا (وفي رواية) قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا، فهم دفنوه في حجرة عائشة بخلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء لئلا يصلي أحد على قبره ويتخذ مسجدا فيتخذ قبره وثنا، وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك لا يدخل أحد منهم عنده لا لصلاة هناك ولا لتمسح بالقبر ولا لدعاء هناك، بل كانوا يصلون في المسجد ويدعون فيهن وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا عليه أو أرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر، وأما وقت السلام عليه ﷺ فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضا ولا يستقبل القبر، وقال أكثر الأئمة بل يستقبل القبر عند السلام خاصة ولم يقل أحد من الأئمة إنه يستقبل عند الدعاء، واتفق الأئمة على أنه لا يتمسح بقبر النبي ﷺ ولا يقبله وهذا كله محافظة على التوحيد، فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد كما قالت طائفة من السلف في قوله تعالى" وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا" قالوا هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صورهم تماثيل ثم طال عليهم الأمد فعبدوها، وقد ذكر هذا المعنى في الصحيحين وعند الإمام أحمد عن عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فقال رسول الله ﷺ أن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله ﷿ يوم القيامة، وذكر الإمام محمد بن جرير في تفسيره عن غير واحد من السلف، أنظر باب النهي عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد للتبرك والتعظيم صحيفة ٣٧ من كتاب المساجد في الجزء الثالث من كتابنا هذا واقرأ أحكامه وكلام المحقيقين في ذلك، وما جر المصائب على عوام الناس وغرس في أذهانهم أن الصالحين من أصحاب القبور ينفعون ويضرون حتى صاروا يشركونهم مع الله في الدعاء ويطلبون منهم قضاء الحوائج ودفع المصائب إلا تساهل معظم المتأخرين من العلماء، وذكر هذه البدع في كتبهم ولا أدري ما الذي الجأهم إلى ذلك وأحاديث رسول الله ﷺ تحذر منه، أكان هؤلاء أعلم بسنة رسول الله ﷺ من عمر بن الخطاب ﵁ حيث أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها تبركا، وما أمر عمر ﵁ بقطعها إلا خوفا من الافتنان بها، وثبت عنه ﵁ أنه رأى الناس في سفر يتبادرون إلى مكان، فسأل عن ذلك فقالوا قد صلى فيه النبي ﷺ فقال عمر ﵁ من عرضت له
[ ١٢ / ٤٠ ]
(٥) باب استلام الأركان كلها
(٢٤٥) عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أنه طاف مع معاوية ﵁ بالبيت، فجعل معاوية يستلم الأركان كلها (١) فقال له ابن عباس لم تستلم هذين الركنين (٢) ولم يكن رسول الله ﷺ يستلمهما؟ فقال معاوية ليس شيء من البيت مهجورا (٣) فقال ابن عباس لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (٤) فقال معاوية صدقت
_________________
(١) الصلاة فليصل وإلا فليمض فإنما هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا، وكره الإمام مالك ﵀ تتبع الأماكن التي صلى فيها النبي ﷺ في طريقه من المدينة إلى مكة سنة حجة الوداع والصلاة فيها تبركا بأثره الشريف إلا في مسجد قباء لأنه ﷺ كان يأتيه راكبا وماشيا، مع أن الأماكن التي صلى فيها النبي ﷺ لا شيء في الصلاة فيها اقتداء به ﷺ وتبركا بأثره، وكان ابن عمر ﵄ يفعله، ولكن الإمام مالك ﵀ بنى مذهبه على سد الذرائع فرأى أن التساهل في هذا وإن كان جائزا يجر إلى مفسدة بعد تقادم العهد كاعتقاد وجوب الصلاة في هذه الأماكن وربما جر إلى اعظم من ذلك، فالاحتياط سد هذا الباب وعدم التساهل فيه، فإن الراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، انظر صحيفة ٩٩ في آخر أحكام باب صفة حج النبي ﷺ في الجزء الحادي عشر من هذا الكتاب ففيه كلام في هذا المعنى، ولنقتصر على ذلك لأن الكلام في هذا الباب يطول، ومن أراد أن يريح نفسه فعليه باتباع ما صح فيه الدليل، والله يهدينا جميعا إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(٢) عن مجاهد (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا مروان بن شجاع حدثني خصيف عن مجاهد عن ابن عباس الحديث- (غريبة) (١) يعني الأربعة الأركان اليمانيين والشاميين (٢) يريد الركنين الشامين (٣) يعنى انها كلها أركان البيت فلا نستلم البعض ونترك البعض (٤) يريد أننا لم نترك استلام الركنين هجرا للبيت ولكنا رأينا رسول الله ﷺ يفعل ذلك فقلنا مثله " لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة" فرجع معاوية إلى قول ابن عباس حينما ظهر له الدليل وقال صدقت، وهكذا شأن المؤمن إذا ظهر له الحق وكان مخالفا لرأيه طرح رأيه واتبع الحق فضيلة (تخريجه) (ك. مذ) وقال حديث ابن عباس حديث حسن صحيح والعمل على هذا
[ ١٢ / ٤١ ]
(٢٤٦) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة وحجاج قال (١) حدثني شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أبي الطفيل قال حجاج (٢) في حديثه قال سمعت أبا الطفيل قال قدم معاوية وابن عباس فطاف ابن عباس فاستلم الأركان كلها فقال له معاوية إنما استلم رسول الله ﷺ الركنين اليمانيين، قال ابن عباس ليس من أركانه شيء مهجور قال حجاج قال شعبة الناس يختلفون في هذا الحديث يقولون معاوية هو الذي
_________________
(١) عند أكثر أهل العلم أن لا يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني اهـ (قلت) ورواه البخارية تعليقا وروى مسلم الجزء المرفوع منه
(٢) حدثنا عبد الله (غريبة) (١) يعني محمد بن جعفر (٢) حجاج أحد الراويين اللذين روى عنهما محمد بن جعفر هذا الحديث قال في روايته سمعت قتادة قال سمعت أبا الطفيل قال قدم معاوية إلخ أما شعبة الراوي الثاني فقال في روايته سمعت قتادة يحدث عن أبي الطفيل قال قدم معاوية إلخ، فرواية حجاج تفيد سماع قتادة من أبي الطفيل، ورواية شعبة تفيد التحديث، والفرق بين التحديث والسماع معروف لدى المحدثين، (٣) هذه الرواية أعني بها رواية أبي الطفيل تخالف رواية مجاهد عن ابن عباس المتقدمة، ففي رواية مجاهد أن معاوية هو الذي استلم الأركان كلها وأن ابن عباس أنكر عليه ذلك، ولذا قال شعبة الناس يختلفون في هذا الحديث إلخ، (قال الحافظ) قال عبد الله بن أحمد في العلل سألت أبي عنه فقال قلبه شعبة، وقد كان شعبة يقول الناس يخالفونني في هذا ولكني سمعته من قتادة اهـ وصوب الحافظ رواية مجاهد المتقدمة عن ابن عباس، ورواه أيضا الإمام أحمد من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل نفسه بنحو رواية مجاهد عن ابن عباس عكس رواية قتادة عن أبي الطفيل هنا، وتقدم لفظه في الباب السابق في شرح حديث رقم ٣٣٨ وهو يؤيد تصويب الحافظ، واستدل الحافظ لتصويبه بما رواه الإمام الشافعي من طريق محمد بن كعب القرظي أن ابن عباس كان يمسح الركن اليماني والحجر وكان ابن الزبير يمسح الأركان كلها ويقول ليس شيء من البيت مهجورا، فيقول ابن عباس "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" وذكر الحافظ أيضا رواية مجاهد عن ابن عباس المذكورة
[ ١٢ / ٤٢ ]
قال ليس من البيت شيء مهجور ولكنه حفظه من قتادة هكذا
_________________
(١) أول الباب، ثم قال وبهذا يتبين ضعف من حملة على التعدد وأن اجتهاد كل منهما (يعنى معاوية وابن عباس) تغير إلى ما أنكره على الآخر، قال وإنما قلت ذلك لأن مخرج الحديثين واحد وهو قتادة عن أبي الطفيل، وقد جزم أحمد بان شعبة قلبه فسقط التجويز العقلي اهـ (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السياق لغير الإمام أحمد، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح اهـ، وقد علمت أنه مقلوب ولا يؤخذ على ظاهره، والصواب رواية مجاهد عن ابن عباس والله أعلم (زوائد الباب) (عن عباد بن عبد الله بن الزبير أنه رأى أباه يستلم الأركان كلها وقال أنه ليس شيء منه مهجورا، وأخرج الإمام الشافعي نحوه من طري محمد بن كعب القرظي وتقدم آنفا (وعن هشام بن عروة بن الزبير) أن أباه كان إذا طاف بالبيت يستلم الأركان كلها (لك) وأخرجه سعيد بن منصور عن الدراوردي عن هشام بلفظ إذا بدأ استلم الأركان كلها وإذا ختم (الأحكام) حديثا الباب مع الآثار المذكورة في الزوائد تدل بظاهرها على جواز استلام الأركان كلها، وروى ابن المنذر وغيره استلام جميع الأركان أيضا عن جابر وأنس والحسن والحسين من الصحابة وعن سويد بن غفلة من التابعين، وروى الشيخان والإمام أحمد وسيأتي في محله أن عبيد بن جريج قال لابن عمر رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من الصحابة يصنعها فذكرها منها " ورأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانين" وهذا يشعر بأن الذي رآهم عبيد كانوا لا يقتصرون في الاستلام على الركنين اليمانيين (وذهب الجمهور) إلى استحباب استلام الركنين اليمانيين فقط مستدلين بأحاديث الباب السابق، وهي ناطقة بأن النبي ﷺ لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، والحكمة في ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من قول ابن عمر إنما ترك رسول الله ﷺ استلام الركنين الشاميين، لأن البيت لم يتمم على قواعد ابراهيم (قال الحافظ) وعلى هذا المعنى حمل ابن التين تبعا لابن القصار استلام ابن الزبير لهما لأنه لما عمر الكعبة أتم البيت على قواعد إبراهيم اهـ. وتعقب ذلك بعض الشراح أن ابن الزبير طاف مع معاوية واستلم الكل ولم يقف على هذا الأثر، وإنما وقع ذلك لمعاوية مع ابن عباس، وأما ابن الزبير فقد أخرج الأزرقي في كتابه مكة فقال إن ابن الزبير لما فرغ من بناء البيت استلم الأركان الأربعة، فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير إذا طاف الطائف استلم الأركان كلها وأن إبراهيم واسماعيل لما فرغا من بناء البيت طافا به سبعا يستلمان الأركان (قال الحافظ) وقال بعض أهل العلم اختصاص الركنين مبين بالسنة، ومستند التعميم القياس وأجاب الشافعي عن قول من قول من قال ليس شيء من البيت مهجورا بأنه لم ندع استلامها هجرا للبيت، وكيف يهجره وهو يطوف به، ولكنا جواز الطواف على بعيره ونحوه لعذر
[ ١٢ / ٤٣ ]
(٦) باب جواز الطواف على بعيره وغيره
(واستلام الحجر بمحجن ونحوه لحاجة)
(٢٤٧) عن ابن عباس ﵄ قال جاء النبي ﷺ وكان قد اشتكى (١) فطاف بالبيت على بعير ومعه محجن (٢) كلما مر عليه استلمه به، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين (وعنه من طريق ثان (٣) بنحوه وفيه قال) وأتى السقاية (٤) فقال اسقوني فقالوا إن هذا يخوضه الناس (٥) ولكنا نأتيك
_________________
(١) نتبع السنة فعلا أو تركا ولو كان استلامهما هجرا لهما لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرا لها ولا قائل به، ويؤخذ منه حفظ المراتب واعطاء كل ذي حق حقه وتنزيل كل أحد منزلته اهـ
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حسين ابن محمد ثنا يزيد يعنى عطاء بن يزيد يعنى بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس - الحديث (غريبة) (١) أي مرض وهذا بيان لعله ركوبه ﷺ وقيل إنما ركب ﷺ لبيان الجواز (قال النووي) وجاء في سنن أبي داود أنه ﷺ كان في طوافه هذا مريضا، وإلى هذا المعنى أشار البخاري وترجم عليه باب المريض يطوف راكبا فيحتمل أنه ﷺ طاف راكبا لهذا كله (٢) المحجن بكسر الميم واسكان الحاء وفتح الجيم وهو عصا معقفة يتناول بها الراكب ما سقط له ويحرك بطرفها بعيره للمشي، وفيه دلالة على جواز الطواف راكبا واستحباب الحجر وأنه إذا عجز عن استلامه بيده استلمه بعود ونحوه (وقوله فصلى ركعتين) يعني ركعتي الطواف بعد فراغه منه (٣) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هشيم حدثنا يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ طاف بالبيت وهو على بعيره واستلم الحجر بمحجن كان معه قال وأتى السقاية الحديث (٤) أي المكان الذي يستقي منه الناس. والظاهر أنه زمزم كما جاء في حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ (٥) أي بأيديهم ولكثرة ازدحام الناس عليه وسقوط الماء منهم على جوانب البئر وتسربه إليها وسقوطه فيها مرة أخرى تصير غير صافية ويكون فيها تعكيره فاختاروا أن يسقوه من الماء الذي في البيوت حيث يكون صافيا باردا، فأبى ﵊ إلا أن يشرب مما يشرب منه الناس، وهذا يدل على تواضعه وكرم أخلاقه ﷺ وكراهة التقذر والتكره لما يؤكل ويشرب والرضا بما تيسر وعدم الكلفة
[ ١٢ / ٤٤ ]
به من البيت، فقال لا حاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب منه الناس
(٢٤٨) عن ام سلمة ﵂ أنها قدمت (١) وهي مريضة فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: " طوفي من وراء الناس (٢) وأنت راكبة، قالت فسمعت رسول الله ﷺ وهو عند الكعبة يقرأ بالطور، قا ل أبي وقرأته على عبد الرحمن (٣) قالت فطفت ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حينئذ يصلى بجنب البيت (٤) وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور (٥)
(٢٤٩) عن ابن عباس ﵄ عن النبي صلى الله عل يه وعلى آله وصحبه وسلم أنه طاف بالبيت على ناقة (وفي لفظ على راحلته) يستلم
_________________
(١) (تخريجه) (د. هق) بدون قصة السقاية (قال المنذري) في اسناده يزيد بن أبي زياد ولا يحتج به (وقال البيهقي) في حديث يزيد بن أبي زياد لم يوافق عليها. وهي قوله " وهو يشتكى" اهـ. وقد أنكره الشافعي وقال لا أعلمه اشتكى في تلك الحجة
(٢) عن أم سلمة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن ع مالك عن أبي الأسود عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة - الحديث (غريبة) (١) يعنى قدمت مكة في حجة الوداع (٢) فيه دلالة على أن الطواف راكبا ليس من خصوصياته ﷺ (قال النووي) ﵀، وإنما أمرها ﷺ بالطواف من وراء الناس لشيئين (أحدهما) أن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف (والثاني) أن قربها يخاف منه تأذ الناس بدابتها، وكذا إذا طاف الرجل راكبا، وإنما طافت في حال صلاة النبي ﷺ ليكون استر لها، وكانت هذه الصلاة صلاة الصبح والله أعلم اهـ (٣) معنى هذا أن الرواية الأولى سمعها الإمام أحمد من عبد الرحمنن والروية الثانية قرأها عليه، والقائل قال أبي هو عبد الله بن الإمام أحمد رحمها ال له (٤) أي متصلا إلى جدار الكعبة وفيه تنبيه على أن أصحابه ﷺ كانوا متحلقين حولها (٥) أي بهذه السورة في ركعة واحدة كما هي عادته ﷺ ويحتمل أنه قرأها في ركعتين (تخريجه) (ق. د. نس. جه. هق)
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد أنا مسعر بن كدام عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أخيه عن ابن عباس
[ ١٢ / ٤٥ ]
الحجر بمحجنه وبين الصفاوالمروة (١)
(٢٥٠) وعنه أيضا قال طاف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على بعيره فكلما اتى على الركن أشار إليه (٢) وكبر
(٢٥١) عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ﵁ قال رأيت النبي ﷺ وأنا غلام شاب يطوف بالبيت على راحلته يستلم الحجر بمحجنه (٣)
(٢٥٢) عن قدامة بن عبد الله ﵁ قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على ناقة يستلم الحجر بمحجنه
_________________
(١) ﵄ - الحديث (غريبة) (١) يعنى وطاف أيضا بين الصفا والمروة راكبا (تخريجه) (ق. هق. وغيرهم)
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن أبي بكير ثنا إبراهيم بن طهمان حدثني خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس - الحديث (غريبة) (٢) أي بالمحجن الذي في يده فإن لم يكن في يده شيء يشير إليه بيده، وفيه استحباب التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة (تخريجه) (خ. نس. مذ. هق)
(٣) عن أبي الطفيل (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا معروف المكي قال سمعت أبا الطفيل عامر بن واثلة - الحديث (غريبة) (٣) زاد مسلم ويقبل المحجن، وفيه دلالة على أن الطائف إذا لم يتمكن من استلام الحجر بيده استلمه بعصا ونحوها، ثم يقبلها وهو مذهب الشافعي. وتقدم الكلام على ذلك (تخريجه) (م. هق)
(٤) عن قدامة بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا سريج بن يونس ومحرز بن عون بن ابي عون أبو الفضل قالا ثنا قران بن تمام الأسدي ثنا أيمن عن قدامة بن عبد الله - الحديث (تخريجه) (عل. طب) ورواه أيضا الطبراني في الاوسط إلا أنه قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على ناقة يستلم الركن بمحجنه ورجاله موثقون وفي بعضهم كلام لا يضر. قاله الهيثمي اهـ (قلت) وللإمام أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه، وسيأتي هذا
[ ١٢ / ٤٦ ]
.
_________________
(١) الحديث في باب بالصفا عند الطواف بين الصفا والمروة لمناسبته هناك والله أعلم (زوائد الباب) (عن ابن عمر ﵄) قال: طاف رسول الله ﷺ على راحلته يوم فتح مكة يستلم الأركان بمحجن كان معه (عل) وفيه موسى بن عبيده وهو ضعيف وقد وثق فيما رواه عن غير عبد الله بن دينار وهذا منها (وعن أبي رافع) ﵁ قال رأيت النبي ﷺ طاف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجنه (بز) وفيه اسحاق بن إبراهيم الحنيني وثقه ابن حبان وقا ل يخطئ وضعفه الناس (وعن عبد الله بن حنظلة قال رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجنه (بز) وفيه اثنان لم أجد من ترجمتهما (وعن أبي مالك الأشجعي) عن أبيه ﵁ أن النبي ﷺ طاف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجنه (بز) وفيه محمد بن عبد الرحمن عن أبى مالك الأشجعي ولم أعرف محمد بن عبد الرحمن (وعن عائشة ﵂) قالت كان النبي ﷺ على بعير يوم الفتح معه المحجن يستلم الركن به كراهة أن يُضرب الناس عنه (طس) ورجاله رجال الصحيح، أورد هذه الأحاديث الحافظ الهيثمي وتكلم عليها جرحا وتعديلا (وعن عائشة ﵂ قالت طاف النبي ﷺ في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن كراهية أن يضُرب عنه الناس (م) قال النووي هكذا هو في معظم النسخ يضٌرب بالياء وفي بعضها يصرف بالصاد المهملة والفاء وكلاهما صحيح (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية الطواف راكبا لحاجة كمرض ونحوه أو كان إماما يعلّم الناس المناسك ويقتدي به، وقد جاء ذلك صريحا في حديث جابر الصحيح رواه أبو داود والنسائي وسيأتي في باب البدء بالصفا والمروة ولفظه عن جابر " طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه" (أي ازدحموا عليه) ويستفاد منه أيضا أن ذلك كان في حجة الوداع، لكن جاء في رواية أبي يعلى من حديث ابن عمر المذكور في الزوائد قال " طاف رسول الله ﷺ على راحلته يوم فتح مكة يستلم الأركان بمحجن كان معه" وهو يدل على أن ركوبه ﷺ كان في فتح مكة (والجواب) عن ذلك أن حديث ابن عمر ضعيف فلا يقاوم حديث جابر الصحيح، وعلى فرض صحته فلا منافاة لجواز تكراره، ومما يدل على أن ركوبه ﷺ كان لأجل استفادة الناس منه حديث عائشة عند مسلم وتقدم في الزوائد ولفظه عن عائشة قالت " طاف النبي ﷺ في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن كراهية أن يُضرب عنه الناس (وفي لفظ أن يصرف بالصاد المهملة والفاء بدل يضرب) لكن حديث ابن عباس المذكور أول الباب، رواه أبو داود أيضا يدل على أن العلة هي كون النبي ﷺ
[ ١٢ / ٤٧ ]
.
_________________
(١) كان مريضا (والجواب) عن ذلك أن حديث ابن عباس ضعيف، فإن صح دل على أن ركوبه ﷺ كان لأجل العلتين والله أعلم (وحديث أم سلمة المذكور في الباب) صريح في أن من كان مريضا لا يمكنه الطواف ماشيا جاز له الطواف راكبا وهو يقتضى منع طواف الراكب في المطاف (قال الحافظ) لا دليل في طوافه ﷺ راكبا على جواز الطواف راكبا بغير عذر وكلام الفقهاء يقتضى الجواز إلا أن المشي أولى والركوب مكروه تنزيها. قال والذي يترجح المنع لأن طوافه ﷺ وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد فإذا حوط امتنع داخله إذا لا يؤمن التلويث فلا يجوز بعد التحويط بخلاف ما قبله فإنه كان لا يحرم التلويث كما في السعي اهـ (قال النووي) في شرح المهذب قال أصحابنا الأفضل أن يطوف ماشيا ولا يركب إلا لعذر مرض أو نحوه أو كان ممن يحتاج الناس إلى ظهوره ليسفتي ويقتدي بفعله فإن طاف بلا عذر جاز له بلا كراهية لكنه خالف الأولى كذا قاله جمهور أصحابنا وكذا نقله الرافعي عن الأصحاب (وقال إمام الحرمين) في القلب من إدخال البهيمة التي لا يؤمن تلويثها المسجد شيء، فإن أمكن الاستيثاق فذلك وإلا فإدخالها المسجد مكروه، هذا كلام الرافعي وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبا من غير عذر والمرأة والرجل في الركوب سواء فيما ذكرناه (قال الماوردي) وحكم طواف المحمول على أكتاف الرجال كالراكب فيما ذكرناه، قال وإذا كان معذورا فطوافه محمولا أولى منه راكبا صيانة للمسجد من الدابة، قال وركوب الإبل أيسر حالا من ركوب البغال والحمير اهـ (وقال ابن قدامة الحنبلي) في الشرح الكبير لا نعلم بين اهل العلم خلافا في صحة طواف الراكب إذا كان له عذر، فإن ابن عباس روى أن النبي ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن، وعن أم سلمة قالت شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة متفق عليهما، وقال جابر طاف النبي على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف عليهم ليسألوه فإن الناس غشوه، والمحمول كالراكب فيما ذكرناه، قال فأما الطواف راكبا أو محمولا لغير عذر فمفهوم كلام الخرقي أنه لا يجزئ (وهو إحدى الروايات عن أحمد) لأن النبي ﷺ قال الطواف بالبيت صلاة، ولأنها عبادة تتعلق بالبيت فلم يجز فعلها راكبا بغير عذر كالصلاة (والثانية) يجزئه ويجبره بدم (وهو قول مالك) وبه قال (أبو حنيفة) إلا أ، هـ قال يعيد ما كان بمكة فإن رجع جبره بدم، لأنه ترك صفة واجبة في ركن الحج شبه ما لو وقف بعرفة نهارا ودفع قبل غروب الشمس (والثالثة) يجزئة ولا شيء عليه اختارها أبو بكر (يعنى الخرقي) وهي مذهب الشافعي وابن المنذر لأن النبي ﷺ طاف راكبا (قال ابن المنذر) لا قول لأحد مع فعل النبي ﷺ ولأن الله تعالى أمر بالطواف
[ ١٢ / ٤٨ ]
(٧) باب الطائف يخرج في طوافه عن الحجر
(ليكون طائفا بالبيت كله من وراء قواعد
إبراهيم ﵊)
(٢٥٣) عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر أخبره أن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر الصديق أخبره أن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ ألم ترى (١) إلى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا (٢) عن قواعد إبراهيم ﵇ قالت قلت يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟
_________________
(١) مطلقا فكيفما أنى به أجزأه ولا يجوز تقييد المطلق بغير دليل ولا خلاف في أن الطواف راجلا أفضل، لأن أصحاب النبي ﷺ طافوا مشيا والنبي ﷺ في غير حجة الوداع طاف مشيا (وفي قول أم سلمة) شكوت إلى النبي ﷺ أنى أشتكى فقال " طوفي من وراء الناس فإن ابن عباس روى أن رسول الله ﷺ كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رسول الله ﷺ لا يُضرب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه ركب، رواه مسلم (قلت وروى نحوه الإمام أحمد، وتقدم في باب ما رواه الطفيل عن ابن عباس في أسباب بعض أعمال الحج صحيفة ١٠ رقم ٧٠ في الجزء الحادى عشر) قال وكذلك في حديث جابر فإن الناس غشوه، وروى عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ طاف راكبا لشكاة، وبهذا يعتذر من منع الطواف راكبا عن طواف النبي ﷺ والحديث الأول أثبت (يعنى حديث ابن عباس الأول) قال فعلى هذا يكون كثرة الناس وشدة الزحام عذرا، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قصد تعليم الناس مناسكهم فلم يتمكن منه إلا بالركوب والله تعالى أعلم اهـ
(٢) عن سالم بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا إبراهيم بن أبي العباس قال ثنا أبو أويس عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر - الحديث" (غريبة) (١) بفتح الراء وسكون الياء مجزوم بحذف النون أي ألم تعرفي (٢) في روايتها الثانية استقصرت. وله في اخرى قصروا في البناء. وله أيضا قصرت بهم النفقة (قال النووي) قال العلماء هذه الروايات كلها بمعنى واحد، ومعنى استقصرت قصرت عن تمام بنائها واقتصرت
[ ١٢ / ٤٩ ]
قال رسول الله ﷺ لولا حدثان (قومك بالكفر، قال عبد الله بن عمر فوالله لئن كانت عائشة سمعت ذلك من رسول الله ﷺ (٢) ما أُرى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ترك الركنين اللذين يليان الحجر (٣) إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم ﵇ إرادة أن يستوعب الناس الطواف بالبيت كله من وراء قواعد إبراهيم ﵇
(٢٥٥) عن عائشة ﵂ قالت كنت أحب أن أدخل البيت فأصلى فيه، فأخذ رسول الله ﷺ يدي فأدخلني في الحجر (٤) فقال لي صلى
_________________
(١) على هذا القدر النفقة بهم عن تمامها (١) الحدثان بكسر الحاء المهملة وبالثاء المثلثة بمعنى الحدوث (وقوله قومك) يعنى قريشا ومعناه قرب عهدهم بالكفر، وجواب لو محذوف تقديره لفعلت، وقد صرح به في الصحيحين، ومعناه لرددتها على قواعد إبراهيم (٢) قال القاضي عياض ليس هذا اللفظ من ابن عمر على سبيل التضعيف لروايتها والتشكيك في صدقها وحفظها، فقد كانت من الحفظ والضبط بحيث لا يستراب في حديثها ولا فيما تنقله، ولكن كثيرا ما يقع في كلام العرب صورة التشكيك والتقرير، والمراد به اليقين كقوله تعالى " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين" وقوله تعالى " قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن أهتديت" الأية (وقوله ما أرى) بضم الهمزة أي ما أظن (٣) أي يقربان من الحجر بكسر المهملة وسكون الجيم وهو معروف على صفة نصف الدائرة وقدرها تسع وثلاثون ذراعا، قاله الحافظ (وقوله إلا أن البيت) يعني الكعبة (لم يتمم) أي ما نقص منه وهو الركن الذي كان في الأصل (على قواعد إبراهيم) ﵇ فالموجود الآن في جهة الحجر بعض الجدار الذي بنته قريش، فلذلك لم يستلمها النبي ﷺ، قال أبو عبدالله الأبي وهذا الذي قاله ابن عمر من فقهه ومن تعليل العدم بالعدم، علل عدن الاستلام بعدم أنهما من البيت والله أعلم (تخريجه) (ق. نس. هق)
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا قتيبة بن سعيد قال ثنا عبد العزيز بن محمد عن علقمة بن أبي علقمة عن أمة عن عائشة - الحديث (غريبة) (٤) قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات حجر الكعبة زادها الله تعالى شرفا وهو بكسر الحاء وإسكان الجيم، هذا هو الصواب المعروف الذي
[ ١٢ / ٥٠ ]
في الحجر إذ أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت (١) ولكن قومك استقصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت.
(٢٥٦) وعنها أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال لولا أن قومك حديثُ عهد (٢) بشرك أو بجاهلية لهدمت
_________________
(١) قاله العلماء من أصحاب الفنون، ورأيت بعض الفضلاء المصنفين في ألفاظ المهذب أنه يقال أيضا حجر بفتح الحاء كحجر الإنسان، سمى حجرًا بفتح الحاء كحجر الإنسان، سمى حجرًا لاستدارته، والحجر عرضة ملصقة بالكعبة منقوشة على صورة نصف دائرة وعليه جدار، وارتفاع الجدار من الأرض نحو ستة أذرع وعرضه نحو خمسة أشبار، وقيل خمسة وثلث، وللجدار طرفان ينتهي أحدهما إلى ركن البيت العراقي والآخر إلى الركن الشامي، وبين كل واحد من الطرفين وبين الركنين فتحة يدخل منها إلى الحجر، وتدويره الحجر تسع وثلاثون ذراعا وشبر. وطول الحجر من الشاذروان الملتصق بالكعبة إلى الجدار الملتصق بالكعبة إلى الجدار المقابل له من الحجر أربع وثلاثون قدما ونصف قدم، وما بين الفتحتين أربعون قدما إلا نصف قدم، وميزاب البيت يضرب في الحجر، وقد اختلفت الروايات وأقوال أصحابنا في أن الحجر كله من البيت أو ست أذرع فحسب أم سبع، وهذا الموضع لا يحتمل بسطها فأشرت إلى أصلها اهـ (قلت) وسيأتي توضيح ذلك في أحكام هذا الباب (١) هذا ظاهره أن الحجر كله من البيت، وكذا قوله في رواية عائشة عند البخاري قالت سألت النبي ﷺ عن الجدار أمن البيت هو؟ قال نعم. وبذلك كان يفتى ابن عباس كما رواه عبد الرزاق عن أبيه عن مرثد بن شرحبيل قال سمعت ابن عباس يقول لو وليت من البيت ما ولى ابن الزبير لأدخلت الحجر كله في البيت فلم يطاف به إن لم يكن من البييت؟ (تخريجه) (د. نس. هق. مذ) وصححه
(٢) وعنها أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي قال ثنا عبد الرحمن ثنا سليم بن لحيان عن سعيد بن سيناء قال سمعت ابن الزبير يقول حدثتنى خالتي عائشة أن رسول الله ﷺ قال لها لولا أن قومك - الحديث (غريبة) (٢) هكذا جاء في جاء الروايات في هذا الحديث عند الإمام أحمد وغيره بإضافة حديث لعهد، قال المطرزي وهو لحن، إذ لا يجوز حذف الواو في مثل هذا، والصواب حديثو عهد بواو الجمع، كذا نقله الزركشي والحافظ والعيني واقروه، وأجاب صاحب المصابيح بأنه لا لحن فيه ولا خطأ والرواية صواب وتوجه بنحو ما قالوه في قوله تعالى " ولا تكونوا أول كافر به" حيث
[ ١٢ / ٥١ ]
الكعبة (١) فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين شرقيا (٢) وبابا غربيا وزدت فيها من الحجر ستة أذرع (٣) فإن قريشا اقتصرتها حين بنت الكعبة
_________________
(١) قالوا إن التقدير أول فريق كافر به أو فوج كافر، يعنون أن مثل هذه الألفاظ مفردة بحسب اللفظ وجمع بحسب المعنى، فيجوز ذلك رعاية لفظة تارة ومعناه اخرى كيف شئت، فانقل هذا إلى الحديث تجده ظاهرا لا خفاء بصوابه (١) زاد البخاري فأدخلت فيه ما أخرج منه (وقوله فألزقتها بالأرض) معناه السقوط ببابها إلى الأرض بحيث يكون على وجه الأرض غير مرتفع عنها (٢) أي مثل الموجود الآن (وبابا غريبا) أي يقابله من الناحية الأخرى ليدخل الناس من باب ويخرجون من الآخر لعدم الزحام (٣) أي قيمة ما اقتصره قريش منها، وجاء في بعض الروايات كما قال الحافظ وسأشير إلى هذه الروايات في الأحكام إن شاء الله تعالى (تخريجه) (ق. وغيرهما) (زوائد الباب) (عن ابن عباس) ﵄ قال ما طاف رسول الله ﷺ بشيء إلا وهو من البيت (عل) وإسناده حسن (وعن عائشة ﵂) ما أبالي صليت في الحجر أو في البيت (عل) ورجاله رجال الصحيح (وعن جابر) أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشي على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا (م. نس) وسيأتي شيء من أحاديث الباب في باب تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين من كتاب السيرة النبوية إن شاء الله تعالى (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أن الحجر (بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم) من البيت وهو ما أحيط بالبناء المقوس من جهة شمال الكعبة بين الركنين العراقي والشامي ويسمى الحطيم أيضا. وأن من طاف بالبيت لزمه إدخال الحجر فيه أي يطوف من وراء الحجر وأن ذلك شرط في صحة الطواف فمن لم يطف به كذلك لم يعتد بطوافه، وبه قال الأئمة (مالك والشافعي وأحمد وعطاء وأبو ثور وابن المنذر والجمهور) وهو قول ابن عباس وكان يحتج بقوله تعالى " وليطوفوا بالبيت العتيق" ثم يقول: طاف رسول الله ﷺ من وراء الحجر (وخالف الإمام أبو حنيفة وأصحابه) فقالوا هو سنة، فإن كان بمكة قضى ما فاته، وإن رجع إلى بلده فعليه دم، وبنحوه قال الحسن (وا ختلف العلماء) في الحجر هل كله من البيت أو بعضه؟ وسبب اختلافهم ما ورد في هذا الباب من الروايات المطلقة التي تفيد أنه كله من البيت كقوله في حديث عائشة الثاني من أحاديث الباب " صلى في الحجر إذا أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت" ولها عند الشيخين" سألت النبي ﷺ
[ ١٢ / ٥٢ ]
.
_________________
(١) عن الجدر (بفتح الجيم وسكون المهملة لغة في الجدار) أمن البيت هو؟ قال نعم. ولأبى داود الطيالسي في مسنده عن الأحوص شيخ مسدد وفيه " الجدر أو الحجر" بالشك (ولأبى عوانة) من طريق شيبان عن الأشعث " الحجر" بغير شك وتقدم في الشرح عن ابن عباس ﵄ أنه قال لو وليت من البيت ما ولى ابن الزبير لأدخلت الحجر كله في البناء فلم يطاف به إذا لم يكن من البيت؟ ولأبي داود وأبى عوانة والإمام أحمد عن عائشة وسيأتى في (باب الصلاة في الحجر كالصلاة في الكعبة) وفيه أنها أرسلت إلى شيبة الحجي ليفتح لها الباب بالليل فقال ما فتحناه في جاهلية ولا إسلام بليل وهذه الروايات كلها مطلقة ولكنها مقيدة بروايات صحيحة أيضا (منها عند مسلم) من حديث عائشة " حتى أزيد فيه من الحجر" وله من وجه آخر عنها مرفوعا بلفظ " فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمي أريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع" (وله أيضا) عنها مرفوعا بلفظ " وزدت فيها من الحجر سبعة أذرع" وفي رواية للبخاري عن عروة " أن ذلك مقدار ستة أذرع" ولسفيان بن عينية في جامعه أن ابن الزبير زاد ستة أذرع وله أيضا أنه زاد ستة أذرع وشبرا، ووهذا ما ذكره الإمام الشافعي عن عدد لقيهم من أهل العلم من قريش كما أخرجه البيهقي في المعرفة عنه، وقد اجتمع من الروايات ما يدل على أن الزيادة فوق ستة أذرع إلى سبعة، وأما ما رواه مسلم عن عطاء عن عائشة مرفوعا بلفظ " لكنت أدخل فيها من الحجر خمسة أذرع، فقد قال الحافظ هي شاذة، والروايات السابقة أرجح لما فيها من الزيادة عن الثقات الحفاظ (قال الحافظ) ثم ظهر لي لرواية عطاء وجه، وهو أنه أريد بها ما عند الفرجة التي بين الركن والحجر فتجتمع مع الروايات الأخرى فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء، ولهذا وقع عند الفاكهي من حديث أبى عمرو بن عدي بن الحمراء أن النبي ﷺ قال لعائشة في هذه القصة ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع، فيحمل هذا على الغاء الكسر، ورواية عطاء على جبره، وتحصّل الجمع بين الروايات كلها بذلك، أفاده الحافظ (وقال النووي) ﵀ قال أصحابنا ست أذرع من الحجر مما يلى البيت محسوبة من البيت بلا خلاف، وفي الزائد خلاف فإن طاف في الحجر وبينه وبين البيت أكثر من ستة أذرع ففيه وجهان لأصحابنا (أحدهما) يجوز لظواهر هذه الأحاديث وهذا هو الذي رجحه جماعة من أصحابنا الخراسانيين (والثاني) لا يصح طوافه في شيء من الحجر ولا على جداره ولا يصح حتى يطوف خارجا من جميع الحجر، وهذا هو الصحيح وهو الذي نص عليه الشافعي وقطع به جماهير أصحابنا العراقيين (ورجحه جمهور الأصحاب، وبه قال جميع علماء المسلمين سوى أبى حنيفة) فإنه قال إن طاف في الحجر وبقى في مكة أعاده وإن رجع
[ ١٢ / ٥٣ ]
(٨) باب جواز الطواف بالبيت في أي وقت كان
(ومن قال بكراهته في بعض الأوقات)
(٢٥٧) عن جبير بن مطعم ﵁ يبلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال يا بنى عبد مناف (١) لا تمنعن أحدا طاف بهذا
_________________
(١) من مكة بلا إعادة أراق دما وأجزأه طوافه (واحتج الجمهور) بأن النبي ﷺ طاف من وراء الحجر وقال " لتأخذوا عني مناسككم" ثم أطبق المسلمون عليه من زمنه ﷺ إلى الآن وسواء كان كله من البيت أم بعضه، فالطواف يكون من ورائه كما فعل النبي ﷺ والله أعلم اهـ (وفي حديث جابر) المذكور في الزوائد دلالة على مشروعية ابتداء الطواف من الحجر الأسود بعد استلامه باتفاق العلماءن وقد استدل به على مشروعية مشى الطائف بعد استلام الحجر على يمينه جاعلا البيت عن يساره، وقد ذهب إلى أن هذه الكيفية شرط لصحة الطواف الأئمة (مالك والشافعي وأحمد) ولو نكس الطواف، فجعل البيت عن يمينه لم يجزئه (وقال أبو حنيفة) يعيد ما كان بمكة فإن رجع جبره بدم، لأنه ترك هيئة فلم تُمنع الأجزاء كما لو ترك الرمل والاضطباع احتج الأولون بأن النبي ﷺ جعل البيت في الطواف على يساره وقال" لتأخذوا عني مناسككم" ولأنها عبادة متعلقة بالبيت فكان الترتيب فيها واجبا كالصلاة (وفي أحاديث الباب) غير ما تقدم دلالة لقواعد من الأحكام (منها) إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم، لأن النبي ﷺ أخبر أن نقض الكعبة وردّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم ﷺ مصلحة، ولكن تعارض مفسدة أعظم منه وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبا وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة فيرون تغييرها عظيما فتركه النبي ﷺ (ومنها) فكر ولي الأمر في مصالح رعيته واجتنابه ما يخاف منه تولد ضرر عليهم في دين أو دنيا إلا الأمور الشرعية كأخذ الزكاة وإقامة الحدود ونحو ذلك (ومنها) تألف قلوب الرعية وحسن حياطتهم وأن لا ينفروا ولا يتعرض لما يخاف تنفيرهم بسببه ما لم يكن فيه ترك أمر شرعي كما سبق والله أعلم. أفاده النووي.
(٢) عن جبير بن مطعم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى سفيان ثنا أبو الزبير عن عبد الله بن باباه عن جبير بن مطعم - الحديث (غريبة) (١) خصهم بالخطاب دون سائر قريش لعلمه ولاية الأمر والخلافة ستئول إليهم مع أنهم
[ ١٢ / ٥٤ ]
البيت أو صلى أي ساعة من ليل أو نهار (١)
(٢٥٨) عن أبي الزبير قال سألت جابر بن عبد الله ﵄ عن الطواف بالكعبة فقال كنا نطوف فنمسح الركن الفاتحة والخاتمة (٢) ولم نكن نطوف بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: تطلع الشمس على قرني الشيطان (٣)
_________________
(١) رؤساء مكة وفيهم كانت السدانة والحجابة واللواء والسقاية والرفادة. قاله الطيى (١) قال القارى أي صلاة الطواف أو مطلقا وهو قابل للتقييد بغير الأوقات المنهية إذا سبق النهي أو الصلاة بمعنى الدعاء اهـ (قلت) سيأتي الكلام على ذلك في الأحكام (تخريجه) (الأربعة. حب. بز. ك. وغيرهم)
(٢) عن أبي الزبير (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا أبو الزبير - الحديث (غريبة) (٢) يعنى اليماني والأسود (٣) تقدم تفسيره في باب جامع أوقات النهي من أبواب الأوقات المنهي عن الصلاة فيها صحيفة ٢٨٧ من الجزء الثاني (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد وقيه ابن لهيعة وفيه كلام وقد حسنوا حديثه اهـ (قلت) حسنه الحافظ أيضا (زوائد الباب) (عن ابن عمر ﵄) قال قال رسول الله ﷺ لا أعرفنكم ما منعتم أحدا يطوف بهذا البيت ساعة من نهار أو ليل (طب) من طريق ابن محمد بن أبي ليلى عن عبد الكريم عن مجاهد فإن كان عبد الكرريم هو الجزري فرجاله ثقات وإن كان هو ابن أبي المخارق فالحديث ضعيف (وعن عمرو بن دينار) قال رأيت بن عمر طاف بعد العصر أسبوعا ثم صلى ركعتين ثم قال إنما تكره عند طلوع الشمس لأن رسول الله ﷺ قال إن الشمس تطلع بين قرني شيطان (طب) ورجاله موثقون (وعن أبى شعبة) قال رأيت الحسن والحسين طافا بعد العصر وصليا ركعتين (طب) وأبو شعبة هذا هو البكري كما ذكره المزي ولم أجد من ترجمة (وعن أنس بن مالك) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ طوافان يغفر لصاحبهما ذنوبه بالغة ما بلغت، طواف بعد صلاة الصبح يكون فراغه عند طلوع الشمس. وطواف بعد العصر يكون فراغه عند غروب الشمس، قالوا يا رسول الله إن كان قبل ذلك أو بعده قال يلحق به (طس) وفيه عبد الرحيم بن زيد العمي
[ ١٢ / ٥٥ ]
.
_________________
(١) وهو متروك، أورد هذه الأحاديث الحافظ الهيثمي وتكلم عليها جرحا وتعديلا (وعن ابن عباس) ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: يا بنى عبد مناف إن وليتم هذا الأمر فلا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار (طح) (وعن حميد بن عبد الرحمن بن عوف) أن عبد الرحمن بن عبد القارى أخبره أنه طاف بالبيت مع عمر بن الخطاب بعد صلاة الصبح فلما قضى عمر طوافه نظر فلم ير الشمس فركب حتى أناخ راحلته بذي طوى فصلى ركعتين (لك) (وعن أبى الزبير المكي) أنه قال لقد رأيت عبد الله بن عباس يطوف بعد صلاة الصبح ثم يدخل حجرته فلا أدري ما يصنع (لك) (وعنه أيضا) أنه قال لقد رأيت البيت يخلو بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر ومايطوف به أحد (لك) (وعن عطاء) عن عائشة ﵂ أنها قالت إذا أردت الطواف بالبيت بعد صلاة الفجر أو العصر فطف وأخر الصلاة حتى تغيب الشمس وحتى تطلع فصل لكل أسبوع ركعتين (ش) وحسن الحافظ إسناده (الأحكام) حديثا الباب مع الزوائد منها ما يدل على جواز الطواف والصلاة بالمسجد الحرام في أي وقت من الأوقات شاء بدون استسناء وهي أحاديث ابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك المذكورة في الزوائد، وحديث جبير بن مطعم الأول من حديثي الباب، وهو حديث صحيح رواه أصحاب السنن الأربعة وابن حبان والبزار والحاكم وغيرهم وحسنه الترمذي وصححه (وإليه ذهب جمهور العلماء) وحكاه ابن المنذر والحاكم وغيرهم وحسنه الترمذي وصححه (وإليه ذهب جمهور العلماء) وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس والحسن والحسين ابني علي وابن الزبير ﵄ وطاوس وعطاء والقاسم بن محمد وعروة ومجاهد والشافعي وأحمد واسحاق وأبي ثور مستدلين بما ذكرناه من الأحاديث وبحديث أبى ذر أيضا رواه (هق. قط. عل. طس) والإمام أحمد ولفظه عن أبي ذر ﵁ أنه أخذ بحلقة باب الكعبة فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس إلا بمكة، وتقدم هذا الحديث في باب النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس إلخ في صحيفة ٢٩٩ من الجزء الثاني، قال المظهر فيه دليل على أن صلاة التطوع في أوقات الكراهة غير مكروهة بمكة لشرفها لينال الناس من فضلها في جميع الأوقات اهـ (ومنها) ما يدل على عدم جواز الصلاة والطواف بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس وبعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وهو حديث جابر الثاني من حديثي الباب، وفي إسناده ابن لهيعة تقدم الكلام عليه وحسنه الحافظ (وإليه ذهب جابر بن عبد الله) رواية (ومنها) ما يدل على عدم جواز الصلاة في الأوقات المنهى عن الصلاة فيها سواء في ذلك مكة وغيرها من البلدان، أما الطواف فجائز في جميع الأوقات بدون استسناء وإلى ذلك ذهب الأئمة (أبو حنيفة ومالك
[ ١٢ / ٥٦ ]
(٩) باب طواف المفرد والقارن والمتمتع وفيه فصول
(الفصل الأول في طواف المفرد)
(٢٥٩) وعن وبرة (١) قال أتى رجل ابن عمر ﵄ فقال أيصلح أن أطوف بالبيت وأنا محرم (٢) قال ما يمنعك من ذلك؟ قال إن فلانا ينهانا عن ذلك حتى يرجع الناس من الموقف ورأيته كأنه مالت (٣) به
_________________
(١) وسفيان الثوري) واحتجوا بأحاديث أوقات النهي وتقدمت في الباب المشار إليه سابقا وببعض الآثار المذكورة في الزوائد (منها) ما رواه الإمام مالك في الموطأ بسند صحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ طاف بعد الصبح فنظر الشمس فلم يرها طلعت فركب حتى أناخ بذي طوى فصلى (قلت) إنما أناخ بذي طوى وهو مكان خارج مكة، لأن طوافه المذكور كان طواف الوداع، وقد عزم على الرجوع إلى المدينة والله أعلم (قال الخطابي) وذهب بعضهم إلى تخصيص ركعتي الطواف من بين الصلوات قالوا إذا كان الطواف بالبيت غير محظور في شيء من الأوقات وكان من سنة الطواف أن يصلى ركعتان بعده فقد عقل أن هذا النوع من الصلاة غير منهى عنه اهـ (وذهب ابن عمر ﵄) إلى اختصاص الكراهة بحال طلوع الشمس وحال غروبها كما يستفاد من حديث عمرو بن دينار المذكور في الزوائد (وروى الطحاوي) من طريق مجاهد قال كان ابن عمر يطوف بعد العصر ويصلى ما كانت الشمس بيضاء حية نقية، فإذا اصفرت وتغيرت طاف طوافا واحدا حتى تصلى المغرب ثم يصلى ركعتين وفي الصبح نحو ذلك والله أعلم.
(٢) عن وبرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا يحيى عن اسماعيل أخبرنى وبره- الحديث (غريبة) (١) قال الحافظ في التقريب بالموحدة المحركة ابن عبد الرحمن المسلمي بضم أوله وسكون المهملة بعدها لام، أبو خزيمة أو أبو العباس الكوفي ثقة من الرابعة، مات سنة عشرة " يعني ومائة" (٢) يعنى بالحج مفردا (وقوله إن فلانا) هو ابن عباس ﵄ كما صرح به في الطريق الثانيةن وكان ابن عباس ﵄ يقول الطواف يوجب التحليل فمن أراد البقاء على إحرامه فعليه أن لا يطوف (والحاصل) أنه كان يرى الفسخ الذى أمر به النبي ﷺ الصحابة، وهذا مذهبه وخالفه الجمهور (٣) أي فتنة كما صرح بذلك في رواية مسلم ولفظه " رأيناه قد فتنته الدنيا، فقال وأينا أو أيكم لم تفتنه الدنيا" قال النووي هكذا في كثير من الأصول
[ ١٢ / ٥٧ ]
الدنيا وأنت أعجب إلينا منه، قال ابن عمر حج رسول الله ﷺ فطاف بالبيت وعسى بين الصفا والمروة، وسنة الله تعالى ورسوله أحق أن تتبع من سنة ابن فلان إن كنت صادقا (١) (وعنه من طريق ثان) (٢) قال قال رجل لابن عمر أطوف بالبيت وقد أحرمت بالحج؟ قال وما بأس ذلك؟ قال إن ابن عباس نهى عن ذلك. قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أحرم بالحج وطاف بالبيت وبين الصفا والمروة.
(٢٥٩) عن عبدالله بن بدر (٣) أنه خرج في نفر من أصحابه حجابا حتى ورد مكة فدخلوا المسجد فاستلموا الحجر، ثم طفنا بالبيت أسبوعا (٤)
ثم صلينا خلف المقام ركعتين فإذا رجل ضخم في إزار ورداء يصوت (٥) بنا عند الحوض، فقمنا إليه وسألت عنه، فقالوا ابن عباس ﵄
_________________
(١) "فتنته الدنيا" وفي كثير منها أو أكثرها " أفتنته الدنيا" وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين وهما لغتان صحيحتان " فتن وأفتن" والأولى أصح وأشهر وبها جاء القرآن، وأنكر الأصمعي أفتن. ومعنى قولهم فتنته الدينا لانه تولى البصرة، والولايات محل الخطر والفتنة، وأما ابن عمر فلم يتول شيئا، وأما قول ابن عمر وأينا لم تفتنه الدنيا فهذا من زهده وتواضعه وإنصافه اهـ (١) أي إن كنت صادقا فيما ادعيته على فلان من نهيه إياك عن الطواف وأنت محرم بالحج حتى يرجع الناس من الموقف فلا تتبعه، فإن رسول الله ﷺ قد فعل ما نهاك عنه، فلا تعدل عن فعل رسول الله ﷺ وطريقته إلى قول فلان (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن فضيل عن بيان عن وبرة قال قال رجل- الحديث " (تخريجه) (م. وغيره)
(٢) عن عبدالله بن بدر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سريج ثنا ملازم بن عمرو، وحدثنى عبد الله بن بدر - الحديث" (غريبة) (٣) هو السحيمى بمهملتين مصغرا اليمامى عن ابن عباس وطلق بن على، وعنه سبطة ملازم بن عمرو وعكرمة ابن عمار وثقه ابن معين وأبو زرعة (٤) أي سبع طوفات (٥) أي ينادينا بصوت مرتفع
[ ١٢ / ٥٨ ]
فلما أتيناه قال من أنتم؟ قلنا أهل المشرق وثم أهل اليمامة، قال فحجاج أم عمار؟ (١) قلت بل حجاج، قال فإنكم قد نقضتم حجكم (٢) قلت قد حججت مررا فكنت أفعل كذا، قال فانطلقنا مكاننا (٣) حتى يأتي ابن عمر فقلت إننا قدمنا فقصصنا عليه قصتنا وأخبرناه، قال إنكم نقضتم حجكم (٤) قال أُذكركم بالله (٥) أخرجتم حجاجا؟ قلنا نعم، فقال والله لقد حج رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر كلهم فعل مثل ما فعلتم
(الفصل الثاني في طواف القارن)
(٢٦٠) عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من قرن بين حجته وعمرته أجزأه لهما طواف واحد (٦)
_________________
(١) (وقوله عند الحوض) لعله يريد زمزم أو حوضا بجوارها يشرب منه الناس (١) يريد هل أحرمتم بحج أو عمرة (٢) تقدم أن مذهبه عدم طواف المحرم بالحج إلا بعد الوقوف (٣) منصوب بنزع الخافض أي إلى مكاننا (٤) أي وأخبرناه أن ابن عباس قال إنكم نقضتم حجكم (٥) أي أقسم بالله أخرجتم محرمين بالحج؟ (تخريجه) (لم أقف عليه) لغير الأمام أحمد وسنده جيد
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أحمد بن عبد الملك الحراني أنا الدراوردى عن عبيد الله بن عمرعن نافع عن ابن عمر- الحديث" (غريبة) (٦) معناه أنه لا يطوف للعمرة ثم يطوف للحج طوافا آخر بل يكفيه طواف الإفاضة للحج والعمرة معا. وهذا هو الطواف المفروض (تخريجه) (جه) وسنده جيد، وأخرجه الترمذي مرفوعا بلفظ " من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد عنهما حتى يحل منهما جميعا" وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب صحيح تفرد به الراوردى على ذلك حتى يحل منهما جميعا وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب صحيح تفرد به الداروردى على ذلك اللفظ، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه وهو أصح اهـ (قال النووي) في شرح المهذب ورواه البيهقي بإسناد صحيح مرفوعا (قلت) ورواه سعيد بن منصور مرفوعا بلفظ " من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعى واحد" وأعله الطحاوي بأن الداوردي أخطأ فيه وأن الصواب أنه موقوف وتمسك
[ ١٢ / ٥٩ ]
(٢٦١) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال لم يطف النبي ﷺ (١) بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول (٢)
(٢٦١) وعنه أيضا قال قدمنا مع رسول الله ﷺ فطفنا بالبيت وبين الصفا والمروة (٣) فلما كان يوم النحر لم نقرب الصفا والمروة (٤)
(٢٦٢) عن عائشة ﵂ في حديث لها قالت فطاف الذين أهلّوا
_________________
(١) في تخطئته بما رواه أيوب والليث وموسى بن عقبة وغير واحد عن نافع نحو سياق ما في البخاري من أن ذلك وقع لابن عمر وأنه قال إن النبي ﷺ فعل ذلك لا أنه روى هذا اللفظ عن النبي ﷺ (قال الحافظ) وهو تعليق مردود فالداوردى صدوق وليس ما رواه مخالفا لما رواه غيره، فلان مانع من أن يكون الحديثن عن نافع عن علي على الوجهين اهـ. والله أعلم.
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن ابن جريج أخبرنى أبو الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله ﵄ - الحديث " (غريبة) (١) زاد مسلم ولا أصحابه، وهذا اللفظ وإن لم يصرح به عند الإمام أحمد في هذا الحديث يستفاد معناه من حديثه التالي (٢) يعنى أن النبي ﷺ ومن كان معه من أصحابه قارنا لم يسعوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحده هي التي كانت عقب طواف القدوم، أما من كان متمتعا فقد سعى سعيا لعمرته ثم سعيا آخر لحجة يوم النحر. قال النووي فيه دليل على أن السعي في الحج والعمرة لا يكرر بل يقتصر منه على مرة واحده ويكره تكراره لأنه بدعة اهـ (تخريجه) (م. والأربعة)
(٣) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سريج ثنا حماد يعنى ابن زيد عن الحجاج بن أرطأة عن عطاء عن جابر قال قدمنا مع رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبة) (٣) يعنى طواف القدوم (٤) يريد أنهم طافوا بالبيت فقط طواف الإفاضة ولم يطوفوا بين الصفا والمروة اكتفاء بالطواف الأول كما في الحديث السابق (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الإمام أحمد وفي اسناده الحجاج بن أرطأه، قال أبو حاتم إذا قال حدثنا فهو صالح لا يرتاب في حفظه وصدقه (قال ابن معين) صدوق يدلس، وقال أيضا هو والنسائي ليس بالقوي، روى له مسلم مقرونا بغيره، مات سنة سبع وأربعين ومائة (خلاصة) (قلت) حسّن الحافظ الهيثمي حديثه وروى البخاري معناه
(٤) عن عائشة ﵂ - هذا طرف من حديث تقدم بسنده في آخر باب
[ ١٢ / ٦٠ ]
بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم أحلوّا (١) ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، فأما الذين جمعوا الحج (٢) فطافوا طوافا واحدا
(الفصل الثالث في طواف المتمتع وهو الذى أهل بعمرة فقط)
(٢٦٤) عن عمرو بن دينار أنه سمع رجلا سأل عبد الله بن عمر ﵄ أيصيب الرجل امرأته قبل أن يطوف بالصفا والمروة
(٣) قال أما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقدم فطاف بالبيت ثم ركع ركعتين ثم طاف بين الصفا والمروة، ثم تلا: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (٤)
(٢٦٥) عن عائشة ﵁ أن أصحاب رسول الله ﷺ الذين أهلّوا بالعمرة طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، ثم طافوا بعد أن رجعوا من منى لحجهم والذين قرنوا (٥) طافوا طوافا واحدا
_________________
(١) ما جاء فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج صحيفة ١٦٧ رقم ١٣٥ في الجزء الحادى عشر (غريبة) (١) أي من عمرتهم بعد الحلق أو التقصير ثم أحرموا بالحج ثم طافوا إلخ (٢) أي قرنوا الحج بالعمرة " فطافوا طوافا واحدا" أي لحجهم وعمرتهم (تخريجه) (ق. وغيرهم)
(٢) عن عمرو بن دينار (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا ابن جريج أخبرنى عمرو بن دينار - الحديث " (غريبة) (٣) لفظ مسلم عن عمرو بن دينار قال سألنا ابن عمر عن رجل قدم بعمرة فطاف بالبيت ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتى امرأته؟ وهذه الرواية أوضح من رواية الإمام أحمد (٤) معناه لا يحل له ذلك لأن النبي ﷺ لم يتحلل من عمرته حتى طاف وسعى، فتجب متابعته ﷺ والاقتداء به والمراد بعمرته ﷺ ما كان منه قبل حجة الوداع، وقد تقدم أنه ﷺ اعتمر ثلاث مرات قبل حجة الوداع: عمرة الحديبية، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة، أما في حجة الوداع فقد كان قارنا (تخريجه) (م. وغيره)
(٣) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرحمن عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة - الحديث (غريبة) (٥) أي قرنوا العمرة بالحج (تخريجه) (ق. وغيرها) (زوائد الباب)
[ ١٢ / ٦١ ]
.
_________________
(١) (عن جابر وابن عمر وابن عباس) ﵃ أن النبي ﷺ لم يطف هو وأصحابه لعمرتهم وحجتهم إلا طوافا واحدا أورده الهيثمي وقال رواه أبو يعلى وفيه ليث بن أبى سليم وهو ثقة لكنه مدلس (وأخرج عبد الرزاق) عن طاوس بإسناد صحيح أنه حلف ما طاف أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لحجته وعمرته إلا طوافا واحدا (وعن مجاهد عن عائشة) ﵂ أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك، رواه مسلم. وجاء معناه عند الإمام أحمد في أحاديث تقدمت (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أن المفرد وهو الذي أحرم بالحج مفردا يشرع له طواف القدوم والسعي بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة ثم يطوف بالبيت يوم النحر طواف الإفاضة وهو أحد أركان الحج، ثم يتحلل من حجه بدون سعى بين الصفا والمروة اكتفاء بالسعي الأول، كما يستفاد من حديث ابن عمر المذكور أول الباب، وبه قال ابن عمر (قال النووي) هذا الذى قاله ابن عمر هو اثبات طواف القدوم للحاج وهو مشروع قبل الوقوف بعرفات، وبهذا الذى قاله ابن عمر قال العلماء كافة سوى ابن عباس، وكلهم يقولون إنه سنة ليس بواجب إلا بعض أصحابنا ومن وافقه فيقولون واجب يجبر تركه بالدم، والمشهور أنه ليس بواجب ولا دم في تركه، فإن وقف بعرفات قبل طواف القدوم فات، فإن طاف بعد ذلك بنية طواف القدوم لم يقع عن طواف القدوم بل يقع عن طواف الإفاضة إن لم يكن طاف للإفاضة، فإن كان طاف للإفاضة وقع الثاني تطوعا عن القدوم، ولطواف القدوم اسماء، طواف القدوم والقادم والورود والوارد والتحية، وليس في العمرة طواف قدوم بل الطواف الذى يفعله فيها يقع ركنا لها، حتى لو نوى به طواف القدوم وقع ركنا ولغت نيته كما لوكان عليه حجة واجبة فنوى حجة تطوع فإنها تقع واجبة والله أعلم (وفي أحاديث الباب أيضا) دلالة على أن القارن " وهو الذى أحرم بحج وعمرة معا" يشرع له طواف القدوم أيضا والسعى بعده، ثم يطوف يوم النحر طواف الإفاضة ثم يتحلل من حجه بدون سعى بين الصفا والمروة كما تقدم في المفرد سواء بسواء (وفي قوله في حديث جابر) لم يطف النبي ﷺ بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول وفي قوله في حديث الثاني: قدمنا مع رسول الله ﷺ فطفنا بالبيت وبين الصفا والمروة فلما كان يوم النحر لم نقرب الصفا والمروة في هذا دلالة ظاهرة للشافعية وموافقيهم في أن القارن ليس عليه إلا طواف واحد للإفاضة وسعى واحد (وممن قال بهذا) ابن عمر وجابر ابن عبد الله وعائشة وطاوس وعطاء والحسن البصري ومجاهد ومالك وابن الماجشون وأحمد وإسحاق وداود وابن المنذر (وقالت طائفة) يلزمه طوافان
[ ١٢ / ٦٢ ]
.
_________________
(١) وسعيان، وممن قاله الشعبي والنخعي وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود والثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة، واستدلوا على ذلك بما أخرجه عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما عن علي ﵁ أنه جمع بين الحج والعمرة وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ثم قال هكذا رأيت رسول الله ﷺ (قال الحافظ) وطرقه ضعيفة، وقال ابن المنذر لا يثبت هذا عن علي، وكذا روى نحوه من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف ومن حديث ابن عمر بإسناد فيه الحسن بن عمارة وهو متروك (قال ابن حزم) لا يصح عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة في ذلك شيء أصلا، وتعقبه الحافظ بأنه قد روى الطحاوي وغيره مرفوعا عن علي وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها اهـ. فينبغي أن يصار إلى الجمع كما قال البيهقي إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين، فيحمل على طواف القدوم وطواف الإفاضة وأما السعي مرتين فلم يثبت اهـ على أنه يضعف ما روى عن على ﵁ ما ذكره الحافظ في الفتح من أنه قد روى آل بيته عنه مثل الجماعة (قال جعفر بن محمد الصادق) عن ابيه أنه كان يحفظ عن علي للقارن طوافا واحدا خلاف ما يقول أهل العراق، ومما يضعف ما روى عنه من تكرار الطواف أن أمثل طرقة عنه رواية عبد الرحمن بن أذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمنع من ابتدأ الإهلال بالحج بأن يدخل عليه عمرة وأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين والذين احتجوا بحديثة لا يقولون بامتناع إدخال العمرة على الحج، فإن كان الطريق صحيحة عندهم لزمهم العمل بما دلت عليه وإلا فلا حجة فيها، ويضعف أيضا ما روى عن ابن عمر من تكرار الطواف أنه قد ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما كما في أحاديث الباب من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد (وقد احتج أبو ثور) على الاكتفاء بطواف واحد للقارن بحجة نظرية فقال: قد أجزنا جميعا للحج والعمرة معا سفرا واحدا وإحراما واحدا وتلبية واحدة، فكذلك يجزئ عنهما طواف واحد وسعي واحد، حكى هذا عنه ابن المنذر (ومن جملة ما يحتج به) على أنه يكفى لهما طواف واحد حديث " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" وهو صحيح (وسيأتى بعد أبواب السعي) لأنها بعد دخولها فيه لا تحتاج إلى عمل آخر غير عمله، والسنة الصحيحة الصريحة أحق بالاتباع فلا يلتفت إلى ما خالفها والله أعلم (وفي أحاديث الباب أيضا) ما يدل على أن من تمتع بالعمرة إلى الحج لابد له من طواف بالبيت وسعي بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة لأنهما ركنا العمرة ثم يحرم بالحج وعليه حتما طواف بالبيت وسعي بين الصفا والمروة يوم النحر لأنهما ركنان من أركان الحج، وهذا مستفاد من حديث عائشة المذكور في الفصل الثالثت حيث قالت إن أصحاب رسول الله ﷺ الذين أهلوا بالعمرة طافوا بالبيت وبالصفا والمروة ثم طافوا (أي بالبيت وبالصفا والمروة أيضا) بعد أن رجعوا من
[ ١٢ / ٦٣ ]
(١٠) باب طواف أهل مكة وأمور جاءت في الطواف والكلام فيه
(٢٦٦) عن عطاء عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قطع الأودية وجاء بهدى فلم يكن له بُد (١) من أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يقف بعرفة، فأما أنتم يا أهل مكة فأخروا طوافكم حتى ترجعوا (٢)
_________________
(١) منى لحجهم والذين قرنوا طافوا طوافا واحدا (أما من أحرم بعمرة فقط) لا يريد غيرها فلا يجوز له التحلل من العمرة بعد الطواف وقبل السعي والحلق أو التقصير، لأن السعي ركن من أركان العمرة، وهذا مستفاد من حديث عمرو بن دينار عن ابن عمر المذكور في الفصل الثالث حيث قال ابن عمر للسائل " أما رسول الله ﷺ فقدم فطاف بالبيت ثم ركع ركعتين ثم طاف بين الصفا والمروة ثم تلا لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (قال النووي) معناه لا يحل ذلك، لأن النبي ﷺ لم يتحلل من عمرته حتى طاف وسعى فتجب متابعته والاقتداء به، وهذا الحكم الذى قاله ابن عمر هو مذهب العلماء كافة وهو أن المعتمر لا يتحلل إلا بالطواف والسعى والحلق إلا ما حكاه القاضى عياض عن ابن عباس واسحاق ابن راهوية أنه يتحلل بعد الطواف وأن لم يسع، وهذا ضعيف مخالف للسنة اهـ (قلت) رحم الله الحافظ أبا بكر البيهقي فقد جمع ما ذكرناه من أحكام المفرد والقارن في ترجمة باب من كتابة السنن حيث قال (باب المفرد والقارن يكفيهما طواف واحد وسعي واحد بعد عرفه فإن كانا قد سعيا بعد طواف القدوم اقتصرا على الطواف بالبيت بعد عرفة وتحللا) (قلت) وحكم المتمتع يؤخذ من مفهوم هذه الترجمة وهو أنه يطوف طوافين ويسعى سعيين والله أعلم
(٢) عن عطاء عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سريج ثنا عبد الله بن المؤمل عن عطاء عن ابن عباس - الحديث (غريبة) (١) أي لا محيد من ذلك، وحمله بعضهم على الوجوب والجمهور على الاستحباب، وتقدم الخلاف في ذلك في أحكام باب طواف القدوم (٢) أي من منى بعد الوقوف بعرفة لأنه ليس عليهم طواف إلا بعد الوقوف بعرفة بإجماع العلماء (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وفي اسناده عبد الله بن المؤمل ضعفه الجمهور، والظاهر والله أعلم أن ابن عباس
[ ١٢ / ٦٤ ]
(٢٦٧) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر وهو يطوف بالكعبة بإنسان يقود إنسانا بخزامة (١) في أنفه فقطعها النبي ﷺ بيده فأمره أن يقوده بيده (٢) (وعنه من طريق ثان) أن النبي ﷺ مر وهو يطوف بالكعبة بإنسان قد ربط يده بإنسان أخر (٤) بسير أو بخيط أو بشيء غير ذلك (٥) فقطعه النبي ﷺ بيده ثم قال قده (٦) بيده
_________________
(١) ﵄ قال: هذا الأثر حينما وجد أهل مكة يطوفون بالصفا والمروة قبل الوقوف اقتداء بالنبي ﷺ فأفهمهم العلة التي لأجلها طاف النبي ﷺ وسعى قبل الوقوف والله أعلم
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق قال أنا ابن جريج قال أخبرنى سليمان الأحول أن طاوسا أخبره عن ابن عباس أن النبي ﷺ مر وهو يطوف - الحديث" (غريبة) (١) بكسر الخاء المعجمة هي حلقة من شعر تجعل في أحد جانبي منخري البعير كانت بنو اسرائيل تخرم أنوفها وتخرق تراقبها ونحو ذلك من أنواع التعذيب فوضعه عن هذه الأمة (٢) إنما منعه عن ذلك وأمره بالقود باليد لأن القود بالأزمة إنما يفعل بالبهائم وهو مثله (٣) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق قال أنا ابن جريج قال أخبرنى سلمان الأحول أن طاوسا أخبره عن ابن عباس أن النبي ﷺ - الحديث " (٤) قال الحافظ لم أقف عليه على تسمية هذين الرجلين صريحا إلا أن في الطبراني من طريق فاطمة بنت (مسلم حدثنى خليفة بن بشر عن أبيه أنه أسلم فرد عليه النبي ﷺ ماله وولده ثم لقيه هو وابنه طلق بن بشر مقترنين بحبل، فقال ما هذا؟ فقال حلفت لئن رد الله علىّ رد الله ما لى وولدى لأحجن بيت الله مقرونا، فأخذ النبي ﷺ الحبل فقطعه وقال لهما حجا، إن هذا من عمل الشيطان) فيمكن أن يكون بشر وابنه طلق صاحبى هذه القصة اهـ (وقوله بسير) بمهملة مفتوحة وياء ساكنة معروف وهو ما يقد من الجلد وهو الشراك والقد الشق طولا، يقال قددت السير أقده، أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أنهم يتقربون بمثله إلى الله تعالى (٥) كأن الرواى لم يضبط ما كان مربوطا به فلأجل ذلك شك فيه، وغير السير والخيط، نحو المنديل الذي يربط به والوتر أو غيرهما (٦) بضم القاف أمر من قادة يقوده من القياد أو القود وهو الجر والسحب (تخريجه) (خ. د. نس) (زوائد الباب) (عن جابر بن عبد الله) ﵄ قال طاف
[ ١٢ / ٦٥ ]
.
_________________
(١) النبي ﷺ في حجته بالبيت على ناقته الجدعاء وعبد الله بن أم مكتوم آخذ بخطامها يرتجز، أورده الهيثمي وقال هو في الصحيح خلا ذكر ابن أم مكتوم ورجزه، رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات (وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة) قال رأيت عبد الرحمن بن عوف يطوف بالبيت وهو يحدو وعليه خفان، فقال له عمر ما أدرى أيهما أعجب، حداؤك حول البيت أو طوافك في خفيك! قال قد فعلت ذلك على عهد من هو خير منك رسول الله ﷺ فلم يعب ذلك علىّ، رواه أبو يعلى وفيه عاصم بن عبد الله وهو ضعيف (وعن عامر بن ربيعه) ﵁ أن النبي ﷺ كان يطوف بالبيت فانقطع شسع نعله فأخرج رجل شسعا من نعله، فذهب يشده في نعل النبي ﷺ فانتزعها وقال هذه أثرة ولا أحب الأثرة، رواه أبو يعلى والطبراني والأوسط، وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف، أوردهما الهيثمي (الأحكام) أثر ابن عباس يدل على مشروعية طواف القدوم لمن أتى مكة يريد الحج وتقدم الكلام على ذلك في أحكام باب طواف القدوم صحيفة ٢١ من هذا الجزء أما أهل مكة فلا يشرع لهم إلا طواف الإفاضة بعد الوقوف بعرفة، وقد أجمع العلماء على ذلك كما أجمعوا على أنه ليس على المعتمر فقط إلا طواف القدوم (وحديث ابن عباس) الثانى من حديثي الباب يدل على أنه يجوز للطائف فعل ما خف من الأفعال وتغيير ما يراه الطائف من المنكر وفيه جواز الكلام في الأمور الواجبة والمستحبة والمباحة (قال ابن المنذر) أولى ما شغل المرء به نفسه في الطواف ذكر الله وقراءة القرآن، ولا يحرم الكلام المباح إلا أن الذكر أسلم، وحكى ابن التين خلافا في كراهة الكلام المباح (وعن مالك) تقييد الكراهة بالطواف الواجب (قال ابن المنذر) واختلفوا في القراءة فكان ابن المبارك يقول ليس شيء أفضل من قراءة القرآن، وفعله مجاهد (واستحبه الشافعي وأبو ثور) وقيده الكوفيون بالسر، روى عن عروة والحسن كراهته (وعن عطاء ومالك أنه محدث) وعن مالك لا بأس به إذا اخفاه ولم يكثر منه (قال ابن المنذر) من أباح القراءة في البوادى والطرق ومنعه في الطواف لا حجه له، ونقل ابن التين عن الداودى أن في هذا الحديث من نذر ما لا طاعة لله تعالى فيه لا يلزمه، وتعقبه بأنه ليس في هذا الحديث شيء من ذلك، وإنما ظاهر الحديث أنه كان ضرير البصر ولهذا قال له قده بيده اهـ. ولا يلزم من أمره له أن يقوده أنه كان ضريرا، بل يحتمل أن يكون بمعنى آخر غير ذلك، وأما ما أنكره من النذر فمتعقب بما في النسائي من طريق خالد بن الحارث عن ابن جريج في هذا الحديث أنه قال أنه نذر. ولهذا أخرجه البخاري في أبواب النذر. أفاده الحافظ (قلت) روى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ أدرك رجلين مقترنان يمشيان إلى البيت
[ ١٢ / ٦٦ ]
(١١) باب ما يقال من الذكر في الطواف وعند الاستلام
(وما كان يقوله أهل الجاهلية في الطواف واستحباب ترك الكلام)
(٢٦٨) عن عبد الله بن السائب ﵁ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقرأ بين الركنين اليماني والحجر (١) ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٢)
(٢٦٩) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يأتى البيت فيستلم الحجر ويقول بسم الله والله أكبر
_________________
(١) فقال رسول الله ﷺ ما بال القِران؟ قالا يارسول الله نذرنا أن نمشى إلى البيت مقترنين، فقال رسول الله ﷺ ليس هذا نذرا فقطع قرانهما، وسيأتى ذلك في أبواب النذر إن شاء الله تعالى (وفي أحاديث الزوائد) دلالة على جواز الرجز للطائف والحداء والكلام بشرط أن يكون واجبا أو مستحبا أو مباحا على الأقل كما تقدم (وفيها أيضا) جواز الطواف في النعل والخف إذا كان ظاهرين، وإنما لم يقبل النبي ﷺ الشسع من الرجل الذي أراد أن يعطيه إياه بدل شسعه الذي انقطع وقال هذه أثرة، يعني عطية تشبه الصدقة ولا يسمح للنبي قبولها وهذه من خصوصيات النبي ﷺ وآل بيته ﵃ والله أعلم.
(٢) عن عبد الله بن السائب (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج قال أخبرنى يحيى بن عبيد عن أبيه عن عبد الله بن السائب - الحديث" (غريبة) (١) لفظ أبي داود سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما بين الركنين إلخ (٢) في الأصل بعد قوله " وقنا عذاب النار" قال عبد الرزاق وابن بكر وروح في هذا الحديث أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين ركن بنى جمح والركن الأسود " ربنا آتنا إلخ" والمعنى أنهم رووا هذا الحديث عن عبد الله بن السائب بهذا اللفظ، وركن بنى جمح هو اليماني، ونسب إليهم لأن بيوتهم كانت إلى جهته، وبنو جمح بطن من قريش، وبالمسجد باب يسمى بباب بنى جمح لذلك (تخريجه) (د. نس. هق. حب) وصححه الحاكم وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي
(٣) (عن ابن عمر) هذا طرف من حديث تقدم بسنده وشرحه في الفصل الأول في الغسل لدخول مكة صحيفة ٢ رقم ٢٠٩ من هذا الجزء وهو حديث صحيح
[ ١٢ / ٦٧ ]
(٢٧٠) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ إنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله ﷿ (١)
(٢٧١) عن طاوس عن رجل قد أدرك النبي ﷺ (٢) أن النبي ﷺ قال: إنما الطواف صلاة (٣) فإذا طفتم فأقلوا الكلام.
(٢٧٢) عن سباع بن ثابت قال سمعت أهل الجاهلية يطوفون وهم
_________________
(١) عن عائشة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا أبو نعيم قال ثنا سفيان عن عبيد الله بن أبى زياد قال سمعت القاسم قال: قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ: - الحديث" (غريبة) (١) أي لأن يذكر الله ﷿ فيها، ففيه الحث على الذكر في هذه الأفعال وعدم الغفلة عنه، وإنما خصت هذه الأفعال بالذكر مع أن المقصود من جميع العبادات هو ذكر الله تعالى لأنها أفعال تعبدية لا تظهر فيها العبادة فشرعت فيها العبادة القولية لتكون شعارا لها والله أعلم (تخريجه) (د. مى. مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح.
(٢) عن طاوس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق وروح قالا ثنا ابن جريج قال أخبرني حسن بن مسلم عن طاوس - الحديث" وفي آخره قال عبد الله بن الإمام أحمد رحمها الله (قال أبى ولم يرفعه محمد بن بكر) (غريبة) (٢) يعنى من الصحابة وجهاله الصحابي لا تضر، ولعل هذا الرجل هو ابن عمر ﵄، فقد قال النووي في شرح المهذب ذكر الشافعي والبيهقي بإسنادهما الصحيح عن ابن عمر قال" أقلوا الكلام في الطواف إنما أنتم في صلاة" وهو موقوف على ابن عمر (٣) أي كالصلاة في كثير من الأحكام (وقوله فأقلوا الكلام) أي فلا تكثروا فيه الكلام وإن كان جائزا، لأن مماثلته بالصلاة تقتضي أن لا يتكلم فيه أصلا كما لا يتكلم في الصلاة، فحين أباح الله تعالى فيه الكلام رحمة منه على العبد فعليه أن يشكر الله ﷿ ولا يكثر فيه الكلام، ولا يتكلم إلا بخير أو لضرورة والله أعلم (تخريجه) (نس) بلفظ حديث الباب، ثم رواه من طريق ثان عن طاوس قال قال عبد الله بن عمر " اقلوا الكلام في الطواف فإنما أنتم في صلاة" ورواه أيضا البيهقي والإمام الشافعي من حديث ابن عمر موقوفا عليه بسند صحيح
(٣) عن سباع بن ثابت (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان
[ ١٢ / ٦٨ ]
يقولون: اليوم قرنا عينا (١) نقرع المروتينا
_________________
(١) عن عبد الله بن أبى يزيد عن أبيه عن سباع بن ثابت- الحديث" (غريبة) (١) معناه اليوم قرت أعيننا أي بردت سرورا (نقرع المروتينا) أي بالطواف بالصفا والمروة لأن أقدامهم تقرعها بالمشي، وإنما قالوا المروتين تغليبا كما قيل في الشمس والقمر- القمران، وفي أبي بكر وعمر ﵄- العمران (والمروتين) بفتح النون على لغة لضرورة الشعر. والألف للإطلاق والظاهر أنهم كانوا يقولون ذلك في الطواف بالبيت، ويحتمل أن يكون في السعي بين الصفا والمروة لأنه يقال له طواف أيضا، ويحتمل أن يكون في الموضعين والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد (زوائد الباب) (عن أبى هريرة) ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله محيت عنه عشر سيئات كتبت له عشر حسنات ورفع له به عشر درجات ومن طاف فتكلم وهو في تلك الحال خاض في الرحمة برجليه ورفع له بها عشر درجات، ومن طاف فتكلم وهو في تلك الحال خاض في الرحمة برجليه كخائض الماء برجليه) يعنى أن من تكلم بغير الذكر بكلام مباح في الطواف خاض في الرحمة برجليه فقط دون سائر جسده بخلاف من يذكر الله تعالى في تلك الحالة فإنه يكون في الرحمة بتمام جسده (وعن عطاء) وقد سأله ابن هشام عن الركن اليماني قال حدثنى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: وكل به سبعون ملكا فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين. رواهما ابن ماجة بسند واحد (قال الحافظ) في التلخيص إسناده ضعيف (وعن ابن عباس ﵄) قال كان رسول الله ﷺ يدعو في الطواف: اللهم قنعني بما رزقتني وبارك في فيه واخلف على كل غائبة لي بخير (ك) وصحح إسناده وروى ابن أبى شيبه في مصنفه عن سعيد بن جبير قال كان من دعاء ابن عباس فذكره موقوفا عليه " ومعنى قوله واخلف على كل غائبة لي بخير " أي اجعل عوضا حاضرا كما غاب على وفات، أو لا أتمكن من إدراكه (وعن عبد الله بن السائب) ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في ابتداء طوافه: بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ، رواه ابن عساكر من طريق ابن ناجية بسند له ضعيف (قال الحافظ) لم أجده هكذا وقد ذكر صاحب المهذب من حديث جابر، وقد بيض له المنذري والنووي، ورواه الشافعي عن ابن نجيح قال أخبرت أن بعض أصحاب النبي ﷺ قال يا رسول الله كيف نقول إذا استلمنا؟ قال: قولوا بسم الله والله أكبر إيمانا بالله وتصديقا لما جاء به محمد، قال في التلخيص وهو في الأم عن سعيد بن سالم عن
[ ١٢ / ٦٩ ]
.
_________________
(١) ابن جريج (وعن على ﵁) عند البيهقي والطبراني من طريق الحارث الأعور أنه كان إذا مر بالحجر الأسود فراى عليه زحاما استقبله وكبر ثم قال اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك واتباعا لسنة نبيك (وروى البيهقي) عن أبى سعيد بن أبى عمرو ثنا أبو العباس الأصم أنبأنا الربيع قال قال الشافعي أحب كلما حاذى به يعنى بالحجر الأسود أن يكبر وأن يقول في رمله: اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا ويقول في الأطواف الأربعة: اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (وعن حبيب بن صهبان) أنه رأى عمر ﵁ يطوف بالبيت وهو يقول " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" ماله هجيرى غيرها (هق) " الهجيرى الدأب والعادة" (وعن ابن عباس) أن النبي ﷺ قال: الطواف بالبيت صلاة وكذلك رواه جرير بن عبد الحميد وموسى بن أعين وغيرهم عن عطاء ين السائب مرفوعا (قال) ورواه حماد بن سلمة وشجاع بن الوليد عن عطاء بن السائب موقوفا وكذلك رواه عبد الله بن طاوس عن طاوس عن ابن عباس موقوفا (وعن ابن طاوس) عن أبيه عن ابن عباس قال الطواف صلاة فأقلوا فيه من الكلام (هق) قال البيهقي وكذلك رواه إبراهيم بن ميسرة عن طاوس (وعن عطاء) قال طفت خلف ابن عمر وابن عباس ﵄ فما سمعت واحدا منهما متكلما حتى فرغ من طوافه (هق) (وعن ابن سعيد الخدري ﵁) قال من طاف بالبيت سبعا لا يتكلم فيه إلا تكبيرا أو تهليل كان عدل رقبة (هق) (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية الدعاء والذكر بما اشتملت عليه هذه الأحاديث في الطواف (وقد ذهب جمهور العلماء) إلى أنه سنة وأنه لادم على من ترك مسنونا، وعن الحسن البصري والثوري وابن الماجشون أنه يلزم (وفيها أيضا دلالة) على استحباب ترك الكلام في الطواف ولا يبطل به. لكن الأولى تركه إلا أن يكون كلاما في خير كأمر بمعروف أو نهي عن منكر أو تعليم جاهل أو جواب فتوى ونحو ذلك (قال النووي) قال أصحابنا وغيرهم ينبغي له أن يكون في طوافه خاشعا متخشعا حاضر القلب ملازم الأدب بظاهره وباطنه وفي هيئته وحركته ونظره فإن الطواف صلاة فيتأدب بآدابها ويستشعر بقلبه عظمة من يطوف ببيته، ويكره له الأكل والشرب في الطواف وكراهة الشرب أحف، ولا يبطل الطواف بواحد منهما ولابهما جميعا (قال الشافعي) لا بأس بشرب الماء في الطواف ولا اكرهه بمعنى المأثم، لكن أحب تركه لأن تركه أحسن في الأدب (قال الشافعي في الإملاء) روى عن ابن عباس أنه شرب وهو يطوف، قال وروى من
[ ١٢ / ٧٠ ]
(١٢) باب ركعتي الطواف والقراءة فيهما واستلام الحجر بعدهما
(٢٧٣) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال استلم نبي الله ﷺ الحجر الأسود ثم رمل ثلاثة ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم (١) فصلى خلفه ركعتين ثم قرأ واتخذوا (٢) من مقام إبراهيم مصلى، فقرأ فيهما
_________________
(١) وجه لا يثبت أن النبي ﷺ شرب وهو يطوف (قال البيهقي) لعله أراد حديث ابن عباس أن النبي ﷺ شرب ماء في الطواف، وهو حديث غريب بهذا اللفظ والله أعلم (قال النووي) ويكره أن يشبك أصابعه أو يفرقع بها كما يكره ذلك في الصلاة، ويكره أن يطوف وهو يدافع البول أو الغائط أو الريح أو وهو شديد التوقان إلى الأكل وما في معنى ذلك كما تكره الصلاة في هذه الأحوال، قال ويلزمه أن يصون نظره عمن لا يحل النظر إليه من امرأة أو أمرد حسن الصورة، فإنه يحرم النظر إلى الأمرد والحسن بكل حال إلا لحاجة شرعية لا سيما في هذا الموطن الشريف، ويصون نظره وقلبه عن احتقار من يراه من الضعفاء وغيرهم كمن في بدنه نقص وكمن جهل شيئا من المناسك أو غلط فيه، وينبغي أن يعلم الصواب برفق، وقد جاءت أشياء كثيرة في تعجيل عقوبة من أساء الأدب في الطواف كمن نظر إلى امرأة ونحوها، وذكر الأزرقي من ذلك جملا في تاريخ مكة، وهذا الأمر مما يتأكد الاعتناء به لأنه في أشرف الأرض والله أعلم اهـ. ج (وفي أحاديث الباب أيضا) ذكر ما كان يقوله أهل الجاهلية في طوافهم من الكلام الذي لا يعود عليهم بفائدة ولا ثمرة ترجى، وقد أبدله الله في الإسلام بهذه الأذكار والدعوات التي فيها تعظيم الله ﷿ والاعتراف له بالعبودية، والتي يعود ثوابها على قائلها ويكون له عند الله منزلة عليه، فالحمد لله الذي هدانا لهذا الدين الحنيف دين الإسلام، وجعلنا من خدام سنة نبيه ﵊، وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله. نسأل الله الإخلاص والتوفيق إلى أقوم طريق.
(٢) (عن جابر بن عبد الله) هذا طرف من حديث جابر الطويل تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب صفة حج النبي ﷺ صحيفة ٧٤ رقم ٦٤ في الجزء الحادي عشر، وأتيت بهذا القدر منه هنا لمناسبة الترجمة (غريبة) (١) تقدم الكلام على مقام إبراهيم في شرح حديث رقم ٢٣٥ صحيفة ٢٨ من هذا الجزء، والمراد به الحجر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة، ومكانه الآن إلى جانب الباب مما يلى الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك (٢) في الروايات بكسر الخاء على الأمر وهي
[ ١٢ / ٧١ ]
بالتوحيد وقل يا أيها الكافرون (١) ثم استلم الحجر وخرج إلى الصفا الحديث
(٢٧٤) وعنه أيضا أن النبي صلى عليه وعلى آله وصحبه وسلم رمل ثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر وصلى ركعتين (٢) ثم عاد إلى الحجر، ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب على رأسه ثم رجع فاستلم الركن ثم رجع إلى الصفا فقال ابدءوا بما بدأ الله ﷿ به (٤)
_________________
(١) إحدى القراءتين، والأخرى بالفتح على الخبر والأمرد ال على الوجوب (قال الحافظ) لكن انعقد الإجماع على جواز الصلاة إلى جميع جهات الكعبة فدل على عدم التخصيص، وهذا بناء على أن المراد بمقام إبراهيم الذي فيه أثر قدميه وهو موجود الآن، وقال مجاهد المراد بمقام إبراهيم الحرم كله والأول أصح (١) معناه أنه ﷺ قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية بعد الفاتحة بسورة التوحيد يعنى قل هو الله أحد (وللنسائي) من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أيضا فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد، ثم عاد إلى الركن - الحديث " (وروى البيهقي) بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد أيضا عن أبيه عن جابر أن النبي ﷺ طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد (وقوله ثم استلم الحجر) فيه دلالة للقائلين باستحباب استلام الحجر مرة أخرى بعد الطواف وصلاة ركعتين ثم يخرج من باب الصفا ليسعى وسيأتى ذكرهم مرة أخرى بعد الطواف وصلاة ركعتين ثم يخرج من باب الصفا ليسعى وسيأتى ذكرهم في الإحكام (تخريجه) (م. د. جه. وغيرهم)
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا موسى بن داود حدثنا سليمان بن بلال عن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ رمل - الحديث (غريبة) (٢) لفظ النسائي فصلى سجدتين وجعل المقام بينه وبين الكعبة ثم استلم الركن (٣) الظاهر أنه الركن الأسود، وعلى هذا فيكون قد استلم الحجر الأسود مرتين بعد صلاة الركعتين، ولم أر هذه الرواية لغير الإمام أحمد، والذى رأيته في جميع الروايات أنه ﷺ استلم الحجر بعد صلاة الركعتين مرة واحدة ثم شرع في السعي بين الصفا والمروة كما في رواية جابر الأولى المتفق عليها فالله أعلم (٤) يريد البدء بالصفا لأن الله ﷿ بدأ به في قوله تعالى " إن الصفا والمروة من شعائر الله" فذكر الصفا أولا (تخريجه) (م. لك. نس. مذ" بدون قصة الشرب من زمزم والرجوع
[ ١٢ / ٧٢ ]
وفي حديث ابن عمر (١) ﵄ قال (ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فأنصرف فأتى الصفا) الحديث
(٢٧٥) عن محمد بن عبد الله بن السائب أن عبد الله بن السائب كان يقود عبد الله بن عباس (٢) ﵄ ويقيمه عند الشقة الثالثة مما يلى الباب مما يلى الحجر (٣) فقلت يعنى القائل ابن عباس لعبد الله بن السائب إن رسول الله ﷺ كان يقوم ها هنا أو يصلى ها هنا (٤) فيقوم ابن عباس فيصلى
_________________
(١) إلى الحجر الأسود مرة ثانية وسند حديث الباب جيد
(٢) هذا طرف من حديث طويل تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب صفة حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رقم ٦٦ من الجزء الحادي عشر
(٣) عن محمد بن عبد الله بن السائب (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد عن السائب بن عمر قال حدثنى محمد بن عبد الله بن السائب - الحديث" (غريبة) (٢) أي في آخر حياته وكان قد كف بصره (٣) يريد والله أعلم المكان الذي يصلى فيه النبي ﷺ ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم (٤) اي ركعتي الطواف وإنما كان ابن عباس ﵄ يسأل ويتحرى عن المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ ليتأسى به ويصلى فيه (تخريجه) هذا الإثر لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وفي إسناده محمد ابن عبد الله بن السائب مجهول (زوائد الباب) (عن ابن عمر ﵄) قال قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين وطاف بين الصفا والمروة، وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (خ. نس. جه) (وعن المطلب ابن إبى وداعة) قال رأيت النبي ﷺ حين فرغ من سُبعه جاء حاشية المطاف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطوّافين أحد (نس. جه) (وقوله من سبعة) بضمتين أي من الطواف سبع مرات (وقوله وليس بينه وبين الطوافين " أي الطائفين" أحد ظاهره أنه لا حاجة إلى السترة في مكة وبه قيل ومن لا يقول به يحمله على أن الطائفين كانوا يمرون من وراء موضع السجود أو وراء ما يقع فيه نظر الخاشع والله أعلم ولفظ ابن ماجة " فصلى ركعتين في حاشية المطاف وليس بينه وبين الطواف أحد" ثم قال هذا بمكة خاصة (قلت) كأنه يرى عدم السترة بمكة كما ذهب إليه البعض (وفي البخاري) قيل للزهري إن عطاء يقول
[ ١٢ / ٧٣ ]
أبواب الطواف بالصفا والمروة
(١) باب وجوب الطواف بالصفا والمروة وقول الله ﷿ " إن الصفا والمروة من شعائر الله " الأية
(٢٧٦) عن عروة قال قلت لعائشة ﵂ أرأيت قول الله
_________________
(١) يجزئ المكتوبة من ركعتي الطواف فقال السنة أفضل، لم يطف النبي ﷺ أسبوعا إلا صلى (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية صلاة ركعتين لكل طائف بالبيت بعد فراغه من الطواف وقد اختلف العلماء في حكمها هل هما واجبتان أم سنتان؟ للشافعية في ذلك ثلاثة أقوال أصحها أنها سنة (وبه قالت المالكية والحنابلة) (والثانى) أنها واجبتان وبه (قالت الحنيفة) (والثالث) إن كان طوافا واجبا فواجبتان وإلا فسنتان، وعلى كل من القولين لو تركهما لم يبطل طوافه (قال النووي) والسنة أن يصليهما خلف المقام، فإن لم يفعل ففي الحجر وإلا في المسجد وإلا ففي مكة وسائر الحرم، ولو صلاهما في وطنه وغيره من أقاصى الأرض جاز وفاتته الفضيلة، ولا تفوت هذه الصلاة ما دام حيا، ولو أراد أن يطوف أطوافه استحب أن يصلى عقب كل طوافه ركعتيه، فلو أراد أن يطوف أطوافه بلا صلاة ثم يصلى بعد الأطوفه لكل صلاة ركعتيه، قال أصحابنا يجوز ذلك، وهو خلاف الأولى ولا يقال مكروه، وممن قال بهذا المسور بن محرمة وعائشة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وأحمد واسحاق وأبو يوسف وكرهه ابن عمر والحسن البصري والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر ونقله القاضى عن جمهور الفقهاء اهـ ج (وفي أحاديث الباب أيضا) دلالة على استحباب القراءة في الركعتين المذكورتين في الركعة الأولى بالفاتحة وقل يا أيها الكافرون وفي الثانية بالفاتحة وقل هو الله أحد، ولم يخالف في ذلك أحد فيما أعلم (وفيهما أيضا) استحباب استلام الحجر الأسود بعد فراغه من صلاة الركعتين (قال النووي) وفيه دلالة لما قاله الشافعي وغيره من العلماء أنه يستحب للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، قال واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب وإنما هو سنة لو تركه لم يلزمه دم اهـ (وقد استدل) بقول الزهري المذكور في الزوائد لم يطف النبي ﷺ أسبوعا إلا صلى ركعتين، على أنهما لا تجزئ المكتوبه عن ركعتي الطواف وتعقب بأن قوله " إلا صلى ركعتين" أعم من أن يكون ذلك نفلا أو فرضا لأن الصبح ركعتان والله ﷾ أعلم
(٢) عن عروة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو كامل ثنا
[ ١٢ / ٧٤ ]
﷿ " إن الصفا (١) والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه (٢) أن يطوف بهما" والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بهم (٣) قالت بئسما قلت يا ابن أختى إنها لو كانت كما أولتها عليه كانت فلا جناج عليه أن لا يطوف بهما (٤) إنما أنزلت إن هذا الحي من الإنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلوا (٥)
_________________
(١) إبراهيم ثنا ابن شهاب عن عروة - الحديث (غريبة) (١) الصفا في الأصل جمع صفاة، وهي الصخرة والحجر الأملس (والمروة) في الأصل حجر أبيض براق، والمراد بهما هنا جبلا السعى اللذين يسعى من أحدهما إلى الآخر (وقوله من شعائر الله) أي المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها. قال الأزهري (وقال الجوهري) الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل على الطاعة لله (٢) أي لا إثم عليه (وقوله أن يطوف) بشد الطاء المهملة، أصله يتطوف ابدلت التاء طاء لقرب مخرجه وادغمت التاء في الطاء (وقوله بهما) أي يسعى بينهما (٣) إنما قال ذلك عروة لأنه فهم من مفهوم الآية أن السعي ليس بواجب لأنها دلت على رفع الجناج وهو الأثم من فاعله وذلك يدل على إباحته، ولو كان واجبا لما قيل فيه ذلك لأن رفع الإثم علامة الإباحة ويزاد المستحب بإثبات الأجر والوجوب بعقاب التارك، فقالت عائشة ﵂ ردا عليه" بئسما قلت يا ابن أختى إلخ" (٤) قال العلماء هذا من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ، لأن الآية الكريمة إنما دل لفظها على رفع الجناج عمن يطوف بهما، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه فأخبرته عائشة ﵂ أن الآية ليست فيها دلالة للوجوب ولا لعدمه وبينت السبب في نزولها والحكمة في نظمها وأنها نزلت في الأنصار حين تحرجوا من السعي بين الصفا والمروة في الإسلام وأنها لو كانت كما يقول عروة لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، وقد يكون الفعل واجبا ويعتقد الإنسان أنه يمنع إيقاعه على صفة مخصوصة وذلك كمن عليه صلاة الظهر وظن أنه لا يجوز فعلها عند غروب الشمس فسأل عن ذلك فيقال في جوابه لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت فيكون جوابا صحيحا ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر (٥) أي يحجوا (ومناة) بفتح الميم وتخفيف النون وبعد الألف تاء مثناة من فوق وهو اسم صنم كان في الجاهلية، وقال ابن الكلبي كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي بجهة البحر فكانوا يعبدونها وقيل هي صخرة لهذيل بقديد، وسميت مناة لأن النسائك كانت تمنى بها أي تراق، وقال الحازمي هي على سبعة أميال
[ ١٢ / ٧٥ ]
لمناة الطاغية (١) التى كانوا يعبدون عند المشُلّل (٢) وكان من أهل لها يتحرج (٣) أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله ﷿ " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما"
(٢٧٧) عن حبيبة إبى يجزئة (٥) ﵂ قالت دخلنا على دار أبى حسين في نسوة من قريش والنبي ﷺ يطوف بين الصفا والمروة
_________________
(١) من المدينة وإليها نسبوا زيد مناة (١) صفة لمناة (قال الزركشي) ولو روى بكسر الهاء بالإضافة لجاز، ويكون الطاغية صفة للفرقة الطاغية وهم الكفار (٢) بضم الميم وفتح الشين المعجمة وتشديد اللام الأولى المفتوحة، اسم موضع قريب من قديد من جهة البحر، ويقال هو الجبل الذي يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر (وقال البكري) هي ثنية مشرفة على قديد، وقال السفاقسي هي عند الجحفة والله أعلم (٣) أي بتحرز من الحرج ويخاف الأثم (٤) يعنى شرعه ولا يدل هذا القول على كونه فرضا أو واجبا أو مندوبا بل على ما هو أعم من ذلك والله أعلم (تخريجه) (م. لك. نس. وغيرهم)
(٢) عن حبيبة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس قال ثنا عبد الله بن المؤمل عن عمر بن عبد الرحمن قال ثنا عطاء عن حبيبة - الحديث" (غريبة) (٥) هكذا بالأصل تجزئة بزاي ثم همزة ثم هاء والظاهر أنه تصحيف من الناسخ وصوابه تجراة براء ثم ألف غير مهموزة ثم هاء فقد جاء في تعجيل المنفعة للحافظ ابن حجر العسقلاني - حبيبة بنت أبى تجراة العبدرية، ويقال حبيبة بتحتانيتين وزن الأول، ويقال بالتصغير لها صحبة، روى عنها عطاء وصفية بنت شيبة، في إسناد حديثها اضطراب اهـ (وقال في الإصابة) حبيبة بنت أبى تجراة العبدرية ثم الشيبية، قال وقال أبو عمر قيل اسمها حبيبة وقيل بالتصغير، وقال غيره تجراة ضبطها الدراقنطي بفتح المثناة من فوق اهـ، وجاء هذا الحديث في مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي بلفظ تجراة كما في الإصابة وتعجيل المنفعة وعزاه للإمام أحمد، وجاء عند البيهقي بلفظ تجرأة براء ثم ألف مهموزة، والظاهر
[ ١٢ / ٧٦ ]
قالت وهو يسعى يدور به إزاره (١) من شدة السعي وهو يقول لأصحابه اسعوا إن الله كتب عليكم السعي (٢) (وعنها من طريق ثان) (٢) قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى ارى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهويقول اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي
_________________
(١) أن الصواب تجراة كما جاء في تعجيل المنفعة والإصابة، ولأن الحافظ ظبطه في الفتح بكسر المثناة وسكون الجيم بعدها راء ثم الف ساكنة ثم هاء وهي إحدى نساء بنى عبد الدار لكن جاء في القاموس جبيبة بنت أبى تجزأة بضم التاء وسكون الجيم ثم زاي فهمزة مفتوحتين فالله أعلم بالصواب (١) في الطريق الثانية حتى أرى ركبتيه من شدة السعي بدوربه إزاره، فالضمير في قوله به يرجع إلى الركبتين أي تدور إزاره بركبتيه (٢) احتج به القائلون بأن السعي فرض وسيأتى ذكرهم في الأحكام (٣) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سريج ثنا عبد الله بن المؤمل عن عطاء بن أبى رباح عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبى تجزئة قالت رأيت رسول الله ﷺ - الحديث" (تخريجه) قال الحافظ في الإصابة رواه الشافعي عن عبدالله بن المؤمل وابن سعد والطحاوي عن معاذ بن هانئ ومحمد بن شخير عن أبى نعيم، وابن أبى خيثمة عن شريح بن النعمان كلهم، عن ابن المؤمل عن عمر بن عبد الرحمن بن محصن عن عطاء بن أبى رباح حدثتنيى صفية بنت شيبة عن امرأة يقال لها حبيبة بنت أبى تجراة قالت دخلنا دار الحسين فذكر الحديث، وقال في الفتح أخرجه الشافعي وأحم وغيرهما وفي إسناد هذا الحديث عبد الله بن المؤمل وفيه ضعف، ومن ثم قال ابن المنذر إن ثبت فهو حجة في الوجوب (قال الحافظ) له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة مختصرة وعند الطبراني عن ابن عباس كالأولى وإذا انضمت إلى الأولى قويت اهـ وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير " وقال ولقد رأيته من شدة السعي يدور الإزار حول بطنه وفخديه حتى رأيت بياض فخديه" وفيه عبدالله بن المؤمل وثقه ابن حبان وقال يخطئ وضعفه غيره اهـ (قلت) وللإمام أحمد حديث آخر عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة يقول كتب عليكم السعي فاسعوا (قال الهيثمي) فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف اهـ. ولعل المرأة المبهمة في حديث صفية هي حبيبة المذكورة في حديث الباب (قال الحافظ) واختلف على
[ ١٢ / ٧٧ ]
.
_________________
(١) صفية بنت شيبة في اسم الصحابية التى أخبرتها به، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة فقد وقع عند الدراقطنى عنها أخبرتنى نسوة من بنى عبد الدار فلا يضره الاختلاف، والعمدة في الوجوب لقوله ﷺ " خذوا عنى مناسككم اهـ (زوائد الباب) (عن أنس بن مالك) ﵁ أن الصفا والمروة كانتا من شعائر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله ﷿ " إن الصفا والمروة (هق) (وعن تملك) ﵂ قالت نظرت إلى رسول الله ﷺ وأنا في غرفة لي بين الصفا والمروة وهو يقول إن الله ﷿ كتب عليكم السعي فاسعوا (طب) وفيه المثنى بن الصباح وقد وثقه ابن معين في رواية وضعفه جماعة (وعن ابن عباس) ﵄ قال سئل رسول الله ﷺ فقال إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا (طب) وفيه الفضل بن صدقة وهو متروك (وعنه أيضا) قال قالت الإنصار إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية فأنزل الله ﷿ " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن جح البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما منفلة فمن ترك فلا بأس (طس) وفيه العباس بن الفضل الإنصاري وهو متروك، أورد الحافظ الهيثمي حديث تملك وما بعده، وتكلم عليه جرحا وتعديلا. (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية السعي بين الصفا والمروة (قال النووي) في شرح المهذب مذهبنا أنه ركن من أركان الحج والعمرة لا يتم واحد منهما إلا به ولا يجبر بدم ولا بقي منه خطوة لم يتم حجه ولم يتحلل من إحرامه (وبه قالت عائشة ومالك واسحاق وأبو ثور وداود وأحمد في روايه - وقال أبو حنيفة) هو واجب ليس بركن بل ينوب عنه (وقال أحمد) في رواية ليس هو بركن ولا دم في تركه والأصح عنه أنه واجب ليس بركن فيجبر بالدم (وقال ابن مسعود) وأبي بن كعب وابن عباس وابن الزبير وأنس وابن سيرين هو تطوع ليس بركن ولا واجب ولا دم في تركه (وحكى ابن المنذر) وعن الحسن وقتادة والثوري أنه يجب فيه الدم (وعن طاوس) أنه قال من ترك من السعي أربعة أشواط لزمه دم، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع، وليس هو بركن (وهو مذهب أبى حنيفة) وعن عطاء رواية أنه تطوع لا شيء في تركه، ورواية فيه الدم (قال المنذر) إن ثبت بنت إبى تجراة الذى قدمناه أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" فهو ركن، قال الشافعي وإلا فهو تطوع، قال
[ ١٢ / ٧٨ ]
(٢) باب البدء بالصفا في الطواف بالصفا والمروة
(وحكم المشي والرمل فيه)
(٢٧٨) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال سمعت رسول الله
_________________
(١) وحديثهما رواه عبد الله بن المؤمل، وقد تكلموا فيه، واحتج القائلون بأنه تطوع بقوله تعالى" إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما"وفي الشواذ قراءة ابن مسعود" فلا جناح عليه أن يطوف بهما" ورفع الجناح في الطواف بهما يدل على أنه مباح لا واجب، واحتج أصحابنا بحديث صفية بنت شيبة من بنى عبد الدار أنهن سمعن من رسول الله ﷺ وقد استقبل الناس في السعي وقال" يا أيها الناس اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم" رواه الدارقنطي والبيهقي بإسناد حسن (والجواب) عن الآية ما أجابت عائشة ﵂ لما سألها عروة بن الزبير عن هذا فقالت إنما نزلت الآية هكذا لأن الأنصار كانوا يتحرجون من الطواف بين الصفا والمروة أي يخافون الحرج فيه، فسألوا النبي ﷺ عن ذلك فأنزل الله تعالى الآية، رواه البخاري ومسلم اهـ (قلت) ٍ رواه الإمام أحمد أيضا وهو الأول من أحاديث الباب (قال الحافظ) العمدة في الوجوب قوله ﷺ خذوا عنى مناسككم (قال الشوكاني) وأظهر من هذا في الدلالة على الوجوب حديث مسلم " ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة" (قال النووي) ولو سعى قبل الطواف لم يصح سعيه عندنا. وبه قال جمهور العلماء ونقل المارودى الإجماع فيه (وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد) وحكى ابن المنذر عن عطاء وبعض أهل الحديث أنه يصح (وحكاه أصحابنا عن عطاء وداود) دليلنا أن النبي ﷺ سعى بعد الطواف وقال ﷺ: " لتأخذوا عني مناسككم" وأما حديث ابن شريك الصحابي ﵁ قال خرجت مع رسول الله ﷺ حاجا فكان الناس يأتونه فمن قائل يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو أخرت شيئا أو قدمت شيئا فكان يقول " لا حرج إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذى هلك وخرج" فرواه أبو داود بإسناد صحيح كل رجاله رجال الصحيحين إلا أسامة بن شريك الصحابي، وهذا الحديث محمول على ما حمله الخطابي وغيره، وهو أن قوله سعيت قبل أن أطوف أي بعد طواف القدوم وقيل طواف الإفاضة والله أعلم اهـ ج (قلت) وقوله اقترض عرض رجل مسلم أي قطعة بالغيبة.
