(باب ما جاء في فضل القرآن والاعتصام به) (عن علي ﵁) (١) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول أتاني جبريل ﵇ فقال يا محمد ان أمتك مختلفة بعدك قال فقلت له فأين المخرج (٢)
_________________
(١) (باب) (١) (سنده) حدثنا يعقوب ثنا ابي عن ابن اسحق قال وذكر محمد بن كعب القرظي عن الحارث بن عبد الله الأعور قال قلت لآتين أمير المؤمنين (يعني عليا ﵁) فلأسألنه عما سمعت العشية قال فجئته بعد العشاء فدخلت عليه فذكر الحديث قال ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول أتاني جبريل الحديث (غريبه) (٢) أي اين طريق الخروج والخلاص من الاختلاف والفتنة أو السبب بيان رموز واصطلاحات تختص بالشرح (خ) للبخاري (م) لمسلم (حم) للامام احمد (لك) للامام مالك في الموطأ (فع) للامام الشافعي (الأربعة) لأصحاب السنن الأربعة أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (الثلاثة) لهم إلا ابن ماجه (د) لأبي داود (نس) للنسائي (مذ) للترمذي (جه) لابن ماجه (حب) لابن حبان في صحيحه (مي) للدارمي في سننه (خز) لابن خزيمه في صحيحه (بز) للبزار في مسنده (طب) للطبراني في الكبير (طس) له في الأوسط (طص) له في الصغير (ص) لسعيد بن منصور في سننه (ش) لابن ابي شيبة في مصنفه (عب) لعبد الرزاق في الجامع (عل) لأبي يعلي في مسنده (قط) للدارقطني في سننه (حل) لأبي نعيم في الحلية (هق) للبيهقي في السنن الكبرى (هب) له في شعب الايمان (طح) للطحاوي في معاني الآثار (ك) للحاكم في المستدرك (طل) لأبي داود الطيالسي في مسنده رحمهم الله تعالى. وأما الشراح وأصحاب كتب الرجال والغريب ونحوهم فإليك ما يختص بهم (نه) للحافظ ابن الأثير في كتابه النهاية في غريب الحديث (خلاصة) للحافظ الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال (قر) للحافظ ابن حجر العسقلاني في تقريب التهذيب ثم اذا قلت قال الحافظ واطلقت فالمراد به الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح البخاري (واذا قلت) قال النووي فالمراد به في شرح مسلم (وإذا قلت) قال المنذري فالمراد به الحافظ زكي الدين بن عبد العظيم المنذري صاحب كتاب الترغيب والترهيب ومختصر أبي داود (وإذا قلت) قال الهيثمي فالمراد به الحافظ علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد (وإذا قلت) قال الشوكاني فالمراد به في كتابه نيل الأوطار (وإذا قلت) بدائع المنن فالمراد به كتابي بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن (وإذا قلت) انظر القول الحسن فالمراد به شرحي على بدائع المنن والله تعالى ولي التوفيق.
[ ١٨ / ٢ ]
يا جبريل؟ قال فقال كتاب الله (١) تعالى به يقصم (٢) الله كل جبار من اعتصم به نجا (٣) ومن تركه هلك مرتين (٤) قول فصل وليس بالهزل (٥) لا تختلقه الألسن (٦) ولا تفنى أعاجيبه (٧) فيه نبأ ما كان قبلكم (٨) وفصل ما بينكم (٩) وخبر ما هو كائن بعدكم (١٠) (عن عبد الله بن عمرو ابن العاص) (١١) قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يوما كالمودع فقال أنا محمد النبي الأمي قاله ثلاث مرات ولا نبي بعدي أوتيت فواتح الكلم (١٢)
_________________
(١) الذي يتوصل به الى الخروج عن الفتنة (١) أي التمسك بكتاب الله ﷿ (٢) أي يكسر شوكته ويهينه ويذله وأصل القصم الكسر والإبانة (٣) أي من تمسك به وعمل بما فيه (٤) أي كرر هذه الجملة مرتين (وقوله) قول فصل خبر لمبتدأ محذوف اي هو قول فصل أي يفصل بين الحق والباطل (٥) أي جد كله وحق جميعه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (٦) أي لا يمكن لمخلوق أن يأتي بمثله من عند نفسه افتراء وقد عجز عن ذلك فصحاء العرب (٧) أي أسراره ومعجزاته لأنه أشار إلى أمور كثيرة لم تكن موجودة في الزمن الماضي ولا يعرفها الناس أظهرها تقدم العلم والاكتشاف وكلما تقدم العلم وتقادم الزمن كلما ظهرت أسراره وعجائبه ومعجزاته (٨) اي من أحوال الأمم الماضية (٩) أي تفصيل الأحكام فيما يقع بينكم من حلال وحرام وكفر وإيمان وطاعة وعصيان وسائر شرائع الإسلام (١٠) أي من الأمور الآتية من أشراط الساعة وأحوال القيامة وغير ذلك (تخريجه) (مذ مي) وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات واسناده مجهول وفي حديث الحارث مقال اهـ (قلت) انما قال ذلك الترمذي لأنه رواه من طريق حمزة بن حبيب الزيات عن أبي المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث ففيه حمزة بن حبيب الزيات ضعفه بعضهم في الحديث وإن كان إماما مشهورا في القراآت وفيه ابن اخي الحارث مجهول وهذان ليسا في مسند الامام احمد لكن جاء فيه الحارث بن عبد الله الأعور وقد تكلموا فيه بل كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده لا أنه تعمد الكذب في الحديث وأخرجه أيضا الطبراني في الكبير وفي اسناده عمرو بن واقد متروك وله شاهد عند الحاكم في المستدرك من طريق ابراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ فذكر نحوه قال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد وتعقبه الذهبي فقال ابراهيم بن مسلم ضعيف (١١) (سنده) حدثنا يحيى بن اسحاق ثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هيبرة عن عبد الله بن مريح الخولاني قال سمعت أبا قيس مولى عمرو بن العاص يقول سمعت عبد الله بن عمرو يقول من صلى على رسول الله ﷺ صلاة صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة فليقل عبد من ذلك أو ليكثر وسمعت عبد الله بن عمرو يقول خرج رسول الله ﷺ الحديث (غريبه) (١٢) جاء في رواية مفاتيح الكلم وفي أخرى مفاتح الكلم قال في النهاية هما جمع مفتاح ومفتح وهما في الأصل كل ما يتوصل به إلى استخراج المغلفات التي يتعذر الوصول اليها فأخبر أنه أوتي مفاتيح الكلم وهو ما يسر الله له من البلاغة والفصاحة والوصول إلى غوامض المعاني وبدائع الحكم ومحاسن العبارات والألفاظ التي اغلقت على غيره وتعذرت ومن كان في يده مفاتيح شيء مخزون سهل عليه الوصول اليه اهـ (قلت) ويحتمل أن يراد بفواتح الكلم نفس القرآن لأنه أفصح الكتب السماوية وأبلغها