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى قال قرأت على عبد الرحمن عن مالك ح وثنا اسحاق أنا مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن جابر
[ ١٢ / ٧٩ ]
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حين خرج من المسجد (١) وهو يريد الصفا (٢) وهو يقول نبدأ (٣) بما بدأ ﷿ وجل به (٤)
(٢٧٩) وعنه أيضا أن رسول ﷺ كان إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا نصبت (٥) قدماه في بطن الوادى سعى حتى يخرج منه (٦)
_________________
(١) ابن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبة) (١) يعنى بعد أن طاف وصلى ركعتين واستلم الحجر الأسود كما تقدم في باب ركعتي الطواف (٢) يعنى بعد أن طاف وصلى ركعتين واستلم الحجر الأسود كما تقدم في باب ركعتي الطواف (٢) في حديث الطويل عند مسلم والإمام أحمد وتقدم في باب صفة حج النبي ﷺ (قال وخرج إلى الصفا ثم قرأ" إن الصفا والمروة من شعائر الله" ثم قال نبدأ بما بدأ به الله به فرقا على الصفا - الحديث" (٣) في رواية للنسائي فابدأ بما بدأ الله به بصيغة الأمر وصححه ابن حزم والنووي في شرح مسلم وله طرق عند الدراقطني، وفي رواية لمسلم بلفظ " ابدأ" بصيغة الخبر ورواه الإمام مالك وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والنسائي أيضا نبدأ بالنون كما في حديث الباب (قال أبو الفتح القشيري) مخرج الحديث عندهم واحد، وقد اجتمع مالك وسفيان ويحيى بن سعيد القطان على رواية نبدأ بالنون التى للجمع (قال الحافظ) وهم أحفظ من الباقين (٤) زاد مالك نبدأ بالصفا (قال الخطابي) فيه أنه اعتبر تقديم المبدوء به في التلاوة فقدمه، وأن الظاهر في حق الكلام أن المبدوء مقدم في الحكم على ما بعده وأن الساعي إذا بدأ بالمروة لم يعتد بذلك اهـ. وإلى ذلك ذهب الجمهور وسيأتى ذكر كثير منهم في الأحكام (تخريجه) (م. لك. نس. مذ. جه. هق. حب)
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى قال قرأت على عبد الرحمن عن مالك ح وثنا اسحاق أنا مالك عن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى عليه وسلم - الحديث (غريبة) (٥) قال القاضى عياض مجاز من قولهم صب الماء وانصب أي انحدر، ومنه إذا مشي كأنه ينحط من صبب. أي موضع منحدر (قوله في بطن الوادى سعى) أي مشى بقوة أي أسرع في المشي، وفى حديث جابر الطويل عند مسلم والإمام أحمد رمل بدل قوله سعى. وهما بمعنى واحد (٦) أي من بطن الوادى فيمشى على العادة في السعى، وفيه مشروعية الإسراع ببطن الوادى وهو سنة ولا دم في تركه عند الجمهور (تخريجه) (لك. نس) وسنده جيد
[ ١٢ / ٨٠ ]
(٢٨٠) عن علي ﵁ أنه رأى النبي ﷺ يسعى بين الصفا والمروة في السعي كاشفا عن ثوبه (١) قد بلغ إلى ركبتيه
(٢٨١) عن بديل بن ميسرة عن صفية بنت شيبة عن أم ولد شيبة (٢) (ابن عثمان) أنها أبصرت النبي ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة (وفي رواية وقد انكشفت الثوب عن ركبتيه) يقول لا يقطع الأبطح (٣) الأشداء (وعنه من طريق ثان) (٤) عن المغيرة بن حكيم عن صفية بنت شيبة عن امرأة منهم (٥) أنها رأت النبي ﷺ من خوخة (٦) وهو يسعى في بطن المسيل (٧) وهو يقول لا يقطع الوادى الأشدا
_________________
(١) عن علي ﵁ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أبى زياد العطواني ثنا زيد بن الحباب أخبرنى حرب أبو سفيان المنقرى ثنا محمد بن على أبو جعفر حدثنى عمى عن أبى أنه رأى رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبة) (١) إنما كشف ﷺ عن ثوبه إلى ركبتيه لأنه أنشط للسعي، ولم يزد على الركبتين لأن ما فوقهما عورة إلى السرة. ولا يجوز ذلك للمرأة لأن جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين (تخريجه) (بز) قال الهيثمي ورجاله ثقات
(٢) عن بديل بن ميسرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح وأبو نعيم قالا ثنا هشام بن أبى عبد الله عن بديل بن ميسرة - الحديث (غريبة) (٢) اسمها تملك العبدرية. قاله الحافظ في التقريب (٣) أي مسيل الوادى، وقد صرح بنحو ذلك في الطريق الثانية (٤) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان قال ثنا حماد بن زيد قال ثنا بديل بن ميسرة عن المغيرة بن حكيم - الحديث (٥) صرح في الطريق الأولى بأنها أم ولد شيبة بن عثمان واسمها تملك كما تقدم (٦) الخوخة باب صغير كالنافذة الكبيرة تكون بين بيتين ينصب عليها باب " نه" (٧) أي بطن الوادي وهو ما انخفض منه (وقوله الأشدا) أي عدوا (تخريجه) (نس. جه. هق) وسنده جيد. وأورده الهيثمي وقال رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح
[ ١٢ / ٨١ ]
(٢٨٢) عن عبد الله بن المقدام قال رأيت ابن عمر رضى عنهما يمشى بين الصفا والمروة، فقلت له أبا عبد الرحمن مالك لا ترمل؟ فقال قد رمل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وترك (١)
(٢٨٣) عن كثير بن جهمان قال رأيت ابن عمر يمشى في الوادى بين الصفا والمروة ولا يسعى فقلت له، فقال إن أسع فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى، وإن أمش فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشى وأنا شيخ كبير
_________________
(١) عن عبد الله بن المقدام (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد عن حجاج عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي عن عبد الله بن المقدام - الحديث" (غريبة) (١) تركه النبي ﷺ قليلا لبيان الجواز، وهذا يدل على أن الرمل في السعي لا شيء في تركه والإفضل فعله، وإنما تركه ابن عمر مع شدة محافظته على التأسى بالنبي ﷺ في الأفضل فعله، وإنما تركه ابن عمر مع شدة محافظته على التأسى بالنبي ﷺ في الأفضل لأن قوته لم تساعده حينئذ على الرمل لشيخوخته كما يستفاد من حديثه التالى (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده حسن، ويؤيده الحديث التالي
(٢) عن كثير بن جمهان (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع عن أبيه عن عطاء عن كثير بن جمهان- الحديث" (تخريجه) (نس. مذ. جه. هق) وقال الترمذي حديث حسن صحيح (زوائد الباب) (عن الزهري) قال سألوا ابن عمر ﵄ هل رأيت رسول الله ﷺ رمل بين الصفا والمروة فقال كان في جماعة من الناس فرملوا فلا أراهم رملوا إلا برمله (وعن ابن عباس) ﵄ قال إنما سعى رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة لُيرى المشركين قوته، رواهما النسائى (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعيه البدء بالصفا في الطواف بالصفا والمروة (قال النووي) مذهبنا أن الترتيب في السعي شرط فيبدأ بالصفا، ولو بدأ بالمروة لم يعتد به، وبهذا (قال الحسن البصري والأوزاعي ومالك وأحمد وداود وجمهور العلماء) وحكاه ابن المنذر عن أبى حنيفة أيضا (والمشهور عن أبى حنيفة) أنه ليس بشرط فيصح الابتداء بالمروة وعن عطاء روايتان احداهما كمذهبنا، والثانية يجزئ الجاهل، دليلنا قوله ﷺ " ابدءوا بما بدأ الله به" وهو حديث صحيح كما سبق والله أعلم اهـ ج (قلت) وروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال (قال الله تعالى: "إن الصفا والمروة من شعائر الله" فبدأ بالصفا وقال اتبعوا
[ ١٢ / ٨٢ ]
(٣) باب جواز الركوب في الطواف بالصفا والمروة لحاجة
(٢٨٤) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس (١)
_________________
(١) القرآن فما بدأ الله به فابدأوا) والذهاب من الصفا إلى المروة مرة، والعود منها إلى الصفا أخرى عند كافة الفقهاء، فيكون ابتداء السبع من الصفا وآخرها بالمروة، وقال ابن بنت الشافعي إن الذهاب والإياب يحسب مرة واحدة، وحكى عن ابن جرير الطبري وتابعه أبو بكر الصيرفي من الشافعية وحديث الباب يرد عليهم، وكذا عمل المسلمين على تعاقب الأزمان (قال ابن قدامة) في المغنى والسعي تبع للطواف لا يصح إلا أن يتقدمه طواف، فإن سعي قبله لم يصح وبذلك قال (مالك والشافعي وأصحاب الرأي) وقال عطاء يجزئه (وعن أحمد) يجزئه إن كان ناسيا وإن عمد لم يجزئه سعيه، لأن النبي ﷺ لما سئل عن التقديم والتأخير في حال الجهل والنسيان قال لا حرج، ووجه الأول أن النبي ﷺ لما سئل عن التقديم والتأخير في حال الجهل والنسيان قال لا حرج، ووجه الأول أن النبي ﷺ إنما سعى بعد طوافه وقد قال " لتأخذوا عني مناسككم" فعلى هذا إن سعى بعد طوافه ثم علم أنه طاف بغير طهارة لم يعتد بسعيه ذلك، ومتى سعى المفرد والقارن بعد طواف القدوم لم يلزمهما بعد ذلك سعى، وإن لم يسعيا معه سعيا مع طواف الزيارة، ولا يجب الموالاة بين الطواف والسعي (قال أحمد) لا بأس أن يؤخر السعي حتى يستريح أو إلى العشى (وكان عطاء والحسن) لا يريان بأسا لمن طاف بالبيت أول النهار أن يؤخر الصفا والمروة إلى العشى، وفعله القاسم وسعيد بن جبير، لأن الموالاة إذا لم تجب في نفس السعي ففيما بينه وبين الطواف أولى اهـ (وفي أحاديث الباب أيضا) مشروعية الرمل في بطن الوادى حتى يصعد ثم يمشى باقى المسافة إلى المروة على عادة مشية وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشى مستحب فيما قبل الوادى وبعده، ولو مشى في الجميع أو سعى في الجميع أجزاءه وفاتته الفضيلة، لأن ابن عمر قال ان أسع فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى وان امش فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشى وأنا شيخ كبير، ولأن ترك الرمل في الطواف بالبيت لا شيء فيه فبين الصفا والمروة أولى (وهذا مذهب الإمام الشافعي) وموافقيه (وعن الإمام مالك) فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان، إحداهما كما ذكر، والثانية تجب عليه إعادته والله أعلم.
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى ابن سعيد عن ابن جريج اخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول طاف رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبة) (١) فيه بيان العلة التى لأجلها طاف النبي ﷺ راكبا
[ ١٢ / ٨٣ ]
وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوة
(٢٨٥) عن أبى الطفيل قال قلت لابن عباس حدثنى عن الركوب بين الصفا والمروة (١) فإن قومك يزعمون أنه سنة، فقال صدقوا وكذبوا قلت ما صدقوا وكذبوا ماذا؟ (٢) قال قدم رسول الله ﷺ مكة فخرجوا حتى خرجت العوائق (٣) وكان رسول الله ﷺ لا يضرب عنده أحد (٤) فركب رسول الله ﷺ فطاف وهو راكب ولو نزل لكان المشى أحب إليه (٥)
_________________
(١) (وقوله وليشرف) أي ليطلع عليهم ويطلعو عليه (وليسألوه) عن أحكام المناسك ونحوها (فإن الناس غشوه) بتخفيف الشين، أي ازدحموا عليه وكثروا، ففي ذلك كله بيان للعلة التى ركب لأجلها في الطواف بالبيت وبالصفا والمروة (تخريجه) (م. د. نس. هق)
(٢) عن أبى الطفيل (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا الجريرى عن أبى الطفيل قال قلت لابن عباس - الحديث" (غريبة) (١) زاد مسلم أسنة هو فإن قومك (إلخ) (٢) زاد في رواية للإمام أحمد تقدمت في باب ما رواه أبو الطفيل عن ابن عباس إلخ صحيفة ١٠٠ رقم ٧٠ في الجزء الحادى عشر " فقال صدقوا، قد طاف بين الصفا والمروة على بعير، وكذبوا. ليست بسنة " (٣) جمع عاتق وهي البكر البالغة أو المقاربة للبلوغ، وقيل التى تتزوج، سميت بذلك لأنها عتقت من استخدام أبويها وابتذالها في الخروج والتصرف التى تفعله الطفلة الصغيرة (٤) أي كما يفعل بين يدي الملوك والعظماء لذلك ازدحموا عليه، فدفعا لما يحصل من ضرر الزحام ركب ﷺ (٥) معناه ولولا هذه العلة وهي شدة الزحام وما يخشى منه لنزل ولم يركب لأن المشي أحب إليه، فكيف يكون الركوب سنة؟ فهم قد كذبوا في قولهم هذا سنة (قال النووي) وهذا الذي قاله ابن عباس مجمع عليه، أجمعوا على أن الركوب في السعي بين الصفا والمروة جائز وأن المشي أفضل منه إلا لعذر (تخريجه) (م. د. هق. وغيرهم) (زوائد الباب) (عن أبى الطفيل) قال رأيت النبي ﷺ يطوف بالبيت على راحلته يستلم الركن بمحجنه ثم يقبله، زاد محمد بن رافع ثم خرج إلى الصفا والمروة فطاف سبعا على راحلته (د. هق) (الأحكام) حديث أبى الطفيل عن ابن عباس وحديث جابر يدلان على جواز الركوب في الطواف بين الصفا والمروة لعذر (قال ابن رسلان) في شرح السنن بعد أن ذكر حديث ابن عباس هذا
[ ١٢ / ٨٤ ]
(٤) (باب الوقوف على الصفا والمروة والذكر عند ذلك)
(٢٨٦) عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان إذا وقف على الصفا (١) يكبر ثلاثا ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. (٢)
_________________
(١) ما لفظه - وهذا ما قاله ابن عباس مجمع عليه اهـ. يعنى نفي كون الطواف بصفة الركوب سنة بل الطواف من الماشي أفضل، وتقدم كلام النووي أنهم أجمعوا على أن الركوب في السعي بين الصفا والمروة جائز وأن المشي أفضل منه لعذر، وقال في شرح المهذب الأفضل أن لا يركب في سعيه إلا لعذر كما سبق في الطواف لأنه أشبه بالتواضع، لكن سبق هناك خلاف في أن تسمية الطواف (يعنى بالبيت) راكبا مكروة، واتفقوا على أن السعي راكبا ليس بمكروه لكنه خلاف الأفضل، لأ سبب الكراهة هناك عند من أثبتها خوف تنجس المسجد بالدابة وصيانته من امتهانه بها، وهذا المعنى منتف في السعي، وهذا معنى قول صاحب الحاوي الركوب في السعي أخف من الركوب في الطواف ولو سعى به غيره محمولا جاز لكن الأولى سعيه بنفسه إن لم يكن صبيا صغيرا وله عذر كمرض ونحوه اهـ (قلت) وممن قال بأن الركوب بلا عذر خلاف الأولى ولا دام عليه أنس بن مالك ﵁ وعطاء (قال ابن المنذر) وكره الركوب بلا عذر عائشة وعروة (وأحمد واسحاق) وقال أبو ثور لا يجزئه ويلزمه الإعادة وقال مجاهد لا يركب إلا لضرورة (وقال أبو حنيفة) إن كان بمكة أعاده ولا دام عليه وإن رجع إلى وطنه بلا إعادة لزمه دم اهـ (قال البيهقي) والذى روى عنه أنه ﷺ طاف بين الصفا والمروة راكبا فإنما أراد والله أعلم في سعيه بعد طواف القدوم فأما بعد طواف الإفاضة فلم يحفظ عنه أنه طاف بينهما والله أعلم اهـ. وقد بسطت الكلام في الركوب في الطواف في أحكام باب جواز الطواف على بعير صحيفة ٤٧ من هذا الجزء فارجع إليه إن شئت
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى قال قرأت على عبد الرحمن عن مالك ح وثنا اسحاق أنا مالك عن جعفر عن أبيه عن جابر بن عبد الله - الحديث (غريبة) (١) يعنى بعد فراغه من الطواف بالبيت وصلاة ركعتيه واستلام الحجر كما تقدم في بابه كان يبدأ بعد ذلك بالصفا فيقف عليه مستقبل القبلة كما يستفاد ذلك من حديثه الآتى بعد حديث ثم يكبر ثلاثا (٢) إلى هنا آخر رواية اسحاق
[ ١٢ / ٨٥ ]
يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعوا (١) ويصنع على المروة مثل ذلك.
(٢٨٧) عن ابن عمر ﵄ قال قام رسول الله ﷺ على الصفا والمروة وكان عمر يأمر بالمقام عليهما من حيث يراها (٢)
(#) وعنه أيضا أن النبي ﷺ خرج إلى الصفا ثم قرأ: " إن الصفا والمروة من شعائر الله" ثم قال نبدا بما بدا الله به، فرقى على الصفا حتى إذا نظر إلى البيت كبر قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله أنجز وعده (٣) وصدق عبده وغلب الأحزاب وحده، ثم دعا ثم رجع إلى هذا الكلام، ثم نزل حتى إذا انصبت قدماه في الواد رمل حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة فرقى عليها حتى نظر إلى البيت فقال عليها كما قال على الصفا.
_________________
(١) عن مالك وزاد عبد الرحمن في روايته عن مالك يصنع ذلك ثلاث مرات إلخ (١) أي يدعوا ثلاث مرات أيضا كما هو المشهور عند الشافعية والجمهور، وقال جماعة من الشافعية يكرر الذكر ثلاثا والدعاء مرتين فقط وصوب النووي الأول (تخريجه) (م. د. نس. جه. هق)
(٢) عن ابن عمر ﵄ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو النضر ثنا أبو معاوية يعنى شيبان عن ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمر - الحديث" (غريبة) (٢) يعنى الكعبة والله أعلم كما يستفاد ذلك من حديث جابر الآتى ففيه فرقى على الصفا حتى إذا نظر البيت كبر (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد ورجاله من رجال الصحيحين (#) (وعنه أيضا) هذا طرف من حديث جابر الطويل تقدم بسنده وشرحه وتخريج في باب صفة حج النبي ﷺ صحيفة ٧٤ رقم ٦٤ في الجزء الحادى عشر، وهو حديث صحيح رواه مسلم وغيره فارجع إليه (زوائد الباب) (عن أبى هريرة) ﵁ أن النبي ﷺ لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء الله أن يدعو (م. د. هق) (وعن وهب بن الأجدع)
[ ١٢ / ٨٦ ]
.
_________________
(١) أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ بمكة وهو يخطب الناس قال إذا قدم الرجل منكم حاجا فليطف بالبيت سبعا وليصل عند المقام ركعتين ثم ليبدأ بالصفا فيستقبل القبلة فيكبر سبع تكبيرات بين كل تكبيرتين حمد الله وثناء عليه وصلى على النبي ﷺ وسأل لنفسه، وعلى المروة مثل ذلك (هق) (وعن نافع) عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان إذا طاف بين الصفا والمروة بدأ بالصفا فرقى عليها حتى يبدو له البيت، قال وكان يكبر ثلاث تكبيرات ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهوعلى كل شيء قدير. ويصنع ذلك سبع مرات فذلك إحدى وعشرين من التكبير وسبع من التهليل، ثم يدعو فيما بين ذلك ويسأل الله، ثم يهبط حتى إذا كان ببطن المسيل سعى حتى يظهر منه، ثم يمشى حتى يأتى المروة فيرقى عليها فيصنع مثل ما صنع على الصفا، يصنع ذلك سبع مرات حتى يفرغ من سعيه (هق) (وعن نافع أيضا) أنه سمع عبد الله بن عمر وهو على الصفا يدعو يقول: اللهم إنك قلت ادعونى أستجب لكم وإنك لا تخلف الميعاد، وإنى أسألك كما هديتنى للإسلام أن لا تنزعه منى حتى تتوفاني وأنا مسلم (لك. هق) (وعنه أيضا) عن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول على الصفا اللهم أعصمنا بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك وجنبنا حدودك، اللهم أجعلنا نحبك ونحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك ونحب عبادك الصالحين، اللهم حببنا إليك وإلى ملائكتك وإلى أنبيائك ورسلك وإلى عبادك الصالحين المتقين (هق) (وعن ابن جريج) قال قلت لنافع هل من قول كان عبد الله بن عمر يلزمه؟ قال لا تسأل عن ذلك فإن ذلك ليس بواجب، فأبيت أن أدعه حتى يخبرنى، قال كان يطيل القيام حتى لولا الحياء منه لجلسنا فيكبر ثلاثا ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ثم يدعو طويلا يرفع صوته ويخفضه حتى إنه ليسأله أن يقضى عنه مغرمة فيما سأل، ثم يكبر ثلاثا ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ثم يسأل طويلا كذلك حتى يفعل ذلك سبع مرات، يقول ذلك على الصفا والمروة في كل ما حج واعتمر (هق) وعن أبى الأسود) عن نافع ابن عمر أنه كان يقول عند الصفا اللهم أحينى على سنة نبيك ﷺ، وتوفنى على ملته وأعذنى من مضلات الفتن (هق) (وعن علقمة والأسود) قالا قام عبد الله ابن مسعود على الصدع الذى في الصفا، فقال له رجل ها هنا يا أبا عبد الرحمن، فقال هذا والذي لا إله غيره مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة (هق) (وعن مسروق) قال جئت مسلّما على عائشة ﵂ وصحبت عبد الله بن مسعود حتى دخل في الطواف فطاف ثلاثة رملا. وأربعة مشيا. ثم إنه صلى خلف المقام ركعتين، ثم إنه عاد إلى الحجر فاستلمه
[ ١٢ / ٨٧ ]
(٥) باب أمر المتمتع بالتحلل بعد السعي والحلق أو التقصير إلا من ساق هديا.
(٢٨٨) عن عائشة ﵂ قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فمنا من أهل بحج ومنا من أهل بعمرة فأهدى، فقال النبي ﷺ
_________________
(١) ثم خرج إلى الصفا على الشق الذى على الصفا فلبى، فقلت إني نهيت عن التلبية، فقال ولكنى آمرك بها، كانت التلبية استجابة استجابها إبراهيم فلما هبط إلى الوادى سعى فقال اللهم اغفر وارحم وأنت الأعز الأكرم (هق) وقال البيهقي هذا أصح الروايات في ذلك عن ابن مسعود (وعن أبى اسحاق) (قال سمعت ابن عمر يقول بين الصفا والمروة رب اغفر لي وارحم وأنت أو إنك الأعز الأكرم (هق) (الأحكام) في أحاديث الباب مع الزوائد دلالة على مشروعية الصعود على الصفا وكذلك المروة (وهو سنة عند جمهور العلماء) ليس بشرط ولا واجب، فلو تركه صح سعيه لكن فاتته الفضيلة (وقال أبو حفص بن الوكيل) من الشافعية لا يصح سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا، وصحح النووي ما ذهب إليه الجمهور قال لكن يشترط أن لا يترك شيئا من المسافة بين الصفا والمروة، فليصق عقبه بدرج الصفا. وإذا وصل المروة ألصق أصابع رجلية بدرجه، وهكذا في المرات السبع يشترط في كل مرة أن يلصق عقبيه بما يبدأ منه وأصابعه بما ينتهى إليه، قال ويستحب أن يرقى على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه (ومنها) أنه يسن أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة أهـ (قال ابن قدامة) في المغنى والمرأة لا يسن لها أن ترقى لئلا تزاحم الرجال وترك ذلك أستر لها، ولا ترمل في طواف ولا سعى، والحكم في وجوب استيعابها ما بينهما بالمشي كحكم الرجل اهـ (وفي أحاديث الباب أيضا مع الزوائد) مشروعية الإتيان بالذكر والدعاء المذكور فيها ويكرره كما ذكر، وهو مستحب عند كافة العلماء، وكل ما دعا به جائز والمأثور أفضل، وليس في الدعاء شيء مؤقت، وإنما هو بحسب ما يقدر عليه المرء ويحضره (وفي دعاء ابن عمر) ﵄ " وإنى أسالك كما هديتنى للإسلام أن لا تنزعه عنى حتى تتوفانى وأنا مسلم" إشارة إلى التأسى بإبراهيم ﵇ في قوله " واجنبنى وبنى أن نعبد الإصنام" وبيوسف ﵇ في قوله " وتوفنى مسلما وألحقنى بالصالحين" وبنبينا ﷺ في قوله " وإذا أردت بالناس فتنة فأقبضنى إليك غير مفتون" قال إبراهيم النخغي لا يأمن الفتنة والاستدراج إلا مفتون، ولا نعمة أفضل من نعمة الإسلام، فبه تزكوا الأعمال اهـ. فسأل الله حسن الختام، والوفاة على ملة خير الأنام، سيدنا محمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا
[ ١٢ / ٨٨ ]
من أهل بالعمرة ولم يهد فليحل (١) ومن أهل بعمرة فأهدى فلا يحل (٢) ومن أهل بحج فليتم حجه (٣) قالت عائشة ﵂ وكنت ممن أهل بعمرة (وعنها من طريق ثان (٤) بنحوه وفيه) ومن أهل بعمرة ثم طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وقصر أحل مما حرم منه حتى يستقبل حجا
(٢٨٩) عن نافع (٥) عن ابن عمر ﵄ أن حفصة أخبرته قالت أمرنى رسول الله ﷺ أن أحل في حجته التي حج
_________________
(١) يعمر بن بشير قال ثنا عبد الله أنا يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة - الحديث" غريبة (١) أي بعد الطواف والسعي والحلق أو التقصير كما يستفاد من الطريق الثانية (٢) معناه ومن أهل بعمرة وكان معه الهدي فليهل بالحج من عمرته ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا كما صرحت بذلك في حديث آخر عن عروة أيضا تقدم في أول باب جواز إدخال الحج على العمرة صحيفة ١٧٠ رقم ١٣٦ ورواه مسلم أيضا، والظاهر أن بعض الرواة اختصر حديث الباب من الحديث الذي أشرنا إليه، وكلا الحديثين وقع في مسلم أيضا كما هنا (قال النووي) ولابد من هذا التأويل لأن القضية واحدة والراوى واحد فيتعين الجمع بين الروايتين على ما ذكرنا والله أعلم (٣) هذا بظاهره يقتضى أنه ﷺ ما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، مع أن الصحيح الثابت برواية أربعة عشر من الصحابة ﵃ أنه ﷺ أمر من لم يسق الهدي بفسخ الحج وجعله عمرة، فحينئذ لابد من حمل هذا الحديث على من ساق الهدي، والأمر بالفسخ لمن لم يسق الهدي فلا منافاة، قاله السندي في حاشية مسلم وهو وجيه (٤) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد بن هارون قال أنا محمد ابن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال كانت عائشة تقول خرجنا مع رسول الله ﷺ ثلاثة أنواع، فمنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج مفرد، ومنا من أهل بعمرة فمن كان أهل بحج وعمرة معا لم يحل من شيء مما حرم الله ﷿ عليه حتى يقضى حجه، ومن أهل بعمرة ثم طاف - الحديث" (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن ابن عمر ﵄ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا كثير بن هشام قال ثنا جعفر يعنى ابن برقان ثنا نافع عن ابن عمر - الحديث " (٥) جاء في رواية أخرى عن نافع بلفظ " أن ابن عمر أخبره" بدل عن ابن عمر (تخريجه) (م) بأطول من هذا
[ ١٢ / ٨٩ ]
(٢٩٠) عن حفصة بنة عمر زوج النبي ﷺ ورضى عنها قالت لما أمر رسول الله ﷺ نساءه أن يحللن بعمرة قلت فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا؟ قال إنى قد أهديت ولبدت (١) فلا أحل حتى أنحر هديي (٢)
(٢٩١) وعنها أيضا قالت قلت يارسول الله ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك؟ (٣) قال إني قد قلدت هديي (٤) ولبدت رأسى فلا أحل حتى أحل من الحج (٥)
(٢٩٢) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) عن حفصة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا أبى عن ابن اسحاق قال حدثنى نافع عن عبد الله بن عمر عن حفصة - الحديث " (غريبة) (١) يعنى رأسى كما صرح بذلك في الحديث التالى، وتلبيد الشعر أن يجعل فيه شيء من صمغ عند الإحرام لئلا يشعث ويقمل ابقاء على الشعر، وإنما يلبد من يطول مكثه في الإحرام (٢) في الأصل بعد قوله حتى أنحر هديي " وقال يعقوب في كتاب الحج أنحر هديي" (تخريجه) (ق. د. نس. جه. هق)
(٢) وعنها أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله قال حدثنى نافع عن ابن عمر عن حفصة قالت قلت يا رسول الله - الحديث" (غريبة) (٣) هذا يشعر بظاهره أن النبي ﷺ كان محرما بعمرة وليس كذلك، بل الصحيح أنه ﷺ كان قارنا، وتقدم ذلك واضحا بدلائله في أحكام باب صفة حج النبي ﷺ صحيفة ٩٥ من الجزء الحادى عشر، وعلى هذا فقولنا من عمرتك أي العمرة المضمومة إلى الحج (٤) تقليد الهدي هو أن يعلق بعنق البعير قطعة من جلد أو نعل ليعلم أنه هدى فيكف الناس عنه، وفى قوله ﷺ " قلدت هديي ولبدت رأسى" استحباب التلبيد وتقليد الهدي وهم سنتان (٥) يعنى بعد الوقوف بعرفة ورمي الجمار والحلق وطواف الإفاضة، وفيه دلالة على أن القارن لا يتحلل بالطواف الأول والسعي كالمتمتع، بل لابد له من الأفعال المذكورة قبل التحلل كما في الحاج المفرد والله أعلم (تخريجه) (ق. هق. وغيرهم)
(٣) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يونس ثنا مذهب العلماء في حكم المتمتع متى يحل من إحرامه وحكم القارن والمفرد
[ ١٢ / ٩٠ ]
وعلى آله وصحبه وسلم لبّد رأسه وأهدى، فلما قدم مكة أمر نساءه أن يحللن (١) قلنا مالك أنت لا تحل؟ قال إنى قلّدت هديي ولبدت رأسى فلا أحل حتى أحل من حجتى وأحلق رأسي
_________________
(١) فليح عن نافع عن ابن عمر - الحديث (غريبة) (١) ليس الأمر قاصرا على نسائه ﷺ بل لكل من لم يكن معه هدي من الصحابة ﵃ رجالا ونساء (تخريجه) لم أقف عليه من مسند ابن عمر إلا عند الإمام أحمد وسنده جيد (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أن القارن والمحرم بالحج وحده لا يجوز لهما التحلل من الإحرام إلا بعد الوقوف ورمي الجمار والفراغ من أفعال الحج كلها، وذلك باتفاق العلماء (وفي أحاديث الباب أيضا) مشروعية التلبيد للمحرم وتقليد الهدي، وهومتفق على استحبابه (وحديث عائشة) المذكور أول الباب يدل على أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر (وإلى ذلك ذهب الإمامان أبو حنيفة وأحمد وآخرون) قالوا إن لم يكن معه هدي تحلل، فإن كان معه هدي لم يجز أن يتحلل بل يقيم على إحرام حتى يحرم بالحج ويتحلل منهما جميعا (واستدلوا أيضا بحديث حفصة) المذكور في الباب بلفظ " قلت يا رسول الله ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك، قال إني قد قلدت هديي ولبدت رأسى فلا أحل حتى أحل من الحج" (وذهب الإمامان مالك والشافعي) وآخرون إلى أن المتمتع إذا فرغ من أفعال العمرة صار حلالا وحل له الطيب واللباس والنساء وكل محرمات الإحرام سواء أكان ساق الهدي أم لا، وأجابوا عن حديث عائشة بأنه مختصر من حديثها الآخر عند مسلم والإمام أحمد أيضا، وتقدم الكلام عليه في شرح حديث الباب فارجع إليه، وأجابوا عن حديث حفصة بأن النبي ﷺ كان مفرداأو قارنا كما سبق تحقيقه ولهذا قال " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" فلا حجة لهم فيه، لكن حديث عائشة قوي في الدلالة للحنفية والحنابلة لاسيما وقد رواه البخاري بلفظ من أحرم بعمرة فأهدى فلا يحل حتى ينحر" وتأويله المالكية والشافعية أيضا على أن معناه ومن أحرم بعمرة فأهدى فأهل بالحج فلا يحل حتى ينحر هديه ولا يخفى ما فيه من التعسف والله أعلم (وفي الطريق الثانية) من حديث عائشة دلالة ذهب إليه الجمهور أن المعتمر لا يحل حتى يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر (قال ابن بطال) لا أعلم خلافا بين أئمة الفتوى أن المعتمر لا يحل حتى يطوف ويسعى إلا ما شذ به ابن عباس فقال يحل من العمرة بالطواف، ووافقه ابن راهوية (ونقل القاضى عياض) عن بعض أهل العلم
[ ١٢ / ٩١ ]
(٦) باب ما جاء في فسخ الحج إلى العمرة
(٢٩٣) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قدمنا مع رسول الله ﷺ صبح أربع مضين من ذي الحجة كلنا (١) فأمرنا النبي ﷺ فطفنا بالبيت وصلينا الركعتين وسعينا بين الصفا والمروة ثم أمرنا فقصرنا ثم قال احلوا (٢) قلنا يا رسول الله حل ماذا؟ قال حل ما يحل للحلال من النساء والطيب، قال فغشيت النساء (٣) وسطعت المجامر، قال خلف وبلغه أن بعضهم يقول ينطلق أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا (٤) قال فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه (وفي لفظ فقال قد بلغنى الذى قلتم وإنى لأتقاكم وأبركم) ثم قال إنى لو استقبلت من أمرى ما استدبرت (٥) ما سقت الهدي ولو لم
_________________
(١) إن بعض الناس ذهب إلى أن المعتمر إذا دخل الحرم حل وإن لم يطف ولم يسع وله أن يفعل كل ما حرم على المحرم ويكون الطواف والسعي في حقه كالرمي والمبيت في حق الحاج، وهذا من شذوذ المذاهب وغريبها، وغفل القطب الحلبي فقال فيمن استلم الركن في ابتداء الطواف وأحل حينئذ أنه لا يحصل له التحلل بالإجماع وقد علمت المخالف والله أعلم
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسين بن محمد وخلف بن الوليد قالا ثنا الربيع يعنى ابن صبيح عن عطاء عن جابر بن عبد الله وإلا فقد ثبت من حديث عائشة عند الشيخين والإمام أحمد وتقدم في باب التخيير في الإحرام صحيفة ١٤٣ رقم ١٠٢ قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ ثلاثة أنواع فمنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بحج مفرد، ومنا من أهل بعمرة (٢) إلخ أمر ﷺ بالحل من كان متمتعا أو مفردا ولم يكن معه هدي، أما القارن ومن كان معه هدي فقد بقي على إحرامه (٣) اي وطئت وسطعت المجامر أي بالطيب (وقوله قال خلف) يعنى أحد الروايين اللذين روى عنهما الإمام أحمد هذا الحديث (٤) هو إشارة إلى قرب العهد بوطء النساء (٥) أي لو علمت في قبل من أمرى ما علمته في دبر منه، والمعنى لو ظهر لي هذا الرأي الذي رأيته الآن لأمرتكم به في أول أمري وابتداء خروجي ولم أسق الهدي، وقد استدل به القائلون
[ ١٢ / ٩٢ ]
أسق الهدي لأحللت، قال فخذوا عنى مناسككم (١) قال فقام القوم بحلهم حتى إذا كان يوم التروية (٢) وأرادوا التوجه إلى منى أهلوا بالحج قال فكان الهدي على من وجد (٣) والصيام على من لم يجد وأشرك بينهم في هديهم، الجزور بين سبعة (٤) والبقرة بين سبعة وكان طوافهم بالبيت وسعيهم بين الصفا والمروة لحجهم وعمرتهم طوافا واحدا (٥) وسعيا واحدا
(٢٩٤) عن البراء بن عازب ﵁ قال خرج رسول الله ﷺ وأصحابه قال فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال اجعلوا حجكم عمرة
_________________
(١) بتفضيل التمتع على القران والأفراد، وتقدم الكلام على ذلك في أحكام باب صفة حج النبي ﷺ (١) أي أحكام حجكم وافعلوا كما أفعل (٢) هو الثامن من ذي الحجة (وقوله أهلوا بالحج) أي أحرموا به وفيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن من كان بمكة وأراد الإحرام بالحج استحب له أن يحرم يوم التروية ولا يقدمه عليه (٣) أي وجد الهدي وتيسر له، والمراد به هدي التمتع (والصيام على من لم يجد) أي لم يجد الهدي إما لعدم وجود الهدي أو ثمنه أو نحو ذلك من الغلاء الفاحش (٤) الجزور البعير ذكرا كان أو انثى إلا أن اللفظة مؤنثة، تقول هذه الجزور وأن اردت ذكرا والجمع جُزر وجزائر، وفيه دلالة لأجزاء كل واحدة من الجزور والبقرة عن سبعة أنفس وقيامها مقام سبع شياه، وفيه أيضا دلالة لجواز الاشتراك في الهدي والأضحية وسيأتى الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله (٥) يعنى أن النبي ﷺ ومن كان قارنا من أصحابه لم يطوفوا بالبيت يوم النحر طوافين طوافا للحج وطوافا للعمرة، بل اقتصروا على طواف واحد هو طواف الإفاضة للحج والعمرة (وقوله وسعيا واحدا) هو الذى حصل عقب طواف القدوم قبل الوقوف بعرفة، ويؤيد ذلك ما رواه مسلم والإمام أحمد وتقدم في باب طواف القارن صحيفة ٦٠ رقم ٢٦١ عن جابر قال لم يطف النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن البراء بن عازب (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو بكر ابن عياش ثنا أبو اسحاق عن البراء بن عازب الحديث (غريبة) (٦) أي اجعلوا
[ ١٢ / ٩٣ ]
قال فقال الناس يا رسول الله قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة؟ (١) قال انظروا ما آمركم به فأفعلوا، فردوا عليه القول فغضب (٢) ثم انطلق حتى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه فقالت من أغضبك أغضبه الله؟ قال ومالي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع (٣)
(٢٩٥) عن عائشة ﵂ أنها قالت قدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لأربع مضين من ذي الحجة (٤) فدخل على وهو غضبان فقلت من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار؟ فقال وما شعرت أنى أمرت الناس بأمر فإذاهم يترددون، قال الحكم كأنهم أحسب (٥) ولو أني
_________________
(١) إحرامكم بالحج عمرة وتحللوا بعمل العمرة، وهومعنى فسخ الحج إلى العمرة (١) هذا دليل ظاهر لمذهب الشافعي ومالك وموافقيها في ترجيح الأفراد وأن أكثرهم كانوا محرمين بالحج، ويتأول رواية من روى متمتعين أنه أراد في آخر الأمر صاروا متمتعين (٢) أما غضبه ﷺ فلانتهاك حرمة الشرع وترددهم في قبول حكمه كما جاء في حديث عائشة الآتى بعد هذا قال (فإذاهم يترددون) وقد قال الله تعالى: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما" فغضب صلى الله عليه سلم لما ذكرناه من انتهاك حرمة الشرع والحزن عليهم في نقض إيمانهم بتوقفهم (٣) فيه دلالة لاستحباب الغضب عند انتهاك حرمة الدين، وفيه جواز الدعاء على المخالف لحكم الشرع لأن عائشة ﵂ ما دعت على من أغضبه إلا لعلمها أنه ﷺ لا يغضب إلا لله (تخريجه) (عل) قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح
(٢) عن عائشة (سنده) حدثنا عبد الله أبى ثنا محمد بن جعفر وروح قالا ثنا شعبة عن الحكم عن على بن حسين قال روح سمعت على بن حسين عن ذكوان مولى عائشة - الحديث" (غريبة) (٤) زاد مسلم " أو خمس" يعنى أو خمس مضين من ذي الحجة وأو للشك من الراوي، وقد جاء في حديث جابر المتقدم " لأربع" من غير شك مع تعيين الوقت الذى قدموا فيه " فقال قدمنا مع رسول الله ﷺ صبح أربع مضين من ذي الحجة (١) لفظ مسلم " وقال الحكم كأنهم يترددون أحسب"
[ ١٢ / ٩٤ ]
استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى معى حتى أشتريه ثم أحل كما أحلوا قال روح يترددون فيه (٢) قال كأنهم هابوا أحسب
(٢٩٦) عن ابن عباس ﵄ قال كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا، ويقولو إذا برأ الدبر وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر (٣) فلما قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأصحابه لصبيحة (وفى رواية لصبح) رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة (٤) فتعاظم ذلك عندهم
_________________
(١) (قلت) والحكم هذا هو أحد رواة هذا الحديث (قال القاضى عياض) كذا وقع هذا اللفظ وهو صحيح وإن كان فيه اشكال، قال وزاد اشكاله تغيير فيه وهو قوله قال الحكم كأنهم يترددون، وكذا رواه ابن أبى شيبة عن الحكم، ومعناه أن الحكم شك في لفظ النبي ﷺ هذا مع ضبطه لمعناه، فشك هل قال يترددون أو نحوه من الكلام، ولهذا قال بعده أحسب أي أظن أن هذا لفظه، ويؤيده قول مسلم بعده في حديث غندر ولم يذكر الشك من الحكم في قوله يتردودن والله أعلم اهـ (٢) روح أحد الراويين اللذين روى عنهما الإمام أحمد هذا الحديث، يعنى أنه قال في روايته يترددون فيه فزاد لفظ فيه، ثم فسر هذا التردد بأنهم هابوا أن يحلوا من حجهم ويجعلوه عمرة أي حرصا على الاقتداء به لا أنهم خالفوا أمر النبي ﷺ وأبوا عليه ثم قال أحسب يعنى أظن ذلك والله أعلم (تخريجه) مسلم وغيره
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس - الحديث " (غريبة) (٣) لم يذكر في هذه الرواية الذين كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ويقولون هذا القول، وقد جاء ذلك في رواية أخرى عند أبى داود وابن حبان والإمام أحمد وتقدم في باب جواز العمرة في جميع أشهر السنة صحيفة ٥٤ رقم ٤٨ من الجزء الحادى عشر عن ابن عباس قال ما أعمر رسول الله صلى عليه وسلم عائشة ليلة الحصبة إلا قطعا لأمر أهل الشرك فإنهم كانوا يقولون إذا أدبر الدبر إلخ. فعرف بهذا تعيين القائلين وهم أهل الشرك يعنى أهل الجاهلية وتقدم شرح هذه الألفاظ في الحديث المشار إليه فارجع إليه إن شئت (٤) هو فسخ الحج
[ ١٢ / ٩٥ ]
فقالوا يا رسول الله أي الحل (١) قال الحل كله
(٢٧٩) وعنه أيضا قال قدم رسول الله ﷺ لصبح رابعة مهلين بالحج فأمرهم رسول الله ﷺ أن يجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدي، قال فلبست القمص وسطعت المجامر ونكحت النساء
(٢٩٨) عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال هذه عمرة استمتعنا بها (٢) فمن لم يكن
_________________
(١) إلى العمرة، وهذا موضع الاستدلال من حديث الباب، وكأن هذا الحديث هو السبب في أن النبي ﷺ أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة لبيان جوازها في أشهر الحج ولإبطال عقيدة أهل الشرك (قال الكرماني) ماوجه تعلق انسلاخ صفر بالاعتمار في أشهر الحج الذى هو المقصود من الحديث، والمحرم وصفر ليسا من أشهر الحج (وأجاب) بقوله لما سموا المحرم صفرا وكان من جملة تصرفاتهم فعل السنة ثلاثة عشر شهرا صار صفر على هذا التقدير آخر السنة وآخر أشهر الحج، إذ لابرء في أقل من هذه المدة غالبا وأما ذكر انسلاخ صفر الذي من الأشهر الحرم بزعمهم فلأجل أنه لو وقع قتال في الطريق وفي مكة لقدروا على المقاتلة، فكأنه قال إذا انقضى شهر الحج وأثره والشهر الحرام جاز الاعتمار، أو يراد بالصفر المحرم ويكون إذا انسلخ صفر كالبيان والبدل لقوله إذا برأ الدبر، فإن الغالب أن البرء لا يحصل من أثر سفر الحج إلا في هذه المدة وهي ما بين أربعين إلى خمسين ونحوه اهـ (وقوله فتعاظم ذلك عندهم) أي لما كانوا يعتقدونه أولا (١) كأنهم كانوا يعرفون أن للحج تحللين فارادوا بيان ذلك، فبين لهم أنهم يتحللون الحل كله يعنى جميع ما يحرم على المحرم حتى الجماع، لأن العمرة ليس لها إلا تحلل واحد (تخريجه) (ق. نس. وغيرهم)
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا أيوب عن رجل قال سمعت ابن عباس - الحديث " (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السياق لغير الإمام أحمد، وفي إسناده راو لم يسم، ومعناه في الصحيحين
(٣) عن مجاهد عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا شعبة ومحمد قال حدثنا شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس - الحديث " (غريبة) (٢) احتج بهذا من قال إن حجه ﷺ كان تمتعا وتأوله من ذهب
[ ١٢ / ٩٦ ]
معه هدي فليحل الحل كله فقد دخلت العمرة في الحج (١) إلى يوم القيامة
(٢٩٩) عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال من قدم حاجا (٢) وطاف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد انقضت حجته (٣) وصارت عمرة كذلك سنة الله ﷿ وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
(٣٠٠) عن كريب مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس ﵄ قال قلت يا ابا العباس ارأيت قولك ما حج رجل لم يسق الهدى معه ثم طاف بالبيت إلا حل بعمرة (٤) وما طاف بها حاج قد ساق معه الهدي
_________________
(١) إلى خلافه بأنه ﷺ أراد من أصحابه كما يقول الرجل الرئيس في قومه فعلنا كذا وهو لم يباشر ذلك، وقد تقدم الكلام على حجه ﷺ في أحكام باب صفة حج النبي ﷺ في الجزء الحادى العشر (١) قيل معناه سقط فعلها بالدخول في الحج وهو على قول من لا يرى العمرة واجبة، وأما من يرى أنها واجبة فقال النووي (قال أصحابنا) وغيرهم فيه تفسير أن (أحدهما) معناه دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج إذا جمع بينهما بالقرآن (والثاني) معناه لا بأس بالعمرة في أشهر الحج (قال الترمذي) هكذا قال الشافعي وأحمد واسحاق اهـ (تخريجه) (م. د. نس)
(٢) عن عطاء عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الله بن ميمون أبو عبد الرحمن الرقى قال أنا الحسن يعنى أبا المليح عن حبيب يعنى ابن أبى مرزوق عن عطاء عن ابن عباس - الحديث (غريبة) (٢) يعنى محرما بالحج ولم يكن معه هدى أخذا من الأحاديث السابقة واللاحقة (٣) مذهب ابن عباس ﵄ أن من كان محرما بحج مفرد وطاف بالبيت وبين الصفا والمروة فإن طوافه هذا يصيره إلى عمرة شاء أو أبى، وإليه ذهبت طائفة من أهل الظاهر وقال الإمام أحمد باستحبابة (تخريجه) هذا الأثر لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد
(٣) عن كريب (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقول ثنا أبى عن ابن اسحاق حدثنى محمد بن مسلم الزهري عن كريب - الحديث" (غريبة) (٤) يعنى سواء أكان محرما بحج أو عمرة، فإن كان محرما بعمرة فالأمر ظاهر، وإن كان محرما بحج فطوافه بالبيت وبالصفا والمروة يفسخ حجه إلى عمرة، وتقدم أن هذا مذهب ابن عباس
[ ١٢ / ٩٧ ]
إلا اجتمعت له عمرة وحجة (١) والناس لا يقولون هذا، فقال ويحك إن رسول الله ﷺ خرج ومن معه من أصحابه لا يذكرون إلا الحج، فأمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه الهدي أن يطوف بالبيت ويحل بعمرة، فجعل الرجل منهم يقول يا رسول الله إنما هو الحج، فيقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم إنه ليس بالحج ولكنها عمرة (٢)
(٣٠١) عن قتادة عن أبى حسان قال قال رجل من بنى الهجيم يا أبا عباس ما هذه الفتيا التى تفشغت (٣) بالناس أن من طاف بالبيت (٤) فقد حل فقال سنة نبيكم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وإن رغمتم (زاد في رواية بعد قوله وإن رغمتم) قال همام (٥) يعنى من لم يكن معه هدي
(٣٠٢) عن مجاهد قال قال عبد الله بن الزبير أفرادوا الحج ودعوا قول هذا (٦) يعنى ابن عباس، فقال ابن عباس ألا تسأل أمك (٧) عن هذا؟
_________________
(١) ووافقه الإمام أحمد وبعض الظاهرية (وقوله وما طاف بها) أي بالكعبة وبالصفا والمروة (١) يعنى إن كان قارنا (٢) أي صارت هذه الحجة عمرة بسبب الفسخ (تخريجه) أورده الهيثمي وقال هو في الصحيح باختصار، ورواه أحمد ورجاله ثقات
(٢) عن قتادة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا شعبة عن قتادة - الحديث" (غريبة) (٣) بفاء ثم شين فغين معجمتان، أي فشت وانتشرت (٤) يعنى وبالصفا والمروة ولم يكن معه هدي (٥) هو أحد رواة هذا الحديث من طريق آخر فسر فتيا ابن عباس بأن المراد من لم يكن معه هدي (تخريجه) (م. وغيره)
(٣) عن مجاهد (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن فضيل قال ثنا يزيد يعنى ابن أبى زياد عن مجاهد - الحديث" (غريبة) (٦) معناه أحرموا بالحج مفردا لأنه كان ينهى عن العمرة في أشهر الحج سواء أكانت مفردة أم مقرونة بالحج ثم رجع عن ذلك بدليل ما روي عنه وتقدم في باب ما جاء في التمتع بالعمرة إلى الحج صحيفة ١٦٦ رقم ١٣٢ في الجزء الحادي عشر (٧) يعنى أسماء بنت أبى بكر ﵄
[ ١٢ / ٩٨ ]
فأرسل إليها فقالت صدق ابن عباس، خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجا فأمرنا فجعلناها عمرة فحل لنا الحلال حتى سطعت المجامر بين النساء والرجال
(٢٠٣) عن أنس بن مالك ﵁ قال خرجنا نصرخ بالحج (١) فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله ﷺ أن نجعلها عمرة وقال لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لجعلتها عمرة ولكنى سقت الهدي وقرنت الحج والعمرة (٢)
(٣٠٤) عن ابن أبى سعيد (الخدري ﵁) قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نصرخ بالحج صراخا حتى إذا طفنا بالبيت قال اجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدين قال فجعلناها عمرة فحللنا فلما كان يوم التروية صرخنا بالحج (٣) وانطلقنا إلى منى
(٣٠٥) عن ابن عباس ﵄ قال قدمنا مع رسول الله ﷺ
_________________
(١) (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السياق لغير الإمام أحمد وفي إسناده يزيد بن أبى زياد فيه كلام، ومعناه في صحيح مسلم
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أحمد ابن عبد الملك ثنا زهير ثنا حميد الطويل عن أنس - الحديث" (غريبة) (١) معناه أنهم كانوا محرمين بالحج رافعين أصواتهم بالتلبية به، وقد احتج به الجمهور على استحباب رفع الصوت بالتلبية وتقدم الكلام عليه في بابه (٢) احتج به القائلون بأن النبي ﷺ كان قارنا وهو أرجح الأقوال والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ من حديث أنس لغير الإمام أحمد وسنده جيد، ومعناه في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر وغيره
(٣) عن أبى سعيد الخدري ﵁ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن عدي عن داود عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدري - الحديث" (غريبة) (٣) أي أحرمنا به (تخريجه) (م. وغيره)
(٤) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا خالد ثنا يزيد بن أبى زياد عن ابن عباس ﵄ - الحديث "
[ ١٢ / ٩٩ ]
حجاجا فأمرهم فجعلوها عمرة، ثم قال لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لفعلت كما فعلوا، ولكن دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة (١) ثم أنشب أصابعه بعضها في بعض، فحل الناس إلا من كان معه هدي، وقدم على من اليمن (٢) فقال له رسول الله ﷺ بم أهللت؟ قال أهللت بما أهللت به قال فهل معك هدي؟ قال لا قال فأقم كما أنت (٣) ولك ثلث هديي، قال وكان مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مائة بدنة
(٣٠٦) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نحسب إلا أننا حجاجا (٤) فلما قدمنا مكة نودي فينا من كان منكم ليس معه هدي فليحلل، ومن كان معه هدي فليقم على إحرامه، قال فأحل الناس بعمرة إلا من كان ساق الهدي، قال وبقي النبي صلى الله عليه وعلى
_________________
(١) (غريبه) (١) فسره الجمهور بجواز فعل العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة وأن القصد إبطال زعم الجاهلية منع ذلك، وله تفاسير غير هذا ستأتي في الأحكام إن شاء الله تعالى (وقوله ثم أنشب أصابعه) أي شبك أصابعه كما صرح بذلك في رواية مسلم من حديث جابر، وإدخال الأصابع بعضها في بعض تستدعي إدخال أحد النسكين في الآخر (٢) لأن النبي ﷺ كان بعثه إليها (وقوله بم أهللت) أي يسأل النبي ﷺ عليا عن إحرامه هل أحرم بحج مفرد أم بعمرة أو قرن الحج بالعمرة، فأجابه علي ﵁ بأنه علق إحرامه بإحرام النبي ﷺ وهذا جائز وتقدم الكلام عليه في بابه (٣) أي لا تحل من أحرامك وأعطاه النبي ﷺ ثلث الهدي الذي كان معه حيث قد علق إحرامه بإحرام النبي ﷺ ليكون موافقا له (تخريجه) لم أقف عليه من حديث ابن عباس لغير الإمام أحمد وفي اسناده يزيد بن ابى زياد فيه كلام، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث جابر وهو يعضده
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا قطن عن أبى الزبير عن جابر - الحديث (غريبة) (٤) يعنى
[ ١٢ / ١٠٠ ]
آله وصحبه وسلم (١) ومعه مائة بدنة، وقدم على من اليمن (٢) الحديث
(٢٠٧) وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ بنحوه
(٣٠٨) عن جابر ﵁ أن رسو الله ﷺ أهل وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم يومئذ هدي إلا النبي وطلحة (٣) وكان على قدم من اليمن ومعه الهدي، فقال أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ وأن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة ويطوفوا ثم يقصروا ويحلوا إلا
_________________
(١) محرمين بالحج (١) يعنى بقى على إحرامه لم يحل لأنه ساق الهدي (٢) بقيته فقال له بأي شيء أهللت؟ قال قلت اللهم إني أهل بما أهل به نبيك ﷺ قال فأعطاه نيفا على الثلاثين من البدن، قال ثم بقيا على إحرامهما حتى بلغ الهدي محله (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) وعن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله بن أحمد عن بكر بن عبد الله عن ابن عمر أنه قال قدم رسول الله ﷺ مكة وأصحابه ملبين وقال عفان ملهين بالحج فقال رسول الله ﷺ من شاء أن يجعلها عمرة إلا من كان معه الهدي، قالوا يارسول الله أيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا؟ قال نعم وسطعت المجامر، وقدم على بن ابي طالب من اليمن فقال يا رسول الله ﷺ بما أهللت؟ قال أهللت بما أهل به النبي ﷺ. قال حميد فإن لك معنا هديا، قال رسول الله ﷺ بم أهللت؟ قال أهللت بما أهل به النبي ﷺ. قال حميد فإن لك معنا هديا، قال حميد فحدثت به طاوسا فقال هكذا فعل القوم، قال عفان اجعلها عمرة (تخريجه) أورده الهيثمي وقال هو في الصحيح باختصار. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (قال الشوكاني) وهو من أحاديث الفسخ التى قام بها ابن القيم كلها صحاح وهو أحد الأحاديث التى قال أحمد بن حنبل أن عنده في الفسخ أحد عشر حديثا صحاح اهـ.
(٣) عن جابر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا حبيب يعنى المعلم عن عطاء حدثنى جابر ﵁ - الحديث" (غريبة) (٣) ظاهره أن الهدي لم يكن مع أحد إلا النبي ﷺ وطلحة فقط، وهو يخالف ما سيأتى في حديث عائشة ﵂ حيث قالت " وكان الهدي مع رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر وذوي اليسارة" ويجمع بينهما بأن كلا منهما ذكر من اطلع عليه، وقد روي مسلم أيضا من طريق مسلم القري" بضم القاف وتشديد الراء" عن ابن عباس في هذا
[ ١٢ / ١٠١ ]
من كان معه الهدي، فقالوا ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر (١) فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال لو أنى استقبل من أمري ما أستدبر ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت، وأن عائشة حاضت فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت طافت (٢) قالت يا رسول الله أتنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بالحج؟ (٣) فأمر عبد الرحمن أن يخرج معها إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة، وأن سراقة بن مالك بن جعشم لقى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالعقبة (٤) وهو يرميها فقال ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ (٥) قال لا، بل للأبد (٦)
_________________
(١) الحديث، وكان طلحة ممن ساق الهدي فلم يحل، وهذا شاهد لحديث جابر في ذكر طلحة في ذلك، وشاهد لحديث عائشة في أن طلحة لم ينفرد بذلك وداخل في قولها وذوي اليسار، ولمسلم أيضا من حديث أسماء بنت أبى بكر أن الزبير ممن كان معه الهدي (١) يعنى يقطر منيا كما صرح بذلك في الأحاديث المتقدمة، وإنما قالوا ذلك لأنه شق عليهم أن يحلوا رسول الله ﷺ محرم، ولم يعجبهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ويتركوا الاقتداء به (قال الطيبي) ولعلهم إنما شق عليهم لأفضائهم إلى النساء قبل انقضاء المناسك (٢) اتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الإفاضة يوم النحر (٣) أي لأنها لم تأت بعمرة مفردة مثل الذين أتوا بها فأرادت أن تكون مثلهم " وعبد الرحمن" هو ابن أبى بكر أخو عائشة ﵂ (٤) جملة حالية، أي والنبي ﷺ كان بعقبة منى (وقوله وهو يرميها) جملة حالية أيضا أي والنبي ﷺ يرمى جمرة العقبة (٥) يعنى والله أعلم فسخ الحج إلى العمرة كما يدل على ذلك سياق الحديث (٦) اي لهم ولمن بعدهم على توالى السنين، وذهب الجمهور إلى أن معناه جواز فعل العمرة في أشهر الحج أبطالا لما كان عليه أهل الجاهلية، وقيل معناه جواز القران، أي دخلت أفعال الحج في أفعال العمرة (قال الحافظ) والظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعم من ذلك حتى يتناول التأويلات المذكورة، والله أعلم (تخريجه) (ق. د. وغيرهم)
[ ١٢ / ١٠٢ ]
(٣٠٩) عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه كانت عائشة تقول خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نذكر إلا الحج، فلما قدمنا سرف طمثت (١) فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال ما يبكيك؟ قلت وددت أني لم أخرج العام (٢) قال لعلك نفست (٣) يعنى حضت، قالت نعم، قال إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم (٤) فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري (٥) فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ لأصحابه اجعلوها عمرة، فحل الناس إلا من كان معه هدي، وكان الهدي مع رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر وذوي اليسارة، قالت ثم راحوا مهلين بالحج فلما كان يوم النحر طهرت فأرسلنى رسول الله ﷺ فأضت يعنى طفت، قالت فأتينا بلحم بقر فقلت ما هذا؟ قالواهذا رسول الله ﷺ ذبح عن نسائه البقر (٦)
_________________
(١) عن عائشة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هاشم بن القاسم قال ثنا عبد العزيز يعنى ابن عبد الله بن أبى سلمة عن عبد الرحمن بن القاسم - الحديث" (غريبة) (١) بفتح الطاء وكسر الميم أي حضت (٢) إنما قالت ذلك عائشة ﵂ لظنها أن الحيض يمنعها من الحج (٣) بفتح النون وكسر الفاء أي حضت كما فسره الراوي، وأما الولادة فيقال فيه نفست بضم النون، قاله الطيبى (٤) قال القاري فيه تسلية لها فإن البلية إذا عمت طابت (وقال النووي) معناه أنك لست مختصة به بل كل بنات آدم يكون منهن هذا كما يكون منهن ومن الرجال البول (٥) هذا الاستسناء مختص بأحوال الحج لا بجميع أحوال المرأة، وأما السعي فكالطواف إذ لا يصبح إلا بعد الطواف واختلف في علة المنع من الطواغ فمن شرط الطهارة في الطواف قال لأنها غير طاهر، ومن لم يشترط قال لأن البيت في المسجد والحائض لا تدخل المسجد (٦) في رواية عروة عن عائشة ذبح رسول الله ﷺ عمن اعتمر من نسائة بقرة، ذكره ابن عبد البر من حديث الأوزاعي عن الزهري عن عروة، وفي الصحيحين من حديث جابر ذبح رسول الله ﷺ عن نسائه بقرة يوم النحر (وفي رواية) بقرة في حجته (وفي رواية) ذبحها عن نسائه
[ ١٢ / ١٠٣ ]
قالت فلما كانت ليلة الحصبة (١) قلت يا رسول الهل يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة، فأمر عبد الرحمن بن أبى بكر فأردفنى على جمله، قالت فإني لأذكر وأنا جارية حديثة السن أنى أنعس فتضرب وجهي مؤخرة (٢) الرحل حتى جاء بى التنعيم فأهللت بعمرة جزاء لعمرة الناس التى اعتمروا (٣)
(٣١٠) عن الحارث بن بلال عن أبيه (بلال بن الحارث ﵁) قال قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل لنا خاصة (٤) " خط" (وعنه من طريق ثان) (٥) عن أبيه ﵁ قال يارسول الله أرأيت متعة الحج (٦) لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال لا بل لنا خاصة
_________________
(١) وعند الحاكم من حديث بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة " ذبح رسول الله ﷺ عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن" وقال صحيح على شرط الشيخين وهذا الذي ذبحه النبي ﷺ عن نسائه هو هدي التمتع، فليس فيه حجه على مالك في قوله لا ضحايا على أهل أمتى (١) هي الليلة التى تلى أيام التشريق، وسميت بذلك لنزوله ﷺ بالمحصب في تلك الليلة بعد طوف الوداع وخروجه من مكة وهو الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح بين مكة ومنى " والمحصب " أيضا موضع بمنى سميا بذلك للحصى الذي فيهما (٢) بضم الميم وكسر الخاء المعجمة بينهما همزة ساكنة (والرحل) بفتح الراء مشددة وسكون الحاء المهملة هو للبعير كالسرج للفرس (٣) أي تقوم مقام عمرة الناس وتكفيني عنها (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن الحارث بن بلال (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سريج بن النعمان قال ثنا عبد العزيز يعنى ابن محمد قال أخبرنى ابن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن الحارث بن بلال - الحديث " (غريبة) (٤) استدل به القائلون بأن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصا بسنة حج النبي ﷺ وسيأتى ذكرهم في الأحكام (٥) " خط" (سنده) حدثنا عبد الله قال وجدت في كتاب أبى بخط يده حدثنى قريش بن إبراهيم قال ثنا عبد العزيز ابن الدراوردي قال أخبرنى ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال سمعت الحارث بن بلال بن الحارث يحدث عن أبيه - الحديث (٦) المراد بقوله متعة الحج يعنى التى فعلها أصحاب
[ ١٢ / ١٠٤ ]
.
_________________
(١) رسول الله ﷺ في حجة الوداع وهي فسخ الحج إلى العمرة بدليل ما تقدم في الطريق الأولى أنه قال يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة إلخ (تخريجه) (د. نس. جه) وأورده صاحب المنتقى وقال قال أحمد بن حنبل حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثبت ولا أقول به ولا يعرف هذا الرجل يعنى الحارث بن بلال، وقال أرأيت لو عرف الحارث بن بلال إلا أن أحد عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ يرون ما يرون من الفسخ، أين يقع الحارث بن بلال منهم، قال ولا يصح حديث في أن الفسخ كان لهم خاصة، وهذا أبو موسى الأشعري يفى به في خلافة أبى بكر وشطرا من خلافة عمر اهـ (قال صاحب المنتقى) ويشهد لما قاله قوله في حديث جابر بل هي للأبد اهـ (وقال المنذري) إن الحارث يشبه المجهول. وقال الحافظ الحارث ابن بلال من ثقات التابعين (وقال ابن القيم) نحن نشهد بالله أن حديث بلال بن الحارث هذا لا يصح عن رسول الله ﷺ وهو غلط عليه، قال ثم كيف يكون هذا ثابتا عن رسول الله ﷺ وابن عباس يفتى بخلافه ويناظر عليه طوال عمره بمشهد من الخاص والعام وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرو ولا يقول له رجل واحد منهم هذا كان مختصا بنا ليس لغيرنا اهـ (زوائد الباب) (وعن الربيع بن سبرة) عن أبيه ﵁ قال خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي يا رسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم، فقال إن الله ﷿ قد أدخل عليكم في حجكم عمرة فإذا قدمتم فمن تطوّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي (د) وسكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح (وعن سليم بن الأسود) أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ (د) وهو موقوف على أبى ذر (وعن إبراهيم التيمي) عن أبيه عن أبى ذر قال كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة (م. نس. جه) وأورد الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ما يأتى (عن سهل بن حنيف) قال خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجا فأهللنا بالحج فلما قدمنا مكة فأمرنا أن نجعلها عمرة (طب) ورجاله موثقون (وعن معقل بن يسار) قال حججنا مع رسول الله ﷺ فوجدنا عائشة تنزع ثيابها، فقال لها مالك؟ قالت أنبئت أنك قد أحللت وأحللت أهلك، قال أحل من ليس معه هدي، وأما نحن فلم نحل، إن معنا بدنا حتى نبلغ عرفات (طب) وفيه عبيد الله بن ابى حميد وهومتروك (وعن عبد الله ابن هلال المزني) صاحب رسول الله ﷺ قال: ليس لأحد بعدنا أن يحرم بالحج ثم يفسخ حجه بعمرة، رواه الطبراني في الكبير والبزار إلا أنه قال عبد الله بن عبد المزني، وفيه كثير بن عبد الله المزني وهو متروك اهـ ما أورده الحافظ الهيثمي (الأحكام) أحاديث
[ ١٢ / ١٠٥ ]
_________________
(١) الباب تدل على مشروعية فسخ الحج إلى العمرة ومعناه أن من أحرم بالحج مفردا أو قارنا ولم يسق الهدي وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة له أن يفسخ نيته بالحج وينوى عمرة مفردة، فيقصر ويحل من إحرامه ليصير متمتعا (قال النووي) ﵀ وقد اختلف العلماء في هذا الفسخ هل هو خاص للصحابة تلك السنة خاصة أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ (فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر) ليس خاصا بل هو باق إلى يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها (وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة) وجماهير العلماء من السلف والخلف هو مختص بهم في تلك السنة لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، ومما يستدل به للجماهير حديث أبى ذر ﵁ الذي ذكره مسلم قال " كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة" يعنى فسخ الحج إلى العمرة (وفي كتاب النسائي) عن الحارث بن بلال عن أبيه قال قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة فقال بل لنا خاصة، وأما الذى في حديث سراقة ألعامنا هذا أم للأبد فقال لأبد أبد " هكذا رواية مسلم" ورواية الإمام أحمد " لا بل للأبد" فمعناه جواز الاعتمار في أشهر الحج، قال فالحصل من مجموع طرق الأحاديث ان العمرة في أشهر الحج جائزة إلى يوم القيامة وكذلك القرآن، وأن فسخ الحج إلى العمرة مختص بتلك السنة اهـ كلام النووي (قلت) لكن عارض المجوزون للفسخ وهم الإمام أحمد ومجاهد والحسن وداود الظاهري وأهل الظاهر ما احتج به المانعون وهم الجمهور بأحاديث كثيرة صحيحة جاءت عن خمسة عشر من الصحابة، روى الإمام أحمد ﵀ ثلاثة عشر حديثا منها في مسنده، أوردت منها في هذا الباب تسعة أحاديث عن تسعة من الصحابة وهم جابر، والبراء، وعائشة، وابن عباس، واسماء، وأنس، وأبو سعيد، وابن عمر، وسراقة ﵃ والعاشر عن حفصة وتقدم في الباب السابق والحادي عشر عن علي، والثاني عشر عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ، والثالث عشر عن أبى موسى ﵃، وهذه تقدمت في أبواب متفرقة من أبواب الحج، وبقى حديثان من الخمسة عشر (أحدهما) عن الربيع بن سبرة (والثاني) عن سهل بن حنيف ﵄ ذكرتهما في الزوائد (قال الحافظ ابن القيم) ﵀ في الهدى، وروى ذلك عن هؤلاء الصحابة طوائف من كبار التابعين حتى صار منقولا عنهم نقلا يرفع الشك ويوجب اليقين ولا يمكن أحد أن ينكره أو يقول لم يقع وهو مذهب أهل بيت رسول الله ﷺ ومذهب حبر الأمة وبحرها ابن عباس وأصحابه ومذهب أبى موسى الأشعري، ومذهب إمام أهل السنة والحديث أحمد بن حنبل وأهل الحديث معه، ومذهب
[ ١٢ / ١٠٦ ]
_________________
(١) عبد الله بن حسان العنبري قاضى البصرة، ومذهب أهل الظاهر اهـ (قلت) فهذه الأحاديث الصحيحة تقضى بجواز فسخ الحج إلى العمرة وهي حجة قوية للإمام أحمد ومن وافقه، وعمدة الجمهور في الاستدلال حديث أبى ذر المذكور في الزوائد، وحديث بلال ابن الحارث المذكور آخر أحاديث الباب (أما حديث أبى ذر) فلا يصلح للاحتجاج به على أنها مختصة بتلك السنة وبذلك الركب، وغاية ما فيه أنه قول صحاب فيما هو مسرح للاجتهاد فلا يكون حجة على أحد على فرض أنه لم يعارضه غيره. فكيف إذا عارضه رأي غيره من الصحابة كابن عباس فقد روي عنه مسلم والإمام أحمد وتقدم في أحاديث الباب أنه كان يقول " ما حج رجل لم يسق الهدي معه ثم طاف بالبيت إلا حل بعمرة" الحديث (وأخرج عنه عبد الرزاق) أنه قال " من جاء مهلا بالحج فإن الطواف بالبيت يصيره إلى عمرة" واخرجه أيضا الإمام أحمد في أحاديث الباب بمعناه، وكأبى موسى فإنه كان يفتى بجواز فسخ الحج إلى العمرة كما تقدم في حديثه رقم ٩٨ صحيفة ١٣٨ في أول (باب من أحرم مطلقا أو قال أحرمت بما أحرم به فلان) قال فما زلت أفتى الناس بالذي أمرنى رسول الله ﷺ حتى توفى، ثم زمن أبى بكر ﵁، ثم زمن عمر ﵁، على أن قول أبى ذر ﵁ معارض بصريح السنة كما تقدم في جوابه ﷺ لسراقة بقوله " بل للأبد " لما سأله عن متعتهم تلك بخصوصها مشيرا إليها بقوله ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ فليس في المقام متمسك بيد المانعين يعتد به ويصلح لنصبه في مقابلة هذه السنة المتواترة (قال ابن قدامة المقدسى) ﵀ في الشرح الكبير ذكر أبو حفص في شرحه باسناده عن إبراهيم الخرقي، وقد سئل عن فسخ الحج إلى العمرة. فقال قال سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله كل شيئ منك حسن جميل إلا خلة واحدة، فقال وما هي؟ قال تقول بفسخ الحج، قال أحمد قد كنت أرى أن لك عقلا عندي ثمانية عشر حديثا صحاحا جيادا كلها في فسخ الحج. اتركها لقولك؟ وقد روى فسخ الحج إلى العمرة ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة ﵃ وأحاديثهم متفق عليها، ورواه غيرهم من وجوه صحاح، ثم ذكر حديث جابر الطويل المذكور في أحاديث الباب، ثم قال وحديث أبى ذر رواه مرقع الأسدي، فمن مرقع الأسدي؟ شاعر من أهل الكوفه لم يلق أبا ذر، فقيل له أفليس قد روى الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن إبى ذر قال كانت لنا متعة الحج خاصة أصحاب رسول الله ﷺ قال أفيقول هذا أحد؟ المتعة في كتاب الله، وقد أجمع الناس على أنها جائزة، قا ل الجوزجاني مرقع الأسدي ليس بالمشهور، ومثل هذه الأحاديث في ضعفها وجهالة رواتها لا تقبل إذا انفردت فكيف تقبل في رد حكم ثابت بالتواتر مع أن قول أبى ذر من رأيه وقد خالفه من هو أعلم منه
[ ١٢ / ١٠٧ ]
_________________
(١) وقد شذ به عن الصحابة ﵃ فلا يكون حجة اهـ ما ذكره ابن قدامة (وأما حديث الحارث بن بلال عن أبيه) فقد نقول قول الإمام أحمد فيه عند تخريجه فهو غير صالح للتمسك به على انفراده فكيف إذا وقع معارضا لأحاديث خمسة عشر صحابيا كلها صحيحة، وقد أبعد من قال إنه منسوخة لأن دعوى النسخ لا تثبت إلا بنص صحيح متأخر عن هذه النصوص، وأما مجر الدعوى فأمر لا يعجز عنه أحد، وأما ما رواه البزار عن عمر ﵁ أنه قال إن رسول الله ﷺ أحل لنا المتعة ثم حرمها علينا، فقال الحافظ ابن القيم إن هذا الحديث لا سند له ولا متن، أما سنده فمما لا تقوم به حجة عند أهل الحديث، وأما متنه فإن المراد بالمتعة فيه متعة النساء، ثم استدل على أن المراد ذلك بإجماع الأمة على أن متعة الحج غير محرمة، وبقول عمر لو حججت لتمتعت كما ذكره الأثرم في سننه، وبقول عمر لما سئل هل نهى عن متعة الحج فقال لا أبعد كتاب الله؟ أخرجه عنه عبد الرزاق وبقوله ﷺ بل للأبد فإنه قطع لتوهم ورود النسخ عليها (واستدل على النسخ) بما أخرجه أبو داود أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ أتى عمر بن الخطاب فشهد عنده أنه سمع رسول الله ﷺ في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج، وهو من رواية سعيد بن المسيب عن الرجل المذكور وهو لم يسمع من عمر، وقال أبو سليمان الخطابي في إسناد هذا الحديث مقال، وقد اعتمر رسول الله ﷺ قبل موته وجوز ذلك إجماع أهل العلم ولم يذكر فيه خلافا اهـ (ومن جملة ما تمسك به المانعون) من الفسخ أنه إذا اختلف الصحابة ومن بعدهم في جواز الفسخ فالاحتياط يقتضى المنع منه صيانة للعبادة (وأجيب) بأن الاحتياط إنما يشرع إذا لم تتبين السنة، فإذا ثبتت فالاحتياط هو اتباعها وترك ما خالفها، فإن الاحتياط نوعان، احتياط للخروج من خلاف العلماء، واحتياط للخروج من خلاف السنة، ولا يخفى رجحان الثانى على الأول (قال الحافظ ابن القيم) في الهدى وأيضا فإن الاحتياط ممتنع فإن للناس في الفسخ ثلاثة أقوال على ثلاثة أنواع (أحدهما) أنه محرم (الثانى) أنه واجب وهو قول جماعة من السلف والخلف (الثالث) أنه مستحب فليس الاحتياط بالخروج من خلاف السنة اهـ (ومن متمسكاتهم أيضا) أن النبي ﷺ أمرهم بالفسخ ليبين لهم جواز العمرة في أشهر الحج لمخالفته الجاهلية (وأجاب) الحافظ ابن القيم بأن النبي ﷺ قد اعتمر قبل ذلك ثلاث عمر في أشهر الحج كما سلف، وبأن النبي صلى الله عليه سلم قد بين لهم جواز الاعتمار عند الميقات فقال من شاء أن يهل بعمرة فليفعل، الحديث في الصحيحين (قلت وعند الإمام أحمد أيضا وتقدم) قال فقد علموا جوازها بهذا القول قبل الأمر
[ ١٢ / ١٠٨ ]
.
_________________
(١) بالفسخ، ولو سلم أن الأمر بالفسخ لتلك العلة لكان أفضل لأجلها فيحصل المطلوب لأن ما فعله ﷺ في المناسك لمخالفة أهل الشرك مشروع إلى يوم القيامة، ولاسيما وقد قال ﷺ إن عمرة الفسخ للأبد كما تقدم (ومن تمسكاتهم أيضا) ما روى عن عثمان ﵁ في النهي عن التمتع بالعمرة، وحمله بعضهم على الفسخ قالوا ومثله لا يقال بالرأي (قلت) تقدم ذلك في حديث رقم ١١٥ صحيفة ١٥٢ في باب ما جاء في القرآن من الجزء الحادي عشر على أن عثمان ﵁ صرح في الحديث نفسه بقوله إني لم أنه عنها، إنما كان رأيا أشرت به فمن شاء أخذ به ومن شاء تركه (وأجاب القائلون بالفسخ) بأن هذا من مواطن الاجتهاد ومما للرأي فيه مدخل على أنه ثبت في الصحيحين وعند الإمام أحمد وتقدم عن عمران بن حصين أنه قال تمتعنا مع رسول الله ﷺ ونزل القرآن فقال رجل برأيه ما شاء فهذا تصريح من عمران أن المنع من التمتع بالعمرة إلى الحج من بعض الصحابة إنما هو من محض الرأي فكما أن المنع من التمتع على العموم من قبل الرأي كذلك دعوى اختصاص التمتع بالفسخ بجماعة مخصوصة (وقد اختلف القائلون بالفسخ في حكمه) هل هو واجب أومستحب فذهب الإمام أحمد إلى أنه مستحب ومال فريق إلى الوجوب مستدلين بحديث البراء لأنه صرح فيه بغضب رسول الله ﷺ على الصحابة حينما أمرهم بالفسخ وترددوا فيه، قالوا لأن الأمر لو كان أمر ندب لكان المأمور مخيرا بين فعله وتركه، ولما كان يغضب رسول الله ﷺ عند مخالفته لأنه لا يغضب إلا لانتهاك حرمة من حرمات الدين، لا لمجرد مخالفة ما أرشد على من جهة الندب ولا سيما وقد قالوا له قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة؟ فقال لهم انظروا ما آمركم به فافعلوا فإن ظاهر هذا أن ذلك أمر حتم، لأنه لو كان لبيان الأفضل أو لقصد الترخيص لبين لهم بعد هذه المراجعة أن ما أمرتكم به هو الأفضل، أو قال لهم إنى أردت الترخيص لكم والتخفيف عنكم أو نحو ذلك، والظاهر أن الوجوب رأي ابن عباس ﵄ لقوله فيما تقدم أن الطواف بالبيت يصيره إلى عمرة شاء أم أبى، ولقوله في بعض أحاديث الباب" سنة نبيكم وإن رغمتم" (قال الحافظ ابن القيم) ﵀ بعد أن ذكر حديث البراء المشار إليه وغضبه ﷺ لما لم يفعلوا ما أمرهم به من الفسخ ونحن نشهد الله علينا أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضا علينا فسخة إلى عمرة تفاديا من غضب رسول الله ﷺ واتباعا لأمرهم، فوالله ما فسخ هذا في حياته ولا بعده ولا صح حرف واحد يعارضه ولا خص به أصحابه دون من بعدهم بل أجرى على لسان سراقة أن سأله هل ذلك مختص بهم فأجاب أن ذلك كان لأبد الأبد، فما ندرى ما يقدم على هذه الأحاديث وهذا الأمر المؤكد الذي غضب رسول الله ﷺ على من خالفه اهـ (قال الشوكاني) رحمه
[ ١٢ / ١٠٩ ]
(٧) باب متى يحرم المتمتع بالحج
(ومتى يتوجه الناس إلى منى- ومقدار مكثهم بها- وأول صلاة صليت بها)
(#) عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال ألا فخذوا عنى مناسككم، قال فقام القوم بحلهم حتى إ ذا كان يوم التروية وأرادوا التوجيه إلى منى أهلوا بالحج
(٣١١) عن ابن عباس ﵄ قال صلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمنى يوم التروية (١) الظهر
(٣١٢) عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يحب
_________________
(١) الله وقد أطال ابن القيم في الهدى الكلام على الفسخ ورجح وجوبه وبين بطلان ما احتج به المانعون منه، فمن أحب الوقوف على جميع ذيول هذه المسألة فليراجعه، وإذا كان الموقع في مثل هذا المضيق هو افراد الحج فالحازم المتحرى لدينه الواقف عند مشتبهات الشريعة ينبغي له أن يجعل حجة من الابتداء تمتعا أو قرانا فرارا مما هو مظنة اليأس إلى ما لا بأس به، فإن وقع في ذلك فالسنة أحق بالاتباع، وإذا جاء نهر الله بظل نهر معقل اهـ والله أعلم (#) (وعن جابر بن عبد الله) هذا طرف من حديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في أول باب ما جاء في فسخ الحج إلى العمرة، وإنما ذكرته هنا لما فيه من مناسبة ترجمة الباب، هذا وقع خطأ في الحديث المشار إليه في هذه الجملة وهي قوله" ألا فخذوا عنى مناسككم" حيث قد جاءت هناك " قال فخذوا عنى مناسككم " بلفظ قال بدل " ألا " وصوابه ألا كما هنا فصححه
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سليمان بن داود الهاشمي أنا أبو زبيد عن الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس - الحديث " (غريبة) (١) هو اليوم الثامن من ذي الحجة وتقدم سبب تسميته بذلك وهو أنهم كانوا يروون إبلهم فيه ويتروون من الماء، لأن تلك الأماكن لم يكن فيها إذ ذاك آبار ولا عيون، وأما الآن فقد كثر الماء واستغنواعن حمله (تخريجه) (د. مذ. جه. ك) قال المنذري وأخرجه الترمذي بنحوه وذكر أن شعبة قال لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أشياء وعدها، وليس هذا الحديث فيما عد شعبة، فعلى هذا يكون هذا منقطعا
(٣) عن نافع عن عبد الله بن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي
[ ١٢ / ١١٠ ]
إذا استطاع أن يصلي الظهر بمنى من يومي التروية (١) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلى الظهر بمنى
(٣١٣) عن عبد العزيز بن رفيع قال سألت أنس بن مالك ﵁ قلت أخبرنى بشئ عقلته عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال بمنى، وأين صلى العصر يوم النفر؟ قال بالأبطح (٢) قال ثم قال افعل كما يفعل أمراؤك (٣)
(٣١٤) عن ابن عباس ﵄ قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمنى خمس صلوات (٤)
_________________
(١) ثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن اسحاق حدثنى نافع عن عبد الله بن عمر- الحديث" (غريبة) (١) جواب الشرط محذوف تقديره صلى، ثم علل ذلك بأن رسول الله ﷺ صلى الظهر بمنى وكان ابن عمر ﵄ من أكثر الناس اقتداء برسول الله صلى الله عليه سلم لهذا كان ابن عمر يحب أن يفعل كفعله ﷺ (تخريجه) الحديث سنده جيد وأخرجه الإمام مالك في الموطأ لكن موقوفا على ابن عمر
(٢) عن عبد العزيز بن رفيع (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسحاق ثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع- الحديث" (غريبة) (٢) هو البطحاء التى بين مكة ومنى وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التى يقال لها المحصّب والمعرّس وحدها ما بين الجبلين إلى المقبرة (٣) لما بين أنس ﵁ للسائل المكان الذى صلى فيه النبي ﷺ خشي عليه أن يحرص على ذلك وبعض الأمراء لا يواظبون على الصلاة بذلك المكان فينسب إلى المخالفة أو تفوته الصلاة مع الجماعة، فأمره أن يفعل أمراؤه فإن ما يفعلونه جائز واتباعهم حينئذ أفضل خوفا من حدوث فتنة (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أسود ثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب عن الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس- الحديث" (غريبة) (٤) يعنى أولها الظهر، كما يستفاد ذلك من الأحاديث السابقة (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد
[ ١٢ / ١١١ ]
وعنه أيضا أن النبي ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم صلى الظهر يوم التروية بمنى وصلى الغداة يوم عرفه بها (١)
_________________
(١) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله بن أحمد حدثنى أبى ثنا أسود ابن عامر ثنا أبو المحياة يحيى بن يعلى التيمي عن الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى الظهر- الحديث" (غريبة) (١) أي بمنى كما صرح بذلك في رواية لأبى داود وابن ماجه بلفظ " صلى رسول الله ﷺ الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفه بمنى" (تخريجه) (د. مذ. جه. ك) وهو من رواية الحكم عن مقسم وتقدم الكلام عليه في حديث ابن عباس الثاني من أحاديث الباب (زوائد الباب) (عن ابن عباس) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ قبل يوم التروية بيوم منزلنا غدا إن شاء الله بالخيف الأيمن حيث استقسم المشركون (طب. طس) ورجاله ثقات (وعن عبد الله بن الزبير) قال من سنة الحاج أن يصلى يوم التروية الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى ثم يغدو فيقيل حيث كتب الله له ثم يروح إذا زالت الشمس فيخطب الناس ثم ينزل فيجمع بين الصلاتين الظهر والعصر ثم يقف بعرفة فيدفع إذا غابت الشمس ثم يصلى المغرب حيث قدر الله له (يعنى يصليها مع العشاء جمع تأخير بالمزدلفة) ثم يقف بالمزدلفة فإذا طلع الفجر صلى الصبح ثم يدفع إذا أصبح فإذا رمى الجمرة فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء حتى يطوف بالبيت (طب) وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال عبد الملك بن شعيب بن الليث - ثقة مأمون، وضعفه الأئمة أحمد وغيره (وعن عبد الله بن عمرو) قال أفاض جبريل بإبراهيم ﵉ إلى منى فصلى به الظهر والمغرب والعشاء والصبح بمنى ثم غدا من منى إلى عرفات فصلى به الصلاتين، ثم وقف حتى غابت الشمس، ثم أتى به المزدلفة فنزل بها فبات بها، ثم قال فصلى كأعجل ما يصلى أحد من المسلمين، ثم دفع به إلى منى فرمى وذبح وحلق، ثم أوحى الله عزوجل إلى محمد ﷺ أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (طب) بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح، أورد هذه الأحاديث الحافظ الهيثمي وتكلم عليها جرحا وتعديلا (وعند مسلم) من حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ قال لما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقية من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفه فوجد القبة قد ضربت
[ ١٢ / ١١٢ ]
_________________
(١) له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادى فخطب الناس وقال إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا الحديث (الأحكام) حديث جابر المذكور أول أحاديث الباب يدل على أن من كان بمكة وأراد الإحرام بالحج يستحب له أن يحرم يوم التروية (وإلى ذلك ذهب ابن عمر والإمام الشافعي) وأصحابه وبعض أصحاب الإمام مالك وغيرهم (وقال آخرون) الأفضل أن يحرم من أول ذي الحجة ونقله القاضى عياض عن أكثر الصحابة والعلماء والخلاف في الاستحباب وكل منهما جائز بالإجماع (وفيه أيضا) أن السنة عدم تقدم أحد إلى منى قبل يوم التروية (وكره الإمام مالك ذلك) وقال بعض السلف لا بأس (قال النووي) ومذهبنا أنه خلاف السنة يعنى التقدم إلى منى قبل يوم التروية بل السنة أن يتوجه إلى منى يوم التروية كما فعل النبي ﷺ وأصحابه (وفي أحاديث الباب أيضا) استحباب أداء الصلوات الخمس بمنة ابتداء من صلاة الظهر، وبه قال جمهور العلماء منهم الأئمة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد واسحاق وأبو ثور) قال ابن المنذر وقال ابن عباس إذا زاغت الشمس فليخرج إلى منى، قال وصلى ابن الزبير الظهر بمكة يوم التروية، وتأخرت عائشة يوم التروية حتى ذهب ثلث الليل، قال وأجمعوا على أن من ترك المبيت ليلة عرفة لا شيء عليه، قال وأجمعوا على أنه ينزل من منى حيث شاء والله أعلم اهـ (ويستفاد من حديث جابر) المذكور في الزوائد رواية مسلم جملة فوائد (منها) استحباب الركوب إلى منى لقوله وركب رسول الله ﷺ فصلى الظهر إلخ (قال النووي ﵀) الركوب في تلك المواطن أفضل من المشي كما أنه في جملة الطريق الطريق أفضل من المشي، هذا هو الصحيح في الصورتين أن الركوب أفضل، قال وللشافعي قول آخر ضعيف أن المشي أفضل، وقال بعض أصحابنا الأفضل في جملة الحج الركوب إلا في مواطن المناسك، وهي مكة ومنى ومزدلفة وعرفات والتردد بينهما اهـ (ومنها أيضا) استحباب عدم الخروج من منى حتى تطلع الشمس لقوله فيه " ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس" وهذا متفق عليه (ومنها) قوله في حديث جابر المذكور " ولاتشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية (قال النووي) معنى هذا أن قريشا كانت في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام وهو جبل في المزدلفة يقال له قزح، وقيل أن المشعر الحرام كل المزدلفة وهو بفتح الميم على المشهور، وبه جاء القرآن وقيل بكسرها، وكان سائر العرب يتجاوزون المزدلفة ويقفون بعرفات فظنت قريش أن النبي ﷺ يقف في المشعر الحرام على عاداتهم ولا يتجاوزه فتجاوزه النبي ﷺ إلى عرفات، لأن الله تعالى أمره بذلك في قوله تعالى " ثم أفيضوا من
[ ١٢ / ١١٣ ]
-[استحباب القيام من منى إلى عرفة بعد طلوع الشمس من يوم عرفة]-
أبواب المسير من منى الى عرفة والوقوف بها والدفع منها
(١) باب وقت المسير من منى والنزول بوادى نمرة ووقت القيام الى الموقف بعرفة
(٣١٦) عن ابن عمر ﵄ قال غدا رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من منى حين صلَّى الصُّبح فى صبيحة يوم عرفة حتَّى أتى عرفة فنزل بنمرة وهى منزل الإمام الَّذى كان ينزل به بعرفة حتَّى إذا كان عند صلاة الظُّهر راح رسول الله ﷺ مهجِّرًا فجمع بين الظُّهر والعصر
_________________
(١) حيث أفاض الناس» أى سائر العرب غير قريش؛ وإنما كانت قريش تقف بالمزدلفة لأنها من الحرم، وكانوا يقولون نحن أهل حرم الله فلا نخرج منه اهـ (وفى حديث أنس) الرابع من أحاديث الباب متابعة أولى الأمر فى غير معصية الله والاحتراز عن مخالفة الجماعة لأن الخير فى الاتباع، رزقنا الله ﷿ اتباع سنة نبيه ﷺ والاهتداء بهديه آمين
(٢) عن ابن عمر ﵄ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب بن ابراهيم ثنا أبى عن ابن اسحاق حدثنى نافع عن ابن عمر- الحديث» (غريبه) (١) بالغين المعجمة أى سار غدوة (٢) ظاهره أنه توجه من منى حين صلى الصبح بها، ولكن تقدم فى حديث جابر المذكور فى زوائد الباب السابق رواية مسلم أنه كان بعد طلوع الشمس فهو مفسر لما هنا (وقوله حتى أتى عرفة) مجاز والمراد قارب عرفة بدليل فنزل بنمرة بفتح النون وكسر الميم، ونمرة موضع بجنب عرفات وليست من عرفات (قال ابن الحاج المالكى) وهذا الموضع يقال له الأراك اهـ، وقال الماوردى يستحب أن ينزل بنمرة حيث نزل رسول الله ﷺ وهو عند الصخرة الساقطة بأصل الجبل على يمين الذاهب الى عرفات اهـ (وقوله وهو منزل الأمام) يعنى النبى ﷺ ومن بعده الخلفاء الراشدين (٣) أى بعد الزوال (وقوله مهجرًا) بتشديد الجيم المكسورة (قال الجوهرى) التهجير والتهجر السير فى الهاجرة، والهاجرة نصف النهار عند اشتداد الحر، والتوجه وقت الهاجرة فى ذلك اليوم سنة لما يلزم من تعجيل الصلاة ذلك اليوم، وقد أشار البخارى إلى هذا الحديث فى صحيحه فقال (باب التهجير بالرواح يوم عرفة) أى من نمرة (٤) أى جمع تقديم ببطن عرنة، ورواية مسلم من حديث جابر «حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادى فخطب الناس» الحديث (والقصواء) بفتح القاف وبالمد، هو اسم
[ ١٢ / ١١٤ ]
-[وقت القيام من وادى نمرة الى عرفة. واقتداء الأمراء وإن كانوا ظلمة بالصحابة ﵃]-
ثمَّ خطب النَّاس ثمَّ راح فوقف على الموقف من عرفة
(٣١٧) عن سعيد بن حسَّان عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ كان ينزل بعرفة وادي نمرة، فلمَّا قتل الحجَّاج بن الزُّبير أرسل إلى ابن عمر أية ساعةٍ كان رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يروح فى هذا اليوم قال إذا كان ذاك رحنا فأرسل الحجَّاج رجلًا ينظر أىَّ
_________________
(١) لبعض نوق النبى ﷺ (قال ابن قتيبة) كانت للنبى ﷺ نوق، القصواء. والجدعاء. والعضباء قال أبو عبيد العضباء اسم لناقة النبى ﷺ، ولم تسم بذلك لشئ أصابها (وقوله فرحلت) قال النووى هو بتخفيف الحاء أى جعل عليها الرحل (وقوله بطن الوادى) هو وادى عرنة بضم العين وفتح الراء وبعدها نون وليست عرنة من أرض عرفات عند الشافعى والعلماء كافة إلا مالكًا فقال هى من عرفات (وقوله ثم خطب الناس) فيه استحباب الخطبة للأمام بالحجيج يوم عرفة فى هذا الموضع، وهو سنة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية ومذهب الشافعى أن فى الحج أربع خطب مسنونة إحداها يوم السابع من ذى الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية هذه التى ببطن عرنة يوم عرفات، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم النفر الأول وهو اليوم الثانى من أيام التشريق اهـ (١) هو عند الصخرات المفترشات فى أسفل جبل الرحمة وهو الجبل الذى بوسط أرض عرفات، فهذا هو الموقف المستحب، وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف الا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف فى كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة فى موقف رسول الله ﷺ عند الصخرات، فان عجز فليقرب منه بحسب الأمكان. قاله النووى (تخريجه) (د. وغيره) وسنده جيد.
(٢) عن سعيد بن حسان (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا نافع ابن عمر الجمحى عن سعيد بن حسان- الحديث» (غريبه) (٢) كان قتل ابن الزبير ﵄ فى جمادى الثانى سنة ٧٣ هجرية بعد أن حاصر الحجاج مكة ورمى البيت الحرام بالمنجنيق (٣) يعنى من وادى نمرة إلى الموقف بعرفات (٤) يعنى إذا جاء الوقت الذى كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يروح فيه رحنا كأنه يقول له ارتقب الوقت الذى نروح فيه فهو الذى راح فى مثله رسول الله ﷺ
[ ١٢ / ١١٥ ]
-[مذاهب العلماء فى أحكام الباب. والجمع بين صلاتى الظهر والعصر بوادى عرنة]-
ساعةٍ يروح، فلمَّا أراد ابن عمر أن يروح قال أزاغت الشَّمس؟ قالوا لم تزغ الشَّمس، قال أزاغت الشَّمس؟ قالوا لم تزغ، فلمَّا قالوا قد زاغت ارتحل
_________________
(١) أي تحولت ومالت عن كبد السماء إلى جهة المغرب، وهو وقت الزوال أى وقت الظهر (٢) لفظ ابن ماجه فلما أراد ابن عمر أن يرتحل قال أزاغت الشمس؟ قالوا لم تزغ بعد فجلس. ثم قال أزاغت الشمس؟ قالوا لم تزغ بعد فجلس، ثم قال أزاغت الشمس؟ قالوا لم تزغ بعد فجلس، ثم قال أزاغت الشمس؟ قالوا نعم، فلما قالوا زاغت ارتحل (تخريجه) (د. جه) وسنده جيد (الأحكام) حديثا الباب يدلان على جملة أحكام (منها) مشروعية المسير من منى بعد طلوع الشمس يوم عرفة (ومنها) مشروعية النزول بوادى نمرة الى وقت الزوال (ومنها) القيام من وادى نمرة وقت الزوال والنزول ببطن الوادى المسمى بوادى عرنة بضم العين وفتح الراء وتقدم أنه ليس من عرفات عند جمهور العلماء وكل هذه الأمور متفق على استحبابها عند كافة العلماء (ومنها) الجمع بين صلاتى الظهر والعصر جمع تقديم بوادى عرنة (قال النووى) فى شرح المهذب مذهبنا أنه يؤذن للظهر ولا يؤذن للعصر إذا جمعهما فى وقت الظهر عند عرفات (وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور وابن المنذر) ونقل الطحاوى الأجماع على هذا (لكن قال مالك) يؤذن لكل منهما ويقيم (وقال أحمد واسحاق) يقيم لكل منهما ولا يؤذن لواحدة منهما. دليلنا حديث جابر «يعنى عند مسلم حيث جاء فيه ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئًا» قال وأجمعت الأمة على أن للحاج أن يجمع بين الظهر والعصر إذا صلى مع الأمام، فلو فات بعضهم الصلاة مع الأمام جاز له أن يصليهما منفردًا جامعًا بينهما عندنا، وبه قال أحمد وجمهور العلماء (وقال أبو حنيفة) لا يجوز ووافقنا على أن الأمام لو حضر ولم يحضر معه للصلاة أحد جاز له الجمع، وعلى أن ألمأموم لو فاته الصلاتان بالمزدلفة مع الأمام جاز له أن يصليهما منفردًا جامعًا، فاحتج أصحابنا عليه بما وافق عليه. قال ومذهبنا أنه يسن الأسرار بالقراءة فى صلاتى الظهر والعصر بعرفات (ونقل ابن المنذر) إجماع العلماء عليه، قال وممن حفظ ذلك عنه طاوس. ومجاهد. والزهرى ومالك. والشافعى. وأحمد. واسحاق. وأبو ثور. وأبو حنيفة؛ هذا كلام ابن المنذر (ونقل أصحابنا) عن أبى حنيفة الجهر كالجمعة والله أعلم اهـ (وقال ابن المنذر) أجمع العلماء على أن الأمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكذلك من صلى مع الأمام، وذكر أصحاب الشافعى أنه لا يجوز الجمع إلا لمن بينه وبين وطنه ستة عشر فرسخًا إلحاقًأ له بالقصر، قال وليس بصحيح، فان النبى ﷺ جمع فجمع معه من حضره من المكبين وغيرهم ولم يأمرهم بترك الجمع
[ ١٢ / ١١٦ ]
-[الجمع بين حديثى جابر وابن عمر فى خطبة عرفة هل كانت قبل الصلاة أو بعدها]-
(٢) باب ما جاء فى التلبية والتكبير فى المسير الى عرفة
(٣١٨) عن محمَّد بن أبى بكرٍ الثقفىِّ أنَّه سأل أنس بن مالكٍ ﵁ وهما غاديان إلى عرفة كيف كنتم تصنعون فى هذا اليوم يعنى يوم عرفة مع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم؟ قال كنَّا يهل
_________________
(١) كما أمرهم بترك القصر فقال أتموا فانا سفر، ولو حرم الجمع بيَّنه لهم، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، قال ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين خلاف فى الجمع بعرفة والمزدلفة بل وافق عليه من لا يرى الجمع فى غيره (وفى الحديث الأول من حديثى الباب) التصريح بأن الخطبة كانت بعد الصلاة وهو مخالف لحديث جابر عند مسلم حيث قد صرح فيه بأن النبى ﷺ خطب أولًا فذكر نص الخطبة، قال ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر- الحديث، وعمل العلماء على حديث جابر (قال ابن حزم) رواية ابن عمر لا تخلوا عن وجهين لا ثالث لهما، إما أن يكون النبى ﷺ خطب كما روى جابر ثم جمع بين الصلاتين ثم كلم ﷺ ببعض ما يأمرهم ويعظمهم فيه، فسمى ذلك الكلام خطبة فيتفق الحديثان بذلك وهذا أحسن، فان لم يكن كذلك فحديث ابن عمر وهم والله أعلم اهـ (قلت) الظاهر الوجه الأول، لأن حديث ابن عمر سنده جيد وليس فيه إلا محمد بن اسحاق وهو ثقة وإن كان مدلسًا لكنه صرح فيه بالتحديث (وفي الحديث الثانى) من حديثى الباب مشروعية التعجيل بالذهاب من وادى عرنة بعد صلاتى الظهر والعصر الى الموقف بعرفة (قال النووى) فى شرح المهذب وهذا التعجيل مستحب بالأجماع لحديث سالم بن عبد الله بن عمر قال كتب عبد الملك بن مروان الى الحجاج أن يأتم بعبد الله بن عمر فى الحج، فلما كان يوم عرفة جاء ابن عمر وأنا معه حين زاغت الشمس فصاح عند فسطاطه أين هذا فخرج اليه فقال ابن عمر الرواح، فقال الآن؟ قال نعم. فسار بينى وبين أبى فقلت له إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فاقصر الخطبة وعجل الوقوف، فقال ابن عمر صدق، رواه البخارى، وفى صحيح مسلم عن جابر أن النبى ﷺ صلى الظهر والعصر ثم أتى الموقف اهـ والله أعلم
(٢) عن محمد بن أبى بكر الثقفى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو سلمة أنا مالك عن محمد بن أبى بكر الثقفى- الحديث» (غريبه) (١) من غدا يغدوا غدوًا، والمعنى وهما سائران من منى متوجهان الى عرفة غدوة (٢) أى من الذكر، ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن أبى بكر قلت لأنس غداة عرفة ما تقول في
[ ١٢ / ١١٧ ]
-[استحباب التلبية والتكبير فى المسير من منى الى عرفة]-
المهلُّ منَّا فلا ينكر عليه ويكبِّر المكبِّر منَّا ولا ينكر عليه
(٣١٩) عن ابن عمر ﵄ قال قد غدونا مع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم إلى عرفات منَّا المكبِّر ومنَّا الملبِّي
(٣٢٠) عن عبد الله بن أبى سلمة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر ﵄ قل كنَّا مع رسول الله ﷺ صبيحة عرفة منَّا المكبِّر ومنَّا المهلُّ، أما نحن نكبِّر، قال قلت العجب لكم كيف لم
_________________
(١) التلبية في هذا اليوم (١) يعنى يرفع صوته بالتلبية لأن الأهلال معناه رفع الصوت بالتلبية وقد جاء فى رواية للبخارى «كان يلبى الملبى لا ينكر عليه» وقوله فلا ينكر عليه بضم الياء على البناء للمفعول، أى لا يعيب أحد عليه، وقد جاء فى رواية موسى بن عقبة عند مسلم لا يعيب أحدنا على صاحبه (تخريجه) (ق. نس. جه)
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنبأنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن أبى سلمة عن ابن عمر- الحديث» (غريبه) (٢) قال العلامة السندى فى حاشيته على النسائى الظاهر أنهم كانوا يجمعون بين التلبية والتكبير، فمرة يلبى هؤلاء ويكبر آخرون، ومرة بالعكس، فيصدق فى كل مرة أن البعض يكبر والبعض يلبى، والظاهر أنهم ما فعلوا ذلك إلا لأنهم وجدوا النبى ﷺ فعل مثله، ثم رأيت أن الحافظ ابن حجر ذكر ما هو صريح فى ذلك، قال عند أحمد وابن أبي شيبة والطحاوى من طريق مجاهد عن معمر عن عبد الله (قال خرجت مع رسول الله ﷺ فما ترك التلبية حتى يرمى جمرة العقبة إلا أن يخالطها بتكبير) فالأقرب للعامل أن يأتى بالذكرين جميعًا لكن يكثر التلبية ويأتى بالتكبير فى أثنائها والله أعلم اهـ (قلت) الحديث الذى ذكره الحافظ وأشار اليه السندى تقدم فى الفصل الثالث من باب التلبية صحيفة ١٨١ رقم ١٥٥ وقول السندى ﵀ مرة يلبى هؤلاء ويكبر آخرون وبالعكس، ليس بلازم على هذا النظام، بل يجوز أن كل واحد منهم كان يجمع بين التلبية والتكبير بغير هذا النظام والله أعلم (تخريجه) (م. نس. هق)
(٣) عن عبد الله بن أبى سلمة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة عن عمر بن حسين عن عبد الله بن أبى سلمة- الحديث» (غريبه) (٣) القائل العجب لكم هو عبد الله بن أبي سلمة يخاطب
[ ١٢ / ١١٨ ]
-[الدليل على أن الوقوف بعرفة أهم أركان الحج]-
تسألوه كيف صنع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم
(٣) باب وجوب الوقوف بعرفة ووقته وكل عرفة موقف
(٣٢١) عن عبد الرَّحمن بن يعمر الدِّيلىِّ ﵁ فال شهدت رسول الله ﷺ وهو واقفٌ بعرفة وأتاه ناسٌ من أهل نجدٍ فقالوا يا رسول الله كيف الحجُّ؟ فقال الحجُّ عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمعٍ
_________________
(١) عبد الله بن عبد الله بن عمر كيف لم يسألوا عبد الله بن عمر عما كان يصنع رسول الله ﷺ هل كان يكبر أم يلبى، وأراد عبد الله بن أبى سلمة بذلك الوقوف على الأفضل، لأن الحديث يدل على التخيير بين التكبير والتلبية من تقريره ﷺ لهم على ذلك، فأراد أن يعرف ما كان يصنع هو ليعرف الأفضل من الأمرين، وتقدم فى باب التلبية فى الفصل الثالث منه صحيفة ١٨١ رقم ١٥٥ عن ابن مسعود ﵁ أن النبى ﷺ كان يخلط التلبية بالتكبير والله أعلم (تخريجه) (م. وغيره) (الأحكام) أحاديث الباب تدل على استحباب التلبية والتكبير فى الذهاب من منى الى عرفات يوم عرفة وتكون التلبية أكثر من التكبير وإلى ذلك ذهب الجمهور، وفى أحاديث الباب رد على من قال بقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة وبقية الأحكام تقدمت فى الشرح والله أعلم
(٢) عن عبد الرحمن بن يعمر الديلى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن بكير بن عطاء الليثى قال سمعت عبد الرحمن بن يعمر الديلى- الحديث» (غريبه) (١) بفتح التحتانية وسكون العين المهملة وفتح الميم ويضم غير منصرف (قال الحافظ) صحابى نزل الكوفة، ويقال مات بخراسان (٢) أى قالوا كيف حج من لم يدرك يوم عرفة؟ كما بوب عليه البخارى (٣) أى الحج الصحيح حج من أدرك يوم عرفة، قاله الشوكانى، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام- تقديره إدراك الحج وقوف عرفة (وقال القارى فى المرقاة) أى ملاك الحج ومعظم أركانه وقوف عرفة، لأنه يفوت بفواته (٤) أى ليلة المبيت بالمزدلفة (قال الشوكانى) وظاهره أنه يكفى الوقوف فى جزء من أرض عرفة ولو فى لحظة لطيفة فى هذا الوقت، وبه قال الجمهور، وحكى النووى قولًا أنه لا يكفى الوقوف ليلًا ومن اقتصر عليه فقد فاته الحج، والأحاديث الصحيحة ترده
[ ١٢ / ١١٩ ]
-[كلام العلماء فى تفسير أيام منى- وقوله فى الحديث فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه الخ]-
فقد تمَّ حجُّه، وأيَّام منى ثلاثة أيامٍ، فمن تعجَّل فى يومين فلا إثم عليه، ومن تأخرَّ فلا إثم عليه، ثمَّ أردف رجلًا خلفه فصار ينادي بهنَّ
(٣٢٢) عن عروة بن مضرَّس بن أوس بن حارثة بن لامٍ ﵁ أنَّه حجُ على عهد رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فلم يدرك النَّاس إلَّا ليلًا وهو بجمعٍ فانطلق إلى عرفاتٍ فأفاض منها ثمَّ رجع
_________________
(١) مرفوع على الابتداء وخبره ثلاثة أيام، ويقال لها الأيام المعدودة. وأيام التشريق. وأيام رمى الجمار، وهى الثلاثة التى بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها لأجماع الناس على أنه لا يجوز النفر فى اليوم التالى ليوم النحر، ولو مان يوم النحر من الثلاث لجاز أن ينفر من شاء فى ثانيه (٢) أى من أيام التشريق فنفر فى اليوم الثانى منها فلا إثم عليه فى تعجيله، ومن تأخر عن النفر فى اليوم الثانى من أيام التشريق إلى اليوم الثالث فلا إثم عليه فى تأخيره، وقيل المعنى من تأخر من الثالث إلى الرابع ولم ينفر مع العامة فلا إثم عليه، والتخيير هاهنا وقع بين الفاضل والأفضل لأن المتأخر أفضل (فان قيل) إنما يخاف الأثم المتعجل فما بال المتأخر الذى أتى بالأفضل الحق به (فالجواب) أن المراد من عمل بالرخصة وتعجل فلا إثم عليه فى العمل بالرخصة، ومن ترك الرخصة وتأخر فلا إثم عليه فى ترك الرخصة، وذهب بعضهم إلى أن المراد وضع الأثم عن المتعجل دون المتأخر. ولكن ذكرا معًا والمراد أحدهما أفاده الشوكانى (٣) أى بهذه الكلمات (تخريجه) (حب. ك. هق. قط. والأربعة) وقال الترمذى قال ابن أبى عمر قال سفيان بن عيينة وهذا أجود حديث رواه سفيان الثورى اهـ (قال الحافظ السيوطى) يعنى أجود حديث رواه من حديث اهل الكوفة، وذلك لأن أهل الكوفة يكثر فيهم التدليس والاختلاف، وهذا الحديث سالم من ذلك، فان النورى سمعه من بكير وسمعه بكير من عبد الرحمن وسمعه عبد الرحمن من النبى ﷺ ولم يختلف رواته فى اسناده وقام الأجماع على العمل به اهـ. ونقل ابن ماجه فى سننه عن شيخه محمد ابن يحيى ما أرى للنورى حديثًا أشرف منه اهـ
(٢) عن عروة بن مضرس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو نعيم قال ثنا زكريا عن الشعبى قال حدثنى عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة- الحديث» (غريبه) (٤) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة ثم سين مهملة (وقوله ابن لام) هو بوزن حام (٥) يعني المزدلفة
[ ١٢ / ١٢٠ ]
-[حجة القائلين بأن وقت الوقوف من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر]-
فأتى جمعًا فقال يا رسول الله أتعبت نفسى وأنصبت راحلتى فهل لى من حجٍّ؟ فقال من صلًّى معنا صلاة الغداة بجمع ووقف معنا حتَّى نفيض وقد أفاض قبل ذلك من عرفاتٍ ليلًا أو نهارًا فقد تمَّ حجه وقضى تفثه (وعنه من طريقٍ ثانٍ) قال أتيت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وهو بجمعٍ فقلت يا رسول الله جئتك من جبلى طيَّئ أتعبت نفسى الحديث
(*) «ز» على علىَّ بن أبى طالبٍ ﵁ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وقف بعرفة وهو مردفٌ أسامة بن زيدٍ
_________________
(١) أي أعييتها من التعب (٢) يعنى صلاة الصبح صبيحة ليلة المزدلفة (٣) تمسك به الأمام أحمد فقال وقت الوقوف لا يختص بما بعد الزوال، بل وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة وطلوعه يوم العيد، لأن لفظ الليل والنهار مطلقان، وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد بالنهار ما بعد الزوال بدليل أنه ﷺ والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله، فكأنهم جعلوا هذا الفعل مقيدًا لذلك المطلق ولا يخفى ما فيه (٤) قيل المراد به أنه أتى بما عليه من المناسك، والمشهور أن التفث ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر أو حلقه وحلق العانة ونتف الأبط وغيره من خصال الفطرة، ويدخل فى ذلك نحر البدن وقضاء جميع المناسك لأنه لا يقضى التفث الا بعد ذلك، وأصل التفث الوسخ والقذر (٥) تثنية جبل بالجيم، وهما جبل سلمى وجبل أجا. قاله المنذرى (وطيئ) بفتح الطاء وتشديد الياء بعدها همزة، وجاء فى بعض الروايات عند غير الأمام أحمد «حبلى طيئ» تثنية حبل بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الباء الموحدة، وهو ما اجتمع فاستطال وارتفع من الرمل (قال العلماء) الرمل اذا كان كذلك يقال له حبل بالحاء المهملة. فاذا كان من حجر يقال له جبل بالجيم، ورواية الترمذى كرواية الأمام أحمد والله أعلم (تخريجه) (الأربعة وغيرهم) وقال الترمذى هذا حديث حسن صحيح اهـ، وقال صاحب المنتقى هو حجة فى أن نهار عرفة كله وقت للوقوف والله أعلم (*) «ز» عن على ﵁- هذا طرف من حديث طويل تقدم بسنده وشرحه وتخريجه فى باب صفة حج النبى ﷺ صحيفة ٨٤ رقم ٦٥ وانما أثبته هنا لمناسبة ترجمة
[ ١٢ / ١٢١ ]
-[كل عرفة موقف وبيان حدود عرفة]-
فقال هذا الموقف وكل عرفة موقفٌ
(٣٢٣) عن جبير بن مطعمٍ ﵁ عن النَّبيَّ ﷺ قال كلُّ عرفاتٍ موقفٌ، وارفعوا عن بطن عرنة، وكلُّ مزدلفة موقفٌ وارفعوا عن محسِّرٍ، وكلُّ فجاج منًى منحرٌ، وكلُّ أيَّام التَّشريق ذبحٌ
(٣٢٤) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى حدَّثنا سفيان عن عمروٍ (يعني ابن دينارٍ) عن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن يزيد بن شيبان قال أتانا ابن مربعٍ
_________________
(١) الباب، أخرجه الترمذى بطوله وقال حديث حسن صحيح اهـ قلت وله شاهد من حديث جابر عند مسلم (غريبه) (١) يعنى الذى وقف فيه النبى ﷺ ويقف فيه كل امام، وهو عند الصخرات (وقوله وكل عرفة موقف) يعنى يصح الوقوف فيها، ولعرفات أربعة حدود، حد الى جادة طريق المشرق (والثاني) الى حافات الجبل الذى وراء أرضها (والثالث) الى البساتين التى تلى قرنيها على يسار مستقبل الكعبة (والرابع) وادى عرنة «بضم العين وبالنون وفتح الراء» وليست هى ولا نمرة من عرفات ولا من الحرم والله أعلم
(٢) عن جبير بن مطعم (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو المغيرة قال ثنا سعيد بن عبد العزيز قال حدثنى سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم- الحديث» (غريبه) (٢) أى تباعدوا (وعرنة) بضم العين المهملة وفتح الراء موضع بين منى وعرفة، وإنما أمرهم بالبعد عنها وعدم الوقوف فيها لأنها ليست من عرفة (٣) أى كما أن عرفات كلها موقف فكذلك المزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر فانها ليست منها، ولذلك أمرهم بالتباعد عنها (ومخسر) بصيغة اسم الفاعل. واد بين منى ومزدلفة، سمى بذلك لأن فيل أبرهة أعيا فيه فتحسر أبرهة وأصحابه على إعيائه فيه (٤) الفجاج بكسر الفاء جمع نج وهو الطريق الواسعة، والمراد أنها طريق من سائر الجهات (وقوله منحر) أى محل لنحر الهدايا، يعنى كل بقعة منها يصح النحر فيها. وهو متفق عليه. لكن الأفضل النحر فى المكان الذى نحر فيه النبى ﷺ. كذا قال الأمام الشافعى، ومنحر النبى ﷺ هو عند الجمرة الأولى التى تلى مسجد منى. كذا قال ابن التين، وحدُّ منى من وادى محسر الى العقبة (٥) أى فلا يختص الذبح بيوم العيد (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد والبزار والطبرانى في الكبير إلا أنه قال وكل فجاج مكة منحر ورجاله موثقون
(٣) حدّثنا عبد الله (غريبه) (٦) بكسر الميم وسكون الراء وفتح
[ ١٢ / ١٢٢ ]
-[صحة الوقوف على أى جزء من عرفة وإن بعد عن موقف الأمام]-
الأنصاري ﵁ ونحن فى مكان من الموقف بعيدٍ فقال إنَّى رسول الله إليكم، يقول كونوا على مشاعركم هذه فإنكم على إرثٍ من إرث إبراهيم، لمكانٍ تباعده عمره
(٣٢٥) عن سفيان عن عمر بن محمّد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال أضللت بعيرًا لى بعرفة فذهبت أطلبه فإذا النَّبىُّ صلَّى الله عليه وعلى
_________________
(١) الموحدة وقيل اسمه زيد. وقيل يزيد. وقيل عبد الله، والأول أكثر (١) يعنى بعرفة بعيدًا عن موقف النبى ﷺ؛ ولفظ أبى داود «أتانا ابن مربع ونحن بعرفة» (٢) أى مواضع نسككم ومواقفكم القديمة فانها جاءتكم من إرث ابراهيم، ولا تحقروا شأن موقفكم بسبب بعده عن موقف الأمام، والمشاعر جمع مشعر، سميت بذلك لأنها معالم العبادات (وقوله فانكم على إرث من إرث أبيكم ابراهيم) علة للأمر بالاستقرار والتثبت على الوقوف فى مواقفهم، علل ذلك بأن موقفهم موقف ابراهيم ورثوه منه ولم يخطئوا فى الوقوف فيه عن سنته فان عرفة كلها موقف، والواقف بأى جزء منها آت بسنته متبع لطريقته ولو بعدد موقفه عن موقف، النبى ﷺ (٣) الظاهر أن قوله (لمكان تباعده عمرو» مدرج من قول عمرو بن دينار، ومعناه أن المكان الذى كان فيه يزيد بن شيبان ومن معه حينما جاءهم الرسول كان بعيدًا عن موقف الأمام، ولهذا قال عمرو يعنى ابن عبد الله. أى عده بعيدًا والله أعلم (تخريجه) (الأربعة) قال الترمذى حديث مربع حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار، وابن مربع اسمه يزيد بن مربع الأنصارى، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد
(٢) عن سفيان عن عمر بن محمد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن عمر بن محمد- الحديث» (غريبه) (٤) هذا الحديث رواه سفيان مرة أخرى فقال عن عمر عن محمد فأتى بلفظ عن بدل ابن فذكر الحديث (٥) ظاهره أن ذلك كان بحجة الوداع كما ظنه السهيلى واستشكاله، وليس الأمر كذلك (قال القاضى عياض) كان ذلك فى حجة قبل الهجرة وكان جبير حينئذ كافرًا وأسلم يوم الفتح وقيل يوم خيبر، فتعجب من وقوف النبى ﷺ بعرفات والله أعلم اهـ وكان مجئ جبير الى عرفة ليطلب بعيره
[ ١٢ / ١٢٣ ]
-[اختصاص قريش بالوقوف بالمزدلفة بدل عرفة فى زمن الجاهلية وقصة الحمس]-
آله وصحبه وسلَّم واقفٌ، قلت إنَّ هذا من الحمس ما شأنه هاهنا
_________________
(١) لا ليقف بها (١) الحمس بضم الحاء المهملة وبالميم الساكنة وسين مهملة، هم قريش ومن اخذ مأخذها من القبائل من التحمس وهو التشدد (وقوله ما شأنه هاهنا) معناه أن جبير بن مطعم يتعجب من وقوف النبى ﷺ بعرفة وهو من الحمس وهم لا يقفون بعرفة، وإنما كانوا يقفون بالمزدلفة وكان سائر الناس يقف بعرفة، ويؤيد ذلك ما رواه ابن خزيمة وابن راهويه وابن اسحاق عن جبير بن مطعم قال كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة وتقول نحن الحمس فلا نخرج من الحرم وقد تركوا الموقف بعرفة على جمل له ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا توفيقًا من الله له (تخريجه) (ق. وغيرهما) (زوائد الباب روى مسلم فى صحيحه قال حدثنا أبو كريب حدثنا أسامة حدثنا هشام عن أبيه قال كانت العرب تطوف بالبيت عراة الا الحمس، والحمس قريش وما ولدت. كانوا يطوفون عراة الا أن تعطيهم الحمس ثيابًا، فيعطى الرجال الرجال والنساء النساء، وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة وكان الناس كلهم يبلغون عرفات «قال هشام» فحدثنى أبى عن عائشة ﵂ قالت الحمس هم الذين أنزل الله ﷿ فيهم ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ قالت كان الناس يفيضون من عرفات وكان الحمس يفيضون من المزدلفة يقولون لا نفيض الا من الحرم، فلما نزلت أفيضوا من حيث أفاض الناس رجعوا الى عرفات (وعند مسلم أيضًا) من حديث جابر الطويل فى صفة حج النبى ﷺ قال ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء الى الصخرات وجعل حبل المشاة «أى مجتمعهم» بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس (وعن ابن عباس) ﵄ عن النبى ﷺ قال عرفة كلها موقف ومنى كلها منحر (بز) ورجاله ثقات (وعنه أيضًا) قال قال رسول الله ﷺ كل مزدلفة مشعر وارتفعوا عن وادى محسر، وكل عرفة موقف وارتفعوا عن بطن عرنة (طس) وفيه محمد بن جابر الجعفى وهو ضعيف وقد وثق (وعن مجاهد عن ابن عباس) لا أعلمه إلا قال قال النبى ﷺ الحج عرفات (طس) وفيه خصيف وثقه ابن معين وغيره، وضعفه الأمام أحمد وغيره (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة احكام (منها) مشروعية الوقوف بعرفة وهو ركن من أركان الحج باجماع المسلمين بل هو أشهر أركانه لما ورد فى أحاديث الباب من قوله ﷺ الحج عرفة وهو حديث صحيح (قال النووى) فى شرح المهذب رواه الأربعة وآخرون بأسانيد صحيحة (ومنها) أنه يجوز الوقوف في
[ ١٢ / ١٢٤ ]
-[مذاهب العلماء فى حكم الوقوف بعرفة ووقته وتحديد عرفة]-
_________________
(١) أي جزء كان من أرض عرفات باجماع العلماء لقوله ﷺ فى حديث على المذكور فى الباب وكل عرفة موقف وهو حديث صحيح رواه الأمام أحمد والترمذى وصححه، ومثله لمسلم من حديث جابر (قال النووى) قال الشافعى والأصحاب وغيرهم من العلماء وأفضلها موقف رسول الله ﷺ وهو عند الصخرات الكبار المفترشة فى أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذى بوسط أرض عرفات، ويقال له إلال بكسر الهمزة على وزن هلال؛ وذكر الجوهرى فى صحاحه أنه بفتح الهمزة والمشهور كسرها اهـ ج. فان عجز عن الوقوف بموقف رسول الله ﷺ فليقرب منه بحسب الأمكان إن لم يترتب على ذلك ايذاء نفسه أو غيره وإلا حرم عليه ذلك (ومنها) أن يجمع فى الوقوف بعرفة بين الليل والنهار بحيث يبقى فى الوقوف حتى تغرب الشمس ويتحقق كمال غروبها ثم يفيض إلى مزدلفة (وهذا الجمع سنة عند الأئمة الثلاثة) (وقال الأمام مالك) بوجوبه (ومنها) أن وقت الوقوف ما بين طلوع فجر يوم عرفة وطلوع فجر يوم النحر (واليه ذهب الأمام أحمد) لقوله ﷺ فى حديث عروة بن مضرس «من صلى معنا الغداة بجميع ووقف معنا حتى نفيض وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه» قال لأن لفظ الليل والنهار مطلقان (وذهب الأئمة الثلاثة) إلى أن وقت الوقوف ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثانى يوم النحر، وأجابوا عن الحديث بأن المراد بالنهار ما بعد الزوال بدليل أنه ﷺ والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله، فكأنهم جعلوا هذا الفعل مقيد لذلك المطلق، والظاهر ما ذهب اليه الأمام أحمد، ويكون الوقوف بعد الزوال أفضل اقتداء برسول الله ﷺ كما أن الصلاة فى أول الوقت أفضل لمواظبته ﷺ على فعلها فى أول الوقت فمن وقف بعرفات فى جزء من هذا الزمان صح وقوفه، ومن فاته ذلك فاته الحج، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء (وقال الأمام مالك) ﵀ لا يصح الوقوف فى النهار منفردًا بل لابد من الليل، فان اقتصر على الليل كفاه، وإن اقتصر على النهار لم يصح وقوفه (ومنها) مشروعية استقبال القبلة فى الوقوف ولو راكبًا لما جاء فى حديث جابر عند مسلم «واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس- الحديث» هذا وقد بينت فى شرح حديث على المذكور فى الباب حدود عرفة وأن بطن عرنة ليست منها، فلو وقف بها لم يصح وقوفه عند جمهور العلماء، وحكى ابن المنذر (عن الأمام مالك) أنه يصح ويلزمه دم. وقد احتج الشافعية على المالكية بما رواه ابن ماجه عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبى ﷺ أنه قال «عرفة كلها موقف وارتفعوا عن عرنة» وضعفه النووى فى شرح المهذب ص ١٢٠ من الجزء الثامن بأن فيه من أجمع على تضعيفه ولا تقوم به حجة، ثم قال ورواه البيهقي من
[ ١٢ / ١٢٥ ]
-[كلام العلماء فيما لو صادف يوم عرفة يوم جمعة هل تصلى الجمعة أم لا؟]-
(٣) باب الوقوف على الدابة بعرفة والخطبة بها والدعاء
(٣٢٦) عن جبير بن مطعمٍ ﵁ قال رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قبل أن ينزل عليه وإنَّه لواقفٌ على بعيرٍ له بعرفاتٍ مع النَّاس حتَّى يدفع معهم منها توفيقًا من الله له
_________________
(١) رواية محمد بن المنكدر عن النبى ﷺ باسناد صحيح لكنه مرسل. ورواه باسناد صحيح موقوفًا على ابن عباس، ورأى النووى الاحتجاج على المالكية بهذين الحديثين المرسل والموقوف، وكأنه ﵀ لم يبلغه حديث جبير بن مطعم الرابع من أحاديث الباب رواه الأمام أحمد والبزار والطبرانى بسند جيد، ولو بلغه لم يلجأ الى الاحتجاج بالموقوف والمرسل، ولما احتاج الى الطالة فى توجيه ذلك ﵀ (تنبيه) قال النووى فى شرح المهذب قال الشافعى والأصحاب لو وافق يوم عرفة يوم جمعة لم يصلوا الجمعة هناك، لأن من شرطها دار الأقامة وأن يصليها مستوطنون، قال ولم يصل النبى ﷺ الجمعة بعرفات مع أنه ثبت فى الصحيحين من رواية عمر بن الخطاب ﵁ أن يوم عرفة الذى وقف فيه النبى ﷺ كان يوم جمعة والله أعلم اهـ، قال صاحب رحمة الأمة وإذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة لم تصل جمعة وذلك بمنى، وإنما يصلى الظهر ركعتين عند كافة الفقهاء (وقال أبو يوسف) يصلى الجمعة بعرفة، وقال القاضى عبد الوهاب وقد سأل أبو يوسف مالكًا عن هذه المسألة بحضرة الرشيد، فقال مالك سقاياتنا بالمدينة يعلمون أن لا جمعة بعرفة، وعلى هذا أهل الحرمين وهم أعرف من غيرهم بذلك والله أعلم
(٢) عن جبير بن مطعم ﵁ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب قال ثنا أبى عن ابن اسحاق قال حدثنى عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم الأنصارى عن عثمان بن أبى سليمان بن جبير بن مطعم- الحديث» (غريبه) (١) يعنى القرآن أو الوحى، يريد أن ذلك كان قبل البعثة وهو بمكة (٢) معنى ذلك أن النبى ﷺ خالف عادة قريش وهو من أعرقهم نسبًا حيث كانوا يقفون بالمزدلفة ترفعًا عن الناس، وكان عامة الناس يقفون بعرفة، فوقف ﷺ بعرفة مع العامة ودفع معهم قبل أن ينزل عليه ويأمره الله بذلك؛ وهذا من توفيق الله ﷿ له، فلما جاء الأسلام أمر الله قريشًا بالأفاضة من عرفة كما يفيض الناس فقال جل شأنه ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ وموضع الدلالة منه كونه رأى
[ ١٢ / ١٢٦ ]
-[استحباب الركوب على الراحلة فى موقف عرفات]-
(٣٢٧) عن الثَّريد بن سويدٍ ﵁ قال أشهد لوقفت مع رسول الله ﷺ بعرفاتٍ، قال فما مسَّت قدماه الأرض حتَّى أتى جمعًا
(٣٢٨) عن سلمة بن نبيطٍ عن أبيه ﵁ وكان قد حجَّ مع النَّبيِّ ﷺ قال رأيته يخطب يوم عرفة على بعيره (وفي لفظٍ) رأيت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يخطب عشيَّة عرفة على جملٍ أحمر
(٣٢٩) عن أبى مالكٍ الأشجعىَّ حدَّثنى نبيط بن شريطٍ ﵁ قال إنِّى لرديف أبى فى حجَّة الوداع إذ تكلم النَّبيِّ ﷺ فقمت على عجز الراحلة فوضعت يدي على عاتق أبى فسمعته يقول أيُّ يومٍ
_________________
(١) النبي ﷺ واقفًا على البعير بعرفات وإن كان ذلك قبل البعثة إلا أنه يدل على توفيق الله ﷿ لنبيه ﷺ لما يقره الأسلام، وقد ثبت ركوبه ﷺ بعرفة فى حجة الوداع كما سيأتى (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد ورجاله كلهم ثقات
(٢) عن الشريد بن سويد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا زكريا بن اسحاق أنا ابراهيم بن ميسرة أنه سمع يعقوب بن عاصم بن عروة يقول سمعت الشريد يقول اشهد- الحديث» (غريبه) (١) معناه أنه وقف مع النبى ﷺ ورآه راكبًا بعرفات لم ينزل عن بعيره حتى أتى جمعًا يعنى المزدلفة، وأتى بلفظ الشهادة تأكيدًا لذلك (تخريجه) (د) وسنده جيد
(٣) عن سلمة بن نبيط (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا وكيع ثنا سلمة بن نبيط- الحديث» (غريبه) (٢) يعنى فى حجة الوداع (٣) العشية ما بين الزوال الى المغرب (٤) زاد النسائى قبل الصلاة يعنى قبل صلاتى الظهر والعصر جمعًا ببطن عرنة كما تقدم، وهو موافق لحديث جابر عند مسلم فى أن الخطبة كانت قبل الصلاة وعليه كافة العلماء (تخريجه) (نس. جه) وسنده جيد
(٤) عن أبى مالك الأشجعى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة حدثنى أبو مالك الأشجعى- الحديث» (غريبه) (٥) قال الحافظ فى التقريب نبيط بالتصغير ابن شريط بفتح المعجمة الأشجعى الكوفى صحابى صغير يكنى أبا سلمة (٦) يعنى راكبًا خلفه على الراحلة (٧) إنما قام ليرى النبى ﷺ ويسمع
[ ١٢ / ١٢٧ ]
-[نص خطبة يوم عرفة وكلام العلماء فى ذلك]-
أحرم قالوا هذا اليوم، قال فأى بلدٍ أحرم؟ قالوا هذا البلد، قال فأى شهرٍ أحرم؟ قالوا هذا الشَّهر، قال فإنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، هل بلغت؟ قالوا نعم، قال اللَّهم أشهد. اللهمّ اشهد
_________________
(١) كلامه؛ وفيه دلالة على حرص الصحابة ﵃ على سماع العلم وتحصيله من النبى ﷺ حتى صغارهم (١) أى أعظم حرمة من سائر الأيام وهكذا يقال فى الباقى (٢) زاد فى بعض الطرق وأعراضكم، والعرض بكسر العين موضع المدح والذم من الأنسان سواء أكان فى نفسه أو سلفه (قال الحافظ) هذا الكلام على حذف المضاف أى سفك دمائكم وأخذ أموالكم وثلب أعراضكم (٣) أى متأكدة التحريم شديدته كحرمة يومكم هذا. يعنى يوم عرفة، فى شهركم هذا. يعنى ذا الحجة، فى بلدكم هذا. يعنى مكة (قال الحافظ) وفيه مشروعية ضرب المثل وإلحاق النظير بالنظير ليكون أوضح للسامع، وإنما شبه حرمة الدم والعرض والمال بحرمة اليوم والشهر والبلد لأن المخاطبين بذلك كانوا لا يرون تلك الأشياء ولا يرون هتك حرمتها ويعيبون على من فعل ذلك أشد العيب، وقال فى موضع آخر ومناط التشبيه فى قوله كحرمة يومكم وما بعده ظهوره عند السامعين لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتًا فى نفوسهم مقررًا عندهم. بخلاف النفس والأموال والأعراض، فكانوا فى الجاهلية يستبيحونها. فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبة من الشبه لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع اهـ (٤) زاد فى رواية مسلم من حديث جابر «ثلاث مرات» يعنى أنه ﷺ كرر لفظ اللهم اشهد ثلاث مرات. ومعناه اللهم اشهد على عبادك بأنهم قد أقروا أنى قد بلغت وكفى بك شهيدًا (فان قيل) ليس فى هذه الخطبة شئ من المناسك وكان مقتضى الظاهر أن يعلمهم المناسك بها (فالجواب) أنه ﷺ اكتفى بفعله للمناسك لأنه أوضح من القول، على أنه ﷺ كان يقول لهم فى بعض الأحيان ما يلزم من القول كما تقدم فى الأحاديث، ثم اعتنى بهذه الخطبة وخصها بأهم الأحكام العامة التى يحتاج الناس اليها ولا يسعهم جهلها لأن اليوم يوم اجتماع، وإنما تنتهز مثل هذه الفرصة لمثل هذه التى يراد تبليغها الى جمهور الناس والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه من حديث نبيط بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وسنده جيد، وأخرجه (نس. جه) بلفظ الحديث المتقدم
[ ١٢ / ١٢٨ ]
-[الدعاء بعرفة ورفع اليدين عنه]-
(٣٣٠) عن سلمة بن نبيطٍ الأشجعىَّ أنَّ أباه قد أدرك النَّبيَّ ﷺ وكان ردفًا خلف أبيه فى حجَّة الوداع، قال فقلت يا أبت أرنى النَّبيَّ ﷺ، قال قم فخذ بواسطة الرَّحل قال فقمت فأخذت بواسطة الرَّحل فقال انظر إلى صاحب الجمل الأحمر الذي يومئ بيده فى يده القضيب
(٣٣١) عن أبى سعيدٍ الخدرىَّ ﵁ قال وقف رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بعرفة فجعل يدعوا هكذا، وجعل ظهر كفيه ممَّا يلى وجهه ورفعهما فوق ثندوته وأسفل من منكبيه
_________________
(١) عن سلمة بن نبيط (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ابن موسى ثنا رافع بن سلمة الأشجعى وسالم بن أبي الجعد عن أبيه قال حدثنى سلمة بن نبيط الأشجعى- الحديث» (غريبه) (١) انما قال له خذ بواسطة الرحل لأنه كان فى مؤخرته لا يرى النبى ﷺ فأمره بالانتقال الى واسطة الرحل ليتمكن من رؤية النبى ﷺ وسماع كلامه، وفيه استحباب حث الأولاد على تعليم العلم وان كانوا صغارًا (٢) معناه انظر الى راكب الجمل الأحمر الذى يتكلم ويشير الى الناس بقضيب فى يده فهو النبى ﷺ (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام احمد وأخرجه (د. نس. جه) بلفظ رأيت رسول ﷺ يخطب يوم عرفة على جمل أحمر؛ زاد النسائى فى رواية «قبل الصلاة» وسنده جيد، وللأمام أحمد غير هذا الحديث فى خطبة عرفة سيأتى فى أبواب خطب النبى ﷺ من كتاب السيرة النبوية، وقد اكتفيت بما هنا خوف الأطالة
(٢) عن أبى سعيد الخدرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس ثنا حماد يعنى ابن سلمة عن بشر بن حرب قال سمعت أبا سعيد يقول وقف رسول الله ﷺ ٠ الحديث» (غريبه) (٣) الظاهر أن هذه كيفية من كيفيات رفع اليدين فى الدعاء، وقد جاء فيه كيفيات متعددة نقدم الكلام عليها فى باب رفع اليدين عند الدعاء فى الاستسقاء صحيفة ٢٤٦ فى الجزء السادس فارجع اليه ان شئت (٤) الثندوة بضم أوله ويجوز الفتح ثم نون ساكنة ثم دال مهملة مضمومة، لحم الثدى أو أصله. كذا فى القاموس (٤) تثنية منكب بوزن مسجد. مجتمع رأس الكتف والعضد مذكر. وناحية كل شيء، جمعه مناكب. ومنه قوله تعالى ﴿فامشوا فى مناكبها﴾ (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام
[ ١٢ / ١٢٩ ]
-[زوائد الباب- وخطبة يوم عرفة من حديث جابر]-
(٣٣٢) عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال كان أكثر دعاء رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يوم عرفة لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كلِّ شئٍ قديرٌ
_________________
(١) أحمد، وفي إسناده بشر بن حرب (قال الحافظ) فى التقريب صدوق فيه لين
(٢) عن عمرو بن شعيب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا محمد بن أبى حميد أخبرنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- الحديث» (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد، وأورده الهيثمى وقال رواه أحمد ورجاله موثقون (زوائد الباب) (عن جابر بن عبد الله) ﵄ أن رسول الله ﷺ خطب الناس «يعنى يوم عرفة» وقال إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمىَّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا من بنى سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانًا. ربا عباس بن عبد المطلب فانه موضوع كله، فاتقوا الله فى النساء فانكم أخذتموهن. بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال باصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس. اللهم اشهد اللهم اشهد. ثلاث مرات، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر- الحديث، رواه مسلم من حديث جابر فى صفة حج النبى ﷺ (وقوله فقال بأصبعه السبابة) أى أشار بها الى السماء (وقوله ينكتها الى الناس) قال النووى هكذا ضطبناه ينكتها بعد الكاف تاء مثناة فوق (قال القاضى) كذا الرواية بالتاء المثناة فوق. قال وهو بعيد المعنى، قال قيل صوابه ينكبها بباء موحدة، قال ورويناه فى سنن أبى داود بالتاء المثناة من طريق ابن الأعرابى، وبالموحدة من طريق أبى بكر التمار، ومعناه يقلبها ويرددها الى الناس مشيرًا اليهم، ومنه نكب كنانته إذا قلبها؛ هذا كلام القاضى اهـ (وعن ابن عباس ﵄) قال كان فيما دعا به رسول الله ﷺ فى حجة الوداع اللهم انك تسمع كلامى وتعلم مكانى وتعلم سرى وعلانيتى، لا يخفى عليك شئ من أمرى، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، أبتهل إليك ابتهال
[ ١٢ / ١٣٠ ]
-[زوائد الباب فى تجلى الله ﷿ على عباده يوم عرفة واستجابة دعائهم]-
_________________
(١) المذنب الذليل. وأدعوك دعاء الخائف الضرير؛ من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه وذل جسده ورغم لك أنفه. اللهم لا تجعلنى بدعائك شقيًا، وكن بى رءوفًا رحيمًا يا خير المسئولين ويا خير المعطين. أورده الهيثمى وقال رواه والطبرانى في الكبير والصغير وزاد «الوجل المشفق» وفيه يحيى بن صالح الأيلى (قال العقيلى) روى عنه يحيى بن بكير مناكير. وبقية رجاله رجال الصحيح (وعن ابن عمر) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ إذا كان عشية عرفة لم يبق أحد فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان إلا غفر له؛ قلت يا رسول الله أهل عرفة خاصة؟ قال بل للمسلمين عامة (طب) وفيه أبو داود الأعمى وهو ضعيف جدًا (وعن ربيعة بن عباد) عن أبيه قال رأيت رسول الله ﷺ واقفًا مع المشركين بعرفات ثم رأيته بعد ما بعث واقفًا فى موقفه ذلك فعلمت أن الله ﷿ وفقه لذلك (طب) وفيه عطاء ابن السائب وهو ثقة ولكن اختلط (وعن عبد الله بن مسعود ﵁) عن النبى ﷺ قال من قام ليلة عرفة هذه العشر كلمات ألف مرة لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إلا قطيعة رحم أو مأثم، سبحان الذى فى السماء عرشه- سبحان الذى فى الأرض موطئه. سبحان الذى فى سبيه. سبحان الذى فى النار سلطانه. سبحان الذى فى الجنة رحمته. سبحان الذى فى القبور قضاؤه. سبحان الذى فى الهواء روحه. سبحان الذى رفع السماء. سبحان الذى وضع الأرض. سبحان الذى لا منجا منه إلا إليه (عل. طب) وفيه عزرة بن قيس ضعفه ابن معين (وعن عبادة بن الصامت) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يوم عرفة أيها الناس إن الله ﷿ تطول عليكم فى هذا اليوم فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم، ووهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، فادفعوا باسم الله، فلما كان بجمع قال إن الله قد غفر لصالحيكم، وشفع صالحيكم فى طالحيكم، تنزل الرحمة فتعمهم، ثم تفرق المغفرة فى الأرض فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده، وإبليس وجنوده على جبل عرفات ينظرون ما يصنع الله بهم، فاذا نزلت المغفرة دعا هو وجنوده بالويل، يقول كنت أستفزهم حقبًا من الدهر ثم جاءت المغفرة فغشيتهم، فيتفرقون وهم يدعون بالويل والثبور (طب) وفيه راو لم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح (وعن أنس بن مالك ﵁) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله تطول على أهل عرفات يباهى بهم الملائكة، يقول يا ملائكتى انظروا إلى عبادى شعثًا غبرًا، أقبلوا يضربون إلى من كل فج عميق، فأشهدكم أنى قد أجبت دعاءهم. وشفعت رغبتهم. ووهبت مسيئهم لمحسنهم. وأعطيت محسنهم، جميع ما سألونى غير التبعات التى بينهم، فاذا أفاض القوم إلى جمع ووقفوا وعادوا فى الرغبة والطلب إلى الله. فيقول يا ملائكتى عبادى وقفوا فعادوا فى الرغبة والطلب، فأشهدكم أنى قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم
[ ١٢ / ١٣١ ]
-[أكثر ما دعا به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يوم عرفة]-
_________________
(١) ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت محسنهم جميع ما سألونى، وكفلت عنهم التبعات التى بينهم، (عل) وفيه صالح المرى وهو ضعيف، أورد هذه الحاديث الحافظ الهيثمى وتكلم عليها جرحًا وتعديلًا (وعن ابن عباس ﵄) قال رأيت رسول الله ﷺ يدعو بعرفة يداه إلى صدره كاستطعام المسكين (هق) (وعن موسى بن عبيدة) عن أخيه عبد الله بن عبيدة عن على ﵁ قال قال رسول الله ﷺ أكثر دعائى ودعاء الأنبياء قبلى بعرفة لا إله الا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، اللهم اجعل فى قلبى نورًا. وفى سمعى نورًا. وفى بصرى نورًا، اللهم اشرح لى صدرى ويسر لى أمرى، واعوذ بك وسواس الصدر وشتات الأمر وفتنة القبر، اللهم إنى أعوذ بك من شر ما يلج فى النهار. وشر ما تهب به الرياح. ومن شر بوائق الدهر (هق) وقال تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف، ولم يدرك أخوه عليًا ﵁، قال (وروينا عن أبى شعبة) أنه قال رمقت ابن عمر وهو بعرفة لأسمع ما يدعو، قال فما زاد على أن قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير اهـ (وقال ابن قدامة) فى المغنى سئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، فقيل له هذا ثناء، فقال أما سمعت قول الشاعر: أأذكر حاجتى أم قد كفانى حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يومًا كفاه من تعرضه الثناء اهـ (وفى كتاب الترمذى) عن على ﵁ قال أكثر ما دعا النبى ﷺ يوم عرفة فى الموقف اللهم لك الحمد كالذى نقول وخير مما نقول، اللهم لك صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى واليك مآبى، لك رب قرآنى. اللهم انى أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر، اللهم إنى أعوذ بك من شر ما تجئ به الريح، أورده النووى فى شرح المهذب وضعف اسناده، قال لكن معناه صحيح، قال واحاديث الفضائل يعمل فيها بالضعيف؛ قال وروينا عن طلحة بن عبيد الله أحد العشرة ﵃ قال قال رسول الله ﷺ ما رئى الشيطان أصفر ولا أخضر ولا أدبر ولا أغيظ منه فى يوم عرفة، وما ذاك إلا أن الرحمة تنزل فيه فيتجاوز عن الذنوب العظام (وعن سالم بن عبد الله بن عمر) أنه رأى سائلًا يسأل الناس يوم عرفة فقال يا عاجز فى هذا اليوم يسأل غير الله تعالى (وعن الفضل بن عياض) ﵀ أنه نظر الى بكاء الناس بعرفة فقال أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا الى رجل فسألوه دانقًا أكان يردهم؟ قيل لا: قال والله للمغفرة عند الله أهون من أجابة رجل لهم بدانق وبالله التوفيق اهـ (وعن عائشة ﵂) أن رسول الله ﷺ قال ما من
[ ١٢ / ١٣٢ ]
-[كلام العلماء في الخطبة يوم عرفة وهل الأفضل الركوب فى الموقف أو عدمه]-
_________________
(١) يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهى بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء، رواه مسلم فى صحيحه (الأحكام) فى أحاديث الباب دلالة على مشروعية الركوب فى موقف عرفة (وذهب جمهور العلماء الى استحبابه) وأنه أفضل من الوقوف على القدم لمن تيسرت له الدابة اقتداء بالنبى ﷺ ولأنه اعون على الدعاء وهو المهم فى هذا الموضع (وللشافعية فى ذلك ثلاثة أقوال) أصحها راكبًا أفضل لما ذكرنا وهو المنصوص فى القديم، ذكره صاحب المهذب وأصحاب الشافعى وبه قطع المحاملى والماوردى وآخرون وصححه الباقون (والثانى) ترك الركوب أفضل لأنه أشبه بالتواضع والخضوع (والثالث) هما سواء وهو نص الأمام الشافعى فى الأم لتعادل الفضيلتين (وللحنابلة تفصيل) بنحو هذا (قال ابن قدامة) فى المغنى والأفضل أن يقف راكبًا على بعيره كما فعل النبى ﷺ فان ذلك أعون له على الدعاء (قال أحمد) حين سئل عن الوقوف راكبًا فقال النبى ﷺ وقف على راحلته، وقيل الراجل أفضل لأنه أخف على الراحلة، ويحتمل التسوية بينهما اهـ (وفى أحاديث الباب أيضًا) دلالة على مشروعية الخطبة يوم عرفة وهى مستحبة عند جمهور العلماء (قال النووى) فى شرح المهذب مذهبنا أنه مستحب فى الحج أربع خطب، وهى يوم السابع بمكة من ذى الحجة، ويوم عرفة بمسجد ابراهيم، ويوم النحر بمنى، ويوم النفر الأول بمنى أيضًا، وبه قال داود (وقال مالك وأبو حنيفة) خطب الحج ثلاث، يوم السابع والتاسع، ويوم النفر الثانى، قالا ولا خطبة فى يوم النحر (وقال أحمد) ليس فى السابع خطبة (وقال زفر) خطب الحج ثلاث، يوم الثامن. ويوم عرفة. ويوم النحر. ولقد ذكرنا، دليلنا فى خطبة السابع وخطبة يوم عرفة اهـ (قلت) الدليل على الخطبة فى اليوم السابع من ذى الحجة ما رواه البيهقى عن ابن عمر ﵄ قال كان رسول الله ﷺ اذا كان قبل التروية بيوم خطب الناس أخبرهم بمناسكهم (قال النووى) واسناده جيد قال قال أصحابنا وكل هذه الخطب الأربع أفراد وبعد صلاة الظهر الا التى بعرفات فانهما خطبتان وقبل صلاة الظهر وبعد الزوال، قال ويذكر لهم فى كل واحدة من هذه الخطب ما بين أيديهم من المناسك وأحكامها وما يتعلق بها الى الخطبة الأخرى انتهى (قلت) لم يذكر الأمام أحمد شيئًا فى مسنده عن خطبة اليوم السابع ولم يقل بها، والظاهر أنه لم يصح عنده هذا الحديث ولا غيره فيها، وذكر الهيثمى فى ذلك لابن الزبير ﵄ خطبة طويلة أعرضت عن ذكرها لطولها، ولأنها غير مرفوعة وفى سند حديثهما طعن (قال الهيثمى) بعد ايراده، رواه الطبرانى في الكبير وفيه سعيد بن المرزبان وقد وثق وفيه كلام كثير، وفيه غيره ممن لم أعرفه (وأما دليل خطبة يوم عرفة) فما ذكر في أحاديث الباب
[ ١٢ / ١٣٣ ]
-[آداب تتعلق بالذكر والدعاء ينبغى أن يحرص عليها الحاج يوم عرفة]-
_________________
(١) وما رواه مسلم من حديث جابر ذكرته فى الزوائد (وفى أحاديث الباب أيضًا) مشروعية الذكر والدعاء بما ورد فيها مع رفع اليدين بالكيفية المتقدمة، وله أن يدعو بأى دعاء شاء والوارد أفضل (قال النووى) فى شرح المهذب السنة أن يكثر من الدعاء والتهليل والتلبية والاستغفار والتضرع وقراءة القرآن، فهذه وظيفة هذا اليوم ولا يقصر فى ذلك وهو معظم الحج ومطلوبه؛ وقد سبق فى الحديث الصحيح أن النبى ﷺ «قال الحج عرفة» فينبغى أن لا يقصر فى الاهتمام بذلك واستفراغ الوسع فيه، ويكثر من هذا الذكر قائمًا وقاعدًا ويرفع يديه فى الدعاء ور يجاوز بهما رأسه، ويستحب أن يخفض صوته بالدعاء، ويكره الأفراط فى رفع الصوت لحديث أبى موسى الأشعرى ﵁ قال «كنا مع النبى ﷺ فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ورفعت آصواتنا فقال النبى ﷺ يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فانكم لا تدعون صمًا ولا غائبًا انه معكم. انه سميع قريب» رواه البخارى ومسلم «قلت والأمام أحمد أيضًا» اربعوا بفتح الباء الموحدة، أى ارفقوا بأنفسكم، ويستحب أن يكثر التضرع والخشوع والتذلل والخضوع وإظهار الضعف والافتقار ويلح فى الدعاء ولا يستبطئ الأجابة، بل يكون قوى الرجاء للاجابة لحديث أبى هريرة عن النبى ﷺ قال «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول قد دعوت ولم يستجب لى» رواه البخارى ومسلم «قلت والأمام أحمد أيضًا» (وعن عبادة بن الصامت) أن رسول الله ﷺ قال ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف من السوء مثلها ما لم يدع باثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم إذا نكثر، قال الله أكثر، رواه الترمذى وقال حديث حسن صحيح، قال ويستحب أن يكرر كل دعاء ثلاثًا ويفتتح دعاءه بالتحميد والتمجيد لله تعالى والتسبيح والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ويختمه بمثل ذلك، وليكن متطهرًا متباعدًا عن الحرام والشبه فى طعامه وشرابه ولباسه ومركوبه وغير ذلك مما معه فان هذه آداب لجميع الدعوات، ويكثر من التلبية رافعًا بها صوته، وينبغى أن يأتى بالأذكار المتقدمة كلها فتارة يهلل وتارة يكبر وتارة يسبح وتارة يقرأ القرآن وتارة يصلى على النبى ﷺ وتارة يدعو وتارة يستغفر، ويدعو مفردًا وفى جماعة. وليدع لنفسه ولوالديه ومشايخه وأقاربه وأصحابه وأصدقائه وأحبابه وسائر من أحسن اليه وسائر المسلمين، وليحذر كل الحذر من التقصير فى شئ من هذا فان هذا اليوم لا يمكن تداركه بخلاف غيره، وينبغى أن يكرر الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الندم بالقلب، وأن يكثر البكاء مع الذكر والدعاء، فهناك تسكب العبرات وتستقال العثرات وترتجى الطلبات، وإنه لمجمع عظيم وموقف جسيم يجتمع فيه خيار عباد الله الصالحين وأوليائه المخلصين والخواص من المقربين، وهو أعظم مجامع الدنيا، وقد قيل إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكم أهل الموقف اهـ والله أعلم
[ ١٢ / ١٣٤ ]
-[استحباب السكينة والوقار فى السير من عرفة إلى المزدلفة]-
(٤) باب وقت الدفع من عرفة الى مزدلفة والنزول بين عرفة وجمع
(٣٣٣) عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسامة بن زيدٍ ﵄ قال كنت رديف رسول الله ﷺ عشيَّة عرفة، قال فلمَّا وقعت الشَّمس دفع رسول الله ﷺ فلمَّا سمع حطمة النَّاس خلفه قال رويدًا أيُّها النَّاس عليكم السَّكينة فإن البرَّ ليس بالإبضاع قال فكان رسول الله ﷺ إذا التحم عليه النَّاس أعنق وإذا وجد فرجة نصَّ (وفى لفظٍ والنَّص فوق العنق) حتى مرَّ بالشِّعب الَّذى يزعم كثيرٌ من النَّاس أنَّه صلَّى فيه (وفي لفظٍ
_________________
(١) عن هشام بن عروة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن اسحاق حدثنى هشام بن عروة- الحديث» (غريبه) (١) أى راكبًا خلفه على راحلته، وفيه الركوب حال الدفع من عرفة والارتداف على الدابة إذا كانت مطبقة (٣) أى غربت وتحقق دخول الليل (٣) أى ازدحامهم وسوقهم الأبل بشدة (٤) أى امهلوا وتأنوا والزموا السكينة فى السير والمراد السير بالرفق وعدم المزاحمة (٥) الأيضاع هو السير السريع، ويقال هو سير مثل الخبب، فبين ﷺ أن تكلف الأسراع فى السير ليس من البر أى ليس مما يتقرب به الى الله، ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لما خطب بعرفة «ليس السابق من سبق بعيره وفرسه. ولكن السابق من غفر له» وقال المهلب إنما نهاهم عن الأسراع إبقاء عليهم لئلا يحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة (٦) أى اجتمعوا والتصقوا به (وقوله أعنق) من العنق بفتح المهملة والنون، وهو السير الذى بين الأبطاء والأسراع، وفى المشارق أنه سير سهل فى سرعة (٧) فى بعض الروايات فجوة. والمعنى واحد وهو المكان المتسع (وقوله نص) بفتح النون وتشديد المهملة أى أسرع (قال ابن عبد البر) فى هذا الحديث كيفية السير فى الدفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة، ومن الأسراع عند عدم الزحام (٨) هذا اللفظ من كلام هشام بن عروة كما جاء فى الموطأ، قال مالك قال هشام بن عروة «والنص فوق العنق» أى أرفع منه فى السرعة (وقوله حتى مر بالشعب) بكسر الشين المعجمة وهو الطريق بين جبلين والمراد به هنا
[ ١٢ / ١٣٥ ]
-[بيان أن النزول بين عرفة ومزدلفة ليس من المناسك]-
فأتى النَّقب الَّذى ينزل المراء والخلفاء) فنزل به فبال، ما يقول أهراق الماء كما يقولون، ثمَّ جئته بالإداوة فتوضَّأ، ثمَّ قال قلت الصَّلاة يا رسول الله قال فقال الصَّلاة أمامك، قال فركب رسول الله ﷺ وما صلَّى حتَّى أتى المزدلفة فنزل بها، فجمع بين الصَّلاتين المغرب والعشاء الآخرة
_________________
(١) مكان قريب من المزدلفة كما صرح بذلك فى رواية البخارى، قال فلما بلغ رسول الله ﷺ الشعب الأيسر الذى دون المزدلفة أناخ فبال- الحديث (١) بفتح النون مشددة وسكون القاف بمعنى الشعب وهو الطريق بين جبلين كما تقدم (٢) جاء فى بعض طرقه فلما جاء الشعب الذى يصلى فيه الخلفاء الآن المغرب- الحديث. وظاهره أن الخلفاء كانوا يصلون المغرب عند الشعب المذكور قبل دخول وقت العشاء (قال الحافظ) وهو خلاف السنة فى الجمع بين الصلاتين بمزدلفة، قال ووقع عند مسلم من طريق محمد بن عقبة عن كريب لما أتى الشعب الذى ينزله الأمراء، وله من طريق ابراهيم بن عقبة عن كريب «الشعب الذى ينيخ الناس فيه للمغرب» والمراد بالخلفاء والأمراء فى هذا الحديث بنو أمية فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك، وقد جاء عن عكرمة انكار ذلك (وروى الفاكهى) أيضًا من طريق ابن أبى نجيح سمعت عكرمة يقول اتخذه رسول الله ﷺ مبالًا واتخذتموه مصلى، وكأنه أنكر بذلك على من ترك الجمع بين الصلاتين لمخالفته السنة فى ذلك وكان جابر يقول لا صلاة الا بجمع، أخرجه ابن المنذر باسناد صحيح اهـ (٣) المعنى أن عروة بن الزبير راوى الحديث عن أسامة يقول إن أسامة قال فبال بلفظ البول وما كنى عنه كما يقول الناس فى البول أهراق الماء (بفتح الهاء) قال النووى ﵀ فيه أداء الرواية بحروفها، وفيه استعمال صريح الألفاظ التى قد تستبشع ولا يكنى عنها إذا دعته الحاجة الى التصريح بأن خيف ليس المعنى أو اشتباه الألفاظ أو غير ذلك (٤) الأداوة بكسر الهمزة اناء صغير يستعمل للوضوء (٥) القائل هو أسامة «والصلاة» منصوبة بفعل مقدر أى تذكر الصلاة أو صل، ويجوز الرفع على تقدير حضرت الصلاة مثلًا (وقوله الصلاة أمامك) بالرفع وأمامك بفتح الهمزة بالنصب على الظرفية، أى الصلاة ستصلى بين يديك، وأطلق الصلاة على مكانها أى المصلى بين يديك أو معنى أمامك لا تفوتها وستدركها، وفيه تذكير التابع بما ترك متبوعه بفعله أو يعتذر عنه أو يبين له وجه الصواب فيه (٦) أى جمع تأخير فى وقت العشاء (تخريجه) (ق. وغيرهما)
[ ١٢ / ١٣٦ ]
-[كلام العلماء فى وضوء النبى ﷺ عندما نزل بالشعب الذى بين عرفة ومزدلفة]-
(٣٣٤) عن إبراهيم بن عقبة أخبرنى كريب أنَّه سأل أسامة بن زيدٍ قال قلت أخبرنى كيف صنعتم عشيَّة ردفت رسول الله ﷺ؟ قال جئنا الشَّعب الَّذى ينيخ فيه النَّاس للمغرب فأناخ رسول الله ﷺ ناقته ثمَّ بال ماءًا، وما قال أهراق الماء، ثمَّ دعا بالوضوء فتوضَّأ وضوء ليس بالبالغ جدًّا قال قلت يا رسول الله الصَّلاة، قال الصَّلاة أمامك، قال فركب حتَّى قدم المزدلفة فأقام المغرب ثمَّ أناخ النَّاس فى منازلهم ولم يحلوُّا حتَّى أقام العشاء فصلَّى
_________________
(١) عن إبراهيم بن عقبة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن آدم ثنا زهير ابراهيم بن عقبة- الحديث» (غريبه) (١) بفتح الواو أى الماء لذى يتوضأ به (٢) أى وضوءًا خفيفًا كما صرح بذلك فى رواية عند الشيخين أى خففه بأن توضأ مرة مرة. أو خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته. وهو معنى قوله فى رواية مالك عند البخارى بلفظ فلم يسبغ الوضوء (قال القرطبى) اختلف الشراح فى قوله ولم يسبغ الوضوء هل المراد به أنه اقتصر على بعض الأعضاء فيكون وضوءًا لغويًا أو اقتصر على بعض العدد فيكون وضوءًا شرعيًا؟ قال وكلاهما محتمل. لكن يعضد من قال بالثانى قوله فى الرواية الأخرى وضوءًا خفيفًا لأنه لا يقال فى الناقص خفيف، ومن موضحات ذلك قول أسامة له الصلاة فانه يدل على أنه رآه يتوضأ وضوءه للصلاة، ولذلك قال أتصلى، كذا قال ابن بطال وفيه نظر. لأنه لا مانع أن يقول له ذلك لاحتمال أن مراده أتريد الصلاة فلم لم تتوضأ وضوءها، وجوابه بأن الصلاة أمامك معناه أن المغرب لا تصلى هنا فلا تحتاج الى وضوء الصلاة، وكأن أسامة ظن أنه ﷺ نسى صلاة المغرب ورأى وقتها قد كاد أن يخرج أو خرج فأعلمه النبى ﷺ أنها فى تل الليلة يشرع تأخيرها لتجمع بعد العشاء بالمزدلفة. ولم يكن أسامة يعرف تلك السنة قبل ذلك «وفى رواية للشيخين» أن النبى ﷺ توضأ بعد ذلك فأسبغ الوضوء وذلك حينما نزل بالمزدلفة (قال الخطابى) إنما ترك اسباغه حين نزل الشعب ليكون مصطحبًا للطهارة فى طريقه، وتجوَّز فيه لنه لم يرد أن يصلى به؟ فلما نزل وأرادها أسبغته. أفاده الحافظ (٣) لفظ البخارى والأمام أحمد فى رواية «فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل انسان بعيره فى منزله ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يصل بينهما» وهذه الرواية تفيد أنه ﷺ توضأ وضوءًا آخر غير وضوئه في الشعب، ونقدم
[ ١٢ / ١٣٧ ]
-[نزول ابن عمر ﵄ بالشعب الذى بين عرفة ومزدلفة تأسيًا بالنبى ﷺ]-
ثمَّ حلَّ النَّاس، قال فقلت كيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال ردفه الفضل بن عبَّاسٍ وانطلقت أنا فى سبَّاق قريشٍ على رجلىَّ
(٣٣٥) عن أنس بن سيرين قال كنت مع ابن عمر بعرفاتٍ فلمَّا كان حين راح رحت معه حتَّى أتى الإمام فصلَّى معه الأولى والعصر، ثمَّ وقف معه وأنا وأصحابٌ لى حتَّى أفاض الإمام فأفضنا معه حتَّى انتهينا إلى المضيق دون المأزمين فأناخ وأنخنا ونحن نحسب أنَّه يريد أن يصلِّى، فقال غلامه الّذى يمسك راحلته إنه ليس يريد الصَّلاة. ولكنَّه ذكر أن النَّبيَّ ﷺ لمَّا انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته؛ فهو يحبُّ أن يقضي حاجته
_________________
(١) الكلام عليه آنفًا، وتتفق مع رواية الأمام أحمد فى أنهم لم يزيدوا بين الصلاتين على الأناخة، وكأنهم صنعوا ذلك رفقًا بالدواب أو للأمن من تشويشهم بها، وفيه اشعار بأنه خفف القراءة فى الصلاتين، وفيه أنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين اللتين يجمع بينهما ولا يقطع ذلك الجمع (١) أى ركب خلف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فى النفر من مزدلفة إلى منى (٢) أى الذين سبقوا إلى رمى الجمرة (وقوله على رجلىّ) أى كنت راجلًا حينئذ (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن أنس بن سيرين (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد بن هارون أنا عبد الملك عن أنس بن سيرين- الحديث» (غريبه) (٣) يعنى الظهر سميت أولى لاشتراكها مع العصر فى الوقت، ولذلك يقال لها مع العصر الظهران. كما يقال للمغرب والعشاء العشاءان، والمراد صلاهما مع الأمام بعرفة جمع تقديم (٤) المضيق بكسر الضاد المعجمة ما ضاق من الأماكن، والمراد به هنا المكان الضيق بين المأزمين، والمأزمان بهزة ساكنة بعد الميم الأولى وبعدها زاى مكسورة. وهما مثنيان واحدهما مأزم. ويجوز تخفيف الهمزة بقلبها الفًا، وهما جبلان بين عرفات ومزدلفة بينهما طريق، وهو المعبر عنه هنا بالمضيق لكونه ضيقًا، هذا معناه عند الفقهاء والمحدثين، وأما أهل اللغة فقالوا المأزم الطريق الضيق بين الجبلين، وذكر الجوهرى قولًا آخر فقال المأزم أيضًا موضع الحرب، ومنه سمى الموضع الذى بين مزدلفة وعرفة مأزمين اهـ (٥) أى لأن المعروف عن ابن عمر ﵄ أنه كان أشد الصحابة اقتداء برسول الله ﷺ فى كل أحواله حتى المباح منها ﵁ (تخريجه) لم أقف
[ ١٢ / ١٣٨ ]
-[حديث ابن مسعود فى كيفية الأفاضة من عرفة والصلاة بمزدلفة والمبيت بها]-
(٣٣٦) عن عبد الرَّحمن بن يزيد قال حججنا مع ابن مسعودٍ ﵁ فى خلافة عثمان ﵁، قال فلمَّا وقفنا بعرفة قال فلمَّا غابت الشَّمس قال ابن مسعودٍ لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن كان قد أصاب قال فلا أدرى أكلمة ابن مسعودٍ كانت أسرع أو إفاضة عثمان قال فما وضع النَّاس ولم يزد ابن مسعودٍ على العنق حتَّى أتينا جمعًا فصلَّى بنا ابن مسعودٍ ﵁ المغرب، ثمَّ دعا بعشائه ثمَّ تعشَّى ثمَّ أقام فصلَّى العشاء الآخرة، ثمَّ رقد حتَّى إذا طلع أوَّل الفجر قام فصلَّى الغداة، قال فقلت له ما كنت تصلَّى الصَّلاة هذه السَّاعة، قال وكان يسفر بالصَّلاة قال إنِّى رأيت رسول الله ﷺ في هذا اليوم وهذا المكان يصلَّى هذه السَّاعة
_________________
(١) عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد ومعناه فى الصحيحين
(٢) عن عبد الرحمن بن يزيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا جرير بن حازم قال سمعت أبا اسحاق يحدث عن عبد الرحمن بن يزيد قال حججنا مع ابن مسعود- الحديث» (غريبه) (١) يعنى أصاب السنة. يريد أن هذا الوقت هو الذى كان يفيض فيه رسول الله ﷺ فأحب أن يكون أمير المؤمنين عثمان متيقظًا لهذا (٢) يعنى أن عثمان ﵁ أفاض فى الوقت الذى تمنى ابن مسعود أن يفيض فيه. وذلك لحرصهم جميعًا على الاقتداء برسول الله ﷺ فى قوله وفعله ﵃ (٣) معناه فما أسرعوا السير لأن النبى ﷺ علمهم المناسك فى حجة الوداع (٤) أى لم يزد عن السير الذى بين الابطاء والسرعة (٥) ظاهره أنه يجوز الفصل بين الصلاتين المجموعتين بالعشاء بفتح العين المهملة ونحوه، وسيأتى الكلام على ذلك فى باب الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة (٦) فى التعبير بأول الفجر اشارة الى أنه يستحب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النحر أكثر من المعتاد بحيث يصلى عند أول ظهور الفجر (٧) يعنى أن عادته كانت الأسفار بصلاة الصبح وذلك عند وضوح النهار جليًا لكل انسان إلا فى هذا اليوم، لأنه رأى النبى ﷺ فعل ذلك فيه والله أعلم (تخريجه) (خ) باختلاف فى بعض الألفاظ، وأورده الهيثمى بلفظه وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح
[ ١٢ / ١٣٩ ]
-[وقت الإفاضة من عرفة يكون بعد مغيب الشمس وتحقق دخول الليل]-
(٣٣٧) عن عائشة ﵂ قالت أدلج رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من البطحاء ليلة النَّفر إدلاجًا
(٣٣٨) عن ابن عبَّاس ﵄ قال لم ينزل رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بين عرفاتٍ وجمعٍ إلَّا ليهريق الماء
(٣٣٩) وعنه أيضًا أنَّ أسامة بن زيدٍ كان ردف رسول الله ﷺ يوم عرفة فدخل الشِّعب فنزل فأهراق الماء ثمَّ توضَّأ وركب ولم يصلِّ
(٣٤٠) عن الفضل بن عبَّاسٍ ﵄ قال لمَّا أفاض
_________________
(١) عن عائشة ﵂ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو الجوّاب قال ثنا عمار بن رزيق عن سليمان الأعمش عن ابراهيم عن الأسود عن عائشة- الحديث (غريبه) (١) الأدلاج معناه السير فى أول الليل، والمراد أنه ﷺ نفر من عرفة بعد تحقق دخول الليل (٢) اسم الوادى الذى سار فيه النبى ﷺ من عرفة إلى مزدلفة، ويقال له الأبطح أيضًا جمعه أباطح وبطاح وبطائح (وقوله ادلاجًا) مصدر مؤكد لقوله أدلج (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد
(٢) عن ابن عباس ﵄ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسين وأبو نعيم قالا ثنا اسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع قال حدثنى من سمع ابن عباس يقول لم ننزل رسول الله ﷺ- الحديث» (غريبه) (٣) بضم الياء التحتية وفتح الهاء يعنى يبول (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وفى إسناده رجل لم يسم
(٣) وعنه أيضًا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسماعيل بن عمر ثنا ابن أبى ذئب عن شعبة عن ابن عباس أن أسامة بن زيد- الحديث» (غريبه) (٤) بفتح الهاء أى بال (وقوله ثم توضأ) أى وضوءًا ليس بالبالغ يعنى خفيفًا كما سبق (تخريجه) لم أقف عليه من مسند ابن عباس لغير الأمام أحمد وسنده جيد، وله شاهد عند الشيخين وغيرهما من حديث أسامة
(٤) عن الفضل بن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد ابن أبى حكيم العدنى حدثنى الحكم يعنى ابن أبان قال سمعت عكرمة يقول قال الفضل بن عباس لما أفاض رسول الله ﷺ- الحديث» (غريبه) (٥) يعني من عرفة إلى
[ ١٢ / ١٤٠ ]
-[استحباب التأني في السير من عرفة إلى مزدلفة وكراهة الأسراع فيه]-
رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم وأنا معه (١) فبلغنا الشعب نزل فتوضأ ثم ركبنا حتى جئنا المزدلفة.
(فصل منه في أمر النبي ﷺ الناس بالسكينة عند الأفاضة من عرفة)
(*) "ز" عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ دفع يسير العنق وجعل الناس يضربون يمينًا وشمالًا وهو يلتفت ويقول السكينة أيها الناس حتى جاء المزدلفة وجمع بين الصلاتين، ثم وقف بالمزدلفة فوتف على قزح (٢) وأردف الفضل بن العباس (٣) وقال هذا الموقف وكل المزدلفة موقف
(٣٤١) عن مقسمٍ عن ابن عباس ﵄ لما أفاض النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من عرفة تسارع قوم (٤) فقال امتدوا (٥) وسدوا
_________________
(١) المزدلفة (١) أي مصاحب له، وربما يفهم من ذلك ومن قوله ثم ركبنا أنه كان رديف النبي ﷺ، والمحفوظ أن الذي كان رديفة من الأفاضة من عرفة إلى مزدلفة أسامة بن زيد، أما الفضل فقد ردف النبي ﷺ في الأفاضة من مزدلفة إلى منى كما في الحديث التالي (تخريجه) لم أقف عليه من مسند الفضل بن عباس لغير الإمام أحمد وسنده جيد، وله شاهد من حديث أسامة بن زيد رواه الشيخان وغيرهما. (*) "ز" عن علي ﵁، هذا ظرف من حديث طويل تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب صفة حج النبي ﷺ صحيفة ٨٤ رقم ٦٥ في الجزء الحادي عشر، وهو حديث صحيح رواه (د. جه. مذ) وصححه (غريبه) (٢) تقدم أنه بضم القاف وفتح الزاي، وهو جبل معروف بالمزدلفة يقف عنده الأمام. وهو من قزح الشيء إذا ارتفع وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعدل كعمر (٣) أي بعد الأفاضة من الوقوف بالمشعر الحرام قبل طلوع الشمس إلى منى كما جاء صريحا في حديث جابر الطويل رواية مسلم حيث قال "فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس - الحديث"
(٢) عن مقسم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع عن المسعودي عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (٤) أي أسرعوا في السير (٥) أي انبسطوا حتى ملئوا الوادي يقال امتد الشيء أي انبسط (وقوله وسدوا).
[ ١٢ / ١٤١ ]
-[كراهة الإسراع في السير من عرفة إلى مزدلفة]-
ليس البر بإيضاع الخيل (١) ولا الركاب، قال ابن عباسٍ فما رأيت رافعةً يدها تعدو حتى أتينا جمعًا (٢)
(٣٤٢) عن ابن عباسٍ ﵄ قال أفاض رسول الله ﷺ من عرفة وردفه أسامة بن زيدٍ، فجالت به الناقة (٣) وهو رافع يديه (٤) لا تجاوز أن رأسه، فسار على هينته (٥) حتى أتى جمعًا، ثم أفاض الغد (٦) وردفه الفضل بن عباسٍ فما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة (٧)
(٣٤٣) وعنه أيضًا عن الفضل (بن عباسٍ) ﵃ بنحوه وفيه
_________________
(١) أي وسدوا الطريق (١) أي ليس التقرب إلى الله بحمل الخيل والركاب على سرعة السير، ومعنى الركاب المطي، وأحدها راحلة من غير لفظها (٢) المعنى أن ابن عباس ﵄ ما رأى راحلة رافعة يدها تعدو أي تسرع في السير بعد قول النبي ﷺ حتى أتوا جمعًا يعني المزدلفة، وهذا من كمال أدب الصحابة ﵃ وانقيادهم لقول رسول الله ﷺ (تخريجه) (د. هق) وسنده جيد ومعناه في الصحيحين.
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيي بن سعيد عن عبد الملك ثنا عطاء عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (٣) أي دارت أو ذهبت وجاءت وهو واقف بعرفات قبل أن يفيض كما صرح بذلك في حديث الفضل بن عباس الآتى بعد هذا (٤) يعني وهو يدعو، وفيه استحباب رفع اليدين عند الدعاء بعرفة بحيث لا يجاوز أن رأسه كما في الحديث (٥) أي سيرا هينا بدون سرعة حتى أتى جمعًا يعني المزدلفة (٦) منصوب بنزع الخافض أي من الغد بعد صلاة الصبح من يوم النحر، وفي حديث الفضل الآتي ثم أفاض من جمع يعني من المزدلفة (٧) تقدم الكلام على حكم التلبية في هذه المواضع في الفصل الثالث من باب التلبية صحيفة ١٨١ في الجزء الحادي عشر (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وسنده جيد، وأخرجه مسلم عن ابن عباس بلفظ أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفة وأسامة ردفه، قال أسامة فما زال يسير على هينته حتى أتى جمعًا.
(٣) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعلى ومحمد أنا عبيد قالا ثنا عبد الملك عن عطاء عن عبد الله بن عباس عن الفضل قال أفاض رسول الله
[ ١٢ / ١٤٢ ]
-[زوائد الباب في الدفع من عرفة إلى مزدلفة]-
فجالت به الناقة وهو واقف بعرفاتٍ قبل أن يفيض وهو رافع يديه لا تجاوزان رأسه (وفيه) ثم أفاض من جمعٍ والفضل ردفه، قال الفضل ما زال النبي ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم يلبي حتى رمى الجمرة
_________________
(١) ﷺ من عرفات وأسامة بن زيد ردفه فجالت به الناقة وهو واقف بعرفات قبل أن يفيض وهو رافع يديه لا تجاوزان رأسه، فلما أفاض سار على هينته حتى أتى جمعا ثم أفاض من جمع والفضل ردفه، قال الفضل ما زال النبي ﷺ يلبي حتى رمى الجمرة (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وفيه من لم أعرفه ويعضده الحديث الذي قبله (زوائد الباب) (عن جابر بن عبد الله ﵄) قال دفع رسول الله ﷺ "يعني من عرفة إلى مزدلفة" وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة؛ كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء ٠ الحديث، هذا طرف من حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ رواية مسلم (قال النووي) قوله (وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله) معنى شنق يعني ضم وضيق وهو بتخفيف النون "ومورك الرحل" قال الجوهري قال أبو عبيد المورك والموركة يعني بفتح الميم وكسر الراء هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل إذا مل من الركوب وضبطه القاضي بفتح الراء، قال وهو قطعة أدم يتورك عليها الراكب تجعل في مقدم الرحل شبه المخدة الصغيرة وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة وبأصحاب الدواب الضعيفة (وقوله ويقول بيده السكينة السكينة) مرتين منصوبا أي ألزموا السكينة وهي الرفق الطمأنينة؛ ففيه أن السكينة في الدفع من عرفات سنة، فإذا وجد فرجة يسرع (وقوله كلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة) الحبال هنا بالحاء المهملة المكسورة جمع حبل وهو التل اللطيف من الرمل الضخم (وقوله حتى تصعد) بفتح التاء المثناة فوق وضمها، يقال صعد في الجبل وأصعد، ومنه قوله تعالى "إذ تصعدون" وأما المزدلفة فمعروفة سميت بذلك من التزلف والازدلاف وهو التقرب، لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي مضوا إليها وتقربوا منها، وقيل سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زلف من الليل أي ساعات، وتسمى جمعا بفتح الجيم وإسكان الميم سميت بذلك لاجتماع الناس فيها، وعلم أن المزدلفة كلها من الحرام أهـ (وعن ابن عباس) ﵄
[ ١٢ / ١٤٣ ]
-[زوائد الباب وكلام العلماء فيما يستفاد منه]-
_________________
(١) أنه دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة فمنع النبي ﷺ وراءه زجرًا شديدًا أو ضربًا وصوتا للأبل فأشار بسوطه إليهم، وقال أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع (خ) (وعن المسور بن مخرمة) ﵁ قال خطبنا رسول الله ﷺ بعرفات فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال أما بعد فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا الموضع إذا كانت الشمس على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها؛ وأنا ندفع بعد أن تغيب، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام إذا كانت الشمس منبسطة (طب) ورجاله رجال الصحيح (وعن أبي بكر الصديق) ﵁ أن رسول الله ﷺ لما غربت الشمس بعرفة أفاض، ومن المزدلفة قبل طلوع الشمس (طس) وفيه الواقدي ضعفه الجمهور، ويعضده ما قبله (وعن ميسرة الأشجعي عن عبد الله بن عمر) ﵄ أنه حج معه حتى وقف بعرفات فقال له يا ميسرة أسند في الحبل (يعني أصعد) قال ففعلت، فلما أفاض الناس ذهبت لأدفع ناقتى فقال لي مه عنقا بين العنقين (أي لا تعجل في السير بل سر سيرًا متوسطا بين السرعة والبطيء، فلما قطعت الجبل قلت أنزل يا أبا عبد الرحمن قال سر يا ميسرة، فلما دفعنا إلى جمع قام فأذن ثم أقام الصلاة فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء الآخرة. ثم أصبحنا ففعل كما فعل في المشعر الأول، ثم قال كان المشركون لا يفيضون من عرفات حتى تعمم الشمس في الجبال فتصير في رءوسها كعمائم الرجال في وجوههم، وأن رسول الله ﷺ كان لا يفيض حتى تغرب الشمس، وكان المشركون لا يفيضون من جمع حتى يقولوا أشرق ثبير فلا يفيضون حتى تصير الشمس في رءوس الجبال كعمائم الرجال في وجوههم، وأن رسول الله ﷺ كان يفيض قبل أن تطلع الشمس (طس) وبعضه في الصحيح وفيه جعفر بن ميسرة الأشجعي وهو ضعيف (وعن جابر بن عبد الله) ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لا تدفعوا يوم عرفة حتى يدفع الأمام (طس) وفيه ابن لهيعة، قال الهيثمي حديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على جملة أحكام (منها) أنه يسن للأمام إذا غربت الشمس يوم عرفة وتحقق غروبها أن يفيض من عرفات ويفيض الناس معه، والمراد بالأمام هنا الوالي الذي إليه أمر الحج من قبل الأمام أو الأمام نفسه إن كان حاضرا بالحج، ولا ينبغي للناس أن يدفعوا حتى يدفع (قال الأمام أحمد ﵀) ما يعجبني أن يدفع إلا مع الأمام، وسئل عن رجل دفع قبل الأمام بعد غروب الشمس قال ما وجدت عن أحد أنه سهل فيه كلهم. يشدد فيه أهـ. ويستحب أن يكثر الذكر والتلبية لقوله تعالى "فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا" (ومنها) أن السنة أن يسلك في ذهابه إلى المزدلفة طريق المأزمين وهو بين العلمين اللذين هما حد الحرم من تلك الناحية، لما ثبت في أحاديث الباب عند الأمام أحمد والشيخين وغيرهما (ومنها) أن السنة في السير إلى مزدلفة
[ ١٢ / ١٤٤ ]
-[النزول بالشعب الذي بين عرفة والمزدلفة ليس بسنة ولا من المناسك]-
(٥) باب الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة والمبيت بها
(٣٤٤) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ جمع (١) بين المغرب والعشاء بالمزدلفة (وعنه من طريقٍ ثانٍ) (٢) عن النبي ﷺ تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يصلى المغرب والعشاء (٣) بإقامةٍ.
_________________
(١) أن يكون بسكينة ووقار على عادة سيره سواء أكان راكبًا أم ماشيا، ويحترز عن إيذاء الناس في المزاحمة، فإن وجد فرجة فالسنة الأسراع فيها. وإلا فلا كما ثبت في حديث أسامة المذكور في الباب (قال ابن عبد البر) في هذا الحديث كيفية الدفع في السير من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة. ومن الأسراع عند عدم الزحام أهـ. ولا بأس أن يتقدم الناس على الأمام أو يتأخروا عنه (وجاء في أحاديث الباب) أن النبي ﷺ نزل بالشعب عند المضيق، وهذا النزول ليس بسنة ولا من المناسك كما قال الحافظ، وإنما كان لقضاء حاجته ﷺ وكان ابن عمر ﵄ يفعله كما في حديث أنس بن سيرين الثالث من أحاديث الباب لما عرف من حاله أنه كان من أشد الصحابة تمسكا بإتباع رسول الله ﷺ حتى في مثل هذا، وثبت في صحيح البخاري عن نافع قال كان عبد الله بن عمر ﵄ يجمع بين المغرب والعشاء بجمع غير أنه يمر بالشعب الذي أخذه رسول الله ﷺ فيدخل فينتفض (بفاء وضاد معجمة) أي يستجمر ويتوضأ ولا يصلى حتى يصلى بجمع، وتقدم في الشرح أن عكرمة كان ينكر على من نزل هذا المكان لأجل صلاة المغرب فيه، لأن السنة تأخير صلاة المغرب ليجمعوا بينها وبين العشاء في المزدلفة في وقت العشاء كما في أحاديث الباب (ومنها غير ذلك) تقدم في الشرح والله أعلم
(٢) عن أبي أيوب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا شعبة عن عدى بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن أبي أيوب - الحديث" (غريبه) (١) زاد البخاري "في حجة الوداع" (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا بهز ثنا شعبة ثنا عدى بن ثابت عن عبد الله بن يزيد الخطمي عن أبي أيوب - الحديث" (٣) أي يجمعهما جمع تأخر بالمزدلفة كما هو صريح في الطريق الأولى (وقوله بإقامة) يعني بإقامة واحدة كما جاء صريحا في رواية عن أبي أيوب أيضا عند الطبراني من طريق جابر الجعفي عن عدى بلفظ "صلى بجمع المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة" قال الحافظ وفيه رد
[ ١٢ / ١٤٥ ]
-[من جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأقامة واحدة]-
(٣٤٥) عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء بجمع، صلي المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإقامةٍ واحدةٍ (١)
(٣٤٦) عن عبد الله بن مالكٍ قال صليت مع ابن عمر بجمع فأقام فصلى المغرب ثلاثًا؛ ثم صلى العشاء ركعتين بإقامة واحدة، قال فسأله خالد ابن مالكٍ، فقال إن رسول الله ﷺ فعل مثل هذا في هذا المكان
(٣٤٧) عن سعيد بن جبيرٍ قال كنا مع ابن عمر حيث أفاض من
_________________
(١) على قول ابن حزم أن حديث أبي أيوب ليس فيه ذكر أذان ولا إقامة، لأن جابرا وإن كان ضعيفًا فقد تابعه محمد بن أبي ليلى عن عدى على ذكر الأقامة فيه عند الطبراني أيضا فيقوى كل واحد منهما بالآخر أهـ (قلت) وتابعه أيضا شعبة عن عدى كما ترى في سند حديث الباب (تخريجه) أخرج الطريق الأولى منه (ق. نس. جه) وأخرج الطريق الثانية منه الطبراني وسندها جيد عند الإمام أحمد
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا عبد الرزاق أنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن سعيد عن ابن عمرو عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مالك الأسدى عن ابن عمر - الحديث" (غريبه) (١) يعني للصلاة الأولى. ولم يقم للثانية اكتفاء بالأقامة الأولى، وقد ثبت في حديث جابر عند مسلم أنه أذن للأولى وأقام لكل واحدة. منهما ولفظه "أن النبي ﷺ أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما" (أي لم يصل نفلا) وسيأتى بعد حديثين في حديث عبد الله ابن مسعود أنه جمع فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، وسيأتى الكلام عليه في شرحه (تخريجه) (خ. نس)
(٣) عن عبد الله بن مالك (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا روح ثنا شعبة سمعت أبا إسحاق سمعت عبد الله بن مالك قال صليت مع ابن عمر بجمع - الحديث" (تخريجه) (م. هق)
(٤) عن سعيد بن جبير (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هشيم أنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير قال كنا مع ابن عمر - الحديث"
[ ١٢ / ١٤٦ ]
-[من جمع بين الصلاتين بالمزدلفة كل صلاة بأذان وإقامة]-
عرفاتٍ إلى جمع فصلى بنا المغرب ومضي (١) ثم قال الصلاة، فصلي ركعتين ثم قال هكذا فعل رسول الله ﷺ في هذا المكان كما فعلت
(٣٤٨) عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال كنت مع عبد الله بن مسعود بجمع (٢) فصلي الصلاتين كل صلاةٍ وحدها بأذانٍ وإقامة والعشاء (٣) بينهما. وصلي انفجر حين سطع الفجر (٤) أو قال حين قال قائل طلع الفجر وقال قائل لم يطلع، ثم قال (٥) إن رسول الله ﷺ قال إن هاتين الصلاتين (٦) تحولان عن وقتهما في هذا المكان
_________________
(١) (غريبه) (١) أي مضى في الصلاة لم يفصل بين المغرب والعشاء بنفل ولا إقامة، بل نبههم لصلاة العشاء بقوله الصلاة فصلاها ركعتين مقصورة (تخريجه) (م. هق. وغيرهما)
(٢) عن أبي إسحاق (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا يحيي بن آدم ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال كنت مع عبد الله - الحديث" (غريبه) (٢) بفتح الجيم وسكون الميم أي المزدلفة (وقوله فصلى الصلاتين) يعني المغرب والعشاء (٣) بفتح العين المهملة والمراد به الطعام، يعني أنه تعشى بين الصلاتين (قال القاضي عياض) وإنما فعل ذلك لينبه على أنه يغتفر الفصل اليسير بينهما، والواو في قوله والعشاء للحال (٤) يعني أول الفجر كما صرح بذلك في حديثه الآتى في هذا الباب أيضا "وأو" للشك من أبي إسحاق الراوي عن عبد الرحمن بن يزيد، يشك هل قال عبد الرحمن حين سطع الفجر. أو قال حين قال قائل طلع الفجر الخ، والمراد أنه صلى الفجر في ابتداء ظهوره. أي في الوقت الذي يشك في طلوعه ولا يدركه إلا القليل من الناس (٥) القائل هو ابن مسعود ﵁ (٦) يعني المغرب والفجر (وقوله تحولان) بالمثناة الفوقية المضمومة مع فتح الواو مشددة (وقوله عن وقتهما) كذا بالأصل عن وقتهما بالأفراد، ووقع مثل ذلك في رواية للبخاري، والمراد عن وقتهما المستحب المعتاد، ومعنى ذلك أن وقت المغرب المعتاد بعد غروب الشمس، وقد أخر في هذا المكان إلى وقت العشاء، ووقت الفجر المعتاد بعد ظهور الفجر جليا لكل إنسان، وهنا حول بالتقديم عن الوقت الظاهر لكل أحد. ولهذا اختلف الناس، فمنهم من يقول طلع الفجر ومنهم، من يقول لم يطلع لكن النبي ﷺ تحقق طلوعه إما بوحي أو بغيره، والمراد به المبالغة في التغليس على
[ ١٢ / ١٤٧ ]
-[استحباب التغليس بصلاة الصبح بالمزدلفة يوم النحر]-
لا يقدم (١) الناس جمعًا حتى يعتموا (٢) وصلاة الفجر هذه الساعة (٣)
(٣٤٩) عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلًاة قط إلا لميقاتها إلا صلاتين، صلاة المغرب والعشاء بجمعٍ (٤) وصلى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها (٥) وقال ابن نميرٍ العشاءين فإنه صلاهما بجمعٍ جميعًا
(*) عن عبد الرحمن بن زيدي في قصة حجة مع عبد الله بن مسعودٍ قال فصلى بنا ابن مسعودٍ ﵁ المغرب ثم دعا بعشائه ثم تعشى ثم
_________________
(١) باقي الأيام ليتسع الوقت لما بين أيديهم من أعمال يوم النحر من المناسك (١) بسكون القاف وفتح الدال المهملة (وقوله جمعًا) يعني المزدلفة (٢) بضم أوله وكسر ثالثه من الأعتام أي الدخول في العتمة وهو وقت العشاء الآخرة (٣) بالنصب أي بعد طلوع الفجر قبل ظهوره للعامة، زاد البخاري ثم وقف "يعني ابن مسعود" حتى أسفر، ثم قال لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة، فلا أدري أقوله كان أسرع أم دفع عثمان ﵁، فلم يلزم يلبى حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر اهـ (قلت) وقع مثل هذه الزيادة في حديث رواه الأمام أحمد من طريق أبي إسحاق أيضًا عن عبد الرحمن بن يزيد أن ابن مسعود صدر منه ذلك عند الدفع من عرفة، وتقدم في الباب السابق رقم ٣٣٦ صحيفة ١٣٩ والظاهر أن الواقعة تعددت في الموضعين والله أعلم (تخريجه) (خ. نس).
(٢) عن عبد الله بن مسعود (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو معاوية وابن نمير قالا ثنا الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله- الحديث" (غريبة) (٤) يريد أنه أخر المغرب عن وقتها إلى وقت إلى وقت العشاء وصلاهما معًا بجمع أي بالمزدلفة (٥) أي قبل وقتها المعتاد فعلها فيه في الحضر، لا أنه أوقعها قبل طلوع الفجر كما يتبادر من ظاهر اللفظ، ووقتها المعتاد أنه كان ﷺ إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته ثم خرج فصلى الصبح، وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول ما بزغ حتى أن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه (وقوله وقال ابن نمير) يعني في روايته "العشاءين" بدل قوله في الرواية الأخرى المغرب والعشاء، لأنه يطلق عليهما اسم العشاءين والله أعلم (تخريجه) (ق. د. نس. هق) (*) عن عبد الرحمن بن يزيد، هذا طرف من حديث طويل تقدم بسنده وشرحه
[ ١٢ / ١٤٨ ]
-[استحباب المبيت بالمزدلفة ليلة النحر والتغليس بصلاة الصبح]-
قام فصلى العشاء الآخرة، ثم رقد حتى إذا طلع أول الفجر قام فصلى الغداة، قال فقلت له ما كنت تصلي الصلاة هذه الساعة؟ قال وكان يسفر بالصلاة، قال إني رأيت رسول الله ﷺ في هذا اليوم وهذا المكان يصلى هذه الساعة
(٣٥٠) عن أسامة بن زيدٍ ﵄ أنه قال جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بالمزدلفة (زاد في روايةٍ) ولم يصل بينهما شيئًا (١)
_________________
(١) وتخريجه في الباب السابق صحيفة ١٣٩ رقم ٣٣٦ وإنما ذكرته هنا لقوله "ثم رقد حتى إذا طلع أول الفجر قام فصلى الغداة" ففيه دلالة على مشروعية المبيت بمزدلفة، وباقي الكلام عليه تقدم في الذي قبله
(٢) عن أسامة بن زيد (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هارون ابن معروف ثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن محمد بن المنكدر حدثه أنه أخبره أنه حدثه من سمع أسامة بن زيد يقول جمع رسول الله ﷺ- الحديث" (غريبه) (١) أي لم يصل نفلا بينهما (تخريجه) (ق. وغيرهما) بأطول من هذا وفي سند حديث الباب رجل لم يسم (زوائد الباب) (عن جابر بن عبد الله ﵄) أن رسول الله ﷺ أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة- الحديث رواه مسلم من حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ (وعن ابن عمر ﵄) قال جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على إثر كل واحدة منهما (خ. نس) (وعنه أيضًا) أن النبي ﷺ جمع بينهما بالمزدلفة وصلى كل واحدة منهما بإقامة ولم يتطوع قبل كل واحدة منهما ولا بعدها (هق) (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة أحكام (منها) مشروعية الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة ليلة النحر، وهو ثابت بالأحاديث الصحيحة المشهورة في الصحيحين وغيرهما وهي المذكورة في الباب (وقد أجمع العلماء) على جواز الجمع بينهما بمزدلفة في وقت العشاء للمسافر، فلو جمع بينهما في وقت المغرب أو في غير المزدلفة جاز عند الشافعية، وبه قال عطاء وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير (والأئمة مالك وأحمد وإسحاق) وأبو يوسف وأبو ثور
[ ١٢ / ١٤٩ ]
-[مذاهب الأئمة في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة والأذان والإقامة لهما]-
_________________
(١) وابن المنذر (وقال الأئمة سفيان الثوري وأبو حنيفة) ومحمد وداود وبعض أصحاب مالك لا يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة ولا قبل وقت العشاء، والخلاف مبني على أن جمعهم بالنسك أم بالسفر؟ فعند الشافعية ومن وافقهم بالسفر، وعند الحنفية ومن وافقهم بالنسك، والله أعلم (واختلفوا أيضًا) في الأذان والإقامة إذا جمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة، فذهبت الأئمة (الشافعي وأحمد) في رواية وأبو ثور وعبد الملك بن الماجشون المالكي والطحاوي الحنفي إلى أنه يؤذن للأولى ويقيم لكل واحدة عملًا بحديث جابر المذكور في الزوائد. رواه مسلم (وذهب الإمام مالك) إلى أنه يصليهما بأذانين وإقامتين يعني لكل واحدة منهما أذان وإقامة عملا بحديث ابن مسعود المذكور في الباب (وهو مذهب ابن مسعود) وقول للطحاوي من الحنفية (قال ابن المنذر) وروى هذا عن عمر (وقال عبد الله بن عمر) وابنه سالم والقاسم ابن محمد وإسحاق والإمامين الشافعي وأحمد في رواية يصليهما بإقامتين عملا بحديث ابن عمر المذكور في الزائد، رواه البخاري والنسائي (وقال ابن عمر أيضًا) في رواية صحيحة عنه وسفيان الثوري يصليهما بإقامة واحدة عملا بحديث ابن عمر المذكور في الباب، رواه مسلم والنسائي وابن ماجه (وذهبت الحنفية) إلى أنه يؤذن ويقيم للأولى فقط عملا بما أخرجه النسائي من رواية سعيد بن جبير عن ابن عمر، والظاهر ما ذهب إليه الأولون لأن حديث جابر مشتمل على زيادة الأذان، وهي زيادة غير منافية فينبغي قبولها (فإن قيل) إن حديث عبد الله بن مسعود مشتمل على زيادة الأذان أيضًا للصلاة الثانية فيقتضي المصير إليه (فالجواب) أن حديث ابن مسعود موقوف عليه، ولذا قال ابن حزم لم نجده مرويًا عن النبي ﷺ، ولو ثبت لقلت به اهـ. أما قول ابن مسعود في آخره كما في رواية البخاري "رأيت النبي ﷺ يفعله" فهو راجع لتحويل صلاتي المغرب والصبح عن وقتيهما في المزدلفة لا للأذان والإقامة كما جاء صريحًا في رواية الإمام أحمد في آخر هذا الحديث قال (يعني ابن مسعود) إني رأيت رسول الله ﷺ في هذا اليوم وهذا المكان يصلي هذه الساعة (ومنها أيضًا) مشروعية المبيت بمزدلفة ليلة النحر (وهو سنة عند جمهور العلماء) من السلف والخلف (وقال خمسة من أئمة التابعين) هو ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفة وهم علقمة والأسود والشعبي والنخعي والحسن البصري (وبه قال من الشافعية) ابن بنت الشافعي وأبو بكر بن خزيمة واحتجوا بقوله تعالى "فاذكروا الله عند المشعر الحرام" وبحديث مروى عن النبي ﷺ أنه قال "من فاته المبيت بالمزدلفة فقد فاته الحج" واحتج الجمهور بحديث عروة بن مضرس المتقدم في باب وجوب الوقوف الخ صحيفة ١١٩ رقم ٣٢١ وهو حديث صحيح صححه الترمذي وغيره. وأجابوا عن الآية بأن المأمور به فيها إنما هو
[ ١٢ / ١٥٠ ]
-[مذاهب العلماء في صلاة النفل بين صلاتي المغرب والعشاء بالمزدلفة]-
(أبواب الوقوف بالمشعر الحرام وما يكون بعده إلى أن يرمى جمرة العقبة)
(١) (باب الوقوف بالمشعر الحرام وآدابه- ووقت الدفع منه إلى منى) (وسبب الأيضاع في السير- واستمرار التلبية من الإفاضة حتى يرمى جمرة العقبة)
(٣٥١) عن علي بن أبي طالبٍ ﵁ أن رسول الله صلى الله
_________________
(١) الذكر وليس بركن بالإجماع "وأما الحديث" فالجواب عنه من وجهين (أحدهما) أنه ليس بثابت ولا معروف (والثاني) أنه لو صح لحمل على فوات كمال الحج لا فوات أصله (ومنها أيضًا) أنه جاء في حديث أسامة المذكورة في الباب وحديثي جابر وابن عمر المذكورين في الزوائد أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء ولم يسبح بينهما (أي يتنقل) زاد ابن عمر عند البخاري ولا على إثر كل واحدة منهما (وفي رواية) أخرى عن ابن عمر عند البيهقي أنه ﷺ لم يتطوع قبل كل واحدة منهما ولا بعدها، وذكرته في الزوائد أيضًا (قال الحافظ) يستفاد من هذا أنه ترك النفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرح بأنه لم ينتقل بينهما بخلاف العشاء، فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم ينتقل عقبها. لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثم قال الفقهاء تؤخر سنة العشاءين عنهما (ونقل ابن المنذر) الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنقل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، لكن يعكر على نقل الاتفاق ما في البخاري عن ابن مسعود أنه صلى المغرب بالمزدلفة وصلى بعدها ركعتين ثم دعا بعشائه فتعشى ثم أمر بالأذان والإقامة ثم صلى العشاء، واستدل به بعض العلماء على جواز التنفل بين الصلاتين لمن أراد الجمع بينهما ولا حجة فيه لأنه لم يرفعه، ويحتمل أن لا يكون قصد الجمع، وظاهر صنيعه يدل على ذلك لقوله إن المغرب تحول عن وقتها فرأى أن هذا وقت المغرب خاصة، ويحتمل أن يكون قصد الجمع وكان يرى أن العمل بين الصلاتين لا يقطعه إذا كان ناويًا للجمع، ويحتمل قوله تحول عن وقتها أي المعتاد أفاده الحافظ (وفي حديث ابن مسعود أيضًا) استحباب زيادة التغليس في صلاة الصبح يوم النحر زيادة عن المعتاد (وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء) ومعنى ذلك أنه ﷺ كان في غير هذا اليوم يتأخر عن أول طلوع الفجر لحظة إلى أن يأتيه المؤذن، وفي هذا اليوم لم يتأخر لكثرة المناسك فيه فيحتاج إلى المبالغة في التبكير ليتسع الوقت لفعل المناسك (وفي أحاديث الباب أيضًا) أمور غير هذه تقدم الكلام عليها في خلال الشرح والله ﷾ أعلم
(٢) عن علي بن أبي طالب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا
[ ١٢ / ١٥١ ]
-[حديث علي ﵁ في مناسك الحج من الوقوف بعرفة إلى رمي الجمرة]-
عليه وعلى آله وصحبه وسلم أتى جمعًا فصلى بهم الصلاتين المغرب، والعشاء ثم بات حتى أصبح (١) ثم أتى قزح فوقف على قزح فقال هذا الموقف وجمعٌ كلها موقفٌ، ثم سار حتى أتى محسرًا (٢) فوقف عليه فقرع ناقته (٣) فخبث حتى جاوز الوادي (٤) ثم حبسها ثم أردف الفضل وسار حتى أتى الجمرة (٥)
_________________
(١) أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير ثنا سفيان عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أي ربيعة عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب ﵁ قال وقف رسول الله ﷺ بعرفة فقال هذا الموقف وعرفة كلها موقف، وأفاض حين غابت الشمس ثم أردف أسامة فجعل يعنق على بعيره والناس يضربون يمينًا وشمالًا يلتفت إليهم ويقول السكينة أيها الناس ثم أتى جمعًا فصلى بهم- الحديث" (غريبه) (١) عند مسلم من حديث جابر حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس- الحديث" وقد بين حديث جابر أنه ﷺ صلى الصبح قبل ذهابه إلى المشعر الحرام وهو المعبر عنه بقزح في حديث الباب، وقد تقدم ضبطه وتفسيره وأنه جبل معروف في المزدلفة وهو موقف النبي ﷺ في المزدلفة ولا يشترط الوقوف على نفس الجبل بل لو وقف على أي جزء من مزدلفة أجزأه لقوله ﷺ في الحديث "وجمع كله موقف" وأفاد حديث جابر أيضًا أنه يقف مستقبل القبلة يعني الكعبة يدعو الله تعالى ويهلل ويكبر ويلبى إلى قرب طلوع الشمس ثم يدفع إلى منى، وأفاد أيضًا استحباب الركوب في هذه الأمكنة (٢) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد السين المهملة وكسرها، وسيأتي عن ابن عباس أنه واد من منى وتقدم سبب تسميته بذلك وهو أن فيل أصحاب حسر فيه أي أعيا وكل ومنه قوله تعالى "ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير" (٣) أي ضربها بمقرعة بكسر الميم وهو السوط (فخبت) من الخبب بالتحريك وهو ضرب من السرعة في السير (٤) قيل الحكمة في ذلك أنه فعله لسعة الموضع، وقيل لأن الأودية مأوى الشياطين، وقيل لأنه كان موقفًا للنصارى فأحب الإسراع فيه مخالفة لهم، وقيل لأن رجلًا اصطاد فيه صيدا فنزلت نار فأحرقته فكان إسراعه لمكان العذاب كما أسرع في ديار ثمود قاله السيوطي (وقوله ثم حبسها) يعني ضيق عليها الزمام لتسير ببطيء كسيرها الأول (٥) يعني جمرة العقبة، ورميها
[ ١٢ / ١٥٢ ]
-[بقية حديث على ﵁ في مناسك الحج من الوقوف بعرفة إلى طواف الإفاضة]-
فرماها ثم أتى المنحر فقال هذا المنحر ومنى كلها منحٌر- الحديث (١)
(٣٥٢) عن ابن عباس ﵄ قال أخبرني الفضل بن عباسٍ وكان رديف رسول الله ﷺ حين أفاض من عرفة (٢) قال فرأى الناس
_________________
(١) من واجبات الحج وهو أحد أسباب التحلل وهي ثلاثة، رمى جمرة العقبة يوم النحر، فطواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى، والثالث الحلق عند من يقول إنه نسك وهو الصحيح (وقوله ثم أتى المنحر) أي مكان نحر الهدايا وهو من منى، ولو نحر في أي جزء من منى أجزأه لقوله ﷺ "ومنى كلها منحر" (١) الحديث له بقية وهي- قال واستفتته جارية شابة من خثعم فقالت إن أبي شيخ كبير قد أفند وقد أدركته فريضة الله في الحج فهل يجزئ عنه أن أؤدي عنه، قال نعم فأدى عن أبيك، قال وقد لوى عنق الفضل. فقال له العباس يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ قال رأيت شابًا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما، قال ثم جاء رجل فقال يا رسول الله حلق قبل أن أنحر، قال أنحر ولا حرج. ثم أتاه آخر فقال يا رسول الله إني أفضت قبل أن أحلق، قال أحلق أو قصر ولا حرج، ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم فقال يا بني عبد المطلب سقايتكم، ولولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت (تخريجه) رواه الترمذي مطولًا كما هنا وقال حديث علي حديث حسن صحيح اهـ (قلت) ورواه أبو داود مختصرًا، ورواه عبد الله بن الإمام أحمد مطولًا كما هنا، وتقدم بطوله في باب صفة حج النبي ﷺ صحيفة ٨٤ رقم ٦٥ في الجزء الحادي عشر
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبدة بن سليمان ثنا ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس- الحديث" (غريبه) (٢) هكذا بالأصل من عرفة، والظاهر والله أعلم أنه خطأ وصوابه من جمع، لأن المحفوظ من رواية الشيخين والإمام أحمد وغيرهم، أن الذي ردف النبي ﷺ من عرفة هو أسامة بن زيد، والذي ردفه من جمع هو الفضل بن العباس، لاسيما وقد ثبت في رواية أخرى للإمام أحمد من طريق ابن أبي ليلى أيضًا أن هذه الإفاضة كانت من جمع لا من عرفة، فقال حديثنا هشيم أنبأنا ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس أنه كان ردف النبي ﷺ حين أفاض من جمع قال فأفاض وعليه السكينة، قال ولبى حتى رمى جمرة العقبة وقال مرة أنبأنا ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس أنبأ الفضل بن عباس قال شهدت الأفاضتين مع رسول الله ﷺ فأفاض وعليه السكينة وهو كاف بعيره، قال ولبى حتى رمى
[ ١٢ / ١٥٣ ]
-[سبب إسراع الناس في السير عند الإفاضة واستحباب التأني والسكينة]-
يوضعون فأمر مناديه فنادى ليس البر بإيضاع الخيل والإبل فعليكم بالسكينة
(٣٥٣) عن عطاءٍ عن ابن عباسٍ ﵄ قال إنما كان بدو الإيضاع من قبل أهل البادية (١) كانوا يقفون حافتي الناس حتى يعلقوا العصي (٢) والجعاب، فإذا نفر واتقعقت (٣) تلك فنفروا بالناس، قال ولقد رؤى رسول الله ﷺ وإن ذفري (٤) ناقته ليمس حاركها، وهو يقول بيده يا أيها الناس عليكم بالسكينة، يا أيها الناس عليكم بالسكينة
(٣٥٤) عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى
_________________
(١) جمرة العقبة مرارًا، فهذه الرواية تؤيد ما ذكرنا، فإن صح لفظ حديث الباب حمل على أن أسامة والفضل تناوبا الارتداف في الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الإمام أحمد. ومعناه في الصحيحين وغيرهما
(٢) عن عطاء عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يونس ثنا حماد يعني ابن زيد عن كثير بن شنظير عن عطاء عن ابن عباس- الحديث" (غريبه) (١) يقول ابن عباس ﵄ إن سبب الأيضاع يعني سرعة الناس في السير عند الإفاضة كان من قبل الإعراب سكان البوادي (٢) جمع عصًا (والجعاب) جمع جعبة بفتح الجيم وهي الكنانة التي تجعل فيها السهام (والقعاب) جمع قعب بفتح القاف وسكون العين المهملة وهو القدح الضخم الجافي كذا في القاموس، وفي المصباح إناء ضخم كالقصعة (٣) القعقعة حركة الشيء الذي يسمع له صوت، والمعنى أن الإعراب كانوا يعلقون هذه الأشياء كلها ويحملونها معهم وهم على جانبي الطريق، فإذا نفر الناس أحدثت هذه الأشياء صوتًا يحمل الإبل على السرعة في السير (٤) بكسر الدال مؤنثة وألفها للتأنيث أو للإلحاق، وذفرى البعير أصل أذنه، جمعه ذفريات وذفارى. وهما ذفريان (والحارك) أعلى الكاهل وعظم مشرف من جانبيه، والمعنى أن النبي ﷺ لما رأى الناس أسرعوا في السير جدًا ضيق لراحلته الزمام حتى كان أصل أذنيها يمس كتفها ليمنعها عن السرعة (وهو يقول بيده) أي يشير بها ويقول يا أيها الناس عليكم بالسكينة أي تأنوا ولا تعجلوا (تخريجه) (هق) وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سليمان
[ ١٢ / ١٥٤ ]
-[وقت الوقوف بالمشعر الحرام بعد صلاة الصبح- والإفاضة منه قبيل طلوع الشمس]-
آله وصحبه وسلم وقف بجمعٍ فلما أضاء كل شيءٍ قبل أن تطلع الشمس أفاض
(٣٥٥) عن عمر بن ميمون قال صلى بنا عمر بجمعٍ الصبح ثم وقف وقال إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، وإن رسول الله ﷺ خالفهم، ثم أفاض (١) قبل أن تطلع الشمس (وعنه من طريقٍ ثان) (٢) قال قال عمر ﵁ إن المشركين كانوا لا يفيضون من جمعٍ حتى تشرق الشمس على ثبيرٍ (٣) قال عبد الرزاق وكانوا يقولون* أشرق (٤) ثبير* كيما نغير (٥)
_________________
(١) ابن داود ثنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس- الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد
(٢) عن عمرو بن ميمون (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت عمرو بن ميمون- الحديث" (غريبه) (١) الإفاضة الدفعة. قال الأصمعي، ومنه أفاض القوم في الحديث إذا دفعوا فيه، ويحتمل أن يكون فاعل أفاض عمر فيكون انتهاء حديثه ما قبل هذا، ويحتمل أن يكون فاعل أفاض النبي ﷺ لعطفه على قوله خالفهم، وهذا هو المعتمد. قاله الحافظ (قلت) يرفع الاحتمال الأول ما صرح به في الطريق الثانية من قوله فخالفهم النبي ﷺ فدع قبل أن تطلع الشمس، فظهر أن المراد بقوله ثم أفاض يعني النبي ﷺ (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن عن سفيان وعبد الرزاق أنبأنا سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو ابن ميمون قال قال عمر ﵁، قال عبد الرزاق سمعت عمر ﵁ أن المشركين الخ. ومعنى قوله قال عبد الرزاق سمعت عمر الخ. معناه أن عبد الرزاق قال في روايته إن عمرو بن ميمون قال سمعت عمر، فالذي سمع هو عمرو بن ميمون لا عبد الرزاق كما يتبادر إلى الفهم، لأن عبد الرزاق لم يدرك عمر (٣) بفتح المثلثة وكسر الموحدة جبل معروف هناك وهو على يسار الذاهب إلى منى، وهو أعظم جبال مكة. عرف برجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه (وقوله قال عبد الرزاق) يعنى أحد الرواة (٤) بفتح أوله فعل أمر من الإشراق، أي أدخل في الشروق (قال ابن التين) وضبطه بعضهم بكسر الهمزة كأنه ثلاثي من شرق وليس ببين، والمشهور أن المعنى لتطلع عليك الشمس، وقيل معناه أضئ يا جبل وليس ببين أيضًا. قاله الحافظ (٥) قال الطبري معناه كما ندفع للنحر، وهو من قولهم أغار
[ ١٢ / ١٥٥ ]
-[حجة القائلين باستحباب التلبية حين الإفاضة من مزدلفة]-
يعني فخالفهم النبي ﷺ فدفع قبل أن تطلع الشمس
(٣٥٦) عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله (يعني ابن مسعودٍ) ﵁ لي حين أفاض من جمعٍ فقيل أعرابٌي هذا؟ (١) فقال عبد الله أنسى الناس أم ضلوا؟ سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان لبيك اللهم لبيك
(٣٥٧) عن الفضل بن العباس (٢) ﵄ قال كنت رديف رسول الله ﷺ من جمعٍ إلى منى فبينا هو يسير إذ عرض له أعرابٌّي مردفًا ابنًة له جميلًة (٣) وكان يسايره، قال فكنت أنظر إليها، فنظر إلى النبي ﷺ
_________________
(١) الفرس إذا أسرع في عدوه (قال ابن التين) وضبطه بعضهم بسكون الراء في ثبير وفي نغير لإرادة السجع (تخريجه) (خ. والأربعة)
(٢) عن عبد الرحمن بن يزيد (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هشيم أنبأ حصين عن كثير بن مدرك الأشجعي عن عبد الرحمن بن يزيد- الحديث" (غريبه) (١) معناه أن القائل ينكر على ابن مسعود فعله وينسبه إلى الجهل، وبالضرورة لم ينكر على ابن مسعود إلا من جهله ذاتًا وعلمًا، فقال ابن مسعود ﵁ "أنسى الناس" يعني أحكام المناسك بعد علمهم بها "أم ضلوا" أي جهلوها ولم تبلغهم؟ ثم قال سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة الخ يعني النبي ﷺ وإنما خص البقرة لأن معظم أحكام المناسك فيها، فكأنه قال هذا مقام من أنزلت عليه المناسك وأخذ عنه الشرع وبين الأحكام فاعتمدوه، وأراد بذلك الرد على من يقول بقطع التلبية من الوقوف بعرفات والله أعلم (تخريجه) (م. نس)
(٣) عن الفضل بن العباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حسين بن محمد ثنا جرير عن أيوب عن الحكم بن عتيبة عن ابن عباس عن أخيه الفضل قال كنت رديف رسول الله ﷺ- الحديث" (غريبه) (٢) هو أخو عبد الله بن عباس، وكان أكبر ولد العباس وبه كان يكنى. وكان الفضل وضيئًا أي جميلًا كما في بعض الروايات (٣) أي أركبها خلفه على دابته، وكان الفضل راكبًا خلف النبي ﷺ وكان الأعرابي
[ ١٢ / ١٥٦ ]
-[مذاهب العلماء في حكم الوقوف بالمشعر الحرام واستقبال الكعبة فيه]-
فقلب وجهي عن وجهها (١) ثم أعدت النظر فقلب وجهي عن وجهها حتى فعل ذلك ثلاثًا وأنا لا أنتهي (٢) فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة (٣)
_________________
(١) يساير النبي ﷺ أي يجاريه في السير ويسير معه (١) أي صرفه عن وجهها بيده كما جاء في بعض الروايات الصحيحة "فالتقى النبي ﷺ والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فدفع وجهه عن النظر إليها" (٢) جاء في رواية عن ابن عباس عند الإمام أحمد بنحو ما تقدم، وفيها فقال رسول الله ﷺ ابن أخي- هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له (وفي رواية) أن رسول الله ﷺ قال رأيت غلامًا حدثًا وجارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان (٣) فيه دلالة على استحباب استمرار التلبية حتى ترمي جمرة العقبة (تخريجه) (ق. وغيرهما) (زوائد الباب) (عن جابر) أن رسول الله ﷺ القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا فدفع قبل أن تطلع الشمس. رواه مسلم (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة أحكام (منها) مشروعية الوقوف بالمشعر الحرام بالمزدلفة، وللمزدلفة ثلاثة أسماء، مزدلفة. وجمع. والمشعر الحرام، وحدها من مأزمى عرفة إلى قرن محسر، وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب، ففي أي موضع وقف منها أجزأه لقول النبي ﷺ في حديث على المذكور في أول الباب "وجمع كلها موقف" وليس وادي محسر من مزدلفة لقوله ﷺ في حديث جبير بن مطعم "وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر" وتقدم في باب وجوب الوقوف بعرفة (وقد اختلف) العلماء في حكم الوقوف بالمشعر الحرام (فذهب جماعة من أهل العلم) منهم مجاهد وقتادة والزهري والثوري على أن من لم يقف بالمشعر الحرام فقد ضيع نسكًا وعليه دم، وهو قول الأئمة (أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وأبي ثور والشافعي في رواية) وروى عن عطاء والأوزاعي (وإليه ذهب المالكية) وهو المشهور عند الشافعية أنه لا دم عليه لأنه سنة لا واجب (وذهب ابن بنت الشافعي) وابن خزيمة إلى أن الوقوف به ركن لا يتم الحج إلا به، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه، وهو مروى عن علقمة والنخعي والشعبي، واحتج عليهم الطحاوي بأن الله ﷿ لم يذكر الوقوف وإنما قال "فاذكروا الله عند المشعر الحرام" وقد أجمعوا على أن من وقف بها بغير ذكر أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في القرآن ليس من تمام الحج فالموطن الذي يكون فيه الذكر أحرى أن لا يكون فرضًا (ومنها مشروعية استقبال القبلة) حال الوقوف والدعاء والذكر والتلبية، وإلى استحباب ذلك ذهب كافة العلماء لحديث جابر المذكور في الزوائد، ولقوله ﷿ "فاذكروا
[ ١٢ / ١٥٧ ]
-[كلام العلماء في آداب الوقوف بالمشعر الحرام- وما يقال فيه من الدعوات والأذكار]-
_________________
(١) الله عند المشعر الحرام" ولم أقف على شيء مرفوع من الأدعية والأذكار خاصمًا بالوقوف بالمشعر الحرام إلا ما ورد في حديث جابر مجملًا من الدعاء والتهليل والتكبير، فيكفي أن يكثر من قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ويلبي كثيرًا ويدعو بما شاء، والوارد من الأدعية والأذكار أفضل (قال النووي في شرح المهذب) واختار أصحابنا أن يقول فيه اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق "فإذا أفضتم من عرفات فذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم" ويكثر من قوله اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ويدعو بما أحب، ويختار الدعوات الجامعة والأمور المبهمة ويكرر دعواته اهـ (وفي حديث جابر المذكور وفي الزوائد) دلالة على أنه يستمر واقفًا بالمشعر الحرام بعد صلاة الصبح يدعو ويلبي ويذكر الله ﷿ حتى يسفر الصبح جدًا، ثم يدفع من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس، وبذلك قال ابن مسعود وابن عمر وجماهير العلماء (قال ابن المنذر) وهو قول عامة العلماء غير مالك فإنه كان يرى أن يدفع منه قبل الأسفار اهـ (قلت) والمتعين ما ذهب إليه الجمهور لحديث جابر المذكور (وفي أحاديث الباب أيضًا) أن المشركين كانوا لا يفيضون من جمع حتى تشرق الشمس وكانوا يقولون* أشرق ثبير* كيما نغير* وقد وقفت في القاموس على من قال ذلك، وهو أبو سيارة عميلة بن خالد العدواني قال كان له حمار أسود أجاز الناس عليه من المزدلفة إلى منى أربعين سنة وكان يقول، أشرق ثبير. كما نغير، أي كي نسرع إلى النحر. فقيل أصح من عير أبي سيارة اهـ. فخالفهم النبي ﷺ وأفاض بعد الأسفار قبل طلوع الشمس (وفي أحاديث الباب) الحث على السكينة والوقار والتأني في الدفع من مزدلفة إلى منى وأن سبب الأيضاع أي الإسراع كان من الأعراب، وتقدم الكلام على ذلك في الشرح (وفي أحاديث الباب أيضًا) دلالة على أنه يستحب أن يستديم التلبية حتى يشرع في رمى جمرة العقبة غداة يوم النحر، وإلى ذلك ذهب الأئمة (أبو حنيفة والشافعي) وسفيان الثوري وأبو ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ومن بعدهم (وقال الحسن البصري) يلبي حتى يصلي الصبح يوم عرفة ثم يقطع (وحكى عن علي وابن عمر وعائشة ومالك) وجمهور فقهاء المدينة أنه يلبي حتى تزول الشمس يوم عرفة ولا يلبي بعد الشروع في الوقوف (وقال الإمامان أحمد وإسحاق) وبعض السلف يلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة، ودليل الجمهور والإمام أحمد ومن وافقهم ما جاء في أحاديث الباب، ولا حجة للآخرين في مخالفتها. فيتعين إتباع الوارد والله أعلم (فائدة) قال النووي
[ ١٢ / ١٥٨ ]
(٢) باب الأمر بالسكينة عند الدفع من مزدلفة إلى منى والإيضاع في وادي محسر
(*) "ز" عن عليٍ ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم جاء المزدلفة وجمع بين الصلاتين، ثم وقف بالمزدلفة فوقف على قزح وأردف الفضل بن عباسٍ وقل هذا الموقف وكل المزدلفة موقٌف، ثم دفع وجعل يسير العنق والناس يضربون (١) يمينًا وشمالًا وهو يلتفت ويقول السكينة السكينة أيها الناس حتى جاء محسرًا (٢) فقرع راحلته فخبت
_________________
(١) في شرح المهذب يستحب أن يغتسل بالمزدلفة نصف الليل للوقوف بالمشعر الحرام وللعبد ولما فيها من الاجتماع، فإن عجز عن الماء تيمم، قال وهذه الليلة ليلة عظيمة جامعة لأنواع من الفضل (منها) شرف الزمان والمكان، فإن المزدلفة من الحرم، وانضم إلى هذا جلالة أهل المجمع الحاضرين بها وهم وفد الله تعالى ومن لا يشقى بهم جليسهم، فينبغي أن يعنى الحاضر هناك بأحيائها بالعبادة من صلاة أو تلاوة وذكر ودعاء وتضرع، ويتأهب بعد نصف الليل للاغتسال أو الوضوء ويحصل حصاة الجمار وتهيئة متاعه والله الموفق. (*) "ز" عن علي ﵁، هذا طرف من حديث طويل تقدم بطوله في باب صفة حج النبي ﷺ صحيفة ٨٤ رقم ٦٥ وهو حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وصححه، وإنما ذكرت هذا الطرف منه هنا لما فيه من صفة سيرهم عند الدفع من مزدلفة وأمر النبي ﷺ إياهم بالسكينة، وقد تقدم نحوه عن علي ﵁ أيضًا في أول الباب السابق، ولكن ليس فيه ما ذكر، وهذا الحديث الذي نحن بصدد شرحه من زوائد عبد الله ابن الإمام أحمد علي مسند أبيه، وذاك من رواية الإمام أحمد فتنبه (غريبه) (١) أي يضربون الإبل كما صرح بذلك في رواية أبي داود، أي يحثونها على سرعة السير والنبي ﷺ يلتفت إليهم ويقول السكينة (بالنصب) أي الزموا السكينة أيها الناس أي تأنوا في سيركم خوفًا من ضرر الزحام، ووقع في رواية أبي داود "لا يلتفت إليهم" بزيادة لا، ومعناه لا يشاركهم في سرعة السير، ورواية الترمذي كرواية الإمام أحمد بدون لا (قال المحب الطبري) قال بعضهم رواية الترمذي بإسقاط لا. أصح والله أعلم (٢) تقدم ضبطه وسبب تسميته بذلك (وقد اختلف العلماء) في محسر فقيل هو واد بين مزدلفة ومنى، وقيل ما حسب منه في مزدلفة فهو منها، وما حسب منه في منى فهو منها وصوبه بعضهم، وتقدم
[ ١٢ / ١٥٩ ]
-[التعريف بوادي محسر واستحباب إسراع السير فيه خاصة]-
حتى خرج ثم عاد لسيره الأول حتى رمى الجمرة- الحديث
(٣٥٨) عن الفضل بن العباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ عشية عرفة وغداة جمعٍ للناس حين دفعنا (وفي لفظٍ حين دفعوا)
_________________
(١) في غير حديث أن مزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر، فيكون على هذا قد أطلق بطن محسر والمراد منه ما خرج من مزدلفة، وإطلاق اسم الكل على البعض جائز مجازًا شائعًا، وقال أبو جعفر الطحاوي ليس وادي محسر من منى ولا من المزدلفة، فالاستثناء في قوله إلا بطن محسر منقطع، وتبع الطحاوي في ذلك النووي في شرح المهذب فقال وادي محسر موضع فاصل بين منى ومزدلفة، ليس من واحدة منهما بل هو مسيل ما بينهما اهـ، ويعارض هذا ما ثبت في حديث الفضل بن عباس رضي الله ﵎ عنهما عند مسلم والإمام أحمد وسيأتي في الحديث التالي بعد هذا بلفظ "حتى إذا دخل محسرًا وهو من منى قال عليكم بحصى الحذف" ولفظ مسلم "حتى دخل محسرًا وهو من منى قال عليكم بحصى الحذف- الحديث" وعلى هذا فهو من منى والله أعلم (وقوله فقرع راحلته فخبت) أي ضربها بالسوط فأسرعت في وادي محسر (قال الأزرقي) وإنما شرع الإسراع فيه لأن العرب كانوا يقفون فيه ويذكرون مفاخر آبائهم فاستحب الشارع مخالفتهم اهـ (وقال النووي) في شرح المهذب قال أصحابنا واستحب الإسراع فيه للاقتداء بالنبي ﷺ ولأن وادي محسر كان موقف النصارى فاستحبت مخالفتهم، واستدلوا بما رواه البيهقي بإسناده عن المسور بن مخرمة أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يوضع (يعني يسرع في وادي محسر) ويقول إليك تعدو قلقًا وضيتها مخالفًا دين النصارى دينها (قال البيهقي) يعني الأيضاع في وادي محسر، ومعنى هذا البيت أن ناقتي تعدو إليك يا رب مسرعة في طاعتكم قلقًا وضينها. وهو الحبل الذي كالحزام، وإنما صار قلقًا من كثرة السير والإقبال التام والإجهاد في طاعتك، والمراد صاحب الناقة "وقوله مخالفًا دين النصارى دينها" بنصب دين النصارى ورفع دينها، أي أني لا أفعل فعل النصارى ولا أعتقد اعتقادهم، (قال القاضي حسين) في تعلقيه يستحب للمار بوادي محسر أن يقول هذا الذي قاله عمر ﵁ والله أعلم (تخريجه) (د. مذ. وصححه)
(٢) عن الفضل بن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى عن ابن جريح أخبرني أبو الزبير أخبرني أبو معبد قال سمعت ابن عباس يخبر عن الفضل
[ ١٢ / ١٦٠ ]
-[الأمر بالسكينة في الدفع من مزدلفة إلى منى]-
عليكم السكينة وهو كاٌف $$$ (١) حتى إذا دخل بني منى حين هبط محسرًا (وفي لفظٍ حتى إذا دخل محسرًا وهو من منى) (٢) قال عليكم بحصى الحذف الذي يرمي به الجمرة ورسول الله ﷺ يشير بيده كما يحذف الإنسان (٣)
(٣٥٩) عن أبي الزبير عن جابرٍ ﵁ قال أفاض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (٤) وعليه السكينة وأمرهم بالسكينة وأمرهم أن يرموا (٥) بمثل حصى الحذف، وأوضع (٦) في وادي محسرٍ
_________________
(١) قال قال رسول الله ﷺ- الحديث" (غريبه) (١) أي يمنعها الإسراع (٢) فيه أن وادي محسر من منى، ومن قال غير ذلك فعليه بالدليل (٣) الحذف بخاء معجمة مفتوحة ثم ذال معجمة ساكنة بوزن الضرب، تقول حذفت الحصاة ونحوها حذفًا، من باب ضرب. رميتها بطرفي الإبهام والسبابة، وقولهم يأخذ حصى الحذف معناه حصى الرمى، والمراد الحصي الصغار، لكنه أطلق مجازًا، قاله في المصباح (وقال الأثرم) يكون أكبر من الحمص ودون البندق، وكان ابن عمر ﵄ برمي بمثل بعر الغنم اهـ (وقوله يشير بيده كما يحذف الإنسان) قال النووي المراد به الإيضاح وزيادة البيان لحصي الحذف وليس المراد أن الرمى يكون على هيئة الحذف وإن كان بعض أصحابنا قد قال باستحباب ذلك لكنه غلط، والصواب أنه لا يستحب كون الرمى على هيئة الحذف فقد ثبت حديث عبد الله بن المغفل عن النبي صلى الله وسلم في النهي عن الحذف. وإنما معنى هذه الإشارة ما قدمناه والله أعلم اهـ (تخريجه) (م. نس. هق) ولفظهم عن ابن عباس عن الفضل بن عباس وكان رديف رسول الله ﷺ أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا عليكم السكينة وهو كاف ناقته حتى دخل محسرًا وهو منى، وقال عليكم بحصى الحذف الذي يرمى به الجمرة، وقال لم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى الجمرة، وللإمام أحمد رواية بهذا اللفظ أيضًا.