[ ١٨ / ٣ ]
وخواتمه (١) وجوامعه وعلمت كم خزنة النار (٢) وحملة العرش وتجوز بي وعوفيت وعوفيت أمتي (٣) فاسمعوا وأطيعوا مادمت فيكم فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله أحلو حلاله وحرموا حرامه (عن أبي هريرة) (٤) أن رسول الله ﷺ قال ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطى من الآيات (٥) ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله ﷿ إلى وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة (عن عبد الله بن عمرو) (٦) أن رسول الله ﷺ قال الصيام والقرآن يشفعان
_________________
(١) وأجمعها وهو المنهل العذب الذي يستقى الفصحاء والبلغاء والفقهاء والمحدثون منه وهو قاموس من لا قاموس له لذلك كان ﷺ أفصح الناس منطقا وأعلمهم بأحكام الله أيضا فإن في القرآن مفاتيح الغيب لأنه أخبر بأمور لا يعلمها الا الله ووقعت كما أخبر فهو مفتاح كل خير (١) خواتم الكلم هو القرآن أيضا لأنه ختمت به الكتب السماوية وهو حجة على سائرها ومصدق لها (وجوامع الكلم) هي الكلمة البليغة الوجيزة الجامعة للمعاني الكثيرة وهذه صفة القرآن أيضا (قال القرطبي) وقد جاء هذا اللفظ ويراد به القرآن اهـ (قلت) وقد اكتسب ﷺ كل هذه المعاني من القرآن فكان ﷺ فصيحا بليغا ينطق بالكلمة الوجيزة الجامعة للمعاني الكثيرة ﷺ (٢) خزنة النار تسعة عشر من الملائكة الغلاظ الشداد قال تعالى (عليها تسعة عشر) وأما حملة العرش فقد قال الله ﷿ (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) أي من الملائكة ايضا (٣) أي تجاوز الله عني وعن أمتي في كثير من التكاليف الشاقة التي كانت في الامم السابقة كعدم قبول التوبة إلا إذا قتل نفسه وعدم طهارة الثوب المتنجس إلا بقطع ما تنجس منه وعدم صحة الصلاة إلا في المعابد وعدم الطهارة بالتيمم والمؤاخذة بالخطأ والنسيان وغير ذلك كثير فتجاوز الله للأمة المحمدية عن ذلك كله وعفا عنها وجعل دينها سهلا سمحا ويجوز أن يكون معنى قوله (وتجوز بي) أي تجاوز الله بسببي عن أمتي وعفاها من التكاليف الشاقة وعافاني أيضا والله أعلم قال تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد بهذا اللفظ وأورده الهيثمي والمنذري وقالا رواه احمد باسناد حسن (٤) (سنده) حدثنا يونس وحجاج قالا ثنا ليث قال حجاج في حديثه حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ وقال يونس عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ الحديث (غريبه) (٥) يعني المعجزات وخوارق العادات ما إذا شوهد لاضطر إلى التصديق به الشاهد وكان دليلا على تصديقه فيما جاءهم به نبيهم واتبعه من اتبعه من البشر ثم لما مات لم تبق معجزة بعده إلا ما يحكيه أتباعه عما شاهدوه في زمانه وأما نبينا محمد ﷺ فإن معجزته القرآن المستمر إلى يوم القيامة مع خرق العادة في اسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات وعجز الجن والإنس أن يأتوا بسورة من مثله مجتمعين أو متفرقين في جميع الأعصار مع اعتنائهم بمعارضته فلم يقدروا وهم أفصح القرون مع غير ذلك من وجوه إعجاز المعرفة وهو معنى قوله ﷺ وإنما كان الذي اوتيت وحيا أوحاه الله ﷿ إلي يعني القرآن (وفي قوله ﷺ فأرجو أن اكون أكثرهم تابعا) علم من أعلام النبوة فإنه ﷺ أخبر بهذا في زمن قلة المسلمين ثم من الله تعالى وفتح على المسلمين البلاد وبارك فيهم حتى انتهى الأمر واتسع الاسلام في المسلمين وذلك لعموم رسالته ودوامها الى قيام الساعة واستمرار معجزته ﷺ (تخريجه) (ق نس وغيرهم) (٦) (سنده)
[ ١٨ / ٤ ]
للعبد يوم القيامة يقول الصيام أي رب منعته الطعام والشهوات فشفعني فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال فيشفعان (عن عقبة بن عامر) (١) أن رسول الله ﷺ قال لو أن القرآن جعل في إهاب (٢) ثم القي في النار ما احترق (٣) (عن عمر بن الخطاب) (٤) قال قال رسول الله ﷺ ان الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين (عن شداد بن أوس) (٥) قال قال رسول الله ﷺ ما من رجل يأوى إلى فراشه فيقرأ سورة من كتاب الله ﷿ إلا بعث الله ﷿ اليه ملكا يحفظه من كل شيء يؤذيه حتى يهب (٦) متى هب (باب الحث على تعلم القرآن وتعليمه وحفظه وفضل ذلك) (عن عثمان) (٧) (يعني ابن عفان) قال قال رسول الله ﷺ أفضلكم (وفي لفظ ان خيركم) من تعلم القرآن وعلمه (ز) (وعن علي) (٨) عن