(٢) عن أبي الزبير عن جابر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا روح ثنا الثوري عن أبي الزبير- الحديث" (غريبه) (٤) يعني من مزدلفة إلى منى (٥) يعني جمرة العقبة يوم النحر (٦) أي أسرع في السير وتقدم الكلام على الحكمة في ذلك (تخريجه) (هق) وسنده جيد، قال النووي على شرط البخاري ومسلم اهـ زاد البيهقي وقال خذوا عني مناسككم لعلى لا أراكم بعد عامي هذا
[ ١٢ / ١٦١ ]
-[زوائد الباب - وكلام العلماء فى الإسراع فى وادى محسر]-
(٣٦٠) عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ النَّبى صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال ارفعوا عن بطن محسِّر وعليكم بمثل حصى الخذف
_________________
(١) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن زياد يعنى ابن سعد عن أبى الزبير عن ابن معبد عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (١) أى تباعدوا عنها وظاهر السياق يدل على أن المراد به هنا عدم التقاط الحصى منها، ويؤيد ذلك أنه يسن الإسراع فى وادى محسر فلا يتأتى النقاط الحصى منها مع الإسراع والله أعلم (تخريجه) (هق) ورجال الأمام أحمد من رجال الصحيحين (زوائد الباب) (عن نافع أن عبد الله بن عمر) كان يحرك راحلته فى بطن محسر قدر رمية بحجر (لك. هق) (وعن علقمة عن أمه عن عائشة) ﵂ أنها كانت إذا نفرت غداة المزدلفة فإذا جاءت بطن محسر قالت لى ازجرى الدابة وارفعيها، قالت فزجرتها يوما فوقعت الدابة على يديها وعليها الهودج ثم زجرتها الثانية فرفعها الله فلم يضرها شيئا، وكانت ترفع دابتها حتى تقطع بطن محسر وتدخل بطن منى (هق) قال وروينا فى ذلك عن عبد الله ابن مسعود وحسين بن على رضى الله تعالى عنهم، قال وكان ابن الزبير يوضع أشد الأيضاع أخذه عن عمر ﵁، يعنى الأيضاع فى وادى محسر اهـ (وعن ابن عمر) ﵄ أن رسول الله ﷺ لما أتى محسرًا حرك راحلته وقال عليكم بحصى الخذف (طس) وفيه ابن لهيعة (قال الهيثمي) وهو حسن الحديث (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية التأنى والسكينة فى الدفع من مزدلفة إلى منى كما سبق فى سيره ﷺ فى الدفع من عرفات إلى مزدلفة إلا فى وادى محسر فإنه يستحب الأسراع فيه، فان كان ماشيا أسرع، وإن كان راكبا حرك دابته، وذلك قدر رمية بحجر لما تقدم فى الزوائد عن نافع عن ابن عمر أنه كان يحرك راحلته فى بطن محسر قدر رمية بحجر، ويكون ملبيا فى طريقه لما تقدم فى الباب السابق من حديث الفضل بن العباس أن النبى ﷺ لم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة، وما تقدم من التأنى فى الدفع من مزدلفة إلى منى والسرعة فى وادى محسر والتبية فى الطريق كل ذلك مستحب عند جمهور العلماء من السلف والخلف، وخالف قوم فى التلبية، تقدم ذكرهم فى أحكام الباب السابق، وحكى الرافعى وجها شاذا ضعيفا أنه لا يستحب الأسراع فى وادى محسر للماشي، وذهب بعضهم إلى عدم استحبابه مطلقا للراكب والماشى مستدلين بما تقدم فى الباب السابق من حديث الفضل بن العباس وفيه أن النبى ﷺ أمر مناديه فنادى ليس البر بايضاع الخيل والأبل فعليكم السكينة، ولقول ابن عباس في الحديث
[ ١٢ / ١٦٢ ]
-[رد حجة القائلين بعدم الأسراع فى وادى محسر]-
(٣) باب الرخصة فى تقديم وقت الدفع للضعفة من النساء وغيرهن قبل الزحام
(٣٦١) عن ابن جريج قال أخبرنى عبد الله مولى أسماء عن أسماء ﵂ أنها نزلت عند دار المزدلقة فقالت أى بنىَّ هل غاب القمر ليلة جمعٍ وهى تصلِّي؟ قلت لا، فصلَّت ساعةً ثمَّ قالت أى بنى هل غاب القمر؟ قال وقد غاب القمر قلت نعم قال فارتحلوا، فارتحلنا ثمًَّ مضينا بها حتَّى رمينا الجمرة، ثمَّ رجعت فصلَّت الصُّبح فى منزلها فقلت لها أي هنتاه
_________________
(١) الذي بعده إنما كان بدء الأيضاع من قبل أهل البادية - الحديث، وأجاب النووى فى شرح المهذب عن هذين الحديثين من وجهين (أحدهما) أنه ليس فيهما تصريح بترك الأسراع فى وادى محسر فلا يعارضان باثبات الأسراع (والثاني) أنه لو صرح فيهما بترك الأسراع كانت رواية الأسراع أولى لوجهين (أحدهما) أنها إثبات وهو مقدم على النفى (والثاني) أنها أكثر رواة وأصح أسانيد فهى أولى والله أعلم اهـ
(٢) عن ابن جريج (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج - الحديث" (غريبه) (١) هو عبد الله بن كيسان مولى أسماء، كينته أبو عمر، وأسماء هى بنت أبى بكر الصديق ﵄ (٢) أى عند منزل الناس بالمزدلفة، لأن كل مكان ينزل به الناس يقال له دار (وقولها أى بني) معناه يا بنى بضم الباء الموحدة مصغرا (٣) إنما سألته عن مغيب القمر لأنها كانت عميت فى آخر عمرها وكانت هذه القصة فى حجة بعد حجة الوداع ليلة جمع. أى ليلة مبيتهم بالمزدلفة (٤) إنما كررت السؤال عن مغيب القمر لأنه الوقت الذى أذن فيه النبى ﷺ للضعفة من النساء وغيرهم بالدفع من مزدلفة إلى منى لرمى جمرة العقبة قبل الزحام وكانت تريد الدفع فى هذا الوقت، ولذلك لما قال لها نعم قالت فارتحلوا بكسر الحاء تعنى إلى منى لرمى جمرة العقبة، وكان ذلك فى أول الثلث الأخير من الليل لأن القمر فى الليلة العاشرة من الشهر يغيب فى ذلك الوقت تقريبًا (٥) أى بمنى (وقوله أى هنتاه) معناه يا هنتاه بفتح الهاء وسكون النون وقد تفتح، وإسكانها أشهر ثم بالتاء المثناة من فوق وقد تسكن الهاء التى فى آخرها وتضم، أى يا هذه يقال للمذكر إذا كنى عنه هن، وللمؤنث هنة، وزيدت الألف لمد الصوت والهاء لإظهار الألف
[ ١٢ / ١٦٣ ]
-[الرخصة في تقديم وقت الدفع للضعفة من النساء ونحوهن خشية الزحام]-
لقد غلَّسنا قالت كلاَّ يا بنىَّ، إنَّ نبى الله ﷺ أذن للظُّعن
(٣٦٢) عن الفضل بن العبَّاس ﵄ قال أمر رسول الله ﷺ ضعفة بنى هاشم أمرهم أن يتعجَّلوا من جمع بليل
(٣٦٣) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنا ممَّن قدَّم النَّبى ﷺ ليلة المزدلفة فى ضعفة أهله، وقال مرَّةً إنَّ النبَّى ﷺ قدَّم ضعفة أهله
_________________
(١) بفتح الغين المعجمة وتشديد اللام وسكون السين المهملة أى تقدمنا على الوقت المشروع لرمى الجمار، وفى الموطأ للأمام مالك لقد جئنا منى بغلس "يعنى ظلمة الليل" وفى رواية داود العطار ولقد ارتحلنا بليل، وفى رواية أبى داود فقلت إنا رمينا الجمرة بغلس، (٢) بضم الظاء المعجمة والعين المهملة ويجوز سكونها جمع ظعينة، وهى المرأة فى الهودج، وقيل هو الهودج كانت فيه امرأة أو لم تكن (وعن ابن السكيت) كل امرأة ظعينة سواء كانت فى هودج أو غيره، والمعنى أن نبى الله ﷺ أذن للضعفة من النساء ونحوهن برمى الجمار فى هذا الوقت خوفا عليهن من الزحام (تخريجه) (ق. لك. د. هق. طب: طح)
(٢) عن الفضل بن العباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا شعبة أخبرنى مشاش عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس عن الفضل بن عباس - الحديث" (غريبه) (٣) الضعفة بفتح العين جمع ضعيف (قال ابن حزم) هم الصبيان والنساء فقط، وهذا الحديث يرد عليه لأنه أعم من ذلك، فيدخل فيه النساء والصبيان والمشايخ العاجزون وأصحاب الأمراض، لأن العلة خوف الزحام عليهم (٤) أى فى ليل والباء تتعلق بقوله يتعجلوا وهذا التعجيل من منزلهم الذى نزلوا به بالمزدلقة (وقوله بليل) أعم من أن يكون فى أول الليل أو فى وسطه أو فى آخره، وبينته رواية أسماء فى الحديث السابق حيث جاء فيها إذا غاب القمر، وتقدم أن مغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير، ومن ثم قيده الأمام الشافعى وأصحابه بالنصف الثاني، وروى البيهقى من حديث ابن عباس أن النبى ﷺ كان يأمر نساءه وثقله فى صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد وأن لا يرموا الجمرة إلا مصبحين (تخريجه) (نس) وسنده جيد
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس - الحديث" (تخريجه) (ق. هق. والأربعة)
[ ١٢ / ١٦٤ ]
-[جواز الإفاضة قبل الوقوف بالمشعر الحرام للضعفة]-
(٣٦٤) وعنه أيضًا قال بعثنى رسول الله ﷺ فى الثَّقل من جمع بليل
(٣٦٥) عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت كانت سودة ﵂ امرأة ثبطةً ثقيلةً فاستأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من جمعٍ قبل أن تقف فأذن لها، قالت عائشة وددت أنِّى كنت استأذنته فأذن لى وكان القاسم يكره أن يفيض قبل أن يقف
_________________
(١) وعنه أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس حدثنا حماد عن ابن زيد عن أيوب عن عكرمة عن عباس - الحديث" (غريبه) (١) هو بفتح الثاء المثلثة والقاف وهو المتاع ونحوه (تخريجه) (ق. هق. وغيرهم)
(٢) عن عبد الرحمن بن القاسم (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا بهز ثنا حماد بن سلمة قال أنا عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه - الحديث" (غريبه) (٢) بسكون الموحدة بعد المثلثة المفتوحة، ويجوز كسر الموحدة، ومعناها بطيئة الحركة كأنها تثبط (وقوله ثقيلة) أى من عظم جسمها، ووقع فى رواية مسلم ما يشعر بأن تفسير الثبطة بالثقيلة من القاسم راوى الحديث ولفظه "وكانت امرأة ثبطة يقول القاسم والثبطة الثقيلة" ولأبى عوانة من طريق أبى عامر العقدى عن أفلح "وكانت امرأة ثبطة يعنى ثقيلة" ووقع عند البخارى من رواية محمد بن كثير "وكانت امرأة ثقيلة ثبطة" قال الحافظ وعلى هذا يكون قوله فى هذه الرواية "يعنى رواية البخاري" ثقيلة ثبطة من الادراج الواقع قبل ما أدرج عليه وأمثلته قليلة جدا، وسببه أن الراوى أدرج التفسير بعد الأصل وظن الراوى الآخر أن اللفظين ثابتان فى أصل المتن فقدم وأخر اهـ (٣) انما ودت عائشة ﵂ أن تكون استأذنت النبى ﷺ كما استأذنته سودة لأنها رأت فى نفسها الضعف عن تحمل مشاق الزحام، والضعف أعم من أن يكون لثقل الجسم أو غيره كما تقدم فى حديث ابن عباس أن النبى ﷺ قدم ضعفة أهله، ويحتمل أنها قالت ذلك لأنها شركتها فى الوصف لما ورد أنها قالت سابقت رسول الله ﷺ فسبقته فلما ربيت اللحم سبقني؛ ويحتمل غير ذلك والله أعلم، وحاصل كلام عائشة أنها دامت على ما فعلت فى عهد النبى ﷺ وقد ثقل عليها الدفع مع الأمام، لكنها كانت تفعل ذلك لكونها فعلته مع النبى ﷺ وأحبت أن تفعل ما فعلت معه ﷺ فتمنت لذلك أنها لو استأذنت النبى ﷺ في الدفع
[ ١٢ / ١٦٥ ]
-[زوائد الباب فى جواز تقديم الوقوف بالمزدلفة والأفاضة منها ورمى الجمار للضعفة]-
(وعنه من طريقٍ ثانٍ) عن عائشة قالت إنَّما أذن رسول الله ﷺ لسودة بنت زمعة فى الإفاضة قبل الصبح من جمعٍ لأنها كانت امرأةً ثبطة
(٣٦٦) عن ابن شوَّال أنَّه دخل على أمِّ حبيبة (زوج النَّبىَّ ﷺ ورضى عنها) فأخبرته أن النبى صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قدَّمها من جمعٍ بليلٍ
(٣٦٧) عن ابن عمر ﵄ أن النَّبىَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أذن لضعفة النَّاس من المزدلفة بليلٍ
_________________
(١) حتى دفعت قبله لكانت فعلت كذلك بعده أيضا فصار ذلك سببا للراحة فى حقها والله أعلم (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم قال أنا منصور عن عبد الرحمن ابن القاسم عن عائشة - الحديث" (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن ابن شوال (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحى بن سعيد عن ابن جريج قال أخبرنى عطاء عن ابن شوال أنه أخبره أنه دخل على أم حبيبة - الحديث" (تخريجه) (م. نس)
(٣) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهرى عن سالم عن ابن عمر - الحديث" (غريبه) (٢) هذا عام لجميع الضعفاء من الناس سواء أكانوا من بنى هاشم أو من أهله ﷺ أو من عامة الناس رجالا أو نساء، وهذا الأذن فى تقديم الدفع قبل الأمام لأجل رمى جمرة العقبة قبل الزحام والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد ورجاله من رجال الصحيحين ومعناه فى الصحيحين وغيرهما (زوائد الباب) (عن ابن شهاب) أن سالم بن عبد الله أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقدم ضعفه أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يدفعون قبل أن يقف الأمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فاذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول أرخص فى أولئك رسول الله ﷺ (ق. هق) (عن أم سلمة ﵂) قالت قدمنى رسول الله ﷺ فمن قدَّم مع ضعفة أهله ليلة المزدلفة، قالت فرميت الجمرة بليل ثم مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى (طب) وفيه سليمان بن أبى داود قال ابن القطان لا يعرف (وعن إسماعيل بن عبد الملك بن أبى الصفراء) عن عطاء عن
[ ١٢ / ١٦٦ ]
-[بقية زوائد الباب وذكر مذاهب العلماء فى أحكامه]-
_________________
(١) ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ للعباس ليلة المزدلفة اذهب بضعفائنا ونسائنا فليصلوا الصبح بمنى وليرموا جمرة العقبة قبل أن تصيبهم دفعة الناس، قال فكان عطاء يفعله بعد ما كبر وضعف (طح) (وعن عائشة ﵂) أن النبى ﷺ أرسل أم سلمة ﵂ يوم النحر فرمت قبل الفجر ثم أفاضت وكان ذلك اليوم الذى يكون رسول الله ﷺ عندها (د) قال النووى فى شرح المهذب وإسناده صحيح على شرط مسلم (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جواز الأفاضة من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الفجر وقبل الوقوف بالمشعر الحرام للنساء والضعفة من الرجال والصبيان، ولكن لا يجزئ فى أول الليل اجماعا، ويستفاد من حديث أسماء ﵂ أن وقت الأفاضة لهؤلاء يبتدئ من أول ثلث الليل الأخير لأنها أمرتهم بالارتحال بعد مغيب القمر ومغيبه عادة فى الليلة العاشرة من الشهر يكون فى هذا الوقت، أما غير هؤلاء فالسنة فى حقهم أن يصلوا الصبح أولا ثم يقفوا بالمشعر الحرام ثم يدفعوا منه إلى منه بعد الأسفار جدا قبيل طلوع الشمس، ونقدم الكلام على ذلك قبل باب، ويستفاد منه أيضا جواز رمى جمرة العقبة للضعفة المذكورين قبل طلوع الشمس ففيه أنها رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح فى منزلها (وفى حديث عائشة) أن سودة استأذنت رسول الله ﷺ أن تفيض من جمع قبل أن تقف بالمشعر الحرام فأذن لها (وقد اختلف العلماء فى ذلك) فذهب عطاء بن أبى رباح المكى وطاوس بن كيسان ومجاهد وابراهيم النخعى والشعبى وسعيد بن الجبير (والشافعي) إلى جواز الرمى قبل طلوع الشمس بعد طلوع الفجر للذين يتقدمون قبل الناس، وحكى القاضى عياض أن مذهب الشافعى رمى الجمرة (لهؤلاء) من نصف الليل محتجًا بحديث عائشة المذكور فى الزوائد أن أم سلمة ﵂ رمت قبل الفجر (وذهبت المالكية) إلى أن الزمن يحل بطلوع الفجر (وذهب الثورى والنخعي) إلى أن جمرة العقبة لا ترمى إلا بعد طلوع الشمس وهو مذهب الأئمة (أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد وأحمد واسحاق) قالوا فان رموها قبل طلوع الشمس أجزأهم وقد أساءوا، وسيأتى بيان وقت رمى جمرة العقبة لغير الضعفة ومذاهب الأئمة فى ذلك بعد بابين ان شاء الله، وقد استدل بحديث أسماء وحديث عائشة فى قصة سودة على اسقاط الوقوف بالمشعر الحرام عن الضعفة ولا حجة فيهما لأنه مسكوت عن الوقوف فيهما، وبينت ذلك رواية ابن عمر المذكورة فى الزوائد حيث كان يقدم ضعفه أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الأمام - الحديث؛ وقد تقدم الكلام على حكم الوقوف بمزدلقة ومذاهب الأئمة فيه فى أحكام باب الوقوف بالمشعر الحرام صحيفة ١٥٧، والله الموفق
[ ١٢ / ١٦٧ ]
-[سبب رمي الجمرات قصة الذبيح وأنه اسماعيل على التحقيق]-
(أبواب رمى جمرة العقبة وما يتبع ذلك إلى آخر يوم النحر)
(١) باب سبب مشروعية رمى الجمار وحكمها
(وعدد صحى الرمى وصفته ومن أين يلتقطه)
(٣٦٨) عن ابن عباسٍ ﵄ قال إنَّ رسول الله ﷺ قال إنَّ جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة فعرض له الشَّيطان فرماه بسبع حصيات فساخ ثمَّ أتى الجمرة الوسطى فعرض له الشَّيطان فرماه بسبع حصياتٍ فساخ، ثمَّ أتى الجمرة القصوى فعرض له الشَّيطان فرماه بسبع حصياتٍ فساخ، فلمَّا أراد إبراهيم أن يذبح ابنه إسحاق قال لأبيه يا أبت أوثقنى لا أضطرب فينضح عليك من دمى إذا ذبحتني. فشدَّه، فلمَّا أخذ
_________________
(١) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس أنا حماد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (١) أى غاص فى الأرض يقال ساخت الأرض به تسوخ وتسيخ (٢) هى التى بين جمرة العقبة والجمرة القصوى (٣) هى التى تلى مسجد الخيف، ويقال لها الأولى لأنها أولى الجمرات من جهة عرفات، والقصوى لأنها أبعد الجمرات من مكة (٤) الصحيح الذى عليه جمهور العلماء المحققين وتؤيده الأدلة الصحيحة أن الذبيح اسماعيل، وهو الظاهر من القرآن، بل كأنه نص على أن الذبيح هو اسماعيل، فقد حكى الله ﷿ عن ابراهيم قصة الذبيح حيث قال "رب هب لى من الصالحين فبشرناه بغلام حليم. فلما بلغ معه السعى قال يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى - الآية" ثم قال وبشرناه باسحاق نبيا من الصالحين، ومن المعلوم أن اسماعيل أول ولده باتفاق العلماء، وقد روى الأمام أحمد من حديث أبى الطفيل عن ابن عباس، وتقدم فى باب ما رواه أبو الطفيل عن ابن عباس فى أسباب بعض أعمال الحج صحيفة ١٠٠ رقم ٧٠ فى الجزء الحادى عشر "قال قد تله للجبين" وفى لفظ "وثم تله للجبين وعلى اسماعيل قميص أبيض - الحديث" ففيه التصريح بأن الذبيح اسماعيل، وهذا الحديث أورده الهيثمى وقال رواه أحمد والطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات، وسنفيض الكلام على ذلك فى كتاب التفسير، فى تفسير قوله تعالى "وناديناه أن يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا" فى سورة الصافات، والجواب عن حديث الباب أن فى إسناده عطاء بن السائب وقد اختلط
[ ١٢ / ١٦٨ ]
-[مقدار حصى الخذف ومن أين يلتقطه]-
الشَّفرة فأراد أن يذبحه نودى من خلفه أن يا إبراهيم قد صدَّقت الرُّؤيا
(٣٦٩) عن ابن عبَّاس ﵄ قال قال لى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم غداة جمعٍ هلمَّ القط لي، فلقطت له حصياتٍ من حصى الخذف فلمَّا وضعهنَّ فى يده قال نعم بأمثال هؤلاء وإيَّاكم والغلوَّ فى الدِّين فإنَّما هلك من كان قبلكم بالغلوِّ فى الدِّين
(٣٧٠) عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمِّه قالت رأيت رسول الله ﷺ يرمى جمرة العقبة من بطن الوادى يوم النَّحر وهو يقول يا أيُّها
_________________
(١) فهو لا يقاوم حديث أبى الطفيل المشار اليه لا سيما وظاهر القرآن يعضده والله أعلم (١) الشفرة السكين العريضة (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد، وأورده الهيثمى وقال رواه أحمد وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنا عوف عن زياد بن حصين عن أبى العالية عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (٢) قال ابن قدامة فى المغنى كان ذلك (يعنى التقاط الحصى) بمنى قال ولا خلاف فى أنه يجزئه أخذه من حيث كان، والتقاط الحصى أولى من تكسيره لهذا الخبر، ولأنه لا يؤمن فى التكسير أن يطير إلى وجهه شيء يؤذيه اهـ. وحصى الخذف تقدم تفسيره ومقداره وهو أكبر من الحمص ودون البندق (٣) أى التشديد فيه ومجاوزة الحد، وقيل معناه البحث عن بواطن الأشياء والكشف عن عللها (وقوله فانما هلك) بتخفيف اللام متعد. بمعنى أهلك وقد جاء متعديا كما فى القاموس كما جاء لازما وهو الأكثر، ولفظ النسائى "وإنما أهلك من كان قبلكم الغلو فى الدين" (تخريجه) (نس. جه) وسنده على شرط مسلم. ورواه البيهقى من رواية ابن عباس عن أخيه الفضل بن العباس (قال النووي) فى شرح المهذب وسنده حسن أو صحيح وهو على شرط مسلم
(٣) عن سليمان بن عمرو بن الأحوص (سنده) حدّثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنى أبى قال ثنا ابن فضيل عن يزيد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص - الحديث" (غريبه) (٤) هى أم جندب الأزدية ﵂ صحابية لها حديث، قاله الحافظ
[ ١٢ / ١٦٩ ]
-[النهي عن الزحام فى رمى جمرة العقبة وبكم حصاة ترمى]-
النَّاس لا يقتل بعضكم ولا يصب بعضكم (وفى لفظٍ لا تقتلوا أنفسكم) وإذا رميتم الجمرة فارموها بمثل حصى الخذف، فرمى بسبعٍ ولم يقف، وخلفه رجل بستره، قلت من هذا؟ قالوا الفضل ابن العبَّاس
(٣٧١) عن ابن أبى نجيح قال سألت طاوسًا عن رجلٍ رمى الجمرة بستِّ حصياتٍ، فقال ليطعم قبضةً من طعامٍ، قال فلقيت مجاهدًا فسألته وذكرت له قول طاوس، فقال رحم الله أبا عبد الرحمن أما بلغه قول سعد بن مالك ﵁ قال رمينا الجمار أو الجمرة فى حجتَّنا مع رسول الله ﷺ ثمَّ جلسنا نتذاكر، فمنَّا من قال رميت بستٍّ، ومنَّا من قال رميت بسبعٍ، ومنا من قال رميت بثمانٍ، ومنا من قال رميت بتسعٍ، فلم يروا بذلك بأسًا
_________________
(١) في التقريب اهـ. وفى رواية أخرى للأمام أحمد وكانت بايعت النبى ﷺ (١) هكذا بالأصل بحذف المفعول، لكن رواه الأمام أحمد أيضا من طريق عبد الرزاق أنا معمر عن يزيد، به قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو يرمى الجمرة من بطن الوادى وهو يقول "يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا رميتم الجمرة فارموها بمثل حصى الخذف" فذكر المفعول فى هذه الرواية، والمعنى لا يقتل بعكم بعضا بسبب المزاحمة على رمى الجمار والرمى بالحجر الكبير، ولا يصب بعضكم بعضا بأذى لهذا السبب أيضا (٢) القائل من هذا هى أم سليمان بن عمرو بن الأحوص رواية الحديث (تخريجه) (د. جه. هق) وفى اسناده يزيد بن أبى زياد وهو ضعيف، لكن يغنى عنه حديث جابر عند مسلم أن النبى ﷺ أتى الجمرة يعنى يوم النحر فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف وهى من بطن الوادى ثم الصرف
(٢) عن ابن أبى نجيح (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا عبد الوارث ثنا ابن أبى نجيح - الحديث" (غريبه) (٣) كنيته طاوس (٤) هو المشهور بسعد بن أبى وقاص ﵁ الصحابى الجليل أحد العشرة المبشرين بالجنة (٥) يعنى أنه لا دم عليه ولا يبطل حجه، والظاهر أن الأمر مبنى على التسامح وقيام الأكثر مقام الأقل، والجمهور على خلافه فالواجب أن يرمى كل جمرة بسبع حصيات كما فعل النبى ﷺ (تخريجه) (نس) وسنده جيد (زوائد الباب) (عن عبد الرحمن
[ ١٢ / ١٧٠ ]
-[زوائد الباب ومذاهب العلماء فى حكم رمى جمرة العقبة]-
_________________
(١) ابن عثمان التيمي) ﵁ قال أمرنا رسول الله ﷺ أن نرمى الجمار بمثل حصى الخذف فى حجة الوداع (طب) ورجاله رجال الصحيح (وعن ابن عمر) ﵄ أن رجلا سأل النبى ﷺ عن رمى الجمار ما لنا فيه؟ فسمعته يقول تجد ذلك عند ربك أحوج ما تكون اليه (طب. طس) وفيه الحجاج بن أرطاة وفيه كلام (وعن ابن عباس) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ إذا رميت الجمار كان لك نورا يوم القيامة (بز) وفيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف (وعن أبى سعيد الخدري) ﵁ قال قلما يا رسول الله هذه الجمار التى نرمى كل سنة فنحسب أنها تنقص، فقال ما يقبل منها رفع، ولولا ذلك رأيتموها مثل الجبال (طس) وفيه يزيد بن سنان التميمى وهو ضعيف، أوردها الهيثمى (وجاء فى حديث لجابر) بن عبد الله عند مسلم أن رسول الله ﷺ قال رمى الجمار تو، والسعى بين الصفا والمروة تو، والطواف تو، والتو بفتح التاء المثناة فوق (الوتر) والمراد به فى الجمار سبع سبع وفى الطواف سبع وفى السعى سبع (وعن أبى الطفيل) قال سألت ابن عباس عن الحصى الذى يرمى فى الجمار منذ قام الأسلام، فقال ما تقبل منهم رفع، وما لم يتقبل منهم ترك، ولولا ذلك لسد ما بين الجبلين (هق) قال وروينا عن سفيان الثورى عن ابن خثيم عن أبى الطفيل عن ابن عباس قال وكل به ملك ما تقبل منه رفع، وما لم يتقبل منه ترك (هق) (وعن سفيان الثوري) قال حدثنى سليمان العبسى عن ابن أبى نعم قال سألت أبا سعيد عن رمى الجمار فقال لى ما تقبل منه رفع، ولولا ذلك كان أطول من ثبير (هق) (وعن نافع عن ابن عمر) أنه كان يأخذ الحصى من جمع كراهة أن ينزل (قال الشافعي) ومن حيث أخذ أجزأه إلا أنى كرهه من المسجد لئلا يخرج حصى المسجد منه ومن الجيش (أى موضع قضاء الحاجة) لنجاسته ومن الجمرة لأنه حصى غير متقبل (هق ا) قال وقد روينا فى كتاب الصلاة عن أبى صالح عن أبى هريرة مرفوعا ان الحصى يناشد الذى يخرجه من لمسجداهـ (وعن قتادة) قال سمعت أب مجلز يقول سألت ابن عباس عن شيء من أمر الجمار فقال ما أدرى رماها رسول الله ﷺ بست أو بسبع (نس) (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على جملة أحكام (منها) مشروعية رمى جمرة العقبة، وقد ذهب إلى أنه واجب ليس بركن الأئمة (أبو حنيفة ومالك والشافعى وأحمد وداود) قال العبدرى وقال عبد الملك ابن الماجشون من أصحاب مالك هو ركن، والركن يبطل الحج بتركه، والواجب يجبر بالدم، وحكى ابن جرير عن عائشة وغيرها أن الرمى إنما شرع حفظا للتكبيرة، فان تركه وكبر أجزأه، والصحيح ما ذهب إليه الأئمة الأربعة ومن وافقهم، لأن أفعاله ﷺ بيان لمجمل واجب وهو قوله تعالى "ولله على الناس حج البيت" وقوله ﷺ "خذوا عني مناسككم"
[ ١٢ / ١٧١ ]
-[مذاهب العلماء فى عدد الحصى ونوعه ومن أين يلتقط وما يفعل من نقص عن سبع]-
_________________
(١) (ومنها) بيان أصل مشروعية الرمى وهو قصة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام المذكورة فى الحديث الأول من أحاديث الباب، ويستفاد من هذه القصة أن الذبيح اسحاق والصحيح الذى عليه جمهور العلماء أن الذبيح اسماعيل وتقدم الكلام على ذلك فى الشرح (ومنها) استحباب أخذ سبع حصيات من مزدلفة لرمى جمرة العقبة والاحتياط أن يزيد فربما سقط منه شيء، لحديث ابن عباس المذكور فى الباب "قال قال لى رسول الله ﷺ غداة جمع هلم القط لى الخ، ولأن السنة إذا أتى منى لا يعرج على غير الرمى فاستحب أن يأخذ الحصى حتى لا يشتغل عن الرمى (ولما رواه البيهقي) عن ابن عمر وتقدم فى الزوائد أنه كان يأخذ الحصى من جمع، وفعله سعيد بن جبير وقال كانوا يتزودون الحصى من جمع واستحبه الأمام الشافعى (وعن الأمام أحمد) قال خذ الحصى من حيث شئت وهو قول عطاء وابن المنذر (ومنها) أن يكون الحصى مثل حصى الخذف لما فى أحاديث الباب والزوائد أن النبى ﷺ أمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف، وحصى الخذف تقدم بيانه فى الشرح وهو فوق الحمص ودون البندق (ومنها) أن يكون من أى نوع من أنواع الحجارة (واليه ذهب الأئمة مالك والشافعى وأحمد) وقال الأمام أبو حنيفة يجوز بالطين والمدر وما كان من جنس الأرض ونحوه (قال الثوري) وروى عن سكينة بنت الحسين ﵄ أنها رمت الجمرة ورجل يناولها الحصى تكبر مع كل حصاة وسقطت حصاة فرمت بخاتمها، احتج الأولون بأن النبى ﷺ رمى بالحصى وأمر بالرمى بمثل حصى الخذف فلا يتناول غير الحصى ويتناول جميع أنواعه فلا يجوز تخصيصه بغير دليل ولا الحاق غيره به لأنه موضع لا يدخل القياس فيه (ومنها) أن رمى الجمار له فضل عظيم عند الله ﷿ ينفع الله به صاحبه يوم القيامة فى وقت يكون العبد أحوج ما يكون إلى عمل صالح ترجح به حسناته (ومن فضائله أيضا) أن يكون نورا لصاحبه يوم القيامة كما فى حديثى ابن عمر وابن عباس المذكورين فى الزوائد (ومنها) أن رمى الجمار لابد أن يكون بسبع حصيات وإلى وجوب ذلك (ذهب جمهور العلماء):وذهب عطاء" إلى أنه إن رمى بخمس أجزأه، وقال مجاهد إن رمى بست فلا شيء عليه (وبه قال الأمام أحمد واسحاق) واحتج من قال ذلك بحديث سعد بن مالك ﵁ المذكور آخر أحاديث الباب، وبما رواه أبو داود والنسائى من رواية أبى مجلز وذكر فى الزوائد قال سألت ابن عباس عن شيء من أمر الجمار فقال ما أدرى رماها رسول الله ﷺ بست أو بسبع، والصحيح الذى عليه الجمهور أن الواجب سبع كما صح من حديث جابر الطويل عند مسلم فى صفة حج النبى ﷺ وحديث ابن عباس وغيره، وحديث ابن مسعود، وسيأتى فى باب رمى جمرة العقبة من
[ ١٢ / ١٧٢ ]
-[مذاهب العلماء فى جزاء من رمى بأقل من سبع حصيات]-
(٢) باب وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر
(٣٧٢) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى ثنا وكيع ثنا سفيان ومسعر عن سلمة ابن كهيل عن الحسن العرنىِّ عن ابن عبَّاس ﵄ قال قدَّمنا رسول الله ﷺ أغيلمة بنى عبد المطَّلب على حمرات لنا من جمعٍ، قال سفيان بليلٍ فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول أبينىَّ
_________________
(١) بطن الوادي، وأجيب عن حديث سعد بأنه ليس بمسند، وعن حديث ابن عباس أنه ورد على الشك من ابن عباس، وشك الشاك لا يقدح فى جزم الجازم، فان رماها بأقل من سبع حصيات (فذهب الجمهور) فيما حكاه القاضى عياض إلى أن عليه دما وهو قول (مالك والأوزاعي) (وذهب الشافعى وأبو ثور) إلى ان على تارك حصاة مداة من طعام وفى اثنتين مدين وفى ثلاث فأكثر دما (وللشافعى قول آخر) أن فى الحصاة ثلث دم. وله. قول آخر أن فى الحصاة درهما (وذهب أبو حنيفة وصاحباه) الى أنه إن ترك أكثر من نصف الجمرات الثلاث فعليه دم، وان ترك أقل من نصفها ففى كل حصاة نصف صاع (وعن طاوس) إن رمى ستا يطعم تمرة أو لقمة. والله ﷾ أعلم (ومنها) أن السر فى عدم ازدياد الحصى بكثرة الرمى هو أن ما كان منها مقبولا وكل الله به ملائكة ترفعه، ولم يبق منها إلا ما كان غير مقبول وهو قليل، كما يستفاد ذلك من حديث أبى سعيد والآثار المروية عن ابن عباس فى الزوائد والله أعلم، نسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا مقبولة خالصة لوجهه الكريم، وأن يرزقنا الفوز بجنات النعيم آمين
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبه) (١) بضم العين المهملة وفتح الراء، ويقال له البجلى الكوفى ثقة، احتج به مسلم واستشهد به البخارى غير أن حديثه عن ابن عباس منقطع، قال الأمام أحمد ﵀ الحسن العرفى لم يسمع من ابن عباس شيئا اهـ (٢) بدل من الضمير فى قدمنا (وقال الشوكاني) منصوب على الاختصاص أو على الندب، قال فى النهاية تصغير أغلمة بسكون الغين وكسر اللام جمع غلام، وهو جائز فى القياس، ولم يرد فى جمع الغلام أغلمة، وإنما ورد غلمة بكسر الغين المعجمة، والمراد بالأغيلمة الصبيان ولذلك صغرهم (٣) بضم الحاء المهملة والميم جمع حمر جمع تصحيح، وحمر جمع لحمار، (٤) بفتح الياء التحتية والطاء المهملة وبعدها حاء مهملة (قال أبو داود) اللطخ الضرب اللين، وقال صاحب النهاية هو الضرب الخفيف بالكف اهـ. وإنما فعل ذلك ملاطفة لهم (٥) بضم الهمزة وفتح
[ ١٢ / ١٧٣ ]
-[وقت رمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم النحر ويجوز تقديمه للضعفة]-
لا ترموا الجمرة حتَّى تطلع الشَّمس وزاد سفيان، قال ابن عباس ما إخال أحدا يعقل يرمى حتَّى تطلع الشمس
(٣٨٣) عن شعبة عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ النَّبى ﷺ بعث به مع أهله إلى منىً يوم النحر فرموا الجمرة مع الفجر
(٣٧٤) عن جابر بن عبد الله ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ رمى
_________________
(١) الباء الموحدة وسكون ياء التصغير وبعدها نون مكسورة ثم ياء النسب المشددة، كذا قال ابن رسلان فى شرح السنن، وقال أبو عبيد هو تصغير بنىّ جمع ابن مضافا إلى النفس (١) بكسر الهمزة وهو الأفصح أى أظن من باب ظننت وأخواتها، وبنو أسد تقول أخال بالفتح وهو القياس (تخريجه) (الأربعة) من طريق الحسن العرفى وهو منقطع كما علمت، لكن قال الحافظ وأخرجه الترمذى والطحاوى من طرق عن الحكم عن مقسم عنه (يعنى عن ابن عباس) قال وأخرجه أبو داود من طريق حبيب عن عطاء وهذه الطرق يقوى بعضها بعضا ومن ثم صححه الترمذى وابن حبان اهـ
(٢) عن شعبة عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى قال حدثناه حسين قال ثنا ابن أبى ذئب عن شعبة عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (٢) فى الحديث السابق أن النبى ﷺ نهاهم عن الرمى حتى تطلع الشمس، وفى هذا الحديث أنهم رموا الجمرة مع الفجر وكلا الحديثين يحتج به والمخرج واحد والقصة واحدة، وظاهر هذا التعارض، ولا مخلص منه إلا بحمل من رمى مع الفجر على ضعفه أهله ﷺ من النساء لأن الزحام يؤذيهن، ويحمل من رمى بعد طلوع الشمس على اغيلمة بنى عبد المطلب، ومنهم ابن عباس أخر الرمى حتى يرمى معهم لأنهم أقدر من النساء على تحمل الزحام نوعا وإن كانوا صغار فالزحام لا يؤذيهم كما يؤذى النساء، وقد راعى ذلك النبى ﷺ فيهم، أما الأقوياء من الرجال فالأفضل لهم رمى جمرة العقبة ضحى لما ثبت فى حديث جابر الآتى بعد هذا أن النبى ﷺ رمى فى ذلك الوقت، هذا ما ظهر لى والله أعلم (تخريجه) (طح. نس) وسنده جيد. وهو فى الصحيحين بلفظ "كنت فيمن قدّم رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم فى ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى
(٣) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا عفان حدثنا حماد يعنى ابن سلمة أنا ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر - الحديث"
[ ١٢ / ١٧٤ ]
-[الوقت المستحب لرمى جمرة العقبة باتفاق العلماء يوم النحر ضحى]-
جمرة العقبة يوم النحر ضحًى ورمى فى سائر أيام التشريق بعد ما زالت الشَّمس (وعنه من طريقٍ ثانٍ) رمى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم الجمرة الأولى يوم النَّحر ضحًى، ورماها بعد ذلك عند زوال الشمس
(٣٧٥) عن أبى الزُّبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنهما يقول ولا أدرى بكم رمى الجمرة
(٣٧٦) عن أمِّ سلمة ﵂ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أمرها أن توافى معه صلاة الصُّبح يوم النَّحر بمكَّة
_________________
(١) (غريبه) (١) رمي جمرة العقبة فى هذا الوقت متفق على استحبابه عند كافة العلماء ولا يرمى فى هذا اليوم غيرها بالأجماع، وأما أيام التشريق الثلاثة فترمى فيها الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن إدريس أنا ابن جرير عن أبى الزبير عن جابر قال رمى رسول الله ﷺ - الحديث" (تخريجه) (ق. هق. والأربعة)
(٢) عن أبى الزبير (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا ابن جريج أخبرنى أبو الزبير - الحديث" (غريبه) (٣) تقدم فى الباب السابق وزوائده عن ابن عباس وغيره أن النبى ﷺ رماها بسبع حصيات، بل ثبت عن جابر نفسه فى حديثه الطويل فى صفة حج النبى ﷺ عند مسلم أنه قال ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات - الحديث" فيحمل على أنه لم يرد جمرة العقبة بقوله لا أدرى بل أراد غيرها من الجمار الأخرى والله أعلم، والجمرة الكبرى المذكورة فى حديث جابر هى جمرة العقبة وهى التى عند الشجرة (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد
(٣) عن أم سلمة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية قال ثنا هشام ابن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبى سلمة عن أم سلمة - الحديث" (تخريجه) (طح. هق) وأعله صاحب الجوهر النقى بالاضطراب سندا ومتنًا، قال وقد ذكر الطحاوى وابن بطال فى شرح البخارى ان أحمد بن حنبل ضعفه وقال لم يسنده غير معاوية وهو خطأ، وقال عروة مرسلا انه ﵇ أمرها أن توافيه صلاة الصبح
[ ١٢ / ١٧٥ ]
-[من قال بجواز رمي جمرة العقبة قبل الفجر يوم النحر]-
(٣٧٧) حدّثنا عبد الله حدثَّنى أبى ثنا داود بن عمر وثنا نافع بن عمر ابن جميل الجمحى قال رأيت عطاءًا وابن أبى مليكة وعكرمة بن خالدٍ (﵏ ﷿) يرمون الجمرة قبل الفجر يوم النَّحر فقال له أبى يا أبا سليمان فى أى سنةٍ سمعت من نافع بن عمر؟ قال سنة تسعٍ وستِّين؛
_________________
(١) يوم النحر بمكة، قال أحمد وهذا أيضا عجب، وما يصنع النبى ﷺ يوم النحر بمكة؟ ينكر ذلك اهـ (قلت) والظاهر أن هذا الحديث بهذا اللفظ خطأ، لأن الصحيح الثابت أن النبى ﷺ صلى الصبح يوم النحر بمزدلفة قبل الوقوف بالمشعر الحرام كما جاء فى حديث جابر الطويل فى صفة حج النبى ﷺ عند مسلم قال ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر وصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام - الحديث" ويحتمل أن يكون فى الحديث تقديم وتأخير، وتقديره "أمرها يوم النحر أن توافى معه صلاة الصبح بمكة" يعنى فى اليوم الذى بعد يوم النحر، وقد رواه الطحاوى بهذا اللفظ فقال، حدثنا ربيع المؤذن قال ثنا أسد قال ثنا محمد بن خازم (يعنى أبا معاوية) عن هشام بن عروة عن زينب بنت أبى سلمة عن أم سلمة ﵂ قالت أمرها رسول الله ﷺ يوم النحر أن توافى معه صلاة الصبح بمكة (قال الطحاوي) ففى هذا الحديث أن رسول الله ﷺ أمرها بما أمرها به من هذا يوم النحر فذلك على صلاة الصبح فى اليوم الذى بعد يوم النحر، وقال فى موضع آخر فأشبه الأشياء عندنا والله أعلم أن يكون أمرها أن توافى صلاة الصبح بمكة فى غد يوم النحر فى وقت يكون فيه حلالا بمكة، وقد علم المسلمون وقت رمى جمرة العقبة فى يوم النحر بفعل رسول الله ﷺ اهـ
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبه) (١) يحتمل أنهم رموها فى هذا الوقت لعذر ككبر أو مرض أو نحو ذلك، ويؤيد هذا ما رواه الطحاوى بسنده عن عبد الملك ابن أبى الصف عن عطاء قال اخبرنى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال للعباس ليلة المزدلفة اذهب بضعفائنا ونسائنا فليصلوا وليرموا جمرة العقبة قبل أن يصبهم دفعة الناس قال فكان عطاء يفعله بعد ما كبر وضعف (قال الطحاوي) فذهب قوم إلى أن للضعفة أن يرموا جمرة العقبة بعد طلوع الفجر واحتجوا فى ذلك بهذا الحديث اهـ (٢) القائل "فقال له أبى" هو عبد الله بن الأمام أحمد رحمهما الله (وقوله يا أبا سليمان) يعنى داود بن عمرو
[ ١٢ / ١٧٦ ]
-[زوائد الباب ومذاهب العلماء فى وقت رمى جمرة العقبة]-
سنة وقعة الحسين (رضى الله ﵎ عنه)
_________________
(١) لأن هذه كنيته، وإنما سأل الأمام أحمد ﵀ داود بن عمرو هذا السؤال مبالغة فى التحرى فى رواية الحديث خشية أن يكون الحديث منقطعًا فسأله عن التاريخ ليعلم هل لحق داود بن عمرو نافع بن عمر أم لا، فرحم الله الأمام أحمد وجزاه عن الدين خيرا (١) الظاهر من قوله سنة وقعة الحسين، يعنى الوقعة التى قتل فيها، فان كان كذلك فهذا التاريخ خطأ، لأن الحسين ﵁ استشهد سنة احدى وستين فى شهر المحرم فى يوم عاشوراء، أجمع على ذلك المؤرخون وأهل السير والله أعلم (تخريجه) لم أقف على هذا الأثر لغير الأمام أحمد ورجاله رجال الصحيح (زوائد الباب) (عن عائشة ﵂) قالت أرسل النبى ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت ذلك اليوم. اليوم لذى يكون رسول الله ﷺ تعنى عندها (د. هق) وإسناده صحيح على شرط مسلم (وقال البيهقي) إسناده صحيح لا غبار عليه (وعن ابن عباس) ﵄ أن النبى ﷺ كان يأمر نساءه، وثقله من صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد وأن لا يرموا الجمرة إلا مصبحين (هق. كح) (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس من يوم النحر وقت الضحى. وهذا مجمع عليه، وما ورد من الأحاديث الدالة على جواز الرمى قبل الفجر أو بعده وقبل طلوع الشمس فمحمول على ضعفة النساء خاصة ويجوز للصبيان وضعفة الرجال أن يرموا مع النساء؛ لكن الأفضل لهم التأخير حتى تطلع الشمس (وقد اختلف العلماء) فى وقت رمى جمرة العقبة (فذهب جماعة) إلى جواز الرمى بعد نصف ليلة النحر ويمتد هذا الوقت إلى ضحوة يومه (وذهب جماعة) إلى جوازه بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، ويمتد إلى ضحوة يوم النحر أيضا (وذهب آخرون) إلى عدم الجواز إلا بعد طلوع الشمس (وأجمعوا) على استحباب هذا الوقت وأنه الأفضل (فمن ذهب) إلى جواز الرمى بعد نصف ليلة النحر من الأئمة (الشافعى وعطاء) وهو مذهب أسماء بنت أبى بكر ﵄ وابن أبى مليكة وعكرمة بن خالد، واحتجوا بحديث أم سلمة المذكور فى الزوائد وبحديث أسماء المذكور قبل باب (وممن ذهب) إلى جوازه بعد الفجر وقبل طلوع الشمس الأئمة (مالك وأحمد وإسحاق وابن المنذر) واحتجوا بحديث ابن عباس الثانى من أحاديث الباب (وممن ذهب) إلى عدم الجواز إلا بعد طلوع الشمس الأئمة (أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والثورى والنخمي) واحتجوا بحديث ابن عباس المذكور أول الباب، قالوا فان رموها قبل طلوع الشمس أجزأهم وقد أساءوا (قال
[ ١٢ / ١٧٧ ]
-[مذاهب العلماء فى وقت رمى جمرة العقبة ومتى ينتهى]-
(٣) باب رمي جمرة العقبة من بطن الوادى وكيفية الرمى وما يقال عنده
(٣٧٨) عن عبد الرَّحمن بن يزيد قال كنت مع عبد الله (يعنى ابن مسعود ﵁) حتى انتهى إلى جمرة العقبة فقال ناولنى أحجارًا قال فناولته سبعة أحجارٍ، فقال لى خد بزمام الناقة قال ثمَّ عاد إليها فرمى بها من بطن الوادى بسبع حصيات وهو راكب يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، وقال اللَّهمَّ اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا، ثمَّ قال ها هنا كان يقوم الَّذي أنزلت
_________________
(١) العيني) في شرح البخارى قال الكاشانى من أصحابنا "يعنى الحنفية" أول وقته المستحب ما بعد طلوع الشمس وآخر وقته آخر النهار (كذا قال أبو حنيفة) وقال أبو يوسف يمتد إلى وقت الزوال، فاذا زالت الشمس يفوت الوقت ويكون فيما بعده قضاء، فان لم يرم حتى غربت الشمس يرمى قبل الفجر من اليوم الثانى ولا شيء عليه فى قول أصحابنا (وللشافعى قولان) فى قول إذا غربت الشمس فقد فات الوقت وعليه الفدية "وفى قول" لا يفوت إلا فى آخر أيام التشريق، فان أخر الرمى حتى طلع الفجر من اليوم الثانى رمى وعليه دم للتأخير فى قول أبى حنيفة، وفى قول أبى يوسف ومحمد لا شيء عليه (وبه قال الشافعي) (وقال مالك فى الموطأ) سمعت بعض أهل العلم يكره رمى الجمرة حتى يطلع الفجر من يوم النحر، ومن رمى فقد حل له النحر اهـ
(٢) عن عبد الرحمن بن يزيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا جرير عن ليث عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه (عبد الرحمن بن يزيد) - الحديث) (غريبه) (١) أى إلى مكان يقرب منها (قال الحافظ) جمرة العقبة هى الجمرة الكبرى وليست من منى. بل هى حد منى من جهة مكة وهى التى بايع النبى ﷺ الأنصار عندها على الهجرة. والجمرة اسم لمجتمع الحصى سميت بذلك لاجتماع الناس بها، يقال تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل إن العرب تسمى الحصا الصغار جمارا فسميت تسمية الشيء بلازمه (٢) أى إلى جمرة العقبة (وقوله فرمى بها من بطن الوادي) يعنى أنه وقف فى بطن الوادى فجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه كما فى حديثه الآتى بعد هذا (وقوله يكبر مع كل حصاة وقال اللهم الخ) لفظ البيهقى يكبر مع كل حصاة حتى إذا فرغ قال اللهم اجعله حجا مبرورا الخ (٣) يشير إلى أن هذا المكان الذى قام فيه عبد الله بن مسعود هو الذى كان يقوم فيه الذي
[ ١٢ / ١٧٨ ]
-[استحباب رمي جمرة العقبة من بطن الوادى والتكبير مع كل حصاة]-
عليه سورة البقرة (وعنه من طريق ثان) قال رأيت عبد الله استبطن الوادي، فجعل الجمرة عن حاجبه الأيمن واستقبل البيت ثمَّ رماها بسبع حصيات فذكر الحديث
(٣٧٩) وعنه أيضًا أنه حجَّ مع عبد الله فرمى الجمرة الكبرى بسبع حصياتٍ، وجعل البيت عن يساره، ومنىً عن يمينه، وقال هذا مقام الذَّى أنزلت عليه سورة البقرة
(٣٨٠) عن عبد الرَّحمن بن يزيد قال رمى عبد الله (يعنى ابن مسعود ﵁) جمرة العقبة من بطن الوادى بسبعٍ حصياتٍ يكبِّر مع كلِّ حصياتٍ، فقيل له إنَّ ناسًا يرمونها من فوقها فقال
_________________
(١) أنزلت عليه سورة البقرة يعنى النبى ﷺ وخص سورة البقرة بالذكر لما فيها من أحكام المناسك (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن المسعودى حدثنى جامع ابن شداد قال سمعت عبد الرحمن بن يزيد قال رأيت عبد الله (يعنى ابن مسعود) استبطن الوادى فجعل الجمرة عن حاجبه الأيمن واستقبل البيت ثم رماها بسبع حصيات يكبر دبر كل حصاة، ثم قال هذا والذى لا إله غيره مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة (٢) هذه الكيفية غير الكيفية الآتية فى الحديث التالى فلعله رأى النبى ﷺ فعل ذلك فى بعض المرات، والكيفية الآتية أصح وأشهر لأنها من رواية الصحيحين (تخريجه) أخرج الطريق الأولى منه البيهقي، وأخرج الطريق الثانية منه ابن ماجه وسنده جيد
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ومحمد ابن جعفر قالا ثنا شعبة قال روح ثنا الحكم عن ابراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد أنه حج مع عبد الله - الحديث" (غريبه) (٣) هو ابن مسعود ﵁ (وقوله الجمرة الكبرى) يعنى جمرة العقبة (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٣) عن عبد الرحمن بن يزيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد - الحديث" (غريبه) (٤) لفظ البخارى فقلت يا أبا عبد الرحمن إن ناسا يرمونها من فوقها، فبينت هذه الرواية أن القائل هو عبد الرحمن بن يزيد (٥) يريد أن بعض الناس كان يرميها من أعلاها لا من
[ ١٢ / ١٧٩ ]
-[كراهة الزحام على رمى الجمرة ومقدار الحصى الذى يرمى به]-
هذا والَّذي لا إله غيره مقام الذَّى أنزلت عليه سورة البقرة
(٣٨١) عن سليمان بن عمرو بن الأحوص الأزدى قال حدَّثتنى أمِّى أنها رأت رسول الله ﷺ يرمى جمرة العقبة من بطن الوادى وخلفه إنسان يستره من النَّاس أن يصيبوه بالحجارة وهو يقول أيُّها النَّاس لا يقتل بعضكم بعضًا وإذا رميتم فارموا بمثل حصى الخذف - الحديث
_________________
(١) المكان الذي رمى منه عبد الله بن مسعود، وقد روى ابن أبى شيبة فى ذلك عن عطاء أن النبى ﷺ كان يعلو إذا رمى الجمرة (قال الحافظ) لكن يمكن الجمع بين هذا وبين حديث الباب بأن التى ترمى من بطن الوادى هى جمرة العقبة لكونها عند الوادى بخلاف الجمرتين الأخريين اهـ (١) حلف ابن مسعود من غير داع لذلك لأجل تأكيد كلامه، وذلك أنه لما سمع من عبد الرحمن بن يزيد ما نقل عن هؤلاء الذين يرمون جمرة العقبة من فوق الوادى على خلاف ما يفعله الشارع صعب عليه ذلك وكرهه منهم وأنكر عليهم غاية الانكار حتى الجأه ذلك إلى الحلف (وقوله مقام) بفتح الميم من مقام. اسم مكان من قام يقوم. أى هذا موضع قيام النبى ﷺ (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن سليمان بن عمرو بن الأحوص (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسين بن محمد قال ثنا يزيد بن عطاء عن يزيد يعنى ابن أبى زياد عن سليمان بن عمرو ابن الأحوص - الحديث" (غريبه) (٢) هى أم جندب الأزدية كما صرح بذلك فى بعض طرقه (٣) هذا الإنسان المبهم هنا هو الفضل بن العباس ﵄ كما صرحت بذلك فى حديثهما المتقدم فى باب سبب مشروعية رمى الجمار الخ صحيفة ١٦٩ رقم ٣٧٠ (٤) أى من شدة الزحام أو من الأصابة بالحجارة (٥) ليس هذا آخر الحديث عند الأمام أحمد وبقيته "ثم أقبل نأتته امراة بابن لها فقالت يا رسول الله إن ابنى هذا ذاهب العقل فادع الله له، قال لها ائتينى بماء فأتته بماء فى تور من حجارة فتفل فيه وغسل وجهه ثم دعا فيه، ثم قال اذهبى فاغسليه به واستشفى الله ﷿، فقلت لها هبى لى منه قليلا لابنى هذا، فأخذت منه قليلًا بأصابعى فمسحت بها شقة ابنى فكان من أبر الناس، فسألت المرأة بعد ما فعل ابنها؟ قالت برئ أحسن برء، وسيأتى هذا الحديث بتمامه فى باب المعجزات من كتاب السيرة النبوية إن شاء الله تعالى (تخريجه) (د. جه. هق) وفى إسناده يزيد بن أبى زياد ضعيف ويعضده ما قبله (زوائد الباب) جاء فى حديث جابر الطويل فى صفة حج النبي ﷺ
[ ١٢ / ١٨٠ ]
-[زوائد الباب ومذاهب العلماء فى الكيفية المستحبة فى الوقوف للرمى]-
_________________
(١) عند مسلم قال - ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادى ثم انصرف إلى المنحر - الحديث) (وعن زيد بن أبى أسامة) يعنى بن أسلم قال رأيت سالم بن عبد الله يعنى ابن عمر استبطن الوادى ثم رمى الجمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر اللهم اجعله حجا مبرورًا، وذنبا مغفورا وعملا مشكورا فسألته عما صنع فقال حدثنى أبى أن النبى ﷺ كان يرمى الجمرة فى هذا المكان ويقول كلما رمى بحصاة مثل ما قلت (هق) وفى إسناده عبد الله بن حكيم بن الأزهر، قال البيهقى ضعيف والله أعلم (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية رمى جمرة العقبة من بطن الوادى وهو سنة عند جمهور العلماء (وقال الأمام مالك) لا باس أن يرميها من فوقها ثم رجع فقال لا يرميها إلا من أسفلها (وقال ابن بطال) رمى جمرة العقبة من أسفلها أو أعلاها أو وسطها كل ذلك واسع، والموضع الذى يختار بها بطن الوادى من أجل حديث ابن مسعود، وكان جابر بن عبد الله يرميها من بطن الوادى (وبه قال عطاء وسالم) وهو قول الأئمة (أبو حنيفة والثورى والشافعى وأحمد واسحاق) وقال الأمام مالك فرميها من أسفلها أحب إلى، وقد روى عن عمر ﵁ أنه جاء والزحام عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها (وفى أحاديث الباب) أيضا أنه لا يكره قول الرجل سورة البقرة وسورة آل عمران ونحو ذلك (وهو قول كافة العلماء) إلا ما حكى عن بعض التابعين كراهة ذلك، وأنه ينبغى أن يقال السورة التى يذكر فيها كذا، والأصح قول الجمهور لقوله ﷺ "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة المرفوعة (وفى أحاديث الباب أيضا) روايتان عن ابن مسعود فى كيفية وقوف الرامى لجمرة العقبة أصحهما أن يقف تحتها فى بطن الوادى فيجعل مكة عن يساره وهو معنى قوله فى الحديث "وجعل البيت عن يساره" والبيت هو الكعبة. والكعبة فى مكة، ويجعل منى عن يمينه ويستقبل العقبة ثم يرمى (وبهذا قال جمهور العلماء) منهم ابن مسعود وجابر والقاسم بن محمد وسالم وعطاء ونافع وأبو حنيفة والثورى ومالك والشافعى وأحمد (وللشافعية وجه ثان) أنه يقف مستقبل الجمرة مستدبر الكعبة ومكة، وبه جزم الشيخ أبو حامد فى تعليقه والبندنيجى وصاحب البيان والرافعى وآخرون (ولهم وجه ثالث) أنه يقف مستقبل الكعبة وتكون الجمرة عن يمينه (قال النووي) والمذهب الأول لحديث عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله ابن مسعود انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى بسبع حصيات ثم قال هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة (وفى أحاديث الباب أيضا)
[ ١٢ / ١٨١ ]
-[مشروعية التكبير والدعاء مع رمى كل حصاة وما ورد فى ذلك من الألفاظ]-
(٤) باب استحباب الركوب لرمى جمرة العقبة والمشى لغيرها
(٣٨٢) عن نافعٍ قال كان ابن عمر ﵄ يرمى جمرة العقبة على دابَّته يوم النَّحر وكان لا يأتى سائرها بعد ذلك إلاَّ ماشيًا ذاهبًا وراجعًا وزعم أنَّ النَّبى ﷺ كان لا يأتيها إلاَّ ماشيًا ذاهبًا وراجعًا
(٣٨٣) عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ النَّبى صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم رمى الجمرة جمرة العقبة يوم النَّحر راكبًا
_________________
(١) وجوب الرمي بسبع حصيات، وقد تقدم الكلام على ذلك (وفيها أيضا) مشروعية التكبير مع رمى كل حصاة (قال الحافظ) وقد أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء إلا الثورى فقال يطعم، وإن جبره بدم أحب إلى (وفى الحديث) أن مطلق التكبير يكفى ويقول اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبًا مغفورا كما فى الحديث الأول من أحاديث الباب (وفى رواية) للبيهقى تأخير قوله اللهم اجعله حجا مبرورا الخ حتى يفرغ من الرمى ثم يقولها (وفى رواية زيد) أبى أسامة عن سالم بن عبد الله بن عمر المذكورة فى الزوائد بيان التكبير وهو أن يقول مع كل حصاة الله أكبر اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا، وقد روى عن ابن عمر وابن مسعود أنهما كانا يقولان نحو ذلك، وقال ابراهيم النخعى كانوا يحبون ذلك والله أعلم (وقال الماوردي) قال الشافعى يكبر مع كل حصاة فيقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد اهـ. والله أعلم
(٢) عن نافع (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا نوح بن ميمون أنا عبد الله يعنى ابن عمر العمرى عن نافع قال كان ابن عمر - الحديث" (غريبه) (١) يعنى بعد يوم النحر (٢) لفظ أبى داود ويخبر أن النبى ﷺ كان يفعل ذلك (٣) أى كان لا يأتى الجمرات الثلاث بعد يوم النحر إلا ماشيا فى الذهاب والأياب (تخريجه) (د. هق) وفى إسناده عبد الله بن عمر بن حفص العمرى وفيه مقال، وقد أخرج له مسلم مقرونا بأخيه عبيد الله
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن زكريا ثنا حجاج عن الحكم عن أبى القاسم عن ابن عباس - الحديث" (تخريجه) (جه. مذ) وقال حديث ابن عباس حديث حسن والعمل على هذا عند بعض أهل العلم
[ ١٢ / ١٨٢ ]
-[مشروعية الركوب لرمى جمرة العقبة وقوله ﷺ لتأخذوا مناسككم]-
(٣٨٤) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال رأيت النَّبى ﷺ يرمى على راحلته يوم النَّحر يقول لتأخذوا مناسككم فإنِّى لا أدرى أن لا أحجَّ بعد حجَّتى هذه (وعنه من طريقٍ ثانٍ) قال (يعنى النَّبى صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم) لتأخذ أمتى مناسكها، وارموا بمثل حصى الخذف
(٣٨٥) عن قدامة بن عبد الله الكلابىِّ ﵁ أنَّه رأى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم رمى الجمرة جمرة العقبة من بطن الوادى يوم النحر على ناقةٍ له صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك
_________________
(١) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول رأيت النبى ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) قال النووى هذه اللام لام الأمر ومعناه خذوا مناسككم وهكذا وقع فى رواية مسلم وتقديره هذه الأمور التى أتيت بها فى حجتى من الأقوال والأفعال والهيئات هى أمور الحج وصفته وهى مناسككم فخذوها عنى واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس، وهذا الحديث أصل عظيم فى مناسك الحج وهو نحو قوله ﷺ فى الصلاة "صلوا كما رأيتمونى أصلي" اهـ (٢) لفظ مسلم لعلى لا أحج بعد حجتى هذه وفيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه وانتهاز الفرصة من ملازمته وتعلم أمور الدين. وبهذا سميت حجة الوداع والله تعالى أعلم (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا سفيان عن أبى الزبير عن جابر قال لتأخذ أمتى - الحديث" (تخريجه) أخرج الطريق الأولى منه (م. د. نس. هق) ولم أقف على من أخرج الطريق الثانية بهذا اللفظ
(٢) عن قدامة بن عبد الله (سنده) (حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيرى ثنا أيمن بن نابل ثنا قدامة بن عبد الله - الحديث" (غريبه) (٤) الأصهب الذى فى شعره حمرة يعلوها سواد، وهو لون الناقة الصهباء (وقوله لا ضرب ولا طرد الخ) معناه أنه لا تضرب الناس أمامه ولا يطردون ليفسحوا له الطريق كما يفعل بين يدى الأمراء، ولا يقال لمن أمامه اليك اليك يعنى بعد وتنح، بل كان شأنه شأن الذين معه سواء بسواء، وفى هذا من التواضع والأخلاق الكريمة ما لا يخفى
[ ١٢ / ١٨٣ ]
-[زوائد الباب ومذاهب الأئمة فى حكم الركوب لرمى جمرة العقبة]-
(٣٨٦) عن أمِّ الحصين (الأحمسيَّة ﵂) قالت حججت مع النَّبى ﷺ حجَّة الوداع فرأيت أسامة بن زيد وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النَّبى ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحرِّ حتَّى رمى جمرة العقبة
_________________
(١) فسبحان من كمله وبالخلق العظيم جمله؛ وحسبنا مخاطبة الله ﷿ إياه بقوله "وإنك لعلى خلق عظيم" ﷺ (تخريجه) (فع. نس. مذ. جه. هق: مى) وقال الترمذى حديث قدامة بن عبد الله حديث حسن صحيح وإنما يعرف هذا الحديث من هذا الوجه وهو حديث حسن صحيح، وأيمن بن نابل هو ثقة عند أهل الحديث اهـ
(٢) عن أم الحصين (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن سلمة عن أبى عبد الرحمن عن زيد بن أبى أنيسة عن يحيى بن الحصين عن أم الحصين جدته حدثته قالت حججت مع النبى ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) فيه جواز رمى جمرة العقبة راكبا وفيه جواز تظليل المحرم على رأسه بثوب وغيره، وتقدم الكلام على ذلك فى أحكام باب تظلل المحرم من الحر صحيفة ٢١٦ فى الجزء الحادى عشر (تخريجه) (م. هق) وهذا الحديث من الأحاديث التى رواها مسلم عن الأمام أحمد بسند الأمام أحمد، قال مسلم واسم أبى عبد الرحيم (يعنى أحد رجال السند) خالد بن أبى يزيد وهو خال محمد بن سلمة روى عنه وكيع وحجاج الأعور اهـ (زوائد الباب) روى الترمذى فى جامعه قال حدثنا يوسف بن عيسى نا ابن نمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبى ﷺ كان إذا رمى الجمار مشى اليه ذاهبا وراجعا، قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح وقد رواه بعضهم عن عبيد الله ولم يرفعه والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وقال بعضهم يركب يوم النحر ويمشى فى الأيام التى بعد يوم النحر، قال أبو عيسى (يعنى الترمذي) كأن من قال هذا إنما أراد اتباع النبى ﷺ فى فعله، لأنه إنما روى عن النبى ﷺ أنه ركب يوم النحر حيث ذهى يرمى الجمار، ولا يرمى يوم النحر إلا جمرة العقبة اهـ (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية الركوب لرمى جمرة العقبة يوم النحر فقط والمشى لرمى الجمرات جميعها فى غير يوم النحر، وقد اختلف العلماء فى ذلك (قال النووى قال الشافعي) وموافقوه إنه يستحب لمن وصل منى راكبا أن يرمى جمرة العقبة يوم النحر راكبا، ولو رماها ماشيا جاز، وأما من وصلها ماشيا فيرميها ماشيا، وهذا فى يوم النحر، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق فالسنة أن يرمى فيهما جميع الجمرات ماشيا، وفى اليوم الثالث يرمي راكبًا
[ ١٢ / ١٨٤ ]
-[بقية مذاهب العلماء فى حكم الركوب والمشى لرمى جمرة العقبة]-
(٥) باب ما يحل للحاج وما يفعله بعد رمى جمرة العقبة
(٣٨٧) عن ابن عبَّاس ﵄ قال رمى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم جمرة العقبة ثمَّ ذبح ثمَّ حلق
(٣٨٨) عن الحسن العرنىِّ عن ابن عبَّاس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كلُّ شيءٍ إلاَّ النِّساء، قال فقال رجل والطِّيب؟ فقال ابن عباسٍ أمَّا أنا فقد رأيت رسول الله
_________________
(١) وينفر هذا كله (مذهب مالك والشافعي) وغيرهما (وقال أحمد واسحاق) يستحب يوم النحر أن يرمى ماشيا (قال ابن المنذر) وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون مشاة، (قال وأجمعوا) على أن الرمى يجزيه على أى حال رماه إذا وقع فى المرمى اهـ (قلت وذهبت الحنفية) إلى استحباب الركوب لرمى جمرة العقبة فى كل أيام الرمي، والقاعدة عندهم أن كل رمى بعده رمى ترميه ماشيا لتدعو بعده، وكل رمى ليس بعده رمى ترميه راكبا لتذهب عقبه بلا دعاء، وأجاب القائلون بأفضلية المشى لجميع الجمار حتى فى يوم النحر عن ركوبه ﷺ لرمى جمرة العقبة بأنه كان لعذر الازدحام، وقد علمت أن الذى ثبت عنه ﷺ الركوب لرمى جمرة العقبة يوم النحر والمشى بعد ذلك مطلقا، وهذا أولى بالاتباع والله أعلم
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أحمد بن الحجاج أنا ابن المبارك أنا الحجاج ابن أرطأة عن الحكم عن أبى القاسم عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (١) يستفاد منه أن السنة رمى جمرة العقبة أولا ثم ذبح الهدى ثم الحلاق. ولو قدم وأخر جاز، والأفضل الأول (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد، وفى اسناده الحجاج بن أرطاة، قال ابن معين صدوق يدلس، وقال أيضا هو والنسائى ليس بالقوى. روى له مسلم مقرونا بغيره، وقال أبو حاتم إذا قال حدثنا فهو صالح لا يرتاب فى حفظه وصدقه اهـ
(٣) عن الحسن العرفى عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع وعبد الرحمن قالا ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن الحسن العرفى - الحديث" (غريبه) (٢) يعنى مما يحرم على المحرم فعله إلا الجماع (وقوله فقال رجل الخ) رواية عبد الرحمن أحد رجال السند "فقال رجل يا أبا العباس والطيب؟ "
[ ١٢ / ١٨٥ ]
-[ما يحل للمحرم فعله بعد رمى جمرة العقبة]-
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يضمِّخ رأسه بالمسك، فأطيب ذاك أم لا؟
(٣٨٩) عن عائشة ﵂ قالت طيَّبت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بيدى بذريرة لحجَّة الوداع للحلِّ والإحرام حيث أحرم وحيث رمى جمرة العقبة يوم النَّحر قبل أن يطوف بالبيت
(٣٩٠) وعنها ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ إذا رميتم وحلفتم فقد حلَّ لكم الطِّيب والثِّياب وكلُّ شيءٍ إلاَّ النِّساء
(فصل منه فيما جاء فى النحر والحلاق والتقصير)
(٣٩١) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى ثنا سفيان حدَّثنا هشام أبو عبد الله عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال لمَّا رمى النَّبى ﷺ جمرة العقبة ونحر
_________________
(١) التضمخ التلطخ بالطيب وغيره والأكثار منه، والمعنى أنه رأى رسول الله ﷺ فعل ذلك بعد رمى جمرة العقبة (تخريجه) (د. نس. جه. هق) قال فى البدر المنير اسناده حسن كما قال المنذرى إلا أن يحيى بن معين وغيره قالوا يقال إن الحسن العرنى لم يسمع من ابن عباس والله أعلم
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا ابن جريج أخبرنى عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبران عن عائشة قالت طيبت رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (٢) الذريرة نوع من الطيب مجموع من أخلاط (وقولها للحل) أى لتحلله من محظورات الأحرام بعد رمى جمرة العقبة (وقولها والأحرام) أى عند إرادة الأحرام (تخريجه) (ق. لك. هق. والأربعة)
(٣) وعنها ﵂ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد قال أخبرنا الحجاج عن أبى بكر بن محمد بن عمرة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (٣) يعنى ولبس الثياب وكل شيء من محرمات الأحرام إلا وطء النساء (تخريجه) (د. هق. قط) وفى اسناده الحجاج بن أرطاة فيه كلام ويؤيده حديث ابن عباس المتقدم
(٤) حدّثنا عبد الله (غريبه) (٤) هو ابن حسان القردوسي بضم
[ ١٢ / ١٨٦ ]
-[كيفية الحلق عند التحلل - وقصة معمر بن عبد الله العدوى وأنه الذى حلق رسول الله ﷺ]-
هديه حجم وأعطى الحجَّام، وقال سفيان مرَّةً وأعطى الحالق شقَّه الأيمن فحلقه فأعطاه أبا طلحة ثمَّ حلق الأيسر فأعطاه النَّاس
(٣٩٢) عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ أخبره أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم حلق رأسه فى حجَّة الوداع
(٣٩٣) عن معمر بن عبد الله (العدوىِّ) ﵁ قال كنت أرحِّل لرسول الله ﷺ فى حجَّة الوداع، قال فقال لى ليلةً من الليالى يا معمر لقد وجدت فى أنساعى اضطرابًا، قال فقلت أما والذَّي بعثك
_________________
(١) القاف (١) يعني فى رواية أخرى (٢) فيه استحباب البداءة فى حلق الرأس بالشق الأيمن من رأس المحلوق (٣) الظاهر والله أعلم أنه ﷺ خص أبا طلحة وحده بأعطائه شعر الشق الأيمن، لأنه كان حريصا على ذلك ويحتمل أنه طلبه منه، وفيه مشروعية التبرك بشعر الصالحين ونحوه، وفيه دلالة على طهارة شعر الآدمي، وقد تقدم الكلام على ذلك فى كتاب الطهارة (تخريجه) (م. د. هق) بلفظ أن رسول الله ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس، وللأمام أحمد رواية أخرى بهذا اللفظ أيضا
(٢) عن نافع (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن بكر أنا ابن جريج حدثنى موسى بن عقبة عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ - الحديث" (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٣) عم معمر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب قال ثنا أبى عن ابن إسحاق قال حدثنى يزيد بن أبى حبيب المصرى عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عقبة مولى معمر بن عبد الله بن نافع بن نضلة العدوى عن معمر بن عبد الله - الحديث" (غريبه) (٤) أى أشد رحله على بعيره، والظاهر أنه ﷺ خصه بذلك مدة سفره فى حجة الوداع (٥) جمع نسع بكسر النون، سير ينسج عريضا على هيئة أعنة النعال تشد به الرحال. والقطعة منه نسعة؛ وسمى نسعا لطوله، والجمع نسع ونسع كعنب وأنساع ونسوع قال صاحب القاموس (قلت) وعبر عنه فى الحديث بلفظ الجمع، إما لأن الرحل يحتاج
[ ١٢ / ١٨٧ ]
-[قصة معمر بن عبد الله العدوى - وأنه هو الذى حلق النبى ﷺ]-
بالحقِّ لقد شددتها كما كنت أشدُّها ولكنَّه أرخاها من قد كان نفس علىَّ لمكانى منك لتستبدل بى غيري، قال فقال أما إنِّى غير فاعلٍ، قال فلمَّا نحر رسول الله ﷺ هديه بمنىً أمرنى أن أحلقه قال فأخذت الموسى فقمت على رأسه قال فنظر رسول الله ﷺ فى وجهى وقال لى يا معمر أمكنك رسول الله ﷺ من شحمةٍ أذنه وفى يدك الموسى قال فقلت أما والله يا رسول الله إنَّ ذلك لمن نعمة الله علىَّ ومنِّه قال فقال أجل إذًا أقرُّ لك، قال ثمَّ حلقت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم
(٣٩٤) عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر قال سمعت عمر
_________________
(١) إلى أكثر من نسع. فبعضها يشد على بطن البعير. وبعضها يجعل على صدره، وصرح فى النهاية بأنها تجعل على صدر البعير، وإما أن يكون ﷺ أراد رحال أزواجه أيضا ﵅ لنسبتهن اليه والله أعلم (والاضطراب) معناه كثرة الحركة وعدم الاستقامة (١) بفتح النون وكسر الفاء، يقال نفست عليه الشيء نفاسة إذا لم تره له أهلا، والمعنى أن من حسدنى على منزلتى عندك هو الذى أرخاها بعد أن شددتها يريد بذلك الكيد لى لتستبدل بى غيري، فقال ﷺ "أما انى غير فاعل" يعنى لست مستبدلًا بك غيرك (٢) فيه أنه ﷺ نحر الهدى أولا ثم حلق، وفيه أن الذى حلق رسول الله ﷺ فى حجة الوداع هو معمر بن عبد الله العدوى ﵁ (٣) قال أهل اللغة الموسى يذكر ويؤنث (قال ابن قتيبة) قال الكسائى هو فعلى وقال غيره مفعل من أوسيت رأسه أى حلقته (قال الجوهري) والكسائى والفراء يقولان هى فعلى مؤنثة، وعبد الله بن سعد الأموى يقول مفعل مذكر، قال أبو عبد الله لم نسمع تذكيره إلا من الأموى (٤) أى فما ترى فى ذلك (٥) يريد أن من نعمة الله على ومنِّه أن خصنى بخدمتك يا رسول الله وسأقوم بها كما تحب، وقول النبى ﷺ "أجل اذا أقر لك" معناه نعم حيث قد علمت أن هذا من نعم الله عليك ومنّه، فحينئذ أسكن لك وأطمئن حتى تقضى مهمتك والله أعلم (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد والطبرانى فى الكبير وفيه عبد الرحمن بن عقبة مولى معمر ذكره ابن أبى حاتم ولم يوثق ولم يجرح
(٢) عن سالم بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو اليمان
[ ١٢ / ١٨٨ ]
-[ما حكم من ضفر شعره أو لبده عند الأحرام - أيحلق عند التحلل أو يقصر]-
﵁ يقول من ضفَّر فليحلق ولا تشبِّهَّوا بالتَّلبيد، وكان ابن عمر يقول لقد رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ملبِّدًا
(٣٩٥) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى ثنا إسماعيل أبو معمر ومحمَّد بن عبَّادٍ قال ثنا ابن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس قال قال معاوية لابن عبَّاسٍ (وفى لفظٍ عن طاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ قال قال لى معاوية) أما علمت أنِّي قصَّرت
_________________
(١) أخبرنا شعيب عن الزهرى أخبرنى سالم بن عبد الله - الحديث" (غريبه) (١) بالضاد والفاء يعنى من ضفر رأسه أى جعله ضفائر كل ضفيرة على حدة بثلاث طاقات فما فوقها، وضفر الشعر ادخال بعضه فى بعض (وقوله فليحلق) يعنى وجوبا فان قصر لم يجزه وعليه الحلق وهذا مذهب عمر ﵁ (وقوله ولا تشبهوا) أى الضفر (بالتلبيد) لأنه أشد منه فيجوز التقصير عند عمر ﵁ لمن لبد دون من ضفر، وتلبيد الشعر أن يجعل فيه شيء من صمغ عند الأحرام لئلا يشعث ويقمل ابقاءا على الشعر، وإنما يلبد من يطول مكثه فى الأحرام (قال ابن عبد البر) روى تشبهوا بضم التاء وفتحها وهو الصحيح أى لا تتشبهوا، ومعنى الضم لا تشبهوا علينا فتفعلوا ما لا يشبه التلبيد الذى سنة فاعله الحلق وجاء مثل قول عمر هذا عنه ﷺ من وجه حسن (قلت) جاء هذا الحديث مرفوعا عند البيهقى من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال من لبد رأسه للأحرام فقد وجب عليه الحلاق (قال البيهقي) عبد الله بن نافع هذا ليس بالقوى والصحيح أنه من قول عمر وابن عمر ﵄، قال وكذلك رواه سالم عن أبيه عن عمر (يعنى حديث الباب) والله أعلم بالصواب (٣) قول ابن عمر ﵄ لقد رأيت رسول الله ﷺ ملبدا جاء فى صحيح البخارى أيضا (تخريجه) (لك. هق) وسنده جيد وأخرج الجزء الأخير منه البخارى وتقدمت الأشارة إلى ذلك
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبه) (٤) أى أخذت من شعر رأسه وهو يشعر بأن ذلك كان فى نسك. إما فى حج أو عمرة، وقد ثبت فى أحاديث الباب المتقدمة أنه ﷺ حلق فى حجته فتعين أن يكون فى عمرة، لاسيما وقد جاء فى الطريق الثانية بلفظ قصرت عن رأس رسول الله ﷺ عند المروة ونحو ذلك عند مسلم، وهذا يحتمل أن يكون فى عمرة القضية أو الجعرانة، وسيأتى تحقيق ذلك في آخر الأحكام إن شاء الله تعالى
[ ١٢ / ١٨٩ ]
-[حديث معاوية فى تقصيره من شعر رسول الله ﷺ تحقيق أن ذلك كان فى عمرة]-
من رأس رسول الله ﷺ بمشقصٍ فقال ابن عبَّاس لا، قال ابن عبَّاد فى حديثه، قال ابن عباس وهذه حجَّة على معاوية (ومن طريقٍ ثانٍ) عن ابن عبَّاس عن معاوية قال قصَّرت عن رأس رسول الله ﷺ عند المروة
(٣٩٦) عن مجاهدٍ وعطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّ معاوية (ابن أبى سفيان ﵁) أخبره أنَّه رأى رسول الله ﷺ قصَّر من شعره بمشقص، فقلنا لابن عبَّاس ما بلغنا هذا إلا عن معاوية، فقال ما كان معاوية على رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم متَّهما
(فصل منه فيما ورد فى فضل الحلاق على التقصير)
(٣٩٧) عن ابن عبَّاس ﵄ قال حلق رجالٌ يوم
_________________
(١) المشقص بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح القاف آخره صاد مهملة، قال القزاز هو نص عريض يرمى به الوحش، وقال صاحب المحكم هو الطويل من النصال وليس بعريض وكذا قال أبو عبيد والله أعلم. نقله الحافظ (٢) معنى ذلك أن معاوية كان ينهى عن المتعة، وقد ثبت عنه فى الطريق الثانية أنه قصر عن رأس رسول الله ﷺ عند المروة، ومعلوم أن التقصير أو الحلاق عند المروة لا يكون إلا فى عمرة، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن النبى ﷺ حلق فى حجته بمنى فكيف ينهى معاوية بعد هذا عن المتعة فقوله حجة عليه، وقد جاء معنى ذلك فى رواية عند النسائي، قال يقول ابن عباس وهذه على معاوية أن ينهى الناس عن المتعة وقد تمتع رسول الله ﷺ (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عمرو بن محمد الناقد قال ثنا أبو أحمد الزبيرى ثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن ابن عباس عن معاوية - الحديث" (٤) استدل به على أن التقصير كان فى عمرة كما تقدم والله أعلم (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن مجاهد وعطاء (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو عمرو مروان بن شجاع الجزرى قال ثنا خصيف عن مجاهد وعطاء - الحديث" (غريبه) (٥) معناه أن ابن عباس ﵄ ينفى التهمة عن معاوية ﵁ بالكذب على رسول الله ﷺ لأنه صحابى والصحابة كلهم عدول ﵃ (تخريجه) أخرج الشق الأول منه مسلم إلى قوله بمشقص، ولم أقف على من أخرج الباقى
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد
[ ١٢ / ١٩٠ ]
-[دعاء النبي ﷺ ثلاثا مرات وللمقصرين مرة واحدة]-
الحديبية وقصَّر آخرون فقال رسول الله ﷺ يرحم الله المحلِّقين، قالوا يا رسول الله والمقصِّرين قال يرحم الله المحلِّقين، قالوا يا رسول الله والمقصِّرين، قال يرحم الله المحلِّقين، قالوا يا رسول الله والمقصِّرين، قال والمقصِّرين قالوا فما بال المحلِّقين يا رسول الله ظاهرت لهم الرَّحمة؟ قال لم يشكُّوا قال فانصرف رسول الله ﷺ (وعنه من طريقٍ ثانٍ) أنَّ رسول الله ﷺ قال اللَّهمَّ اغفر للمحلِّقين فقال رجلٌ وللمقصِّرين، فقال اللَّهمَّ اغفر للمحلِّقين، فقال الرَّجل وللمقصِّرين؟ فقال فى الثَّالثة أو الرَّابعة وللمقصِّرين
_________________
(١) قال محمد يعني ابن اسحاق حدثنى عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (١) أى يوم عمرة الحديبية وكان فى ذى القعدة سنة ست من الهجرة (٢) الواو فى قوله والمقصرين معطوفة على شيء محذوف تقديره قل والمقصرين، أو قل ويرحم الله المقصرين، وهذا يسمى العطف التلقينى كما فى قوله تعالى "إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي" (٣) فى قول رسول الله ﷺ والمقصرين إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه ولو تخلل بينهما السكوت لغير عذر (٤) أى أعنتهم وأيدتهم بالدعاء لهم ثلاث مرات (٥) قال العلامة السندى فى معنى قوله لم يشكوا أى ما عاملوا معاملة من يشك فى أن الاتباع أحسن، وأما من قصَّر فقد عامل معاملة الشاك فى ذلك حيث ترك فعله ﷺ اهـ. وقيل سبب دعائه ﷺ للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة توقف من توقف من الصحابة عن الأحلال فى عمرة الحديبية لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم فى أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبى ﷺ وصالح قريشا على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم بالأحلال توقفوا فأشارت أم سلمة أن يحل هو ففعل فحلق بعض وقصر بعض، فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن قصر (٦) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنا يزيد بن أبى زياد عن مقسم عن ابن عباس - الحديث" (٧) لم أقف على اسم هذا الرجل فى شيء من طرق الحديث (٨) أو للشك من الراوى وتقدم فى الطريق الأولى أنه قالها فى الرابعة بغير شك (تخريجه) أخرج الطريق الأولى منه ابن ماجه مختصرة وسندها جيد، وأخرج الطريق الثانية منه الطبرانى فى الأوسط وسندها عند الأمام أحمد جيد.