_________________
(١) حدثنا موسى بن داود ثنا ابن لهيعة عن حيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو الحديث (تخريجه) (طب ك هق) وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي وأورده الهيثمي وقال اسناده حسن (١) (سنده) حدثنا ابو سعيد ثنا ابن لهيعة ثنا مسرح قال سمعت عقبة بن عامر ان رسول الله ﷺ الحديث (غريبه) (٢) الإهاب بكسر الهمزة الجلد قبل أن يدبغ وبعضهم يقول الإهاب الجلد مطلقا (٣) وفي رواية ما أكلته النار (وفي أخرى) ما مسته النار قال الطيبى هو تمثيل وارد على المبالغة والفرض كما في قوله تعالى (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي) أي ينبغي ويحق أن القرآن لو كان في مثل هذا الشيء الحقير (يعني الإهاب) الذي لا يؤبه به ويلقى في النار ما مسته فكيف بالمؤمن الذي هو أكرم خلق الله وقد وعاه في صدره وتفكر في معانيه وعمل بما فيه كيف تمسه فضلا عن أن تحرقه اهـ اللام في النار للجنس والأولى جعلها للعهد والمراد بها نار جهنم أو النار التي تطلع على الأفئدة أو النار التي وقودها الناس والحجارة ذكره القاضي عياض (تخريجه) (مي طب) وأخرجه أيضا ابن عدي والبيهقي في الشعب عن عصمة بن مالك وابن عدي أيضا عن سهل بن سعد قال العراقي وسنده ضعيف اهـ وقال الصدر المناوي فيه عند احمد ابن لهيعة عن مشرح ابن ماهان ولا يحتج بحديثهما عن عقبة اهـ قال المناوي في شرح الجامع الصغير لكنه يتقوى بتعدد طرقه فقد رواه أيضا ابن حبان عن سهل بن سعد ورواه البغوي في شرح السنة وغيره (٤) (عن عمر الخ) هذا طرف من حديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في الباب الأول من كتاب العلم ص ١٤٦ في الجزء الأول رقم ٤ (٥) (سنده) حدثنا يزيد بن هارون ثنا ابو مسعود الجريري عن أبي العلاء بن الشخير عن الحنظلي عن شداد بن أوس الحديث (غريبه) (٦) قال في المصباح هب من نومه هبا من باب قتل استيقظ اهـ ومعناه حتى يستيقظ متى استيقظ (تخريجه) (مذ نس) وفي اسناده رجل لم يسم وبقية رجاله ثقات (باب) (٧) (سنده) حدثنا وكيع ثنا سفيان وعبد الرحمن عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن عن عثمان الحديث (تخريجه) (ق والأربعة) (٨) (ز) (سنده) حدثنا ابو كامل فضيل بن الحسين وثنا محمد بن عبيد بن حساب قالا ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا عبد الرحمن بن اسحاق عن النعمان بن سعد عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ خياركم من تعلم القرآن وعلمه (تخريجه) لم أقف عليه لغير عبد الله بن الامام احمد وفي اسناده النعمان بن سعد ضعفه الامام احمد لكن يؤيده ما قبله
[ ١٨ / ٥ ]
النبي ﷺ مثله (ز) (وعنه أيضا) (١) قال قال رسول الله ﷺ من تعلم (وفي لفظ من قرأ القرآن) فاستظهره (٢) وحفظه أدخله الله الجنة وشفعه (٣) في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار (عن ابن عباس) (٤) قال قال رسول الله ﷺ إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب (٥) (عن عائشة ﵂) (٦) قالت ذكر رجل عند رسول الله ﷺ بخير فقال رسول الله ﷺ أو لم تروه يتعلم القرآن (٧) (عن أبي هريرة) (٨) أو عن أبي سعيد شك الأعمش قال يقال لصاحب القرآن اقره (٩) وارقه فإن منزلتك عند آخر آية
_________________
(١) (ز) (سنده) حدثنا حفص بن سليمان يعني أبا عمر القارئ عن كثير بن زاذان عن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ الحديث (غريبه) (٢) أي حفظه تقول قرآت القرآن عن ظهر قلبي أي قرأته من حفظي قاله الجزري (وقوله وحفظه) أي وعاه وتعاهده خوفا من نسيانه ويحتمل أن يراد بالحفظ العمل بمقتضاه ويؤيده رواية (من قرأ القرآن فاستظهره فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله الجنة الخ) رواه الترمذي (٣) بالتشديد أي قبلت شفاعته (وقوله كلهم) أي كل العشرة قد وجبت لهم النار (قال الطيبي) فيه رد على من زعم أن الشفاعة انما تكون في رفع المنزلة دون حفظ الوزر بناء على ما افتروه أن مرتكب الكبيرة يجب خلوده في النار ولا يمكن العفو عنه والوجوب هنا على سبيل المواعدة والله أعلم (تخريجه) (مي جه مذ) وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس له اسناد صحيح وحفص بن سليمان أبو عمرو البزار كوفي يضعف في الحديث اهـ (قلت) قال في التقريب وهو حفص بن أبي داود القاري صاحب عاصم ويقال له حفيص متروك الحديث مع إمامته في القراءة مات سنة ثمانين ومائة (٤) (سنده) حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس الحديث (غريبه) (٥) بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء أي الخراب لأن عمارة القلوب بالايمان وقراءة القرآن كما ان عمارة البيوت بالأثاث والتجمل فالقلب الذي ليس فيه قرآن كالبيت الذي ليس فيه أثاث والله أعلم (تخريجه) (مذ مي ك) وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح اهـ (قلت) وقال الحاكم صحيح الاسناد وتعقبه الذهبي فقال قابوس لين الحديث (٦) (سنده) حدثنا حسن ثنا ابن لهيعة قال حدثني أبو الاسود انه سمع عروة يحدث عن عائشة قالت ذكر رجل عند رسول الله ﷺ الحديث (غريبه) (٧) يستفاد منه أن تعلم القرآن دلالة على صلاح المتعلم في الغالب (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وفي اسناده ابن لهيعة فيه كلام إذا عنعن ولكنه صرح بالتحديث هنا فحديثه حسن (٨) (سنده) حدثنا وكيع قال ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الحديث (غريبه) (٩) هكذا في الأصل بهاء السكت بدل الهمزة وكذلك وارقه وجاءا بالهمزة في الحديث التالي والأول أمر من القراءة أي رتل والثاني أمر من رقأ يرقأ رقئا أي اصعد قال في القاموس رقأ في الدرجة صعد وهي المرقأة وتكسر اهـ أي يقال لصاحب القرآن اقرأ القرآن واصعد على درجات الجنة وسيأتي توضيحه في شرح الحديث التالي (تخريجه) (خز) والترمذي وحسنه الحاكم وصححه وأقره الذهبي ولفظه عندهما عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول يا رب حله فيلبس تاج الكرامة ثم يقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه فيقال اقرأ وارقأ ويزاد
[ ١٨ / ٦ ]
تقرؤها (وعن عبد الله بن عمرو) (١) عن النبي ﷺ مثله وفيه اقرأ وارقأ بالهمزة (٢) (عن أبي سعيد الخدري) (٣) قال قال نبي الله ﷺ يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اذا دخل الجنة اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه (عن عائشة ﵂) (٤) ان رسول الله ﷺ قال من أخذ السبع الأول (٥) من القرآن فهو خير (٦) (عن أنس بن مالك) (٧) قال قال رسول الله ﷺ إن لله أهلين من الناس فقيل من أهل الله منهم؟ قال أهل القرآن هم أهل الله وخاصته (٨) (عن عقبة بن عامر) (٩) قال قال رسول الله ﷺ تعلموا كتاب الله (١٠) وتعاهدوه وتغنوا به (١١) فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا (١٢) من المخاض في
_________________
(١) بكل آية حسنة اهـ (قلت) وهو عند الامام احمد موقوف على أبي هريرة ولكن له حكم الرفع لأن مثله لا يقال من قبل الرأي لاسيما وقد رواه الحاكم والترمذي مرفوعا وروى من طرق أخرى عن غير أبي هريرة من الصحابة مرفوعا (١) (سنده) حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله بن عمرو (يعني ابن العاص) عن النبي ﷺ قال يقال لصاحب القرآن اقرأ وارقأ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها (غريبه) (٢) قال الخطابي جاء في الأثر ان عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فيقال للقارئ ارق في الدرجة على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على اقصى درج الجنة في الآخرة ومن قرأ جزءا منه كان رقية في الدرج على قدر ذلك فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة (تخريجه) (د مذ جه حب) في صحيحه وقال الترمذي حديث حسن صحيح (٣) (سنده) حدثنا معاوية بن هشام ثنا شيبان عن فراس عن عطية عن أبي سعيد الخدري الحديث (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وفي اسناده عطية العوفي ضعفه الثوري وهشيم وابن عدي وحسن له الترمذي أحاديث (خلاصة) وفي التهذيب قال أبو حاتم وابن سعد ومع ضعفه يكسب حديثه (٤) (سنده) حدثنا أبو سعيد قال ثنا سليمان بن بلال قال ثنا عمرو بن أبي عمرو عن حبيب بن هند عن عروة عن عائشة الحديث (غريب) (٥) جا في رواية السبع الطوال بدل الأول وأولها سورة البقرة وآخرها سورة براءة بجعل الانفال وبراءة واحدة والمراد بأخذها حفظها والعمل بما فيها (٦) بكسر الحاء المهملة وفتحها مع سكون الموحدة أي عالم صالح (تخريجه) (ك) وصححه وأقره الذهبي (٧) (سنده) حدثنا عبد الصمد ثنا عبد الرحمن بن بديل العقيلي عن أبيه عن أنس الحديث (غريبه) (٨) هذه الجملة وهي قوله هم أهل الله وخاصته مؤكدة للجملة قبلها وهي قوله أهل القرآن ومعنى خاصته أي الذين يختصون بخدمته قال العسكري هذا على سبيل المجاز والتوسع فإنه لما قربهم واختصهم كانوا كأهله ومنه قيل لأهل مكة أهل الله لما كانوا سكان بيته وما حوله كانوا كأهله (تخريجه) (جه نس ك) قال الحاكم روى من ثلاثة أوجه هذا أجودها وأقره الذهبي ولم يتعقبه (قلت) وفي اسناده عبد الرحمن بن بديل العقيلي قال في التقريب لا بأس به (٩) (سنده) حدثنا علي بن اسحاق ثنا ابن المبارك عبد الله قال ثنا موسى بن علي قال سمعت ابي يقول سمعت عقبة بن عامر يقول قال رسول الله ﷺ الحديث (غريبه) (١٠) أي احفظوه وتفهموه (وقوله وتعاهدوه) أي الزموه (١١) أي اقرءوه بتحزين وترقيق وليس المراد قراءته بالألحان والنغمات (١٢) أي ذهابا (من المخاض) أي النوق الحوامل
[ ١٨ / ٧ ]
العقل (وعنه أيضا) (١) قال خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن في الصفة (٢) فقال أيكم يحب أن يغدو (٣) إلى بطحان أو العقيق فيأتي كل يوم بناقتين كوماوين (٤) زهراوين في غير اثم (٥) ولا قطع رحم؟ قال قلنا كلنا يا رسول الله يحب ذلك قال فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له (٦) من ناقتين وثلاث خير من ثلاث (٧) وأربع خير من أربع ومن أعدادهن (٨) من الابل (وعن أبي هريرة) (٩) عن النبي ﷺ نحوه (عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري) (١٠) ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث معاذا وأبا موصى إلى اليمن يأمرهما أن يعلما الناس القرآن (باب ما جاء في قراءة القرآن بأجر أو تعليمه بأجر) (عن سهل بن سعد) (١١)
_________________
(١) (في العقل) بضمتين جمع عقال وعقلت البعير حبسته وخص ضرب المثل بها لأنها إذا انفلتت لا تكاد تلحق (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وأورده الهيثمي وقال رواه احمد ورجاله رجال الصحيح (١) (سنده) حدثنا أبو عبد الرحمن ثنا موسى بن علي قال سمعت أبي يقول سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول خرج علينا رسول الله ﷺ الحديث (غريبه) (٢) الصفة بضم الصاد المهملة مشددة وفتح الفاء المشددة موضع مظلل من المسجد الشريف كان فقراء المهاجرين يأوون إليه وهم المسمون بأصحاب الصفة وكانوا أضياف الاسلام (٣) أي يذهب في الغدوة (بفتح المعجمة) وهي من أول النهار إلى الظهر (وقوله بطحان) بضم الباء وفتحها والضم أصح وادي المدينة (والعقيق) واد بالمدينة أيضا (وأو) للشك من الراوي قال ابن الملك خصهما بالذكر لكون كل منهما أقرب المواضع التي يقام فيها سوق الابل (٤) الكوماء من الابل العظيمة السنام قلبت الهمزة