[ ١٢ / ١٩١ ]
-[دعاء النبي ﷺ للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة واحدة]-
(٣٩٨) عن أبي سعيدٍ الخدرى ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ وأصحابه حلقوا رؤوسهم عام الحديبية غير عثمان بن عفَّان وأبى قتادة ﵄، فاستغفر رسول الله ﷺ للمحلِّقين ثلاث مرارٍ وللمقصِّرين مرَّةً
(٣٩٩) عن يحيى بن الحصين قال سمعت جدتى تحدِّث أنَّها سمعت النَّبىَّ ﷺ بمنىً دعا للمحلِّقين ثلاث مرَّاتٍ، فقيل له والمقصِّرين؟ فقال
_________________
(١) عن أبي سعيد الخدرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح وعبد الصمد وأبو عامر قالوا حدثنا هشام بن أبى سعيد الخدرى - الحديث" (تخريجه) (ش. طح) وأبو داود الطيالسى وفى إسناده أبو إبراهيم الأنصارى جهله أبو حاتم وبقية رجاله ثقات
(٢) عن يحيى بن الحصين (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حجاج ابن محمد قال حدثنى شعبة عن يحيى بن الحصين قال سمعت جدتى - الحديث" (غريبه) (١) هى أم الحصين الأحمسية صحابية جليلة شهدت حجة الوداع (٢) فى الطريق الثانية قالت سمعت نبى الله ﷺ بعرفات يخطب الخ. فيحتمل أنه ﷺ كرر هذه الجملة فى خطبته بعرفات ثم فى خطبته بمنى فسمعته فى الموضعين؛ وهو يدل قطعًا على أن هذا الدعاء كان فى حجة الوداع، وتقدم فى حديثى ابن عباس وأبى سعيد أنه كان فى عمرة الحديبية، وقد اختلف العلماء فى ذلك فقال أبو عمر بن عبد البر كونه فى الحديبية هو المحفوظ، وقال النووى الصحيح المشهور أنه كان فى حجة الوداع (وقال القاضى عياض) لا يبعد أن النبى ﷺ قاله فى الموضعين، وما قاله القاضى عياض هو الصواب جمعا بين الأحاديث، وقال ابن دقيق العبد إنه الأقرب (قال الحافظ) بل هو المتعين لظاهر الروايات بذلك فى الموضعين اهـ (قلت) وتقدم سبب دعائه ﷺ للمحلقين فى عمرة الحديبية ثلاث مرات وللمقصرين مرة فى شرح حديث ابن عباس، أما سبب دعائه ﷺ للمحلقين فى حجة الوداع ثلاثًا وللمقصرين مرة فقد ذكره الخطابى فى معالم السنن بقوله كان أكثر من أحرم مع رسول الله ﷺ من الصحابة ليس معهم هدى وكان ﷺ قد ساق الهدى، ومن كان معه هدى فانه لا يحلق حتى ينحر هديه، فلما أمر من ليس معه هدى أن يحل وجدوا من ذلك في أنفسهم
[ ١٢ / ١٩٢ ]
-[سبب دعاء النبي ﷺ للمحلقين ثلاث مرار وللمقصرين مرة]-
في الثَّالثة والمقصِّرين (ومن طريقٍ ثانٍ) قال سمعت جدتى تقول سمعت نبى الله ﷺ بعرفات يخطب يقول غفر الله للمحلِّقين ثلاث مرارٍ، قالوا والمقصِّرين؟ فقال والمقصِّرين فى الرَّابعة (وعن من طريقٍ ثالثٍ) عن جدَّته قالت سمعت النَّبى صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وهو يقول يرحم الله المحلِّقين يرحم الله المحلِّقين، قالوا فى الثَّالثة والمقصِّرين قال والمقصِّرين
(٤٠٠) عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يرحم الله المحلِّقين، قالوا يا رسول الله والمقصِّرين؟ قال رحم الله المحلِّقين، قال فى الرابعة والمقصِّرين
_________________
(١) وأحبوا أن يأذن لهم فى المقام على إحرامهم حتى يكملوا الحج، وكانت طاعة رسول الله ﷺ أولى بهم، فلما لم يكن لهم بد من الأحلال كان القصر فى نفوسهم أحب من الحلق فمالوا إلى القصر، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ منهم أخرهم فى الدعاء وقدم عليهم من حلق وبادر إلى الطاعة، وقصر بمن تهيبه وحاد عنه، ثم جمعهم فى الدعوة وعمهم بالرحمة اهـ. ونقل الحافظ والعينى عن الخطابى أنه كانت عادة العرب اتخاذ الشعر على الرءوس وتوفيرها وتزيينها وكان الحلق فيهم قليلا ويرون ذلك نوعا من الشهرة وكان يشق عليهم الحلق فمالوا إلى التقصير فمنهم من حلق ومنهم من قصر لما يجد فى نفسه منه، فمن أجل ذلك سمح لهم بالدعاء بالرحمة وقصر بالآخرين إلى أن استعطف عليهم فعمهم بالدعاء بعد ذلك والله أعلم (١) يعنى عقب الثالثة فتكون الرابعة لتتفق مع الرواية الآتية بعدها (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا شعبة قال سمعت يحيى بن حصين قال سمعت جدتى تقول - الحديث" (٣) هذا صريح فى أن النبى ﷺ دعا للمحلقين ثلاث مرار وخصص المقصرين بالرابعة فقط وليس هذا آخر الحديث من هذا الطريق (وبقيته) قالت وسمعته يقول إن استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا، وسيأتى ذلك فى كتاب الخلافة والأمارة ان شاء الله تعالى (٤) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع قال ثنا شعبة عن يحيى ابن الحصين عن جدته - الحديث" (تخريجه) (م. نس)
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن عبيد الله أخبرنى نافع عن ابن عمر - الحديث" (تخريجه) (ق. وغيرهما)
[ ١٢ / ١٩٣ ]
-[فضل الحلاق على التقصير ودعاء النبى ﷺ للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة]-
(٤٠١) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم اللَّهم اغفر للمحلِّقين، قالوا يا رسول الله والمقصِّرين؟ قال اللهمَّ اغفر للمحلِّقين، قالوا يا رسول الله والمقصِّرين؟ قال اللَّهمَّ اغفر للمحلِّقين، قالوا والمقصِّرين، قال والمقصِّرين
(٤٠٢) عن يزيد بن أبى مريم عن أبيه مالك بن ربيعة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ وهو يقول اللَّهمَّ اغفر للمحلِّقين اللَّهمَّ اغفر للمحلِّقين، قال يقول رجلٌ من القوم والمقصِّرين؟ فقال رسول الله ﷺ فى الثَّالثة أو فى الرَّابعة والمقصِّرين، ثمَّ قال وأنا يومئذٍ محلوق الرَّأس فما يسرُّنى بحلق رأسى حمر النَّعم أو خطرًا عظيمًا
_________________
(١) عن أبي هريرة ﵁ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن فضيل ثنا عمارة عن أبى زرعة عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ - الحديث" (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن يزيد بن أبى مريم (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سريح بن النعمان حدثنى أوس بن عبيد الله أبو مقاتل السلولى قال حدثنى يزيد بن أبى مريم عن أبيه - الحديث" (غريبه) (١) هو والد يزيد وكنيته أبو مريم السلولى من الصحابة الذين سكنوا البصرة ﵃ (٢) لم يعلم اسم هذا الرجل ولم أقف له على ذكر (٣) يعنى ممن حلقوا رءوسهم فى ذلك اليوم (٤) بسكون الميم كرائمها وهو مثل فى كل نفيس من الأبل ونحوها، ويقال أنه جمع أحمر، وإن أحمر من أسماء الحسن (وقوله أو خطرا عظيما) خطرا منصوب بفعل محذوف تقديره أو أصادف خطرا يعنى حظا ونصيبا، وعظيما صفة له، والمعنى أنه سر بدعاء رسول الله ﷺ للمحلقين سرورا لا يماثله سروره بامتلاك كرائم النعم أو بأصابة حظ وافر فى شيء عظيم له قدر ومزية لا نظير لها، وذلك لكونه كان ممن حلقوا. والله أعلم (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد والطبرانى في الأوسط وإسناده حسن
[ ١٢ / ١٩٤ ]
-[زوائد الباب فيما يحل للمحرم فعله بعد رمى جمرة العقبة]-
(٤٠٣) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى ثنا يحيى بن آدم وابن أبى بكير فالاثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن حبشى بن جنادة قال يحيى وكان ممَّن شهد حجَّة الوداع قال قال رسول الله ﷺ اللَّهم اغفر للمحلِّقين، قالوا يا رسول الله والمقصِّرين؟ قال اللَّهمَّ اغفر للمحلِّقين، قالوا يا رسول الله والمقصِّرين؟ قال فى الثَّالثة والمقصِّرين
(٤٠٤) عن ابن قارب عن أبيه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول اللَّهمَّ اغفر للمحلِّقين قال رجلٌ والمقصِّرين؟ قال فى الرَّابعة والمقصِّرين يقلِّله سفيان بيده وقال فى تيك كأنَّه يوسِّع يده
_________________
(١) حدّثنا عبد الله (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد والطبرانى فى الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح
(٢) عن ابن قارب عن أبيه (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن إبراهيم بن ميسرة عن ابن قارب عن أبيه - الحديث" (غريبه) (١) هو قارب بن الأسود الثقفي، ويقال أبو عبد الله بن الأسود الطائفى له صحبة، ورواية ووفادة وقد قيل فى اسمه مارب بالميم، وله ذكر ف الترمذي. قال الحافظ فى تعجيل المنفعة، وقال فى الأصابة والحق أنه قارب (يعنى بالقاف" (٢) سفيان هو الذى روى عنه الأمام أحمد هذا الحديث، يقول الأمام أحمد يقلله سفيان بيده يعنى يشير إلى أنه دعا للمقصرين مرة واحدة (وقال فى تيك) يعنى المحلقين (كأنه يوسع يده) أى يشير إلى أنه دعا لهم جملة مرات يعنى ثلاثًا كما يستفاد من قوله قال فى الرابعة والمقصرين (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد والطبرانى فى الكبير والبزار وإسناده صحيح (زوائد الباب) (عن نافع) عن ابن عمر قال خطب الناس عمر بن الخطاب ﵁ بعرفة فحدثهم عن مناسك الحج فقال فيما يقول، إذا كان بالغداة إن شاء الله تعالى فدفعتم من جمع فمن رمى جمرة القصوى التى عند العقبة بسبع حصيات ثم انصرف فنحر هديا إن كان له ثم حلق أو قصَّر فقد حل له ما حرم عليه من شأن الحج إلا طيبا أو نساء، فلا يمس أحد طيبا ولا نساءا حتى يطوف بالبيت (هق) (وعن سالم عن ابن عمر) قال سمعت عمر ﵁ يقول إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب، قال سالم
[ ١٢ / ١٩٥ ]
-[زوائد الباب - وحديث ليس على النساء الحلق إنما على النساء التقصير]-
_________________
(١) وقالت عائشة ﵂ حل له كل شيء إلا النساء، قال وقالت عائشة ﵂ أنا طيبت رسول الله ﷺ يعنى لحله، قال سالم وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع (هق) (قلت) وقول سالم "وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع" معناه أنه بعد الرمى والذبح والحلق لا يحرم عليه إلا النساء فقط ويجوز له الطيب، لأنه ثبت أن عائشة طيبت النبى ﷺ عند تحلله من الأحرام بخلاف ما ذهب إليه عمر من تحريم الطيب أيضا والله أعلم (وعن ابن عمر) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من رمى الجمرة بسبع حصيات الجمرة التى عند العقبة، ثم انصرف فنحر هديا، ثم حلق فقد حل له ما حرم عليه من شأن الحج، أورده الهيثمى وقال له أثر موقوف عليه وفيه إلا النساء، رواه البزار ورجاله ثقات رجال الصحيح (وعن عطاء) أن النبى ﷺ كان إذا رمى الجمرة وذبح وحلق فقد حل له كل شيء إلا النساء (عل) وفيه الحجاج بن أرطاة وفيه كلام وهو مرسل (وعن جابر) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا توضع النواصى إلا فى حج أو عمرة (بز. طس) وفيه محمد بن سليمان بن مشمول وهو ضعيف بهذا الحديث وغيره (وعن أم سلمة ﵂) قالت حلق رأس رسول الله ﷺ يوم النحر معمر بن عبد الله العدوى (طس) وفيه محمد ابن اسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس (وعن الأزرق بن قيس) قال كنت جالسًا إلى ابن عمر فسأله رجل فقال أبا عبد الرحمن انى أحرمت وجمعت شعري، فقال أما سمعت عمر فى خلافته؟ قال ومن ضفر رأسه ولبده فليحلق، فقال يا أبا عبد الرحمن انى لم أضفره ولكنى جمعته فقال ابن عمر عنز وتيس وتيس وعنز (طب) ورجاله رجال الصحيح (وعن ابن عباس) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ ليس على النساء الحلق انما على النساء التقصير (د. قط. طب) وقد قوى اسناده البخارى فى التاريخ وأبو حاتم فى العلل وحسنه الحافظ وأعله ابن القطان ورد عليه ابن المواق فأصاب (وعن عثمان) ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها (بز) وفيه ابن عطاء وهو ضعيف (وعن عائشة ﵂) أن النبى ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها (بز) وفيه معلى بن عبد الرحمن متهم بالوضع وقد رمى بالرفض، قال الحافظ فى التقريب (وفى التهذيب) قال ابن عدى أرجو أن لا بأس به (قلت) يعضده والذى قبله حديث ابن عباس ﵄ المذكور قبلهما والله أعلم (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة أحكام (منها) أن الحاج إذا رمى جمرة العقبة ثم نحر هديه ثم حلق أو قصر حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء فيبقى ما كان محرَّما عليه منهن من الوطء والقبلة واللمس بشهوة وعقد النكاح، ويحل له ما سواه (واليه ذهب جمهور العلماء) وهو قول ابن الزبير وعائشة وعلقمة وسالم وطاوس والنخعي
[ ١٢ / ١٩٦ ]
-[مذاهب العلماء فيما يجوز به التحلل - ومكان نحر الهدى - وهل الحلاق نسك أم لا]-
_________________
(١) وعبد الله بن الحسين وخارجة بن زيد والشافعى وأبى ثور وأصحاب الرأى وهو الصحيح من مذهب الأمام أحمد (وروى عن ابن عباس والأمام أحمد) أنه يحل له كل شيء إلا الوطء فى الفرج لأنه أغلظ المحرمات ويفسد النسك بخلاف غيره (وقال عمر بن الخطاب ﵁ والأمام مالك) يحل له كل شيء إلا النساء والطيب، وروى ذلك عن ابن عمر وعروة ابن الزبير وعباد بن عبد الله بن الزبير لأنه من دواعى الوطء فأشبه القبلة، واستدلوا بالأثرين المذكورين فى الزوائد عن عمر، وبما أخرجه الحاكم عن ابن الزبير أنه قال إذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت، وقال إن ذلك من سنة الحج، وبما أخرجه النسائى عن ابن عمر أنه قال إذا رمى وحلق حل له كل شيء إلا النساء والطيب، وهذه الآثار لا تصلح لمعارضة أحاديث الباب، وعلى فرض أن ما رواه الحاكم منها مرفوع فهو لا يقاوم الأحاديث المذكورة فى الباب لاسيما وهى مثبتة لحل الطيب (ويستفاد من أحاديث الباب أيضا) استحباب ترتيب أفعال الحج المشروعة فى يوم النحر بعد وصوله منى وهى أربعة. رمى جمرة العقبة أولا. ثم الذبح ثم الحلق. ثم طواف الأفاضة. وكلها ذكرت فى أحاديث الباب إلا طواف الأفاضة فسيأتى فى باب مخصوص، فان خالف ما ذكرنا من الترتيب فقدم مؤخرا أو أخر مقدما جاز لما سيأتى بعد باب من الأحاديث الصحيحة (ومنها) استحباب نحر الهدى بمنى، ويجوز حيث شاء من بقاع الحرم لقول رسول الله ﷺ كل منى منحر وكل فجاج مكة منحر، وإذا نحر الهدى فرقه على المساكين من أهل الحرم، وهو من كان فى الحرم فان أطلقها لهم جاز، وستأتى أحكام الهدى فى كتاب الهدايا والضحايا بعد كتاب الحج إن شاء الله تعالى (وقد اختلف العلماء) فى الحلق هل هو نسك يثاب عليه ويتعلق به التحلل، أو هو استباحة محظور وليس بنسك، وإنما هو شيء أبيح له بعد أن كان حراما كالطيب واللباس وعلى هذا لا ثواب فيه ولا تعلق له بالتحلل؟ فذهب الأئمة (أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور العلماء) إلى أنه نسك واجب من واجبات الحج يجبر بالدم (وللشافعية فى ذلك قولان) (أحدهما) وهو الأصح عندهم أنه نسك ركن من أركان الحج يفسد الحج بتركه ولا يجبر بالدم (والثاني) أنه استباحة محظور وليس بنسك (قال النووي) فى شرح المهذب وظاهر كلام ابن المنذر والأصحاب أنه لم يقل بأنه ليس بنسك إلا الشافعى فى أحد قوليه، ولكن حكاه القاضى عياض عن عطاء وأبى ثور وأبى يوسف (ويستفاد من أحاديث الباب أيضا) أن الحلق أفضل من التقصير لتكريره ﷺ الدعاء للمحلقين مرارا وللمقصرين مرة واحدة مع سؤالهم له ذلك، ولو اقتصر على التقصير أجزأ (وإلى ذلك ذهب كافة العلماء) إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه
[ ١٢ / ١٩٧ ]
-[مذاهب العلماء فى مقدار الواجب حلقه من الرأس وحكم من ضفر شعره أو لبده]-
_________________
(١) كان يقول يلزمه الحلق فى أول حجة ولا يجزئ التقصير وهذا باطل بالنصوص واجماع من سبقه ولا نظن صحة ذلك عنه والله أعلم، وظاهر صيغة المحلقين أنه يشرع حلق جميع الرأس لأنه الذى تقتضيه الصيغة إذ لا يقال لمن حلق بعض رأسه أنه حلقه الا مجازا، وقد قال بوجوب حلق جميع الرأس الأمامان (مالك وأحمد) واستحبه الحنفية والشافعية ويجزئ البعض عندهم، واختلفوا فى مقداره، فعن الحنفية الربع الا أن أبا يوسف قال النصف (وعن الأمام الشافعي) أقل ما يجب حلق ثلاث شعرات، وفى وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة وهكذا الخلاف فى التقصير (قال النووي) ولو أخر الحلق إلى بعد أيام التشريق حلق ولا دم عليه سواء طال زمنه أم لا وسواء رجع إلى بلده أم لا، هذا مذهبنا، وبه قال عطاء وأبو ثور وأبو يوسف وأحمد وابن المنذر وغيرهم (وقال أبو حنيفة) إذا خرجت أيام التشريق لزمه الحلق ودم، وقال سفيان الثورى واسحاق ومحمد عليه الحلق ودم. دليلنا الأصل لا دم اهـ (وفى أحاديث ابن عباس وعثمان وعائشة) المذكورة فى الزوائد دلالة على أنه ليس على المرأة حلق، وحكى انب المنذر الأجماع على ذلك، قال وانما عليهن التقصير، قال ويكره لهن الحلق لأنه بدعة فى حقهن وفيه مثلة، قال واختلفوا فى قدر ما تقصره فقال ابن عمر (والشافعى وأحمد) واسحاق وأبو ثور تقصر من كل قرن مثل الأنملة (وقال قتادة) تقصر الثلث أو الربع (وقالت حفصة بنت سيرين) ان كانت عجوزا من القواعد أخذت نحو الربع وان كانت شابة فلتقلل (وقد قال مالك) تأخذ من جميع قرونها أقل جزء ولا يجوز من بعض القرون (وفى حديث أنس) الخامس من أحاديث الباب دلالة على أنه يستحب فى الحلق أن يبدأ بالشق الأيمن من رأس المحلوق وإن كان على يسار الحالق، والى ذلك ذهب الجمهور (وذهبت الحنفية) الى أنه يبدأ بالشق الأيسر ليكون على يمين الحالق وهذا مخالف لحديث أنس المذكور (وفى حديث عمر) الموقوف عليه المذكور فى الباب دلالة على أن من ضفر شعره أو لبده حلق، وأوجب الحلق عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄، واليه ذهب الأئمة الثورى (ومالك وأحمد) واسحاق وأبو ثور وابن المنذر ونقله القاضى عياض عن جمهور العلماء (وذهبت الشافعية) الى أن من لبد راسه ولم ينذر حلقه لا يلزمه حلقه بل يجزئه التقصير كما لو لم يلبد (وبه قال ابن عباس وأبو حنيفة) "ويستحب لمن حلق" وقصر تقليم أظافره والأخذ من شاربه، لأن النبى ﷺ فعله (قال ابن المنذر) ثبت أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه وقلم أظفاره وكان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره وكان عطاء وطاوس والشافعى يحبون لو أخذ من لحيته شيئا، ويستحب إذا حلق أن يبلغ العظم الذى عند مقطع الصدغ من الوجه، كان ابن عمر يقول للحالق
[ ١٢ / ١٩٨ ]
-[ما ورد في تقصير معاوية عن النبى ﷺ كان فى عمرة - وما يفعل من لا شعر برأسه]-
_________________
(١) أبلغ العظمين. افصل الرأس من اللحية، وكان عطاء يقول من السنة إذا حلق رأسه أن يبلغ العظمين (قال ابن قدامة فى المغنى) والأصلع الذى لا شعر على رأسه يستحب أن يمر الموسى على رأسه، روى ذلك عن عمر؛ وبه قال مسروق وسعيد بن جبير والنخعى (ومالك والشافعي) وأبو ثور وأصحاب الرأى (قال ابن المنذر) أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الأصلع يمر الموسى على رأسه وليس ذلك واجبا (وقال أبو حنيفة) يجب لأن النبى ﷺ قال "اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" لهذا لو كان ذا شعب وجب عليه ازالته وإمرار الموسى على رأسه، فإذا سقط أحدهما لتعذره وجب الآخر (قال ابن قدامة) ولنا أن الحلق محله الشعر فسقط بعدمه كما يسقط وجوب غسل العضو فى الوضوء بفقده، ولأنه إمرار لو فعله فى الأحرام لم يجب به دم، فلم يجب عند التحلل كأمراره على الشعر من غير حلق اهـ (فائدة) جاء فى أحاديث الباب أن معاوية ﵁ قصر من رأس رسول الله ﷺ "وفى رواية" قال قصرت عن رأس رسول الله ﷺ عند المروة (قال النووي) ﵀ هذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبى ﷺ فى عمرة الجعرانة، لأن النبى ﷺ فى حجة الوداع كان قارنا، وثبت أنه ﷺ حلق بمنى وفرق أبو طلحة ﵁ شعره بين الناس. فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع ولا يصح حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلما إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح المشهور، ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أنه ﷺ كان متمتعًا لأن هذا غلط فاحش، فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة السابقة فى مسلم وغيره أن النبى ﷺ قيل له ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت، فقال إنى لبدت رأسى وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر الهدى "وفى رواية" حتى أحل من الحج والله أعلم اهـ (وقال الحافظ ابن القيم) فى الهدى الأحاديث الصحيحة المستفيضة تدل على أنه ﷺ لم يحل من احرامه إلى يوم النحر كما أخبر عن نفسه بقوله فلا أحل حتى أنحر، وهو خبر لا يدخله الوهم بخلاف خبر غيره، ثم قال ولعل معاوية قصر عنه فى عمرة الجعرانة فنسى بعد ذلك وظن أنه كان فى حجته اهـ (وقال الحافظ) فى الفتح أخرج الحاكم فى الأكليل فى آخر قصة غزوة حنين أن الذى حلق رأسه ﷺ فى عمرته التى اعتمرها فى الجعرانة أبو هند عبد بنى بياضة، فان ثبت هذا وثبت أن معاوية كان حينئذ معه أو كان بمكة فقصر عنه بالمروة أمكن الجمع بأن يكون معاوية قصر عنه أوَّلا وكان الحلاق غائبا فى بعض حاجته ثم حضر فأمره أن يكمل ازالة الشعر بالحلق لأنه أفضل ففعل، وان ثبت أن ذلك كان فى عمرة القضية وثبت أنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
[ ١٢ / ١٩٩ ]
-[الجمع بين حديثي ابن عمر وجابر بن عبد الله فى صلاة النبى ﷺ الظهر بمكة ومنى]-
(٦) باب الإفاضة عن منى للطواف يوم النحر
(وهو المسمى بطواف الأفاضة أو الزيارة وحكم من أمسى ولم يطف)
(٤٠٥) عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أفاض يوم النَّحر ثمَّ رجع فصلَّى الظُّهر بمنىً
(٤٠٦) عن ابن عبَّاسٍ وعائشة ﵃ قالا أفاض رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من منىً ليلًا (وعنهما ﵄
_________________
(١) حلق فيها جاء هذا الاحتمال بعينه وحصل التوفيق بين الأخبار كلها، وهذا مما فتح الله على به فى هذا الفتح، ولله الحمد ثم لله الحمد أبدا
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر - الحديث" (غريبه) (١) يعنى من منى إلى مكة لطواف الأفاضة، ويقال له أيضا طواف الزيارة وطواف الفرض والركن (قال النووي) وسماه بعض أصحابنا طواف الصدر وأنكره الجمهور، قالوا وإنما طواف الصدر طواف الوداع اهـ (وقوله ثم رجع) يعنى من مكة إلى منى بعد الطواف فصلى الظهر بمنى، وهذا يعارض ما ثبت عند مسلم من حديث جابر الطويل فى صفة حج النبى ﷺ حيث قال "ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر - الحديث" (قال النووي) ﵀ ووجه الجمع بينهما أنه ﷺ طاف للأفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة فى أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلا بالظهر الثانية التى بمنى، وهذا كما ثبت فى الصحيحين فى صلاته ﷺ ببطن نخل أحد أنواع صلاة الخوف فانه ﷺ صلى بطائفة من أصحابه الصلاة بكمالها وسلم بهم ثم صلى بالطائفة الأخرى تلك الصلاة مرة أخرى فكانت له صلاتان ولهم صلاة اهـ. وذكر ابن المنذر نحوه (قال الشوكاني) ويمكن الجمع بأن يقال أنه ﷺ صلى بمكة ثم رجع إلى منى فوجد أصحابه يصلون الظهر فدخل معهم متنفلا لأمره ﷺ بذلك لمن وجد جماعة يصلون وقد صلى اهـ (تخريجه) (ق. هق. وغيرهم)
(٣) عن ابن عباس وعائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا نوح بن ميمون ثنا سفيان عن أبى الزبير عن ابن عباس وعائشة - الحديث" (غريبه) (٢) هذا يعارض ما تقدم فى حديث ابن عمر من أنه ﷺ أفاض نهارا وصلى الظهر بمنى
[ ١٢ / ٢٠٠ ]
-[تأويل حديث ابن عباس أن النبى ﷺ أخر طواف يوم النحر إلى الليل]-
من طريقٍ ثانٍ) أنَّ رسول الله ﷺ زار البيت ليلًا (وعنهما من طريقٍ ثالثٍ) أنَّ رسول الله ﷺ أخَّر طواف يوم النَّحر إلى اللَّيل
(٤٠٧) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى ثنا محمَّد بن أبى عدىٍّ عن محمَّد بن إسحاق قال حدَّثنى أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمِّه زينب بنت أبى سلمة عن أمِّ سلمة ﵂ يحدثانه ذلك جميعًا قالت، كانت ليلتى التى يصير إلى فيها رسول الله ﷺ مساء يوم النَّحر قالت فصار إلي
_________________
(١) وكذا ما جاء فى الطريق الثالثة من هذا الحديث أن رسول الله ﷺ أخر طواف يوم النحر الى الليل يعارض حديث ابن عمر أيضا، وأجاب عن ذلك النووى ﵀ بأن قوله أخر طواف يوم النحر الى الليل، أى طواف نسائه، قال ولابد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث اهـ (قلت) وعلى هذا يحمل قوله فى الطريق الأولى أفاض رسول الله ﷺ من منى ليلا أى لأجل نسائه فقط ليكون معهن، وكذا قوله فى الطريق الثانية "أن رسول الله ﷺ زار البيت ليلا" أى لكونه كان مع نسائه فزار تطوعا بقصد الزيارة لا لطواف الأفاضة ثم رجع إلى منى فبات بها، لأنه ثبت بالأحاديث الصحيحة أنه ﷺ أفاض نهارا والله أعلم (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع عن سفيان عن أبى الزبير عن عائشة وابن عباس - الحديث" (٢) وفى رواية عند البيهقى وزار رسول الله ﷺ مع نسائه ليلا وهى تؤيد ما قلنا فى شرح الطريق الأولى (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرحمن ثنا سفيان عن أبى الزبير عن عائشة وابن عباس - الحديث" (تخريجه) (د. مذ. هق) وقال الترمذى حديث حسن اهـ، وذكر البخارى الطريق الثالثة منه فى صحيحه تعليقا بصيغة الجزم فقال وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس أخر النبى ﷺ الطواف إلى الليل (قلت) أى طواف نسائه كما فسره النووى جمعا بين الأحاديث كما تقدم، قال البيهقى وقد سمع أبو الزبير بن عباس، وفى سماعه من عائشة نظر؛ قاله البخارى والله أعلم
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبه) (٤) يريد أن أم أبى عبيدة وأباه حدثاه جميعا عن أم سلمة زوج النبى ﷺ هذا الحديث (٥) أى اتفق أن كانت ليلة نوبتى مساء يوم النحر أى مساء ليلة تلى يوم النحر وهى ليلة الحادى عشر من ذى الحجة، والمساء يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام، ولعل المراد به هنا أول الليل (وقولها فصار إلىَّ) أي دخل علي
[ ١٢ / ٢٠١ ]
-[ما ورد في أن من لم يطف يوم النحر حتى أمسى رجع محرما]-
قالت فدخل علىَّ وهب بن زمعة ومعه رجلٌ من آل أبى أميَّة متقمِّصين قالت فقال رسول الله ﷺ لوهبٍ هل أفضت بعد أبا عبد الله؟ قال لا والله يا رسول الله، قال انزع عنك القميص، قال فنزعه من رأسه ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قالوا ولم يا رسول الله؟ قال إنَّ هذا يوم رخَّص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوُّا، يعنى من كلِّ ما حرمتم منه إلاَّ من النِّساء فإذا أنتم أمسيتم قبل أن تطوفوا بهذا البيت عدتم حرما كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتَّى تطوفوا به، قال محمدٌ قال أبو عبيدة وحدَّثتنى أمُّ قيسٍ ابنة محصنٍ وكانت جارةً لهم، قالت خرج من عندى عكاشة ابن محصنٍ فى نفر من بنى أسدٍ متقمِّصين عشيَّة يوم النَّحر، ثمَّ رجعوا إلي
_________________
(١) رسول الله ﷺ فى ذلك المساء (١) أى لابسى القميص (٢) أى طفت طواف الأفاضة بعد رمى الجمار والحلاق (وقوله أبا عبد الله) يعنى يا أبا عبد الله. فهو منادى حذفت منه ياء النداء، وهو كنية وهب بن زمعة (٣) أى من قبل رأسه (٤) أى وهب وصاحبه، ويحتمل أنه كان معها أحد آخر لم يذكر فى الحديث أو أقامهما مقام الجماعة احتراما لهما (وفى رواية أبى داود) ثم قال يعنى وهبا. ولم يا رسول الله؟ أى لم أمرتنا بنزع القميص عنا؟ قال إن هذا يوم رخص لكم الخ الحديث. ومعنى ذلك أن هذا الترخيص لكم إنما هو بشرط أن تطوفوا طواف الأفاضة بعد رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل أن تدخلوا فى مساء ذلك اليوم، وأما إذا فات هذا الشرط بأن أمسيتم يوم النحر قبل أن تطوفوا طواف الأفاضة فليس لكم هذا الترخيص وإن رميتم وذبحتم وحلقتم، بل ترجعون محرمين كما كنتم قبل الرمي، وهذا مخالف لما اتفق عليه جمهور العلماء وسيأتى الكلام عليه فى الأحكام (٥) قوله "يعنى من كل ما حرمتم منه إلا من النساء" هذه الجملة من تفسير بعض الرواة، ومعناه من كل ما حرم عليكم فعله بسبب الأحرام والله أعلم (٦) يعنى ابن اسحاق ﵀، وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن زمعة راوى الحديث الأول عن أبيه وأمه عن أم سلمة ﵂ (٧) صحابية مشهورة لها أحاديث وعكاشه أخوها، وهو من الصحابة السابقين الأولين شهد بدرا، ووقع ذكره فى السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب حيث
[ ١٢ / ٢٠٢ ]
-[ما ورد في أن من لم يطف يوم النحر حتى أمسى رجع محرما]-
عشاءًا قمصهم على أيديهم يحملونها، قالت فقلت أى عكاشة مالكم خرجتم متقمصِّين ثمَّ رجعتم وقمصكم على أيديكم تحلمونها؟ فقال أخبرتنا أمُّ قيسٍ كان هذا يومًا قد رخَّص لنا فيه إذا نحن رمينا الجمرة حللنا من كلِّ ما حرمنا منه إلاَّ ما كان من النِّساء حتَّى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطف به صرنا حرما كهيئتنا قبل أن نرمى الجمرة حتَّى نطوف به ولم نطف فجعلنا قمصنا كما ترين
_________________
(١) قال للنبي ﷺ ادع الله أن يجعلنى منهم، قال أنت منهم، فقام آخر فقال سبقك بها عكاشة، رواه الشيخان والأمام أحمد، وقد ضرب بها المثل، يقال للسبق فى الأمر سبقك بها عكاشة (١) هكذا بالأصل "أخبرتنا أم قيس" وهذا لا معنى له، وأورده الهيثمى فى مجمع الزوائد وعزاه للأمام أحمد وفيه "فقال خيرا يا أم قيس هذا يوم رخص لنا فيه - الحديث" وجاء كذلك فى رواية البيهقي، ومعناه مستقيم، والظاهر أن قوله فى حديث الباب أخبرتنا أم قيس وقع فيه تصحيف من الناسخ، والصواب خيرا يا أم قيس والله أعلم، ورواه الطحاوى عن أم قيس أيضا بلفظ "قالت دخل على عكاشة بن محصن وآخر فى منى مساء يوم الأضحى فنزعا ثيابهما وتركا الطيب فقلت مالكما، فقالا أن رسول الله ﷺ قال لنا من لم يفض إلى البيت من عشية هذه فليدع الثياب والطيب" (تخريجه) أخرجه البيهقى بطوله، وأخرج الشطر الأول منه (د. هق. ك) وسنده جيد وسكت عنه، الحاكم وأقره الذهبي، وأخرج الشطر الثانى منه من قوله "قال محمد قال أبو عبيدة إلى آخر - الحديث" الطحاوي، وأورده الهيثمى وقال رواه أحمد والطبرانى فى الكبير ورجال أحمد ثقات (زوائد الباب) (عن عبد الله بن القاسم) عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبى ﷺ أذن لأصحابه فزاروا البيت ظهيرة وزار رسول الله ﷺ مع نسائه ليلا (وعنه أيضا) عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت أفاض رسول الله ﷺ من آخر يوم حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى (وعن أبى سلمة) عن عائشة ﵂ أنها قالت حججنا مع رسول الله ﷺ فأفضنا يوم النحر (وعن طاوس) أن رسول الله ﷺ طاف طواف يوم النحر من الليل (وعن مسعر) عن جابر عن مجاهد مثله، أورد هذه الأحاديث البيهقى ثم قال وإلى هذا ذهب عروة بن الزبير أن النبى ﷺ طاف على ناقته ليلا، قال وأصح هذه الروايات حديث نافع عن ابن عمر، وحديث جابر، وحديث أبى سلمة عن عائشة، والله أعلم اهـ (قلت) حديث نافع عن ابن عمر
[ ١٢ / ٢٠٣ ]
-[إجماع العلماء على أن طواف الأفاضة ركن واختلافهم فى وقته]-
_________________
(١) هو المذكور أول أحاديث الباب، وحديث جابر يعنى الطويل الذى رواه مسلم فى صفة حج النبى ﷺ، وتقدم المقصود منه فى شرح حديث ابن عمر، وحديث أبى سلمة عن عائشة تقدم فى الزوائد، وهى تدل على أنه ﷺ طاف طواف الأفاضة يوم النحر نهارا قبل الزوال والله أعلم (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أن الحاج إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر ونحر هديه وحلق رأسه أو قصر أفاض من منى إلى مكة لطواف الأفاضة وهو ركن للحج لا يتم إلا به ولا نعلم فيه خلافا، ولأن الله ﷿ قال "وليطوَّفوا بالبيت العتيق" (قال ابن عبد البر) هو من فرائض الحج لا خلاف فى ذلك بين العلماء، وفيه عند جميعهم قال الله تعالى "وليطوَّفوا بالبيت العتيق" (وعن عائشة) ﵂ قالت حججنا مع رسول الله ﷺ فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية فأراد النبى ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت يا رسول الله إنها حائض، قال أحابستنا هي؟ قالوا يا رسول الله انها قد أفاضت يوم النحر. قال اخرجوا، رواه الشيخان، وفى رواية للأمام أحمد وستأتى فى باب حكم من حاضت بعد طواف الأفاضة عن عائشة ﵂ قالت "حاضت صفية بعد ما أفاضت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال أحابستنا هي؟ قلت حاضت بعدما أفاضت، قال فلتنفر إذا أو قال فلا إذا" فدل على أن هذا الطواف لابد منه وأنه حابس لمن لم يأت به، ولأن الحج أحد النسكين فكان الطواف ركنا كالعمرة (ولهذا الطواف وقتان) وقت فضيلة ووقت إجزاء (فأما وقت الفضيلة) فيوم النحر بعد الرمى والنحر والحلق وقبل الزوال (واليه ذهب الجمهور) لحديث جابر عند مسلم فى صفة حج النبى ﷺ يوم النحر "فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر" وفى حديث عائشة الذى ذكرت فيه حيض صفية قالت "فأفضنا يوم النحر" وفى حديث ابن عمر المذكور أول أحاديث الباب "أن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى" وتقدم الجمع بينه وبين حديث جابر فى الشرح أول الباب، فان أخره إلى الليل فلا بأس كما يستفاد من حديث ابن عباس وعائشة الثانى من أحاديث الباب، رواه أبو داود والترمذى وقال حديث حسن (وأما وقت الجواز) ففيه خلاف بين العلماء (فذهب الأمام أبو حنيفة) إلى أن أول وقته طلوع الفجر الثانى من ليلة النحر، وآخره ثانى أيام التشريق فان أخره إلى اليوم الثالث لزمه دم (وذهب جمهور العلماء) إلى أن أول وقته من النصف الثانى ليلة النحر ولا آخر له، بل يبقى ما دام حيا ولا يلزمه بتأخيره دم (قال ابن المنذر) ولا أعلم خلافا بينهم فى أن من أخره وفعله فى أيام التشريق أجزأه ولا دم، فان أخره عن أيام التشريق فقد قال جمهور العلماء لا دم عليه، ممن قال ذلك عطاء وعمرو بن دينار وابن عيينة وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد وابن المنذر (والشافعى وأحمد) وهو رواية عن
[ ١٢ / ٢٠٤ ]
-[كلام العلماء فى حديثى أم سلمة وعكاشة بن محصن وأنهما منسوخان والعمل على غيرهما]-
_________________
(١) مالك (وقال الأمام أبو حنيفة) إن رجع الى وطنه قبل الطواف لزمه العود للطواف فيطوف وعليه دم للتأخير، وهو الرواية المشهورة (عن الأمام مالك) احتج الجمهور بأن الأصل عدم الدم حتى يرد الشرع به والله أعلم (وذهب جماعة) منهم طاوس ومجاهد وعروة إلى أنه ﷺ لم يطف فى ذلك اليوم، وإنما أخره إلى الليل عملا بظهر حديث الباب المروى عن ابن عباس وعائشة، وهو الثانى من أحاديث الباب، وأجاب عنه الجمهور بأنه ليس على ظاهره، وتقدم ما قاله النووى فى تأويله، أو يحمل على ما رواه ابن حبان أنه ﷺ رمى جمرة العقبة ونحر ثم تطيب للزيارة ثم أفاض وطاف بالبيت طواف الزيارة ثم رجع إلى منى فصلى الظهر بها والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بها، ثم ركب إلى البيت ثانيا وطاف به طوافا آخر بالليل (وروى البيهقي) أنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يزور البيت كل ليلة من ليالى منى (وفى حديث أم سلمة وعكاشة بن محصن) المذكورين آخر الباب دلالة على أن من تحلل التحلل الأول برمى جمرة العقبة والذبح والحلق أو التقصير ولم يطف طواف الأفاضة يوم النحر حتى أمسى رجع حراما كما كان قبل رمى الجمرة، وهو مخالف لما تقدم فى الباب السابق عن عائشة وابن عباس وغيرهما فى الزوائد من أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة ثم ذبح وحلق حل له كل شيء إلا النساء، وقد استشكله النووى لمخالفته للأحاديث المذكورة مع قوله بأن اسناده صحيح، قال والجمهور على الاحتجاج بمحمد بن اسحاق إذا قال حدثنا وان عابوا عليه التدليس. والمدلس اذا قال حدثنا احتج به (قلت وقد قال محمد بن اسحاق فى هذا الحديث حدثنى ابو عبيدة الخ) قال النووى واذ ثبت أن الحديث صحيح فقد قال البيهقى لا أعلم احدا من الفقهاء قال به، هذا كلام البيهقى (قال النووي) قلت فيكون الحديث منسوخًا دلَّ الأجماع على نسخه فان الاجماع لا ينسخ ولا يُنسخ، لكنى دل على ناسخ والله أعلم اهـ ج. قال صاحب فتح الودود، شرح سنن أبى داود، ولعل من لا يقول به يحمله على التغليظ والتشديد فى تأخير الطواف عن يوم النحر والتأكيد فى اتيانه يوم النحر، وظاهر الحديث يأبى هذا الحمل والله أعلم اهـ، وأفضل أوقات طواف الأفاضة قبل الزوال من يوم النحر بعد فراغه من الأعمال الثلاثة، وهى الرمى والذبح والحلق كما يستفاد ذلك من حديث ابن عمر (قال النووي) فى شرح المهذب (قال أصحابنا) ويستحب أن يعود إلى منى قبل صلاة الظهر فيصلى الظهر بمنى (قال أصحابنا) ويكره تأخير الطواف عن يوم النحر وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة وخروجه من مكة بلا طواف أشد كراهة، ومن لم يطف لا يحل له النساء وإن مضت عليه سنون (قال أصحابنا) ولو طاف للوداع ولم يكن طاف الأفاضة وقع عن طواف الأفاضة وأجزأه؛ قال فاذا طاف، فان لم يكن سعى بعد طواف القدوم لزمه السعى بعد طواف الإفاضة ولا يزال
[ ١٢ / ٢٠٥ ]
-[استحباب الشرب من ماء زمزم والوضوء منه عقب طواف الأفاضة وما ورد فى فضله]-
(٧) باب جواز تقديم النحر والحلق والرمى والأفاضة بعضها على بعض
(٤٠٨) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبى صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم سأله رجلٌ فى حجَّة الوداع، فقال يا رسول الله حلقت قبل أن أذبح، قال فأومأ بيده وقال لا حرج، وقال رجلٌ يا رسول الله ذبحت
_________________
(١) محرما حتى يسعى ولا يحصل التحلل الثانى بدونه، وإن كان سعى بعد طواف القدوم لم يعده بل تكره إعادته والله أعلم اهـ، فاذا فرغ من طواف الأفاضة حل له كل شيء، النساء وغيرهن (ويستحب) أن يشرب من ماء زمزم عقب طواف الأفاضة لما أحب، ويتضلع منه ويتوضأ منه أيضا لما ثبات فى حديث على ﵁، وتقدم بطوله فى باب صفة حج النبى ﷺ صحيفة ٨٤ رقم ٦٥ قال "ثم أفاض رسول الله ﷺ فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ، ثم قال انزعوا يا بنى عبد المطلب فلولا أن تغلبوا عليها لنزعت - الحديث" وقد ورد فى فضل ماء زمزم أحاديث ستأتى جميعها فى أبواب فضل مكة من كتاب الفضائل إن شاء الله تعالى (منها) ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ ماء زمزم لما شرب له (هق) (وعن أبى ذر) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إنها مباركة وإنها طعام طعم (يعنى زمزم) وهذا طرف من حديث طويل سيأتى فى مناقب أبى ذر من كتاب المناقب رواه أيضا (م. هق) (وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر) قال كنت عند ابن عباس جالسا فجاء رجل فقال من أين جئت؟ قال من زمزم، قال فشربت منها كما ينبغي؟ قال فكيف؟ قال إذا شربت منها فاستقبل الكعبة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثا من زمزم وتضلع منها، فاذا فرغت فاحمد الله تعالى فإن رسول الله ﷺ قال آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم (هق. جه) (قال ابن قدامة) فى المغنى ويقول عند الشرب، بسم الله اللهم اجعله لنا علما نافعا، ورزقا واسعًا، وريا وشبعا، وشفاء من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من حكمتك اهـ
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبا ثنا عفان ثنا وهيب ثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (١) أى أشار بيده وقال لا حرج أى لا إثم ولا فدية (وفى لفظ للبخاري) رميت بعد ما أمسيت، فقال افعل ولا حرج؛ وهى تدل على أن هذه القصة كانت بعد الزوال لأن المساء إنما يطلق على ما بعد الزوال، وكأن السائل علم أن السنة للحاج أن يرمى جمرة العقبة أول ما يقدم ضحى
[ ١٢ / ٢٠٦ ]
-[جواز تقديم أو تأخير الرمى والنحر والحلق والأفاضة بعضها على بعض]-
قبل أن أرمي، قال فأومأ بيده وقال لا حرج، قال فما سئل يومئذٍ عن شيءٍ من التَّقديم والتَّأخير إلاَّ أومأ بيده وقال لا حرج (وعنه من طريقٍ ثانٍ) عن النَّبى ﷺ سئل عن الذَّبح والرَّمى والحلق والتَّقديم والتَّأخير فقال لا حرج (وعنه من طريقٍ ثالثٍ) عن النَّبى صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم سئل عمَّن قدَّم من نسكه شيئًا قبل شيءٍ فجعل يقول لا حرج
(٤٠٩) "ز" عن على ﵁ قال أتى النَّبى ﷺ رجل فقال إنِّى رميت الجمرة وأفضت ولبست ولم أحلق، قال فلا حرج فاحلق، ثمَّ أتاه رجلٌ آخر فقال إنِّى رميت وحلقت ولبست ولم أنحر، فقال لا حرج فانحر
(٤١٠) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على راحلته بمنىً قال فأتاه رجلٌ فقال يا رسول الله إنِّى كنت أرى أنَّ الحلق قبل الذَّبح، فحلقت قبل أن أذبح، فقال اذبح
_________________
(١) فلما أخرها إلى بعد الزوال سأل عن ذلك، وفيه دلالة على أن من رمى بعد دخول وقت المساء وهو الزوال صح رميه ولا حرج عليه فى ذلك (١) أى من تأخير بعض هذه الثلاثة على بعض أو تقديمه الا أومأ بيده وقال لا حرج (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن اسحاق أنا وهيب أنا ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس - الحديث" (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - الحديث" (٤) يعنى الرمى والنحر والحلق والأفاضة (تخريجه) (ق. د. نس. جه)
(٢) "ز" عن على ﵁، هذا طرف من حديث طويل تقدم بسنده وشرحه وتخريجه فى الجزء الحادى عشر صحيفة ٨٤ رقم ٦٥ فارجع اليه ان شئت
(٣) عن عبد الله بن عمرو (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن جعفر ثنا معمر أنا ابن شهاب وعبد الرزاق قال أنا معمر عن ابن شهاب عن عيسى ابن طلحة عن عبد الله بن عمرو بن العاص - الحديث" (غريبه) (٥) زاد فى رواية عند الجمرة (٦) بضم الهمزة أى أظن كما صرح بذلك عبد الرزاق في روايته الآتية (وفي
[ ١٢ / ٢٠٧ ]
-[جواز تقديم أو تأخير الرمى والنحر والحلق والأفاضة بعضها على بعض]-
ولا حرج، قال ثم جاءه آخر فقال يا رسول الله إنِّى كنت أرى أنَّ الذَّبح قبل الرَّمى فذبحت قبل أن أرمي، قال فارم ولا حرج، قال فما سئل عن شيءٍ قدَّمه رجل قبل شيءٍ إلاَّ قال افعل ولا حرج، قال عبد الرَّزاق وجاءه آخر فقال يا رسول الله إنى كنت أظنُّ أنَّ الحلق قبل الرَّمى فحلقت قبل أن أرمي، قال ارم ولا حرج
(٤١١) عن جابر (بن عبد الله ﵄) أنه قال نحر
_________________
(١) رواية) لمسلم "لم أكن أشعر أن الرمى قبل النحر فنحرت قبل الرمي" (١) هذا يدل على أن السؤال وقع من جماعة كما فى حديث أسامة بن شريك عند الطحاوى وغيره "كان الأعراب يسألونه" ولفظ حديثه عند أبى داود قال "خرجت مع النبى ﷺ حاجا فكان الناس يأتونه، فمن قائل يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو قدمت شيئا فكان يقول لا حرج لا حرج، وقد تكرر هذا اللفظ وهو قوله "فأتاه رجل آخر" فى حديث على المذكور قبل هذا، وحديث جابر الآتى بعده، وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم سؤال غيره حتى يقال انه يختص الحكم بحالة عدم الشعور ولا يجوز اطراحها بالحاق العمد بها، ولهذا يعلم أن التعويل فى التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور فى سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب، نعم اخبار ابن عمرو عن أعم العام وهو قوله "فما سئل عن شيء الخ" مخصص باخباره مرة أخرى عن أخص منه مطلقا، وهو قوله فى رواية عند مسلم "فما سمعته يومئذ يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها الا قال رسول الله ﷺ افعلوا ولا حرج" ولكن عند من جوز التخصيص بمثل هذا المفهوم (٢) أى فى روايته، قوله "وجاءه آخر فقال يا رسول الله انى كنت أظن الخ" (تخريجه) (ق. وغيرهما) وللأمام أحمد طريق أخرى عن سفيان عن الزهرى عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال قال رجل يا رسول الله حلقت قبل أن أرمي، قال ارم ولا حرج، وقال مرة قبل أن أذبح، فقال اذبح ولا حرج، قال ذبحت قبل أن أرمي، قال ارم ولا حرج رواه الشيخان أيضا
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عثمان
[ ١٢ / ٢٠٨ ]
-[مذاهب العلماء فى حكم من قدَّم شيئًا من مناسك يوم النحر على شيء أو أخره]-
رسول الله ﷺ فحلق وجلس للنَّاس فما سئل عن شيءٍ إلا قال لا حرج لا حرج. حتَّى جاء رجلٌ فقال حلقت قبل أن أنحر، قال لا حرج، ثمَّ جاء آخر فقال يا رسول الله حلقت قبل أن أرمي، قال لا حرج، قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم عرفة كلُّها موقف والمزدلفة كلُّها موقف، ومنىً كلها منحر، وكلُّ فجاج مكَّة طريق ومنحر
_________________
(١) ابن عمر ثنا أسامة عن عطاء عن جابر - الحديث" (غريبه) (١) ظاهره أن هذا كان بمنى بعد الذبح والحلق قبل ذهابه ﷺ إلى مكة لطواف الأفاضة، وظاهر قول السائل فى رواية ابن عباس عند البخارى "رميت بعد ما أمسيت" أن هذه القصة كانت بعد الزوال بعد مجيئه ﷺ من مكة وصلاة الظهر، ولا مانع من أن ذلك كان فى موطنين أحدهما قبل الزوال. والثانى بعده والله أعلم (٢) تقدم شرح هذه الجملة وما بعدها فى غير موضع (تخريجه) (هق) وابن جرير وفيه أسامة بن زيد بن أسلم العدوى سيء الحفظ (زوائد الباب) (عن سعيد بن أبى عروبة) عن مقاتل أنهم سألوا أنس بن مالك عن قوم حلقوا من قبل أن يذبحوا، قال أخطأتم السنة ولا شيء عليكم (هق) (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جواز تقديم بعض الأمور المذكورة فيها على بعض، وقد أجمع العلماء على أنها مرتبة كالآتي، أولها رمى جمرة العقبة. ثم نحر الهدى أو ذبحه. ثم الحلق أو التقصير. ثم طواف الأفاضة، ولهم فيمن خالف هذا الترتيب أقوال ومذاهب (فذهب جمهورهم) من الفقهاء والمحدثين إلى الجواز وعدم وجوب الدم سواء فى ذلك العامد والناسى والجاهل، وهو قول عطاء وطاوس ومجاهد والشافعى واسحاق، قالوا لأن قوله ﷺ "لا حرج" يقتضى رفع الأثم والفدية معا، ومعناه افعل ما بقى عليك وقد اجزأك ما فعلته ولا حرج عليك فى التقديم والتأخير، والمراد بنفى الحرج نفى الضيق، وايجاب أحدهما فيه ضيق. وأيضا لو كان الدم واجبا لبينه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولم يفرق النبى ﷺ بين عالم وجاهل وناس (وذهب أبو حنيفة والنخعى وابن الماجشون) إلى وجوب الدم على من حلق قبل أن يذبح (قال أبو حنيفة) ان كان قارنا فدمان، وقال زفر إن كان قارنا فعليه ثلاثة دماء، دم للقران، ودمان لتقدم الحلاق، وقال أبو يوسف ومحمد لا شيء عليه واحتجا بقوله ﷺ لا حرج (قال النووي) فى شرح المهذب (وقال مالك) إذا قدمه
[ ١٢ / ٢٠٩ ]
-[عن جابر ﵁ فى خطبة النبى ﷺ يوم النحر بمنى]-
(٨) باب ما جاء فى الخطبة يوم النحر بمنى
(٤١٢) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال خطبنا رسول الله ﷺ يوم النَّحر فقال أى يومٍ أعظم حرمةً؟ فقالوا يومنا هذا، قال فأى شهرٍ أعظم حرمة؟ قالوا شهرنا هذا قال أى بلدٍ أعظم حرمةً؟ قالوا بلدنا هذا قال فإنَّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا
_________________
(١) يعني الحلق على الذبح فلا شيء عليه، وان قدمه على الرمى لزمه الدم (وقال أحمد) ان قدمه على الذبح أو الرمى جاهلا أو ناسيا فلا دم، وان تعمد ففى وجوب الدم روايتان عنه (وعن مالك) روايتان فيمن قدم طواف الأفاضة على الرمى (احداهما) يجزئه الطواف وعليه دم (والثانية) لا يجزئه، وقال سعيد بن جبير والحسن البصرى والنخعى وقتادة ورواية ضعيفة عن ابن عباس عليه الدم متى قدم شيئا على شيء من هذه اهـ (قلت) قال القرطبى لم يثبت عن ابن عباس إن قدم شيئا على شيء فعليه دم اهـ (وقال الحافظ) إن نسبة ذلك إلى النخعى وأصحاب الرأى فيها نظر، وقال انهم لا يقولون بذلك الا فى بعض المواضع اهـ والمراد بأصحاب الرأى فى قول الحافظ، هم الأمام أبو حنيفة وأصحابه، وقد قدمت ما ذهبوا اليه مفصلا محققا والحمد لله على التوفيق
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن عبيد ثنا الأعمش عن أبى صالح عن جابر - الحديث" (غريبه) (١) أى يحرم فيه القتال أكثر من سائر الأيام، وكذا يقال فى الشهر والبلد "فقالوا يومنا هذا" يعنى اليوم العاشر من ذى الحجة (٢) يعنى شهر ذى الحجة (٣) أى مكة لوجود الكعبة بها وهى بيت الله قال تعالى "إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين" قيل وليست الحرمة خاصة بعين اليوم والبلد والشهر، وإنما المراد ما يقع فيه من القتال (قال البيضاوي) يريد بذلك تذكارهم تقريرها فى نفوسهم ليبنى عليها ما أراد تقريره حيث قال "فان دماءكم وأموالكم عليكم حرام الخ" (٤) زاد فى حديث ابن عباس الآتى بعد هذا "وأعراضكم" والعرض بكسر العين موضع المدح والذم من الأنسان سواء أكان فى نفسه أم فى سلفه قال صاحب النهاية (٥) المعنى أن انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ وهذا أولى من قول من قال، فإن سفك دمائكم وأخذ أموالكم وثلب أعراضكم؛ لأن ذلك إنما
[ ١٢ / ٢١٠ ]
-[حديث ابن عباس ﵄ فى خطبة النبى ﷺ يوم النحر بمنى]-
في بلدكم هذا فى شهركم هذا هل بلَّغت؟ قالوا نعم. قال اللَّهمَّ اشهد
(٤١٣) عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال قال رسول الله ﷺ فى حجَّة الوداع يا أيُّها النَّاس أى يومٍ هذا؟ قالوا هذا يومٌ حرامٌ قال أى بلدٍ هذا؟ قالوا بلدٌ حرام، قال فأى شهرٍ هذا؟ قالوا شهرٌ حرامٌ، قال إنَّ أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا فى شهركم هذا، ثمَّ أعادها مرارًا ثم رفع رأسه إلى السَّماء فقال اللَّهمَّ هل
_________________
(١) يحرم إذا كان بغير حق فلابد من التصريح به فلفظ انتهاك أولى. لأن موضوعها لتناول الشيء بغير حق (١) إنما شبهها فى الحرمة بهذه الأشياء لأنهم كانوا لا يرون استباحتها وانتهاك حرمتها بحال (وقال ابن المنير) قد استقر فى القواعد أن الأحكام لا تتعلق إلا بأفعال المكلفين، فمعنى تحريم اليوم والبلد والشهر تحريم أفعال الاعتداء فيها على النفس والمال والعرض؛ فما معنى إذا تشبيه الشيء بنفسه؟ (وأجاب) بأن المراد أن هذه الأفعال فى غير هذا البلد. وهذا الشهر: وهذا اليوم مغلظة الحرمة عظيمة عند الله فلا يستسهل المعتدى كونه تعدى فى غير البلد الحرام والشهر الحرام، بل ينبغى له أن يخاف خوف من فعل ذلك فى البلد الحرام، وإن كان فعل العدوان فى البلد الحرام أغلظ فلا ينفى كون ذلك فى غيره غليظا أيضا، وتفاوت ما بينهما فى الغلظ لا ينفع المعتدى فى غير البلد الحرام، فان فرضناه تعدى فى البلد الحرام فلا يستسهل حرمة البلد. بل ينبغى أن يعتقد أن فعله أقبح الأفعال وأن عقوبته بحسب ذلك فيراعى الحالتين "وقوله ﷺ هل بلغت" يعنى ما أمرتنى به يا الله، وإنما قال ذلك لأنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان التبليغ فرضا عليه، فأشهد الله تعالى على أداء ما أوجب عليه (٢) أى أنى أديت ما أوجبته على من التبليغ (تخريجه) (عل) ورجاله رجال الصحيح
(٢) عن عكرمة عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن نمير ثنا فضيل يعنى ابن غزوان عن عكرمة عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (٣) لفظ البخارى حدثنا عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال يا أيها الناس - الحديث، فبينت هذه الرواية أن هذه الخطبة كانت يوم النحر (٤) يعنى أعاد الألفاظ المتقدم ذكرها مرارًا وأقله ثلاث مرات. وهي عادته ﷺ
[ ١٢ / ٢١١ ]
-[حديث عبد الرحمن بن معاذ فى خطبة النبى ﷺ يوم النحر بمنى]-
بلَّغت مرارًا قال يقول ابن عبَّاس والله إنَّها لوصيَّة إلى ربِّه ﷿، ثمَّ قال ألا فليبلِّغ الشَّاهد الغائب، لا ترجعوا بعدى كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعضٍ
(٤١٤) عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب النَّبى ﷺ قال خطب النَّبى ﷺ النَّاس بمنىً ونزَّلهم منازلهم، وقال لينزل المهاجرون
_________________
(١) ثبت في رواية البخارى "اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت" مرتين. أى بلغت ما أمرتنى به كما تقدم (٢) كذا فى الأصل "إنها لوصية إلى ربه" وجاء فى البخارى بلفظ "انها لوصيته إلى أمته" بضمير يعود على النبى ﷺ واللام مفتوحة فى الروايتين وهى للتأكيد (٣) أى الحاضر ذلك المجلس يبلغ الغائب، وقول ابن عباس معترض بين قوله ﷺ "هل بلغت" وبين قوله فليبلغ الشاهد الغائب (٤) أى بعد فراقى من موقفى هذا أو بعد موتى وهو الأظهر، وفيه استعمال رجع كصار معنى وعملا (قال ابن مالك) وهو مما خفى على أكثر النحويين، أى لا تصيروا بعدى "كفارا" أى كالكفار أو لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا القتال، أو لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار (وقوله يضرب) برفع الباء من يضرب على أنها جملة مستأنفة مبينة لقوله لا ترجعوا بعدى كفارا، ويجوز الجزم. قال أبو البقاء على تقدير شرط مضمر أى إن ترجعوا بعدي. والله أعلم (تخريجه) (خ. مذ. هق)
(٢) عن عبد الرحمن بن معاذ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن حميد الأعرج عن محمد بن إبراهيم التيمى عن عبد الرحمن بن معاذ - الحديث" (غريبه) (٥) هكذا بالأصل (عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب النبى ﷺ) وترجم له فى المسند بهذه العبارة (حديث رجل من أصحاب النبى ﷺ) ثم ذكره بهذا الأسناد، ثم عقبه بترجمة أخرى فقال (حديث عبد الرحمن بن معاذ وكان من أصحاب النبى ﷺ) ثم قال حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الصمد قال حدثنى أبى قال ثنا حميد بن قيس عن محمد بن إبراهيم التيمى عن عبد الرحمن بن معاذ التيمى قال وكان من أصحاب النبى ﷺ، قال خطبنا رسول الله ﷺ فذكر الحديث. فثبت بهذا أن عبد الرحمن بن معاذ من الصحابة، وأنه روى هذا الحديث بدون واسطة بينه وبين النبى ﷺ، ورواه النسائى كذلك بدون واسطة. ولابى داود روايتان كما هنا إحداهما بواسطة والأخرى من غير واسطة. والظاهر والله أعلم أن عبد الرحمن رواه مرتين. مرة بواسطة. ومرة بغير واسطة، ويحتمل أنه أراد عدم التصريح باسم نفسه لأمر ما. فقال عن رجل عن أصحاب النبى ﷺ يعنى نفسه والله أعلم (٦) من التنزيل أي أجلس كل
[ ١٢ / ٢١٢ ]
-[حديث الهرماس بن زياد فى خطبة النبى ﷺ يوم النحر بمنى]-
هاهنا وأشار إلى ميمنة القبلة، والأنصار هاهنا وأشار إلى ميسرة القبلة، ثمَّ لينزل النَّاس حولهم، قال وعلَّمهم مناسكهم ففتحت أسماع أهل منى حتَّى سمعوه فى منازلهم قال فسمعته يقول ارموا بمثل حصى الخذف
(٤١٥) عن الهرماس بن زياد الباهلىِّ ﵁ قال رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وأبى مردفى خلفه على حمار وأنا صغير فرأيت رسول الله ﷺ يخطب بمنىً على ناقته العضباء (وعنه من
_________________
(١) إنسان بالمكان اللائق به (١) فى رواية أخرى لأبى داود "ثم أمر المهاجرين فنزلوا فى مقدم المسجد" أى مسجد الخيف" ولعل المراد بالمقدم الجهة "وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد ثم نزل الناس بعد ذلك" فالمراد بقوله وأشار إلى ميمنة القبلة أى إلى مقدم مسجد منى "وأشار إلى ميسرة القبلة" أى إلى وراء مسجد منى كما يستفاد من الرواية الثانية لأبى داود (وقوله ثم لينزل الناس حولهم) أى جول المهاجرين والأنصار (٢) فيه رد على من يقول ان هذه الخطبة لم يذكر فيها شيء من أعمال الحج (وقوله ففتحت أسماعنا) بضم الفاء الثانية وكسر الفوقية بعدها. أى اتسع سمع أسماعنا وقوى، من قولهم قارورة فتح بضم الفاء والتاء أى واسعة الرأس (قال الكسائي) ليس لها صمام ولا غلاف، وهكذا صارت أسماعهم لما سمعوا صوت النبى ﷺ، وهذا من بركات صوته اذا سمعه المؤمن قوى سمعه واتسع مسلكه حتى صار يسمع الصوت من الأماكن البعيدة ويسمع الاصوات الخفية (٣) ظاهره أنهم لم يذهبوا لسماع الخطبة بل وقفوا فى رحالهم وهم يسمعونها وليس كذلك. بل المراد أن كل من فى منى سمع الخطبة حتى من كان فى بيته لحاجة أو عذر منعه من الحضور لاستماعها، وهو اللائق بحال الصحابة ﵃ (تخريجه) (د. نس) وسكت عنه أبو داود والمنذرى ورجال اسناده ثقات
(٢) عن الهرماس بن زياد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا بهز ثنا عكرمة بن عمار ثنا الهرماس بن زياد - الحديث (غريبه) (٤) أى يوم النحر كما صرح بذلك فى الطريق الثانية (٥) العضباء هى مقطوعة الأذن (قال الأصمعي) كل قطع فى الأذن جدع، فان جاوز الربع فهى عضباء (وقال أبو عبيد) إن العضباء التى قطع نصف أذنها فما فوق، وقال الخليل هى مشقوقة الأذن. قال الحربى الحديث يدل على أن
[ ١٢ / ٢١٣ ]
-[الدليل على أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر]-
طريقٍ ثانٍ) قال رأيت رسول الله ﷺ يخطب يوم النحر بمنىً
(٤١٦) عن مرَّة الطَّيِّب قال حدَّثنى رجل من أصحاب النبى ﷺ فى غرفتى هذه حسبت قال خطبنا رسول الله ﷺ يوم النَّحر على ناقةٍ له حمراء مخضرمة فقال هذا يوم النَّحر وهذا يوم الحجِّ الأكبر
_________________
(١) العضباء اسم لها، وان كانت عضباء الأذن فقد جعل اسمها هذا (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد عن عكرمة بن عمارة قال حدثنى الهرماس ابن زياد الباهلى قال رأيت رسول الله ﷺ - الحديث" (تخريجه) (د. نس) وسكت عنه أبو داود والمنذرى ورجال اسناده ثقات، قال النووى إسناده صحيح على شرط مسلم
(٢) عن مرة الطيب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع قال ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة الطيب - الحديث" (غريبه) (٢) هو ابن شراحيل الهمدانى بسكون الميم أبو اسماعيل الكوفى ثقة عابد، ويقال له أيضا مرة الخير وهو من رجال الكتب السنة أيضا، قال الحارث الغنوى سجد حتى أكل التراب جبهته، قال ابن سعد توفى بعد الجماجم (وفى التهذيب) توفى سنة ست وسبعين من الهجرة (٣) أى ظننت (٤) هى التى قطع طرف أذنها. وأصل الخضرمة أن يجعل الشيء بين بين، فاذا قطع بعض الأذن فهى بين الوافرة والناقصة، وقيل هى المنتوجة بين النجائب والعكاظيات. ومنه قيل لكل من أدرك الجاهلية والأسلام مخضرم لأنه أدرك الخضرميتن (نه) وقد جاء فى رواية الهرماس المتقدمة أنها العضباء. وفى بعض الروايات القصواء. وفى بعضها الجدعاء وفى بعضها الصلماء. فيحتمل أن يكون الجميع صفة ناقة واحدة. فسماها كل واحد منهم مما تخيل فيها. ويؤيد ذلك ما روى فى حديث علىّ حين بعثه رسول الله ﷺ يبلغ أهل مكة سورة براءة. فرواه ابن عباس أنه ركب ناقة رسول الله ﷺ القصواء. وفى رواية جابر العضباء. وفى رواية غيرهما الجدعاء. فهذا يصرح بأن الثلاثة صفة ناقة واحدة والله أعلم (٥) إنما قيل الحج الأكبر للاحتراز من الحج الأصغر وهو العمرة (وفى رواية للبخاري) من حديث أبى هريرة ويوم الحج الأكبر يوم النحر. وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر. وذكر البخارى ومسلم أن حميد بن عبد الرحمن كان يقول يوم النحر يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبى هريرة. وسيأتى كلام العلماء على ذلك فى الأحكام (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد (زوائد الباب) (عن
[ ١٢ / ٢١٤ ]
-[زوائد الباب فى جواز تقديم بعض المناسك على بعض - وفى وقت الخطبة يوم النحر]-
_________________
(١) ابن عمر ﵄) قال قال النبى ﷺ بمنى أتدرون أى يوم هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم. فقال فان هذا يوم حرام، أفتدرون أى بلد هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال بلد حرام، أفتدرون أى شهر هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال شهر حرام، قال فان الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا (ق. د. نس جه) (وعن عيسى بن طلحة) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ حدثه أنه شهد النبى ﷺ يخطب يوم النحر فقام اليه رجل فقال كنت أحسب أن كذا قبل كذا ثم قام آخر فقال كنت أحسب أن كذا قبل كذا، حلقت قبل أن أنحر. نحرت قبل أن أرمي. وأشباه ذلك، فقال النبى ﷺ افعل ولا حرج لهن كلهن، فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال افعل ولا حرج (ق. والأربعة) (وعن ابن عمر ﵄) وقف النبى ﷺ يوم النحر بين الجمرات فى الحجة التى حج بهذا وقال هذا يوم الحج الأكبر فطفق النبى ﷺ يقول اللهم اشهد وودع الناس، فقالوا هذه حجة الوداع (خ. د. جه. طب) (وعن حميد بن عبد الرحمن) أن أبا هريرة قال بعثنى أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ويوم الحج الأكبر يوم النحر والحج الأكبر الحج (ق. وغيرهما) (وعن أبى أمامة ﵁) قال سمعت خطبة رسول الله ﷺ بمنى يوم النحر، رواه أبو داود بأسناد حسن، ورواه الترمذى لكن لفظه سمعت النبى ﷺ يخطب فى حجة الوداع وقال حديث حسن صحيح (وعن رافع بن عمرو المزني) ﵁ قال رأيت النبى ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء وعلى ﵁ يعبر عنه والناس بين قائم وقاعد (د. هق) قال النووى فى شرح المهذب ورواه أبو داود بأسناد حسن والنسائى بأسناد صحيح اهـ. وقوله يعبر عنه من التعبير أى يبلغ حديثه من هو بعيد من النبى ﷺ فهو ﵁ وقف حيث يبلغه صوت النبى ﷺ ويفهمه فيبلغه الناس كما سمع، وللأمام أحمد رحمه الله تعالى فى هذا الباب أحاديث كثيرة غير ما ذكر ستأتى جميعها فى باب خطب النبى ﷺ من كتاب السيرة النبوية ان شاء الله تعالى (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية الخطبة فى يوم النحر وهى ترد على زعم أن يوم النحر لا خطبة فيه للحاج وأن المذكور فى أحاديث الباب إنما هو من قبيل الوصايا العامة لا أنه خطبة من شعار الحج، ووجه الرد أن الرواة سموها خطبة كما سموا التى وقعت بعرفات خطبة، وقد اتفق على مشروعية الخطبة بعرفات ولا دليل لى ذلك إلا ما روى عنه ﷺ أنه خطب بعرفات، والقائلون بعدم مشروعية الخطبة يوم النحر هم المالكية والحنفية، وقالوا خطب الحج ثلاث. سابع ذى الحجة. ويوم عرفة. وثاني
[ ١٢ / ٢١٥ ]
-[مذاهب العلماء فى مشروعية الخطبة يوم النحر ووقتها وعدد خطب الحج]-
_________________
(١) يوم النحر، ووافقهم الشافعية إلا أنهم قالوا بدل ثانى النحر ثالثه، وزادوا خطبة رابعة وهى يوم النحر (قال الأمام الشافعي) وبالناس اليها حاجة ليعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمى والذبح والحلق والطواف، واستدل بأحاديث الباب، وتعقبه الطحاوى بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج لأنه ﷺ لم يذكر فيها شيئا من أعمال الحج، وإنما ذكر وصايا عامة كما تقدم، قال ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئا مما يتعلق بالحج يوم النحر فعرفنا أنها لم تقصد لأجل الحج (وقال ابن القصار) إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذى اجتمع من أقاصى الدنيا فظن الذى رآه أنه خطب، قال وأما ما ذكره الشافعى أنه بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكور فليس بمتعين، لأن الأمام يمكنه أن يعلمهم إياه بمكة أو يوم عرفة اهـ (وأجيب) بأنه ﷺ نبه فى الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر وعلى تعظيم عشر ذى الحجة وعلى تعظيم البلد الحرام. وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة كما تقدم فلا نلتفت إلى تأويل غيرهم، وما ذكره من امكان تعليم ما ذكر يوم عرفة يعكر عليه كونه يرى مشروعية الخطبة إلى يوم النحر وكان يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يأتى بعده من أعمال الحج، لكن لما كان فى كل يوم أعمال ليست فى غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجدد الأسباب، وقد بين الزهرى وهو عالم أهل زمانه أن الخطبة ثانى يوم النحر نقلت من خطبة يوم النحر وأن ذلك من عمل الأمراء يعنى بنى أمية كما أخرج ذلك ابن أبى شيبة عن الزهرى وإن كان مرسلا لكنه معتضد بما سبق، وظهر به أن السنة الخطبة يوم النحر لا ثانيه، وأما قول الطحاوى إنه لم يعلمهم شيئا من أسباب التحلل فيرده ما عند البخارى من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وذكر فى الزوائد أنه شهد النبى ﷺ يخطب يوم النحر وذكر فيه السؤال عن تقديم بعض المناسك، وثبت أيضا فى بعض طرق أحاديث الباب أنه ﷺ قال للناس حينئذ خذوا عنى مناسككم فكأنه وعظهم بما وعظهم به وأحال فى تعلمهم على تلقى ذلك من أفعاله. أفاده الحافظ (وفى حديث رافع بن عمرو المزنى المذكور فى الزوائد) دلالة على أن هذه الخطبة كانت وقت الضحى من يوم النحر (يعنى قبل طواف الأفاضة) ومشى على ذلك الحافظ ابن القيم فى الهدى، ولكن ذهب القائلون بمشروعية الخطبة فى هذا اليوم إلى أنها كانت بعد الظهر يوم النحر بمنى بعد طواف الأفاضة. ولم أقف لهم على دليل فى ذلك من الأحاديث فالله أعلم (قال النووي) وخطب الحج المشروعة عندنا أربع، أولها بمكة عند الكعبة فى اليوم السابع من ذى الحجة. والثانية بنمرة يوم عرفة. والثالثة بمنى يوم النحر. والرابعة بمنى فى الثانى من أيام التشريق وكلها خطبة فردة وبعد صلاة الظهر إلا التى بنمرة فانها خطبتان وقبل صلاة الظهر وبعد
[ ١٢ / ٢١٦ ]
-[كلام العلماء فى يوم الحج الأكبر متى هو؟]-
(أبواب المبيت بمنى ليالى منى - ورمى الجمار فى أيامها وغير ذلك)
(١) باب وقت رمى الجمار فى غير يوم النحر وآدابه
(٤١٧) عن عائشة ﵂ قالت أفاض رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من آخر يومه حين صلَّى الظُّهر ثمَّ رجع إلى منًى فمكث بها ليالى أيَّام التشريق يرمى الجمرة إذا زالت الشَّمس
_________________
(١) الزوال اهـ "وفى بعض أحاديث الباب والزوائد" دلالة على أن يوم النحر هو يوم الحج الأكبر (قال النووي) فى شرح المهذب (اختلف العلماء فى يوم الحج الأكبر) متى هو؟ فقيل يوم عرفة (والصحيح الذى قاله الشافعى وأصحابنا وجماهير العلماء) وتظاهرت عليه الأحاديث أنه يوم النحر، وإنما قيل الحج الأكبر للاحتراز من الحج الأصغر وهو العمرة، هكذا ثبت فى الحديث الصحيح، واستدل النووى بحديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة المذكور فى الزوائد؛ ثم قال رواه البخارى ومسلم فى صحيحهما، وقال حميد إن الله أمر بهذا الأذان يوم الحج الأكبر فأذنوا به يوم النحر، فدل على أنهم علموا أنه يوم الحج الأكبر المأمور بالأذان فيه فى قوله تعالى "وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر - الآية" ولأن معظم المناسك تفعل فيه (ومن قال يوم عرفة) احتج بالحديث السابق "الحج عرفة" ولكن حديث أبى هريرة يرده، ونقل القاضى عياض (أن مذهب مالك) أنه يوم النحر، وأن مذهب الشافعى أنه يوم عرفة. وليس كما قال، بل مذهب الشافعى وأصحابه أنه يوم النحر كما سبق والله أعلم اهـ
(٢) عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على بن بحر قال ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن اسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة - الحديث" (غريبه) (١) أى من آخر يوم النحر، وتقدم فى باب الأفاضة من منى للطواف يوم النحر روايتها مع ابن عباس أن رسول الله ﷺ أخر طواف يوم النحر إلى الليل وليس على ظاهره بل هو مأوّل، وتقدم تأويله فى الباب المشار إليه، والصحيح أنه ﷺ طاف طواف الأفاضة يوم النحر قبل الظهر، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر كما ثبت ذلك فى حديث ابن عمر؛ وهو حديث صحيح متفق على صحته، رواه الشيخان والأمام أحمد وغيرهم، وتقدم فى الباب المشار إليه أيضا (٢) استدل به على أن وقت رمي الجمرات في غير
[ ١٢ / ٢١٧ ]
-[آداب رمي الجمار ووقتها فى غير يوم النحر]-
كلَّ جمرةٍ بسبع حصيات يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ ويقف عند الأولى وعند الثَّانية فيطيل القيام ويتضرَّع ويرمى الثَّالثة لا يقف عندها
(٤١٨) عن ابن عبَّاس ﵄ قال رمى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم الجمار عند زوال الشَّمس أو بعد زوال الشَّمس
_________________
(١) يوم النحر بعد الزوال باتفاق الجمهور (١) حكى الماوردى عن الأمام الشافعى أن صفته. الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله والله أكبر. الله أكبر ولله الحمد (٢) هى التى تلى مسجد الخيف بفتح الخاء المعجمة وإسكان المثناة تحت (قال أهل اللغة) الخيف ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء، وبه يسمى مجسد الخيف، وهو مسجد عظيم واسع جدا فيه عشرون بابا، وذكر الأزرقى جملا تتعلق به. وهذه الجمرة هى أولاهن من جهة عرفات وأبعدهن من مكة، وهى فى نفس الطريق الجادة، فيأتيها من أسفل منها فيصعد اليها ويعلوها حتى يكون ما عن يساره أقل ما عن يمينه؛ ويستقبل الكعبة ثم يرمى الجمرة بسبع حصيات واحدة واحدة يكبر عقب كل حصاة كما سبق فى رمى جمرة العقبة يوم النحر؛ ثم يتقدم عنها وينحرف قليلا ويجعلها فى قفاه ويقف فى موضع لا يصيبه المتطاير من الحصى الذى يرمى فيستقبل القبلة ويحمد الله تعالى ويكبر ويهلل ويسبح ويدعو مع حضور القلب وخضوع الجوارح، ويمكث كذلك قدر سورة البقرة (لما روى البيهقي) بسنده عن وبرة قال "قام ابن عمر حين رمى الجمرة عن يسارها نحو ما لو شئت قرأت سورة البقرة" (قال وروينا) عن أبى مجلز فى حزر قيام ابن عمر، قال وكان قدر قراءة سورة يوسف (وعن ابن عباس) أنه كان يقوم بقدر قراءة سورة من المئين (٣) هى الوسطى ويصنع فيها كما صنع فى الأولى ويقف للدعاء كما وقف فى الأولى إلا أنه لا يتقدم عن يساره بخلاف ما فعل فى الأولى لأنه لا يمكنه ذلك فيها بل يتركها عن يمينه ويقف فى بطن المسيل منقطعا عن أن يصيبه الحصى (٤) هى جمرة العقبة التى رماها يوم النحر فيرميها من بطن الوادى ولا يقف عندها للذكر والدعاء (تخريجه) (د. حب. ك. هق) وفيه محمد بن اسحاق ثقة ولكنه مدلس. والمدلس إذا قال عن لا يحتج بروايته ويؤيده، قبل ويغنى عنه حديث سالم عن ابن عمر، وسيأتى عن الزهرى
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى صنا نصر من باب ثنا الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس - الحديث" (تخريجه) (مذ. جه) وحسنه الترمذى وأخرج نحوه مسلم فى صحيحه من حديث جابر
[ ١٢ / ٢١٨ ]
-[آداب رمي الجمار والتكبير عند كل حصاة]-
(٤١٩) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وقف عند الجمرة الثَّانية أطول ممَّا وقف عند الجمرة الأولى، ثمَّ أتى جمرة العقبة فرماها ولم يقف عندها
(٤٢٠) عن الزُّهرى قال بلغنا أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا رمى الجمرة الأولى الَّتى تلى المسجد رماها بسبع حصيات يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، ثمَّ ينصرف ذات اليسار إلى بطن الوادى فيقف ويستقبل القبلة رافعًا يديه يدعوا. وكان يطيل الوقوف، ثمَّ يرمى الثَّانية بسبع حصيات يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، ثمَّ ينصرف ذات اليسار إلى بطن الوادى فيقف ويستقبل القبلة رافعًا يديه يدعوا، ثمَّ يمضى حتَّى يأتى الجمرة التَّى عند العقبة فيرميها بسبع حصياتٍ يكبِّر عند كلِّ حصاة ثمَّ ينصرف ولا يقف، قال الزُّهرى سمعت سالمًا يحدِّث عن ابن عمر عن النَّبى ﷺ بمثل هذا، وكان ابن عمر يفعل مثل هذا
_________________
(١) عن عمرو بن شعيب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا حجاج عن عمرو بن شعيب - الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وفى اسناده الحجاج بن أرطأة فيه كلام
(٢) عن الزهرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عثمان بن عمر أنا يونس عن الزهرى - الحديث" (غريبه) (١) هو الأمام الثقة محمد بن مسلم الزهري، ويقال له ابن شهاب أيضا عالم المدينة ثم الشام (وقوله بلغنا) هكذا رواية الأمام أحمد، ولفظ رواية البخارى عن الزهرى أن رسول الله ﷺ كان إذا رمى الخ بهذا اللفظ (٢) هو ابن عبد الله بن عمر، وقد رواه الأسماعيلى بنحو هذا، وقال فى آخره قال الزهرى سمعت سالما يحدث بهذا عن أبيه عن النبى ﷺ (٣) لفظ البخارى وكان ابن عمر يفعله أى يفعل هذا على رواية الأسماعيلي، أو يفعل مثل هذا على رواية الأمام أحمد (تخريجه) (خ. هق) وفى هذا الحديث تقديم المتن على بعض السند فانه ساق السند؛ من أوله إلى أن قال عن الزهرى قال بلغنا أن رسول الله ﷺ ثم بعد أن ذكر المتن كله ساق تتمة السند
[ ١٢ / ٢١٩ ]
-[كلام العلماء فى الحديث إذا تقدم متنه على سنده هل يعدّ موصولا أم لا؟]-
(٤٢١) عن عائشة ﵂ قالت قلت يا رسول الله ألا نبنى لك بمنىً بيتًا أو بناءًا يظلُّك من الشَّمس، فقال لا إنَّما هو مناخ لمن سبق إليه
_________________
(١) فقال قال الزهري الخ، وقد صرح جماعة بجواز ذلك منهم الأمام أحمد، ولا يمنع التقديم فى ذلك الوصل، بل يحكم باتصاله (قال الحافظ) ولا اختلاف بين أهل الحديث أن الأسناد بمثل هذا السياق موصول، وغايته أنه من تقديم المتن على بعض السند، وإنما اختلفوا فى جواز ذلك، وأغرب الكرمانى فقال هذا الحديث من مراسيل الزهرى ولا يصير بما ذكره آخرا مسندا لأنه قال يحدث بمثله لا بنفسه، كذا قال، وليس مراد المحدث بقوله فى هذا بمثله إلا نفسه، وهو كما لو ساق المتن بأسناد ثم عقبه بأسناد آخر ولم يعد المتن بل قال بمثله، ولا نزاع بين أهل الحديث فى الحكم بوصل مثل هذا، وكذا عند أكثرهم لو قال بمعناه خلافا لمن يمنع الرواية بالمعنى، وقد أخرج الحديث المذكور الأسماعيلى عن ابن ناجية عن محمد بن المثنى وغيره عن عثمان بن عمر. وقال فى آخره (قال الزهري) سمعت سالما يحدث بهذا عن أبيه عن النبى ﷺ فعرف أن المراد بقوله مثله نفسه، وإذا تكلم المرء فى غير فنه أتى بهذه العجائب اهـ (قلت) وللبخارى رواية أخرى بتقديم السند جميعه على المتن من طريق ابن شهاب يعنى الزهرى أيضا عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات، فذكر الحديث وفى آخره قال ويقول (يعنى ابن عمر) هكذا رأيت النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يفعله
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرحمن بن مهدى قال ثنا اسرائيل وزيد بن الحباب قال أخبرنى اسرائيل المعنى عن ابراهيم بن مهاجر بن يوسف بن ماهك عن أمه عن عائشة - الحديث" (غريبه) (١) جاء فى رواية ابن ماجه بيتا، وفى رواية الترمذى بناء، وفى رواية أبى داود بيتا أو بناء كما هنا (٢) أى لا تبنوا لى بناء بمنى لأنه ليس مختصا بأحد، دون آخر من الناس، إنما هو موضع العبادة من الرمى والذبح والحلق ونحوها يشترك فيه الناس، فلو بنى فيها لأدى الى كثرة الأبنية تأسيا به ﷺ فتضيق على الناس. وكذلك حكم الشوارع ومواضع الأسواق، وعند الأمام أبى حنيفة أرض الحرم موقوفة لأن رسول الله ﷺ فتح مكة قهرا وجعل أرض الحرم موقوفة فلا يجوز أن يتملكها أحد. كذا فى المرقاة) (٣) بضم الميم أى موضع لأناخة الأبل (وقوله لمن سبق اليه) معناه أن الاختصاص فيه بالسبق لا بالبناء والله أعلم (تخريجه) (د. مذ. جه. ك. مي) وحسنه الترمذي، وقال الحاكم هذا حديث
[ ١٢ / ٢٢٠ ]
-[زوائد الباب وأحكامه]-
_________________
(١) صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبى (زوائد الباب) (عن وبرة) قال سألت ابن عمر ﵄ متى أرمى الجمار؟ قال إذا رمى إمامك فارمه، فأعدت عليه المسألة قال كنا نتحين فاذا زالت الشمس رمينا (خ. د) وقوله نتحين أى نراقب الوقت المطلوب وهو زوال الشمس، ولفظ أبى داود كنا نتحين زوال الشمس (وعن عمر ابن الخطاب) ﵁ قال لا ترمى الجمرة حتى يميل النهار (هق) (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة أحكام (منها مشروعية المبيت بمنى ليالى الرمي) وإلى وجوبه ذهب جمهور العلماء، قالوا لأنه من جملة مناسك الحج، وروى الأثرم عن ابن عمر قال لا يبيتن أحد من الحجاج إلى بمنى، وكان يبعث رجالا لا يدعون أحدا يبيت وراء العقبة، ولأن النبى ﷺ فعله نسكا وقال "خذوا عنى مناسككم" وهو قول عروة وابراهيم ومجاهد وعطاء، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁، وهو قول الأمامان (مالك والشافعي) وقول للأمام أحمد فى رواية، ومن أدلتهم على ذلك حديث عاصم بن عدى أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يتركوا المبيت بمنى، وحديث ابن عمر فى إذنه ﷺ للعباس بذلك وسيأتيان فى الباب التالي، والتعبير بالرخصة يقتضى أن مقابلها عزيمة وأن الأذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد أو ما فى معناها لم يحصل (واختلفوا فى وجوب الدم لتركه) فقيل يجب على كل ليلة دم، روى ذلك عن المالكية وقيل صدقة بدرهم وقيل اطعام (وقال الشافعية) يجب على الثلاث دم (وهو رواية عن الأمام أحمد) لقول ابن عباس ﵄ "من ترك من نسكه شيئا فليهرق دما" (وذهب جماعة إلى أنه سنة) ليس بواجب ولا دم فى تركه روى ذلك عن الحسن (واليه ذهب الأمام أبو حنيفة) ورواية عن الأمام أحمد لما روى ابن عباس إذا رميت الجمرة (يعنى جمرة العقبة) فبت حيث شئت، ولأنه قد حل من حجه فلم يجب عليه المبيت بموضع معين كليلة الحصبة (ومنها ما يدل) على أنه لا يجزء رمى الجمار فى غير يوم الأضحى قبل زوال الشمس بل وقته بعد زوالها، وإلى هذا ذهب (جمهور العلماء) وخالف فى ذلك عطاء وطاوس فقالا يجوز الرمى قبل الزوال مطلقا (ورخص الحنفية) فى الرمى يوم النفر قبل الزوال (وقال اسحاق) إن رمى قبل الزوال أعاد إلا فى اليوم الثالث فيجزئه، والأحاديث المذكورة فى الباب ترد على الجميع (ومنها) مشروعية القيام والتكبير عند رمى كل حصاة والقيام عند الجمرتين وتركه عند جمرة العقبة ومشروعية الدعاء عندهما (قال ابن قدامة فى المغنى) لا نعلم لما تضمنه حديث ابن عمر هذا "أى الرابع من أحاديث الباب" مخالفًا إلا ما روى عن مالك من تركه رفع اليدين عند الدعاء (ومنها) عدم جواز البناء فى أرض الحرم لأى انسان مهما كان لأنها موقوفة
[ ١٢ / ٢٢١ ]
-[بيان كيفية جمع الرمى لمن رخص لهم بذلك]-
(٢) باب الرخصة لرعاء الابل فى جمع رمى يومين فى يوم
(وفى المبيت بمكة أيام منى لذوى الحاجات بها)
(٤٢٢) عن أبى البدَّاح بن عاصم بن عدىٍّ عن أبيه (﵁) قال أرخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل فى البيتوتة أن يرموا يوم النَّحر ثمَّ يجمعوا رمى يومين بعد النَّحر فيرمونه فى أحدهما قال مالك ظننت أنَّه فى الآخر منهما ثمَّ يرمون يوم النَّفر (وعنه من طريقٍ ثانٍ) أنَّ النَّبىَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أرخص للرِّعاء أن يتعاقبوا فيرموا
_________________
(١) للعبادة ولمصالح المسلمين عامة (ومنها غير ذلك) تقدم فى أبواب رمى جمرة العقبة والله الموقف
(٢) عن ابى البداح (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق ثنا مالك عن عبد الله بن أبى بكر عن أبيه عن أبى البداح - الحديث" (غريبه) (١) قال الطيبى ﵀ الصحيح أن أبا البداح صحابى يروى عن أبيه (٢) بكسر الراء والمد. جمع راع أى لرعاتها (وقوله فى البيتوتة) أى خارجين عن منى كما صرح بذلك فى الموطأ للأمام مالك (٣) يعنى جمرة العقبة (٤) معناه أنهم يجمعون رمى اليوم التالى ليوم النحر مع اليوم الذى يليه وهو يوم النفر الأول جمع تقديم. فيرمون فى اليوم التالى ليوم النحر ولا يرمون فى يوم النفر الأول. أو جمع تأخير فيرمون فى يوم النفر الأول ولا يرمون فى اليوم التالى ليوم النحر، واختار هذا الأخير الأمام مالك، ولذا قال قال مالك ظننت أنه فى الآخر منهما، وفسره الأمام مالك فى الموطأ بعبارة أوضح فقال (تفسير الحديث الذى أرخص فيه رسول الله ﷺ لرعاء الأبل فى تأخير رمى الجمار فيما نرى والله أعلم أنهم يرمون يوم النحر. فإذا مضى اليوم الذى يلى يوم النحر رموا من الغد وذلك يوم النفر الأول فيرمون لليوم الذى مضى. ثم يرمون ليومهم ذلك لأنه لا يقضى أحد شيئًا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك، فان بدا لهم النفر فقد فرغوا، وان أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الأخير ونفروا) اهـ، وإنما رخص للرعاء لأن عليهم رعى الأبل وحفظها لتشاغل الناس بنسكهم عنها، ولا يمكنهم الجمع بين رعيها وبين الرمى والمبيت، فيجوز لهم ترك المبيت للعذر والرمى على الصفة المذكورة (٥) يعنى يوم النفر الأخير (٦) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن بكر أنا روح ثنا ابن جريج
[ ١٢ / ٢٢٢ ]
-[الرخصة في المبيت بمكة أيام منى لمن له حاجة بها وحكم من تعجل فى النفر]-
يوم النَّحر ثمَّ يدعوا يومًا وليلةً ثمَّ يرموا الغد
(٤٢٣) عن عبد الله (يعنى ابن عمر ﵄) أنّ العبَّاس ﵁ استأذن رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فى أن يبيت بمكَّة أيَّام منىً من أجل السِّقاية فرخَّص له
_________________
(١) أخبرني محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمرو عن أبيه عن أبى البداح عن عاصم بن عدى أن النبى ﷺ أرخص للرعاء - الحديث" (١) أى لا يبيتون بمنى ليلة اليوم التالى ليوم النحر ولا يرمون فيه، وهذه الرواية تؤيد اختيار الأمام مالك (تخريجه) أخرجه الأمامان والأربعة وابن حبان والحاكم وصححه الترمذي، وفى رواية لأبى داود والنسائى عن أبى البداح أيضا عن أبيه أن النبى ﷺ رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما
(٢) عن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن عبيد الله أخبرنى نافع قال لا أعلمه إلا عن عبد الله - الحديث" (غريبه) (٢) لفظ البخارى "ليالى منى" وهو المراد هنا وهى ليلة الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر (٣) يعنى سقابة الحاج (قال عطاء) سقاية الحاج زمزم، وقال الأزرقى كان عبد مناف يتحمل الماء فى الروايا والقرب إلى مكة ويسكبه فى حياض من أدم بفناء الكعبة للحاج. ثم فعله ابنه هاشم بعده. ثم عبد المطلب، فلما حفر زمزم كان يشترى الزبيب فينبذه فى ماء زمزم ويسقى الناس (وقال ابن اسحاق) ولى السقاية من بعد عبد المطلب ولده العباس وهو يومئذ من أحدث اخوته سنا. فلم تزل بيده حتى قام الأسلام وهى بيده وأقرها رسول الله ﷺ معه، فهى اليوم إلى بنى العباس (تخريجه) (ق. وغيرهما) وللشيخين والأمام أحمد أيضا عن ابن عباس ﵄ قال استأذن العباس رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالى منى من أجل سقايته فأذن له (تنبيه) يجوز للحاج التعجيل فى النفر من منى بدون عذر فى اليوم الثانى ما لم تغرب الشمس، ولا يجوز بعد الغروب، وبه قال الأئمة (مالك والشافعى وأحمد والجمهور) وقال الأمام أبو حنيفة له التعجيل ما لم يطلع فجر اليوم الثالث، احتج الجمهور بقوله تعالى "فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه" واليوم اسم للنهار دون الليل (الأحكام) حدينا الباب يدلان على جواز التخلف عن المبيت بمنى فى ليالى الرمى لأجل السقاية ورعاء الأبل ولكل عذر يشابه الأعذار التى رخص لأهلها رسول الله ﷺ، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء، وقيل يختص الحكم بالعباس وسقايته
[ ١٢ / ٢٢٣ ]
-[كلام العلماء فيمن يرخص لهم فى المبيت بمكة للحاجة]-
(٣) باب قصر الصلاة بمنى وعدم جواز صيامها أيامها
(٤٢٤) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال صلَّيت مع رسول الله ﷺ بمنىً ركعتين، ومع أبى بكر ﵁ ركعتين، ومع عمر ﵁ ركعتين فقليت حظِّى من أربعٍ. ركعتان متقبَّلتان
_________________
(١) حتى لو عملت سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها فى المبيت لأجلها (قال الحافظ) وهو جمود، وقيل يدخل معه آله، وقيل قومه وهم بنو هاشم، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، والعلة فى ذلك اعداد الماء للشاربين، وهل يختص ذلك بالماء أو يلتحق به ما فى معناه من الأكل والشرب وغيره؟ (قال الحافظ) محل احتمال. قال وجزم الشافعية بالحاق من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مريض يتعاهده بأهل السقاية كما جزم الجمهور بالحاق الرعاء خاصة، وهو (قول أحمد) واختاره ابن المنذر أعنى الاختصاص بأهل السقاية ورعاء الأبل، والمعروف عن أحمد اختصاص العباس بذلك وعليه اقتصر صاحب المغنى اهـ. وتقدم الكلام على من تخلف لغير عذر وما يلزمه فى الباب السابق والله أعلم
(٢) عن عبد الله بن مسعود (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ومحمد بن جعفر قالا ثنا شعبة عن سليمان قال سمعت عمارة بن عمير يحدث قال ابن جعفر أو ابراهيم شعبة شك عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود - الحديث" "وقوله فى السند قال ابن جعفر أو ابراهيم شعبة شك" معناه أن محمد بن جعفر أحد الراويين اللذين روى عنهما الأمام أحمد هذا الحديث قال فى روايته حدثنا شعبة عن سليمان (يعنى الاعمش) قال سمعت عمارة بن عمير أو ابراهيم "يعنى النخعي" يحدث عن عبد الرحمن بن يزيد الخ، قال ابن جعفر الشك من شعبة "يعنى فى قوله أو ابراهيم (غريبه) (١) فى رواية أبى داود (زاد "يعنى مسددا" عن حفص ومع عثمان صدرا من امارته ثم أتمها) وقوله ثم أتمها يعنى عثمان وأتمها معه ابن مسعود، وقد جاء سبب الأتمام فى رواية لأبى داود من طريق معم رعن الزهرى أن عثمان إنما صلى بمنى أربعا لانه أجمع على الاقامة بعد الحج "وله فى أخرى" من طريق ابراهيم قال ان عثمان صلى أربعًا لأنه اتخذها وطنا "وله فى أخرى" من طريق يونس عن الزهرى قال لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها صلى أربعًا، قال ثم أخذ به الأئمة بعده (٢) معناه ليت عثمان صلى ركعتين بدل الأربع كما كان النبى ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ فى صدر خلافته يفعلون، ومقصوده كراهة مخالفة ما كان عليه رسول الله ﷺ وصاحباه لأن الخير في اتباعهم وهو
[ ١٢ / ٢٢٤ ]
-[مشروعية قصر الصلاة بمنى وكراهة صيام أيامها وكلام العلماء فى ذلك]-
(٤٢٥) عن أنس بن مالك ﵁ قال صلَّيت مع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بمنىُ ركعتين، ومع أبى بكرٍ ركعتين ومع عمر ركعتين، ومع عثمان ركعتين صدرًا من إمارته
(٤٢٦) عن ابن كعب بن مالك عن أبيه كعب بن مالكٍ ﵁ أنَّه حدَّثه أنَّ رسول الله ﷺ بعثه وأوس بن الحدثان فى أيَّام التَّشريق فناديا أنه لا يدخل الجنَّة إلاَّ مؤمن وأيَّام التَّشريق أيَّام أكل وشربٍ
_________________
(١) أفضل، وإنما تبع عثمان كراهة مخالفة الأمام، ولأنه يرى جواز الأتمام. ولهذا كان يصلى وراءه متما. ولو كان القصر عنده واجبا لما استجاز تركه وراء أحد (تخريجه) (ق. د. نس)
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس ابن محمد ثنا ليث يعنى ابن سعد عن بكير بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن أبى سليم عن أنس بن مالك - الحديث" (غريبه) (١) زاد مسلم من حديث ابن عمر ثم أن عثمان صلى بعد أربعا، فكان ابن عمر إذا صلى مع الأمام صلى أربعا، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (تخريجه) (نس) وسنده جيد، وروى نحوه الشيخان عن ابن عمر
(٣) عن ابن كعب بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن سابق قال أنا ابراهيم بن طهمان عن أبى الزبير عن ابن كعب بن مالك - الحديث" (تخريجه) (م. وغيره) وفى الباب أحاديث كثيرة عن كثير من الصحابة تقدمت فى باب النهى عن صوم أيام التشريق صحيفة ١٤٢ من كتاب الصيام فى الجزء العاشر، وفى باب مسافة القصر من كتاب الصلاة صحيفة ١٠٠ فى الجزء الخامس (الأحكام) فى أحاديث الباب مشروعية قصر الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى للحاج من غير أهل مكة وما قرب منها ولا يجوز لأهل مكة ومن كان دون مسافة القصر (قال النووي) هذا مذهب الشافعى وأبى حنيفة والأكثرين (وقال مالك) يقصر أهل مكة ومنى ومزدلفة وعرفات، فعليه القصر عنده فى تلك المواضع النسك، وعند الجمهور علته السفر والله أعلم اهـ (وفيها أيضا) النهى عن صيام أيام منى وتقدم الكلام على ذلك فى أحكام باب النهى عن صوم أيام التشريق المشار اليه آنفًا والله الموفق
[ ١٢ / ٢٢٥ ]
-[حديث أبي نضرة فى خطبة النبى ﷺ أوسط أيام التشريق بمنى]-
(٤) باب ما جاء فى الخطبة اوسط أيام التشريق
(٤٢٧) عن أبى نضرة حدَّثنى من سمع خطبة رسول الله ﷺ وسط أيَّام التشَّريق فقال يا أيُّها النَّاس إنَّ ربَّكم واحد وإنَّ أباكم واحدٌ ألا لا فضل لعربى على أعجمى ولا لعجمى على عربيٍّ. ولا لأحمر على أسود. ولا أسود على أحمر إلا بالتَّقوى، أبلَّغت؟ قالوا بلَّغ رسول الله ﷺ، ثمَّ قال أى يومٍ هذا؟ قالوا يوم حرام، ثمَّ قال أى شهرٍ هذا؟ قالوا شهرٌ حرامٌ، ثمَّ قال أى بلدٍ هذا؟ قالوا بلدٌ حرامٌ، قال فإنَّ الله قد حرَّم بينكم دماءكم وأموالكم قال ولا أدرى قال وأعراضكم أم لا كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا
_________________
(١) عن أبي نضرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسماعيل ثنا سعيد الجريرى عن أبى نضرة - الحديث" (غريبه) (١) هو اليوم الثانى من أيام التشريق والثانى عشر من ذى الحجة (٢) قال الشوكانى هذه مقدمة لنفى فضل البعض على البعض بالحسب والنسب كما كان فى زمن الجاهلية، لأنه إذا كان الرب واحد وأبو الكل واحد لم يبق لدعوى الفضل بغير التقوى موجب، وفى هذا الحديث حصر الفضل فى التقوى ونفيه عن غيرها وأنه لا فضل لعربى على أعجمى ولا لأسود على أحمر إلا بها، ولكنه قد ثبت فى الصحيح أن الناس معادن كمعادن الذهب خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الأسلام إذا فقهوا، ففيه اثبات الخيار فى الجاهلية ولا تقوى هناك وجعلهم الخيار فى الاسلام بشرط الفقه فى الدين، وليس مجرد الفقه فى الدين سببا لكونهم خيارا فى الاسلام وإلا لما كان لاعتبار كونهم خيارًا فى الجاهلية معنى ولكان كل فقيه فى الدين من الخيار وإن لم يكن من الخيار فى الجاهلية، وليس أيضا سبب كونهم خيارا فى الأسلام مجرد التقوى. وإلا لما كان لذكر كونهم خيارا فى الجاهلية معنى ولكان كل متق من الخيار من غير نظر إلى كونه من خيار الجاهلية، فلا شك أن هذا الحديث يدل على أن لشرافة الأنساب وكرم النجار مدخلا فى كون أهلها خيارا، وخيار القوم أفاضلهم وإن لم يكن لذلك مدخل باعتبار أمر الدين والجزاء الأخروي، فينبغى أن يحمل حديث الباب على الفضل الأخروى اهـ (٣) سأل ﷺ عن اليوم وهو عالم به لتكون الخطبة أوقع فى قلوبهم وأثبت (٤) يشك الراوى هل قال دماءكم وأموالكم وأعراضكم أم اقتصر على قوله دماءكم وأولادكم فقط، وقد ثبت لفظ وأعراضكم
[ ١٢ / ٢٢٦ ]
-[حجة القائلين بأن النبى ﷺ خطب بمنى فى أوسط أيام التشريق]-
في بلدكم هذا، أبلَّغت؟ قالوا بلَّغ رسول الله ﷺ قال ليبلِّغ الشَّاهد الغائب
(٤٢٨) عن بشر بن سحيم ﵁ أن النَّبى صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم خطب فى أيام التَّشريق (وفى لفظٍ فى أيَّام الحجِّ) فقال لا يدخل الجنة إلاَّ نفسٌ مسلمةٌ، وإنَّ هذه الأيَّام أيَّام أكلٍ وشربٍ
(٤٢٩) عن ابن أبى نجيح عن أبيه عن رجلٍ من بنى بكر قال خطب النَّبى صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم النَّاس بمنىً على راحلته ونحن عند يديها، قال إبراهيم ولا أحسبه إلا قال عند الجمرة
_________________
(١) في الروايات الصحيحة، وتقدم الكلام على ذلك فى خطبة يوم النحر (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وأورده الهيثمي. وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح
(٢) عن بشر بن سجم (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع قال أنا سفيان وعبد الرحمن عن سفيان عن حبيب بن أبى ثابت قال وقال نافع بن جبير بن مطعم عن بشر بن سحيم - الحديث، وله طريق آخر عند الأمام أحمد أيضا قال حدثنا بهز ثنا شعبة قال أخبرنى حبيب بن أبى ثابت أنه سمع نافع بن جبير يحدث عن رجل من أصحاب النبى ﷺ يقال له بشر بن سحيم أن النبى ﷺ خطب فقال إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن وان هذه الأيام أيام أكل وشرب (غريبه) (١) هذا اللفظ لعبد الرحمن أحد الراويين اللذين روى عنهما الأمام أحمد هذا الحديث (تخريجه) (نس. جه) وسنده جيد
(٣) عن ابن أبى نجيح (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى ثنا ابراهيم يعنى ابن نافع عن ابن أبى نجيح عن أبيه - الحديث" (غريبه) (٢) لفظ أبى داود عن رجلين من بنى بكر قالا رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته، ففى رواية أبى داود بيان اليوم الذى وقعت فيه الخطبة لقوله "بين أوسط أيام التشريق" أى فى أوسط أيام التشريق وهو اليوم الثانى منها، وأيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر. فأوسطها يوافق اليوم الثانى عشر من ذى الحجة كما تقدم (٣) هو ابن نافع أحد رجال السند (وقوله ولا أحسبه) يعنى ولا أظن ابن أبى نجيح إلا قال عند الجمرة، وفى ذلك بيان الموضع الذى وقعت فيه الخطبة والله أعلم (تخريجه) (د. هق) وسكت عنه أبو داود والمنذرى والحافظ فى التلخيص، ورجاله رجال الصحيح (زوائد الباب)
[ ١٢ / ٢٢٧ ]
-[زوائد الباب وأحكامه]-
(٥) باب نزول المحصب اذا نفر من منى
(٤٣٠) عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من الغد يوم النَّحر وهو بمنىً نحن نازلون غدًا بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا
_________________
(١) (عن سرَّاء بنت نبهان) وكانت ربة بيت فى الجاهلية قالت خطب النبى ﷺ يوم الرءوس فقال أى يوم هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم، قال أليس أوسط أيام التشريق؟ (د) وسكت عنه أبو داود والمنذري، ورواه البيهقى مطولا، وأورده المنذرى مطولا كرواية البيهقى وعزاه للطبرانى فى الأوسط وقال رجاله ثقات (وعن ابن عمر) ﵄ قال أنزلت هذه السورة "إذا جاء نصر الله والفتح" على رسول الله ﷺ فى وسط أيام التشريق وعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب فوقف بالعقبة واجتمع الناس وقال يا أيها الناس فذكر الحديث فى خطبته (هق) باسناد ضعيف "وفى الباب" غير ما ذكرنا للأمام أحمد، سيأتى فى باب خطب النبى ﷺ من كتاب السيرة النبوية إن شاء الله تعالى (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية الخطبة فى أوسط أيام التشريق وأنها من الخطب المستحبة فى الحج وتقدم الكلام على ذلك واختلاف المذاهب فيه فى أحكام باب ما جاء فى الخطبة يوم النحر فارجع اليه والله المستعان
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا الوليد ثنا الأوزاعى ثنا الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة - الحديث" (غريبه) (١) أصله من الغدو مثل فلس، لكن حذفت اللام وجعلت الدال حرف اعراب، وهو أول النهار من كل يوم، فلما قال يوم النحر تبين أن المراد بذلك غداة يوم النحر (٢) هذا يفيد أنه ﷺ يريد النزول فى اليوم التالى ليوم النحر، لأن معنى قولك سأفعل كذا غدا أنك تريد اليوم الذى يأتى بعد يومك على أثره، وليس هذا مرادا هنا وان كان معنى اللفظ يعطى ذلك. لأنهم توسعوا فيه حتى أطلق على البعيد المترقب، قال عبد المطلب جد النبى ﷺ فى قصيدة له فى قصة أصحاب الفيل * لا يغلبن صليبهم * ومحالهم غدوا محالك * ولم يرد عبد المطلب الغد بعينه وإنما أراد القريب من الزمان، والمراد بالنزول هنا النزول بعد رمى الجمار فى اليوم الثالث من أيام التشريق أثناء رجوعه إلى مكة (وقوله بخيف بنى كنانة) الخيف بفتح الخاء وسكون الياء التحتية فى آخره فاء. وهو ما انحدر من الجبل وارتفع عن المسيل، وقال الزهرى الخيف الوادى (٣) أى تحالفوا على الكفر. وسيأتى تفسير ذلك فى الحديث (وقوله يعنى بذلك المحصب) تفسير للخيف يريد أن خيف بنى كنانة هو المحصب، والمحصب بمهملتين وموحدة
[ ١٢ / ٢٢٨ ]
-[حجة القائلين بأن نزول المحصب ليس بسنة]-
على الكفر يعنى بذلك المحصَّب وذلك أنَّ قريشًا وكنانة تحالفت على بنى هاشم وبنى المطَّلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ
(٤٣١) عن عائشة ﵂ فى قصَّة عمرتها بعد الحجِّ أنَّ رسول الله ﷺ قال لعبد الرَّحمن أخرج بأختك فلتعتمر فطف بها البيت والصَّفا والمروة ثمَّ لتقض، ثمَّ ائتنى قبل أن أبرح ليلة الحصبة، قالت فإنَّما أقام رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بالحصبة من أجلى (وفى لفظٍ) قالت ثمَّ ارتحل حتى نزل الحصبة قالت والله ما نزلها إلاَّ من أجلي
_________________
(١) على وزن محمد هو اسم لمكان متسع بين جبلين، وهو إلى منى أقرب من مكة، سمى بذلك لكثرة ما به من جر السيول، ويسمى بالأبطح والبطحاء أيضا، وتقدم أنه خيف بنى كنانة (١) ما بعد قوله المحصب الخ الحديث من قول الزهرى أدرج فى الخبر كما قال الحافظ (٢) أى ليقتلوه وكان ذلك قبل الهجرة حينما أظهر النبى ﷺ الدعوة إلى الاسلام فاشتد عداء قريش له ﷺ وتآمروا على قتله، وستأتى القصة فى ذلك فى كتاب السيرة النبوية ان شاء الله تعالى (تخريجه) (ق. د. نس)
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا زكريا بن عدى قال أنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عروة عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمى وأشنان ودهنه بشيء من زيت غير كثير، قالت وحججنا مع رسول الله ﷺ حجة فاعمر نساءه وتركني. فوجدت فى نفسى أن رسول الله ﷺ أعمر نساءه وتركني. فقلت يا رسول الله أعمرت نساءك وتركتني. فقال بعد الرحمن اخرج بأختك - الحديث" (غريبه) (٣) أى لأنه ﷺ كان ينتظرها بهذا المكان ريثما تؤدى العمرة، وقد جاء ذلك واضحا فى رواية لمسلم قالت. ونزل رسول الله ﷺ المحصب فدعا عبد الرحمن بن أبى بكر فقال اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم لتطف بالبيت فأنى انتظركما ها هنا، قالت فخرجنا فأهللت ثم طفت بالبيت وبالصفا والمروة فجئنا رسول الله ﷺ وهو فى منزله (تعنى المحصب) من جوف الليل فقال هل فرغت؟ قلت نعم. فآذن فى أصحابه بالرحيل فخرج فمر بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح ثم خرج إلى المدينة (تخريجه) (ق. وغيرهما)
[ ١٢ / ٢٢٩ ]
-[حجة القائلين بأن نزول المحصب ليس بسنة]-
(٤٣٢) وعنها أيضًا قالت إنَّ نزول الأبطح ليس بسنَّةٍ، إنَّما نزله رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لأنَّه كان أسمح لخروجه
(٤٣٣) عن ابن عبَّاس ﵄ قال ليس المحصَّب بشيءٍ إنَّما هو منزلٌ نزله رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم
(٤٣٤) عن عطاءٍ عن ابن عبَّاس أنه كان لا يرى أن ينزل الأبطح ويقول إنَّما قام رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم على عائشة
(٤٣٥) عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء أى بالمحصَّب ثمَّ هجع هجعةً ثمَّ دخل فطاف بالبيت
_________________
(١) وعنها أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبدة بن سليمان قال ثنا هشام عن أبيه عن عائشة - الحديث" (غريبه) (١) تعنى المحصب (٢) أى أسهل لتوجهه إلى المدينة ليستوى فى ذلك البطيء والمعتدل ويكون مبيتهم وقيامهم فى السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (٣) يعنى ليس بشيء من أمر المناسك الذى يلزم فعله قاله ابن المنذر، لكن لما نزله النبى ﷺ كان النزول به مستحبا اتباعا له لتقريره على ذلك، وقد فعله الخلفاء بعده كما سيأتى فى حديث ابن عمر الآتى بعد ثلاثة أحاديث (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٣) عن عطاء (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا الحجاج ابن أرطاة عن عطاء - الحديث (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وفى اسناده الحجاج بن أرطاة فيه كلام، لكن يعضده ما قبله
(٤) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سريج ثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع وبكر بن عبد الله عن ابن عمر - الحديث" (غريبه) (٤) أى نام نومة خفيفة فى أول الليل ثم توجه إلى مكة فدخل المسجد فطاف طواف الوداع بالكعبة (تخريجه) (م. لك. هق)
[ ١٢ / ٢٣٠ ]
-[حجة القائلين باستحباب نزول المحصب - ومذاهب الأئمة فى ذلك]-
(٤٣٦) عن بكر بن عبد الله أنَّ ابن عمر كان يهجع هجعة بالبطحاء وذكر أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فعل ذلك
(٤٣٧) عن ابن عمر ﵄ أنَّ النَّبى صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وأبا بكر وعمر وعثمان ﵃ نزلوا المحصَّب
_________________
(١) عن بكر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا حماد عن حميد عن بكر بن عبد الله - الحديث" (غريبه) (١) البطحاء هى المحصب لأنها من أسمائه كما تقدم (تخريجه) (خ. د. هق) من طريق نافع عن ابن عمر بأطول من هذا
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا نوح بن ميمون أنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر - الحديث" (تخريجه) (م. د. هق. وغيرهم) (زوائد الباب) (عن سليمان بن يسار) قال قال أبو رافع لم يأمرنى رسول الله ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى. ولكنى جئت فضربت فيه قبته فجاء فمنزل (م. د. مذ) (ورواه البيهقي) من طريق سفيان قال ثنا صالح بن كيسان أنه سمع سليمان بن يسار يحدث عن أبى رافع قال لم يأمرنى رسول الله ﷺ أن أنزل بمن معى بالأبطح. ولكن أنا ضربت قبة ثم جاء فنزل، قال سفيان كان عمرو بن دينار يحدث بهذا الحديث عن صالح بن كيسان. فلما قدم علينا صالح قال عمرو واذهبوا اليه فسلوه عن هذا الحديث (وروى مسلم) من طريق صخر بن جويرية عن نافع أن ابن عمر كان يرى التحصيب سنة. وكان يصلى الظهر يوم النفر بالحصبة، قال نافع قد حصَّب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والخلفاء بعده (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أن النبى ﷺ نزل بالأبطح يوم النفر وهو المحصب، وأن أبا بكر وعمر وابن عمر والخلفاء ﵃ كانوا يفعلونه، وأن عائشة وابن عباس ﵄ كانا لا ينزلان به ويقولان هو منزل اتفاقى لا مقصود (وكانت أسماء وعروة بن الزبير) ﵄ لا يحصبان، حكاه ابن عبد البر فى الاستذكار عنهما، وكذلك سعيد بن جبير، فقيل لابراهيم إن سعيد بن جبير لا يفعله، فقال قد كان يفعله ثم بدا له (وذهب الأئمة الأربعة) وجمهور العلماء إلى استحبابه اقتداء برسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين وغيرهم (قال القاضى عياض) النزول بالمحصب مستحب عند جميع العلماء، قال وهو عند الحجازيين أوكد منه عند الكوفيين، قال وأجمعوا على أنه ليس بواجب اهـ (قال النووي) ويستحب أن يصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل أو كله اقتداء برسول الله ﷺ والله أعلم
[ ١٢ / ٢٣١ ]
-[كلام العلماء فى المدة التى يمكنها الحاج بمكة بعد قضاء نسكه]-
(٦) باب كم يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه؟
(٤٣٨) عن السَّائب بن يزيد عن العلاء بن الحضرمى إن شاء الله أنَّ رسول الله ﷺ قال يمكث المهاجر بمكَّة بعد قضاء نسكه ثلاثًا
_________________
(١) عن السائب بن يزيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان ابن عيينة حدثنى عبد الرحمن بن حميد عن عبد الرحمن بن عوف عن السائب بن يزيد - الحديث" (غريبه) (١) اسمه عبد الله بن عماد وكان حليف بنى أمية. وكان العلاء صحابيًا جليلًا، ولاَّه النبى ﷺ البحرين. وكان مجاب الدعوة. ومات فى خلافة عمر ﵄ (وقوله إن شاء الله) ذكرها الراوى تبركًا أو لأنه يشك فى كون هذا الحديث عن العلاء أو عن غيره من الصحابة أو يشك فى رفعه إلى النبى ﷺ والظاهر الأول، لأنه جاء عند الشيخين وأصحاب السنن عن السائب بن يزيد عن العلاء بن الحضرمى مرفوعا إلى النبى ﷺ بدون شك والله أعلم (٢) بضم الكاف من باب نصر أى يقيم (٣) أى بعد رجوعه من منى (قال النووي) وهذا كله قبل طواف الوداع، قال وفى هذا دلالة لأصح الوجهين عند أصحابنا أن طواف الوداع ليس من مناسك الحج بل هو عبادة مستقلة أمر بها من أراد الخروج من مكة لا أنه نسك من مناسك الحج، ولهذا لا يؤمر به المكى ومن يقيم بها، وموضع الدلالة قوله ﷺ بعد قضاء نسكه، والمراد قبل طواف الوداع كما ذكرنا فان طواف الوداع لا إقامة بعده، ومتى أقام بعده خرج عن كونه طواف وداع فسماه قبله قاضيا لمناسكه والله أعلم، قال (ومعنى الحديث) أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله ﷺ حرم عليهم استيطان مكة والإقامة بها، ثم أبيح لهم إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرها أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام ولا يزيدوا على الثلاثة، واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث على أن إقامة ثلاثة ليس لها حكم الأقامة. بل صاحبها فى حكم المسافر، قالوا فاذا نوى المسافر الأقامة فى بلد ثلاثة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج جاز له الترخص برخص السفر من القصر والفطر وغيرهما من رخصة ولا يصير له حكم المقيم (تخريجه) (ق. والأربعة. وغيرهم) (الأحكام) حديث الباب قال القاضى عياض فيه حجة لمن منع المهاجر قبل الفتح من المقام بمكة بعد الفتح، قال (وهو قول الجمهور) وأجاز لهم جماعة بعد الفتح مع الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح ووجوب سكنى المدينة لنصرة النبى ﷺ ومواساتهم له بأنفسهم، وأما غير المهاجرين ومن آمن بعد ذلك فيجوز له سكنى أى بلد أراد سواء مكة وغيرها بالاتفاق؛ هذا كلام القاضى (قال الحافظ) ويستثنى من ذلك
[ ١٢ / ٢٣٢ ]
-[كلام العلماء فى المراد بالمهاجر فى هذا الباب]-
(٧) باب مشروعية طواف الوداع وسقوطه عن الحائض والدعاء عند الملتزم
(٤٣٩) عن ابن عبَّاس ﵄ قال كان النَّاس ينصرفون فى كلِّ وجهٍ فقال رسول الله ﷺ لا ينفر أحد حتَّى يكون آخر عهده بالبيت
(٤٤٠) عن الوليد بن عبد الرَّحمن عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثَّقفى ﵁ قال سألت عمر بن الخطَّاب ﵁ عن المرأة تطوف بالبيت ثمَّ تحيض، قال ليكن آخر عهدها الطَّواف بالبيت قلت كذلك أفتانى رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁ أربت عن يديك سألتني
_________________
(١) من أذن له النبى ﷺ بالأفاضة فى غير المدينة (وقال القرطبي) المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة لنصر النبى ﷺ ولا يعنى به من هاجر من غيرها. لأنه خرج جوابا عن سؤالهم لمَّا تحرجوا من الأقامة بمكة إذ كانوا قد تركوها لله تعالى. فأجابهم بذلك وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بأقامة، قال والخلاف الذى أشار اليه عياض كان فيمن مضى، وهل ينبنى عليه خلاف فيمن فر بدينه من موضع يخاف أن يفتن فيه فى دينه، فهل له أن يرجع اليه بعد انقضاء تلك الفتنة؟ يمكن أن يقال إن كان تركها لله كما فعله المهاجرون فليس له أن يرجع لشيء من ذلك، وإن كان تركها فرارا بدينه ليسلم له ولم يقصد إلى تركها لذاتها فله الرجوع إلى ذلك اهـ.
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله أبى ثنا سفيان عن سليمان عن طاوس عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (١) أى فى كل طريق بعد انقضاء أيام منى، منهم من يطوف ومنهم من لم يطف (٢) أى النفر الأول وهو الذى يكون فى اليوم الثانى لمن تعجل. أو النفر الثانى وهو فى اليوم الثالث لمن تأخر. أو لا يخرجن أحد من مكة، والمراد به الآفاقى (٣) أى الطواف به (تخريجه) (م. د. جه. هق)
(٣) عن الوليد بن عبد الرحمن (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا بهز وعفان قالا ثنا أبو عوانة عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن - الحديث" (غريبه) (٤) يعنى طواف الأفاضة (٥) يريد طواف الوداع؛ وهذا رأى عمر وخالفه الجمهور لما سيأتى فى حديث ابن عباس الآتى بعده من أن النبى ﷺ رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف إن كانت قد طافت فى الأفاضة (٦) بكسر الراء أي سقطت
[ ١٢ / ٢٣٣ ]
-[سقوط طواف الوداع عن الحائض]-
عن شيءٍ سألت عنه رسول الله ﷺ لكى ما أخالف (ومن طريقٍ ثانٍ) قال قال رسول الله ﷺ من حجَّ البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده الطَّواف بالبيت، فقال له عمر بن الخطَّاب خررت من يديك سمعت هذا من رسول الله ﷺ ثمَّ لم تحدِّثنى (وفى لفظٍ) فلم تخبرنا به
(٤٤١) عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ النَّبى ﷺ رخَّص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف إن كانت قد طافت فى الإفاضة
(٤٤٢) عن عبد الرَّحمن بن صفوان ﵁ قال رأيت رسول الله
_________________
(١) من أجل مكروه يصيب يديك من قطع أو وجع، والظاهر أنه دعاء عليه لكن ليس المقصود حقيقته، وإنما المقصود نسبة الخطأ اليه (قال صاحب النهاية) أى سقطت آرابك من اليدين خاصة (١) الميم زائدة بعد كي، والمعنى أنه لا ينبغى أن تسألنى عن شيء سألت عنه رسول الله ﷺ وكأنك ما سألتنى عن ذلك إلا لكى أخالف رسول الله ﷺ وهذا لا يكون (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سريج بن النعمان قال أنا عباد بن الحجاج عن عبد الملك بن المغيرة الطائفى عن عبد الرحمن بن البيلمانى عن عمرو بن أوس عن الحارث ابن أوس قال قال رسول الله ﷺ - الحديث" "وقوله فى السند الحارث بن أوس" هو ابن عبد الله بن أوس المتقدم ذكره فى الطريق الأولى وينسب إلى جده أحيانا كما فى هذه الطريق (٣) أى سقطت من أجل مكروه يصيب يديك كما تقدم فى قوله أربت فى الطريق الأولى، وقيل هو كناية عن الخجل. يقال خررت عن يدى أى خجلت. وسياق الحديث يدل عليه والله أعلم (تخريجه) (د. نس. مذ) قال المنذرى الأسناد الذى أخرجه أبو داود والنسائى حسن، وأخرجه الترمذى باسناد ضعيف وقال غريب اهـ (قلت) وسند الأمام أحمد فى الطريق الأولى جيد
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا زكريا ثنا عمرو بن دينار أن ابن عباس كان يذكر أن النبى ﷺ رخص للحائض - الحديث" (غريبه) (٤) يعنى طواف الوداع إن كانت طافت طواف الأفاضة (تخريجه) (هق) وسنده جيد ومعناه فى الصحيحين
(٣) عن عبد الرحمن بن صفوان (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي
[ ١٢ / ٢٣٤ ]
-[استحباب الوقوف بالملتزم والدعاء عنده]-
ﷺ ملتزمًا بالبيت ما بين الحجر والباب ورأيت النَّاس ملتزمين البيت مع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم
_________________
(١) ثنا أحمد بن الحجاج ثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبى زياد عن مجاهد عن عبد الرحمن ابن صفوان - الحديث" (غريبه) (١) يعنى ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة، قال الأزرقى وذرعه أربعة أذرع اهـ. وهذا المكان يسمى الملتزم بضم الميم وإسكان اللام وفتح التاء والزاى لما روى الطبرانى عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال الملتزم ما بين الركن والباب، يعنى الركن الذى فيه الحجر الأسود وباب الكعبة، قال النووى وهذا متفق عليه، قال وسمى الملتزم لأن الناس يلتزمونه فى الدعاء، ويقال له المدعى والمتعوذ بفتح الواو؛ قال وهو من المواضع التى يستجاب فيها الدعاء هناك اهـ (قلت) ويسمى الحطيم ايضا فقد جاء بهذا اللفظ عند أبى داود وفى رواية أخرى للأمام أحمد سنذكرها بعد التخريج، وروى الأزرقى فى كتاب مكة عن ابن جريج قال الحطيم ما بين الركن الأسود والمقام وزمزم والحجر، سمى حطيما لأن الناس يزدحمون على الدعاء فيه ويحطم بعضهم بعضا، والدعاء فيه مستجاب، وقل من حلف هناك آثما إلا عجلت له العقوبة، وروى أشياء كثيرة فى ناس كثيرين عجلت عقوباتهم باليمين الكاذبة فيه وبالدعاء عليهم بظلمهم اهـ (تخريجه) (د) مطولا وفى اسناده يزيد بن أبى زياد، قال ابن معين ضعيف الحديث لا يحتج بحديثه، وقال أبو داود لا أعلم أحدا ترك حديثه وغيره أحب إلى منه، كذا فى التهذيب (وفى الخلاصة) قال الحافظ الذهبى هو صدوق رديء الحفظ، قال مطين مات سنة ١٣٧ روى له مسلم مقرونا اهـ (قلت) ورواه أيضا الأمام أحمد مطولا كرواية أبى داود، ولفظه عند الأمام أحمد قال حدثنا أحمد بن الحجاج أنا جرير عن يزيد بن أبى زياد عن مجاهد عن عبد الرحمن ابن صفوان قال لما فتح رسول الله ﷺ مكة قلت لألبسن ثيابى وكان دارى على الطريق فلأنظرن ما يصنع رسول الله ﷺ فانطلقت فوافقت رسول الله ﷺ قد خرج من الكعبة وأصحابه قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم وقد وضعوا خدودهم على البيت ورسول الله ﷺ وسطهم (زوائد الباب) (عن ابن عباس) ﵄ قال أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (ق) (وعن ابن عمر) ﵄ قال سمعت عمر بن الخطاب ﵁ بمنى يقول يا أيها الناس إن النفر غداة فلا ينفرن أحد حتى يطوف بالبيت، فان آخر النسك الطواف (عل) وفيه ابن اسحاق وهو ثقة لكنه مدلس وبقية رجاله رجال صحيح (وعن أنس) أن أم سليم
[ ١٢ / ٢٣٥ ]
-[مذاهب الأئمة فى حكم طواف الوداع]-
_________________
(١) حاضت بعد ما أفاضت فأمرها النبى ﷺ أن تنفر (طس) ورجاله رجال الصحيح (وعن ابن عباس) ﵄ قال رخص رسول الله ﷺ للحائض أن تنفر إذا أفاضت، زاد أبو عمرو فى حديثه، قال وسمعت ابن عمر يقول أول أمره إنها لا تنفر، قال ثم سمعته يقول إن رسول الله ﷺ رخص لهم (خ) (وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه قال كنت مع عبد الله بن عمرو (يعنى ابن العاص) فلما جئنا دبر الكعبة قلت ألا تتعوذ؟ قال نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر وأقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطهما بسطا، ثم قال هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله (د. جه. هق) وفى اسناده المثنى بن الصباح ضعيف (وعن ابن عباس) ﵄ أنه كان يلتزم ما بين الركن والباب وكان يقول "ما بين الركن والباب يدعى الملتزم، لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله ﷿ شيئا إلا أعطاه اياه" (هق) موقوفا على ابن عباس بأسناد ضعيف، أوردهما النووى فى شرح المهذب، وحكى اتفاق العلماء على التسامح فى الأحاديث الضعيفة فى فضائل الأعمال ونحوها مما ليس من الأحكام والله أعلم اهـ (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية طواف الوداع (وقد ذهب جمهور العلماء إلى وجوبه) على غير الحائض وسقوطه عنها ولا يلزمها دم بتركه (وذهب الأمامان مالك وداود) إلى أنه سنة لا شيء فى تركه وهو قول ضعيف للشافعية (قال الحافظ) ورأيت لابن المنذر فى الأوسط أنه واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء اهـ (قال الشوكاني) وقد اجتمع فى طواف الوداع أمره ﷺ به. ونهيه عن تركه. وفعله الذى هو بيان للمجمل الواجب. ولا شك أن ذلك يفيد الوجوب اهـ (وقال ابن المنذر) قال عامة الفقهاء بالأمصار ليس على الحائض التى أفاضت طواف وداع (وقال وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت) أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع فكانهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الأفاضة، إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، قال وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك ويبقى عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة (قلت يعنى الذى رواه الشيخان والأمام أحمد وسيأتى فى باب حكم من حاضت بعد الأفاضة عن عائشة قالت حاضت صفية بنت حيى بعد ما أفاضت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال أحابستنا هي؟ قلت يا رسول الله إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الأفاضة، قال فلتنفر إذا) قال وروى ابن أبى شيبة من طريق القاسم بن محمد كان الصحابة يقولون إذا أفاضت قبل أن تحيض فقد فرغت الا عمر، وقد روى أحمد وأبو داود والنسائى والطحاوى عن عمر أنه قال ليكن آخر عهدها بالبيت، وفى رواية "كذلك حدثنى رسول الله ﷺ" واستدل الطحاوي بحديث
[ ١٢ / ٢٣٦ ]
-[المواضع التى يستجاب فيها الدعاء - والدعاء المختار عند الملتزم]-
_________________
(١) عائشة على نسخ حديث عمر فى حق الحائض، وكذلك استدل على نسخه بحديث أم سليم عند أبى داود الطيالسى أنها قالت حضت بعد ما طفت بالبيت فأمرنى رسول الله ﷺ أن أنفر اهـ (قلت) والحق مع الجمهور، ولعل عمر ﵁ لم يبلغه حديث الرخصة وإلا لكان أول الناس عملًا به ﵁ (وفى حديث عبد الرحمن بن صفوان) آخر أحاديث الباب وحديثى عمرو بن شعيب وابن عباس المذكورين فى الزوائد دلالة على استحباب الوقوف بالملتزم عقب طواف الوداع والدعاء عنده بما أحب من خيرى الدنيا والآخرة لأنه من المواضع التى يستجاب الدعاء فيها، ويأتى بآداب الدعاء من الحمد لله تعالى والثناء عليه ورفع اليدين والصلاة والسلام على النبى ﷺ (قال القاضي) أبو الطيب فى تعليقه (قال الشافعي) فى مختصر كتاب الحج إذا طاف للوداع استحب له أن يأتى الملتزم فيلصق بطنه وصدره بحائط البيت ويبسط يديه على الجدار فيجعل اليمنى مما يلى الباب واليسرى مما يلى الحجر الأسود ويدعو بما أحب من أمر الدنيا والآخرة اهـ، فان كان حائضا استحب أن تدعو على باب المسجد وتمضي، وليكن آخر عهده بالبيت طواف الوداع فصلاة ركعتيه فالشرب من ماء زمزم فالوقوف بالملتزم فالرحيل (فائدة) ذكر الحسن البصرى ﵀ فى رسالته المشهورة إلى أهل مكة أن الدعاء يستجاب فى خمسة عشر موضعا. فى الطواف وعند الملتزم. وتحت الميزاب. وفى البيت. وعند زمزم. وعلى الصفا. والمروة. وفى المسعى. وخلف المقام. وفى عرفات. وفى المزدلفة. وفى منى. وعند الجمرات الثلاث. وقد اختار الأمام الشافعى ﵀ دعاءا يقال عند الملتزم ذكره فى الأملاء وفى مختصر الحج واتفق أصحابه على استحبابه، واختاره الحنابلة أيضا، وذكره ابن قدامة فى المغنى. وصاحب المهذب. والنووى فى الأذكار (ولفظه كما فى المغني) اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك حملتنى على ما سخرت لى من خلقك. وسيرتنى فى بلادك حتى بلغتنى بنعمتك إلى بيتك. وأعنتنى على أداء نسكي. فان كنت رضيت عنى فازدد عنى رضا ولا فمن الآن قبل أن تنآى عن بيتى دارى فهذا أوان انصرافى إن اذنت لى غير مستبدل بك ولا ببيتك. ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحبنى العافية فى بدنى والصحة فى جسمى والعصمة فى دينى وأحسن منقلبي، وارزقنى طاعتك أبدا ما أبقيتني، واجمع لى بين خيرى الدنيا والآخرة، انك على كل شيء قدير وصلى الله على سيدنا محمد النبى الأمى وعلى آله وصحبه وسلم إلى هنا قد انتهى الجزء الثانى عشر من الفتح الرباني (ويليه الجزء الثالث عشر - وأوله باب الفوات والأحصار) (نسأل الله الإعانة على التمام وحسن الختام آمين)
[ ١٢ / ٢٣٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
باب الفوات والاحصار
(وقول الله ﷿فان احصرتم فما استيسر من الهدى)
(٤٤٣) عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الانصارى ﵁
_________________
(١) الإحصار هو المنع والحبس عن الوجه الذى يقصده يقال أحصره المرض او السلطان اذ ١ منعه عن مقصده فهو محصر والحصر الحبس يقال حصره اذا حبسه فهو محصور وقال القاضى اسماعيل الظاهر ان الاحصار بالمرض والحصر بالعدو ومنه فلما حصر رسول الله ﷺ وقال تعلى (فان احصرتم) وقال الكسائى يقال من العدو حصر فهو محصور ومن المرض أحصر فهو محصر وحكى عن الفراء أنه أجاز كل واحد منهما مكان الآخر وأنكره المبرد والزجاج وقالاهما مختلفان المعنى ولا يقال فى المرض حصره ولا فى العدو أحصرهو انما هذا كقولهم حبسه اذا جعله فى الحبس وأحبسه أى عرضه للحبس وقتله أى أوقع به القتل وأقتله أى عرضه للقتل وكذلك حصره حبسه وأحصره عرضه للحصر أفاده العينى وقوله (فما استيسر من الهدى) أى فليذبح ما قدر عليه من الهدى وأقله شاة
(٢) عن عكرمة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحى بن سعيد ثنا رموز واصطلاحات تتعلق بالشرح (خ) للبخارى فى صحيحه (م) لمسلم (ق) لهما (د) لأبى داود (مذ) للترمذى (نس) للنسائى (جه) لابن ماجه (الأربعة) لأصحاب السنن الأربعة أبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجه (ك) للحاكم فى المستدرك (حب) لابن حبان فى صحيحه (خز) لابن خزيمة فى صحيحه (بز) للبزار فى مسنده (طب) للطبرانى فى معجمه الكبير (طس) له فى الاوسط (طص) له فى الصغير (ص) لسعيد بن منصور فى سننه (ش) لابن أبى شيبة فى مصنفه (عب) لعبد الرازق فى الجامع (عل) لابى يعلى فى مسنده (قط) للدارقطنى فى سننه (حل) لابى نعيم فى الحلية (هق) للبيهقى فى السنن الكبرى (لك) للامام مالك فى الموطأ (فع) للامام الشافعى فان اتفقا على اخراج حديث قلت أخرجه الامامان (مى) للدارمى فى مسنده (طح) للطحاوى فى معانى الآثار وهؤلاء هم أصحاب الأصول والتخريج ﵏
[ ١٣ / ٢ ]
قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من كسر (١) أو عرج فقد حل وعليه حجة
_________________
(١) حجاج يعني الصواف عن يحى بن أبى كثير عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصارى قال سمعت رسول الله ﷺ يقول -واسماعيل قال أخبرنى الحجاج بن ابى عثمان قال ثنا يحى أبى كثير أن عكرمة مولى ابن عباس حدثه قال سمعت رسول الله ﷺالحديث (وقوله واسماعيل قال أخبرنى) هذا طريق ثان للحديث والمعنى أن الامام أحمد ﵀ بعد أن ساق السند الأول قال وحدثنا اسماعيل قال أخبرنى الخ (غريبه) (١) بضم الكاف وكسر السين (وقوله أو عرج) بفتح المهملة والراء أى أصابه شئ فى رجله وليس (أما الشراح) وأصحاب كتب الرجال والغريب ونحوهم فاليك ما يختص بهم (طرح) للحافظ أبى زرعة بن الحافظ العراقى فى كتابه طرح التثريب (نه) للحافظ ابن الاثير فى كتابه النهاية (خلاصة) للحافظ الخزرجى فى كتابه خلاصة تهذيب الكمال فى أسماء الرجال ثم اذا قلت (قال الحافظ) وأطلقت فمرادى به الحافظ ابن حجر العسقلانى فى فتح البارى فى شرح صحيح البخارى فان كان فى غيره بينته (واذا قلت قال النووى) فالمراد به فى شرح صحيح مسلم فان كان فى المحموع فالرمز له (ج) واذا قلت قال المنذرى فالمراد به الحافظ زكى الدين عبد العظيم بن عبد القوى المنذرى فى كتابع الترغيب والترهيب واذا قلت قال الهيثمى فالمراد به الحافظ على بن ابى بكر بن سليمان الهيثمى فى كتابه جمع الزوائد واذا قلت قال فى التنقيح فالمراد به المحدث الشهير أبو الوزير أحمد حسن فى كتابه تنقيح الرواة فى تخريج أحاديث المشكاة واذا قلت قال فى المنتقى فالمراد به الحافظ مجد الدين عبد السلام المعروف بابن تيمية الكبير المتوفى سنة ٦٢١ جد ابن تيمية المشهور شيخ ابن القيم واذا قلت قال الزيلعى فمرادى الحافظ جمال الدين الزيلعى فى كتابه نصب الرية لتخريج أحاديث الهداية واذا قلت قال الشوكانى فالمراد به المحدث الشهير محمد بن على بن محمد الشوكانى فى كتابه نيل الاوطار شرح منتقى الاخبار فان نقلت عن غير هؤلاء ذكرت أسماءهم وأسماء كتبهم رحمة الله عليهم أجمعين (تنبيه) يجد القارئ بالاستقراء من أول الكتاب الى نهاية الجزء السابع أنى أورد الشرح فىآخر كل باب قبل الاحكام ما يتيسر لى من الاحاديث الزائدة على ما أخرجه الامام أحمد فى الباب سواء أكانت فى الصحاح أو السنن أو المعاجم أو المسانيد وسواء أكانت صحيحة أو حسنة أو ضعيفة ضعفا يقوى بغيرها من طرق أخرى وهذا الاخير لا أذكره الا نادرا معرضا عن ذكر الاحاديث شديدة الضعف لأنها لا يعمل بها ولا فائدة فى ذكرها قاصدا بذلك ان يكون كتابى هذا أجمع كتاب فى علم السنة لا يحتاج مقتنيه الى غيره ولما كانت هذة الاحاديث الزائدة تزدادفى كل جزء عن سابقه بحسب زيادة المواد التى لم تكن وجودة قبل ذلك وكان لها ارتباط بالاحكام وتكثر اليها الاشارة فى الشرح رأيت أن أترجم
[ ١٣ / ٣ ]
أخرى قال فذكرت ذلك لابن عباس وابى هريرة فقالا صدق
فصل منه فى تحلل المحصر عن العمرة بالنحر ثم الحلق
حيث أحصر من حل أو أحرم وأنه لا قضاء عليه
(٤٤٤) عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا (٢) فحال كفار قريش بينه ويبن البيت فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية (٣) فصالحهم على أن يعتمروا العام المقبل ولا يحما السلاح عليهم قال سريج (٤) لا يحمل سلاحا الا سيوفا ولا يقيم بها الا ما أحبوا فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم فلما ان أقام ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج
(٤٤٥) عن المسور بن مخرمة ﵄ ومروان بن الحكم
_________________
(١) بخلقة فإذا كان خلقة قيل عرج بكسر الراء كفرح أو يثلث كما فى القاموس وفى رواية أبى داود زيادة أو مرض (وقوله فقد حل) أى من احرامه بسبب الكسر أو العرج سواء أكان محرما بحج أو عمرة أو بهما معا وللعلماء فى ذلك كلام سيأتى فى الاحكام (١) فى رواية اسماعيل المذكور فى السند (فحدثت بذاك ابن عباس) بدل قوله فذكرت ذلك لابن عباس (تخريجه) (الاربعة هق خز ك) وقال هذا حديث صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبى وسكت عنه ابو داود والمنذرى وحسنه الترمذى
(٢) عن عبد الله بن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس وسريج قالا ثنا فليح عن نافع عن ابن عمر -الحديث (غريبه) (٢٩ يعنى عمرة الحديبية سنة ست من الهجرة (٣) احتج به القائلون بأن النحر والحلاق حصلا فى الحل لا فى الحرم (٤) هو أحد رجال السند يعنى أنه قال فى روايته ولا يحمل سلاحا بدل قوله ولا يحمل السلاح (تخريجه) (خ هق)
(٣) عن المسور بن مخرمة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا لها بعنوان زوائد الباب وتكون الاشارة بلفظ الزوائد فاذا قلت أحاديث الباب مع الزوائد تدل على كذا او حديث عمر مثلا الذى فى الزوائد يدل على كذا فمرادى بلفظ الزوائد ما زدته فى الشرح من الاحاديث التى تناسب الباب لغير الامام أحمد فتنبه والله الهادي
[ ١٣ / ٤ ]
قالا قلد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الهدى وأشعره (١) بذى الحليفة وأحرم منها بالعمرة وحلق بالحديبية فى عمرته وأمر أصحابه بذلك ونحر بالحديبية قبل أن يحلق (٢) وأمر أصحابه بذلك
_________________
(١) عبد الرزاق أنا معمر عن الزهرى عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة -الحديث (غريبه) (١) سيأتى شرحه فى تقليد الهدى واشعاره فى كتاب الهدايا والضحايا ان شاء الله تعالى (٢) فيه دلالة على ان المحصر يقدم النحر على الحلق ولا يعارض هذا ما وقع فى روايه للبخارى ان النبى ﷺ حلق وجامع نساءه ونحر هديه لأن العطف باواو انما هو لمطلق الجمع ولا يدل على الترتيب فان قدم الحلق على النحر فروى ابن ابى شيبة عن علقمة ان عليه دما وعن ابن عباس مثله والظاهر عدم وجوب الدم لعدم الدليل قاله الشوكانى (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الامام أحمد وسنده جيد ومعناه فى الصحيحين ومسند الامام أحمد من حديث طويل جدا عن المسور ومروان ايضا سيأتى بطوله فى غزوة الحديبية من كتاب الغزوات وله ايضا من حديث ابن عمر لما أراد الحج والعمرة حين مجئ لقتال ابن الزبير فقيل لا يضرك ان لا تحج هذا العام فانا ان يكون بين الناس قتال وان يحال بينك وبين البيت قال ان حيل بينى وبينه فعلت كما فعل رسول الله ﷺ وأنا معه حين حالت كفار قريش بينه وبين البيت -الحديث تقدم بطوله فى باب جواز ادخال الحج على العمرة رقم ١٣٧ صحيفة ١٧٠ الجزء الحادى عشر (زوائد الباب) (عن ابن عمر ﵄) أنه قال المحصر بمرض لا يحل حتى بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة فاذا اضطر الى لبس شئ من الثياب التى لابد منها او الدواء صنع ذلك وافتدى (لك) (وعن رجل من أهل البصرة) أنه قال خرجت الى مكة حتى اذا كنت ببعض الطريق كسرت فخدى فارسلت الى مكة وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر فلم يرحص لى أحد أن أحل فأقمت على ذلك الماء سبعة اشهر حتى أحللت بعمرة (لك) ورواه ابن جرير وسمى الرجل يزيد بن عبد الله ين الشخير (وعن سليمان بن يسار) أن سعيد بن حرابه المخزومى صرع ببعض طريق مكة وهو محرم فسأل على الماء الذى كان عليه العلماء فوجد عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم فذكر لهم الذى عرض له فكلهم أمره ان يتداوى بما لابد منه ويفتدى فاذا صح اعتمر فحل من احرامه ثم عليه حج قابل ويهدى ما استيسر من الهدى (قال مالك ٩ وعلى هذا الامر عندنا فيمن احصر بغير عدو وقد أمر عمر بن الخطاب أبا ايوب الانصارى وهبار بن الاسود حين فاتهما الحج وأتيا يوم النحر ان يحلا بعمرة ثم يرجعا حلالا ثم
[ ١٣ / ٥ ]
.
_________________
(١) يحجان عامًا قابلا ويهديان فمن لم يجد فصيلم ثلاثة ايام فى الحج وسبعة اذا رجع الى أهله (قال مالك) وكل من حبس عن الحج بعدما يحرم اما بمرض او بغيره او بخطأ فى العدد أو خفى عليه الهلال فهو محصر عليه ما على المحصر (لك) (وعن ابن عمر ﵄) أنه كان يقول أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ ان حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم يحل من كل شئ حتى يحج عاما قابلا فيهدى أو يصوم ان لم يجد هديا (خ نس) وقوله طاف بالبيت أى ان امكنه ذلك (وعن ابن عباس ﵄) قال لا حصر الا من حبسه عدو فيحل بعمرة وليس عليه حج ولا عمرة (فع) وصحح الحافظ اسناده (الأحكام) الأصل فى أحكام هذا الباب قول الله ﷿ (فان احصرتم فما استيسر من الهدى) وقد اختلف العلماء فى هذة الآية اختلافا كثيرا بل هى مسألة اختلاف بين الصحابة أيضا (فقال كثير منهم) الاحصار من كل حابس حبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك حتى أفتى ابن مسعود رجل لدغ أنه محصر أخرجه ابن جرير باسناد صحيح عنه (وقال النخعى ومجاهد والحسن وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير) الاحصار كل مانع يمنعه عن الوصول الى البيت الحرام والمضى فى احرامه من عدو او مرض او كسر او جرح او خوف او ذهاب نفقة او ضلال راحلة يبيح له التحلل (واليه ذهب سفيان الثورى واهل العراق) واحتجوا بحديث الحجاج بن عمرو الانصارى المذكور اول احاديث الباب (وبما رواه البخارى عن عطاء) انه قال فى قوله تعالى (فان احصرتم فما استيسر من الهدى) قال الاحصار من كل شئ يحبسه (قال الحافظ) وروى ابن المنذر من طريق على بن طلحة عن ابن عباس نحوه (ولفظه فان احصرتم قال من أحرم بحج او عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده او عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدى فان كانت حجة الاسلام فعليه قضاؤها وان كانت حجة بعد الفريضة فلا قضاء عليه أه (وذهب آخرون) الى انه لا حصر الا بالعدو اى لا بياح له التحلل الا بحبس العدو وهو قول ابن عباس وتقدم فى الزوائد بلفظ (لا حصر الا من حبسه عدو فيحل بعمرة وليس عليه حج ولا عمرة) وروى معناه عن ابن عمر وعبد الله بن الزبير وهو قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير واليه ذهب الائمة (مالك والشافعى واحمد واسحاق) وفى المسألة قول ثالث حكاه ابن جرير وغيره وهو انه لا حصر بعد النبى ﷺ (وعن ابن عمر) المحرم لا يحل حتى يطوف وتقدم فى الزوائد ايضا رواه مالك فى الموطأ (وأخرج ابن جرير) عن عائشة باسناد صحيح قالت لا أعلم المحرم يحل بشئ دون اليبت (وعن ابن عباس) باسناد ضعيف قال لا احصار اليوم وروى ذلك عن عبد الله بن الزبير (وسبب اختلافهم فى ذلك) اختلافهم في تفسير
[ ١٣ / ٦ ]
الإحصار، فالمشهور عند أكثر أهل اللغة منهم الأخفش والكسائى والفراء وأبوعبيدة وأبو عبيد وابن السكيت وثعلب وابن قتيبة وغيرهم أن الاحصار انما يكون بالمرض واما بالعدو فهو الحصر وبهذا قطع النحاس وأثبت بعضهم أن أحصر وحصر بمعنى واحد يقال فى جميع ما يمنع الانسان من التصرف قال تعالى (للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضربا فى الأرض) وانما كانوا لا يستطيعون من منع العدو اياهم (واما الشافعى ومن وافقه فحجتهم انه لا احصار الا بالعدو اتفاق اهل النقل على ان الآيات نزلت فى قصة الحديبية حين صد النبى ﷺ عن اليبت فسمى الله صد العدو احصارا واحتجوا بقوله تعالى بعد ذلك (فمن كان منكم مريضا او به اذى من رأسه) قالوا فلو كان المحصر هو المحصر بمرض لما كان ذكر المرض بعد ذلك فائدة واحتجوا ايضا بقوله ﷿ (فاذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة الى الحج) وتمسك آخرون بعموم قوله تعالى (فان أحصرتم) وأجابوا عن قوله جل شأنه (فمن كان منكم مريضا) بأنه تعالى انما ذكر المرض بعد ذلك لأن الرمض صنفان صنف محصر وصنف غير محصر وقالوا معنى قوله تعالى (فاذا امنتم) معناه من المرض وفى حديثى عبد الله بن عمر والمسور بن مخرمة المذكورين فى الباب دلالة على أن من أحصره العدو أى منعه عن المضى الى نسكه جاز له التحلل بأن ينوى ذلك وينحر هديا ويحلق رأسه أو يقصر والتحلل باحصار العدو مجمع عليه فى الجملة حكاه ابن المنذر عن كل من يحفظ عنه من أهل العلم (وبه قالت الأئمة الأربعة) وان اختلفوا فى تفاصيل وتفاريع (منها) أنه يشترط فى جواز التحلل ضيق الوقت بحيث ييأس من اتمام نسكه ان لم يتحلل او لا يشترط ذلك با له التحلل مع اتساع الوقت؟ (لم يشترط الشافعية والحنابلة) ذلك وهو لاذى يدل عليه فعله ﷺ فى الحديبية فان احرامه ﷺ انما كان بعمرة وهى لا يخشى فواتها وانكان مفردا او قارنا فكذلك لأنه أحد النسكين أشبه العمرة وهى لا تفوت وجميع الزمان وقت لها فاذا جاز التحلل منها ونحر هديها من غير خشية فواتها فالحج الذى يخشى فواته أولى (وقالت المالكية) متى رجى زوال الحص لم يتحلل حتى يبقى بينه وبين الحج من الزمان ما لايدرك فيه الحج لو زال حصره فيحل حينئذ عند ابن القاسم وابن الماجشون وقال أشهب لا يحل الى يوم النحر ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس الى عرقة و(منها) ان الشافعية والحنابلة لم يفرقوا فى جواز التحلل بين ان يكون الاحصار قبل الوقوف بعرفة او بعده وخص الحنفية والمالكية ذلك بما اذا كان فبل الوقوف (ومنها) أنهم اختلفوا فى انه هل يجب على المحصر ارقة دم ام لا؟ فقال جمهور العلماء بوجوبه وبه قال أشهب من المالكية وقال مالك لا يجب وتابعه ابن القاسم صاحبه (ومنها) أن
[ ١٣ / ٧ ]
_________________
(١) القائلين بوجوب الدم اختلفوا فى محل اراقته قفالت الشافعية والحنابلة يريقه من حثث أحصر ولو كان من الحل لأنه ﷺ كذلك فعل فى الحديبية ودل على الاراقة فى الحل قوله تعالى (والهدى معكوفا أن يبلغ محله) فدل على أن الكفار منعوهم من ايصاله الى محله وهو الحرم ذكر هذا الاستدلال الامام الشافعى وفى البخارى (قال مالك وغيره) ينحر هديه ويحلق فى أى موضع كان ولا قضاء عليه لأن النبى ﷺ وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شئ قبل الطواف وقبل ان يصل الهدى الى البيت ثم لم يذكروا ان النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أمر أحدا أن يقضوا شيئا ولا يعودا له والحديبية خارج الحرم أه (وفصل ابن عباس) فقال ان معه هدى وهو محصر نحره ان كان لا يستطيع ان يبعث به وان استطاع ان يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدى محله ذكره البخارى فى صحيحه وهو وجيه واعتمده الحافظ وقال عطاء وابن اسحاق بل نحر بالحرم وخالفهما غيرهما من أهل المغازى وغيرهم (وقالت الحنفية) لا يجوز ذبحه الا فى الحرم فيرسله مع انسان ويواعده على يوم بعينه فاذا جاء ذلك اليوم تحلل ثم قال الامام ابوحنيفة يجوز ذبحه قبل يوم النحر وقال صاحباه يختص ذبحه فى الاحصار عن الحج بيوم النحر (ومنها) انهم اختلفوا هل يجب عليه القضاء ام لا (فاوجب الحنفية) القضاء بل زادوا فقالوا ان على المحصر عن الحج جحة وعمرة وعلى القارن حجة وعمرتين (ولم توجب الشافعية والمالكية) القضاء وعن الامام احمد روايتان قالوا فان كان حج فرض قبى وجوبه على حاله وبالغ ابن الماجشون وأبعد قفال يسقط عنه ورأى ذلك بمنزلة اتمام النسك على وجهه واحتج الموجبون للقضاء بحديث الحجاج بن عمرو الانصارى المذكور اول الباب وهو نص فى محل النزاع وبحديث ابن عمر أنه كان يقول أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ ان حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم يحل من كل شئ حتى يحج عاما قابلا فيهدى او يصوم ان لم يجد هديا رواه البخارى فى صحيحه والنسائى وبما تقدم فى الزوائد من الآثار (وقال الذين لم يوجبوا القضاء) لم يذكر الله تعالى القضاء ولو كان واجبا لذكره وهذا ضعيف لأن عدم الذكر لا يستلزم العدم قالوا ثانيا قول ابن عباس انما البدل على من نقض حجه بالتلذذ فأما منحبسه عدو او غير ذلك فانه يحل ولا يرجع (خ) وهو يدل على عدم الوجوب (ويجاب) بان قول الصحابى ليس بحجة اذا انفرد فكيف اذا عارض المرفوع ويمكن ان يقال ان المراد بقوله فى حديث الحجاج بن عمرو (وعليه حجة أخرى) تأدية الحج المفروض فأما التطوع بالحج والعمرة اذا أحصر فلا شئ عليه غير هدى الاحصار وهذا مذهب الامامين (مالك والشافعى) وأصح الروايتن عند الامام أحمد وقوله في حديث
[ ١٣ / ٨ ]
(٢) باب حكم من حاضت بعد طواف الافاضة
(٤٤٦) عن قتادة عن عكرمة أنه كان بين ابن عباس وزيد بن ثابت ﵄ فى المرأة تحيض بعدما تطوف بالبيت يوم النحر مقاولة (١) فى ذلك قفال زيد لا تنفر حتى يكون آخر عهدها بالبيت (٢) وقال ابن عباس اذا طافت يوم النحر (٣) وحلت لزوجها نفرت ان شاءت ولا تنظر فقالت الأنصار (٤) يا ابن عباس انك ان خالفت زيدا لم نتابعك قفال ابن عباس سلوا ام سليم (٥) فسألوها فأخبرت بان صفية بنت حيي بن أخطب أصابها ذلك قفالت عائشة الخيبة لك حبستينا فذكر ذلك لرسول الله ﷺ قأمرها أن تنفر وأخبرت ام سليم أنها لقيت ذلك فأمرها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن تنفر
_________________
(١) ابن عمر الذى مر آنفا (ثم يحل من كل شئ حتى يحج عاما قابلا) يدل على ان القضاء على الفور والله ﷾ أعلم
(٢) عن قتادة عن عكرمة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا محمد بن جعفر وروح المعنى قالا ثنا سعيد عن قتادة عن عكرمة -الحديث (غريبه) (١) اى خلاف فى ذلك (٢) الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر كان وتقديره طواف الوداع بالبيت (٣) يعنى طواف الافاضة الذى هو أحد أركان الحج بالاتفاق (٤) أى بعضهم (٥) هى بنت ملحان بن خالد الانصارية والدة أنس بن مالك ﵄ اختلف فى اسمها فقيل سهلة او رمثة او رميثة او مليكة وهى العميصاء او الرميصاء اشتهرت بكنيتها وكانت من الصحابيات الفاضلات ماتت فى خلافة عثمان وانما خصها بالسؤال لأنها أنصارية وكانت حاضت بعد طواف الافاضة فأمرها النبى ﷺ أن تنفر وتترك طواف الوداع وحصل مثا ذلك لصفية زوج النبى ﷺ وحضرت ام سليم قصتها (تخريجه) (ق) مختصرا ورواه ابو داود الطيالسى بنحو حديث الباب وسنده جيد
[ ١٣ / ٩ ]
(٤٤٧) عن طاوس قال كنت مع ابن عباس قفال له زيد بن ثابت أنت تفتى الحائض أن تصدر قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ قال نعم قال فلا تفت بذلك قال اما لا (١) فاسأل فلانة الأنصارية (٢) هل أمرها النبى ﷺ بذلك؟ فرجع زيد الى ابن عباس يضحك فقال ما أراك الا قد صدقت
(٤٤٨) عن عائشة ﵂ قالت لما أراد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن ينفر رأى صفية على باب خبائها كئية او حزينة وحاضت فقال النبى ﷺ عقرى أو حلقي (٣) إنك
_________________
(١) عن طاوس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا يحي عن ابن جريج حدثنى الحسين عن مسلم عن طاوس -الحديث (غريبه) (١) القائل اما لا هو ابن عباس ﵄ وقد ضبطها النووى ﵀ بكسر الهمزة وفتح اللام وبالامالة الخفيفة وقال هذا هو الصواب المشهور وقال القاضى عياض ضبطه الطبرى والاصيلى امالى بكسر اللام قال والمعروف من كلام العرب فتحها الاان تكون على لغة من يميل قال المازرى قال ابن الأنبارى قولهم افعل هذا اما لا فمعناه افعله ان كنت لا تفعل غيره فدخلت ما زائدة لأن كما قال تعالى (فاما ترين من الشر أحدا) فاكتفوابلا عن الفعل كما تقول العرب ان زارك فزره والا فلا هذا ما ذكره القاضى (وقال صاحب النهاية) أصل ان وما فأدغمت النون فى الميم وما زائدة فى اللفظ لا حكم لها وقد أمالت العرب لا امالة خفيفة والعوام يشبعون امالتها فتصير الفها ياء وهو خطأ ومعناه ان لم تفعل هذا فليكن هذا انتهى (٢) هى ام سليم كام صرح بذلك فى الحديث السابق (تخريجه) (م هق)
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن الحكم عن ابراهيم عن الأسود عن عائشة -الحديث (غريبه) (٣) فى رواية لمسلم عقرى حلقى بدون او التى للشك (قال النووى) فكهذا يرويه المحدثون بالألف التى هى ألف التأنيث ويكتبونه بالياء (يعنى التحتية) ولا ينونونه وهكذا نقله جماعة لا يحصون عن أئمة اللغة وغيرهم من رواية المحدثين وهو صحيح
[ ١٣ / ١٠ ]
لحابستنا أكنت أفضت يوم النحر؟ (٢) قالت نعم قال فاتفرى اذا (٣) (وعنها من طريق ثان) (_٤) قالت لما افاض رسول الله ﷺ ارادمن صفية بعض ما يريد الرجل من اهله (٥) فقيل انها حائض فقال عقرى احابستنا هى؟ قالوا انها طافت يوم النحر فنفر بها رسول الله ﷺ (وعنها من طريق ثالث) (٦) قالت حاضت صفية بعد ما افاضت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال احابستنا هى؟ قلت حاضت بعد
_________________
(١) * فصيح (قال الأزهري) فى تهذيب اللغة قال ابو عبيد معنى عقرى عقرها الله تعالى وحلقى حلقها الله قال يعنى عقلا الله جسدها واصابها بوجع فى حلقها (قال ابو عبيد) اصحاب الحديث يروونه عقرى حلقى وانما هو عقرا حلقا قال وهذا على مذهب العرب فى الدعاء على الشى من ارادة وقوعه (وقال شمر) قلت لابى عبيد لم لا تجيز عقرى؟ قال لان فعلى تجئ نعتا ولم تجئ فى الدعاء فقلت روى ابن شميل عن العرب مطبرى وعقرى اخف منها فلم ينكره هذا آخر ما ذكره الازهرى (وقال صاحب المحكم) يقال للمرأة عقرى حلقى معناه عقرها الله وحلقها قال فعقرى ها هنا مصدر كدعوى وقيل معناه اى تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها وقيل العقرى الحائض وقيل عقرى حلقى اى عقرها الله وحلقها هذا آخر كلام صاحب المحكم وقيل معناه جعلها الله عاقرا لاتلد وحلقى مشئومة على اهلها (قال النووى) وعلى كل قول فهى كلمة اصلها ما ذكرناه ثم اتسعت العرب فيها فصارت تطلقها ولا تريد حقيقة ما وضعت له اولا ونظيره تربت يداه وقاتله الله ما اشجعه وما اشعره والله اعلم اه (١) اى مانعتنا عن الخروج من مكة الى حتى تطهر وتطوف (٢) يعنى طواف الافاضة (٣) اى اخرجى ولا طواف عليك وهو حجة القائلين بسقوط طواف الوداع عن الحائض (٤) سنده حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا محمد بن مصعب قال حدثنا ثنا الاوزاعى عن يحى بن ابى كثير عن محمد بن ابراهيمعن ابى سلمة عن عائشة -الحديث وفى آخره قال ابن مصعب ما سمعته يذكر -يعنى الاوزاعى -محمد بن ابراهيمالا هذة المرة (٥) تعنى الجماع وفيه حسن ادب عائشة فى العبارة (٦) (سنده) حدثنا عبدالله حدثنى ابى ثنا سفيان عن الزهرى عن عروة
[ ١٣ / ١١ ]
ما أفاضت قال فلتنفر إذا أو (١) قال فلا إذا
_________________
(١) عن عائشة -الحديث (١) او للشك من الراوى يعنى انه يشك هل قال رسول الله ﷺ فاتنفر اذا ومعنى قوله فلا اذا يعنى فلا حبس علينا اذا لانها فعلت الفرض وهو طواف الافاضة يوم النحر (تخريجه) (ق. هق. وغيرهم) (زوائد الباب) (عن ابى هريرة) ﵁ ان النبى ﷺ اخبر ان صفية حاضت قال لا اراها الا حابستنا قالوا انها قد افاضت يوم النحر قال فلتنفر (بز) وفيه محمد بن عمرو فيه كلام وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح (وعن انس ﵁) ان ام سليم حاضت بعد ما افاضت فامرها النبى ﷺ ان تنفر (طس) ورجاله رجال الصحيح (وعن عكرمة) ان زيد بن ثابت قال يعنى فى الحائض تقيم حتى تطهر ويكون آخر عهدها بالبيت فقال ابن عباس انى لأعلم قول رسول الله ﷺ للنساء ولكنى احببت ان اقول بما كتاب الله ثم تلا هذة الآية "ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق " قفد قضت التفث ووفت بالنذر وطافت بالبيت فما بقى (الاحكام) يستفاد من احاديث الباب ان طواف الافاضة ركن وان الطهارة شرط لصحة الطواف وان طواف الوداع لا يجب على الحائض ولا تنحبس لأجله اذا كانت طافت طواف الافاضة (ويستفاد من احاديث الباب ايضا) انها اذا لم تكن طافت طواف الافاضة تحتبس لأجله (ويستفاد منها ايضا) ان امير الحجاج يلزمه ان يؤخر الرحيل لأجل من تحيض ممن لم تطف بالافاضة (قال الحافظ) وتعقب باحتمال ان تكون ارادته ﷺ تأخير الرحيل اكراما لصفية كما احتبس الناس على عقد عائشة واما الحديث الذى اخرجه البزار من حديث جابر واخرجه البيهقى من طريق ابى هريرة مرفوعا "اميران ولسا باميرين من تبع جنازة فليس لهم ان ينصرف حتى تدفن او يأذن اهلها والمرأة تحج او تعتمر مع قوم فتحبض قبل طواف الركن فليس لهم ان ينصرفوا حتى تطهر او تأذن لهم "فلادلالة فبه على الوجوب ان كان صحيحا فان فى اسناد كل منهما ضعفا شديدا اه (وقال النووى) فى شرح المهذب قال اصحابنا اذا حاضت الحاجة قبل طواف الافاضة ونفر الحجاج بعد قضاء مناسكهم وقبل طهرها وارادت ان تقيم الى ان تطهر وكانت مستأجرة جملا لم بلزم الجمال انتظارها بل له النفر بجمله مع الناس ولها ان تركب فى موضعها مثلها هذا مذهبنا لا خلاف فيه بيسن اصحابنا وممن صرح به المارودى والشيح ابو نصر وصاحب البيان
[ ١٣ / ١٢ ]
(٣) باب ما جاء فى دخول الكعبة واختلاف الصحابة فى الصلاة فيها
عن عمرو بن دينار ان ابن عباس كان يخبر ان الفضل بن عباس اخبره انه دخل مع النبى ﷺ وان النبى ﷺ لم يصل فى البيت حين دخله ولكنه لما خرج فنزل ركع ركعتين عند باب البيت
(٤٥٠) وعنه ايضا ان ابن عمر حدث عن بلال ان رسول الله ﷺ صلى فى البيت قال وكان ابن عباس يقول لم يصل فيه ولكنه كبر فى نواحيه (١)
_________________
(١) * وآخرون (وحكى اصحابنا عن مالك) انه يلزم ان ينتظرها اكثر مدة الحيض وزيادة ثلاثة ايام واستدل اصحابنا بقوله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار "وهو حديث سحن من رواية ابى سعيد الخدرى وبالقياس على ما لو مرضت فانه لا يلزمه انتظارها بالاجماع (قال القاضى عياض المالكى) موضع الخلاف بين الشافعى ومالك فى هذة المسألة اذا كان الطريق آمنا ومعها محرم لها فان لم يكن آمنا او لم يكن معها محرم لم ينتظرها بالاتفاق لانه لا يمكنه السير بها وحده قال ولا يحبس لها الرفقة الا ان يكون كاليوم واليومين والله اعلم اه
(٢) عن عمرو بن دينار (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج اخبرنى عمرو بن دينار _الحديث (تخريجه) لم اقف عليه لغير الامام احمد وسنده جيد
(٣) وعنه ايضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا عفان ثنا حماد ابن زيد ثنا عمرو بن دينار ان ابن عمر _الحديث (غريبه) (١) انما نفى ابن عباس ﵄ الصلاة فى البيت لأن اخاه الفضل اخبره بذلك كما تقدم فى الحديث السابق ولما روى مسلم عن ابن عباس ايضا قال اخبرنى اسامة بن زيد لن النبى ﷺ لما دخل البيت دعا فى نواحبه ولم يصل فيه وقد ثبت عند الامام احمد ان الفضل دخل البيت مع النبى ﷺ وثبت دخول بلال واسامة معه ﷺ عند الشيخين والامام احمد ايضا (قال النووى) ﵀ اجمع اهل الحديث على الاخذ برواية بلال لأنه مثبت فمعه زيادة علم فوجب ترجيحه (تخريجه) (مذ) وقال حديث بلال حسن صحيح (قلت) واخرجه الشيخان والامام احمد ابضا مطولا وسيأتى فى باب غزوة الفتح الاكبر فتح مكة من كتاب الغزوات إن شاء الله تعالى.
[ ١٣ / ١٣ ]
(٤٥١) عن أسامة بن زيد ﵄ قال صلى رسول الله ﷺ فى البيت (١)
(٤٥٢) عن عائشة ﵂ قالت خرج النبى ﷺ من عندى وهو قرير العين طيب النفس (٢) ثم رجع وهو حزين فقلت يا رسول الله انك خرجت من عندى وانت قرير العين طيب النفس ورجعت وانت حزين فقال انى دخلت الكعبة ووددت انى لو لم اكن فعلت (٣) انى أخلف أن أكون أتعبت أمتى من بعدى (وعنها من طريق ثان) (٤) قالت دخل على النبى ﷺ
_________________
(١) * (٤٥١) عن أسامة بن زيد (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا هاشم بن القاسم ثنا المعمودى ثنا محمد بن على ابو جعفر عن اسامة بن زيد -الحديث (غريبه) (١) اختلف الرواة على اسامة بن زيد فبعضهم روى عنه الاثبات كما فى هذا الحديث وز بعضهم روى عنه النفى كما ثابت فى عند مسلم والنسائى عن اسامة بن زيد قال "دخل رسول الله ﷺ الكعبة فسبح فى نواحيها وكبر ولم يصل ثم خرج فصلى خلف المقام ركعتين " وسيأتى الكلام على ذلك فى الاحكام (تخريجه) (حب) فى صحيحه من طريق ابى الشعثاء عن ابن عمر اخبرنى اسامة بن زيد ان النبى ﷺ صلى فى الكعبة بين الساريتين ومكثت معه عمرا لم أسأله كم صلى قال الزيلعى فى تخريجه بعد ذكره هذا سند صحيح أه (قلت) وفى اسناده عند الامام المسعودى صدوق اختلط قبل موته وضابطه ان من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط من السابعة مات سنة ستين وقيل سنة خمس وستين أه
(٢) عن عائشة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا وكيع ثنا اسماعيل ابن عبد الملك عن ابن مليكة عن عائشة -الحديث (غريبه) (٢) هوكناية عن السرور والفرح (وقولها وهو حزين) اى مغموم (٣) رواية ابى داود "فقال انى دخلت الكعبة ولو استقبلت من امرى ما استدبرت ما دخلتها انى أخاف أن أكون قد شققت على أمتى " ومعنى قوله ﷺ لو استقبلت من امرى الخ اى لو علمت فى اول الامر ما علمت غى آخره وانما تأسف ﷺ على دخوله وعزم على عدم الدخول فى المستقبل اشفاقا على امته من التنافس فى الدخول والازدحام الذى ربما ادى الى ضرر او حرمان بعض الناس من الدخول فيرجع الى بلده غير مسرور كما سيأتى فى الطريق الثانية والله اعلم (٤) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن
[ ١٣ / ١٤ ]
يومًا فقال لقد صنعت اليوم شيئا وددت أنى لم أفعله دخلت البيت فأخشى أن يجى الرجل من افق من الآفاق فلا يستطيع دخوله فيرجع وفى نفسه منه شى
(٤٥٣) عن عائشة ﵂ أنها قالت يا رسول الله كل أهلك قد دخل البيت غيرى فقال ارسلى الى شيبة (١) فيفتح لك الباب فارسلت اليه فقال شيبة ما استطعنا فتحه فى جاهلية ولا اسلام بليل فقال النبى ﷺ صلى فى الحجرفان قومك استقصروا عن بناء البيت حين بنوه (٢) (وفى لفظ) (٣) صلى فى الحجر اذا أردت دخول البيت فانما هو قطعة من البيت
_________________
(١) * جابر عن عرفجة عن عائشة قالت دخل على النبى ﷺ (تخريجه) (د. مذ. جه. هق.) وصححه الترمذى واخرجه ايضا (خز. ك) وصححاه
(٢) عن عائشة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن عائشة -الحديث " (غريبه) (١) هو ابن عثمان وهو الاوقص بن ابى طلحة الحجبى ابو عثمان (قال البخارى) وغير واحد له صحبة أسلم يوم الفتح وكان ابوه ممن قتل كافرا بأحد وبنته صفية بنت شيبة لها صحبة أه وروى ابن سعد أن النبى ﷺ دعا شيبة بن عثمان فاعطاه مفتاح الكعبة فقال دونك هذا فأنت امين الله على بيته وقال مصعب الزبيرى دفع اليه والى عثمان بن طلحة (يعنى والده) وقال خذوها يا بنى ابى طلحة خالدة تالدة لا يأخذها منكم الا ظالم (٢) يعنى انهم لم يبنوه على قواعد ابراهيم بل تركوا منه جزأ هو الحجر فمن صلى فى الحجر فكأنما صلى فى الكعبة كما يدل عليه اللفظ الآخر (٣) هذا اللفظ ت ٩ قدم فى رواية اخرى للا مام احمد فى باب الطائف يخرج فى طوافه عن الحجر رقم ٢٥٤ صحيفة ٥٠ من الجزء الثانى عشر (تخريجه) لم اقف عليه بهذا اللفظ لغير الامام احمد وسنده جيد (تنبيه) للامام احمد ﵀ احاديث كثيرة فى دخول الكعبة والصلاة فيها فى دخول الكعبة والصلاة فيها ستأتى ان شاء الله تعالى (زوائد الباب) (عن عبد الرحمن بن صفوان) قال رأيت رسول ﷺ وأصحابه فدخلت بين رجلين منهم فقلت كيف صنع رسول الله ﷺ حين صلى بالبيت قال صلى ركعتين بين الاسطوانتين عن يمين البيت
[ ١٣ / ١٥ ]
(طب) ورجاله رجال الصحيح (وعن ام شيبة) وكانت قد بايعت النبى ﷺ ان النبى ﷺ دعا شيبة ففتح البيت فلما دخله ركع وقرع جبينه (طب) ورجاله رجال الصحيح (الاحكام) احاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية دخول الكعبة والصلاة فيها وأن الحجر "بكسر الحاء المهملة " جزء منها (اما دخول الكعية) فقد اتفق العلماء على انه ﷺ دخلها يوم فتح مكة واختلفوا فى دخوله حجة الوداع (فذهب جمع من العلماء) منهم الحافظ ابن القيم الى انه ﷺ لم يدخلها فى حجة الوداع لأن الاحاديث الصحيحة التى رواها الشيخان والامام احمد وستأتى فى باب فتح مكة من كتاب الغزوات مصرحة بان دخوله ﷺ كان فى دخوله فى فتح مكة (وذهب آخرون) الى انه صلىلله عليه وسلم دخلها عام حجة الوداع مستدلين بحديث عائشة بانه يحتمل ان يكون ﷺ قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه من غزوة الفتح وهو بعيد (ويستفادمن حديث عائشة) المذكور ان دخول الكعبة ليس من مناسك الحج لقوله ﷺ (وددت لو لم أكن فعلت) ولقوله فى رواية ابى داود (لو استقبلت من امرى ما استدبرت ما دخلتها) وحكى القرطبى عن بعض العلماء ان دخولها من المناسك (وذهب جماعة) من اهل العلم الى ان دخولها مستحب مستدلين بما رواه ابن خزيمة والبيهقى من حديث ابن عباس "من دخل البيت دخل فى جنة وخرج مغفورا له "وفى اسناده عبد الله بن المؤمل ضعيف ومحل استحبابه مالم يؤذ احدا بدخوله (واما الصلاة فيها) فقدثبت عند الشيخين والامام احمد ان اسامة وبلالا دخلا مع النبى ﷺ الكعبة وقد اختلف الرواة على اسامة فبعضهم روى عنه نفى صلاة النبى ﷺ فى الكعبة كما عند مسلم والنسائى وبعضهم روى عنه اثباتها كما فى حديثه المذكور فى الباب اما بلال فلم يختلف عليه احد وكلهم رووا عنه ان النبى صلى اللهعليه وسلم صلى فى الكعبة فتترجح رواية بلال انه مثبت وغيره انه ناف والمثبت مقدم على النافى ومن جهة انه لم يختلف عليه فى الاثبات (قال النووى) ﵀ واجمع اهل العلم على الاخذ براوية بلال لانه مثبت فمعه زيادة علم فواجب ترجيحه والمراد بالصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود ولهذا قال ابن عمر ونسيت ان اسأله كم صلى واما نفى اسامة فسببه انهم لما دخلوا الكعبة اغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبى ﷺ يدعو ثم اشتغل أسامةبالدعاء فى ناحية من نواحى البيت والنبى صلى الله عايه وسلم فى ناحية اخرى وبلال قريب منه ثم صلى النبى ﷺ فرآه بلال لقربه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله بالدعاء وجاز له نفيها عملا بظنه.
[ ١٣ / ١٦ ]
وأما بلال فحققها فاخبر بها والله أعلم (واختلف العلماء فى الصلاة فى الكعبة) اذاصلى متوجها الى جدار منها او الى الباب وهو مردود (فقال الشافعى والثورى وابو حنيفة واحمد والجمهور) تصح فيها صلاة النفل وصلاة الفرض (وقال مالك) تصح فيها صلاة النفل المطلق ولا يصح فيها الفرض ولا الوتر ولا ركعتا الطواف ولا ركعتا الفجر (وقال محمدبن جرير واصبع المالكى وبعض اهل الظاهر) لا تصح فبها صلاة ابدا لا فريضة ولا نافلة وحكاه القاضى عن ابن عباس ايضا (ودليل الجمهور) حديث بلال واذا صحت النافلة صحت الفريضة لأنهما فى الموضع سواء فى الاستقبال فى حال النزول وانما يختلفان فى الاستقبال فى حال السير فى السفر والله أعلم (وقد استدل بحديث عائشة) الاخير من احاديث البا ب على ان الصلاة فى الحجر كالصلاة فى الكعبة وتقدم الكلام على ذلك فى احكام باب الطائف يخرج فى طوافه عن الحجر صحيفة ٥٢ من الجزء الثانى عشر والله الموفق
(تتمة فى حكم زيارة قبر النبى ﷺ وآدابها) (١)
اعلم ارشدنى الله واياك انه لم يأت فى مسند الامام احمد ﵀ ولا فى الكتب الستة فيما اعلم حديث صريح فى الحث على زيارة فبر النبى ﷺ بخصوصه نعم جاء فى غير هذة الكتب احاديث ناطقة بالحث على زيارة قبره ﵊ ولكنها ضعيفة كما قاله المحققون وذكر العلامة الشوكانى فى كتاب نيل الاوطار نبذة صالحة اورد فيها ما قاله العلماء فى الزيارة وحكمها معززا كل قول بدليله وما قاله المحققون فيه آثرت نقلها هنا وقد اقتصر على ذكر اقوا العلماء ولم يبد رأيه كما هى عادته (قال ﵀) اختلفت اقوال العلماء فى زيارة قبر النبى ﷺ فذهب الجمهور الى انها مندوبة (وذهب بعض المالكية) وبعض الظاهرية الى انها واجبة (وقالت الحنفية) انها قريبة من الواجبات (_وذهب ابن تيمية) الحنبلى حفيد المصنف "يعنى حفيد ابن تيمية الكبير مصنف المنتقى الذى شرحه الشوكانى "المعروف بشيخ الاسلام الى انها غير مشروعة وتبعه على ذلك بعض الحنابلة وروى ذلك عن مالك والقاضى عياض كما سيأتى (احتج القائلون بانها مندوبة) بقوله تعالى "ولو أنهم اذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول "الاية ووجه الاستدلال بها ان النبى ﷺ حى فى قبره بعد موته كما فى حديث الانبياء أحياء فى قبورهم وقد صححه البيهقى والف فى ذلك جزأ (٢) قال الأستاذ ابو منصور البغدادى قال المتكلمون
_________________
(١) انظر تتمة أخرى تقدمت فى آخر باب استلام الركن الاسود واليمانى صحيفة ٣٨ فى الجزء الثانى عشر
(٢) انظر الفصل الذى فى صحيفة ٩ من الجزء السادس فى الحث على الاكثار من الصلاة علىلنبى ﷺ يوم الجمعة من ابواب صلاة الجمعة واقرأه متنا وشرحا مع الاحكام المذكورة في آخره
[ ١٣ / ١٧ ]
المحققون من أصحابنا ان نبينا ﷺ حى بعد وفاته أه ويؤيد ذلك ما تبت ان الشهداء احياء يرزقون فى قبورهم والنبى ﷺ منهم واذا ثبت انه حى فى قبره كان المجئ اليه بعد الموت كالمجئ اليه قبله لكنه ورد ان الانبياء لا يتركون فى قبورهم فوق ثلاث وروى فوق اربعين فان صح ذلك قدح فى الاستدلال بالآية ويعارض القول بدوام حياتهم فى قبورهم ما سيأتى من انه ﷺ ترد اليه روحه عند التسليم عليه نعم حديث من زارنى بعد موتى فكأنما زارنى فى حياتى الذى سيأتى ان شاء الله تعالى ان صح فهو الحجة فى المقام (واستدلوا ثانيا) بقوله تعالى (ومن يخرج من بيته مهاجرا الى الله ورسوله-الآية) والهجرة اليه فى حياته الوصول الى حضرته كذلك الوصول بعد موته ولكنه لا يخفى ان الوصول الى حضرته فى حياته فيه فوائد لا توجد فى الوصول الى حضرته بعد موته (منها النظر الى ذاته الشريفة وتعلم الاحكام الشرعية منه والجهاد بين يديه وغير ذلك (واستدلوا ثالثا) بالاحاديث الواردة فى ذلك (منها) الأحاديث الواردة فى مشروعية زيارة القبور على العموم والنبى ﷺ داخل فى ذلك دخولا أوليا وقد تقدم ذكرها فى الجنائز وكذلك الاحاديث الثابتة من فعله ﷺ فى زيارتها (ومنها) احاديث خاصة بزيارة قبره الشريف (اخرج الدارقطنى) عن رجل من آل حاطب عن حاطب قال قال رسول الله ﷺ "من زارنى بعد موتى فكأنما زارنى فى حياتى " وفى اسناده الرجل المجهول (وعن ابن عمر) عند الدارقطنى ايضا قال قال ﷺ فذكر نحوه ورواه ابو يعلى فى مسنده وابن عدى فى كامله وفى اسناده حفص بن ابى داود (وعن عائشة) عند الطبرانى فى الاوسط عن النبى ﷺ مثله قال (الحافظ) وفى طريقه من لا يعرف (وعن ابن عباس) عند العقيلى مثله وفى اسناده فضالة بن سعد المازنى وهو ضعيف (وعن ابن عمر) حديث آخر عند الدارقطنى بلقظ "من زار قبرى وجبت له شفاعتى " وفى اسناده موسى بن هلال العبدى قال ابو حاتم مجهول اى العدالة ورواه ابن خزيمة فى صحيحه من طريقه وقال ان صح الخبر فان فى القلب من اسناده (واخرجه ايضا البيهقى) وقال العقيلى لا يصح حديث موسى ولا يتابع عليه ولا يصح فى هذا الباب شى وقال احمد لا بأس به وايضا تابعهة عليه مسلمة بن سالم كما رواه الطبرانى من طريقه وموسى بن هلال المذكور رواه عن عبيد الله بن عمر عن نافع وهو ثقة من رجال الصحيح وجزم الضياء المقدسى والبيهقى وابن عدى وابن عساكر بان موسى رواه عن عبد الله بن عمر وهو ضعيف ولكنه قد وثقه ابن عدى وقال ابن معين لا بأس به وروى مسلم له مقرونا بآخر وقد صحح هذا الحديث لبن السكن وعبد الحق وتقىلدين السبكى (وعن ابن عمر) غند ابن عدى والدارقطنى وابن حبان في
[ ١٣ / ١٨ ]
ترجمة النعمان بلفظ "من حج ولم بزرنى فقد جفانى "وفى اسناده النعمان بن شبل وهو ضعيف جدا ووثقه عمران بن موسى وقال الدارقطنى الطعن فى هذا الحديث على ابن النعمان لا عليه (ورواه ايضا البزار) وفى اسناده ابراهيم الغفارى وهو ضغيف (ورواه البيهقى عن) عمر اقل واسناده مجهول (وعن انس) عند ابن ابى الدنيا بلفظ "من زارنى فى المدينة محتسبا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة " وفى اسناده سليمان بن زيد الكعبى ضعفه ابن حبان والدارقطنى وذكره ابن حبان فى الثقات (وعن عمر) عند باى داود الطيالسى بنحوه وفى اسناده مجهول (وعن عبد الله بن مسعود) عند ابى الفتح الازدى بلفظ "من حج الاسلام وزار قبرى وغزا غزوة وصلى فى بيت المقدس لم يسأله الله فيما افترض عليه " (وعن ابى هريرة بنحو حديث حاطب المتقدم (وعن ابن عباس) عند العقيلى بنحوه (وعنه فى مسند الفردوس) بلفظ " من حج الى مكة ثم قصد مسجدى كتبت له حجتان مبرورتان) وعن (على بن ابى طالب) ﵇ عند ابن عساكر " من زار قبر رسو ل الله ﷺ كان فى جواره " وفى اسناده عبد الملك بن هارون بن عتبرة وفيه مقال (قال الحافظ) واصح ما ورد فى ذلك ما رواه احمدو ابو داود عن ابى هريرة مرفوعا "ما من احد يسلم على الا رد الله على روحى حتى ارد ﵇" (١) وبهذا الحديث صدر البيهقى الباب ولكن ليس فيه ما يدل على اعتبار كون المسلم عليه على قبره بل ظاهره اعم من ذلك (وقال الحافظ) اكثر متون هذه الاحاديث موضوعة (وقد رويت زيارته عن جماعة من الصحابة منهم بلا ل عند ابن عساكر بسند جيد وابن عمر عند مالك فى الموطأ وابو ايوب عند احمد (٢) وانس ذكره عياض فى الشفاء وعم عند البزار وعلى ﵇ عند الدارقطنى وغير هؤلاء ولكنه لم ينقل عن احد منهم انه شد الرحال لذلك الا عن بلال لانه روى عنه انه رأى النبى ﷺ وهو بداريا يقول له ما هذة الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني؟
_________________
(١) *سيأتي هذا الحديث في كتاب الاذكار فى باب الامر بالصلاة والسلام على النبى ﷺ ولن الملائكة تبلغه ذلك وجاء فى سنن ابى داود فى باب زيارة القبور فى آخر كتاب الحج واورده الحافظ السيوطى فى الجامع الصغير وعزاه لابى داود فقط وكذلك النووى فى شرح المهذب وصححه
(٢) يشيرما رواه الامام احمد بسنده عن داود بن ابى صالح قال اقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر فقال اتدرى ما تصنع فأقبل عليه فاذا هو ابو ايوب فقال نعم جئت رسول الله ﷺ ولم آت الحجر سمعت رسول الله ﷺ يقول لا تبكوا على الدين اذا وليه اهله ولكن ابكوا عليه اذا وليه غير اهله وهذا الحديث سيأتى فى باب ما جاء فى الأئمة المضلين وامارة السفهاء من كتاب الخلافة والامارة إن شاء الله تعالى
[ ١٣ / ١٩ ]
روى ذلك ابن عساكر (واستدل القائلون بالوجوب) بحديث (من حج فلم يزرنى فقد جفانى) وقد تقدم قالوا والجفاء للنبى ﷺ محرم فتجب الزيارة لئلا يقع فى المحرم (واجاب عن ذلك الجمهور) بان الجفاء يقال على ترك المندوب كما فى ترك البر والصلة وعلى غلظ الطبع كما فى حديث (من بدا فقد جفا) وايضا الحديث على انفراده مما لا تقوم به الحجة لما سلف (واحتج من قال انها غير مشروعة) بحديث (لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد) وهو فى الصحيح وقد تقدم وحديث (لا تتخذوا قبرى عيدا) رواه عبد الرزاق (قال النووى) فى شرح مسلم اختلف العلماء فى شد الرحل لغير هذة الثلاثة كالذهاب الى قبور الصالحين والى المواضع الفاضلة فذهب الشيخ ابو محمد الجوينى الى حرمته واشار عياض الى اختياره والصحيح عند اصحابنا انه لا يحرم ولا يكره قالوا والمراد ان الفضيلة الثابتة انما هى شد الرحل الى هذة الثلاثة خاصة اه (وقد اجاب الجمهور) عن حديث شد الرحل ان القصر فيه اضافى باعتبار المساجد لا حقيقى قالوا والدليل على ذلك انه قد ثبت باسناد حسن فى بعض الفاظ الحديث (ولا ينبغى للمطى أن يشد رحالها الى مسجد تبتغى الصلاة فيه غير مسجدى هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى) فالزيارة وغيرها خارجة عن النهى (واجابوا ثانيا) بالاجماع على جواز شد الرحال للتجارة وسائر مطالب الدنيا وعلى وجوبه الى عرفة للوقوف والى منى للمناسك التى فيها والى مزدلفة والى الجهاد والهحرة من دار الكفر وعلى استحبابه لطلب العلم (واجابوا عن حديث لا تتخذوا قبرى عيدا) بانه يدل على الحث على كثرة الزيارة لا منعها وانه لا يهمل حتى لا يزار الا فى بعض الاوقات كالعيدين وي﴾ يده قوله ولا تجعلوا بيوتكم فبورا اى لا تتركوا الصلاة فيها كذا قال الحافظ المنذرى (وقال السبكى) معناه انه لا تتخذوا لها وقتا مخصوصا لا تكون الزيارة الا فيه او لا تتخذوه كالعيد فى الوقوف عليه واظهار الزينة والاجتماع للهو وغيره كما يفعل فى الاعياد بل لا يؤتى الا للزيارة والدعاء والسلام والصلاة ثم ينصرف عنه (١) واجيب عما روى عن مالك من القول بكراهة زيارة قبره ﷺ بأنه انما قال بكراهة زيارة قبره ﷺ قطعا للزريعة وقيل انما كره اطلاق لفظ الزيارة لأن الزيارة من شاء فعلها ومن شاء تركها وزيارة قبره ﷺ من السنن الواجبة كذا قال عبد الحق (واحتج ابضا من قال بالمشروعية) بأنه لم يزل درب المسلمين القاصدين للحج فى جمبع الأزمان على تباين الديار واختلاف المذاهب الوصول الى المدينة الشريفة بقصد زيارته ويعدون ذلك من افضل الاعمال ولم ينقل أن أحدًا أنكر
_________________
(١) تفسير السبكي احسن لأنه يناسب سياق الحديث وتقدم تفسيره ايضا للحافظين ابن تيمية وابن القيم صحيفة ٣٩ فى آخر باب استلام الحجرالاسود واليمانى فى الجزء الثاني عشر
[ ١٣ / ٢٠ ]
ذلك عليهم إجماعًا، هذا ما نقله الشوكاني رحمه الله تعالى.
(قلت) اذا علمت هذا فالذى اميل اليه وينشرح له صدرى ما ذهب اليه الجمهور من ان زيارة قبره ﷺ مشروعة ومستحبة لما ثبت عنه ﷺ فى زيارة القبور قولا وفعلا فقد كان ﷺ يزور القبور ويحث على زيارتها (ففى حديث ابى هريرة) أنه ﷺ اتى المقبرة فسلم على اهلها فقال سلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا بكم لاحقون اللهم لا تحرمنا اجرهم ولا تفتنا بعدهم رواه الامام احمد وتقدم هو والذى قبله فى باب ما يقال عند زيارة القبور صحيفة ١٧٢ فى الجزء الثامن واحاديث زيارته ﷺ للقبور كثيرة مشهورة (وفى حديث بريدة) عند الامام احمد ومسلم (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) (ولمسلم من حديث ابى هريرة) مرفوعا (زوروا القبور فانها تذكر الموت) وفى حديث ابى سعيد مرفوعا (ونهيتكم عن زيارة القبور فان زرتموها فلا تقولوا هجرا) رواه الامامان الشافعى واحمد ورواه ايضا الحاكم وصححه واقره الذهبى (وعن انس) قال قال رسول الله ﷺ (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدا لى انها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة فزوروها ولا تقولوا هجرا) رواه الامام احمد وابو داود والنسائى والحاكم (وفى حديث على) مرفوعا (انى كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فانها تذكركم الآخرة) رواه عبدالله بن الامام احمد فى زوائده على مسند ابيه وابو يعلى (وفى هذا الباب احاديث كثيرة) انظر ابواب زيارة القبور صحيفة ١٥٧ فى الجزء الثامن من الفتح الربانى فهذة الاحاديث تفيد مشروعية زيارة القبور واستحبابها على العموم وقبر النبى ﷺ داخل فى هذا العموم بل هو اولى هذا اذا قطعنا النظر عما ورد فى زيارة قبره الشريف من الاحاديث الكثيرة لضعفها على انها لكثرة طرقها يشد بعضها بعضا فتنتهض للاستدلال ولاسيما وفى بعضها ما يصلح للاستدلال به منفردا اما حديث (لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد الخ) فالقصر فيه اضافى باعتبار المساجد لا حقيقى كما قال الجمهور بدليل اجماعهم على جواز الرحال للتجارة وسائر مطالب الدنيا وعلى وجوبه الى عرفة للوقوف والى منى ومزدلفة للمناسك والى الجهاد والهجرة من دار الكفر وعلى استحبابه لطلب العلم اما قوله ﷺ (لا تتخذوا قبرى عيدا) فمعناه لا تتخذوه كالعيد فى العكوف عليه وتحرى الصلاة عنده وجعل يوم معين تجتمعون فيه للزيارة والصلاة كما يفعل النصارى من تعظيم قبور انبيائهم واتخاذها مساجد والخروج عن حد الشريعة ولعل هذا هو الذى حمل المانعين على المنع سدا للذريعة ولكن اذا سلمت الزيارة من هذة المفاسد كانت مستحبة يثاب فاعلها وتقدم لنا في عدة
[ ١٣ / ٢١ ]
مواضع من هذا الكتاب التحذيرمن هذة المفاسد والانكار عليها وذكر اقوال العلماء المحققين فيها جزاهم الله خيرا. انظر باب النهى عن اتخاذ قبور الانبياء والصالحين مساجد للتبرك والتعظيم صحيفة ٧٣ من الجزء الثالث واقرأ احكامه ثم انظر أحكام باب تسوية القبور صحيفة ٧٥ من الجزء الثامن واقرأها الى آخرها كذلك انظر أحكام باب ما يقال عند زيارة القبور صحيفة ١٧٨ من الجزء الثامن ايضا واقرأ كلام الحافظ ابن القيم وغيره فى ذلك وكذلك ارجع الى تتمة فى آخر باب استلام الحجر الاسود واليمانى صحيفة ٣٨ فى الجزء الثانى عشر واقرأها جميعها وغير ذلك كثير وسيأتى فى الفصل الثانى من هذة التتمة شى من ذلك
فصل فى آداب الزيارة وما يفعل من يريدها
(قال النووى ﵀) فى شرح المهذب اعلم ان زيارة قبر رسول الله ﷺ من اهم القربات وانجح المساعى فاذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحبابا متأكدا ان يتوجهوا الى المدينة لزيارته ﷺ وينوى الزائر مع الزيارة التقرب بزيارة مسجده وشد الرحل اليه والصلاة فيه واذا توجه قليكثر الصلاة والتسليم عليه ﷺ فى طريقه فاذا وقع بصره على اشجار المدينة وحرمها وما يعرف بها زاد من الصلاة والتسليم عليه ﷺ وسأل الله تعالى ان ينفعه بهذة الزيارة وان يقبلها منه ويستحب ان يغتسل قبل دخوله ويلبس انظف ثيابه ويستحضر فى قلبه شرف المدينة وانها افضل الارض بعد مكة عند بعض العلماء وعند بعضهم أشرفها مطلقاو ان الذى شرفت به ﷺ خير الخلائق وليكن من اول قدومه الى ان يرجع مستشعرا لتعظيمه ممتلئ القلب من هيبته كأنه يراه فاذا وصل باب مسجده ﷺ فليقل الذكر المستحب فى دخول كل مسجد (يعنى يقول "اللهم افتح لنا ابواب رحمتك ") واذا خرج فليقل "اللهم انى أسألك من فضلك " رواه (م. د. نس. جه) والامام احمد وتقدم فى باب ما يقال عند دخول المسجد صحيفة ٥١ فى الجزء الثالث) قال ويقدم رجاه اليمنى فى الدخول واليسرى فى الخروج كما فى سائر المساجد فاذا دخل قصد الروضة الكربمة وصلى ما بين القبر والمنبر فيصلى تحية المسجد بجنب المنبر وفى الاحياء للغزالى أنه يستحب أن يجعل عمود المنبر حذاء منكبه الايمن ويستقبل السارية التى الى جانبها الصندوق وتكون الدائرة التى فى قبلة المسجد بين عينيه فذلك موفق رسول الله ﷺ وقد وسع المسجد بعده ﷺ وفى كتاب المدينة أن ذرع ما بين المنبر ومقام النبى ﷺ الذى يصلى فيه حتى توفى أربعة عشر ذراعا وشبرا وأن ما بين القبر والمنبر ثلاث وخمسون ذراعا وشبرا فاذا أتى القبر الشريف فلا يهجم ولا يلتصق به ولا يمد يده عليه بل يقف بعيدا عنه نحو اربعة اذرع ناظرا الى اسفل ما يستقبله من جدار القبر غاض.
[ ١٣ / ٢٢ ]
الطرف في مقام الهيبة والاجلال فارغ القلب من علائق الدنيا ثم يسلم ولا يرفع صوته بل يقصد فيقول السلام عليك يا رسول الله (وفى شرح المغنى) لابن قدامة المقدسى الحنبلى ﵀ أنه يستحب لمن أتى القبر للزيارة أن يولى ظهره للقبلة ويستقبل وسطه ويقول السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته السلام عليك يا نبى الله وخيرته من خلقه أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا محمدا عبده ورسوله أشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك ودعوت الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وعبدت الله حتى أتاك اليقين فصلى الله عليك كثيرا كما يحب ربنا ويرضى اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحدا من النبيين والمرسلين وابعثه المقام المحمود الذى وهدته يغبطه به الاولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد اللهم انك قلت وقولك الحق "ولو أنهم اذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما" وقد اتيتك مستغفرا من ذنوبى مستشفعا بك الى ربى فأسألك يارب أن توجب لى المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه فى حياته اللهم اجعله أول الشافعين وانجح السائلين وأكرم الآخرين والأولين برحمتك يا أرحم الراحمين ثم يدعو لوالديه ولاخوانه وللمسلمين أجمعين ثم يتقدم قليلا ويقول السلام عليك يا أبا بكر الصديق السلام عليك يا عمر الفاروق السلام عليكما يا صاحبى رسول الله ﷺ وضجيعيه ووزيريه ورحمة الله وبركاته اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الاسلام خيرا سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار اللهم لا تجعله آخر العهد من قبر نبيك ومن حرم مسجدك يا أرحم الراحمين. أه (وفى شرح المهذب للنووى) بنحو ذلك وأطول (قال النووى) ومن طال عليه هذا كله اقتصر على بعضه وأقله السلام عليك يا رسول الله ﷺ وجاء عن ابن عمر وغيره من السلف الاقتصار جدا (فعن ابن عمر) أنه كان اذا قدم من سفر دخل المسجد ثم أتى القبر فقال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه. رواه البيهقى (وعن مالك) يقول السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته وان كان قد أوصى بالسلام عليه قال السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان أو فلان بن فلان يسلم عليك يا رسول الله أو نحو هذة العبارة والله أعلم
(فصل منه فيما لا يجوز فعله للزائر)
قال بان قدامة فى المغنى ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبى ﷺ ولا تقبيله قال احمد
ما أعرف هذا قال الاثرم رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبى ﷺ يقومون من ناحية فيسلمون قال أبو عبد الله وهكذا كان ابن عمر يفعل قال أما المنبر.
[ ١٣ / ٢٣ ]
فقد جاء فيه يعنى ما رواه ابراهيم بن عبد الرحمن بن عبد القارى أنه نظر الى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبى ﷺ من المنبر ثم يضعها على وجهه أه (وقال النووى فى شرح المهذب) لا يجوز أن يطاف بقبره صلى الله عليه
وسلم ويكره الصاق الظهر والبطن بجدار القبر قاله أبو عبيد الله الحليمى وغيره قالوا ويكره مسحه باليد وتقبيله بل الادب
أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضره فى حياته ﷺ هذا هو الصواب الذى قاله العلماء واطبقوا عليه ولا يغتر بمخالفة كثيرين من العوام وفعلهم ذلك فان الاقتداء والعمل انما يكون بالاحاديث الصحيحة واقوال العلماء ولا يلتفت الى محدثات العوام وغيرهم وجهالاتهم وقد ثبت فى الصحيحين (قلت وعند الامام أحمد ايضا) عن عائشة ﵂ ان رسول الله ﷺ قال "من أحدث فى ديننا ما ليس منه فهو رد "وفى رواية لمسلم "من عمل عملا ليس عليه عملنا فهو رد " (وعن أبى هريرة) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ " لا تتخذوا قبرى عيدا وصلوا على فان صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم "رواه ابو داود باسناد صحيح (قلت والامام وسيأتى فى باب الامر بالصلاة على النبى ﷺ من كتاب الاذكار) وقال الفضيل بن عياض ﵀ ما معناه اتبع ططريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين واياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ فى البركة فهو من جهالته وغفلته لأن البركة انما هى فيما وافق الشرع وكيف يبتغى الفضل فى مخالفة الصواب
(فصل فيما يستحب فعله بالمدينة)
وينبغى له مدة اقامته بالمدينة أن يصلى الصلوات كلها فى مسجد رسول الله ﷺ وينبغى له أن ينوى الاعتكاف فيه كما فى سائر المساجد ويستحب أن يخرج كل يوم الى البقيع خصوصا يوم الجمعة ويكون ذلك بعد السلام على رسول الله ﷺ فاذا وصله دعا بما فى كتاب الجنازة فى زيارة القبور ومنه "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا ان شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد اللهم اغفر لنا ولهم " ويزور القبور الظاهرة فى البقيع كقبر ابراهيم بن رسول الله ﷺ وعثمان والعباس والحسن بن على وعلى بن الحسين ومحمد بن على وجعفر بن محمد وغيرهم ﵃ ويختم بقبر صفية عمة رسول الله ﷺ ورضى الله عنها (_ويستحب ايضا) أن يزور فبور الشهداء بأحد وأفضله يوم الخميس ويبدأبالحمزة ﵁ (ويستحب ايضا) استحبابا مؤكدا أن يأتى مسجد قباء وهو فى يوم السبت آكد ناويا التقرب بزيارته والصلاة فيه لحديث ابن عمر قال "كان رسول الله ﷺ يأتى مسجد قباء راكبا وماشيا فيصلى فيه ركعتين " وفى رواية أنهصلى الله عليه وسلم صلى فيه ركعتين رواه البخارى (قال) ويستحب أن يزور المشاهد التى بالمدينة والآبار التى كان رسول الله ﷺ.
[ ١٣ / ٢٤ ]
(٤) باب ما يقول ويفعل الحاج عند قدومه
(واستحباب السلام عليه ومصافحته وطلب الدعاء منه)
(٤٥٤) عن ابن عمر ﵄ قال كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اذا قفل (١) من حج او غزوة فعلا فدفدا من الارض او شرفا (٢) قال الله أكبر الله أكبر لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير آيبون (٣) تائبون ساجدون
_________________
(١) * يتوضأ منها أو يغتسل فيتوضأ منها ويشرب ويستحب أن يصوم بالمدينة ما أمكنه وأن يتصدق على جيران رسول الله ﷺ وهم المقيمون بالمدينة من أهلها والقرباء ما أمكنه ويخص أقاربه ﷺ بمزيد الهدايا لحديث زيد بن أرقم "اذكركم الله فى أهل بيتى اذكركم الله فى أهل بيتى "رواه مسلم والامام احمد (وعن ابن عمر) عن أبى بكر الصديق ﵁ موقوفا عليه "ارقبوا محمدا ﷺ فى أهل بيته " رواه البخارى فاذا أراد السفر من المدينة والرجوع الى وطنه أو غيره استحب له أن يودع المسجد بركعتين ويدعو بما أحب ويأتى القبر ويعيد السلام والدعاء المذكورين فى ابتداء الزيارة ويقول اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بحرم رسولك وسهل لى العود الى الحرمين سبيلا سهلة والعفو والعافية فى الآخرة والدنيا وردنا اليه سالمين غانمين وينصرف تلقاء وجهه لا قهقرى الى خلف أفاده النووى فى شرح المهذب وفقنا الله لحج بيته الحرام وزيارة قبر نبيه ﵊
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسماعيل ثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر -الحديث (غريبه) (١) اى رجع (وقوله فعلا) الفاء للعطف وعلا فعل ماض (وفدفدا) بتكرار الفاء المفتوحة والدال المهملة المكان الذى فيه ارتفاع وغلظ. قاله الحافظ السيوطى وصاحب النهاية وجمعه فدافد على وزن مساجد (٢) بفتح الشين المعجمة والراء. المكان المرتفع كما فى القاموس وغيره وفى رواية لمسلم "كلن اذا أوفى على ثنية أو فدفد كبر " (٣) بهمزة ممدودة بعدها ياء تحتية مكسورة اسم فاعل من آب يئوب اذا رجع وهو وما بعده خبر لمبتدأ محذوف تقديره نحن آيبون اى راجعون من سفرنا الى اوطاننا (تائبون) اى من المعصية الى الطاعة (عابدون) لله ﷿ (سائحون) جمع سائح من ساح الماء يسيح اذا جرى على وجه الارض اى سائرون لمطلوبن ودائرون لمحبوبنا قاله القارى فى المرقاة (لربنا حامدون) اى لا لغيره فإنه هو.
[ ١٣ / ٢٥ ]
عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده (١) ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده
(٤٥٥) عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ حين أقبل من حجته (٢) قافلا فى تلك البطحاء قال ثم دخل رسول الله ﷺ المدينة فأناخ على باب مسجده ثم دخله فركع فيه ركعتين ثم انصرف الى بيته قال نافع فكان غبد الله بن عمر كذلك يصنع
(٤٥٦) عن حبيب بن ابى ثابت قال خرجت مع ابى ناتقى الحجاج قبل أن يتدنسوا (٣)
(٤٥٧) عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) * المنعم علينا أي فى اظهار الدين (ونصر عبده) محمدا ﷺ على أعدائه (وهزم الاحزاب وحده) اىمن غير قتال من الآدميين والمراد بالأحزاب الذين اجتمعوا يوم الخندق وتحزبوا على رسول الله ﷺ فأرسل الله عليهم ريحا وجنودا كما قال فى كتابه العزيز وهذا هو المشهور أن المراد بالأحزاب أحزاب يوم الخندق (قال القاضى عياض) ويحتمل أن المراد أحزاب الكفر فى جميع الأيام والمواطن والله أعلم (تخريجه) (ق. د. نس. مذ)
(٢) عن نافع عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا يعقوب ثنا ابى عن ابن اسحاق حدثنى نافع عن ابن عمر -الحدبث (غريبه) (٢) يعنى حجة الوداع (وقوله قافلا) اى راجعا من مكة الى المدينة (تخريجه) أخرجه ابو داودفى كتاب الجهادو سنده جيد
(٣) عن حبيب بن ابى ثابت (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا وكيغ عن اسماعيل بن عبد الملك عن حبيب بن ابى ثابت -الحديث (غريبه) المعنى انهم كانوا يتلقون الحجاج قبل دخول بيوتهم للسلام عليهم وطلب الدعاء منهم كما يستفاد من الحديث الثلنى لأن اللهعز وجل طهرهم من ذنوبهم وغفر لهم فيكون دعاؤهم مقبولا لأنهم قد يلمون بالذنب بعد دخولهم بيوتهم وهذا معنى قوله قبل أن يتدنسوا اى قبل ان يصيبهم وسخ الذنوب (تخريجه) لم أقف على هذا الأثر لغير الامام احمد وسنده لا بأس به
(٤) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا
[ ١٣ / ٢٦ ]
وعلى آله وصحبه وسلم اذا لقيت الحاج فسلم عليه وصافحه ومره ان يستغفر لك (١) قبل ان يدخل بيته فانه مغفور له (٢)
_________________
(١) * محمد بن الحارث الحارثى ثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيليمانى عن ابيه عن عبد الله بن عمر -الحدبث (غريبه) (١) اى يطلب لك من الله المغفرة (٢) اى اذا كان حجه مبرورا خالصالوجه الله تعالى وتقدم فى الكلام على الحكمة فى ملاقاة الحاج قبل دخوله بيته وهى خشية تدنسه يشئ من الذنوب وهذا لا ينافى طلب الدعاء منه بعد دخوله بيته ان لم يتمكن من ملاقاته قبل دخوله والله أعلم (تخريجه) (هق) واورده النووى فى الاذكار وقال قال الحاكم هو صحيح على شرط مسلم (زوائد الباب) (عن عائشة) ﵂ قالت أقبلنا من مكة فى حج او عمرة واسيد بن خضير يسير بين يدى رسول الله ﷺ فلقينا غلمان من الانصار كانو يلتقون اهليهم اذا قدموا (هق. ك) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (قلت) واقره الذهبى (وعن ابى اسحق) قال سمعت البراء بن عازب يقول كلنت الانصار اذا حجوا فجاءو لا يدخلون من ابواب بيوتهم ولكن من ظهورها فجاء رجل من الانصار فدخل من قبل بابه فكأنه عير بذلك فنزلت هذة الآية "وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى. وأتوا البيوت من أبوابها " (ق. هق) (وعن جابر بن عبد الله) ﵄ أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة نحر جزورا أو بقرة (خ. هق) (الاحكام) أحاديث الباب تدل على أن المسافر يستحب له اذا أراد الرجوع الى بلده ان يقول الذكر المذكورفى اول احاديث الباب فاذا وصل الى بلده يستحب له ان يصلى ركعتين فى المسجد قبل دخول بيته كما كان يفعل النبى ﷺ واكن ابن عمر ﵄ يفعل ذلك اقتداءبرسول الله ﷺ وفيها انه يستحب ملاقاة الحجاج قبل دخول بيوتهم والسلام عليهم ومصافحتهم باليدو طلب الدعاء منهم (وفيها ايضا) استحباب اتيان البيوت من ابوابها لا من ظهورها وفيها انه للحاج بعد قدومه ان ينحر بدنة او بقرة او ما يقدر عليه ويطعم اصحابه وجيرانه ومن يعرفه من الفقراء والله الموفق (تنبيه) الى هنا انتهى كتاب الحج وكنا قد وعدنا فى آخر ابواب المساجد اننا سنذكر فضل المساجد الثلاثة ومسجد قباء فى آخر كتاب الحج لمناسبته ذلك ولكننا رأينا الآن ان نجعلها فى كتاب الفضائل لأنه كتاب جامع شامل فيه ابواب تختص بفضائل مكة والمدينة والشام وغيرها من البلدان وكل بقعة منها رود لها فضل وعلى هذا فيسأتى ذكر كل مسجد من هذة المساجد وفضائله فى فضائل بلدهان شاء الله تعالى والله الهادي إلى سواء السبيل
[ ١٣ / ٢٧ ]
(١١) كتاب الهدايا والضحايا
(١) باب ما جاء فى اشعار البدن وتقليد الهدى كله
عن ابن عباس ﵄ ان النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلى الظهر (١) بذى الحليفة ثم دعى ببدنته أو أتى ببدنته (٢) فأشعر صفحة سنامها الايمن (٣) ثم سلت الدم عنها وقلدها بنعلين (٤) ثم أتى راحلته فلما قعد عليها واستوت به على البيداء أهل بالحج
(٢) وعنه ايضا أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أهدى
_________________
(١) * (١) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا عفان ثنا شعبة قال قتادة أخبرنى قال سمعت أبا حسان يحدث عن ابن عباس أن النبى ﷺالحديث (غريبه) (١) اى ركعتين لكونه مسافرا وذلك فى حجة الوداع (٢) البدنة واحدة الابل سميت به لعظمها وسمنها وتقع على الجمل والناقة وقد تطلق على البقرة والمراد هنا واحدة الابل (٣) اشعار البدن هو ان يشق احد جنبى سنام البدنه حتى يسيل دمها ويجعل ذلك لها علامة تعرف بها انها هدى (نه) قال الحافظ وفائدة الاشعار الاعلام بانها صارت هديا ليتبعها من يحتاج الى ذلك وحتى لو اختاطت بغيرها تميزت او ضلت عرفت او عطبت عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها مع ما فى ذلك من تعظيم شعائر الشرع وحث الغير عليه وصفحة السنام جانبه ويستحب ان يكون الاشعار فى الجانب الايمن من السنام كما فى الحديث (وقوله ثم سلت الدم عنها) اى مسحه واماطه عنها بيدهكما فى رواية ابى داود (٤) اى علقهما وجعلهما فى رقبة الهدى (قال العينى) التقليد هو تعليق نعل او جلد ليكون علامة الهدى أ. هـ (قال الحافظ) قيل الحكمة فى تقليد النعل ان فيه اشارة الى السفر والجد فيه فعلى هذا يتعين والله اعلم (وقال ابن المنير) فى الحاشية الحكمة فيه ان العرب تعتد النعل مركوبة لكونها تقى عن صاحبها وتحمل عنه وعر الطريق وقد كنى بعض الشعراء عنها بالناقة فكأن الذى أهدى خرج عن مركوبه لله تعالى حيوانا او غبره كما خرج حين أحرم عن ملبوسه ومن ثم استحب تقليد نعلين لا واحدة وهذا هو الاصل فى نذر المشى حافيا الى مكة (تخريجه) (م. د. نس)
(٢) وعنه ايضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا وكيع ثنا سفيان.
[ ١٣ / ٢٨ ]
* في بدنه جملا كان لابى جهل برته (١) فضة
(٣) عن عائشة ﵂ قالت أهدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مرة غنما الى البيت فقلدها (٢)
(٤) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال أهدى رسول الله صلى
_________________
(١) * عن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس -الحديث (غريبه) (١) البرة بضم الباء الموحدة وفتح الراء مخففة واصلها بروة كغرفة وهى تجعل فى أنف البغير يشد بها الزمام وقد تكون من شعر وانما جعلها ابو جهل من فضة اظهارا للفخر والعظمة وقد هذا الجمل للنبى ﷺ فى غنائم بدر فجعله فى هديه عام الحديبية ليغيظ به المشركين كما سيأتى (تخريجه) (د. جه. هق) وسنده عند الامام احمد وابن ماجه رحمهما الله جيد ورواه ابو داود هكذا حدثنا النفيلى نا محمد بن سلمة ثنا محمد بن اسحاق ح وثنا محمد بن المنهال نا يزيد بن زريع عن ابن اسحاق المعنى اقل قال عبد الله يعنى ابن ابى نجيح حدثنى مجاهد عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ أهدى يوم الحديبية فى هدايا رسول الله ﷺ جملا كان لأبى جهل فى رأسه برة فضة قال ابن منهال برة من ذهب زاد النفيلى يغيظ بذلك المشركين هذا سند ابى داود ولفظه عنده (اقل البيهقى) من طريق جرير بن حازم عن ابن ابى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أن النبى ﷺ أهدى فى هديه بعيرا كان لأبى جهل فى أنفه برة من فضة وقال هذا اسناد صحيح الا انهم يرون ان جرير بن حازم أخذه من محمد بن اسحاق ثم دلسه فان بين فيه سماع جرير من ابى نجيح صار الحديث صحيحا والله أعلم
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا ابو معاوية ثنا الاعمش عن ابراهيم عن الاسود عن عائشة -الحديث (غريبه) (٢) معناه أنه ﷺ كان يبعث بهديه قبل حجة الوداع مع من يحج وهو ﷺ مقيم بالمدينة لا يحج وأنه بعث مرة غنما (وفى قولها مرة) اشعار بأنه ﷺ كان يهدى بالبدن لكونها أفضل وأهدى مرة بالغنم لبيان الجواز وقد ثبت هديه بالبدن فى حديث آخر سيأتى فى الباب التالى (تخريجه) (ق والاربعة وغيرهم)
(٣) عن جابر بن عبد الله ﵄ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سليمان
[ ١٣ / ٢٩ ]
* الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى البيت غنما
_________________
(١) * ابن داود الهاشمي أنا عبثر بن القاسم ابو زبيد عن الاعمش عن ابى سفيان عن جابر -الحديث (تخريجه) اورده الهيثمى وقال رواه احمد والبزار ورجاله ثقات (زوائد الباب) (عن نافع ان ابن عمر) كان اذا اهدى هديا من المدينة قلده واشعره بذى الحليفة يقلده قبل اتدن يشعرهو ذلك فى مكان واحد وهو موجه للقبلة يقلده بنعلين ويشعره من الشق الايسر ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة ثم يدفع به معهم اذا دفعوا فاذا قدم منى غداة النحر نحره قبل ان يحلق او يقصر وكان هو ينحر هديه بيده يصفهن قياما ويوجههن الى القبلة ثم يأكل ويطعم رواه الامام مالك فى المؤطأ عن نافع (قال النووى) وهو صحيح بالاجماع (وفى المؤطأ ايضا) عن نافع ان عبد الله بن عمر ﵄ كان اذا طعن فى سنام هديه وهو يشعره قال بسم الله والله أكبر (وفيه ايضا) عن نافع ان عبد الله بن عمر كان يقول الهدى ما قلد واشعر ووقف به بعرفة (قال النووى) وراوه البيهقى ايضا وغيره وسنده صحيح قال وروى (البيهقى) باسناده الصحيح عن عائشة لا هدى الا ما قلد واشعر ووقف به فى عرفة (وباسناده الصحيح عنها) قالت انما تشعر البدنة ليعلم انها بدنة (وروى الامام الشافعى) أنا مسلم عن ابن جريج عن نافع عن ابن أنه كان لا يبالى فى اى الشقين أشعر فى الايسر او فى الايمن (قال الشافعى) فى غبر هذة الروايه الاشعار فى الصفحة اليمنى وكذلك أشعر رسول الله ﷺ وذكر حديث ابن عباس أعنى المذكور اول الباب (هق) وروى البيقهى ايضا بسنده عن ابراهيم قال ارسل الاسود له الى عائشة ﵂ فسألها عن بدن بعث بها أيقف بها الى عرفات؟ فقالت ما شئتم لن شئتم فافعلوا وان شئتم فلا تفعلوا (الاحكام) احاديث الباب تدل غلى مشروعية اشعار الهدى وتقليده (قال النووى) فى شرح المهذب مذهبنا استحباب الاشعار والتقليد فى الابل والبقر وبه قال جماهير العلماء من السلف والخلف (وهو مذهب مالك واحمد وابى يوسف ومحمد وداود) قال الخطابى قال جميع الاشعار سنة ولم ينكره احد غير ابى حنيفة وقال ابو حنيفة الاشعار بدعة ونقل العبدرى عنه قوله أنه حرام لأنه تعذيب للحيوان ومثلة وقدنهى الشرع عنهما أه واجاب الخطابى انه ليس من المثلة بل هو باب آخر كالكى وشق أذن الحيوان فيصير علامة وغير ذلك من الوسم وكالختان والحجامة أه على انه لو كان من المثلة لكان فيه من أحاديث الباب مخصصا له من عموم النهى عنها وقد روى الترمذى عن النخعى انه قال بكراهة الاشعار وبهذا يتعفب على الخطابي.