في تثنيتها واواكما هي القاعدة في الهمزة الزائدة (وقوله زهراوين) أي حسنتين ذات جمال وبهجة (٥) في للسببيه والمعنى لا يكون حصولها بسبب فعل فيه إثم كغصب وسرقة سمي موجب الإثم إثما مجازا (وقوله ولا قطع رحم) أي في غير ما يوجبه قال ملا على وهو تخصيص بعد تعميم (٦) بالضم خبر لمبتدأ محذوف أي هما (يعني الاثنتين) خير له الخ (٧) اي وثلاث آيات يتعلمها خير له من ثلاث نوق وكذلك يفسر قوله وأربع خير من أربع (٨) الجار والمجرور متعلق بمحذوف يعني وأكثر من اربع آيات يتعلمها خير له من أعداد النوق على التفصيل المذكور (وقوله من الإبل) بدل من اعدادهن أو بيان لها وإنما قال ﷺ ذلك وفق ما يغتنمه ويبتغيه المخاطب وإلا فالآية الواحدة خير من الدنيا وما فيها والله أعلم (تخريجه) (م د وغيرهما) (٩) (سنده) حدثنا حسن حدثنا عبد الله بن لهيعة حدثنا ابو يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال أيفرح أحدكم أن ينقلب إلى أهله بخلفتين؟ قالوا نعم وآيتان من كتاب الله فيخرج بهما إلى أهله خير له من خلفتين (تخريجه) أخرجه مسلم والامام احمد عن أبي هريرة عن طريق ثان ليس فيه ابن لهيعة وتقدم في باب قراءة سورتين أو أكثر في ركعة رقم ٥٥٦ صفحة ٢١٤ في الجزء الثالث إلا أن فيه ثلاث آيات يقرأ بهن في الصلاة خير له من ثلاث خلفات (والخلفة) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام الحامل من النوق ويجمع على خلفات وخلائف والله أعلم (١٠) (سنده) حدثنا عبد الله بن نمير عن طلحة بن يحيى قال اخبرني أبو بردة عن أبي موسى الحديث (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وسنده حسن (باب) (١١) (سنده) حدثنا حسن حدثنا
[ ١٨ / ٨ ]
أن رسول الله ﷺ قال فيكم كتاب الله يتعلمه الأسود والأحمر والأبيض تعلموه قبل أن يأتي زمان يتعلمه ناس ولا يجاوز تراقيهم (١) ويقومونه كما يقوم السهم (٢) فيتعجلون أجره (٣) ولا يتأجلونه (عن عبادة بن الصامت) (٤) قال كان رسول الله ﷺ يشغل (٥) فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله ﷺ دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن فدفع إلى رسول الله ﷺ رجلا وكان معي في البيت أعشية عشاء أهل البيت فكنت أقرئه القرآن فانصرف انصرافة إلى أهله فرأى أن عليه حقا فأهدى إلي قوسا لم أر أجود منه عودا ولا احسن منه عطفا (٦) فأتيت رسول الله ﷺ فقلت ما ترى يا رسول الله فيها؟ قال جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها (عن أبي عبد الرحمن) (٧) قال حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي ﷺ (٨) أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه (٩) من العلم والعمل قالوا فعلمنا العلم والعمل
_________________
(١) ابن لهيعة ثنا بكر بن سوادة عن وفاء الحضرمي عن سهل بن سعد الحديث (غريبه) (١) التراقي جمع ترقوة بفتح التاء وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق وهما ترقوتان من الجانبين والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها فكأنها لم تتجاوز حلوقهم وقيل المعنى أنهم لا يعملون بالقرآن ولا يثابون على قراءته فلا يحصل لهم غير القراءة (نه) (٢) يعني الذي يرمي به وهو آلة من آلات الحرب والمراد أنهم يبالغون في تحسينه بتكلف وتعسف لترغيب الناس فيهم وان خرجوا بذلك عن حد التجويد قال ابن الجزري في باب التجويد (مكملا من غير ما تكلف باللفظ في النطق بلا تعسف) (٣) أي يطلبون بقراءة العاجلة من عرض الدنيا والرفعة فيها (وقوله ولا يتأجلونه) أي لا يريدون به الآجلة وهو جزاء الآخرة فمن أراد به الدنيا فهو متعجل وان ترسل في قراءته ومن أراد به الآخرة فهو متأجل وان اسرع في قراءته بعد اعطاء الحروف حقها وهذه معجزة من معجزاته ﷺ فقد وقع ما أخبر به ﷺ وصار القراء لا يتعلمون القرآن إلا لأجل غرض الدنيا والتعيش به فلا حول ولا قوة إلا بالله (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد من حديث سهل بن سعد وفي اسناده ابن لهيعة تكلم فيه بعضهم وحسن حديثه الحافظ الهيثمي إذا صرح بالتحديث وقد صرح به في هذا الحديث وله شاهد من حديث جابر عند أبي داود والامام احمد وسيأتي في الباب التالي (٤) (سنده) حدثنا ابو المغيرة حدثنا بشر بن عبد الله يعني ابن يسار السلمي قال حدثني عبادة بن نسي عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت الخ (غريبه) (٥) أي يشغل في مصالح المسلمين (٦) أي ميلا والتواءا (تخريجه) (د جه ك) وقال هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي وفيه عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وللعلماء خلاف في ذلك انظر صحيفة ١٢٥ في الجزء الخامس عشر (٧) (سنده) حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء عن أبي عبد الرحمن الحديث (غريبه) (٨) هو عبد الله بن مسعود ﵁ كما صرح بذلك في رواية الحاكم (٩) يشير إلى العشر الأولى (وقوله من العلم والعمل) أي من العلم بأحكامها ومعناها والعمل بمقتضاها (تخريجه) (ك) وقال هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي
[ ١٨ / ٩ ]
(أبواب تلاوة القرآن وآدابها)