[ ١٣ / ٣٠ ]
(١) باب أن من بعث بهدى لم يحرم عليه شئ مما يحرم على الحاج
(٥) عن مسروق قال سألت عائئشة ﵂ عن الرجل يبعث بهديه هل يمسك عما يمسك عنه المحرم؟ قال فسمعت صوت (وفى رواية تصفيق) يدها من وراء الحجاب ثم قالت قد كنت افتل قلائد هدى رسول الله ﷺ ثم يرسل بهن ولا يحرم منه شئ (زاد فى رواية) فما يحرم عليه شئ مما يحرم على الرجل من اهله حتى يرجع الناس
(عن الاسود) عن عائشة ﵂ قالت كنت افتل قلائد هدي
_________________
(١) * وابن حزم فى جزمهما بأنه لم يقل احد بالكراهة غير ابى حنيفة (وفى احاديث الباب ايضا) دلالة على لن الاشغار يكون فى الصفحة اليمنى ولاى هذا ذهب الائمة (الشافعى وابو ثور واحمد فى رواية) وذهب الائمة (مالك ويوسف واحمد) فى رواية انها تشعر فى صفحتها اليسرى واحتجوا بان ابن عمر فعله كما رواه مالك فى الموطأ وتقدم فى الزوائد واحتج الاولون بحديث ابن عباس المذكور اول احاديث الباب واجابوا بان فعل النبى ﷺ اولى من قول ابن عمر وفعله بلا خلاف ولأن النبى ﷺ كان يعجبه التيمن فى شأنه كله (وفى حديثى جابر وعائشة المذكورين فى الباب) دلالة على جواز ان الهدى من الغنم وانها تقلد ولاى ذلك ذهب جمهور العلماء وخالف فى ذلك الحنفية فقالوا ان الهدى لا يجزئ من الغنم وقالت المالكية ان الغنم لا تقلد والحديثان مع ما فى الباب التالى من الاحاديث ترد عليهما (تنبيه) اتفق من قال بالاشعار بالحاق البقر فى ذلك بالابل الا سعيد ابن جبير واتفقوا على ان الغنم لا تشعر لضعفها ولكون صوفها يستر موضع الاشعار واما ما نقل عن الامام مالك فلكونها ليست من ذوات الاسنمة لأنه لا يشعر عنده الا ذوات الاسنمة من البقر والابل والله أعلم
(٢) عن مسروق (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن اسماعيل قال سمعت الشعبى يحدث عن مسروق قال سألت عائشة -الحديث غربيه (١) اى ولم يرد الحج (٢) يعنى يجتنب لبس المخيط واتيان النساء والطيب ونحو ذلك (٣) اى مما يحرم على المحرم (٤) يعنى المحرم (تخربجه) (م. وغيره)
(٣) عن الاسود عن عائشة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو داود
[ ١٣ / ٣١ ]
رسول الله ﷺ وما يدع حاجة له الى امرأة (١) حتى يرجع الحاج
(٧) عن عائشة ﵂ قالت كنت افتل قلائد هدى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بيدى ثم لا يعتزل شيئا (٢) ولا يتركه وانا لا نعلم الحرام (٣) يحله الا الطواف بالبيت
(٨) غن مسروق عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يبعث بالبدن من المدينة الى مكة وافتل قلائد البدن بيدى ثم يأتى ما يأتى الحلال قبل ان تبلغ البدن مكة
(٩) عن الاسود عن عائشة ﵂ قالت كأنى انظر إلى أفتل (٤)
_________________
(١) * سليمان بن داود قال ثنا زهير قال ثنا باو اسحاق عن الاسود عن عائشة -الحديث (غريبه) (١) اى من نسائه (وفى لفظ) وما يدع حاجة ان كانت له الى امرأة الخ (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا محمد بن مصعب قال ثنا الاوزاعى عن عبد الرحمن بن القاسم غن ابيه عن عائشة -الحديث (غريبه) (٢) اى مما حرم على المحرم (٣) المراد بالحرام هنا المحرم والمعنى انا لا نعلم المحرم (بضم الميم وكسر الراء) يحله شئ من احرامه حلالا خارجا عن الاحرام بالكلية حتى فى حق النساء (الا الطواف بالبيت) يعنى الطواف المفروض الذى هو ركن سواء أكان محرما بحج ام عمرة والنبى ﷺ لم يحصل منه شئ من ذلك ولم الى البيت فكيف يكون حكمه كحكم المحرم؟ (تخريجه) (ق) بدون قولها انا لا نعلم الخ واخرجه النسائى والبيهقى بهذة الزيادة
(٣) عن مسروق عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا ابن ابى عدى عن عامر عن مسروق الحديث (تخريجه) (ق والاربعة وغيرهم)
(٤) عن الاسود عن عائشة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا يونس قال ثنا حماد يعنى ابن زيد قال ثنا منصور عن ابراهيم عن الاسود الحديث (غريبه) (٤) هذة مبالغة فى انها فعلت ذلد حقبقة من غير شك كأنها فعلته الساعة
[ ١٣ / ٣٢ ]
قلائد هدي رسول الله ﷺ من الغنم ثم لا يمسك عن شئ (١)
(١٠) عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ ان النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يبعث بالهدى ثم لا يصنع ما يصنع المحرم (٢)
(فصل فيمن روى من يعارض ذلك)
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كنت عند رسول الله ﷺ جالسا فقد (٣) قميصه من جيبه حتى اخرجه من رجليه فنظر القوم لاى رسول الله ﷺ فقال انى امرت ببدنى التى بعثت بها ان تقلد اليوم وتشعر اليوم على ماء كذا وكذا فلبست قميصى ونسيت فلم أكن أخرج فميصى من رأسى (٤) وكان قد بعث ببدنه من المدينة وأقام بالمدينة
_________________
(١) * (١) أي مما حرم على المحرم فعله بل كان يفعله (تخريجه) (ق والابعة وغيرهم)
(٢) عن القاسم بن محمد (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا قال ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوى قال ثنا ايوب عن القاسم بن محمد -الحديث (غريبه) (١) المراد انه لا يجتنب ما يجتنه المحرم من لبس المخيط والطيب وملامسة النساء ونحو ذلك فقد كان يفعل ذلك كله (تخريجه) (ق والاربعة وغيرهم)
(٣) عن جابر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى حدثنا على بن بحر ثنا حاتم بن اسماعيل قراءة علينا من كتابه عن عبد الرحمن عن عبد الملك بن جابر بن عبد الله -الحديث (غريبه) (٣) القد القطع طولا كالشق (وقوله فنظر القوم الخ) اى نظر تعجب واستغراب لعدم معرفتهم السبب فأدرك النبى ﷺ منهم فأخبرهم بسببه (٤) يستفاد منه ان من بعث بهديه وهو مقيم صار حكمه كحكم المحرم يحرم عليه ما يحرم على المحرم من لبس المخيط ونحوه والجمهور على خلاف هذا الحديث وسيأتى الكلام عليه فى الاحكام (تخريجه) (طح) واورده الهيثمى وقال رواه احمد والبزار باختصار ورجال احمد ثقات اهـ وللامام احمد حيث آخر من طريق عطاء بن يسار عن نفر من بنى سلمة قالوا كان النبى ﷺ جالسا فشق ثوبه فقال انى واعدت هديا يشعر اليوم قال الهيثمي ورجاله
[ ١٣ / ٣٣ ]
رجال الصحيح (زوائد الباب) (عن جابر بن عبد الله) ﵄ انهم كانوا اذا كانوا حاضرين مع النبى ﷺ بالمدينة بعث بالهدى اى بعث احدهم بالهدى فمن شاء احرم ومن شاء نرك (نس) (وعن عمرة بنت عبد الرحمن) ان ابن زياد كتب الى عائشة ان عبد الله بن عباس قال من اهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدى وقد بعثت بهدى فاكتبى الى بأمرك قالت عمرة قالت عائشة ليس كما ابن عباس انا فتلت قلائد رسول الله ﷺ بيدى ثم قلدها رسول الله ﷺ بيده ثم بعث بها مع ابى فلم يحرم على رسول الله ﷺ شئ أحله الله له حتى نحر الهدى (ق نس هق) (الاحكام () فى روايات عائشة المذكورة اول الباب دلالة على استحباب ارسال الهدى لمن لم يرد الحج ويستحب ان يقلده ويشعره من بلده بخلاف من يخرج بهديه يريد الحج او العمرة فانه يشعره ويقلده حين يحرم من الميقات (وفيها) ان من قلد هديه واشعره وبعث به وهو مقيم لا يصير محرما بذلك وانما يصير محرما بنية الاحرام والتوجه لأداء النسك (والى ذلك ذهب جمهور العلماء وفقهاء الامصار) وهو قول ابن مسعود وعائشة وانس وابن الزبير وآخرين وحجتهم ما روى عن عائشة فى هذا الباب (وقال عمر وعلى) وفيس بن سعد وابن عمر وابن عباس ﵃ والنخعى وعطاء وابن سيرين وآخرون من ارسل الهدى واقام حرم عليه ما يحرم على المحرم حكاه ابن المنذر (قلت) وحجتهم حديث جابر المذكور آخر أحاديث الباب وما فى الزوائد عن عطاء وجابر وهو يعارض ما روى عن عائشة ويمكن الجمع بين ما روى عن عائشة وحديث جابر بأن الاحرام بسبب ارسال الهدى جائز من شاء فعله ومنشاء تركه كما يدل ذلك رواية النسائى عن جابر المذكورة فى الزوائد وان النبى ﷺ فعل ذلك مرة لبيان الجواز ثم تركه والترك افضل لانه كان اكثر احواله ﷺ ولان روايات عائشة متفق على صحتها وقد ثبت وقد ثبت فيها ان النبى ﷺ ارسل الهدى مع ابيها ولم يحرم عليه شئ احله الله له رواه الشيخان وهو مذكور فى الزوائد وكان ذلك سنة تسع من الهجرة وهى آخر سنة ارسل فيها الهدى لانه ﷺ حج فى السنة التى تليها اعنى سنة عشر هذا ما ظهر لى والله أعلم (قال الحافظ) وقد ذهب (سعيد بن المسيب) الى انه لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم الا الجماع ليلة جمع رواه بان ابى شيبة عنه باسناد صحيح عنه أهـ (قلت) وجاء غن الزهرى ما يدل على ان الامر استقر على خلاف ما قال ابن عباس ففى البيهقى من طريق ابى اليمان عن شعيب قال قال الزهرى اول من كشف العمى عن الناي وبين السنة فى ذلك عائشة زوج النبى ﷺ (قال الزهرى) فاخبرنى عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أن
[ ١٣ / ٣٤ ]
(٣) باب عدم جواز ابدال الهدى المعين فان لم يوجد وكان من الابل يبدل بسبع شياه
(١٢) عن سالم عن ابيه (عبد الله بن عمر ﵄) قال أهدى عمر بن الخطاب ﵁ بختية (١) اعطى بها ثلاثمائة دينار فأتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال يا رسول الله اهديت بختية لى اعطيت بها ثلاثمائة دينار فانحرها واشترى بثمنها بدنا؟ قال لا ولكن انحرها اياها
(١٣) عن ابن عباس ﵄ ان النبى ﷺ اتاه رجل فقال إن
_________________
(١) * عائشة ﵂ قالت ان كنت افتل قلائد الهدى هدى رسول الله ﷺ فيبعث هديه وهو مقيم بالمدينة ثم لا يجتنب شيئا حتى ينحر هديه فما بلغ الناس قول عائشة هذا اخذوا بقولها وتركوا فتوى ابن عباس وروى فى هذا المعنى مسروق والاسود عن عائشة أه والله أعلم
(٢) عن سالم عن ابيه (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنامحمد بن سلمة عن ابى عبد الرحيم عن الجهم بن الجارود عن سالم عن ابيه -الحديث (غريبه) (١) بضم الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة ثم ياء مثناة (قال فى القاموس) هى الابل الخراسانية وقال فى النهاية البختية هى الانثى من الجمال البخت والذكر بختى وهى جمال طوال الاعناق أه وفى بعض نسخ ابى داود بختيا بالتذكير وفى بعضها نجيبا بفتح النون وكسر الجيم ثم باء موحدة (قال فى النهاية) النجيب الفاضل من كل حيوان ثم قال وقد تكرر فى الحديث ذكر النجيب من الابل مفردا ومجموعا وهو القوى منها الخفيف السريع أه (٢) جمع بدنه يريد انه يمكنه شراء جماعة من الابل بثمنها فتكون افضل فى نظره من الواحدة لكثرة الانتفاع بها والصحابة ﵃ كانوا يسارعون الى فعل الافضل فقال له النبى ﷺ لا اى لا تبعها ولكن انحرها وقوله اياها للتأكيد لانه هى التى تعينت للهدى فلا يجزئ غيرها وكأنه ﷺ رأى انه اذا أجاز ابدالها بالأفضل ربما جر ذلك الى ابدالها بالأدنى فقصر الحكم على التعيين والله أعلم (تخريجه) (د هق حب خز) والبخارى فى تاريخه وسنده جيد الا ان المنذرى قال قال البخارى لا يعرف لجهم سماع من سالم
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا روح ثنا ابن جريج قال قال عطاء الخراسانى عن ابن عباس ان النبى ﷺالحديث (غريبه)
[ ١٣ / ٣٥ ]
على بدنة (١) وانا موسر بها (٢) ولا أجدهل فأشتريها؟ فأمره النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ان يبتاع (٣) سبع شياه فيذبحهن
_________________
(١) أي واجبة بنذر او جزاء صيد او كفارة وطء (٢) اىنا من جهة المال قادر على ثمنها ان وجدتها ولكنى لم اجدها وقوله فاشتريها بالنصب جواب النفى (٣) اى يشترى سبع شياه فيذبحهن بدلها (تخريجه) (جه) قال البوصيرى فى زوائد ابن ماجة ورجاله رجال الصحيح الا أن عطاء الخراسانى لم يسمع من ابن عباس قاله الامام أحمد لكن قال قال شيخنا ابو زرعة روايته عن ابن عباس فى صحيح البخارى اى فهذا يدل على السماع أه (قلت) ويشهد لصحته ما رواه الشيخان والامام أحمد من حديث جابر وسيأتى فى الباب التالى قال (ساق رسول الله ﷺ عام الحديبية سبعين بدنة قال نحر البدنة عن سبعة) واورده الحافظ فى التلخيص وسكت عنه واورده الهيثمى وقال رواه احمد ورجاله ثقات (الاحكام) حديث ابن عمر يدل على انه لا يجوز بيع الهدى المعين لابداله بمثله أو افضل منه (والى ذلك ذهب جمهور العلماء) (قال الشوكانى وقد جوزت الهادوية ذلك وأجاب صاحب عن حديث الباب بأنه حكاية فعل لا يعلم وجهها فيحتمل أنه ﷺ رأى نجيبته أفضل ولا يخفى أن رد السنن الفعلية بمثل هذا يستلزم رد أكثر أفعاله ﷺ ويستلزم رد ما لا يعلم وجهه من أقواله ﷺ فيفضى ذلك الى رد أكثر السنة وذلك باطل مخالف لأكثر الآيات القرآنية القاضية باتباع الرسول والتأسى به والاخذ بما أتى لأنها لم تفرق بين ما علم وجهه وما جهل فمن ادعى اعتبار العلم فعليه الدليل (ثم قال) ثم ان صح ما ادعاه صاحب ضوء النهار من الاجماع على جواز ابدال الأدون بأفضل كان حجة عند من يرى حجية الاجماع على جواز مجرد الابدال بالأفضل ولكنه ينبغى ان يبحث عن صحة ذلك (فان الشافعى وبعض الحنفية) قد احتجوا بالحديث على المنع من مطلق التصرف ولو كان للابدال بأفضل كما حكاه صاحب البحر أه (وفى حديث ابن عباس) دليل على ان من وجبت عليه بدنة معينة ولم يجدها جاز له شراء سبع شياه يذبحهن بدلها ولم اقف على كلام للفقهاء لهذة المسألة الاعند الحنابلة (قال الخرقى) فى مختصره) (ومن وجبت عليه بدنة فذبح سبعا من الغنم أجزأه) قال بان قدامة فى شرحه المغنى ظاهر هذا أن سبعا من الغنم يجزئ عن البدنة مع القدرة عليها سواء كانت البدنة واجبة بنذر او جزاء صيد او كفارة وطء وقال بان عقيل انما يجزئ ذلك عنها عند عدمها فى ظاهر كلام احمد لأن ذلد بدل عنها فلا يصار اليه مع وجودها كسائر الابدال فأما مع عدمها فيجوز لما روى ابن عباس
[ ١٣ / ٣٦ ]
(٤) باب الاشتراك فى الهدى وان البدنة من الابل والبقرتجزئ عن سبعة
(١٤) عن جابر ﵁ قال حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فنحرنا البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة
وعنه ايضا قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن نشترك فى الابل كل سبعة منا فى بدنة
(١٦) عن ابى سفيان عن جابر ﵁ قال ساق رسول الله ﷺ عام الحديبية سبعين بدنة قال فنحر االبدنة عن سبعة (١) (ومن
_________________
(١) * فذكر حديث الباب وقال رواه ابن ماجة قال ابن قدامة ولنا ان الشاة معدولة بسبع بدنة وهى اطيب لحما فاذا عدل عن الادنى الى الاعلى جاز كما لو ذبح بدنة مكان شاة أه (قلت) والظاهر الموافق لحديث الباب ما استظهره ابن عقيل من كلام الامام احمد تمشيا مع الدليل والله أعلم (واستدل بحديث الباب) من قال عدل البدنة سبع شياه (وهو قول الجمهور) وادعى الطحاوى وابن رشد أنه اجماع وسيأتى الخلاف فى ذلك فى أحكام الباب التالى ان شاء الله نعالى والله الموفق
(٢) عن جابر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا وكيع ثنا عزرة بن ثابت عن ابى الزبير عن جابر -الحديث (تخريجه) (م هق) وعنه ايضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا يحى بن آدم وابو النضر قالا ثنا زهير ثنا ابى الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ قال خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج معنا النساء والولدان فما قدمنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا رسول الله ﷺ من يكن معه هدى فليحلل قلنا اى حل قال الحل كله قال فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب فلما كان يوم التروية اهللنا بالحج وكفانا الطواف الاول بين الصفا والمروة وأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك فى الابل -الحديث وتقدم نحوه فى مواضع متعددة من كتاب الحج (تخربجه) (م هق وغيرهما)
(٣) عن ابى سفيان عن جابر -الحديث (غريبه) (١) ان قيل هذا يقتضى ان الناس كانوا تسعين وأربعمائة وقد ثبت عند الشيخين والإمام أحمد
[ ١٣ / ٣٧ ]
طريق ثان) (١) عن ابى الزبير عن جابلا قال نحرنا بالحدبيية مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة
(١٧) عن عطاء عن جابر ﵁ قال كنا (٢) نتمتع مع النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها
(١٨) عن المغيرة بن حذف عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال شرك او أشرك رسول الله صلى الله عليه وو على آله وصحبه وسلم فى حجته بين المسلمين فى البقرة عن سبعة
_________________
(١) * من حديث جابر ايضا وسياتى فى باب بيعة الرضولن من كتاب الغزوات انهم كانوا الفا وأربعمائة (قلت) ليس المراد استيعاب العدد جميعه بالسبعين بدنة لاحتمال ان بعضهم اهدى بقرا وبعضهم اهدى غنما ويؤيد ذلك ما جاء فى الطريق الثانية انهم نحروا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة فكأنهم نحروا السبعين عن بعضهم ونحروا البقر عن باقيهم عن كل سبعة واحدة والله أعلم (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا يحى ابن عن عبد الملك عن عطاء عن جابر -الحديث (غريبه) (٢) فى قوله كنا نتمتع دليل للفظ الصحيح عند الاصوليين ان لفظ كان لا يقتضى التكرار لأن احرامهم بالتمتع من العمرة الى الحج مع النبى ﷺ انما وجد مرة واحدة وهى حجة الواع قاله النووى (تخريجه) رواه مسلم والنسائى
(٢) عن المغيرة بن حذف (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا يحى بن آدم ثنا ابو اسرائيل ثنا الحكم بن عتيبة عن المغيرة بن حذف العبسى عن على وحذيفة بن اليمان وعائشة ﵃ وعنه الحكم بن عتيبة وزهير بن ابى ثابت وغيرهما قال ابن معين مشهور (قال الحافظ) وذكره ابن خلفون فى الثقات أه (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام أحمد واورده الهيثمى وقال رواه أحمد ورجاله ثقات
[ ١٣ / ٣٨ ]
(١٩) عن مجالد بن سعيد حدثنى الشعبى قال سألت ابن عمر قلت الجزور والبقرة (١) تجزئ عن سبعة؟ قال يا شعبى ولها سبعة أنفس؟ (٢) قال قلت ان أصحاب محمد (٣) ﷺ يزعمون ان رسول الله ﷺ سن الجزور والبقرة عن سبعة قال فقال ابن عمر لرجل أكذاك يا فلان (٤) قال نعم قال ما شعرت بهذا
(٢٠) عن سلمة بن كهيل عن حجية قال سأل رجل عليا ﵁ عن البقرة فقال عن سبعةفقال مكسورة القرن (٥) فقال لا يضرك قال العرجاء؟ قال فاذا بلغت المنسك (٦) فاذبح أمرنا رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) عن مجالد بن سعيد (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا يونس بن محمد ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا مجالد بن سعيد -الحديث (غربيه) الجزور من الابل خاصة يقع على الذكر والانثى والجمع جزر مثل رسل ويجمع ايضا على جزرات ثم جزائر ولفظ الجزور انثى يقال رعت الجزور قال ابن الانبارى وزاد الصفانى وقيل الجزور الناقة التى تنحر وجزرت الجزور وغيرها من باب قتل نحرتها والفاعل جزار والحرفة الجزارة بالكسر والمجزر موضع الجزر مثل جعفر ور بما دخلته فقيل مجزرة كذلك فى المصباح (٢) يعنى سبعة أرواح يريد ابن عمر انها نفس واحدة تجزئ عن شخص واحد فيما يعلم (٣) الظاهر والله أعلم انه يريد جابر بن عبد الله ﵄ لانه ثبت فى بعض الروايات عند الامام من طريق الشعبى حدثنى جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ سن الجزور والبقرة عن سبعة (٤) لم يسم الرجل الذى سأله ابن عمر وانما سأله ليستظر به على قول الشعبى فلما قال نعم لم يعارض ابن عمر وقال ما شعرت بهذا يعنى ما علمت وعدم علمه لا ينافى علم غيره فقد علمه الصحابة جابر وحذيفة وعلى وعائشة ﵃ أجمعين (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام أحمد وأورده الهيثمى وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح
(٢) عن سلمة بن كهيل (سنده» حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا وكيع ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل -الحديث (غريبه) (٥) اى ما حكمها فقال لا يضرك يعنى لا يعبها ذلك وبه قال الامامان أبو حنيفة والشافعى والجمهور (٦) المنسك بفتح
[ ١٣ / ٣٩ ]
وعلى آله وصحبه وسلم أن نستشرف (١) العين والأذن
(٢١) عن عائشة ﵂ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نحر عن أزواجه بقرة (٢) فى حجة الوداع
(٢٢) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال نحر النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن عائشة ﵂ بقرة فى حجته
_________________
(١) * الميم مع فتح السين وكسرها موضع الذبح يريد والله أعلم اذا كان عرجها خفبفا غير بين بحيث يمكنها المشى الى موضع الذبح فلا يعد عيبا بخلاف البين عرجها فانهم أجمعوا على عدم اجزائها وسيأتى الكلام على ذلك فى باب ما لا يضحى به لعيبه من أبواب الأضحية لأن كل ما كان ما عيبا فى الأضحية فهو عيب فى الهدى وكل ما يجزئ فى الأضحية يجزئ فى الهدى (١) اى نشرف عليهما ونتأملهما كى لا يقع فيهما نقص أو عيب (تخريجه) أخرجه الترمذى بلفظ حديث الباب الا انه زاد بعد قوله عن سبعة (قلت فان ولدت قال فاذبح ولدها معها) وقال الترمذى حديث حسن صحيح أه وأخرجه ايضا الحاكم وصححه وأقره الذهبى
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا عثمان ثنا يونس عن الزهرى وجدت فى موضع عن عروة وموضع آخر عن عمرة كلاهما قاله عثمان عن عائشة -الحديث (غريبه) (٢) لفظ ابى داود وابن ماجة بقرة واحدة وهو يفيد أنه ﷺ أشركهن جميعا فى البقرة وهن تسع والبقرة لا تجزئ الا عن سبع باتفاق العلماء وهذا مشكل وقد جاء حل هذا الاشكال فى روايه لأبى داود وابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم عن الوزاعى عن يحي ابن ابى كثير عن ابى سلمة عن ابى هريرة أن رسول الله ﷺ ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن فيحمل حديث الباب عمن اعتمرن من نسائه وكن سبعا ويؤيد ذلك انه ﷺ ذبح بقرة عن عائشة كما سيأتى لأنها لم تكن ممن اعتمرن والله أعلم (تخريجه) (م د. نس. جه . هق)
(٣) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا محمد بن بكر وروح قالا أنا ابن جريج أخبرنى أبو الزبير انه سمع جابرا يقول نحر النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -الحديث (تخريجه) (م)
[ ١٣ / ٤٠ ]
(٢٣) عن عكرمة مولى ابن عباس زعم ان ابن عباس ﵄ أخبره أن النبى ﷺ قسم غنما يوم النحر فى أصحابه وقال اذبحوها لعمرتكم فانها تجزئ عنكم فأصاب سعد بن ابى وقاص ﵁ تيس (١)
_________________
(١) * (٢٣) عن عكرمة مولى ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج قال أخبرنى عكرمة مولى ابن عباس -الحديث (غريبه) (١) التيس الذكر من المعز اذا اتى عليه الحول وقبل الحول جدى والجمع تيوس مثل فلس وفلوس وفيه ان لفظ الغنم يشمل المعز ايضا لأنه اسم جنس يطلق على على الضأن والمعز وقد تجمع على أغنام وفيه أن التيس من المعز يجزئ ويصح الاهداء به والواحد من الغنم سواء أكان ضأنا أم معزا لا يجزئ الا عن شخص واحد فى الهدى (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام أحمد وأورده الهيثمى وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (زوائد الباب) (عن عبد الله بن مسعود) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ الجزور والبقرة عن سبعة (طص طس) وفيه حفص بن جميع وهو ضعيف وعن أنس بن مالك ﵁ قال رأيت رسول الله ﷺ عام الحديبية شرك بين سبعة من أصحابه فى البدنة (طس) وفيه معاويه بن يحى الصدفى وهو ضعيف (وعن أبى الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ قال اشتركنا مع النبى ﷺ فى الحج والعمرة كل سبعة فى بدنة قفال رجل أيشترك فى البدنة ما يشترك فى الجزور؟ قال ما هى الامن البدن (وعنه ايضا) انه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبى ﷺ قال فأمرنا اذا احللنا ان نهدى ويجتمع النفر منا فى الهدية وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم فى هذا الحديث رواهما مسلم فى صحيحه (الاحكام) أحاديث الباب تدل على جواز الاشتراك فى الهدى اذا كان من الابل او البقر وللعلماء خلاف فى ذلك (فذهب الامامان الشافعى واحمد) والجمهور الى جواز الاشتراك فى الهدى سواء أكان تطوعا وسواء أكانوا متقربين او بعضهم يريد القربة وبعضهم يريد اللحم واستدلو اباحاديث الباب (وقال داود وبعض المالكية) يجوز الاشتراك فى هدى التطوع دون الواجب وهو مردود بحديث عطاء عن جابر المذكور فى الباب لأنه صريح فى جواز الاشتراك فى دم التمتع وهو واجبلقوله تعالى " فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدى " (وذهب الإمام مالك) إلى عدم جواز الاشتراك في الهدي مطلقًا وأحاديث الباب تخالفه
[ ١٣ / ٤١ ]
(٥) باب ما جاء في ركوب البدن المهداة
(٢٤) عن محمد بن عبيد الله عن أبيه عن عمه قال قال على ﵁ وسئل يركب الرجل هديه؟ فقال لا بأس كان النبى ﷺ يمر بالرجال يمشون فيأمرهم يركبون هديه (١) وهدى النبى ﷺ قال ولا تتبعون شيئا
_________________
(١) - وروي عن ابن عمر نحو ذلك ولكنه روى عنه الامام احمد ما يدل على الرجوع ولعل الامام مالك ﵀ لم يبلغه ذلك (وذهب الامام ابوحنيفة) الى جوازه ان كانوا متقربين سواء أكان هدى تطوع او واجب وليس فيهم من يريد اللحم وأجاب الاولون عن ذلك بأن الجزء المجزى لا ينتقص بارادة الشريك غير القربة فجاز كما لو اختلفت جهات القرب فأراد بعضهم المتعة والآخرون القران بل يجوز أن يقتسموا اللحم لأن القسمة افراز حق وليست بيعا (واجمعوا) على ان الشاة لا يجوز الاشتراك فيها وفى هذة الاحاديث ان البدنة تجزئ عن سبعة والبقرة عن سبعة وتقوم كل واحدة مقام سبع شياة حتى لو كان على المحرم سبعة دماء لغير جزاء الصيد وذبح عنها بدنة او بقرة أجزأه عن الجميع ولكن حكى الترمذى عن اسحاق بن راهويه أن البدنة من الابل تجزئ عن عشرة وهى احدى الروايتين عن سعيد بن المسيب واليه ذهب ابن خزيمة واحتجوا بحديث ابن عباس ﵄ "قال كنا مع النبى ﷺ فى سفر فحضر النحر فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة "وحجة فيه لأنه فى الاضحية وسسأتى ذها الحديث والكلام والخلاف فبه فى باب التضحية فى البعير عن عشرة وبالبقرة عن سبعة الخ لانه محله وفى أحاديث الباب ايضا دلالة على ان الواحد من الغنم سواء أكان من الضأن ام المعز يصح الاهداء به ولكنه لا يجزئ الا عن شخص واحد وسيأتى ذكر السن الذى يجزئ فى الهدى وذكر عيوبه فى أبواب الاضحية لأن ما جاز فى الاضحية جاز فى الهدى وما لا فلا والله ﷾ أعلم - (٢٤) عن محمد بن عبيد الله (سنده» حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا أسود بن عامر أنبأنا اسرائيل عن محمد بن عبيد الله -الحديث (غريبه) (١) معناه أن النبى ﷺ كان يأمرهم بركوب هدي على وهدي النبي ﷺ (وقوله قال ولا تتبعون شيئًا إلخ) القائل هو علي ﵁، ومعناه أنه يحثهم على اتباع سنة النبي ﷺ قولًا
[ ١٣ / ٤٢ ]
أفضل من سنة نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
(٢٥) عن ابى هريرة ﵁ ان رسول الله ﷺ رأى رجلا (١) يسوق بدنة قال اركبها ويحك (٢) قال انها بدنه قال اركبها ويحك قال انها بدنة قال اركبها ويحك (٣) (وعنه من طريق ثان (٤) بنحوه) وزاد قال ابوهريرة فلقد رأيته يساير (٥) النبى ﷺ وفى عنقها نعل
(٢٦) وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبى ﷺ بنحوه بدون الزيادة
_________________
(١) وفعلا فانها أفضل ما يتبع (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد واورده الهيثمى وفيه محمد بن عبيد الله بن ابى رابع وثقه ابن حبان وضعفه جماعة
(٢) عن ابى هريرة (سنده» حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا ربعى ثنا عبد الرحمن ثنا ابو الزناد عن الاعرج عن ابى هريرة -الحديث (غريبه) (١) الحافظ لم أقف على اسمه بعد طول البحث (وقوله يسوق بدنه) زاد مسلم مقلدة (٢) ويح كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع فى هلكة لا يستحقها فكأن النبى ﷺ لما رأى ما حل بالرجل من شدة التعب والجهد وخشى عليه الهلاك من المشى قال له ذلك (وقول الرجل انها بدنه) اراد انها بدنه مهداة الى البيت الحرام ولو مراده الاخبار عن كونها بدنة لم يكن الجواب مفيدا لأن كونها من الابل معلوم فالظاهر ان الرجل ظن انه خفى على النبى ﷺ كونها هديا ولم يفهم ان النبى ﷺ يعلم ذلك مع انها كانت مقلدة كما فى رواية مسلم واصرح منه فى الرواية الثانية عند الامام احمد والبخارى وهو فوله وفى عنقها نعل (٣) زاد ابو يعلى من رواية الحسن فركبها (٤) (سنده» حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن يحى بن ابى كثير عن عكرمة عن ابى هريرة قال مر النبى ﷺ برجل يسوق بدنة قال النبى ﷺ اركبها قال انها بدنة قال اركبها قال ابو هريرة فاقد رأيته الخ (٥) أى يسير معه راكبا (تخريجه) (ق لك د نس ص هق)
(٣) وعن انس بن مالك ﵁ (سنده» حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا هشيم قال وانا حميد عن ثابت عن أنس وأظننى قد سمعت من أنس أن رسول الله ﷺ مر برجل يسوق بدنة فقال اركبها قال انها بدنة فقلا اركبها قال انها بدنة قال اركبها مرتين أو ثلاثا (تخريجه) أخرجه البخارى ومسلم والنسائي والبيهقي
[ ١٣ / ٤٣ ]
(٢٧) عن جابر بن عبد الله ﵄ وقد سئل عن ركوب الهدى قفال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول اركبها باللمعروف (١) اذا ألجئت اليها حتى تجد ظهرًا
_________________
(١) عن جابر بن عبد الله (سنده» حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا يحى بن سعيد عن ابن جريج أخبرنى الزبير سمع جابر بن عبد الله يسئل عن ركوب الهدى -الحديث (غريبه) (١) أى بوجه لا يلحقها ضرر اذا اضطررت الى ركوبها (حتى تجد ظهرا) اى مركوبا آخر (تخريجه) (م د نس هق) (الاحكام) احلديث الباب تدل على جواز ركوب الهدى مطلقا من غير فرق ين ما منه واجبا أو تطوعا لتركه النبى ﷺ للاستفصال (وبه قال عروة بن الزبير) ونسبه ابن المنذر الى الامامين (أحمد واسحق) وبه قال أهل الظاهر وجزم به النووى وجماعة من أصحاب الامام الشافعى كالقفال والمارودى وحكى اين عبد البر عن الائمة (الشافعى ومالك وابى حنيفة) وأكثر الفقهاء كراهة ركوبه لغير حاجة وحكاه الترمذى ابضا عن الائمة (أحمد واسحق والشافعى) وقيد الجواز بعض الحنفية للاضطرار ونقله ابن ابى شيبة عن الشعبى وحكى ابن المنذر (عن الامام الشافعى) أنه يركب اذا اضطر ركوبا غير فادح وحكى ابن العربى (عن الامام مالك) أنه يركب للضرورة فاذا استراح نزل يعنى اذا انتهت ضرورته والدليل على اعتبار الضرورة ما فى حديث جابر المذكور فى الباب من قوله ﷺ اركبها بالمعروف اذا ألجئت اليها ونقل ابن العربى عن الامام ابى حنيفة أنه لا يجوز ركوب الهدى مطلقا ولكن نقل عنه الطحاوى الجواز مع الحاجة ويضمن ما نقص منها بالركوب والطحاوى أقعد بمعرفة مذهب امامه وقد وافق الشافعى ابا حنيفة على ضمان النفص فى الهدى الواجب ونقل ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر وجوب الركوب تمسكا بظاهر الامر ولمخالفة ما كانوا عليه فى الجاهلية من البحيرة والسائبة ورده بأن الذين ساقوا الهدى فى عهد النبى ﷺ كانوا كثيرا ولم يأمر أحدا منهم بذلك أه وتعقبه الحافظ بحديث على ﵁ المذكور فى الباب قال وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور باسناد صحيح رواه ابو داود فى المراسيل عن عطاء قال كان النبى ﷺ يأمر بالهدية اذا احتاج اليها سيدها أن يحمل عليها أو يركبها غير منهكها (واختلف) من أجاز الركوب هل يحمل عليها متاعه فمنعه الامام مالك وأجازه الجمهور وهل يحمل عليها غيره اجازه الجمهور ايضا على التفصيل المتقدم
[ ١٣ / ٤٤ ]
(٦) باب ما جاء فى الهدى يعطب قبل المحل
(٢٨) عن موسى بن سلمة قال حججت انا وسنان بن سلمة ومع سنان فأزحفت عليه (١) فعيى بشأتها فقلت لئن قدمت مكة لأستحفين (٣) عن هذا قال فلما قدمنا مكة قلت انطلق بنا الى ابن عباس فدخلنا عليه وكانت غنده جارية وكان لى حاجتان ولصاحبى حاجة قفال الا اخليك؟ (٤) قلت لا فقلت كانت معى بدنة فأزحفت علينا قفلت لئن قدمت مكة لأستحفين عن هذا قلا ابن عباس بعث رسول الله ﷺ بالبدن مع فلان وأمره (٥)
_________________
(١) * ونقل عياض الاجماع على أنه لا يؤجرها (واختلفوا ايضا) فى اللبن اذا احتلب منه شيئا (فعند العترة والشافعية والحنفية يتصدق به) فان أكله تصدق بثمنه (وقال الامام مالك) لا يشرب من لبنه وان شرب لم يغرم أفاده الشوكانى ملخصا من فتح البارى والله أعلم
(٢) عن موسى بن سلمة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنا أبو التياح عن موسى بن سلمة -الحديث (غريبه) (١) قال النووى هو بفتح الهمزةو اسكان الزاى وفتح الحاء المهملة هذا رواية المحدثين لا خلاف ينهم فيه (قال الخطابى) كذا يقول المحدثون قال وصوابه والاجود فأزحفت بضم الهمزة يقال زحف البعير اذا قام وأزحفه اذا السير بالالف فيهما وكذا قال الجوهرى وغيره يقال زحف البعير وأزحف لغتان وأزحفه السير وأزحف الرجل وقف بعيره فحصل أن انكار الخطابى ليس بمقبول بل الجميع جائز (ومعنى أزحف وقف من الكلال والاعياء) (٢) ذكر صاحب المشارق والمطالع أنه روى على ثلاثة أوجه (أحدهما) وهىلا رواية الجمهور فعيي بيائين من الاعياء وهو العجز ومعناه عجز عن معرفة حكمها لو عطبت عليه فى الطريق كيف يعمل و(الوجه الثانى) فعى بياء واحدة مشددة وهى لغة بمعنى الاولى (والوجه الثالث) فعنى بضم العين وكسر النون من العناية بالشئ والاهتمام به (٣) بالحاء المهملة وبالفاء أى لأسألن سؤالا بليغا عن ذلك يقال أحفى فى المسأة اذا ألح فيها وأكثر منها (٤) القائل ألا أخليك هو ابن عباس ﵄ لموسى بن سلمة أى ألا أجلعك خاليا معى تذكر حاجتك على انفراد؟ (٥) بتشديد الميم أى جعله أميرا فيها لينحرها بمكة بأمر النبى ﷺ وجاء عند مسلم بلفظ "بعث رسول
[ ١٣ / ٤٥ ]
فيها بأمره فلما قفا (١) رجع فقلا يا رسول الله ما أصنع بما أزحف على منها؟ قال انحرها واصبغ (٢) نعلها فى دمها واضربه على صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك (٣)
_________________
(١) الله ﷺ بست عشرة بدنة مع رجل وأمره فيها الخ ولم يذكر اسم الرجل ايضا وذكره صاحب المرقاة انه ناجية الاسلمى وسيأتى الكلام عليه بعد حديث ابن عباس الآتى (١) بتشديد الفاء اى ذهب موليا وكأنه من القفا اى أعطاه قفاه وظهره (٢) بضم الموحدة ويجوز فتحها وكسرها اى اغمس (نعلها) بالافراد وكذلك عند ابى داود ورواية مسلم وفى رواية اخرى له (نعليها) بالتثنية والمراد النعل المعلقة بعنقها واحدة كانت او اثنتين فان كانتا اثنتين كما هى السنة فليجعل كل واحدة منهما على صفحة من صفحتى سنامها ليعلم من مر به انه هدى فيأكله من يستحق من الفقراء (٣) بضم الراء وسكون الفاء (وفى القاموس) الرفقة مثلثة اى رفقائك فى السفر (قال الطيي) سواء كان فقيرا او غنيا وانما منعوا ذلك قطعا لأطماعهم لئلا ينحرها أحد ويتعلل بالعطب أه (وقال النووى) وفى المراد بالرفقة وجهان لاصحابنا (احدهما) انهم الذين يخالطون المهدى وغيره دون باقى القافلة (والثانى) وهو الاصح وهو الذى يقتضيه ظاهر الحديث وظاهر نص الشافعى وكلام جمهور اصحابنا ان المراد بالرفقة جميع القافلة لأن السبب الذى منعت به الرفقة هو خوف تعطيبهم اياه وهذا موجود فى جميع القافلة (فان قيل) ان لم تجوزوا لأهل القافلة أكله وترك فى البرية كلن طعمة للسباع وهذا اضاعة مال (قلنا ليس فيه اضاعة بل العادة الغالبة ان سكان البوادى وغيرهم يتبعون منازل الحج لالتقاط ساقطة ونحوه وقد تأتى قافلة فى اثر قافلة والله أعلم انتهى (تخريجه) (م د نس) مختصرا الى قوله ولا احد من رفقتك واختصرت انا ايضا رواية الامام احمد كذلك (وبقيته عند الامام احمد) قال قفلت له أكون فى هذة المغازى فأغنم فأعتق عن أمى أفيجزئ عنها أن أعتق؟ فقال ابن عباس امرت امراة سلمان بن عبد الله الجهنى ان يسأل رسول الله ﷺ عن امها لم تحجج ايجزئ ايجزئ عنها ان تحج عنها؟ قال نعم قال فلتحجج عن أمها وسأله عن ماء البحر فقال ماء البحر طهور هذا آخر الحديث عند الامام احمد وهذة الزيادة تشتمل على مسألتين (الاولى) مسألة العتق عن الميت (والثانية) مسألة طهور ماء البحر وقد تقدم الكلام عن الاولى منهما فى باب ما جاء
[ ١٣ / ٤٦ ]
(٢٩) عن ابن عباس ﵄ ان رسول الله عليه وسلم بعث بثمان عشرة (١) بدنة فأمره فيها بأمره قانطلق ثم رجع اليه فقال أريت ان أزحف علينا منه شئ فقال انحرها ثم اصبغ نعلها فى دمها ثم اجعلها على صفحتها ولا تأكل منها أنت ولا رفقتك (٢)
(٣٠) عن هشام بن عروة عن ابيه عن ناجية الخزاعى (١) وكان صاحب
_________________
(١) في وصول القرب المهداة الى الميت صحيفة ٩٧ فى الجزء الثامن وفى باب وجوب الحج على الشيخ الكبير الخ صحيفة ٢٣ فى الجزء الحادى عشر (والثانية) تقدم الكلام عليها فى باب طهارة ماء البحر صحيفة ٢٠٣ فى الجزء الاول (وقوله وسأله عن ماء البحر الخ) القائل وسأله هو موسى بن سلمة راوى الحديث والسائل هو أخوه سنان بن سلمة صاحب البدنة وهذا السؤال هو حاجة أخيه التى ابهمها فى قوله فى حديث الباب (وكان لى حاجتان ولصاحبى حاجة) اما حاجتاه فأحدهما السؤال عن البدنة التى عطبت (والثانية) السؤال عن العتق عن الميت والله أعلم
(٢) عن ابن عباس ﵄ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا اسماعيل أنبأنا ابو التياح عن موسى بن سلمة عن ابن عباس -الحديث (غريبه) (١) تقدم فى شرح الحديث السابق انه جاء عند مسلم بلفظ بعث رسول الله ﷺ بست عشرة بدنةو جاء هذا الحديث بلفظ ثمان عشرة بدنة كرواية الامام احمد (قال النووى) يجوز انهما قضيتان ويجوز ان يكون قضية واحدة والمراد ثمان عشرة وليس فى قوله ست عشرة نفى الزيادة لأنه مفهوم عدد ولا عمل عليه أه (٢) اى من رفقائك فأهل زائد والاضافة بيانية وفى آخر هذا الحديث بعد قوله رفقتك قال عبد الله يعنى ابن الامام احمد قال ابى ولم يسمع اسماعيل بن علية من ابى التياح الا هذا الحديث (تخريجه) (م د نس هق)
(٣) عن هشام بن عروة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا وكيع ثنا هشام بن عروة -الحديث (غريبه) (١) هكذا عند الامام احمد والترمذى وابن ماجة عن ناجية الخزاعى وعند ابى داود والبيهقى غن ناجية الاسلمى وكلهم يروونه عن هشام بن عروة عن ابيه عن ناجية ورواه الامام مالك فى الموطأ عن هشام بن عروة عن ابيه ان صاحب هدى رسول الله ﷺ قال يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من الهدي
[ ١٣ / ٤٧ ]
بدن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال قلت (وفى لفظ يا رسول الله) كيف أصنع بما عطب (٢) من البدن قال انحره (٣) واغمس نعله فى دمه واضرب صفحته وخل بين الناس وبينه فيأكلوه
(٣١) عن شهر بن حوسب قال حدثنى الانصارى صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (٤) فذكر نحو الحديث المتقدم ولا تأكل منها انت ولا أحد من أهل رفقتك
_________________
(١) الحديث قال الحافظ فى الاصابة بعد ذكر طرقه ولم يسم أحدا منهم والد ناجية لكن قال بعضهم الخزاعى وبعضهم الاسلمى ولا يبعد التعدد وقد ثبت من حديث ابن عباس ان ذؤيبا الخزاعى حدثه انه كان مع البدن ايضا (قلت حديث ذؤيب سيأتى بعد حديث) قال وأخرج ابن ابى شيبة عن عروة ان النبى ﷺ بعث ناجية الخزاعى عينا فى فتح مكة وقد ابو الفتح الازدى وابو صالح المؤذن بان عروة تفرد بالرواية عن ناجية الخزاعى فهذا يدل على انه غير الاسلمى أه والله أعلم (٢) بكسر الطاء أى عيي وعجز عن السير وقف فى الطريق وقيل اى قرب من العطب وهو الهلاك وفى القاموس عطب كنصر _لآن _وكفرح. هلك والمعنى على الثانى (٣) ذكر الضمير باعتبار لفظ ما أى انحر ما عطب (تخربجه) (لك خز طح هق والاربعة) وقال الترمذى حديث ناجية حديث حسن صحيح (قلت) ورواه الامام احمد من طريق أخرى فقال حدثنا ابو معاوية ثنا هشام الخ وفيه قلت يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من الابل او البدن قال انحرها ثم الق نعلها فى دمها ثم خل عنها وعن الناس فليأكلوها
(٢) عغن شهر بن حوسب (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا ابو النضر ثنا معاوية يعنى شيبان عن ليث عن شهر -الحديث (غريبه) (٤) هو ناجية المتقدم ذكره فى الحديث السابق حدث شهرا أن رسول الله ﷺ بعثه قال رجعت فقلت نعم يا رسول الله ما تأمرنى بما عطب منها قال انحرها ثم اصبغ نعلها فى دمها ثم ضعها على صفتها او على جنبها ولا تأكل منها الخ (تخريجه) لم أقف عليه بهذا لغير الامام احمد واورده الهيثمى وقال رواه احمد وفيه ليث بن ابى سليم وهو ثقة لكنه مدلس
[ ١٣ / ٤٨ ]
(٣٢) عن ابن عباس ﵄ ان ذؤيبا ابا قبيصة ﵁ حدثه ان نبى الله ﷺ كان يبعث معه بالبدن (وفى لفظ بعث معه ببدنتين) فيقول ان عطب منها شئ فخشيت - (١) عليها فانحرها واغمس نعلها فى دمها واضرب صفحتها ولا تأكل منهت أنت ولا أحد من رفقتك
(٣٣) عن عمرو بن خارجة النمالى ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ عن الهدى يعطب فقال النبى ﷺ انحر واصبغ نعله فى دمه واضرب به على صفحته أو على جنبه ولا تأكلن منه شيئا أنت ولا أهل رفقتك
_________________
(١) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا محمد بن جعفر ثنا سعيد عن قتادة غن سنان بن سلمة عن ابن عباس -الحديث (غريبه) (١) عند مسلم فخشيت عليه موتا فانحرها الخ (تخريجه) (م جه هق) وللامام احمد طريق أخرى قال "حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن قتادة عن سنان بن سلمة عن ابن عباس ان ذؤيبا أخبره ان النبى ﷺ بعث معه ببدنتين وأمره ان عرض لهما شئ او عطبتا ان ينحرهما ثم يغمس نعالهما فى دمائهما ثم يضرب بنعل كل واحد منهما صفحتها ويخليهما للناس ولا يأكل منها هو ولا أحد من أصحابه قال عبد الرزاق وكان يقول مرسل يعنى معمرا عن قتادة ثم كتبته له من كتاب سعيد فأعطيته فنظر فرآه فقال نعم ولكنى أهلب اذا لم انظر فى الكتاب "وأخرج هذة الطريق البيهقى ايضا (وفى الباب) للامام احمد ايضا عن سنان بن سلمة الهذلى عن ابيه وكان قد صحب النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن النبى ﷺ أنه بعث ببدنتين مع رجل قفال ان عرض لهما فانحرهما واغمس النعل فى دمائهما ثم اضرب به صفحتى كل واحدة منهما ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك ودعهما لمن بعدكم (ورواه ايضا الطبرانى فى الكبير وفيه عبد الكريم بن ابى المخارق وهو ضعيف وأحاديث الباب تعضده والظاهر والله أعلم أن الرجل المبهم فى هذة الرواية هو ذؤيب أبو قبيصة
(٢) عن عمرو بن خارجة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا حسين بن محمد ثنا شريك عن ليث عن شهر بن حوسب عن عمرو بن خارجة -الحديث (تخريجه) (طب) وفى اسناده ليث بن ابى سليم وهو ثقة ولكنه مدلس وأحاديث
[ ١٣ / ٤٩ ]
-[مذاهب العلماء فيمن عطب معه الهدى قبل بلوغ محله كيف يفعل]-
(٧) باب نحر الأبل قائمة مقيدة وأكل المهدى من هديه
(والتصديق بجلده وجلاله وعدم إعطاء شيء منه للجازر في أجرته)
(٣٤) عن زياد بن جبيرٍ قال كنت مع ابن عمر ﵄ بمنى
_________________
(١) الباب تعضده (زائد الباب) عن أبي قتادة عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يكون معه الهدى تطوعًا فيعطب قبل أن يبلغ، قال ينحرها ثم يلطخ نعلها بدمها ثم يضرب به جنبها، فإن أكل منها وجب عليه قضاؤها (طس) مرفوعًا وموقوفًا باختصار عن المرفوع، وفي إسناد الجميع محمد بن أبي ليلى وهو سيء الحفظ (وروى الإمام مالك في الموطأ) عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال من ساق بدنة تطوعًا فعطبت فنحرها ثم خلى بينها وبين الناس يأكلونها فليس عليه شيء، وإن أكل منها أو أمر بأكلها غرمها، ورواه البيهقي أيضًا كذلك (وروى البيهقي والأمام مالك) أيضًا عن ثور بن زيد الديلي عن عبد الله بن عباس مثل ذلك (وعن مالك) عن ابن شهاب أنه قال من أهدى بدنة جزاء أو نذرا أو هدى تمتع فأصيب في الطريق فعليه البدل (وعن مالك) عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال من أهدى بدنة ثم ضلت أو ماتت فإنها إن كانت نذرًا أبدلها وإن كانت تطوعًا فإن شاء أبدلها وإن شاء تركها رواهما الأمام مالك في الموطأ (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أن الهدى أن عطب قبل بلوغه المحل جاز نحره وتركه للناس يأكلونه غير الرفقة وقد أجزأ عنه، وإنما نهى عن أكل الرفقة قطعًا للذريعة وهي أن يتوصل بعضهم إلى نحره قبل أوانه، والظاهر عدم الفرق بين هدى التطوع والفرض (لكن خصصه الأئمة الأربعة والجمهور) بهدى التطوع، ولعل الوجه في ذلك أن الهدى الذي هو السبب هو هدى النبي ﷺ الذي بعث به وهو هدى تطوع. ويؤيده حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ المذكور في الزوائد وفيه التصريح بهدى التطوع، فإن أكل منه قالوا يغرم بقدر ما أكل، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب كما في الزوائد، رواه عنهما الأمام مالك والبيهقي (قال القاضي عياض ﵀) ما عطب من هدى التطوع لا يأكل منه صاحبه ولا سائقه ولا رفقته لنص الحديث (وبه قال مالك والجمهور) وقالوا لا بدل عليه، لأنه موضع بيان ولم يبين ذلك ﷺ بخلاف الهدى الواجب إذا عطب قبل محله فيأكل منه صاحبه والأغنياء، لأن صاحبه يضمنه لتعلقه بذمته، وأجاز الجمهور بيعه. ومنعه مالك، فإن بلغ الهدى محله لم يأكل من جزاء وفدية ونذر مساكين وأكل مما سوى ذلك على مشهور المذهب، وبه قال فقهاء الأمصار وجماعة من السلف اهـ والله أعلم.
(٢) عن زياد بن جبير (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هشيم
[ ١٣ / ٥٠ ]
-[استحباب نحر الأبل قائمة مقيدة وجواز أكل المهدى تطوعًا من هديه]-
فمر برجل وهو ينحر بدنة وهي باركة فقال ابعثها قيامًا مقيدةً سنة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
(٣٥) عن جابر بن عبد الله ﵄ في صفة حج رسول الله ﷺ قال فكانت جماعة الهدى الذي أتى به علىُّ ﵁ من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائةً، فنحر رسول الله بيده ثلاثةً وستين، ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر (٤) وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنةٍ ببضعةٍ فجعلت في قدرٍ فأكلا من لحمها وشربا من مرقها.
(٣٦) عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها وحاضت بسرف قبل أن تدخل مكة قال لها أقضى ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت، قالت فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقرٍ، قلت
_________________
(١) أنا يونس أخبرني زياد بن جبير - الحديث" (غريبه) (١) لفظ البخاري قد أناخ بدنته ينحرها (قلت) وهذا الرجل لم يعرف ولم يسمه أحد من أصحاب الأصول (٢) أي أثرها، يقال بعثت الناقة أثرتها (وقوله قيامًا) مصدر بمعنى قائمة وهي حال مقدرة (وقوله مقيدة) أي معقولة الرجل قائمة على ما بقى من قوائمها، ولأبى داود من حديث جابر أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقى من قوائمها (٣) بنصب سنة بعامل مضمر كالاختصاص والتقدير متبعًا سنة محمد ﷺ (قال الحافظ) ويجوز الرفع، ويدل عليه رواية الحربي في المناسك بلفظ فقال انحرها قائمة فإنها سنة محمد ﷺ (تخريجه) (ق. د. نس. هق)
(٢) عن جابر بن عبد الله هذا طرف من حديثه الطويل في صفة حج النبي ﷺ وتقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب صفة حج النبي ﷺ رقم ٦٤ صحيفة ٧٤ من الجزء الحادي عشر (غريبة) (٤) أى ما بقى وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة في يوم النحر ولا يؤخر عضها إلى أيام التشريق (٥) البضعة بفتح الباء الموحدة لا غير هي القطعة من اللحم (تخريجه) (م. د. جه)
(٣) عن عبد الرحمن بن القاسم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا
[ ١٣ / ٥١ ]
-[التصديق بلحوم الهدى وجلوده وجلاله]-
ما هذا؟ قالوا ضحى (١) النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن أزواجه بالبقر
(٣٧) ز عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ﵁ أن النبي ﷺ بعث معه بهديه فأمره أن يتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها (٢)
_________________
(١) سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم- الحديث" (غريبه) (١) رواية البخارى نحر بدل ضحى، وفي رواية لمسلم ضحى كما هنا، وله في أخرى أهدى بدل ضحى (قال الحافظ) والظاهر أن التصرف من الرواة لأنه ثبت في الحديث ذكر النحر فجعله بعضهم على الأضحية فإن رواية أبي هريرة صريحة في أن ذلك كان عمن اعتمر عن نسائه (قلت) يعني ما رواه أبو داود عن أبي هريرة قال ذبح رسول الله ﷺ عمن اعتمر عن نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن (قال الحافظ) فقويت رواية من رواه بلفظ أهدى، وتبين أنه هدى التمتع (تخريجه) (ق. نس)
(٢) "ز" عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبو بكر الباهلي محمد بن عمرو بن العباس ثنا عبد الوهاب يعني الثقفي ثنا أيوب عن عبد الكريم وابن أبي نجيح عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى- الحديث" (غريبه) (٢) بكسر الجيم وتشديد اللام المفتوحة جمع جل بضم الجيم وتخفيف اللام، وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه، ويجمع أيضًا على جلال بكسر الجيم، وكان ابن عمر لا يشق من الجلال إلا موضع السنام فإذا نحرها نزع جلالها مخافة أن يفسدها الدم ثم يتصدق بها رواه البخاري تعليقًا، ووصل بعضه الأمام مالك في الموطأ (وعن نافع) أن عبد الله بن عمر كان يجلل بدنه القباطي والحلل ثم يبعث بها إلى الكعبة فيكسوها إياها (وعن مالك) أنه سأل عبد الله بن دينار ما كان ابن عمر يصنع بجلال بدنه حين كسيت الكعبت هذه الكسوة؟ قال كان يتصدق بها (لك) قال المهلب ليس التصدق بجلال البدن فرضًا، وإنما صنع ذلك ابن عمر لأنه أراد أن لا يرجع في شيء أهل به لله ولا في شيء أضيف إليه اهـ. وفائدة شق الجل من موضع السنام ليظهر الأشعار لئلا يستتر ما تحتها، وروى ابن المنذر من طريق أسامة ابن زيد عن نافع أن ابن عمر كان يجلل بدنه الأنماط والبرود والحبر حتى يخرج من المدينة ثم ينزععها فيطويها حتى تكون يوم عرفة فيلبسها إياها حتى ينحرها ثم يتصدق بها، قال نافع وربما دفعها إلى بنى شيبة (تخريجه) (ق. هق. وغيرهم)
[ ١٣ / ٥٢ ]
-[استحباب نحر الهدى بيد المهدى. فإن نحره جازر فلا يعطى من الهدى شيئًا في نظير أجرته]-
(٣٨) عن علي ﵁ قال لما نحر رسول الله ﷺ بدنه نحر بيده ثلاثين (١) وأمرني فنحرت سائرها، وقال أقسم لحومها بين الناس وجلودها وجلالها، ولا تعطين جازرًا منها شيئًا
(٣٩) وعنه ﵁ قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطي الجازر منها، قال نحن نعطيه من عندنا
(٤٠) عن قتادة بن النعمان ﵁ أن النبي ﷺ قام (وفي لفظ
_________________
(١) عن علي ﵁ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد ابن عبيد ثنا محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن على- الحديث" (غريبه) (١) هذا يخالف ما تقدم في حديث جابر من أن النبي ﷺ نحر بيده وستين ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر أي ما بقى، وحديث جابر أصح فقد رواه مسلم أيضًا، وحديث الباب لم يخرج في أحد الصحيحين، وفي إسناده محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، والمدلس إذا عنعن لا يحتج بحديثه (قال الحافظ) والجمع بين حديث جابر ورواية ابن إسحاق أنه ﷺ نحر ثلاثين. ثم أمر عليًا أن ينحر فنحر سبعًا وثلاثين مثلًا. ثم نحر النبي ﷺ ثلاثًا وثلاثين، فإن ساغ هذا الجمع وإلا فما كان في الصحيح أصح "يعني حديث جابر" (٢) المراد أن يقسمها على المساكين إلا ما أمر به من أخذ بضعة من كل بدنة كما تقدم في حديث جابر (وقوله ولا يعطين جازرًا الخ) معناه لا يعطى الجازر من الهدى شيئًا مطلقًا في نظير أجرته، وإنما تؤخذ الأجرة من عند صاحب الهدى كما صرح بذلك في الحديث التالي بقوله "نحن نعطيه من عندنا" (تخريجه) (د) مختصرًا إلى قوله فنحرت سائرها
(٢) وعنه ﵁ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا معاذ أنبأنا زهير بن معاوية أبو خيثمة عن عبد الكريم الجزرى عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن على ﵁ قال أمرني رسول الله ﷺ- الحديث" (غريبه) (٣) أى عند نحرها للاحتفاظ بها، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك، أى على مصالحها من علفها ورعيها وسقها وغير ذلك (تخريجه (ق. د. نس. جه. هق)
(٣) عن قتادة بن النعمان (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حجاج
[ ١٣ / ٥٣ ]
-[جواز أكل المهدى من لحم هديه والزود منه للسفر]-
في حجة الوداع) فقال إني كنت أمرتكم أن لا تأكلوا الأضاحى فوق ثلاثة أيام لتسعكم (١)، وإني أحله لكم، فكلوا منه ما شئتم، ولا تبيعوا لحوم الهدى والأضاحي، فكلوا وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها، وإن أطعمتم من لحمها فكلوا إن شئتم (٢)
(٤١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال كنا نتزود من وشيق (٣) الحج حتى يكاد يحول عليه الحول
(٤٢) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كنا نتزود لحوم الهدي
_________________
(١) قال حدثني ابن جريح قال قال سليمان بن موسى أخبرني زبيد أن أبا سعيد الخدرى أتى أهله فوجد قصعة من قديد الأضحى "يعنى من اللحم المقدد" فأبى أن يأكله فأتى قتادة بن النعمان فأخبره أن النبي ﷺ قام فقام إني كنت أمرتكم- الحديث" (غريبه) (١) أي ليكفي لحومها كلكم من ضحى ومن لم يضح، وسبب ذلك أنه جاءهم في ذلك العام ناس من البادية أفحمتهم السنة وأقدمتهم المجاعة، فأمر النبي ﷺ أصحابه بعدم الادخار فوق ثلاث ليواسوهم ويتصدقوا عليهم، فلما مضى العام المذكور، وجاء الله بالسعة نسخ بقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن النبي ﷺ فالآن فكلوا واتجروا وادخروا) ومعنى قوله واتجروا أي تصدقوا، ومثله قوله ﷺ "من يتجر على هذا فيصلى معه" أي يشتري بعمله الثواب والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وأورده الهيثمي وقال في الصحيح طرف يسير منه، رواه أحمد وهو مرسل صحيح الأسناد
(٢) عن أبي سعيد الخدري (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزد ابن أبي حكيم حدثني الحكم يعني ابن أبان قال سمعت عكرمة يقول حدثني أبو سعيد الخدري- الحديث" (غريبه) (٣) قال صاحب النهاية الوشيقة أن يؤخذ اللحم فيغلى قليلًا ولا ينضج ويحمل في الأسفار، وقيل هي القديد، وقد وشقت اللحم واتشقته. قال وتجمع على وشيق ووشائق اهـ. والمعنى أنهم كانوا يحملون معهم لحم هدى الحج في الأسفار مقددًا أو مغليًا لئلا يفسد ويأكلون منه طوال العام (تخريجه لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد
(٣) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان
[ ١٣ / ٥٤ ]
-[زوائد الباب وأحكامه]-
على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى المدينة (١) (وعنه من طريق ثانٍ) (٢) أكلنا مع رسول الله ﷺ القديد (٣) بالمدينة من قديد الأضحى
_________________
(١) عن عمرو عن عطاء عن جابر - الحديث- (غريبه) (١) معناه أنهم كانوا يتزودون لحوم الهدى من مكة فيأكلون منه في سفرهم إلى المدينة فإن بقى منهم شيء أكلوه بالمدينة في الحضر أيضًا كما يستفاد من الطريق الثانية (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا زيد بن الحباب أنا حسين بن واقد عن أبى الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول أكلنا مع رسول الله ﷺ - الحديث" (٣) القديد اللحم المملوح المجفف في الشمس فعيل بمعنى مفعول (وقوله من قديد الأضحى) أي قديد هدى يوم الأضحى (تخريجه) (م) وغيره (زوائد الباب) (عن ابن جريح) عن أبى الزبير عن جابر أن النبي ﷺ كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقى من قوائمها (د) قال النووى إسناده على شرط مسلم اهـ، ورواه ابن جريح أيضًا عن عبد الرحمن بن سابط أن النبي ﷺ فذكره مرسلًا (ش) (وعن سفيان بن عيينة) في تفسيره عن عبيد الله ابن أبى يزيد عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى "فاذكروا اسم الله عليها صواف" قال قيامًا؛ وجزم به البخارى في صحيحه عن ابن عباس تعليقًا، وأخرجه سعيد بن منصور عن ابن عبينة (وأخرجه عبد بن حميد) عن أبى نعيم عنه، وقوله صواف بالتشديد جمع صافة أى مصطفة في قيامها، ووقع فى مستدرك الحاكم من وجه آخر عن ابن عباس فى قوله تعالى صواف (صوافن) أى قيامًا على ثلاثة قوائم معقولة، وهى قراءة ابن مسعود صوافن بكسر الفاء بعدها نون جمع صافنة، وهى التى رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب (وعن علقمة) أن عبد الله بن مسعود بعث معه بهدى فقال كل أنت وأصحابك ثلثًا. وتصدق بثلث. وابعث إلى أخى عتبة بثلث. قلت لسفيان تطوع؟ قال نعم (طب. هق) ورجاله رجال الصحيح (وروى ابن حزم) فى المحلى من طريق وكيع عن ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال الضحايا والهدايا ثلث لأهلك. وثلث لك. وثلث للمساكين، وعن معمر عن عاصم عن أبى مجاز أن ابن عمر أمر أن يدفع له من ضحيته بضعة ويتصدق بسائرها (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة أحكام (منها) أنه يستحب نحر الأبل وهى قائمة معقولة اليد اليسرى وإليه ذهب الأئمة (مالك والشافعى وأحمد) والجمهور مستدلين بحديث ابن عمر المذكور أول أحاديث الباب، وبحديث جابر المذكور أول أحاديث الزوائد، أما البقر والغنم فيستحب
[ ١٣ / ٥٥ ]
-[اختلاف العلماء فيما يؤكل منه من أنواع الهدايا وما لا يجوز بيعه منه]-
_________________
(١) أن تذبح مضجعة على جنبها الأيسر وتترك رجلها اليمنى وتشد قوائمها الثلاث، وقال الأمامان (أبو حنيفة والثوري) يستوى نحر الأبل قائمة وباركة في الفضيلة (وحكى القاضي عياض) عن طاوس أن نحرها باركة أفضل وهذا مخالف للسنة والله أعلم (ومنها) جواز أكل المهدى من هديه إذا بلغ الهدى محله والتزود منه للسفر وادخاره، وهو جائز باتفاق العلماء إذا كان هدى تطوع، واختلفوا فيما عدا ذلك (فروى عن ابن عمر) ﵄ أنه قال يؤكل من كل شيء إلا من جزاء صيد ونذر (وعن على ﵁) لا يؤكل من جزاء الصيد ولا من النذر ولا مما جعل للمساكين (وعن معمر عن قتادة عن الحسن) يؤكل من الهدى كله إلا من جزاء الصيد، لكن حكى ابن المنذر عنه أنه لا بأس أن يؤكل من جزاء الصيد وغيره (وقال الأوزاعي) يؤكل من الهدى خمسة، النذر والمتعة والتطوع والوصية والمحصر إلا الكفارات كلها (وقال الإمام أبو حنيفة) لا يؤكل من شيء من الهدى إلا التطوع إذا بلغ محله ودم المتعة والقران، وبناه على مذهبه في أن دم المتعة والقران دم نسك لا جبران (وكذا قال الإمام أحمد) لا يؤكل من شيء من الهدايا إلا من دم التمتع والقران ودم التطوع (وقال الإمام مالك) يؤكل من الهدايا كلها إلا جزاء الصيد ونسك الأذى والمنذور وهدى التطوع إذا عطب قبل محله (وقال الإمام الشافعي) لا يجوز الأكل من الواجب إذا كان جبرانًا أو منذورًا (وكذا قال داود الظاهري) لا يجوز الأكل من الواجب والله أعلم (ومنها) أنه يستحب أن يتصدق بالثلث من هدى التطوع، ويهدى بالثلث. ويأكل الثلث، وهو يقول ابن مسعود كما روى عنه في الزوائد، وله أن يأكل جزءًا يسيرًا ويتصدق بالباقي، وهو قول ابن عمر كما روى عنه في الزوائد أيضًا (قال الشوكاني ﵀) والظاهر أنه يجوز الأكل من الهدى من غير فرق بين ما كان منه تطوعًا وما كان فرضًا لعموم قوله تعالى "فكلوا منها" ولم يفصل، والتمسك بالقياس على الزكاة في عدم جواز الأكل من الهدى الواجب لا ينتهض لتخصيص هذا العموم لأن شرع الزكاة لمواساة الفقراء، فصرفها إلى المالك إخراج لها عن موضوعها، وليس شرع الدماء كذلك، لأنها إما لجبر نقص أو لمجرد التبرع فلا قياس مع الفارق فلا تخصيص اهـ (ومنها) أنه لا يجوز بيع شيء من لحم الهدى وكذلك جلده وجلاله وقد بين الشارع وجوه الانتفاع في الهدى من الأكل والتصدق والاستمتاع بالجلود وقد بين الشارع وجوه الانتفاع في الهدى من الأكل والتصدق والاستمتاع بالجلود والتصديق بالجلال (وقال القرطبي) فيه دلالة على أن جلود الهدى وجلالها لا تباع لعطفها على اللحوم وإعطائها حكمة، وقد اتفقوا على أن لحمها لا يباع فكذلك الجلود والجلال اهـ (وقال النووي) في شرح المهذب مذهبنا أنه لا يجوز بيع جلد الهدى والأضحية ولا غيره من أجزائها لا بما ينتفع به في البيت ولا بغيره (وبه قال عطاء والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق)
[ ١٣ / ٥٦ ]
-[اختلاف المذاهب في بيع جلد الضحية وإعطاء الجازر منها]-
(٨) باب ما جاء في الأضحية والحث عليها وفضلها وحكمها
(٤٣) عن زيد بن أرقم ﵁ قال قلت أو قالوا يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ (١) قال سنة أبيكم إبراهيم، قالوا ما لنا منها؟ قال بكل شعرةٍ حسنةٌ، قالوا يا رسول الله فالصوف؟ قال بكل شعرةٍ من الصوف حسنةٌ
_________________
(١) هكذا حكاه عنهم ابن المنذر؛ ثم حكى (عن ابن عمر وأحمد وإسحاق) أنه لا بأس أن يبيع جلد هديه ويتصدق بثمنه، قال ورخص في بيعه أبو ثور (وقال النخعي والأوزاعي) لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها قال (وكان الحسن وعبد الله بن عمير) لا يريان بأسًا أن يعطي الجزار جلدها. وهذا غلط منابذ للسنة (وحكى أصحابنا عن أبي حنيفة) أنه يجوز بيع الأضحية قبل ذبها وبيع ما شاء منها بعد ذبحها ويتصدق بثمنه، قالوا وإن باع جلدها بآلة البيت جاز الانتفاع بها، دليلنا حديث على ﵁ والله أعلم اهـ، وروى (عن ابن حزيمة والبغوي) أنه يجوز إعطاء الجازر منها إذا كان فقيرًا بقصد الصدقة بعد توفير أجرته من غيرها، وقال غيرهما إعطاء الجازر على سبيل الأجرة ممنوع لكونه معاوضة، وأما إعطاؤه صدقة أو هدية أو زيادة على حقه فالقياس الجواز (قال الحافظ) ولكن إطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة لئلا تقع مسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذ فيرجع إلى المعاوضة اهـ والله أعلم.
(٢) عن زيد بن أرقم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد بن هارون أنا سلام بن مسكين عن عائذ الله المجاشعي عن أبي داود عن زيد بن أرقم - الحديث" (غريبه) (١) هي جمع أضحية، قال الجوهري قال الأصمعي فيها أربع لغات أضحية وإضحية بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء وتخفيفها وجمعها أضاحي، واللغة الثالثة ضحية وجمعها ضحايا، والرابعة أضحاة بفتح الهمزة والجمع أضحى كأرطاة وأرطى، وبها سمى يوم الأضحى، قال القاضي وقيل سميت بذلك لأنها تفعل في الضحى وهو ارتفاع النهار (قال النووي) وفي الأضحى لغتان التذكير لغة قيس والتأنيث لغة تميم (تخريجه) (جه) وأورده المنذري وقال أشار إليه الترمذي، ورواه ابن ماجه والحاكم وغيرهما كلهم عن عائذ الله عن أبي داود، قال وقال الحاكم صحيح الإسناد، قال المنذري بل واهية، عائذ الله هو المجاشعي، وأبو داود هو نفيع بن الحارث الأعمى. وكلاهما ساقط
[ ١٣ / ٥٧ ]
-[الحث على الضحية وزجر من وجد سعة ولم يضح]-
(٤٤) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن عدي عن ابن عون عن أبي رملة قال حدثناه مخنف بن سليم ﵁ قال ونحن مع النبي ﷺ وهو واقفٌ بعرفاتٍ فقال يا أيها الناس إن على كل أهل بيت أو (١) على كل أهل بيتٍ في كل عامٍ أضحاةٌ وعتيرةٌ (٢) قال تدرون ما العتيرة؟ قال ابن عون فلا أدرى ما ردوا، قال هذه التي يقول الناس الرجبية (٣)
(٤٥) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من وجد سعة (٤) فلم يضح فلا يقر بن مصلانا (٥)
_________________
(١) حدثنا عبد الله (غريبه) (١) أو للشك من الراوى هل قال رسول الله ﷺ إن على كل أهل بيت. أو قال على كل أهل بيت بدون إن، وهو يفيد أن الأضحية الواحدة تكفى عن أهل البيت وإن تعددوا، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله تعالى (٢) العتيرة بفتح العين المهملة هي شاة تذبح في رجب كان يتقرب بها أهل الجاهلية والمسلمون في صدر الإسلام، وهي منسوخة كما صرح بذلك أبو داود عقب هذا الحديث (قال الخطابى) قلت العتيرة تفسيرها في الحديث أنها شاة تذبح في رجب، وهذا الذي يشبه معنى الحديث، ويليق بحكم التدين، فأما العتيرة التي كان يعترها أهل الجاهلية، فهي الذبيحة تذبح للصنم فيصب دمها على رأسه، والعتر بمعنى الذبح اهـ. وفي شرح السنة كان ابن سيرين يذبح العتيرة في رجب (قال القارى) ولعله ما بلغه النسخ اهـ (٣) أي التي يسمونها الرجبية لأنها كانت تفعل في رجب (تخريجه) (د. نس. مذ) وغيرهم وقال الترمذي حديث حسن (قال الخطابى) هذا الحديث ضعيف لأن أبا رملة مجهول
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا أبو عبد الرحمن ثنا عبد الله بن عياش عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبى هريرة - الحديث" (غريبه) (٤) أى في المال والحال، قيل هي أن يكون مالكًا لنصاب الزكاة (٥) ليس المراد أن صحة الصلاة تتوقف على الأضحية، بل هو زجر له وطرد عن مجالس الأخيار؛ وإعلام بأنه ليس مع جماعة المسلمين ولا على طريقهم الكاملة (تخريجه) (جه. ش. عل. قط. ك) وصححه وأقر الذهبي تصحيحه (قال الحافظ) في بلوغ المرام
[ ١٣ / ٥٨ ]
-[زوائد الباب في فضل الضحية وحجة القائلين بأنها سنة لا واجبة]-
(٤٦) عن ابن عباس ﵄ عن النبى ﷺ قال كتب على النحر (١) ولم يكتب عليكم، وأمرت بركعتي الضحى ولم تؤمروا بها
_________________
(١) لكن رجح الأئمة غيره وقفه، وقال في الفتح رجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب اهـ (قلت) وفي إسناده عبد الله بن عياش مختلف فيه والله أعلم
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا أسود بن عامر ثنا شريك عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس- الحديث" (غريبه) (١) أى نحر الضحية يوم الأضحى أوجبه الله على واستحبه لكم "وقوله وأمرت بركعتى الضحى" أي أمر إيجاب "ولم تؤمروا بها" أي أمر إيجاب بل أمر ندب (تخريجه) (طب. عل. بز. ك) وفي إسناد الإمام أحمد جابر الجعفي وهو ضعيف، وفي إسناد البزار وابن عدى والحاكم- ابن جنان الكلبي، وقد صرح الحافظ بأن الحديث ضعيف من جميع طرقه والله أعلم (زوائد الباب) (عن عائشة ﵂) أن رسول الله ﷺ قال ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم. وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها. وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض "وفي رواية على الأرض" فطيبوا بها نفسًا، أورده المنذري وقال رواه (جه. مذ) وقال حديث حسن غريب والحاكم وقال صحيح الإسناد (وعن ابن عباس ﵄) قال قال رسول الله ﷺ ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم النحر (قط. طب) وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي ضعيف (وعن أبي سعيد) قال قال رسول الله ﷺ يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاسهديها فإن لك بكل قطرة تقطر من دمها أن يغفر لك ما سلف من ذنوبك، قالت يا رسول الله لنا خاصة أهل البيت. أولنا وللمسلمين؟ قال بل لنا وللمسلمين (ز) وفيه عطية بن قيسر وفيه كلام وقد وثق (وعن عمران بن حصين نحوه) وزاد فيه "وقولى إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، قال عمران يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل ذلك أنتم. أو للمسلمين عامة؟ قال بل للمسلمين عامة" (طب: طس) وفيه أبو حمزة الثمالى وهو ضعيف (وعن على ﵁) عن النبي ﷺ قال يا أيها الناس ضحوا واحتسبوا بدمائها، فإن الدم إن وقع في الأرض فإنه يقع في حرز الله ﷿ (طس) وفيه عمرو بن الحصين العقيلي وهو متروك الحديث (وعن ابن عباس ﵄) قال قال رسول الله ﷺ في يوم أضحى ما عمل آدمي في هذا اليوم أفضل من دم مهراق إلا أن يكون رحمًا توصل (طب) وفيه يحيى بن الحسن الخشني وهو ضعيف وقد وثقه جماعة،
[ ١٣ / ٥٩ ]
-[أحكام الباب وفضل الضحية واختلاف المذاهب في حكمها هل هي واجبة أم سنة؟]-
_________________
(١) أورد هذه الأحاديث الحافظ الهيثمي وتكلم عليها جرحًا وتعديلًا (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية الضحية ولم يخالف أحد في ذلك. وأنها أحب الأعمال إلى الله يوم النحر. وأنها تأتي يوم القيامة على الصفة التي ذبحت عليها ويقع دمها بمكان من القبول قبل أن يقع على الأرض. وأنها سنة إبراهيم ﵊ لقوله تعالى "وفديناه بذبح عظيم" وأن للمضحى بكل شعرة من شعرات أضحيته حسنة وأنه يكره لمن كان ذا سعة تركها. وأن الدراهم لم تنفق في عمل صالح أفضل من الأضحية ولكن إذا وقعت لقصد التسنن وتجردت عن المقاصد الفاسدة وكانت على الوجه المطابق للحكمة في شرعها (وقد اختلف العلماء في حكمها) فذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة إلى أنها سنة مؤكدة في حق الموسر ولا تجب عليه، وممن قال بذلك من الصحابة أبو بكر الصديق وعمر وبلال وأبو مسعود البدري ﵃، ومن التابعين سعيد بن المسيب وعطاء وعلقمة والأسود، ومن الأئمة (مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف) وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود وابن المنذر (وقال ربيعة والليث بن سعد وأبو حنيفة والأوزاعي) إنها واجبة على الموسر إلا الحاج بمنى (وقال محمد بن الحسن) هي واجبة على المقيم بالأمصار، والمشهور عن أبي حنيفة أنه إنما يوجبها على مقيم يملك نصابًا (واحتج من أوجبها) بأحاديث الباب وبقوله تعالى "فصل لربك وانحر" والأمر للوجوب (وأجيب) بأن المراد تخصيص المراد بالنحر له لا للأصنام، فالأمر متوجه إلى ذلك لأنه القيد الذي يتوجه إليه الكلام، ولا شك في وجوب تخصيص الله بالصلاة والنحر (واحتجوا أيضًا) بحديث جندب بن عبد الله بن سفيان عند الشيخين والإمام أحمد وسيأتي في باب وقت الذبح "قال صلى الله النبي ﷺ يوم النحر ثم خطب ثم ذبح وقال من ذبح قبل أن يصلى فيذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله، وموضع الدلالة أنه أمر، والأمر للوجدب (واحتجوا أيضًا) بحديث على ﵁ قال قال رسول الله ﷺ نسخ الأضحى كل ذبح. وصوم رمضان كل صوم. والغسل من الجنابة كل غسل. والزكاة كل صدقة (قط. هق) وقالا هو ضعيف واتفق الحفاظ على ضعفه (واحتج الأولون) بحديث أم سلمة عند مسلم والإمام أحمد وسيأتي في الباب التالي عن النبي ﷺ إذا دخلت العشر فأراد رجل أن يضحى فلا يمس من شعره ولا من بشره (وفي لفظ لمسلم) إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحى فليمسك من شعره وأظفاره (قال الإمام الشافعي) ﵀ هذا دليل أن التضحية ليست واجبة لقوله ﷺ "وأراد" فجعله مفوضًا إلى إرادته، ولو كانت واجبة لقال فلا يمس من شعره حتى يضحى اهـ (واستدلوا أيضًا) بحديث ابن عباس المذكور آخر أحاديث الباب ولكنه
[ ١٣ / ٦٠ ]
-[بقية حجج القائلين بعدم وجوب الضحية]-
(٨) باب ما جاء في أضاحى رسول الله ﷺ عن نفسه وأهل بيته وفقراء أمته
(وفيه صفة الضحية وذبحها بالمصلى والتسمية والتكبير ومباشرة الذبح بيد المضحى)
(٤٧) عن أبى رافع مولى رسول الله ﷺ ورضى عنه أن رسول الله ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين (١) أملحين (وفي لفظ موجبين خصبين) فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائمٌ في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول اللهم إن هذا عن أمتي جميعًا ممن شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول هذا هو محمد وآل محمد، فيطعمها جميعًا المساكين ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا
_________________
(١) ضعيف (قال النووي في شرح المهذب) وصح عن أبى بكر وعمر ﵄ أنهما كانا لا يضحيان مخافة أن يعتقد الناس وجوبها، ورواه البيهقي بأسانيد أيضًا عن ابن عباس وأبى مسعود البدري (قال أصحابنا) ولأن التضحية لو كانت واجبة لم تسقط بفوات إلى غير بدل كالجمعة وسائر الواجبات، ووافقنا الحنفية على أنها إذا فاتت لا يجب قضاؤها (وأما الجواب) عن دلائلهم فما كان منها ضعيفًا لا حجة فيه، وما كان صحيحًا فمحمول على الاستحباب جمعًا بين الأدلة والله أعلم اهـ.
(٢) عن أبى رافع (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا أبو عامر قال ثنا زهير عن عبد الله بنمحمد عن على بن حسين عن أبى رافع - الحديث" (غريبه) (١) أي لكل واحد منهما قرنان حسنان قاله النووي (وقوله أملحين) الأملح هو الأبيض الخالص، قاله ابن الأعرابي (وقال الأصمعي) هو الأبيض المشوب بشيء من السواد، (وقال أبو حاتم) هو الذي يخالط بياضه حمرة (وقال الكسائي) هو الذي فيه بياض وسواد والبياض أكثر (وقال الخطابي) هو الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات سود (وقوله موجبين) بفتح الميم وسكون الواو بعدها جيم مكسورة ثم ياءان تحتيتان أولاهما مشددة مفتوحة، والثانية ساكنة وأصله موجوءين كما في بعض الروايات حذفت منه الهمزة للتخفيف. ويكون من وجبته وجبًا فهو موحى (نه) (وقوله خصبين) تفسير لموجبيين يقال خصيت الفحل أخصيه خصاء الكسر والمد إذا سللت خصيبه تثنية خصبة وهي البيضة
[ ١٣ / ٦١ ]
-[ما يقول المضحي عند ذبح الضحية]-
سنين ليس رجلٌ من بنى هاشم يضحى (١)، قد كفاه الله المؤنة (٢) برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم والغرم (٣)
(٤٨) عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ أن رسول الله ﷺ ذبح يوم العيد كبشين ثم قال حين وجههما (٤) إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا (٥) مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (٦) بسم الله. الله أكبر. اللهم منك ولك عن محمد وأمته (٧)
(٤٩) عن أنس بن مالك ﵁ قال كان رسول الله صلى الله
_________________
(١) والرجل خصى والجمع خصيان وخصية (١) أي ممن لم يجد سعة ولولا ذلك لضحى، ويقال مثل ذلك في فقراء الأمة المحمدية اكتفاء بتضحية رسول الله ﷺ عنهم، وظاهره أنه يكتب لهم مثل ثواب من ضحى مادام المانع لهم قلة ذات اليد. والله أعلم (٢) بضم الميم وسكون الهمزة - معناه الثقل قال الشاعر * أميرنا مؤنثة خفيفة* والجمع مؤن كغرفة وغرف، وفيها لغة ثانية بفتح الميم وضم الهمزة كفعولة والجمع مئونات على لفظها، وفيها لغة ثالثة بضم الميم بعدها واو، والجمع مون كسورة وسور (٣) الغرم بضم الغين المعجمة وسكون الراء معناه الخسارة (تخريجه) (طب. بز) وسكت عنه الحافظ في التلخيص وقال الهيثمي إسناد أحمد والبزار حسن
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا يعقوب حدثني أبى عن ابن إسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن خالد بن أبى عمران عن أبى عياش عن جابر بن عبد الله - الحديث) (غريبه) (٤) أي إلى القبلة للذبح وفيه استحباب تلاوة هذه الآية عند توجيه الذبيحة للذبح (٥) لفظ أبي داود "إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم حنيفًا وما أنا من المشركين" (ولفظ ابن ماجه) كلفظ الإمام أحمد إلا أنه لم يذكر لفظ (مسلمًا) بعد قوله حنيفًا (٦) لفظ أبي داود "وأنا من المسلمين" (٧) زاد أبو داود "ثم ذبح" (تخريجه) (د. هق) وفي إسناده أبو عياش. قال الحافظ في التلخيص لا يعرف
(٣) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هشيم
[ ١٣ / ٦٢ ]
-[التسمية والتكبير عند الذبح وتضحية النبي ﷺ عمن لم يضح من أمته]-
عليه وعلى آله وصحبه وسلم يضحي بكبشين أقرنين أملحين وكان يسمي ويكبر، ولقد رأيته يذبحهما بيده واضعًا على صفاحهما (١) قدمه
(٥٠) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشٍ أقرن وقال هذا عني وعمن لم يضح من أمتي
(٥١) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عيد الأضحى فلما انصرف أتى بكبشٍ
_________________
(١) أنا شعبة عن قتادة ثنا أنس بن مالك - الحديث" (غريبه) (١) الصفاح جمع صفحة وصفحة كل شيء جانبه (وقيل) الذابح لا يضع رجله إلا على صفحته. فلم قال على صفاحهما؟ (وأجيب لعله على مذهب من قال إن أقل الجمع اثنان كقوله تعالى "فقد صغت قلوبكما" فكأنه قال صفحتيهما، وإضافة المثنى إلى المثنى تفيد التوزيع، فكان معناه وضع رجله على صفحة كل منهما أي على جانب عنق الأضحية الأيمن، وإنما فعل ذلك ليكون أثبت له وأمكن لئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه عن إكمال الذبح أو تؤذيه، وليس ذلك من تعذيبها المنهى عنه (تخريجه) (ق. والأربعة. وغيرهم)
(٢) عن أبي سعيد الخدري (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا سعيد بن منصور ثنا عبد العزيز بن محمد قال أخبرني ربيح بن عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه عن أبى سعيد الخدري- الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الإمام أحمد وسنده جيد، وروى نحو لفظه الطبراني في الأوسط والبزار من حديث أبي رافع وسنده حسن، ورواه الأربعة عن أبي سعيد بلفظ ضحى رسول الله ﷺ بكبش أقرن فحيل يأكل في سواد ويمشى في سواد وينظر في سواد (وقوله فحيل) بفتح الفاء وكسر الحاء المهملة أي كامل الخلقة لم يقطع انثياه، ولا اختلاف بين هذه الرواية وبين ما تقدم في حديث أبى رافع أنه ﷺ ضحى بكبشين خصيين لتعدد الوقائع وكل منهما فيه صفة مرغوبة، فالذي قطع منه انثياه يكون أسمن وأطيب لحمًا؛ والفحيل أتم خلقه "وقوله يأكل في سواد" سيأتي شرحه في شرح حديث عائشة الآتي في هذا الباب
(٣) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا إبراهيم ابن أبى العباس ثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن عمرو بن أبي عمرو أخبرني مولاي
[ ١٣ / ٦٣ ]
-[الذبح بالمصلى وما يستحب التضحية به من الضأن]-
فذبحه فقال بسم الله والله أكبر، اللهم إن هذا عني وعمن لم يضح من أمتي
(٥٢) عن عائشة زوج النبي ﷺ ورضي عنها أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن طأ في سوادٍ وينظر في سوادٍ ويبرك في سوادٍ (١) فأتى به ليضحى به، ثم قال يا عائشة هلمي إلى المدية ثم قال استحديها بحجر ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه وقال بسم الله (٤) اللهم تقبل من محمدٍ وآل محمدٍ ومن أمة محمدٍ، ثم ضحى به ﷺ
(٥٣) عن نافعٍ عن ابن عمر ﵄ قال كان يذبح أضحيته بالمصلى (٥) يوم النحر وذكر أن النبي ﷺ كان يفعله
_________________
(١) المطلب بن عبد الله بن حنطب أن جابر عبد الله قال صليت مع رسول الله ﷺ- الحديث" (تخريجه) (د. مذ) وقال هذا حديث غريب من هذا الوجه وقال المطلب بن حنطب يقال إنه لم يسمع من جابر، وقال أبو حاتم الرازي يشبه أن يكون أدركه
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هارون ثنا عبد الله بن وهب قال وقال حيوة أخبرنى أبو صخر عن ابن قسيط عن عروة ابن الزبير عن عائشة- الحديث" (غريبه) (١) معناه أن قوائمه سود وما حول عينيه كذلك وبطنه كذلك وباقيه أبيض وهو أجمل (قال الخطابى) تريد أن أظلافه ومواضع البروك منه وما أحاط بملاحظ عينيه من وجهه أسود وسائر بدنه أبيض (٢) أى هاتيها، والمدية بضم الميم وكسرها وفتحها وهي السكين (٣) لفظ مسلم اشحذيها بشين معجمة ثم حاء مهملة مفتوحة ذال معجمة ومعناهما واحد، أي حدديها. وهذا موافق لحديث الأمر بإحسان القتلة والذبح وإحداد الشفرة، وفيه استحباب إحسان الذبح وكراهة التعذيب كأن يذبح بما في حده ضعف (٤) أي عند ابتداء الذبح (تخريجه) (م. د. وغيرهم)
(٣) عن نافع عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا عبد الله ابن عمر وسمعته أنا من عبد الله بن محمد ثنا أبو أسامة عن أسامة عن نافع عن ابن عمر - الحديث" (غريبه) (٥) أي مكان صلاة العيد وهو الجبانة، والحكمة في لك أن يكون بمرأى من الفقراء فيصيبون من لحم الأضحة (تخريجه) (د. نس. جه)
[ ١٣ / ٦٤ ]
-[استحباب ذبح المضحى أضحيته بيده وجواز الاستعانة على ذلك بالغير]-
(٥٤) عن ابن عمر ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان ينحر يوم الأضحى بالمدينة قال وكان إذا لم ينحر ذبح (١)
(٥٥) وعنه أيضًا قال أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين يضحى
(٥٦) عن أبى الخير أن رجلًا من الأنصار حدثه عن رسول الله ﷺ أنه أضجع أضحيته ليذبحها، فقال رسول الله ﷺ للرجل أعنى على ضحيتي فأعانه
_________________
(١) وفي إسناده أسامة بن زيد بن أسلم العدوى ضعفه الأمام أحمد وابن معين من قبل حفظه، لكن روى البخارى معناه في صحيحه من طريقين، أحدهما موقوف على ابن عمر، والثاني مرفوع (ولفظ الأول) من طريق عبيد الله عن نافع قال "كان عبد الله ينحر في المنحر" قال عبيد الله يعنى منحر النبى ﷺ (ولفظ الثاني) من طريق كثير بن فرقد عن نافع أن ابن عمر ﵄ أخبره قال "كان رسول الله ﷺ يذبح وينحر بالمصلى" وهو يؤيد حديث الباب
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا ابن جريح قال بلغني عن نافع عن ابن عمر أن النبى ﷺ كان ينحر - الحديث" (غريبه) (١) معناه أنه ﷺ كان إذا لم يجد البعير ذبح الشاة (تخريجه) (نس. وغيره) وسنده جيد
(٣) وعنه أيضًا (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن زكريا حدثنا حجاج عن نافع عن ابن عمر قال أقام رسول الله ﷺ - الحديث" (تخريجه) (مذ) وحسنه
(٤) عن أبى الخير (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هاشم ثناليث ثنا يزيد بن أبى حبيب عن أبي الخير - الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد، وأورده الهيثمى وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (زوائد الباب) (عن أبى طلحة) ﵁ أن النبى ﷺ ضحى بكبشين أملحين فقال عند ذبح الأول عن محمد وآل محمد، وقال عند ذبح الثاني عمن آمن بى وصدقني من أمتى (عل. طب. طس) من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن جده ولم يدركه ورجاله رجال الصحيح (وعن أبى هريرة) ﵁ قال ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين أملحين أحدهما عنه وعن أهل بيته؛ والآخر عنه وعمن لم يضح من أمته، أورده الهيثمي وقال رواه ابن ماجه على الشك عن أبى هريرة أو عن عائشة، وراه الطبرانى في الأوسط والكبير
[ ١٣ / ٦٥ ]
-[زوائد الباب - ومذاهب العلماء في أفضل الضحايا]-
_________________
(١) وهذا لفظه وإسناده حسن (قلت) وروى الأمام أحمد نحوه من مسند عائشة عن أبى هريرة عن عائشة وفيه زيادة أملحين موجوءين وسيأتى في باب التضحية بالخصى (وعن حذيفة) وهو ابن أسيد قال كان رسول الله ﷺ يقرب كبشين أملحين فيذبح أحدهما فيقول اللهم هذا عن محمد وآل محمد، وقرب الآخر وقال اللهم هذا عن أمتي لمن شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ (طب) وفي يحيى بن نصر بن حاجب وثقه ابن عدى وضعفه جماعة (وعن النعمان ابن أبى فاطمة) ﵁ أنه اشترى كبشًا أعين أقرن وأن النبي ﷺ رآه فقال كأن هذا الكبش الذي ذبح إبراهيم، فعمد رجل من الأنصار فاشترى للنبي ﷺ منهذه الصفة فأخذه النبي ﷺ فضحى به (طب) ورجاله ثقات (وروى ابن ماجه) من طريق يونس ابن ميسرة بن حلبس قال خرجت مع أبى سعيد الزرقي صاحب رسول الله ﷺ إلى شراء الضحايا، قال يونس فأشار أبو سعيد إلى كبش أدغم ليس بالمرتفع ولا المتضع في جسمه، فقال لي اشتر لي هذا كأنه شبههه بكبش رسول الله ﷺ. غسناده صحيح قاله البوصيري في زوائد ابن ماجه، وقوله أدغم هو الذي يكون فيه أدنى سواد خصوصًا في أذنيه وتحت حنكه قال الحافظ السيوطي (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة مسائل (الأولى) أن المسلم الفقير الذي لا يمكنه التضحية لا يحرم من ثواب الضحية لأن النبي ﷺ ضحى عنه (الثانية) أنه يجوز للرجل أن يضحى عن نفسه وأهل بيته وأن يشركهم معه في الثواب (قال النووي) وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور (وكرهه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه) وزعم الطحاوى أن هذا الحديث منسوخ أو مخصوص "يعنى الحديث القائل بأن النبي ﷺ ضحى عن أهل بيته وأمته" وغلطه العلماء في ذلك، فإن النسخ والتخصيص لا يثبتان بمجرد الدعوى (الثالثة) يجوز للرجل أن يضحى بعدد من الحيوان، ومن ذبح واحدة أجزأت عنه، ومن ضحى بالضأن فالأفضل له أن يضحى بكبشين أقرنين أملحين سمينين على الصفة المذكورة في أحاديث الباب (وقد اختلف العلماء في أفضل ما يضحى به من النعم) فذهب الأئمة (أبو حنفة والشافعي وأحمد وداود) إلى أن الأفضل التضحية بالبدنة ثم البقرة ثم الضأن ثم المعز (وقال الأمام مالك) أفضلها الغنم ثم البقر ثم الأبل، قال والضأن أفضل من المعز وفحول كل نوع أفضل من خصيانه، وخصيانه أفضل من إناثه، وإناثه أفضل من فحول النوع الذي يليه وعلى هذا الترتيب، واحتج بأحاديث الباب المذكور فيها الضأن، وقال أشهب من أصحاب الأمام مالك الأبل أفضل من البقر (احتج الأولون) بحديث أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب
[ ١٣ / ٦٦ ]
-[مذاهب العلماء في ذبح الضحية بالمصلى وكونه بيد المضحى]-
_________________
(١) كبشًا اقرن، رواه الشيخان والأمام أحمد وتقدم ف باب فضل التبكير إلى الجمعة ص ٥٧ في الجزء السادس (قال النووي في شرح المهذب) وفيه دلالة لنا على مالك فيما خالف فيه. ولأن مالكًا وافقنا في الهدى أن البدنة فيه أفضل من البقرة فقس عليه، وأجاب عن الأحاديث المصرحة بأنه ﷺ ضحى بكبشين بأن ذلك لبيان الجواز أو لأنه لم يتيسر حينئذ بدنة ولا بقرة اهـ (قال الحافظ) قد أخرج البيهقي من حديث ابن عمر، كان النبي ﷺ يضحى بالمدينة بالجزور أحيانًا وبالكبش إذا لم يجد جزورًا، فلو كان ثابتًا لكان نصًا في موضع النزاع لكن في سنده عبد الله بن نافع وفيه مقال اهـ (قلت) يؤيده ما في الباب عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان ينحر يوم الأضحى بالمدينة، قال وكان إذا لم ينحر ذبح، وأخرجه النسائي أيضًا وسنده جيد، وظاهر معناه أنه إذا لم يجد البعير ذبح الشاه والله أعلم؛ وفي البخاري عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يذبح وينحر بالمصلى، وسيأتي في باب التضحية بالبعير عن عشرة الخ عن ابن عباس "قال كنا مع النبي ﷺ في سفر فحضر النحر فذبحنا البقرة عن سبعة، والبعير عن عشرة" فثبت أن رسول الله ﷺ ضحى بالأبل والبقر والغنم (الرابعة) يستحب للأمام أن ينحر أو يذبح بالمصلى (قال ابن بطال) هو سنة للأمام خاصة عند مالك، قال مالك فيما رواه ابن وهب إنما يفعل ذلك لئلا يذبح أحد قبله زاد المهلب وليذبحوا بعده على يقين وليتعلموا منه صفة الذبح اهـ (قال النووي) في شرح المهذب الأفضل (يعني لغير الأمام) أن يضحى في داره بمشهد أهله، هكذا قاله أصحابنا وذكر الماوردي أنه يختار للأمام أن يضحى للمسلمين كافة من بيت المال ببدنة في المصلى فإن لم يتيسر فشاة. وأنه ينحرها بنفسه. وإن ضحى من ماله ضحى حيث شاء، هذا كلامه اهـ (قلت) وثبت في أحاديث الباب عن نافع أن ابن عمر ﵄ كان يذبح أضحيته بالمصلى يوم النحر وذكر أن النبي ﷺ كان يفعله (الخامسة) يستحب للمضحى أن يتولى ذبح أضحيته بنفسه ولا يوكل في ذبحها إلا لعذر، وحينئذ يستحب أن يشهد ذبحها؛ وثبت في صحيح البخاري تعليقًا أن أبا موسى أمر بناته أن يضحين بأيديهن (قال الحافظ) وصله الحاكم في المستدرك ووقع لنا بعلو في خبرين كلاهما من طريق المسيب بن رافع أن أبا موسى كان يأمر بناته أن يذبحن نسائكهن بأيديهن وسنده صحيح اهـ، وإن استناب فيها معلمًا جاز بلا خلاف، وإن استناب كتابيًا كره كراهة تنزيه وأجزاء ووقعت التضحية عن الموكل (قال النووي) هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا مالكًا في إحدى الروايتين عنه فإنه لم يجوزها، ويجوز أن يستنيب صيبًا أو امرأة حائضًا، لكن يكره توكيل الصبي، وفي كراهة توكيل الحائض وجهان (قال أصحابنا) الحائض أولى بالاستبنانة من الصبي، والصبي أولى
[ ١٣ / ٦٧ ]
-[كلام العلماء في آداب الذبح والاستعانة عليه بالغير وما يقال عنده]-
_________________
(١) من الكتابي (قال أصحابنا) والأفضل لمن وكل أن يوكل مسلمًا فقيهًا بباب الذبائح والضحايا لأنه أعرف بشروطها وسننها والله أعلم اهـ، وحكى الشوكانى عن الهادوية اشتراط أن يكون الذابح مسلمًا فلا تحل عندهم ذبيحة الكافر ولا يجوز توكيله بالذبح (السادسة) يستحب إضجاع الغنم في الذبح وأنها لا تذبح قائمة ولا باركة بل مضجعة، لأنه أرفق بها، وبهذا جاءت الأحاديث وأجمع عليه المسلمون كما قال النووي (واتفق العلماء) على أن اضجاعها يكون على جانبها الأيسر، حكى ذلك النووي أيضًا لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها باليسار (ويستحب) أن يشحذ السكين لتكون أسرع في الذبح وعدم تعذيب الحيوان، ثم يسمى الله تعالى عند ابتداء الذبح وهذا مجمع عليه، لكن هل هو شرط أم مستحب؟ فيه خلاف بين العلماء سيأتي في كتاب الصيد والذبائح عند ذكر التسمية، ويستحب التكبير مع التسمية، فيقول بسم الله والله أكبر، ويستحب أيضًا أن يقول بعد التسمية والتكبير "إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض- إلى قوله وأنا أول المسلمين" ويستحب أيضًا أن يقول اللهم منك ولك (أواليك كما في بعض الروايات) اللهم تقبل منى (واستحبه الشافعية) والحسن وجماعة وكرهه الأمام أبو حنيفة، وكره الأمام مالك الهم منك وإليك وقال هي بدعة. قال النووي (السابعة) يجوز للرجل أن يستعين في ذبح أضحيته بالغير كما في حديث أبي الخير الأخير من أحاديث الباب أن رسول الله ﷺ استعان برجل في ذبح أضحيته بالغير كما في حديث أبى الخير الأخير من أحاديث الباب أن رسول الله ﷺ استعان برجل في ذبح أضحيته، وفي صحيح البخارى تعليقًا، وأعان رجل ابن عمر في بدنته أي عند نحرها (قال الحافظ) وهذا وصله عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال رأيت ابن عمر ينحر بدنة بمنى وهي باركة معقولة ورجل يمسك بحبل في رأسها وابن عمر يطعن (فائدتان) (الأولى) قال صاحب المهذب والمستحب أن يوجه الذبيحة لى القبلة لما روت عائشة ﵂ أن النبى ﷺ قال "ضحوا وطيبوا أنفسكم فإنه ما من مسلم يستقبل بذبيحته القبلة إلا كان دمها وقرنها وصوفها حسنات في ميزانه يوم القيامة" ولأنه قربة لابد فيها من جهة فكانت جهة القبلة أولى اهـ، وحديث عائشة المذكور رواه البيهقي وقال إسناده ضعيف (الثانية) قال النووي في شرح المهذب يستحب مع التسمية على الذبيحة أن يصلى على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عند الذبح نص عليه الشافعي في الأم، وبه قطع المصنف (يعني صاحب المهذب) في التنبيه وجماهير الأصحاب، هذا مذهبنا. ونقل القاضي عياض ﵀ عن مالك وسائر العلماء كراهتها، قالوا ولا يذكر عند الذبح إلا الله وحده اهـ (قلت) وهذا هو الذي اختاره لثبوته في أحاديث الباب والله الموفق للصواب
[ ١٣ / ٦٨ ]
-[حجة القائلين بأن الأضحية سنة لا واجبة]-
(٩) باب ما يجتنبه في العشر من أراد التضحية وما يقوم مقام الضحية للفقير
(٥٧) عن أم سلمة (زوج النبي ﷺ ورضى عنها) عن النبي ﷺ إذا دخلت العشر فأراد رجلٌ أن يضحى فلا يمس من شعره ولا من بشره (١) (وعنها من طريقٍ ثانٍ) (٢) عن رسول الله ﷺ من أراد أن يضحى (٣) فلا يقلم أظفاره ولا يحلق شيئًا من شعره في العشر الأول من ذي الحجة (وعنها من طريق ثالث) (٤) عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال من أراد أن ينحر في هلال (٥) ذي الحجة فلا يأخذن من شعره وأظفاره
(٥٨) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله
_________________
(١) عن أم سلمة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد سمع سعيد بن المسيب عن أم سلمة - الحديث" (غريبه) (١) أي فلا يزيل شيئًا من شعور بدنه بحلق أو تقصير أو نتف أو بأى نوع من أنواع الإزالة (ولا من بشره) كظفر ونحوه من أجزاء البدن (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا حسن قال ثنا ابن لهيعة قال حدثنى سعيد بن أبى هلال عن عمرو بن مسلم الجندي أنه قال أخبرن ابن المسيب أن أم سلمة زوج النبي ﷺ أخبرته عن رسول الله ﷺ أنه قال "قال أبو عبد الرحمن قال أبى وقال محمد بن عمرو يعني ابن علقمة عن عمرو بن مسلم بن عمار بن أكيمة أنه قال إن كان قاله كذا قال أبى في الحديث من أراد أن يضحى - الحديث" (٣) احتج به القائلون بأن الأضحية سنة لا واجبة، لأن قوله ﷺ من أراد مشعر بأن التضحية موكولة لأرادة الإنسان لا واجبة عليه، وهي أظهر الحجج وأقواها في هذه المسألة والله أعلم (٤) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن مالك بن أنس عن عمر أو عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة عن النبي ﷺ أنه قال- الحديث" (٥) أي في شهر ذي الحجة يوم النحر، لأنه قد يطلق الهلال ويراد به الشهر (تخريجه) (م. والأبعة) وجميع طرقه عند مسلم أيضًا.
(٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، هذا طرف من حديث طويل سيأتي بتمامه
[ ١٣ / ٦٩ ]
-[من لم يقدر على الضحية فليأخذ من شعره ويقلم أظفاره ويقص شاربه الخ]-
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال لرجل أمرت (١) بيوم الأضحى جعله الله عيدًا لهذه الأمة، فقال الرجل أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى (٢) أفأضحي بها؟ قال لا، ولكن تأخذ من شعرك، وتقلم (٣) أظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك فذلك تمام (٤) أضحيتك عند الله
_________________
(١) وسنده في تفسير سورة الزلزلة من كتاب التفسير إن شاء الله تعالى (غريبه) (١) ظاهر السياق يفيد أنه على بناء المفعول للخطاب، أو بناء الفاعل المتكلم أي أمرتك أو أمرت الناس، ويحتمل أنه على بناء المفعول للمتكلم، والمعنى أمرت بالتضحية في يوم الأضحى حال كونه عيدًا أو يوم الأضحى إن اتخذه عيدًا أو يوم الأضحى أن اتخذه عيدًا، والمعنى الأول أقرب إلى قول الرجل (٢) أصل المنيحة ما يعطيه الرجل غيره من ناقة أو شاه ليشرب لبنها ثم يردها عليه، ثم يقع على كل شاة لأن من شأنها أن يمنح بها. وهو المراد هنا ما أعطاه غيره ليشرب اللبن، ومنعه لأنه ملك الغير، وربما كان الرجل لا يفهم أن المنحة ترد وكان ذلك سببًا لقوله ﷺ في غير هذا الحديث "المنحة مردودة" وسيأتي في كتاب الوديعة والعارية (٣) من باب ضرب وتشديد اللام هنا أنسب للكثرة وكأنه ﷺ أرشده إلى فعل هذه الأمور ليشارك المسلمين في العيد والسرور وإزالة الوسخ فذاك يكفيه إذا لم يجد الأضحية (٤) أي هو ما يتم به أضحيتك بمعنى أنه يكتب لك به أضحية تامة، لا بمعنى أن لك أضحية ناقصة إن لم تفعل ذلك وإن فعلته تصير تامة والله أعلم (تخريجه) (د. نس. قط) وسنده جيد، والحاكم وقال صحيح الأسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي (الأحكام) حديث أم سلمة بجميع طرقة يدل على مشروعية عدم أخذ شيء من الشعر أو جزء من أجزاء البدن كالطفر ونحوه في عشر ذي الحجة لمن يريد التضحية، وهل هو واجب أو مستحب؟ اختلف العلماء في ذلك (فذهب الأئمة أحمد وإسحاق) وسعيد بن المسيب وربيعة وبعض أصحاب الإمام الشافعي إلى أنه يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحى في وقت الأضحية (وقال الإمام الشافعي) وأصحابه هو مكروه كراهة تنزيه وليس بحرام (وقال الإمام أبو حنيفة) لا يكره (وقال الإمام مالك) في رواية لا يكره، وفي رواية يكره، وفي رواية يحرم في التطوع دون الواجب، (احتج الأولون) بحديث الباب لأن النهى ظاهر في ذلك (واحتج الأمام الشافعي) ومن وافقه بالحديث المتقدم في باب من بعث يهدى الخ صحيفة ٣١ من هذا الجزء ولفظه عن
[ ١٣ / ٧٠ ]
-[كلام العلماء فيما يتركه من أراد التضحية من أخذ شيء من شعره وقلم ظفره]-
(١٠) باب السن الذي يجزئ في الأضحية
(٥٩) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ لا تذبحوا إلا مسنة (١) إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعةً (٢) من الضأن
_________________
(١) عائشة ﵂ قالت "كنت أقتل قلائد هدى رسول الله ﷺ ثم يرسل بهن ثم لا يحرم منه شيء" ورواه الشيخان أيضًا وفيه "ولا يحرم عليه شيء أحله الله حتى ينحر هديه" (قال الإمام الشافعي) البعث بالهدى أكثر من إرادة التضحية فدل على أنه لا يحرم ذلك، وحمل أحاديث النهى على كراهة التنزيه (قال الشوكاني) ولا يخفى أن حديث الباب أخص منه مطلقًا، فيبنى العام على الخاص ويكون الظاهر مع قال بالتحريم، ولكن على من أراد التضحية اهـ (قال النوويى) قال أصحابنا والمراد بالنهى عن أخذ الظفر والشعر النهى عن إزالة الظفر بقلم أو كسر أو غيره، والمنع من إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذ بنورة أو غير ذلك، وسواء شعر الأبط والشارب والعانة والرأس وغير ذلك من شعور بدنه، قال إبراهيم المروزي وغيره من أصحابنا حكم أجزاء البدن كلها حكم الشعر والظفر ودليله الرواية السابقة "يعني الطريق الأولى من حديث الباب" فلا يمس من شعره وبشره شيئًا (قال أصحابنا) والحكمة في النهي أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار، وقيل التشبه بالمحرم (قال أصحابنا) هذا غلط لأنه لا يعتزل النساء ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم اهـ والله أعلم (والحديث الثاني من أحاديث الباب) فيه دلالة على أن الفقير الذي لا يقدر على التضحية يستحب له أن يأخذ من شعره وأن يقلم أظفاره ويقص شاربه ويحلق عانته فذلك يكفيه عن الضحية، وله أن يفعل ذلك في العشر بدون حرج ليشارك الناس يوم العيد في زينتهم وسرورهم ونظافتهم، والله الموفق
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ثنا زهير عن أبي الزبير عن جابر - الحديث" (غريبه) (١) قال العلماء المسنة هي الثنية من كل شيء من الأبل والبقر والغنم فما فوقها؛ وقال صاحبها المختار والمصباح الثنى الذي يلقى ثنيتيه يكون من ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة؛ ومن ذوات الخف في السنة السادسة وهو بعد الجذع، والجمع ثناء بالكسر والمد، وثُنيان مثل رغيف ورغفان (٢) قال النووى الجذع من الضأن ماله سنة تامة، هذا هو الأصح عند أصحابنا وهو الأشهر عند أهل اللغة وغيرهم، وقيل ماله ستة أشهر، وقيل سبعة، وقيل ثمانية، وقيل ابن عشرة
[ ١٣ / ٧١ ]
-[حجة القائلين بتفضيل العنان في الضحية عن غيره]-
(٦٠) عن أبي كباش قال جلبت غبًا جذعانًا (١) إلى المدينة فكسدت على فلقيت أبا هريرة ﵁ فسألته فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول نعم أو نعمت الأضحية الجذع من الضأن فانتهبها الناس (٢)
(٦١) عن بعجة بن عبد الله عن عقبة بن عامرٍ ﵁
_________________
(١) حكاه القاضي وهو غريب، وقيل إن كان متوالدًا من بين شابين فستة أشهر، وإن كان من هرمين فثمانية أشهر اهـ (قلت) والجذع من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية، وقيل البقر في الثالثة، واقتصر عليه صاحب القاموس والله أعلم، وفي هذا الحديث التصريح بأنه لا يجوز الجذع ولا يجزئ إلا إذا عسر على المضحى وجود المسنة فيضحى بجذعة من الضأن، لكن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن سواء وجد غيره أم لا، أخذًا من حديث أبى هريرة وما بعده من أحاديث الباب فإنها مصرحة بالجواز مطلقًا فيحمل حديث جابر على الاستحباب والأفضل جمعًا بين الأحاديث، والمعنى يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن، والله تعالى أعلم (تخريجه) (م. د. نس. جه)
(٢) عن أبى كباش (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا وكيع ثنا سفيان قال حدثنى عثمان بن واقد يعنى العمرى عن كدام بن عبد الرحمن السلمى عن أبى كباش - الحديث" (غريبه) (١) بضم الجيم جمع جذع، وقوله فكمدت أي بارت ولم يقبل الناس على شرائها لفهمهم أن الجذعة من الضأن لا تجزئ ضحية (٢) أي أقبلوا على شرائها لما علموا من أبى هريرة أنها تجزئ حتى لم يبق منها شيء (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث حسن غريب، قال وقد روى هذا عن أبى هريرة موقوفًا، وقال في علله الكبير سألت محمد بن إسماعيل (يعني البخاري) عن هذا الحديث فقال رواه عثمان بن واقد فرفعه إلى النبي ﷺ ورواه غيره فوقفه على أبى هريرة، وسألته عن اسم أبى كباش فلم يعرفه اهـ، ويشهد له حديث عبادة بن الصامت عند أبى داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي مرفوعًا بلفظ "خير الضحية الكبش الأقرن" وأخرجه أيضًا الترمذي وزاد "وخير الكفن الحلة"
(٣) عن بعجة بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد عن هشام الدستوائي قال ثنا يحيى عن بعجة بن عبد الله - الحديث"
[ ١٣ / ٧٢ ]
-[الترخيص لبعض الصحابة بجواز التضحية بالجذع من المعز]-
أن رسول الله ﷺ قسم ضحايا بين أصحابه فأصاب عقبة بن عامر جذعة (١) فسأل النبي ﷺ عنها فقال ضح بها (ومن طريقٍ ثانٍ) (٢) عن أبي الخير عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ أعطاه غنمًا فقسمها على أصحابه (٣) ضحايا فبقى عتودٌ (٤) منها فذكره لرسول الله ﷺ فقال ضح به (٥)
(٦٢) عن زيد بن خالد الجهنى ﵁ قال قسم رسول الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم غنمًا للضحايا فأعطانى عتودًا جذعًا من المعز، قال فجئته به، فقلت يا رسول الله إنه جذعٌ، قال ضح به فضحيت به (٥)
_________________
(١) (غريبه) (١) الظاهر أن هذه الجذعة كانت من المعز لا من الضأن كما سيأتى في الطريق الثاني (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حجاج ثنا ليث بن سعد حدثنى يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير- الحديث (٣) يحتمل أن يكون الضمير للنبى ﷺ ويحتمل أن يكون لعقبة، وعلى كل يحتمل أن تكون الغنم ملكًا للنبي ﷺ وأمره بقسمتها بينهم تبرعًا، ويحتمل أن تكون من الفئ، وإليه جنح القرطبي حيث قال في الحديث إن الإمام ينبغي له أن يفرق الضحايا على من لم يقدر عليها من بيت مال المسلمين، وقال ابن بطال إن كان قسمها بين الأغنياء فهى من الفئ، وإن كان خص بها الفقراء فهي من الزكاة والله أعلم (٤) قال أهل اللغة العتود من أولاد المعز خاصة وهو ما رعى وقوى (قال الجوهرى) وغيره هو ما بلغ سنة، وجمعه اعتدة وعد أن بإدغام التاء في الدال والأصل عتدان (٥) الظاهر أن التضحية بالعتود كانت رخصة لعقبة بن عامر كما كان مثلها رخصة لأبى بردة بن تيار المذكور في حديث البراء بن عازب، وسيأتى في باب وقت الذبح، ويؤيد ذلك ما جاء في هذا الحديث عن البيهقي "فقال ضح بها أنت ولا رخصة لأحد فيها بعدك" (قال النووى) وسنده صحيح (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن زيد بن خالد الجهني (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا يعقوب ثنا أبى عن محمد بن إسحاق حدثني عمارة بن عبد الله بن طعمة عن سعيد بن المسيب عن زيد بن خالد الجهنى- الحديث" (غريبه) (٦) تضحية زيد بن خالد الجهنى وعقبة بن عامر بالجذعة من المعز كانت رخصة لهما. قال البيقهي والله أعلم (تخريجه) (هق) قال النووى وهذا الحديث رواه أبو داود بإسناد جيد حسن، وليس في رواية
[ ١٣ / ٧٣ ]
-[حجة القائلين بأن الجذعة من الضأن تجزئ مع وجود الثنية]-
(٦٣) عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل (١) من مزينة أو جهينة قال كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا كان قبل الأضحى بيومٍ أو بيومين أعطوا جذعين وأخذوا ثنيًا (١) فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إن الجذعة تجزئ مما تجزئ منه الثنية
(٦٤) عن محمد بن أبى يحيى قال حدثتني أمى عن أم بلال أن رسول الله ﷺ قال ضحوا بالجذع من الضأن فإنه جائزٌ
_________________
(١) أبي داود من المعز ولكنه معلوم من قوله عتود اهـ، أى لأنه لا يكون إلا من المعز كما تقدم
(٢) عن عاصم بن كليب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عاصم بن كليب - الحديث" (غريبه) (١) هذا الرجل صحابى واسمه مجاشع من بني سلم كما صرح بذلك في رواية أبى داود (٢) معناه أن الرجل منهم كان يشترى الثنية بجذعين لفهمه أن الجذعة من الضأن لا تجزئ في الضحية، فأخبرهم النبي ﷺ أنها تجزئ مما تجزئ منه الثنية، وهو حجة لما ذهب إليه الجمهور من أن الجذعة تجزئ مع وجود الثنية (تخريجه) (د. نس. جه) وسنده جيد (ولفظه عند أبي داود وابن ماجه) عن عاصم بن كليب عن أبيه قال كنا مع رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له مجاشع من بني سليم فعزت الغنم فأمر مناديًا فنادى أن رسول الله ﷺ كان يقول إن الجذع يوفى مما يوفى منه الثنى، قال أبو داود وهو مجاشع بن مسعود (ولفظه عند النسائي) عن عاصم بن كليب عن أبيه قال كنا في سفر فحضر الاضحى فجعل الرجل منا يشترى المسنة بالجذعتين والثلاثة، فقال لنا رجل من مزينة كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فحضر هذا اليوم فجعل الرجل يطلب المسنة بالجعتين والثلاثة. فقال رسول الله ﷺ إن الجذع يوفى مما يوفى منه الثنى
(٣) عن محمد بن أبى يحيى (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى ابن سعيد عن محمد بن يحيى - الحديث" (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبرانى في الكبير ورجاله ثقات اهـ، وأرده الحافظ في الإصابة في ترجمة أم بلال بنت هلال وعدها من الصحابة، وقال أخرجه مسدد وأحمد، قال وأخرجه ابن السكن من رواية يحيى القطان وقال في سياقه عن أم بلال امرأة من أسلم، وقال ابن منده تابعه حاتم بن إسماعيل والقاسم بن الحكم عن محمد بن أبى يحيى ثم قال هو وابن السكن، ورواه أبو ضمرة
[ ١٣ / ٧٤ ]
-[زوائد الباب وأحكامه - وحجة القائلين بجواز الجذع من الضأن]-
(٦٥) عن أم بلال ابنة هلال عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال يجوز الجذع من الضأن ضحيةً
_________________
(١) عن محمد بن أبي يحيى فقال عن أمه عن أم بلال عن أبيها (قال الحافظ) قلت أخرجه ابن ماجه من رواية عن محمد بن أبى يحيى كذلك، وذكرها كذلك العجلى في ثقات التابعين اهـ
(٢) عن أم بلال (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على بن بحر ثنا أبو ضمرة قال ثنا محمد بن أبى يحيى مولى الأسلميين عن أمه قالت أخبرتني أم بلال ابنة هلال- الحديث" (تخريجه) (جه. هق) وابن جرير الطبرى وأشار إليه الترمذي وسنده جيد (زوائد الباب) (عن عقبة بن عامر ﵁) قال ضحينا مع رسول الله ﷺ بالجذع من الضأن (ش) (وعن ابن عباس) ﵄ أن النبي ﷺ بعث بغنم إلى سعد بن أبى وقاص يقسمها بين أصحابه وكانوا يتمتعون فبقى منها تيس فضحى به سعد بن أبى وقاص في تمتعه (طب) ورجاله رجال الصحيح (وعن محمد بن سيرين) أن عمران بن حصين قال أضحى بجذع أحب إلى من أضحى بهرم الله أحق بالفتى أو الكريم (طب) ورجاله رجال الصحيح (وعن أبى هريرة) ﵁ قال كنا مع رسول الله ﷺ جلوسًا فجاءه رجل فدخل بجذع من الغنم سمين سيد، وجذع من الضأن مهزول خسيس، فقال يا رسول الله هذا جذع من الضأن مهزول خسيس وهذا جذع من المعز سمين سيد وهو خيرهما أفأضحى به؟ قال ضح به فإن لله الخير (عل) من رواية حنش العبدى ولم أجد من ترجمه السيد من المعز هو المسن وقيل الجليل وإن لم يكن مسنًا (ته) أورد هذه الأحاديث الحافظ الهيثمي عدا حديث عقبة بن عامر (الأحكام) حديث جابر المذكور أول الباب يدل على أنه لا يجزئ في الأضحية من الإبل والبقر والمعز إلا الثنى فما فوق "وتقدم تفسير الثنى في الشرح" ولا من الضأن إلا الجذع فما فوق "وتقدم تفسير الجذع في الشرح أيضًا" (وإلى ذلك ذهب كافة العلماء) إلا ما حكاه العبدرى وجماعة من الشافعية عن الزهرى أنه قال لا يجزئ الجذع من الضأن (وعن الأوزاعي) أنه يجزئ الجذع من الإبل والبقر والمعز والضأن، وحكى صاحب البيان عن ابن عمر كالزهرى وعن عطاء كالأوزاعي هكذا نقل هؤلاء، ونقل القاضي عياض الاجتماع على أنه يجزئ الجذع من الضأن وأنه لا يجزئ جذع المعز، احتج الجمهور لإجزاء جذع الضأن بالأحاديث التي جاءت في الباب عن جابر وأبى هريرة وعاصم بن كليب وأم بلال، وبحديث عقبة بن عامر المذكور في الزوائد، وفي حديث جابر التصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال فهو
[ ١٣ / ٧٥ ]
-[أقوال العلماء في السن التي تجزئ في الأضحية]-
_________________
(١) حجة على الزهري في قوله لا يجزئ الجذع من الضأن، وحجة على الأوزاعي في قوله بتعميم الأجزاء بالجذع من كل نوع (فإن قيل) ثبت في أحاديث الباب عن عقبة بن عامر وزيد بن خالد الجهني الأجزاء بالجذع من المعز، ومثل ذلك في الزوائد من حديث ابن عباس وعمران بن حصين وأبي هريرة وهي حجة للأوزاعي لأنه إذا ثبت الأجزاء بجذع المعز فجذع غيره أولى بالأجزاء (قلت) الجواب كما قال الحافظ أن ذلك كان في ابتداء الأمر ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز وغيره لا يجزئ إلا جذع الضأن كما في حديث جابر، واختص أبو بردة بن نيار وعقبة بن عامر بالرخصة ومنع الغير منها، فقد روى البيهقي عن عقبة بن عامر قال أعطاني رسول الله ﷺ غنمًا أقسمها ضحايا بين اصحابي فبقي عتود منها، فقال ضح به أنت ولا رخصة لأحد فيها بعدك، وتقدم تفسير العتود في الشرح وهو ما بلغ سنة من المعز، قال النووي سنده صحيح (قلت) ورواه أيضًا الشيخان والإمام أحمد "في أحاديث الباب" بدون قوله ولا رخصة لأحد فيها بعدك، وقد صحح النووي إسناده، فالزيادة مقبولة، وحديث أبي بردة بن نيار رواه أيضًا الشيخان والإمام أحمد وسيأتي في باب وقت الذبح وفيه أنه ضحى بعناق جذعة، والعناق هي الأنثى من المعز مالم يتم سنة، وأن النبي ﷺ، قال تجزئ عنه ولا تجزئ عن أحد بعده (فإن قيل) إن في كل من هذين الحديثين صيغة عموم فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني فما الجواب؟ (قلت) أجاب عن ذلك الحافظ ﵀ بأن أقرب ما يقال فيه أن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد أو تكون خصوصية للثاني، قال ولا مانع من ذلك لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره ضريحًا، قال ولم يثبت الأجزاء لأحد ونفيه عن الغير إلا لأبي بردة وعقبة، وإن تعذر الجمع فحديث أبي بردة أصح مخرجًا، والله أعلم قال واختلف القائلون بأجزاء الجذع من الضأن وهم الجمهور في سنة على آراء (أحدها) أنه ما أكمل سنة ودخل في الثانية وهو الأصح عند الشافعية (قلت والمالكية أيضًا) وهو الأشهر عند أهل اللغة (ثانيها) نصف سنة وهو قول الحنفية والحنابلة (ثالثها) سبعة أشهر، وحكاه صاحب الهداية من الح نفية عن الزعفران (رابعها) ستة أو سبعة حكاه الترمذي عن وكيع (خامسها) التفرقة بين ما تولد بين شابين فيكون له نصف سنة، او بين هرمين فيكون ابن ثمانية (قلت للمالكية قول بأن ابن ثمانية أشهر مطلقًا بغير تفرقة) (سادسها) ابن عشر (قلت هو قول آخر للمالكية) (سابعها) لا يجزئ حتى يكون عظيمًا، حكان ابن العربي وقال أنه مذهب باطل كذا قال، أفاده الحافظ (تنبيه) نقل جماعة من العلماء الإجماع على التضحية لا تصح إلا ببهيمة الأنعام، الإبل بجميع
[ ١٣ / ٧٦ ]
-[النهي عن التضحية بما فيه عيب]-
(١١) باب ما لا يضحى به لعيبه ولا يكره وما يستحب
(٦٦) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا همامٌ ثنا قتادة ثنا رجلٌ من بني سدوس يقال له جري بن كليبٍ عن علي بن أبي طالبٍ ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن غضباء (١) الأذن والقرن، قال فسألت سعيد (٢) بن المسيب، فقال النصف فما فوق ذلك (٣).
(٦٧) عن عليٍ ﵁ قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن نستشرف العين والأذن وأن لا نضحي بعوراء (٤) ولا مقابلةً ولا مدابرةً ولا شرقاء ولا خرقاء (زاد في رواية ولا جدعاء) قال زهيرٌ قلت لأبي إسحاق أذكر عضباء قال لا، قلت ما المقابلة قال يقطع ظرف
_________________
(١) أنواعها، والبقر ومثله الجاموس، والغنم وهي الضأن والمعز، ولا يجزئ شيء من الحيوان غير ذلك، وحكى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه يجوز أن يضحي ببقر الوحش عن سبعة. وبالظبي عن واحد. وبه قال داود في بقرة الوحش والله أعلم.
(٢) حدثنا عبد الله (غريبه) (١) بعين مهملة ثم ضاد معجمة فباء موحدة أي مقطوعة الأذن والمكسورة والقرن (قال في النهاية) واستعمال العضب في القرن أكثر منه في الأذن (٢) القائل فسألت سعيدًا هو قتادة كما صرح بذلك في رواية لأبي داود (٣) أي ما قطع النصف من أذنه أو قرنه أو أكثر من ذلك (تخريجه) (الأربعة. وغيرهم) وصححه الترمذي وسكت عنه أبو داود والمنذري، لكن ابن ماجه لم يذكر قول قتادة إلى آخره
(٣) عن علي ﵁ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حسن أبو موسى ثنا زهير ثنا أبو إسحاق عن شريح بن النعمان قال أبو إسحاق وكان رجل صدق عن علي ﵁ - الحديث" (غريبه) (٤) أي ننظر ونتأمل في سلامتها من آفة تكون بهما، وقيل إن ذلك مأخوذ من الشرف بضم الشين وهو خيار المال أي امرنا أن نتخيرها (٥) هي التي ذهب بصر إحدى عينيها بأي حال من الأحوال سواء بقيت الحدقة أو فقدت لفوات المقصود وهو كمال النظر (ولا مقابلة) بفتح الموحدة (قال في القاموس) هي شاة قطعت أذنها من قدام وتركت معلقة، ومثله في النهاية إلا أنه لم يقيد
[ ١٣ / ٧٧ ]
-[النهي عن التضحية بالشرقاء والخرقاء والجدعاء والمقابلة والمدابرة]-
الأذن، قلت ما المدابرة؟ قال يقطع مؤخر الأذن، قلت ما الشرقاء؟ قال تشق الأذن، قلت من الخرقاء؟ قال تخرق أذنها للسمة (١)
(٦٨) عن يزيد ذي مصرٍ قال أتيت عتبة بن عبد السلمى ﵁ فقلت يا أبا الوليد إني خرجت ألتمس الضحايا فلم أجد شيئًا يعجبني غير ثرماء (٢)
_________________
(١) بقدام (ولا مدابرة) بفتح المواحدة أيضًا هي التي قطعت أذنها من جانب (وفي القاموس) ما لفظه وهو مقابل ومدابر محض من أبويه، وأصله من الإقبالة والإدبارة وهو شق في الأذن ثم يفتل ذلك، فإن أقبل به فهو إقبالة وإن أدبر به فإدبارة والجلدة المعلقة من الأذن هي الإقبالة والإدبارة كأنها زنمة، والشاة مقابلة ومدابرة وقد دابرتها وقابلتها اهـ (ولا شرقاء) هي مشقوقة الأذن طولًا كما في القاموس (ولا خرقاء) قال في النهاية الخرقاء التي في أذنها خرق مستدير (ولا جدعاء) الجدع بسكون الدال المهملة قطع الأنف والأذن والشفة وهو بالأنف أخص فإذا أطلق غلب عليه، يقال رجل أجدع ومجدوع إذا كان مقطوع الأنف "نه" (١) من الوسم وهو العلامة، والمعنى أنهم كانوا يخرقون أذنها ليكون علامة تعرف بها (تخريجه) (هق. بز. ك. حب. والأربعة) وصححه الترمذي
(٢) عن يزيد ذي مصر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا علي بن بحر قال حدثنا عيسى بن يونس قال ثنا ثور بن يزيد حدثني أبو حميد الرعيني قال أخبرني يزيد ذي مصر قال أتيت عتبة بن عبد السلمي فقلت يا أبا الوليد إني خرجت التمس الضحايا فلم أجد شيئًا يعجبني غير ثرماء فما تقول، قال ألا جئتني بها؟ قلت سبحان الله تجوز عنك ولا تجوز عني؟ قال نعم إنك تشك ولا أشك. إنما نهى رسول الله ﷺ عن المصفرة والمستأصلة قرنها من أصله، والنجقاء التي تنجق عينها؛ والمشيبعة التي لا تتبع الغنم عجفًا وضعفًا وعجزًا، والكسراء التي لا تنفي، قال أبي وحدثني أحمد بن جناب حدثنا عيسى بن يونس فذكر نحوه (تنبيه) هذا الحديث رواه أبو داود والبخاري في تا ريخه، وقد جاء في أصل المسند محرفًا وفيه سقط وخلط أدركته بمجرد قراءته، فرجعت إلى أصح نسخة من نسخ أبي داود وصححته عليها ثم أثبته في المتن صحيحًا، وذكرته كأصله مخرفا في الشرح محافظة على الاصل، وسأشير إلى مواضع الخطأ منه في خلال شرحه والله الموفق (غريبه) (١) بالثاء المثلثة. والثرم هو سقوط الثنية من الأسنان، وقيل الثنية والرباعية، وقيل هو
[ ١٣ / ٧٨ ]
-[النهي عن التضحية بالمصفرة والمستأصلة والنجقاء والمشيعة والكسراء]-
فكرهتها فما تقول، قال افلا جئتني بها؟ قلت سبحان الله. تجوز عنك ولا تجوز عني؟ قال نعم. إنك تشك ولا أشك، إنما نهى رسول الله ﷺ عن المصفرة (١) والمستأصلة والبخقاء (٢) والمشيعة والكسراء، فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها، والمستأصلة التي استؤصل قرنها من أصله، والبخقاء التب تبخق عينها، والمشيعة التي لا تتبع الغنم عجفًا وضعفًا وعجزًا، والكسراء التي لا تنقي (٣)
(٦٩) عن سليمان بن عبد الرحمن قال سمعت عبيد بن فيروزٍ مولى
_________________
(١) أن تنقلع السن من أصلها مطلقًا، وإنما هي عنها لنقصان أكلها (له) (وقوله فكرهتها) هذا اللفظ سقط من الأصل (١) بالصاد المهملة الساكنة ثم فاء مفتوحة ثم راء مخففة ويجوز فتح الصاد وتشديد الفاء للتكثير وهي المستأصلة الأذن، سميت بذلك لأن صماخها صفرًا من الأذن أي خلوًا، يقال صفر الأناء إذا خلا وأصفرته إذا أخليته، وقيل هي المهزولة لخلوها من السمن (وقوله والمستأصلة) جاء في الأصل "والمستأصلة قرنها من أصلها" ولا معنى له في هذا الموضع، لأنه موضع عد الأنواع لا موضع تفسيرها على أن فيه خطأ أيضًا، ومعنى المستأصلة هي التي استؤصل قرنها من أصله كما فسرت في الحديث (٢) جاء في الأصل بنون ثم جيم بدل الباء المهملة والخاء وهو تحريف مخل، وصوابه بموحدة وخاء معجمة ثم قاف وهي التي تبخق عينها أي يذهب بصرها والعين صحيحة الصورة قائمة في موضعها (والمشيعة) بتشديد الياء التحتية ويجوز كسرها (قال في النهاية) إن كسرت الياء فلأنها أبدًا تشيع الغنم أي تمشي وراءها، وإن فتحت فلأنها تحتاج إلى من يشيعها أي يسوقها لتأخرها عن الغنم لعجفها وضعفها (والكسراء) سقطت هذه الكلمة من الاصل، ولابد من ذكرها لوجودها في تفسير الراوي للحديث، ومعناها المكسورة الرجل التي لا تقدر على المشي (٣) بضم التاء الفوقية وكسر القاف بينهما نون ساكنة أي التي لا نقي لها بكسر النون وهو الشحم أي لا شحم لها بسبب ما اعتراها من الضعف والهزال (تخريجه) (د. ك) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي وكذلك أبو داود والمنذري، وأخرجه البخاري في تاريخه
(٢) عن سليمان بن عبد الرحمن (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا
[ ١٣ / ٧٩ ]
-[حديث البراء بن عازب ﵁ في عيوب الأضحية]-
بني شيبان أنه سال البراء (بن عازبٍ) ﵁ عن الأضاحي ما نهى عنه رسول الله ﷺ وما كره، فقال قال رسول الله ﷺ أو قام فينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ويدي أقصر من يده (١) فقال أربعٌ لا تجزئ، العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسير التي لا تنقى، قال قلت فإني أكره أن يكون في القرن نقصٌ أو قال في الأذن نقصٌ أو في السن نقصٌ، قال ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحدٍ (٢)
(٧٠) عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال اشتريت كبشًا أضحي به فعدا الذئب فأخذ الإلية فسألت النبي ﷺ فقال ضح به
_________________
(١) عفان ثنا شعبة أخبرني سليمان بن عبد الرحمن - الحديث" (غريبه) (١) معناه أن النبي ﷺ كان يشير بيده عندما ذكر الحديث، ولما سئل البراء ويدي أقصر من يده "يعني النبي ﷺ" تأدبًا، وقد جاء ذلك صريحًا في الموطأ عن عبيد بن فيروز عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ سئل ماذا ماذا يتقي من الضحايا، فأشار بيده وقال أربعًا وكان البراء بن عازب يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسو لالله ﷺ - الحديث" (٢) بفتح الظاء المعجمة وإسكان اللام أي عرجها، وهي التي لا تلحق الغنم في مشيها (وقوله والكسير الخ) جاء في رواية للنسائي والترمذي العجفاء بدل الكسير، وكذلك في الموطأ أيضًا، أي الضعيفة (التي لا تنقى) أي لا شحم لها، وفي رواية قاسم بن أصبغ والكسيرة التي لا تنقى يزيد التي لا تقوم ولا تنهج من الهزال (٣) المراد لا تقل إنها لا تجوز عن أحد وإلا فلا يتصور التحريم والله أعلم (تخر يجه) (لك. والأربعة. وغيرهم) بأسانيد حسنة. قاله النووي في شرح المهذب، وقال قال أحمد بن حنبل ما أحسنه من حديث، وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
(٢) عن أبي سعيد الخدري (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا سفيان عن جابر عن محمد بن قرظة عن أبي سعيد الخدري - الحديث" (غريبه) (٤) بفتح الهمزة وسكون اللام، قال في مختار ولا تقل إليه بالكسر ولا لية، وتثنيتها أليان اهـ (قلت) وجمعها أليات بفتح الهمزة، والفرق بين مثناة وجمعه أن آخر المثنى نون
[ ١٣ / ٨٠ ]
-[الصفة المستحبة في الضحايا - وزوائد الباب]-
(٧١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال الجذع من الضأن خيرٌ من السيد (١) من المعز، قال داود السيد الجليل
(٧٢) وعنه أيضًا قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم دم عفراء (٢) أحب إلي من دم سوداوين
_________________
(١) وآخر الجمع تاء فوقية، وهو طرف الشاة، وفيه دلالة على أن ذهاب الألية ليس عيبًا في الضحية (تخريجه) (جه. هق) وفي إسناده جابر الجعفي فيه كلام. قال في الخلاصة جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي أحد كبار علماء الشيعة عن عامر بن وائلة والشعبي، وعنه شعبة والسفيانان وخلق، وثقه الثوري وغيره، وقال النسائي متروك، له في (د) فرد حديث، مات سنة ثمان وعشرين ومائة اهـ (قلت) وفي إسناده أيضًا محمد بن قرظة بفتحات، قال في الخلاصة مجهول وثقه ابن حبان والله أعلم
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عتاب قال ثنا عبد الله قال أنا داود بن قيس قال حدثني أبو ثقال المري عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (١) السيد من المعز هو المسن، وقيل الجليل وإن لم يكن مسنا، وبهذا الأخير فسره داود بن قيس أحد رجال والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وفي إسناده أبو ثفال بكسر الثاء المثلثة بعدها فاء، المري بضم الميم ثم راء، قال البخاري فيه نظر. وقال الحافظ في التقريب مشهور بكنيته مقبول من الخامسة
(٣) وعنه أيضًا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا قتيبة بن سعيد ثنا عبد العزيز بن محمد عن أبي ثفال المري عن رباح بن عبد الرحمن عنه أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (٢) العُفرة بياض ليس بالناصع بل كلون عفر الأرض وهو وجهها (نه) والعفراء على ما في القاموس البيضاء، قال أيضًا والأعفر من الظباء ما يعلو بياضه حمرة، أو الذي في سراته حمرة وأقرابه بيض، أو الأبيض ليس بالشدي البياض اهـ. وفيه استحباب التضحية بالأعفر من الحيوان وأنه أفضل من أسودين والله أعلم (تخريجه) (هق. ك) وسكت عنه الحاكم والذهبي، وفي إسناده أبو ثفال المري المتقدم ذكره في الحديث السابق (زوائد الباب) (عن أبي مسعود) قال قال رسول الله ﷺ لا يجوز من البدن العوراء والعجفاء ولا الجرباء ولا المصطلمة أطباؤها (طب) وفيه علي بن عاصم بن صهيب وفيه ضعف وقد وثق، والأطباء بسكون الطاء المهملة جمع طبي بالضم والكسر وهو الضرع
[ ١٣ / ٨١ ]
-[ما أجمع عليه العلماء من عيوب الضحايا وما اختلفوا فيه]-
_________________
(١) ومعناه المقطوعة ضروعها، ويقال له في ذوات الخف والظلف خِلف وضرع، وقد يقال لموضع الأخلاف من الخيل والسباع أطباء أيضًا (وعن حذيفة ﵁) قال أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن (بز. طس) وفيه محمد بن كثير القرشي الملائي وثقه ابن معين وضعفه جماعة (وعن كبيرة بنت أبي سفيان) ﵂ وكانت قد أدركت ال جاهلية وكانت من المبايعات، قالت قلت يا رسول الله إني قد أودت أربع بنين لي في الجاهلية قال اعتقي أربع رقبات، فأعتقت أبا سعيد وابناه ميسرة وجبيرًا وأم ميسرة قالت وقال لنا رسول الله ﷺ دم عفراء أزكى عند الله من دم سوداوين (طب) وفيه محمد بن سليمان بن مسمول وهو ضعيف (وعن أبي أمامة بن سهيل) ﵁ قال كنا نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون (خ) (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية سلامة الأضحية من العيوب المذكورة وعلى أن الجدع من الضأن أفضل من المسن من المعز، وأن العفراء أفضل من السوداء، والسمينة خير من الهذيلة، وللعلماء في عيوب الأضحية مذاهب (قال النووي) في شرح المهذب أجمعوا على أن العمياء لا تجزئ، وكذلك العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها والعجفاء (واختلفوا) في ذاهبة القرن ومكسورته، فمذهبنا يعني (مذهب الشافعي) أنها تجزئ (قال مالك) إن كانت مكسورة القرن وهو يدمي لم تجزه وإلا فتجزئة (وقال أحمد) إن ذهب أكثر من نصف قرنها لم تجزه سواء دميت أم لا، وإن كان دون النصف أجزأته، وأما مقطوعة الأذن فمذهبنا أنها لا تجزئ سواء قطع كلها أو بعضها، وبه قال (مالك وداود - وقال أحمد) إن قطع أكثر من النصف لم تجزه وإلا فتجزئه (وقال أبو حنيفة) إن قطع أكثر من الثلث لم تجزه، وقال أبو يوسف ومحمد إن بقي أكثر من نصف أذنها أجزأت (وأما مقطوعة بعض الألية) فلا تجزئ عندنا (وبه قال مالك وأحمد) (وقال أبو حنيفة) في رواية إن بقي الثلث أجزأت، وفي رواية إن بقي أكثرها أجزأت، وقال داود تجزئ بكل حال، وأما إذا أضجعها ليذبحها فعالجها فاعورت حال الذبح فلا تجزئ (وقال أبو حنيفة وأحمد) تجزئ والله أعلم، قال (وأجمع العلماء) على استحباب السمن في الأضحية والطيّب منها (واختلفوا في استحباب تسمينها) فمذهبنا ومذهب الجمهور استحبابه (وقال بعض المالكية) يكره لئلا يتشبه باليهود، وهذا قول باطل، وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي أمامة الصحابي ﵁ قال كنا نسمن الأضحية وكان المسمون يسمنون (قال) وافضلها البيضاء. ثم الصفراء. ثم الغبراء. وهي التي لا يصفو بياضها ثم البقاء. وهي التي بعضها أبيض وبعضها أسود. ثم السوداء اهـ (قلت) ويصح التضحية
[ ١٣ / ٨٢ ]
-[معنى الخصي والموجوء عند أهل اللغة]-
(١٢) باب التضحية بالخصى
(٧٣) عن أبي هريرة أن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ إذا ضحى اشتري كبشين عظيمين سمينين أقرنين املحين موجوءين (١) قال فيذبح أحدهما عن أمته ممن أقر بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، ويذبح الآخر عن محمدٍ وآل محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
(٧٤) عن أبي الدرداء ﵁ قال ضحى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بكبشين جذعين خصيين
(٧٥) عن أبي رافع (مولى رسول الله ﷺ ورضي عنه) قال ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين موجيين (٢) خصيين فقال أحدهما عمن شهد
_________________
(١) بالذكر والأنثى بالإجماع، والأفضل ما كان على صفة ما ضحى به النبي ﷺ والله أعلم
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا إسحاق بن يوسف قال أنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (١) الوجاء أن ترض انثيا الفحل رضا شديدًا أي تدق دقًا شديدًا يذهب شهوة الجماع؛ وقد وجئ وجاء فهو موجوء، وقيل هو أن توجأ العروق والخصيتان بحالهما وفسره في رواية أبي رافع بقوله خصيين، يقال خصيت الفحل أخصيه خصاء بالكسر والمد إذا سللت خصييه، والرجل خصيّ والجمع خصيان وخصية (وقال الجوهري) وغيره الموجوء منزوع الانثيين، وقيل هو المشقوق عرق الانثيين والخصيتان بحالهما (تخريجه) (جه. هق. ك) وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل فيه مقال، وسكن عنه الحاكم والذهبي
(٣) عن أبي الدرداء (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سريج ثنا أبو شهاب عن الحجاج عن يعلي بن نعمان عن بلال بن أبي الدرداء عن أبيه - الحديث" (تخريجه) (طب) وفي إسناده الحجاج بن أرطأة فيه مقال
(٤) عن أبي رافع (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حسين ثنا شريك عن عبد الله بن محمد عن علي بن حسين عن أبي رافع - الحديث" (غريبه) (٢) تقدم شرحه وتفسيره في حديث رقم ٤٧ صحيفة ٦١ من هذا الجزء
[ ١٣ / ٨٣ ]
-[مذاهب العلماء في حكم التضحية بالخصي]-
بالتوحيد وله بالبلاغ، والآخر عنه وعن أهل بيته، قال فكأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قد كفانا
(١٣) باب التضحية بالبعير عن عشرة
(وبالبقرة عن سبعة - وبالشاة لأهل البيت الواحد)
(٧٦) عن أبي عباس ﵄ قال كنا مع النبي ﷺ في سفرٍ فحضر النحر فذبحنا البقرة عن سبعةٍ والبعير عن عشرةٍ
_________________
(١) (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد وإسناده حسن (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جواز التضحية بالخصي، وبه قال جمهور العلماء (منهم الأئمة الأربعة) وكرهه بعض أهل العلم النقص العضو، ولكن ليس هذا عيبًا، لأن الخصاء يفيد اللحم طيبًا، وينفي عنه الزهومة وسوء الرائحة (قال النووي في شرح المهذب) يجزئ الموجوء والخصي، كذا قطع به الأصحاب وهو الصواب، وشذا ابن كج فحكى في الخصي قولين وجعل المنع هو قول الجديد (يعني مذهب الإمام الشافعي) وهذا ضعيف منابذ للحديث الصحيح اهـ (وقال ابن العربي) حديث أبي سعيد، يعني الذي أخرجه الأربعة وصححه الترمذي عن أبي سعيد قال "ضحى رسول الله ﷺ بكبش أقرن فحيل يأكل في سواد ويمشي في سواد وينظر في سواد" يرد رواية موجوءين، لأن معنى قوله فحيل أي كامل الخلقة لم تقطع أنثياه، وتعقب باحتمال أن يكون ذلك وقع في وقيتن (قال الشوكاني) وذهبت الهادوية إلى استحباب التضحية بالموجوء والظاهر أنه لا مقتضى لاستحباب ذلك؛ لأنه قد ثبت عنه ﷺ التضحية بالفحيل في حديث أبي سعيد فيكون الكل سواء اهـ (وفي أحاديث الباب أيضًا) استحباب التضحية بالسمين من الأنعام الأعظيم منها، وتقدم الكلام على هذه المسألة في أحكام الباب السابق والله الموفق
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا الحسن بن يحيى ثنا الفضل بن موسى عن حسين بن واقد عن علياء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس - الحديث" (غريبه) (٢) استدل به على مشروعية التضحية في السفر، واستدل بقوله "فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة" على جواز الاشتراك في الضحية إن كانت من الإبل أو البقر (تخريجه) (نس. مذ. جه. ش) وحسنه الترمذي
[ ١٣ / ٨٤ ]
-[حجة القائلين بأن الشاة تجزئ عن أهل البيت الواحد]-
(٧٧) عن أبي عقيل زهرة بن معبدٍ التيمي عن جده عبد الله بن هشام ﵁ وكان قد أدرك النبي ﷺ وذهبت به أمه زينب ابنة حميدٍ إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله بايعه، فقال النبي ﷺ هو صغيرٌ، فمسح رأسه ودعا له، وكان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله
(*) عن مخنف بن سليمٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال وهو واقفٌ بعرفاتٍ يا أيها الناس إن على كل أهل بيتٍ أو على كل أهل بيتٍ في كل عامٍ احضاةٌ وعتيرةٌ (وفي حديث أبي رافع (١» أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين موجيين خصيين، فقال أحدهما عمن شهد بالتوحيد وله بالبلاغ، والآخر عنه وعن أهل بيته (١) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
(٧٨) عن أبي الأشد السلمي عن أبيه عن جده (٢) قال كنت سابع سبعة مع رسول الله ﷺ قال فأمرنا نجمع لكل واحدٍ منا درهمًا فاشترينا
_________________
(١) عن أبي عقيل (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الله بن يزيد ثنا سعيد يعني ابن أبي أيوب حدثني أبو عقيل زهرة بن معبد التيمي - الحديث" (تخريجه) أورده الهثيمي وقال هو في الصحيح وغيره، خلا ذكر الأضخية، رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح (*) عن مخنف بن سليم الخ، هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب ما جاء في الأضحية والحث عليها الخ رقم ٤٤ صحيفة ٥٨، وإنما ذكرته هنا لمناسبة الترجمة (١) حديث أبي رافع تقدم في الباب السابق، وموضع الدلالة منه قوله "والآخر عنه وعن أهل بيته" ففيه أنه ﷺ صحى عن نفسه وأهل بيته بكبش واحد
(٢) عن أبي الأشد السلمي (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا إبراهيم بن أبي العباس قال ثنا بقية قال حدثني عقمان بن زفر الجهني قال حدثني أبو الأشد السلمي - الحديث" (غريبه) (٣) اختلف في اسمه، فقيل هو أبو المعلى نقله أبو موسى المديني عن ال عسكري، وقيل هو عمرو بن عبسة، أفاده الحافظ في تعجيل المنفعة
[ ١٣ / ٨٥ ]
-[زوائد الباب واختلاف العلماء في إجزاء الشاة عن الرجل وأهل بيته]-
أضحيةً بسبع الدراهم، فقلنا يا رسول الله لقد أغلينا بها (١) فقال رسول الله ﷺ أفضل الضحايا أغلاها وأسمنها، وأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فأخذ رجلٌ برجلٍ، ورجلٌ برجلٍ، ورجلٌ بيدٍ ورجلٌ بيدٍ ورجلٌ بقرنٍ (٢) ورجلٌ بقرنٍ، وذبحها السابع وكبرنا عليها جميعًا
_________________
(١) أي تغالينا ثمنها (٢) الظاهر أن هذه الأضحية كانت من البقر، لأن الكبش لا يجزئ عن سبعة، والبعير لا قرون له؛ والبقرة هي التي تجزئ عن سبعة ولها قرون فتعين أن تكون من البقر والله أعلم (تخريجه) (ك) وسكت عنه وقال الذهبي عثمان يعني ابن زفرثقة، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد، وأبو الأشد لم أجد من وثقه ولا جرحه وكذلك أبوه، وقيل أن جده عمرو بن عبسة اهـ (زوائد الباب) (عن عطاء بن يسار) قال سالت أبا أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصار كما ترى (لك. جه. مذ) وصححه (وعن الشعبي) عن أبي سريجة قال حملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت من السنة، كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين والآن يبخلنا جيراننا (جه) وإسناده صحيح (وعن عبد الله بن مسعود) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ الجزور في الأضحى عن عشرة (طب) وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط (وعن الحسن بن علي) ﵄ قال أمرنا رسول الله ﷺ أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما ن جد، البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة، وأن نظهر التكبير وعلينا السكينة والوقار (طب) أورده الهيثمي وقال فيه عبد الله بن صالح، قال عبد الملك بن شعيب بن الليث ثقة مأمون وضعفه أحمد وجماعة (قلت) ورواه الحاكم في المستدرك وقال لولا جهالة إسحاق بن بزرج لحكمت للحديث بالصحة وأقره الذهبي على ذلك (الأحكام) في أحاديث الباب مع الزوائد ما يدل على أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهل بيته، وإلى ذلك ذهب الإمامان (أحمد وإسحاق) محتجين بما جاء في ذلك من أحاديث الباب (وذهب الإمامان أبو حنيفة ومالك) إلى أن الشاة لا تجزئ إلى عن نفس واحدة (وذهبت الشافعية) كما قال الرافعي إلى أن الشاة الواحدة لا يضحى بها إلا عن واحد أيضًا، لكن إذا ضحى بها واحد من أهل بيت تأتي الشعار والسنة لجميعهم، قال وعلى هذا أحمل ما روي "أن النبي ﷺ ضحى بكبشين
[ ١٣ / ٨٦ ]
-[اختلاف العلماء في إجزاء البعير عن عشرة في الضحية]-
_________________
(١) قال اللهم تقبل من محمد وآل محمد" قال وكما أن الفرق ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية فقد ذكر الأصحاب أن التضحية كذلك وأن التضحية مسنونة لكل أهل بيت اهـ اكلام الرافعي (قال الشوكاني) وقال الهادي والقاسم تجزئ الشاة عن ثلاثة، وقيل تجزئ عن واحد فقط، وبه قال من سلف. وقد زعم النووي أنه متفق عليه وهو غلط، وقد وافقه على دعوى الإجماع ابن رشد، وكذلك زعم المهدي في البحر أنه لا قائل بأن الشاة تجزئ عن أكثر من ثلاثة وهو أيضًا غلط، والحق أنها تجزئ عن أهل البيت وإن كانوا مائة نفس أو أكثر كما قضت بذلك السنة، ولعل متمسك من قال إنها تجزئ عن واحد فقط القياس على الهدي. وهو فاسد الاعتبار، وأما من قال إنها تجزئ عن ثلاثة فقط فقد استدل لهم صاحب البحر بقوله ﷺ عن محمد وآل محمد، ثم قال ولا قائل بأكثر من الثلاثة فاقتصر عليهم اهـ. ولا يخفاك أن الحديث حجة عليه لا له وأن نفي القائل بأكثر من الثلاثة ممنوع والسند ما سلف (وفي أحاديث الباب أيضًا) دلالة على أن البعير يجزئ في الضحية عن عشرة والبقرة عن سبعة. وغلى ذلك ذهب (إسحاق بن راهويه والعترة وابن خزيمة) مستدلين بحديث ابن عباس المذكور في الباب وبحديثي ابن مسعود والحسن بن علي المذكورين في الزوائد. واختاره الشوكاني وقال هذا هو الحق. يعني أن البعير يجزئ عن عشرة في الأضحية (وذهب الجمهور) إلى أن البعير يجزئ عن سبعة فقط كالبقرة (قال النووي في شرح المهذب يجوز أن يشترك سبعة في بدنة أو بقرة للتضحية سواء كانوا كلهم أهل بيت واحد أو متفرقي، أو بعضهم يريد اللحم فيجزئ عن المتقرب، وسواء كان أضحية منذورة أو تطوعًا، هذا مذهبنا (وبه قال أحمد وداود وجماهير العلماء) إلا أن داود جوزه في التطوع دون الواجب، وبه قال بعض اصحاب مالك (وقال أبو حنيفة) إن كانوا كلهم متقربين جاز (وقال مالك) لا يجوز الاشتراك مطلقًا كما لا يجوز في الشاة الواحدة، واحتج أصحابنا بحديث جابر قال "نحرنا مع رسول الله ﷺ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة" رواه مسلم (وعنه أيضًا) قال خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة، رواه مسلم اهـ (قلت) حديث جابر الذي استدل به النووي وعزاه لمسلم رواه الإمام أحمد أيضًا من طرق متعددة، ونقدم في باب الاشتراك في الهدي صحيفة ٣٧ من هذا الجزء. وقد جمع الشوكاني بين حديثي جابر وابن عباس بأن حديث جابر محمول على الهدى، وحديث ابن عباس محمول على الأضحية وقال هذا هو الحق (قلت) وهو جمع حسن، وكأن حديث ابن عباس لم يصح عند الجمهور، أما البقرة فتجزئ عن سبعة فقط باتفاق العلماء في الهدي والأضحية والله أعلم
[ ١٣ / ٨٧ ]
-[من ذبح بعد الصلاة فقد أصاب السنة - ومن ذبح قبلها فلا نسك له]-
(١٣) باب وقت الذبح
(٧٩) عن زبيدٍ قال سمعت الشعبي يحدث عن البراء (بن عازبٍ) ﵁ وحدثنا عنه ساريةٍ في المسجد (١) قال ولو كنت ثم لأخبرتكم بموضعها، قال خطبنا رسول الله ﷺ، فقال إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك (٢) فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك (٣) فإنما هو لحمٌ قدمه لأهله ليس من النسك في شيءٍ، قال وذبح خالي أبو بردة بن نيازٍ ﵁ قال يا رسول الله ذبحت (٤) وعندي جذعةٌ خيرٌ من مسنةٍ، قال اجعلها مكانها ولم تجزئ أو توفِّ عن أحد بعدك (٥)
(٨٠) عن الأسود بن قيس قال سمعت جندبًا تحدث أنه شهد
_________________
(١) عن زبيد (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا شعبة قال زبيد أخبرني منصور ودواد وابن عون ومجالد عن الشعبي، وهذا حديث زبيد قال سمعت الشعبي يحدث عن البراء - الحديث" (غريبه) (١) القائل وحدثنا عند سارية في المسجد الخ هو الشعبي (والمعنى) يقول الشعبي حدثنا البراء بن عازب بهذا الحديث عند سارية في المسجد، والظاهر أنه مسجد النبي ﷺ بالمدينة. قال الشعبي (ولو كنت ثم) يعني هناك بالمسجد، لأخبرتكم بموضع السارية المذكورة، والظاهر أنه لم يكن بالمدينة حين حدث زبيدًا والله أعلم، وزبيد بالتصغير هو الإيامي بكسر الهمزة وتخفيف الياء (٢) أي نحر أضحيته إن كانت من الإبل أو ذبحها إن كانت من البقر أو الغنم بعد الصلاة فقد أصاب السنة وحصل له ثواب الضحية (٣) يعني قبل صلاة الإمام (وقوله فإنما هو لحم الخ) معناه أنه لا يثاب عليها ثواب الضحية، بل هي لحم له ينتفع به (٤) أي قبل الصلاة (وعندي جذعة) يعني من المعز، لأنه تقدم أن الجذعة من الضأن تجزئ ويؤيد أنها من المعز ما سيأتي في أحاديث الباب أنه قال يا رسول الله إن عندنا عناقا جذعة هي أحب إلى من مسنة، وتقدم أن العناق هي الأنثى من اولاد المعز ما لم تتم سنة (٥) يستفاد منه أن الجذعة من المعز لا تجزئ ضحية، وإنما أجزأت أبا بردة لأنها كانت خصوصية له (تخريجه) (ق. نس. وغيرهم)
(٢) عن الأسود بن قيس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان
[ ١٣ / ٨٨ ]
-[قصة أبي بردة بن نيار ﵁ مع امرأته حين ذبحت ضحيته قبل الصلاة]-
رسول الله ﷺ صلي (١) ثم خطب فقال من كان ذبح قبل أن يصلي (٢) فليُعد مكانها أخرى، وقال مرةً أخرى فليذبح، باسم الله (٣)
(٨١) عن بشر بن يسارٍ مولى بني حارثة عن أبي بردة بن نيارٍ ﵁ قال شهدت العيد (٤) مع رسول الله ﷺ قال فخالفت امرأتي حيث غدوت إلى الصلاة إلى أضحيتي فذبحتها وصنعت منها طعامًا، قال فلما صلى بنا رسول الله ﷺ وانصرفت إليها جاءتني بطعامٍ قد فرغ منه فقلت أنى هذا (٥)
_________________
(١) ثنا شعبة أخبرني الأسود بن قيس قال سمعت جندبًا - الحديث" (غريبه) (١) يعني صلاة عيد النحر، ولفظ مسلم "شهدت رسول الله ﷺ صلى يوم أضحى ثم خطب" الحديث وفيه أن الخطبة للعيد تكون بعد الصلاة وهو إجماع الناس اليوم (٢) جاء في لفظ آخر للإمام أحمد ومسلم "قبل أن نصلي" بالنون بدل الياء، وفي لفظ آخر للإمام أحمد "قبل صلاتنا" وقوله (وقال في مرة أخرى فليذبح) معناه أنه قال في رواية ثانية فليذبح مكانها أخرى بدل قوله فليعد (وفي رواية أخرى) لمسلم والإمام أحمد أيضًا "فليذبح على اسم الله" قال النووي ﵀ قال الكتَّاب من أهل العربية إذا قيل باسم الله تعين كتبة بالألف وإنما تحذف الألف إذا كتب بسم الله الرحمن الرحيم بكمالها، قال والمعنى أي قائلًا باسم الله هذا هو الصحيح في معناه (وقال القاضي عياض) يحتمل أربعة أوجه (أحدها) أن يكون معناه فليذبح لله والباء بمعنى اللام (والثاني) معناه فليذبح بسنة الله (والثالث) بتسمية الله على ذبيحته إظهارًا للإسلام ومخالفة لمن يذبح لغيره وقمعًا للشيطان (والرابع) تبركًا باسمه وتيمنًا بذكره كما يقال سر على بركة الله وسر باسم الله، وكره بعض العلماء أن يقال افعل كذا على اسم الله، قال لأن اسمه سبحانه على كل شيء (قال القاضي) هذا ليس بشيء: قال وهذا الحديث يرد على هذا القائل اهـ (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن بشير بن يسار (سنده) حدثنا عبد الله ح دثني أبي ثنا يعقوب بن إبراهيم قال ثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال حدثني بشير بن يسار مولى بني حارثة - الحديث" (غريبه) (٤) أي عيد الأضحى (وقوله فخالفت امرأتي الخ) أي أتت إلى أضحيتي بعد ذهابي إلى المسجد فذبحتها قبل الصلاة كقوله ﷺ فيمن يخلفوا عن الجمعة، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم أي آتيهم (٥) أي من أين لك هذا
[ ١٣ / ٨٩ ]
-[بقية قصة أبي بردة ﵁ مع امرأته]-
قالت أضحيتك ذبحناها وصنعنا لك منها طعامًا لتغدى (١) إذا جئت، قال فقلت لها والله لقد خشيت أن يكون هذا ألا ينبغي (٢) قال فجئت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال ليست بشيءٍ (٣) من ذبح قبل أن نفرغ من نسكنا فليس بشيءٍ فضح (٤) قال فالتمست مسنةً فلم أجدها، قال فجئته فقلت والله يا رسول الله للقد التمست مسنةً فما وجدتها، قال فالتمس جذعًا من الضأن فضحِّ به، قال فرخص له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الجذع من الضأن (٥) فضحى به حيث لم يجد المسنة
(٨٢) عن البراء (٦) عن خاله أبي بردة أنه قال يا رسول الله إنا عجلنا شاة لحمٍ (٧) لنا قال رسول الله ﷺ أقبل الصلاة؟ قلت نعم، قال تلك شاة لحمٍ (٨) قال يا رسول الله إن عندنا عناقًا جذعةً (٩) هي أحب إلي من
_________________
(١) أصله لتتغدى بتاءين حذفت إحداهما تخفيفًا (٢) أي ما فعلتيه من ذبح الأضحية لا يصح فعله قبل الصلاة (٣) أي لا تعد ضحية وإنما هو لحم قدمه لأهله كما سبق (وقوله من ذبح قبل أن نفرغ من نسكنا فليس بشيء) يفيد أن ذبح الأضحية لا يصح إلا بعد ذبح الإمام، وقد صرح بذلك في حديث جابر الآتي بعد حديث (٤) أي اذبح مكانها أخرى كما تقدم في الحديث السابق (٥) في هذا الحديث أنه ضحى بجذع من الضأن، وفي حديث الآتي بعد هذا أنه ضحى بجذع من المعز، ويجمع بينهما بتعدد الواقعة. وفي هذا أنه لا يضحي بالجذعة من الضأن إلا إذا لم يجد المسنة، وحمله الجمهور على الاستحباب (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد، ورجاله ثقات
(٢) عن البراء (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حجاج وحجين قالا ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء عن خاله - الحديث" (غريبه) (٦) هو ابن عازب الصحابي، وخاله أبو بردة اسمه هانئ بن نيار صحابي أيضًا ﵄ (٧) في رواية عند مسلم والنسائي (إني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني وأهل داري" يريد أنه عجل ذبحها قبل الصلاة لذلك (وقوله شاة لحم) أي شاة سمينة ذات لحم (٨) يريد أنها وقعت شاة لحم له ولأهل بيته ولم تقع نسكًا (٩) جذعة صفة لعناقا ولا يقال
[ ١٣ / ٩٠ ]
-[حجة المالكية في أن الضحية لا تجزئ إذا ذبحت قبل ذبح الإمام]-
مسنةٍ (١) قال تجزئ عنه ولا تجزئ عن أحدٍ بعده
(٨٣) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال صلى النبي ﷺ بنا يوم النحر بالمدينة فتقدم رجالٌ فنحروا وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر من كان قد نحر قبله أن يعيد بنحرٍ آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ (٤)
(٨٤) وعنه أيضًا أن رجلًا ذبح قبل أن يصلي النبي ﷺ عتودًا جذعًا
_________________
(١) عناقة، لأنه موضوع للأنثى من ولد المعز ما لم يتم سنة فلا حاجة إلى التاء الفارقة بين المذكر والمؤنث (وفي لفظ) فقال يا رسول الله عندي عتاق لبن (وفي لفظ) وعندي جذعة من معز (وفي لفظ) إن عندنا ماعزًا جذعة، وكل هذه الألفاظ في المسند من قصة أبي بردة (وفي لفظ لمسلم) من قصة أبي بردة أيضًا فقال يا رسول الله إن عندي جذعة معز، فقال ضح بها ولا تصلح لغيرك (١) المسنة هي الثنية وهي أكبر من الجذعة بسنة، فكانت هذه الجذعة أجود بطيب لحمها وسمنها. قاله النووي (وقوله تجزئ) في الأصل بهمزة في آخره وعليه فتكون التاء مضمومة ويجوز فتح التاء وسكون الجيم بلا همز أي تقضي قاله الجوهري، قال بنو تميم يقولون أجزات عنك شاة بالهمز، فعلى هذا يجوز بضم التاء وبهما قرئ "لا تجزئ نفس" (وفي لفظ) ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك وهي خير نسيكتيك، ومعناه أنك ذبحت صورة نسيكتين وهما هذه والتي قبل الصلاة وهذه أفضل، لأن هذه حصلت بها التضحية، والأولى وقعت شاة لحم، لكن له فيها ثواب لا لكونها ضحية، بل لكونه قصد بها الخير وأخرجها في طاعة الله، فلهذا دخلهما أفعل التفضيل، فقال هذه خير النسيكتين، فإن هذه الصيغة تتضمن أن في الأولى خيرًا ايضًا (وفي لفظ آخر) ولن تجزئ أو توفي عن أحد بعدك يشك الراوي، ومعنى توفي أي تكمل الثواب (وفي لفظ) ولن تفي بغير واو ولا شك، يقال وفي إذا أنجز فهو بمعنى ت جزي بفتح أوله، وكل هذه الألفاظ في المسند أيضًا (تخريجه) (ق. د. نس. وغيرهم)
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول صلى النبي ﷺ - الحديث" (غريبه) (٤) هذا صريح في أن من نحر قبل الإمام لا تجزئ عنه ولا تكون ضحية، وسيأتي الكلام على ذلك في الأحكام (تخريجه) (م. وغيره)
(٣) وعنه أيضًا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا حماد
[ ١٣ / ٩١ ]
-[الترخيص لأبي بردة بن نيار في التضحية بالجذعة من المعز]-
فقال رسول الله ﷺ لا تجزئ عن أحدٍ بعدك (١) ونهى أن يذبحوا حتى يصلوا
(٨٥) عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يوم النحر من كان ذبح قبل الصلاة فليعد، فقام رجلٌ (٢) فقاليا رسول الله هذا يومٌ يشتهي فيه اللحم وذكر هنةً (٣) من جيرانه فكأن رسول الله ﷺ صدقه، قال وعندي جذعةٌ هي أحب إليَّ من شاتي لحمٍ (٤) قال فرخص له فلا أدري بلغت رخصته من سواه أم لا (٥) قال ثم انكفأ رسول الله
_________________
(١) ابن سلمة أنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله - الحديث" (غريبه) (١) الظاهر أن هذه قصة أخرى غير قصة أبي بردة لأنها تغايرها من ثلاثة أوجه (أحدها) أن هذا الرجل ضحى بعتود جذع من المعز وهو لا يصلح ضحية مطلقًا (الثاني) أنه ذبحه قبل الصلاة وكل ما ذبح قبل الصلاة لا يجزئ وإن كان مسنًا (الثالث) أن النبي ﷺ لم يأمره بذبح غيره كما أمر أبا بردة، فالذي يظهر أن الرجل كان يجهل سن الضحية ووقتها فذبح جذعًا من المعز قبل الصلاة وكان فقيرًا لا يملك غيره، وقد علم النبي ﷺ منه ذلك فرخص له فيها دون غيره، وهذا لا ينافي الترخيص لأبي بردة في الجذع من المعز دون غيره، لأن القصة مختلفة والله أعلم (تخريجه) (طح. حب) وصححه، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد وأبو يعلي ورجالهما رجال الصحيح
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا إسماعيل أنا أيوب عن محمد عن أنس - الحديث" (غريبه) (٢) الظاهر أن هذا الرجل هو أبو بردة بن نيار ﵁ لأن سياق القصة واحد (٣) بفتحتين تأنيث هن ويكون كناية عن كل اسم جنس، وهذا معنى قول من قال يعبر بها عن كل شيء، والمراد هنا لاحاجة، أي فذكر أنهم فقراء محتاجون إلى اللحم (٤) أي أطيب لحمًا وأنفع لسمنها ونفاستها، وفيه إشارة إلى أن المقصود في الضحايا طيب اللحم لا كثرته، فشاة نفيسة أفضل من شاتين غير سمينتين بقيمتها بخلاف العقيقة فكثير العدد فيها أفضل (٥) هذا الشك بالنسبة إلى علم أنس ﵁؛ وقد صرح النبي ﷺ في حديث البراء المتقدم بأنها تجزئ عنه ولا تجزئ عن أحد بعده (وقوله ثم انكفأ الخ) انكفأ مهموز أي مال وانعطف، وفيه أجزاء الذكر في الأضحية وأن الأفضل أن يذبحها بنفسه وهما مجمع عليهما؛ وفيه جواز التضحية
[ ١٣ / ٩٢ ]
-[كلام العلماء في تفسير قوله "هذا يومٌ الطعام فيه كريه"]-
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى كبشين فذبحهما وقام الناس إلى غنيمةٍ (١) فتوزعوها أو قال فتجزعوها، هكذا قال أيوب
(٨٦) عن أبي زيدٍ الأنصاري ﵁ قال مر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بين أظهر ديارنا فوجدنا قتارًا (٢) فقال من هذا الذي ذبح؟ قال فخرج إليه رجلٌ منا (٣) فقال يا رسول الهل كان هذا يومٌ الطعام فيه كريه (٤) فذبحت لآكل وأطعم جيراني، قال فأعد
_________________
(١) بحيوانين. قاله النووي (١) بضم الغين المعجمة الغنم (وقوله فتوزعوها أو قال فتجزعوها) هما بمعنى، وهذا شك من أيوب أحد رجال السند، والمعنى أنهم قاموا إلى قطعة من أحد الكبشين فاقتسموها، وأصله من الجزع القطع؛ وجاء في بعض الروايات "ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا" والجزيعة القطعة من الغنم تصغير جذعة بالكسر وهو القليل من الشيء، يقال جزع له جزعة من المال. أي قطع له منه قطعة. هكذا ضبطه الجوهري مصغرًا (نه) (تخريجه) (م. نس. وغيرهما)
(٢) عن أبي زيد الأنصاري (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا عبد الوارث ثنا خالد عن أبي قلابة عن عمرو بن بُجدان عن أبي زيد الأنصاري - الحديث" (غريبه) (٢) بقاف مضمومة ومثناة فوقية مخففة وراء مهملة، وهو ريح القدر والشواء ونحو هذا، ففي القاموس (قتار) كهمام ريح البخور والشواء، فالإضافة من إضافة العام إلى الخاص، ويحتمل أن يراد بالقتار اللحم مجازًا (٣) الظاهر أن هذا الرجل هو أبو بردة بن نيار لأنه من الأنصار، قاله الحافظ (٤) في رواية أخرى للإمام أحمد ومسلم "مكروه" بدل كريه (قال القاضي عياض) كذا رويناه في مسلم مكروه بالكاف والهاء من طريق السنجري والفارسي، وكذا ذكره الترمذي، قال ورويناه في مسلم من طريق العذرى مقروم بالقاف والميم، قال وصوب بعضهم هذه الرواية وقال معناه يشتهى فيه اللحم، يقال قرمت إلى اللحم وقرمته إذا اشتهيته، قال وهي بمعنى قوله في غير مسلم عرفت أنه يوم أكل وشرب، فتعجلت وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني، وكما جاء في الرواية الأخرى "إن هذا يوم يشتهى فيه اللحم" كذا رواه البخاري (قلت والإمام أحمد) من حديث أنس (قال القاضي) وأما رواية مكروه فقال بعض شيوخنا صوابه اللحم فيه مكروه بفتح
[ ١٣ / ٩٣ ]
-[السنة ذبح الأضحية قبل الصلاة - وكل أيام التشريق ذبح]-
قال لا. والذي لا إله إلا هو ما عندي إلا جذعٌ من الضأن أو حملٌ (١) قالها ثلاث مراتٍ، قال فاذبحها ولا تجزئ جذعةٌ عن أحدٍ بعدك
(٨٧) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال إن أبي ذبح ضحيته قبل أن يصلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قل لأبيك يصلي ثم يذبح
(٨٨) عن جبيرٍ بن مطعمٍ ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال كل أيام التشريق ذبحٌ
_________________
(١) الحاء أي ترك الذبح والتضحية وبقاء أهله فيه بلا لحم حتى يشتهوه مكروه، واللحم بفتح الحاء اشتهاء اللحم (قال القاضي) وقال لي الأستاذ أبي عبد الله بن سليمان معناه ذبح ما لا يجزئ في الأضحية مما هو لحم مكروه لمخالفة السنة، هذا آخر ما ذكره القاضي (وقال الحافظ ابو موسى الأصبهاني) معناه هذا يوم طلب اللحم فيه مكروه شاق، وهذا حسن. أفاده النووي والله أعلم (١) أو للشك من الراوي، والحمل بفتحتين ولد الضائنة في السنة الأولى، والجمع حملان بضم الحاء المهملة، وتقدم تفسير الجذع، وهذا اللفظ غير محفوظ، والمحفوظ في الرواية الثابتة في الصحيحين وعند الإمام أحمد أيضًا، جذعة من المعز لا الضأن؛ والمحفوظ أحق أن يتبع (تخريجه) (جه) وفي إسناده عمرو بن بجدان بضم الموحدة (قال الحافظ) في التقريب تفرد عنه أبو قلابة من الثانية لا يعرف حالة، وقال صاحب الخلاصة روي عنه أبو قلابة فقط ووثقه ابن حبان
(٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاص (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حسن ثنا ابن لهيعة حدثني حي بن عبد الله المعافري أن ابا عبد الرحمن الحبلى حدثه عن عبد الله بن عمرو أن رجلًا أتى النبي ﷺ - الحدي" (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه حي بن عبد الله المعافري وثقه ابن معين. وغيره، وضعفه أحمد وغيره. وبقية رجال الطبراني رجال الصحيح
(٣) عن جبير بن مطعم، هذا طرف من حديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب وجوب الوقوف بعرفة رقم ٣٢٣ صحيفة ١٢٢ من الجزء اللثاني عشر ورجاله موثقون وأخرجه ابن حبان في صحيحه والبيهقي (وقال ابن القيم) في الهدي إن حديث جبير بن مطعم
[ ١٣ / ٩٤ ]
-[زوائد الباب - ومذاهب العلماء في وقت ذبح الأضحية]-
_________________
(١) منقطع لا يثبت وصله، ويجاب عنه بأن ابن حبان وصله وذكره في صحيحه كما سلف، وأورده الهيثمي عن جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال كل عرفات موقف وارفعوا عن عرفات، وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر، وكل فجاج مني منحر وكل أيام التشريف ذبح وقال رواه أحمد، وروى الطبراني في الأوسط عنه "أيام التشريق كلها ذبح" قال ورجال أحمد وغيره ثقات اهـ (قلت) لو كان في هذا الحديث انقطاع لأشار إليه الهثيمي والله أعلم (زوائد الباب) (عن أبي جحيفة) أن رجلًا ذبح قبل أن يصلي رسول الله ﷺ يوم النحر فقال رسول الله ﷺ لا تجزئ عنك، فقال يا رسول الله إن عندي جذعة فقال تجزئ عنك ولا تجزئ بعدك (عل. طب) ورجال الجميع ثقات (وعن أبي هريرة) عن النبي ﷺ أنه قال في يوم أضحى من كان ذبح أحسبه، قال قبل الصلاة فليعد ذبيحته (بز) وفيه بكر بن سليمان البصري وثقه الذهبي وروى عنه ج ماعة وبقية رجاله موثوقون (وعن سهل بن حثمة) أن ابا بردة بن نيار ذبح ذبحية بسحر، فلما انصرف ذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فقال من ذبح قبل الصلاة فليست تلك الأضحية إنما الأضحية ما ذبح بعد الصلاة. اذهب فضح، فقال يا رسول الله ما عندي إلا جذع من المعز، فقال اذهب فضح بها وليست فيها رخصة لأحد بعدك (طس) قال الذهبي حديثه منكر وذكر له حديثًا غير هذا والله أعلم، أورد هذه الأحاديث الحافظ الهيثمي (الأحكام) في أحاديث الباب بيان وقت ذبح الأضحية وأيامه وأوله وآخره، وما يفعل من خالف الوقت المشروع، وقد ذهب العلماء في ذلك إلى مذاهب شتى (قال ابن المنذر أجمعوا) أنها لا تجوز قبل طلوع الفجر يوم النحر اهـ واختلفوا فيما بعد ذلك (فقال الشافعي) وداود وابن المنذر وآخرون يدخل وقتها إذا طلعت الشمس ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين، فإن ذبح بعد هذا الوقت أجزأه سواء صلى الإمام أم لا، وسواء صلى الضحى أم لا، وسواء كان من أهل الأمصار أو من أهل القرى والبوادي والمسافرين، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا (وقال عطاء وأبو حنيفة) يدخل وقتها في حق أهل القرى والبوادي إذا طلع الفجر الثاني، ولا يدخل في حق أهل الأمصار حتى يصلي الإمام ويخطب، فإن ذبح قبل ذلك لم يجزه (وقال مالك) لا يجوز ذبحها إلا بعد صلاة الإمام وخطبته وذبحه (وقال أحمد) لا يجوز قبل صلاة الإمام ويجوز بعدها قبل ذبح الإمام وسواء عنده أهل الأمصار والقرى، ونحوه الحسن والأوزاعي وإسحاق بن راهويه (قال الثوري) لا يجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته وفي أثنائها (وقال ربيعة) فيمن لا إمام له إن ذبح قبل طلوع الشمس لا يجزئه وبعد طلوعها بجزيه (وسبب اختلافهم) اختلاف الأحاديث الواردة في الباب، وذلك أنه جاء
[ ١٣ / ٩٥ ]
-[مذاهب العلماء في الذبح بعد الصلاة - وهل المراد صلاة المضحي أو صلاة الإمام]-
_________________
(١) في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال للسائل قل لأبيك يصلي ثم يذبح جوابًا لقوله "إن أبي ذبح قبل أن يصلي" وفي حديث جندب أن النبي ﷺ قال من كان ذبح قبل أن يصلي فليعد (وفي رواية) قبل أن نصلي الأولى بالياء التحتية والثانية بالنون، رواهما الإمام أحمد ومسلم، ورواية النون موافقة لرواية أخرى عند الإمام أحمد بلفظ "قبل صلاتنا" وهذه صريحة في أن المراد صلاة النبي ﷺ ويكون المراد بقوله في حديث أنس المذكور في الباب "من كان ذبح قبل الصلاة" الصلاة المعهودة وهي صلاة النبي ﷺ وصلاة الأئمة بعد انقضاء عصر النبوة؛ ويؤيد هذا ما جاء في حديث جابر المذكور في الباب، ورواه أيضًا الطحاوي وأبو يعلي وابن حبان وصححه "أن رجلًا ذبح قبل أن يصلي رسول الله ﷺ فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة" لكن جاء في الباب حديث آخر لجابر أيضًا فيه "أن النبي ﷺ أمر من كان قد نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ولا ينحر حتى ينحر النبي ﷺ" ورواه مسلم كذلك، وظاهره أن الاعتبار بنحر الإمام وأنه لا يدخل وقت التضحية إلا بعد نحره، ومن فعل قبل ذلك أعاد كما هو صريح الحديث (وقد سلك الإمام مالك) ﵀ في هذا مسلك الاحتياط، فجمع بين هذه الأحاديث، وذهب إلى أن وقت النحر يكون لمجموع صلاة الإمام ونحره وهو أحسن المذاهب في هذا الباب لا يرد عليه أي اعتراض (قال الشوكاني) ﵀ وقد تأول أحاديث الباب من لم يعتبر صلاة الإمام وذبحه. بأن المراد بها الزجر عن التعجيل الذي يؤدي إلى فعلها قبل وقتها، وبأنه لم يكن في عصره ﷺ من يصلي قبل صلاته، فالتعليق بصلاته في هذه الأحاديث ليس المراد به إلا التعليق بصلاة المضحي نفسه، لكنها لما كانت تقع صلاتهم مع النبي ﷺ غير متقدمة ولا متأخرة وقع التعليق بصلاته ﷺ بخلاف العصر الذي بعده عصره فإنها تصلي صلاة العيد في المصر الواحد جماعات متعددة، ولا يخفى بعد هذا فإنه لم يثبت أن أهل المدينة ومن حولهم كانوا لا يصلون العيد إلا مع النبي ﷺ، ولا يصلح للتمسك لمن جوز الذبح من طلوع الشمس أو من طلوع الفجر ما ورد من أن يوم النحر يوم ذبح، لأنه كالعام، وأحاديث الباب خاصة فيبنى العام على الخاص اهـ والله أعلم (وفي حديث جبير ابن مطعم) ﵁ المذكور اخر أحاديث الباب دلالة على أن أيام التشريق كلها أيام ذبح وهي يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وقد تقدم الخلاف فيها في آخر أبواب العيدين في الجزء السادس، وكذلك روى الحافظ ابن القيم في الهدي عن علي ﵁ أنه قال أيام النحر يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده (قال النووي) ﵀ (وأما آخر وقت التضحية) فقال الشافعي تجوز في يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة بعده، وممن قال بهذا
[ ١٣ / ٩٦ ]
-[مذاهب العلماء في وقت ذبح الأضحية واختلافهم في التضحية بجذع المعز]-
_________________
(١) علي بن أبي طالب وجبير بن مطعم وابن عباس وعطاء والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن موسى الأسدي فقيه أهل الشام ومكحول وداود الظاهري وغيرهم (وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد) تختص بيوم النحر ويومين بعده، وروي هذا عن عمر بن الخطاب وعلي وابن عمر وأنس، ﵃ اهـ (قلت) وحكى الحافظ ابن القسم عن الإمام أحمد أنه قال وهو قول غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ، ورواه الأثرم عن ابن عباس (وقال سعيد بن جبير وجابر بن زيد) إن وقته يوم النحر فقط لأهل الأمصار، ولأهل القرى أيام التشريق (وقال ابن سيرين) إن وقته يوم النحر خاصة لأهل الأمصار وغيرهم (وحكى القاضي عياض) عن بعض العلماء أنها تجوز في جميع ذي الحجة، فهذه خمسة مذاهب، أرجحها الأول لأحاديث الباب والزوائد، وهي يقوي بعضها بعضًا، واختلفوا في جواز التضحية في ليالي أيام الذبح (فذهب الأئمة أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور) والجمهور إلى جوازه مع الكراهية (وقال الإمام مالك) في المشهور عنه وعامة أصحابه (ورواية عن الإمام أحمد) لا تجزيه في الليل بل تكون شاة لحم لا ضحية (قال الشوكاني) ولا يخفى أن القول بعدم الإجزاء وبالكراهة يحتاج إلى دليل، ومجرد ذكر الأيام في حديث الباب "يعني حديث جبير بن مطعم" وإن دل على إخراج الليالي بمفهوم اللقب، لكن التعبير بالأيام عن مجموع الأيام والليالي وبالعكس مشهور متداول بين أهل اللغة لا يكاد يتبادر غيره عند الإطلاق، وأما ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس أنه ﷺ نهى عن الذبح ليلًا، ففي إسناده سليمان بن سلمة الجبائري وهو متروك، وذكره عبد الحق من حديث عطاء بن يسار مرسلًا وفيه مبشر بن عبيد وهو أيضًا متورك، وفي البيهقي عن الحسن نهى عن جذاذ الليل وحصاده والأضحى بالليل. وهو وإن كانت الصيغة مقتضية للرفع مرسل اهـ (وقد ذهب جماعة من العلماء) إلى جواز التضحية بجذع المعز مستدلين على ذلك بما جاء في أحاديث الباب عن البراء بن عازب وأبي زيد الأنصاري وجابر بن عبد الله وبما جاء في الزوائد عن أبي جحيفة وسهل بن حثمة (وحكاه العبدري عن الأوزاعي) وحكاه صاحب البيان عن عطاء بن أبي براح، وحكاه ابن حزم عن عقبة بن عامر وزيد بن خالد وابن عمر وأم سلمة، وحكاه الرافعي وجهًا عند الشافعية. لكن قال النووي هو شاذ ضعيف بل غلط اهـ (قلت) ومنعه الجمهور، وأجابوا عن الأحاديث المذكورة بأنها خاصة بالرخصة لأبي بردة وفيها التصريح بأنها لا تجزئ عن أحد بعده، فهي حجة للمانعين لا عليهم (فإن قيل) ثبت هذا التصريح والترخيص لغير أبي بردة كعقبة بن عامر وسعد بن أبي وقاص وغيرهما (فالجواب) أن الأصل منع إجزاء الجذع من المعز وغيره إلا
[ ١٣ / ٩٧ ]
-[ما جاء في النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث]-
(١٥) باب النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث ونسخ ذلك
(٨٩) عن علي بن أبي طالبٍ ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ أن يبقى من نسككم (١) عندكم شيءٌ بعد ثلاثٍ
(٩٠) عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم مولى الزبير عن أمه وجدته أم عطاء قالتا والله لكأننا ننظر إلى الزبير بن العوام ﵁ حين أتانا على بغلةٍ له بيضاء، فقال يا أم عطاءٍ إن رسول الله ﵌ قد نهى المسلمين أن يأكلوه من لحوم نسكهم (٢) فوق ثلاثٍ، قالت فقلت بأبي
_________________
(١) جذع الضأن، لما ثبت في حديث جابر عند مسلم والإمام أحمد وغيرهما، وتقدم في باب السن الذي يجزئ في الأضحية بلفظ قال رسول الله ﷺ "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن" ولم يقل من المعز إلا لمن صح الرخيص له فيه، ويحمل قوله ولن تجزي عن أحد بعدك اي من غير من رخص له في ذلك جمعًا بين الأحاديث والله أعلم
(٢) عن علي بن أبي طالب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عثمان بن عمر ثنا ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد بن عبد الله بن قارظ عن أبي عبيدة مولى عبد الرحمن بن أزهر قال رأيت عليًا ﵁ وعثمان يصليان يوم الفطر والأضحى ثم ينصرفان يذكّران الناس، قال وسمعتهما يقولان إن رسول الله ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين، قال وسمعت عليًا ﵁ يقول نهى رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) النسك هي الأضاحي (وقوله بعد ثلاث) أي ثلاث ليال كما صرح بذلك في رواية لمسلم (قال القاضي عياض) يحتمل أن يكون ابتداء الثلاث من يوم ذبح الأضحية وإن ذبحت بعد يوم النحر، ويحتمل أن يكون من يوم النحر وإن تأخر الذبح عنه، قال وهذا أظهر ورجح الحافظ ابن القيم الأول، وهذا الخلاف لا يتعلق به فائدة عند من قال بالنسخ إلا باعتبار ما سلف من الاحتجاج بذلك على أن يوم الرابع ليس من أيام الذبح (تخريجه) (ق. نس. وغيرهما)
(٣) عن عبد الله بن عطاء (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن عطاء بن إبراهيم مولى الزبير - الحديث" (غريبه) (٢) أي ضحاياهم (وقولوها بأبي) معناه أفديك بأبي
[ ١٣ / ٩٨ ]
-[ما جاء في النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث]-
أنت فكيف نصنع بما أهدي لنا؟ فقال أما ما أهدي لكنَّ فشأنكن به (١)
(٩١) عن نافعٍ عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا يأكل أحدكم من أضحيته فوق ثلاث أيامٍ، وكان عبد الله إذا غابت الشمس من اليوم الثالث (٢) لا يأكل من لحم هديه
(فصل في نسخ النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث)
(٩٢) ز عن عليٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن زيادة القبور (٣) وعن الأوعية (٤) وأن تحبس لحوم الأضاحي بعد ثلاثٍ، ثم قال إني كنت هيتكم عن زيادة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة،
_________________
(١) يعني فكلوه أنى شئتم لأن النهي لا يتناول المهدي إليه، وإنما يتناول المهدى لأجل إطعام الفقراء (تخريجه) (عل. طب) وأورده الهثيمي وقال رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير، وعبد الله بن عطاء وثقه أبو حاتم وضعفه ابن معين، وبقية رجاله ثقات
(٢) عن نافع عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى عن ابن جريج أخبرني نافع عن ابن عمر - الحديث" (غريبه) (٢) يعني من أيام التشريق (وقوله لا يأكل من لحم هديه) الظاهر أن المراد بالهدي هنا الضحية بدليل قوله في أول الحديث لا يأكل أحدكم من أضحيته، وجاء هذا الحديث عند البخاري عن سالم عن عبد الله بن عمر ﵄ بلفظ "قال رسول الله ﷺ كلوا من الأضاحي ثلاثًا، وكان عبد الله يأكل بالزيت حين ينفر من منى من أجل رحوم الهدي" قال الحافظ يحتمل أن يكون ابن عمر كان يسوي بني لحم الهدي ولحم الأضحية في الحكم، ويحتمل أن يكون أطلق على لحم الأضحية لحم الهدي لمناسبة أنه كان بمنى والله أعلم (تخريجه) أخرجه مسلم بلفظه. والبخاري بمعناه. والنسائي الجزء المرفوع منه
(٣) "ز" عن علي ﵁ (سنده) حدثنا عبد الله حدثنا يزيد أنبأنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن ربيعة بن النابغة عن أبيه عن علي - الحديث" (غريبه) (٣) تقدم الكلام على شرحه في الباب الأول من أبواب زيارة القبول صحيفة في ٥٧ في الجزء الثامن (٤) يعني وعن الانتباذ في الأوعية المتخذة من الدُّبَّاء والحنتم
[ ١٣ / ٩٩ ]
-[جواز أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث وادخارها ونسخ النهي عن ذلك]-
ونهيتكم عن الأوعية فاشربوا فيها واجتنبوا كل ما أسكر، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تحبسوها بعد ثلاثٍ فاحبسوها ما بدا لكم (١)
(٩٣) عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال قال رسول الله ﷺ نهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها فوق ثلاث ليالٍ ثم بدا لي أن الناس يتحفون (٢)
_________________
(١) والنقير والمزفت، وتقدم شرح ذلك في الحديث الرابع عشر من كتاب الأيمان صحيفة ٧١ من الجزء الأول وسيأتي لذلك مزيد في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى (١) هذا الحديث مما صرح فيه بالناسخ والمنسوخ جميعًا (قال العلماء) يعرف نسخ الحديث تارة بنص كهذا. وتارة بإخبار الصحابي، ككان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، وتارة بالتاريخ إذا تعذر الجمع، وتارة بالإجماع كترك قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، والإجماع لا ينسخ. لكن يدل على وجود ناسخ، وهذه الأوامر ناسخة للنهي المتقدم، وسيأتي الكلام على حكم لحوم الأضاحي في الأحكام (تخريجه) (عل) وأورده الهثيمي وقال في الصحيح طرف منه. ورواه أبو يعلي وأحمد وفيه ربيعة بن النابغة (قال البخاري) لم يصح حديثه عن علي في الأضاحي اهـ (قلت) له شاهد من حديث عبد الله بن بريدة. رواه مسلم والإمام أحمد تقدم في الباب الأول من أبواب زيارة القبول المشار إليه آنفًا وهو يعضده
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن الحارث الجابر عن عبد الوارث مولى أنس بن مالك، وعمرو بن عامر عن أنس بن مالك، قال نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور، وعن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وعن النبيذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت، قال ثم قال رسول الله ﷺ بعد ذلك ألا إني قد نهيتكم عن ثلاث ثم بدا لي فيهن، نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدا لي أنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة، فزوروها ولا تقولوا هجرا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي - الحديث" (غريبه) (٢) التحفة ما أتحفت به الضيف من البر واللطف وكذا التحفة بفتح الحاء والجمع تحف (وقوله ويخبئون) بفتح أوله وثالثه أي يسترون ويحفظون (قال في المصباح) خبأت الشيء خبئًا مهموز من باب نفع سترته، ومنه الخابية وترك الهمز تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وربما همزة على الأصل وخبأته حفظته، والتشديد
[ ١٣ / ١٠٠ ]
-[جواز أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث وسبب النهي عنه ونسخه بعد ذلك]-
ضيفهم ويخبئون لغائبهم فامسكوا ما شئتم (١).
(٩٤) عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال إذا ضحَّى أحدكم فليأكل من أضحيته.
(٩٥) عن عائشة ﵂ قالت دفَّت (٢) دافَّة من أهل البادية حضرة (٣) الأضحى فقال النَّبيُّ ﷺ كلوا وادَّخروا لثلاثٍ، فلمَّا كان بعد ذلك قالوا يا رسول الله كان الناس ينتفعون من أضاحيهم يجملون (٤) منها الودك ويتَّخذون منها الأسقية، قال وما ذاك؟ قالوا الذي نهيت عنه من إمساك لحوم الأضاحي
_________________
(١) تكثير ومبالغة والخبء بالفتح اسم لما خبئ اهـ (١) ليس هذا آخر الحديث (وبقيته) ونهيتكم عن النبيذ في هذه الأوعية فاشربوا بما شئتم ولا تشربوا مسكرًا، فمن شاء أو كاسقاءه على إثمٍ، وهذا الحديث تقدم بعضه في الباب الأول من زيارة القبور وسيأتي في كتاب الأشربة (تخريجه) (د. نس. ك) وفي إسناده يحيى بن الحارث الجابر، قال الذهبي الجابر ضعيفٌ.
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أسود بن عامرٍ قال ثنا الحسن يعني ابن صالحٍ عن ابن أبي ليلى عن عطاءٍ عن أبي هريرة - الحديث". (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمدٌ ورجاله رجال الصحيح، اهـ (قلت) وأورده الحافظ السيوطي في الجامع الصغير وعزاه للإمام أحمد فقط ورمز له بعلامة الصحة.
(٣) عن عائشة ﵂ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى عن مالكٍ قال حدثني عبد الله بن أبي بكرٍ عن عمرة عن عائشة -الحديث" (غريبه) (٢) دف بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء أي جاء (قال أهل اللغة) الدافة قوم يسيرون جماعةً سيرًا ليس بالشديد. يقال هم يدفون دفيفًا، والبادية والبدو بمعنى. وهو ضد الحضر؛ والمراد الأعراب الذين يسكنون البادية (٣) بفتح الحاء وضمها وكسرها والضاد ساكنةٌ فيها كلها. وحكي فتحها وهو ضعيفٌ، وإنما تفتح إذا حذفت الهاء، يقال بحضرة فلانٍ. كذا قال النووي (٤) بفتح الياء التحتية مع كسر الميم وضمها ويقال بضم الياء مع كسر الميم، يقال جملت الدهن أجمله بكسر الميم، وأجمله بضمها جملًا، وأجملته أجمله إجمالًا أي أذبته وهو بالجيم (والودك) بفتح الداء المهملة هو دسم اللحم
[ ١٣ / ١٠١ ]
-[حديث عائشة في سبب النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ]-
قال إنَّما نهيت عنه للدافَّة التي دفَّت، فكلوا وتصدقوا وادخروا (١)
(٩٦) عن عابس بن ربيعة قال قلت لعائشة ﵂ هل كان رسول الله ﷺ حرَّم لحوم الأضاحي حتى بعد ثلاثٍ؟ قالت لا، ولكن لم يكن يضحَّي منهنَّ (٢) إلا قليلٌ ففعل، وذلك ليطعم من ضحَّى من لم يضحِّ، ولقد رأيتنا نخبأ (٣) الكراع من أضاحينا، ثم نأكلها بعد عشر (٤) (وعنه من طريق ثان) (٥) عن عائشة ﵂ قال سألناها أكان رسول الله ﷺ نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثٍ، فقالت ما قاله إلا في عامٍ جاع الناس فيه فأراد أن يطعم الغنيُّ الفقير، وقد كنا نرفع الكراع فنأكلها
_________________
(١) هذا تصريحٌ بزوال النهي عن ادخارها فوق ثلاثٍ، وفي الأمر بالصدقة منها والأمر بالأكل، وسيأتي الكلام على مقدار ما يؤكل وما يتصدق به في الأحكام (تخريجه) رواه الشيخان في صحيحيهما (وغيرهما).
(٢) عن عابس بن ربيعة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حسنٌ قال ثنا زهيرٌ قال ثنا أبو إسحاق عن عابس بن ربيعة- الحديث" (غريبه) (٢) هكذا في الأصل (منهن) بنون النسوة، والظاهر أن صوابه (منهم) بميم الجمع للذكور، والمعنى أنه لم يضح من الناس إلا قليلٌ في ذاك العام لما أصابهم من المجاعة فيه كما يستفاد ذلك من الطريق الثانية (وقولها ففعل) أي فنهى عن ادخار اللحم بعد ثلاثٍ ليطعم من ضحى من لم يضح (٣) بفتح أوله وسكون ثانيه أي ندخر الكراع بضم الكاف، قال الإمام أبو منصور الأزهري رحمه الله تعالى، قال الليث الكراع من الإنسان ما دون الركبة. ومن الدواب ما بين كعوبها، ويقال هذه كراع وهو الوظيف، قال وكراع كل شيء طرفه وكراع الأرض ناحيتها اهـ (وقال في المصباح) الكراع وزن غراب من الغنم والبقر بمنزلة الوظيف من الفرس وهو مستدق الساعد، والكراع أنثى والجمع أكرعٌ مثل أفلس ثم تجمع على كارعٍ اهـ (٤) أي بعد عشر ليالٍ؛ وفي الطريق الثانية بعد خمس عشرة (وفي لفظ للنسائي) كنا نخبأ الكراع لرسول الله ﷺ شهرًا ثم يأكله وذلك بعد سنة النهي (٥) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق قال أنا سفيان عن عبد الرحمن بن عابسٍ عن
[ ١٣ / ١٠٢ ]
-[الأمر بأكل لحوم الأضاحي وادخارها ونسخ النهي عن ذلك]-
بعد خمس عشرة، قلت فما اضطرَّكم إلى ذلك؟ فضحكت (١) وقالت ما شبع آل محمَّد ﷺ من خبزٍ مأدومٍ ثلاث ليال حتى لحق بالله ﷿.
(٩٧) عن يزيد بن أبي يزيد الأنصاريِّ عن امرأته أنَّها سألت عائشة ﵂ عن لحوم الأضاحي، فقالت عائشة ﵂ قدم علينا عليٌّ من سفرٍ فقدَّمنا إليه منه، فقال لا آكله حتى أسأل عنه رسول الله ﷺ (٢) قالت فسأله عليٌّ ﵁ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم كلوه من ذي الحجَّة إلى ذي الحجَّة.
(٩٨) عن سليمان بن أبي سليمان عن أمِّه أمِّ سليمان وكلاهما كان ثقةً قالت دخلت على عائشة زوج النَّبيِّ ﷺ فسألتها عن لحوم الأضاحي
_________________
(١) أبيه عابس بن ربيعة عن عائشة ﵂ قال سألناها - الحديث (١) إنما ضحكت ﵂ تعجبًا من قول السائل فما اضطركم إلى ذلك. لأنه سألها بعد وفاة النبي ﷺ والناس في رغدٍ من العيش؛ وقد غفل عما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من ضيق المعيشة في أول أمره، نعم قد وسع الله عليه بعد الفتوحات وأقبلت عليه الدنيا، ولكنه ﷺ لم يقبل عليها بل زهد فيها وبقي على ما كان عليه حتى توفاه الله ﷿. ولذلك قالت عائشة ﵂ "ما شبع آل محمدٍ ﷺ من خبزٍ مأدومٍ إلخ" (تخريجه) (نس. مذ) وقال هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(٢) عن يزيد بن أبي يزيد الأنصاري (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حجاجٍ ثنا ليثٍ حدثني الحارث بن يعقوب الأنصاري عن يزيد بن أبي يزيد الأنصاري - الحديث" (غريبه) (٢) إنما لم يأكله عليٌّ ﵁ لأنه كان يعلم النهي عن ذلك من النبي ﷺ ولم يعلم بالرخصة فتوقف عن الأكل حتى يسأل النبي ﷺ (٣) معناه ادخروا وكلوا منه طول العام إن شئتم من ذي الحجة إلى ذي الحجة (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد.
(٣) عن سليمان بن أبي سليمان (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعقوب قال حدثني أبي عن محمد بن إسحاق قال حدثني يزيدٌ بن أبي حبيبٍ عن سليمان بن
[ ١٣ / ١٠٣ ]
-[قصة أبي سعيدٍ من زوجته وامتناعه عن أكل لحم الضحية بعد ثلاث]-
فقالت قد كان رسول الله ﷺ نهى عنها ثم رخَّص فيها، قدم عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ من سفرٍ فأتته فاطمة بلحمٍ من ضحاياها، فقال أولم ينه عنها رسول الله ﷺ فقالت إنَّه قد رخَّص فيها، قالت فدخل عليٌّ على رسول الله ﷺ فسأله عن ذلك، فقال كلها من ذي الحجِّة إلى ذي الحجِّة.
(٩٩) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال كان رسول الله ﷺ قد نهانا عن أن نأكل لحوم نسكنا فوق ثلاثٍ، قال فخرجت في سفرٍ ثم قدمت على أهلي، وذلك بعد الأضحى بأيَّامٍ، قال فأتتني صاحبتي (١) بسلقٍ قد جعلت فيه قديدًا، فقلت لها أنَّى ذلك (٢) هذا القديد؟ فقالت من ضحايانا، قال فقلت لها أولم ينهنا رسول الله ﷺ عن أن نأكلها فوق ثلاث، قال فقالت إنه رخَّص للنَّاس بعد ذلك، قال فلم أصدِّقها حتى بعثت إلى أخي قتادة بن النُّعمان وكان بدريًّا (٣) أسأله عن ذلك، قال فبعث إليَّ أن كل طعامك فقد صدقت
_________________
(١) أبي سليمان - الحديث" (تخريجه) أورده الهيثمي وقال حديث عائشة في الصحيح خاليًا عن حديث فاطمة، ولذلك ذكره الإمام أحمد في مسند فاطمة، رواه أحمد والطبراني في الأوسط وقال لم ترو أم سليمان غير هذا الحديث اهـ (قال الهيثمي) وثقت كما نقل في المسند وبقية رجال أحمد ثقاتٌ اهـ (قلت) وقول الهيثمي وثقت كما نقل في المسند. يشير إلى قوله في الحديث، وكلاهما كان ثقةً، وقد جاء هذا الحديث عند الإمام أحمد في مسند فاطمة بنت رسول الله ﷺ كما قال الهيثمي.
(٢) عن أبي سعيد الخدري (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعقوب قال ثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال حدثني محمدٌ بن عليٍ بن حسين بن جعفر وأبو إسحاق بن يسار عن عبد الله بن خبار مولى بني عدي بن النجار عن أبي سعيدٍ الخدري -الحديث" (غريبه) (١) يعني زوجته (وقوله بسلق) بكسر السين المهملة وسكون اللام بنت معروف يؤكل مطبوخًا (والقديد) تقدم تفسيره قريبًا وهو اللحم المجفف في الشمس من لحوم الضحايا (٢) أي من أين لك هذا (٣) يعني ممن حضروا غزوة بدر
[ ١٣ / ١٠٤ ]
-[حجة القائلين بمشروعية الأضحية للمسافر والحاج وجواز التزود منها]-
قد أرخص رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم للمسلمين في ذلك.
(١٠٠) عن عبد الله (يعني ابن مسعودٍ ﵁) عن النبيٍّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أنه قال إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها (١) ونهيتكم أن تحبسوا لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ فاحبسوا، ونهيتكم عن الظّروف (٢) فانتبذوا فيها واجتنبوا كل مسكرٍ.
(١٠١) عن ثوبان (مولى رسول الله ﷺ ورضي عنه) قال ذبح رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أضحيةً (٢) ثم قال يا ثوبان أصلح لحم هذه الشاة (٤) قال فما زلت أطعمه منها حتى قدم المدينة (٥)
_________________
(١) وهو أخو أبي سعيدٍ لأمه (تخريجه) (طب: صح) وسنده جيدٌ، وأورده الهيثمي وقال حديث أبي سعيدٍ في الصحيح وإنما أخرجته لحديث امرأته، رواه أحمد ورجاله ثقاتٌ اهـ (قلت) يريد الحافظ الهيثمي أن قصة امرأة أبي سعيدٍ ليست في أحد الصحيحين لهذا أخرجه في كتابه، لأنه التزم في كتابه، أن يأتي بما زاد عن الكتب الستة من الكتب التي ذكرها في مقدمة كتابه وسيأتي لفظه عند البخاري ومسلم في الزوائد.
(٢) عن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد بن هارون أنا حماد بن زيدٍ ثنا فرقدٍ السبخي قال ثنا جابر بن يزيد أنه سمع مسروقًا يحدث عن عبد الله -الحديث" (غريبه) (١) تقدم الكلام على زيارة القبور كما أشرنا إلى ذلك في شرح حديث عليٍّ أول الباب (٢) يعني الأوعية المنهي عن الانتباذ فيها، وسيأتي الكلام عليها في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى (تخريجه) (عل) وفيه فرقد بن يعقوب السبخي (قال الحافظ) في التقريب بفتح المهملة والموحدة وبخاءٍ معجمةٍ أبو يعقوب البصري صدوقٌ عابدٌ لكنه لين الحديث كثير الخطأ من الخامسة. مات سنة إحدى وثلاثين.
(٣) عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهديٍّ عن معاوية يعني ابن صالحٍ عن أبي الزاهرية عن جبيرٍ عن عن ثوبان -الحديث" (غريبه) (٣) كان ذلك في حجة الوداع كما في رواية عند مسلم (٤) معناه أنه يقدده أو يغليه لئلا يفسد بمرور الزمن (٥) فيه أن الضحية تشرع للمسافر، وله أن يدخر منها ويتزود، وبه قال الجمهور، وقال النخعي وأبو حنيفة لا ضحية على المسافر، وقال مالك لا تشرع للمسافر بمنى ومكة (تخريجه) (م. وغيره).
[ ١٣ / ١٠٥ ]
-[جواز الأكل من لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ وادخاره والتزود منه ونسخ النهي عن ذلك]-
(١٠٢) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثٍ فكلوا وتزوَّدوا وادَّخروا.
(١٠٣) عن ابن جريجٍ أخبرني عطاءٌ أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول كنا لا نأكل من لحوم البدن إلا ثلاث مني (١) فرخص لنا رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال كلوا وتزوَّدوا، قال فأكلنا وتزودنا، قلت لعطاءٍ حتى جئنا المدينة؟ (٢) قال لا.
_________________
(١) عن عبد الله بن بريدة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق ثنا معمرٍ عن عطاءٍ الخراساني حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة ونهيتكم عن نبيذ الجر فانتبذوا في كل وعاءٍ واجتنبوا كل مسكر، ونهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي- الحديث" (تخريجه) (م. مذ).
(٢) عن ابن جريج (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيدٍ عن ابن جريجٍ- الحديث" (غريبه) (١) يعني أيام التشريق وهي الثلاثة الأيام بعد يوم النحر (٢) معناه أن ابن جريجٍ قال لعطاء سمعت جابرًا يقول حتى جئنا المدينة، يعني بعد قوله "فأكلنا وتزودنا" قال. لا (وفي لفظ للبخاري) قال ابن جريج قلت لعطاء أقال حتى جئنا المدينة؟ قال لا (قلت) لكن ثبت في رواية أخرى من طريق عمرو بن دينارٍ عن عطاءٍ عند البخاري والإمام أحمد، وتقدم في باب نحر الإبل قائمة الخ رقم ٤٢ صحيفةٌ من هذا الجزء عن جابرٍ قال "كنا نتزود لحوم الهدي على عهد رسول الله ﷺ إلى المدينة" ولفظ البخاري "كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهد النبي ﷺ إلى المدينة" وقال غير مرةٍ لحوم الهدي (وقوله- وقال غير مرةٍ) القائل هو سفيان بن عيينة راوي الحديث عن عمر بن دينارٍ عن عطاءٍ (قال ابن المديني) قال سفيان مرة لحوم الأضاحي ومرارًا يقول لحوم الهدي اهـ، ففي هذا الحديث أثبت عطاءٌ عن جابرٍ التزود إلى المدينة، ونفاه في حديث الباب، ولا منافاة بينهما لاحتمال أن عطاءًا نسي التزود في رواية ابن جريجٍ عنه فنفاه، وتذكره في رواية عمرو بن دينارٍ فأثبته والله أعلم (تخريجه) (ق. وغيرهما) وفي (الحديث) احتمال أن يكون اللحم الذي حصل منه التزود لحم هديٍ أو ضحيةٍ، ولكلٍ من هذين الاحتمالين أحاديث تعضده، ولا مانع من
[ ١٣ / ١٠٦ ]
-[زوائد الباب ومذاهب العلماء في أحكامه]-
_________________
(١) كونه ﷺ أهدى وضحى وتزود من لحمي الهدى والضحية، فإن كان لحم هديٍ فهو من هدي التطوع الذي يهدى إلى البيت وإن كان لحم ضحيةٍ فهو دليلٌ لمن قال بمشروعية الضحية للحاج، وعلى كل حال فهو يفيد جواز الأكل من هدي التطوع والضحية وادخاره والتزود منه والله أعلم (زوائد الباب) (عن يحيى بن سعيدٍ) عن القاسم أن ابن خبابٍ أخبره أنه سمع أبا سعيدٍ يحدث أنه كان غائبًا فقدم، فقُدِّم إليه لحمٌ قالوا هذا من لحم ضحايانا، فقال أخروه لا أذوقه؛ قال ثم قمت فخرجت حتى آتي أخي قتادة وكان أخاه لأمه وكان بدريًا فذكرت ذلك له فقال إنه قد حدث بعدك أمر (خ) (وعن أبي سعيدٍ الخدري) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يا أهل المدينة لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ (وفي لفظٍ) ثلاثة أيامٍ فشكوا إلى رسول الله ﷺ أن لهم عيالًا وحشمًا وخدمًا، فقال كلوا وأطعموا واحبسوا أو ادخروا (م) (وعن سلَّمة بن الأكوع) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال من ضحى منكم فلا يصبحن في بيته بعد ثالثة شيئًا، فلما كان في العام المقبل قالوا يا رسول الله نفعل كما فعلنا عام أول؟ فقال لا. إن ذاك عام كان الناس فيه بجهد فأردت أن يفشوا فيهم (ق) ومعنى يفشوا فيهم أي يشيع لحم الأضاحي في الناس وينتفع به المحتاجون (والجهد) بفتح الجيم المشقة والفاقة (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثٍ، وعن النبيذ في الجر، وعن زيادة القبور؛ فلما كان بعد ذلك قال رسول الله ﷺ كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثٍ فكلوا ما شئتم، ونهيتكم عن النبيذ في الجر فاشربوا، وكل مسكرٍ حرامٌ، ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا ما أسخط الله ﷿ (طس. طعس) وفيه يزيد بن جابرٍ الأزدي والد عبد الرحمن الحافظ، قال الهيثمي ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقاتٌ (وعن إبراهيم ابن ميسرة) قال سمعت أنس بن مالك يقول إنا لنذبح ما شاء الله من ضحايانا ثم نتزود بقيتها إلى البصرة (فع) (الأحكام) أحاديث الباب منها ما يدل على منع الادخار من لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيامٍ وهو حديث عليٍّ وفيه "بعد ثلاثٍ" وحديث الزبير وفيه "فوق ثلاثٍ" والمراد بالثلاث فيهما الليالي كما صرح بذلك في حديث عليٍّ عند مسلم، وحديث ابن عمر وفيه "فوق ثلاثة أيامٍ" والظاهر أن رواية الليالي توجب إلغاء اليوم الذي ضحى فيه من العدد وتعتبر ليلته وما بعدها، ورواية الأيام تقتضي اعتبار الأيام دون الليالي، لكن يستفاد من مجموع الروايات إرادة الأيام بلياليها، وبهذا يصير الجمع بينها والله أعلم، وتقدم كلام القاضي عياض في شرح حديث عليٍّ باحتمال أن يكون ابتداء الثلاثة من يوم ذبح الأضحية وإن ذبحت بعد يوم النحر؛ واحتمال أن يكون من يوم النحر وإن تأخر الذبح عنه واستظهر الأخير (وحكى النووي) عن عليٍّ وابن عمر ﵄ أنهما قالا يحرم الإمساك للحوم
[ ١٣ / ١٠٧ ]
-[مذاهب العلماء في جواز أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثٍ وعدمه]-
_________________
(١) الأضاحي بعد ثلاثٍ وأن حكم التحريم باقٍ، وحكاه الحازمي في الاعتبار عن عليٍّ أيضًا والزبير وعبد الله بن واقدٍ بن عبد الله بن عمرو بن حزمٍ عملًا بالأحاديث المشار إليها المذكورة في الباب قبل الفصل، لكن جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الفصل المذكور في الباب تدل على جواز الأكل والادخار فوق ثلاثٍ، بل بجوازه طول العام ونسخ النهي المتقدم، ولعلهم لم يعلموا بالناسخ، ومن علم حجة على من لم يعلم (وقد أجمع على جواز الأكل والادخار) بعد الثلاث من بعد عصر المخالفين وهو مذهب جمهور الصحابة وجميع التابعين والأئمة الأربعة وعلماء الأمصار والمحدثين عملًا بالأحاديث المذكورة في الفصل المشار إليه من أحاديث الباب والزوائد، ففيها الصريح بنسخ النهي وإباحة الأكل بعد الثلاث بلا قيدٍ ولا شرطٍ (وقال بعضهم) ليس هو نسخًا بل كان التحريم لعلةٍ، فلما زالت زال، لحديث سلمة (يعن ابن الأكوع المذكور في الزوائد" وعائشة (وقيل) كان النهي الأول للكراهة لا للتحريم، قال هؤلاء والكراهة باقية إلى اليوم ولكن لا يحرم؛ قالوا ولو وقع مثل تلك العلة اليوم فدفت دافةٌ واساهم الناس، وحملوا على هذا المذهب عليٌ وابن عمر، والصحيح نسخ النهي مطلقًا وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة فيباح اليوم الادخار فوق ثلاثٍ والأكل إلى متى شاء لصريح حديث بريدة وغيره والله أعلم (وفي أحاديث الباب أيضًا) الأمر بالصدقة والأكل من الضحايا (وقد حمل الجمهور) الأمر بالصدقة على الاستحباب في أضحية التطوع (وحمله الشافعية) على الوجوب بما يقع عليه اسم الصدقة منها، ويستحب أن يكون بمعظمها، قالوا وأدنى الكمال أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويهدي بالثلث، وفيه قول أنه يأكل النصف ويتصدق بالنصف وهذا الخلاف في قدر أدنى الكمال في الاستحباب، أما الأجزاء فيجزئه الصدقة بما يقع عليه الاسم كما ذكرنا، ولهم وجه أنه لا تجب الصدقة بشيء منها (وأما الأكل منها فيستحب ولا يجب) (قال النووي) وهو مذهب العلماء كافةً إلا ما حكي عن بعض السلف أنه أوجب الأكل منها وهو قول أبي الطيب بن سلَّمة من أصحابنا، حكاه عنه الماوردي لظاهر الأحاديث في الأمر بالأكل مع قوله تعالى ﴿فكلوا منها﴾ (وحمل الجمهور هذا الأمر على الندب) أو الإباحة لا سيما وقد ورد بعد الحظر كقوله تعالى ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (ويستفاد من حديث الزبير بن العوام) الثاني من أحاديث الباب أن النهي لا يتناول الأكل من أضحية الغير والادخار فوق ثلاث، كالمهدى إليه والمتصدق عليه، فالمهدى إليه له ادخاره فوق ثلاث لأن القصد مواساة أصحاب الأضاحي وقد حصلت، وأما الفقير فإنه لا حجر عليه في التصرف فيه، وقد يستغنى عند مدة الثلاث بغيره ويحتاج إليه بعد الثلاث والله أعلم (فائدة) النهي عن أكل لحوم الأضاحي وادخارها فوق ثلاث كان في سنةٍ واحدةٍ. سنة تسعٍ من الهجرة، والرخصة فيه كانت في حجة الوداع سنة عشرٍ، والدليل على ذلك ما جاء في حديث
[ ١٣ / ١٠٨ ]
-[تاريخ النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثٍ وتاريخ نسخه]-
(١٦) باب ما جاء في التضحية عن الميِّت بوصيِّة منه
(ومن أذن في انتهاب أضحيةٍ - وما جاء في النَّهي عن الانتهاب)
(١٠٤) ز عن حنش (١) قال رأيت عليًّا ﵁ يضحِّي بكبشين فقلت له ما هذا؟ فقال أوصاني رسول الله ﷺ أن أضحِّي عنه.
(١٠٥) ز وعنه أيضًا عن عليٍّ ﵁ قال أمرني رسول الله ﷺ أن أضحِّي عنه بكبشين فأنا أحب أن أفعله، وقال محمَّد بن عبيدٍ
_________________
(١) قتادة بن النعمان، وتقدم في باب نحر الإبل قائمة الخ رقم ٤٠ صحيفة ٥٣ من هذا الجزء أن النبي ﷺ قام في حجة الوداع، فقال إني كنت أمرتكم أن تأكلوا الأضاحي فوق ثلاثة أيام لتسعكم وإني أحله لكم، فكلوا منه ما شئتم الحديث، ففيه بيان وقت الرخصة وهو سنة حجة الوادع (ويستفاد من حديث سلَّمة بن الأكوع) ﵁ المذكور في زوائد هذا الباب أن النهي كان في العام السابق لعام الرخصة، وثبت في حديث قتادة المتقدم أن الرخصة كانت في حجة الوداع أي سنة عشر، فيكون النهي سنة تسع والله أعلم.
(٢) "ز" عن حنش (سنده) حدثنا عبد الله حدثني عثمان بن أبي شيبة ثنا شريكٍ عن أبي الحسناء عن الحكم عن حنش- الحديث (غريبه) (١) بفتح أوله والنون (قال في الخلاصة) هو ابن المعتمر أو ابن ربيعة بن المعتمر الكناني أبو المعتمر الكوفي عن عليٍّ وأبي ذر، وعنه الحكم وسماك بن حربٍ، قال أبو داود ثقة. قال النسائي ليس بالقوي، وقال البخاري يتكلمون فيه (تخريجه) (د. مذ) ولفظ أبي داود كلفظ حديث الباب وسنده. وزاد في آخره "فأنا أضحي عنه" وهذا الحديث من زوائد عبد الله ابن الإمام أحمد على مسند أبيه، ورواه أيضًا الإمام أحمد في مسنده من طريق شريكٍ عن أبي الحسناء عن الحكم عن حنش عن عليٍّ ﵁ "قال أمرني رسول الله ﷺ أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه" ورواه الترمذي من هذا الطريق أيضًا عن حنش عن علي أنه كان يضحي بكبشين أحدهما عن النبي ﷺ والآخر عن نفسه، فقيل له فقال أمرني به يعني النبي ﷺ فلا أدعه أبدًا، وفي إسناد الجميع أبو الحسناء مجهول (قال الترمذي) هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك ثم قال قال محمد (يعني البخاري) قال علي بن المديني وقد رواه غير شريك. قلت له أبو الحسناء باسمه فلم يعرفه، قال مسلم اسمه الحسن اهـ
(٣) "ز" وعنه أيضًا (سنده) حدثنا عبد الله ثنا أبو بكرٍ بن أبي شيبة ومحمد
[ ١٣ / ١٠٩ ]
-[حجة القائلين بجواز التضحية عن الميت]-
المحاربيُّ (١) في حديثه ضحَّى عنه بكبشين واحدٍ عن النَّبيِّ ﷺ والآخر عنه فقيل له، فقال إنَّه أمرني فلا أدعه أبدًا.
(١٠٦) عن عبد الله بن قرط (٢) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال أعظم الأيام عند الله يوم النَّحر، ثم يوم النَّفر (٣) وقرَّب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم خمس بدنات أو ستٍّ ينحرهنَّ فطفقن (٤) يزدلفن إليه أيتهنَّ يبدأ بها، فلمَّا وجبت (٥) جنوبها قال كلمة خفية لم أفهمها
_________________
(١) ابن عبيد المحاربي قال ثنا شريك عن أبي الحسن عن الحكم عن حنشٍ عن عليٍّ ﵁ قال أمرني رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) هو أحد الراويين اللذين روى عنهما عبد الله بن الإمام أحمد هذا الحديث (تخريجه) (د، مذ) بألفاظ مقاربة وفي إسناده أبو الحسن تقدم الكلام عليه.
(٢) عن عبد الله بن قرطٍ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى ابن سعيد عن ثور قال حدثني راشد بن سعد عن عبد الله بن نجىٍ عن عبد الله بن قرطٍ - الحديث" (غريب) (٢) بضم القاف وسكون الراء بعدها طاءٌ مهملةٌ صحابيٌ جليلٌ، غير اسمه النبي ﷺ وسماه عبد الله، وسيأتي حديثه في باب من سماهم النبي ﷺ من كتاب العقيقة (٣) أي يوم النفر الأول وهو أوسط أيام التشريق، سمي بذلك لأنه يجوز فيه النفر لمن تعجل بعد رمي الجمار فيه. قال تعالى ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ ويسمى أيضًا يوم القر كما جاء في بعض الروايات، سمي بذلك لأن الناس يقرون فيه بمنى، وقد فرغوا من طواف الإفاضة والنحر ورمي جمرة العقبة، ومعنى قروا استقروا، والمعنى أنه يلي يوم النحر في الفضل، وسيأتي الكلام على فضل يوم النحر في الأحكام (٤) طفق معناه أخذ في الفعل وجعل يفعل، وهي من أفعال المقاربة، والمعنى فأخذن يزدلفن أي يقتربن، وأصل الدال تاءٌ ثم أبدلت منها، ومنه المزدلفة لاقترابها إلى عرفات. ومنه قوله تعالى ﴿وأزلفت الجنة للمتقين﴾ (وقوله أيتهن يبدأ بها) معناه أن كل واحدة منهن كانت تسابق الأخرى لتصل إليه قبلها فينحرها أولًا لتحوز من بركته بوضع يده الشريفة عليها وإن كان في ذلك إزهاق نفسها لأنه ستكون في سبيل الله؛ وهذا من عظيم معجزاته ﷺ (٥) أي سقطت إلى الأرض جنوبها والوجوب السقوط، والمراد تحقيق موتها
[ ١٣ / ١١٠ ]
-[كلام العلماء في جواز النهبة والنهي عنها]-
فسألت بعض من يليني ما قال، قالوا قال من شاء اقتطع (١).
(١٠٧) عن أبي هريرة ﵁ قال نحر رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم جزورًا (٢) فانتهبها النَّاس، فنادى مناديه إن الله ورسوله ينهيانكم عن النُّهبة (٣) فجاء النَّاس بما أخذوا فقسَّمه بينهم.
_________________
(١) وخروج روحها (١) أي من شاء أن يقتطع من لحمها فليقتطع، وهذا موضع الدلالة من الحديث على جواز انتهاب الهدي والأضحية، وليس في الحديث إشارة إلى أن هذه البدن كانت هديًا أو أضحية، وما جاز في الهدي جاز في الأضحية والله أعلم (تخريجه) (د. نس حب) في صحيحه وسكت عنه أبو داود والمنذري.
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا الأسود ابن عامر حدثني أبو بكر عن هشام عن الحسن عن أبي هريرة -الحديث" (غريبه) (٢) لم يبين في الحديث سبب نحر هذه الجزور، والظاهر أنها كانت أضحيةً، والله أعلم (وقوله فانتهبها الناس) أي أخذ كل واحد منهم ما قدر عليه، فمنهم من أخذ قليلًا ومنهم من أخذ كثيرًا على حسب قوته وطمع نفسه، فكأن النبي ﷺ شعر بذلك فنهاهم عنه (٣) النهبة بضم النون مثال غرفةٍ، والنهبى بزيادة ألف التأنيث اسم للمنهوب، وتتعدى بالهمزة إلى ثان، فيقال أنهبت زيدًا المال، ويقال أيضًا أنهبت المال إنهابًا إذا جعلته نهبًا يغار عليه، وهذا زمان النهب أي الانتهاب، وهو الغلبة على المال والقهر، ومعناه أخذ المرء ما ليس له جهارًا، ونهب مال الغير غير جائز إلا إذا أذن فيه جاز (قال الحافظ) ومحله في المنهوب المشاع، كالطعام يقدم للقوم فلكل منهم أن يأخذ مما يليه، ولا يجذب من غيره إلا برضاه، وبنحو ذلك فسره النخعي وغيره، وكره مالكٌ وجماعةٌ النهب في نثار العرس لأنه إما أن يحمل على أن صاحبه أذن للحاضرين في أخذه، فظاهره يقتضي التسوية، والنهب يقتضي خلافها، وإما أن يحمل على أنه علق التمليك على ما يحصل لكل أحد، ففي صحته اختلاف فلذلك كرهه اهـ (قلت) والظاهر أن النبي ﷺ نهى عن النهبى لما يترتب عليها من عدم التسوية، ولذلك قال في الحديث (فجاء الناس بما أخذوا فقسمه بينهم، وظاهر هذا الحديث ينافي حديث عبد الله بن قرطٍ المتقدم، وسيأتي الجمع بينهما في الأحكام، والله الموفق (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وفي إسناده من لم أعرفه، وله شواهد كثيرة تعضده (قال العلماء) إن أحاديث النهي عن النهي ثابتة عن النبي ﷺ من طريق
[ ١٣ / ١١١ ]
-[كلام العلماء في جواز التضحية عن الميت وعدمه -وكلامهم في فضل يوم النحر]-