(باب فضل قراءة القرآن والتعبد به والعمل بما فيه) (عن ابن عمر) (١) قال قال رسول الله ﷺ لا حسد (٢) إلا في اثنتين رجل (٣) آتاه الله القرآن فهو يقوم به (٤) آناء الليل والنهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفعه في الحق (٥) آناء الليل والنهار (خط) (عن يزيد بن الأخنس) (٦) أن رسول الله ﷺ قال لا تنافس (٧) بينكم إلا في اثنتين رجل أعطاه الله ﷿ القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ويتبع ما فيه فيقول رجل لو أن الله تعالى أعطاني مثل ما أعطى فلانا فأقوم به كما يقوم به ورجل أعطاه الله مالا فهو ينفق ويتصدق فيقول رجل لو أن الله اعطاني مثل ما أعطى فلانا فأتصدق به فقال رجل يا رسول الله أرأيتك النجدة تكون في الرجل وسقط باقي الحديث (٨) (عن سهل عن أبيه) (٩) عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال من قال سبحان الله العظيم نبت له غرس (١٠) في الجنة ومن قرأ القرآن
_________________
(١) (باب) (١) (سنده) حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه (عبد الله بن عمر) قال قال رسول الله ﷺ الحديث (غريبه) (٢) معنى الحسد هنا الغبطة وهي تمني أن يكون للمرء مثل ما للغير من غير أن يزول عنه والحرص على هذا يسمى منافسة ويؤيده ما جاء في الحديث التالي بلفظ (لا تنافس بينكم الا في اثنتين) فإذا كان في غير طاعة فهو لا شك مذموم وان كان فيها فمحمود (٣) في التركيب حذف أي احدى الاثنتين خصلة رجل فلما حذف المضاف أخذ المضاف اليه حكمه ووجه الحصر في هاتين الخصلتين الاشارة إلى اصول الطاعات وهي إما بالبدن أو المال (٤) المراد بالقيام به العمل به مطلقا أعم من تلاوته والتزامه ما أوتي به من الاحكام وتعليمه والقضاء به والفتوى بمقتضاه لا مجرد التلاوة بغير عمل فصاحبها اذا كان مجردا عن العمل فهو محجوج بها يوم تبلى السرائر (وقوله آناء الليل والنهار) أي ساعاته (٥) لما كان الانفاق يحتفل الاسراف والتبذير قيده بقوله في الحق أي في وجوه الخير مع ابقاء شيء لنفسه يسد حاجته (تخريجه) (ق وغيرهما) (٦) (خط) (سنده) قال عبد الله بن الامام احمد وجدت في كتاب ابي يخط يده قال كتب الى ابو توبة الربيع بن نافع وكان في كتابه حدثنا الهثيم بن حميد عن زيد بن واقد عن سليمان بن موسى عن كثير بن مرة عن يزيد بن الأخنس الحديث (غريبه) (٧) التنافس معناه الرغبة في الشيء قال في المختار نافس في الشيء منافسة ونفاسا بالكسر إذا رغب فيه على وجه المباراه في الكرم وتنافسوا فيه أي رغبوا (٨) جاءت هذه الجملة وهي قوله (أرأيتك النجدة تكون في الرجل وسقط باقي الحديث) جاءت في آخر هذا الحديث بهذا اللفظ فالله أعلم بماذا كان يقصد الرجل وبما أجابه النبي ﷺ (تخريجه) هذا الحديث وجده عبد الله بن الامام احمد في مسند أبيه بخطه وهو مروي بالوجادة لا بالسماع ولا بالقراءة ولذلك رمزت له بلفظ (خط) كما ذكرت في المقدمة وسنده حسن ولم أقف عليه في غير المسند ويعضده الحديث الذي قبله (٩) (سنده) حدثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا زبان عن سهل عن أبيه الخ (قلت) أبوه معاذ بن أنس الجهني الصحابي ﵁ (غريبه) (١٠) أي شجر ولم يبين جنسه في هذه الرواية وقد جاء مبينا في حديث رواه (مذ حب ك) عن جابر
[ ١٨ / ١٠ ]
فأكمله (١) عمل بما فيه ألبس والداه (٢) يوم القيامة تاجا هو أحسن من ضوء الشمس (٣) في بيوت من بيوت الدنيا لو كانت فيه (٤) فما ظنكم بالذي عمل به (عن تميم الداري) (٥) قال قال رسول الله ﷺ من قرأ بمائة آية (٦) في ليلة كتب له قنوت ليلة (٧) (عن السائب بن يزيد) (٨) أن شريحا الحضرمي ﵁ ذكر عند النبي ﷺ فقال ذاك رجل لا يتوسد (٩) القرآن (عن أبي هريرة) (١٠) ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويندارسونه (١١) بينهم إلا نزلت
_________________
(١) ابن عبد الله ﵄ مرفوعا من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة وحسنه ابن السني وصححه الحاكم وخص النخل لكثرة منافعه وطيب ثمره وهذه النخلة لمن قالها مرة واحدة فإن قالها أكثر فله بكل مرة نخلة والحكمة في هذا الغرس والله أعلم انه يرى ثمرة عمله فيسر به ويفرح ويتمتع بهذا المنظر الجميل (١) يحتمل أن يكون معناه من حفظه كله أو المراد من قرأه كله ولو لم يحفظه وفي الحالتين عمل بما فيه من الأحكام والأوامر والنواهي البس والداه تاجا الخ (٢) جاء في الأصل (ألبس والديه) بدون ذكر الفاعل فهو اما ان يكون سقط من الناسخ أو تحريف منه وجاء في الأصول الأخرى بالبناء للمفعول وهو الظاهر ولذا أثبته هنا والله اعلم (٣) يعني ضوءه أحسن من ضوء الشمس كما صرح بذلك في رواية أبي داود (٤) أي لو كانت الشمس فيه وإنما جوزى والداه بهذا الجزاء الحسن لأنها السبب في وجوده وإذا كان هذا جزاء المتسبب فقط فما ظنكم بالذي عمل به أي بالقرآن لابد أن يكون جزاؤه أفضل والله أعلم (تخريجه) أخرج الشق الأول منه الخاص بالذكر (مذ نس ك) وابن السني في اليوم والليلة وحسنه وصححه الحاكم وأخرج الشق الثاني منه الخاص بالقراءة (د ك) وقال الحاكم صحيح الاسناد (٥) (سنده) قال عبد الله بن الامام احمد حدثني أبي أملاءا علينا من النوادر قال كتب إلي أبو توبة الربيع بن نافع قال ثنا الهيثم بن حميد عن زيد بن واقد عن سليمان بن موسى عن كثير بن موسى عن كثير بن مرة عن تميم الداري الحديث (غريبه) (٦) معناه من قرأ مائة آية قال الأندلسي في شرح المفصل قرأت السورة وقرأت بالسورة من باب حذف الجار وايصال الفعل ومثله وسميته محمدا وبمحمد وقيل الباء زائدة والفعل من قسم المتعدي (٧) أي عبادتها والله أعلم (تخريجه) (نس) قال الحافظ العراقي اسناده صحيح (٨) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم ثنا ابن مبارك عن يونس عن الزهري عن السائب بن يزيد الحديث (غريبه) (٩) قال صاحب النهاية يحتمل أن يكون مدحا وذما فالمدح معناه أنه لا ينام الليل عن القرآن ولم يتهجد به فيكون القرآن متوسدا معه بل هو يداوم قراءته ويحافظ عليها والذم معناه لا يحفظ من القرآن شيئا ولايديم قراءته فإذا نام لم يتوسد معه القرآن وأراد بالتوسد النوم (ومن الأول) الحديث لا توسدوا القرآن واتلوه حق تلاوته (والحديث الآخر) من قرأ ثلاث آيات في ليلة لم يكن متوسدا للقرآن (ومن الثاني) حديث أبي الدرداء قال له رجل اني أريد أن أطلب العلم وأخشى أن اضيعه فقال لأن تتوسد العلم خير لك من أن تتوسد الجهل اهـ (تخريجه) (نس طب) والبغوي وابن منده وغيرهم وصححه الحافظ في الاصابة (١٠) هذا طرف من حديث سيأتي بتمامه وسنده في الترغيب في اعانة المسلم وتفريج كربه من كتاب الترغيب (غريبه) (١١) أي يشتركون
[ ١٨ / ١١ ]
عليهم السكينة (١) وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله ﷿ فيمن عنده (٢) ومن أبطأ به عمله لم يسرع (٣) به نسبه (عن أنس بن مالك) (٤) أن أبا موسى الأشعري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة (٥) طعمها طيب وريحها طيب (٦) ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب (٧) ولا ريح لها ومثل الفاجر (٨) الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة (٩) مر طعمها وريحها طيب ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة (١٠) مر طعمها ولا ريح لها (١١) (عن عبد الله بن بريدة عن أبيه) (١٢) ﵁ قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يجيء بالقرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب (١٣) فيقول لصاحبه أنا الذي اسهرت ليلك (١٤) واظمأت هو أجرك (١٥)
_________________
(١) في قراءة بعضهم على بعض وكثرة درسه ويتعهدونه خوف النسيان وأصل الدراسة التعهد وتدارس وتفاعل للمشاركة (١) فعيلة من السكون للمبالغة والمراد هنا الوقار أو الرحمة والطمأنينة (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) (٢) أي من كرم الملائكة والعندية عندية شرف ومكانة لا عندية مكان لاستحالتها (٣) معناه من أخره عمله السيء وتفريطه في العمل الصالح لم ينفعه في الآخرة شرف نسبه (تخريجه) (م د وغيرهما) وفيه فضل الاجتماع على تلاوة القرآن حتى في المسجد مالم يشوش على المصلين (٤) (سنده) حدثنا روح ثنا سعيد عن قتادة قال ثنا أنس بن مالك أن أبا موسى الأشعري الخ (غريبه) (٥) بضم الهمزة والراء وتشديد الجيم مفتوحة وقد تخفف (٦) خص الإيمان بالطعم والقرآن بالريح لأن الإيمان الزم للمؤمن من القرآن لأمكان حصول الايمان بدون القراءة والطعم الزم للجوهر من الريح فقد يذهب ريحه ويبقى طعمه وخص الأترجة بالمثل لأن يداوى بقشرها ويستخرج من جلدها دهن ومنافع أما لحمها فلذيذ ومذاقها طيب النكهة تدبغ المعدة وتقوي الهضم وهي أفضل ثمار العرب (٧) أي من حيث أنه مؤمن ذو ايمان (ولا ريح لها) أي من حيث أنه مؤمن غير تال في الحديث الذي لا يكون فيه تاليا وان كان ممن حفظ القرآن ذكره ابن العربي (٨) أي المنافق كما صرح بذلك في رواية فذكر المنافق بدل الفاجر في الموضعين (٩) يعني ريحها طيب لأن القرآن طيب وليس إلا أنفاس التالي والقارئ في وقت قراءته وطعمها مر لأن النفاق كفر الباطن والحلاوة هي للايمان فشبهه بالريح لكونه لم ينتفع ببركة القرآن ولم يفز بحلاوة أجر فلم يجاوز الطيب موضع الصوت وهو الحلق ولا اتصل بالقلب (١٠) الحنظلة معروفة وتسمى في بعض البلاد بطيخ أبي جهل (١١) أي لأنه لا إيمان عنده ولا قراءة فهو كالحنظلة مر طعمها ولا ريح لها (تخريجه) (ق طل والأربعة) (١٢) (سنده) حدثنا وكيع ثنا بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه (يعني بريدة الأسلمي) قال قال رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (١٣) قال الحافظ السيوطي هو المتغير اللون والجسم لعارض من العوارض كمرض او سفر أو نحوهما وكأنه يجيء على هذه الهيئة ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا الذي أتعب نفسه بالسهر في الليل يقرأ القرآن ويقوم به ويصوم في النهار أو للتنبيه له على أنه كما تغير لونه في الدنيا لأجل القيام بالقرآن كذلك القرآن لأجله في السعي يوم القيامة حتى ينال صاحبه الغاية القصوى في الآخرة (١٤) أي بطول القيام (١٥) رواية الحاكم وابن ماجه (وأظمأت نهارك) أي من كثرة القراءة والصيام بالنهار
[ ١٨ / ١٢ ]
(عن عائشة ﵂) (١) قالت قال رسول الله ﷺ الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به (٢) مع السفرة الكرام البررة والذي يقرؤه وهو عليه شاق (٣) فله أجران (وعنها أيضا) (٤) قالت سمع النبي ﷺ رجلا يقرأ (٥) آية فقال ﵀ لقد أذكرني آية كنت نسيتها (عن أنس بن مالك) (٦) قال بينما نحن نقرأ فينا العربي والعجمي والأسود والأبيض إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال أنتم في خير تقرءون كتاب الله وفيكم رسول الله ﷺ وسيأتي على الناس زمان يثقفونه (٧) كما يثقفون القدح يتعجلون (٨) أجورهم ولا يتأجلونها (عن جابر ابن عبد الله) (٩) قال دخل النبي ﷺ المسجد فإذا فيه قوم يقرءون القرآن قال اقرءوا القرآن (وفي رواية قال فاستمع فقال اقرءوا فكل حسن) وابتغوا به الله ﷿ من قبل أن يأتي قوم يقيمونه (١٠) إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه (عن سهل بن معاذ عن أبيه) (١١) عن
_________________
(١) خصوصا في وقت الهاجرة وهي اشتداد الحر نصف النهار (تخريجه) (جه ك) قال البوصيري في زوائد ابن ماجه اسناده صحيح ورجاله ثقات وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (قلت) واقره الذهبي (١) (سنده) حدثنا اسماعيل قال انا هشام عن قتادة عن زرارة بن أبي أوقى عن سعد ابن هشام عن عائشة الحديث (غريبه) (٢) الماهر بالقرآن هو الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ولا يشق عليه القراءة لجودة حفظه واتقانه (وقوله مع السفرة) جمع سافر ككاتب وكتبة زنة ومعنى فهم الملائكة الموصوفون بقوله الكرام البررة كما في الآية الكريمة قال ابن الملك أراد بهم الملائكة الذين يكتبون أعمال العباد ويحفظونها لأجلهم ومعنى كونه معهم أن يكون في منازلهم ورفيقا في الآخرة لاتصافه بصفتهم من جهة أنه حامل الكتاب وأمين عليه (والبررة) جمع البار بمعنى المحسن (٣) أي شديد يصيبه مشقة جملة حالية (فله أجران) أي أجر لقراءته وأجر لتحمل مشقته وهذا تحريض على تحصيل القراءة (تخريجه) (ق والأربعة) (٤) (سنده) حدثنا وكيع قال ثنا هشام عن أبيه عن عائشة الحديث (غريبه) (٥) وفي رواية أبي داود يقرأ فرفع صوته بالقرآن (تخريجه) (د) ورجاله من رجال الصحيحين (٦) (سنده) حدثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا بكر بن سوادة عن وفاء الخولاني عن أنس ابن مالك الحديث (غريبه) (٧) أي يبالغون في تحسينه كما يبالغون في تحسين القدح واعتداله (والقدح) بكسر القاف وسكون المهملة هو السهم الذي يرمى به عن القوس بعد تقويمه واعتداله (٨) أي يطلبون بقراءته أجرة من عرض الدنيا الزائل ولا يقرءونه لله ليوفيهم أجورهم (في الآخرة) ويزيدهم من فضله كما نطق بذلك الكتاب العزيز (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام أحمد وفي سنده ابن لهيعة فيه كلام وحسن حديثه الحافظ الهيثمي لأنه صرح بالتحديث (٩) (سنده) حدثنا عبد الوهاب يعني ابن عطاء أنبأنا أسامة بن زيد الليثي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله الحدي (غريبه) (١٠) يقيمونه الخ هو بمعنى يثقفونه المذكور في الحديث السابق وتقدم شرحه (تخريجه) (د) وسنده حسن وله شاهد من حديث أنس وهو الحديث السابق ومن حديث سهل بن سعد وتقدم في الباب السابق فارجع الى شرحه (١١) (سنده) حدثنا حسن ثنا ابن لهيعة قال ثنا يحيى بن غيلان قال حدثني رشدين بن سعد عن زبان عن سهل بن معاذ عن أبيه الخ (قلت) أبوه معاذ بن أنس الجهني الصحابي رضي الله ﵎ عنه (غريبه)
[ ١٨ / ١٣ ]
رسول الله ﷺ قال من قرأ ألف آية في سبيل الله (١) ﵎ كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين (٢) والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا إن شاء الله تعالى (باب ما جاء في الجهر بقراءة القرآن والتغني به وحسن الصوت) (عن أبي هريرة) (٣) قال قال رسول الله ﷺ ما أذن الله لشيء (٤) ما أذن لنبي (٥) أن يتغنى بالقرآن (٦) (زاد في رواية) فيما يجهر به (عن سعد بن أبي وقاص) (٧) قال قال رسول الله ﷺ ليس منا (٨) من لم يتغن بالقرآن (٩) قال وكيع (أحد الرواة) يعني يستغني به (عن عقبة بن عامر) (١٠) قال قال رسول الله ﷺ
_________________
(١) معناه ابتغاء مرضاة الله تعالى لا يقصد إلا ذلك فخرج من يقرأ القرآن بأجرة أو بقصد أو بقصد الشهرة أو نحو ذلك (٢) هم أفاضل اصحاب الأنبياء لمبالغتهم في الصدق والتصديق (وحسن أولئك رفيقا) أي رفقاء في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم وان كان مقرهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى غيرهم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد وفيه زبان بن فائد وهو ضعيف (باب) (٣) (سنده) حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة الخ (غريبه) (٤) ما الأولى نافية والثانية مصدرية أي ما استمع لشيء كاستماعه لنبي وفي شراح البخاري أذن يأذن كعلم يعلم مشترك بين الاطلاق والاستماع فإن أردت الاطلاق فالمصدر اذن بكسر وسكون فإن أردت الاستماع فالمصدر اذن بفتحتين والمراد بالاستماع هنا اجزال مثوبة القارئ لتنزهه تعالى عن السمع بالحاسة (٥) أي لصوت نبي من الأنبياء (قال المناوي) يعني ما رضى الله من المسموعات شيئا هو أرضى عنده ولا أحب إليه من قول نبي يتغنى بالقرآن أي يجهر به ويحسن صوته بالقراءة بخشوع وترقيق وتحزن وأراد بالقرآن ما يقره من الكتب المنزلة من كلامه (٦) قال النووي معناه عند الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء من الطوائف وأصحاب الفنون يحسن صوته به وعند سفيان ابن عتيبة يستغنى به قيل يستغنى به عن الناس وقيل عن غيره من الأحاديث والكتب قال القاضي عياض القولان منقولان عن ابن عيينة قال يقال تغنيت وتغانيت بمعنى استغنيت (وقال الشافعي) وموافقوه معناه تحزين القراءة وترقيقها واستدلوا بالحديث الآخر (زينوا القرآن بأصواتكم) (قلت) سيأتي من حديث البراء آخر الباب قال الهروي معنى يتغنى به يجهر به وأنكر أبو جعفر الطبري تفسير من قال يستغني به وخطأه من حديث اللغة والمعنى والخلاف جار في الحديث الآخر (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) (قلت سيأتي بعد هذا) قال والصحيح أنه في تحسين الصوت ويؤيده الرواية الأخرى فيتغنى بالقرآن يجهر به (قلت وهي الرواية الثانية من حديث الباب) والله أعلم (تخريجه) (ق د نس) (٧) (سنده) حدثنا وكيع حدثنا سعيد بن حسان المخزومي عن ابن أبي مليكة عن عبيد الله بن أبي نهيك عن سعد بن أبي وقاص الخ (غريبه) (٨) أي ليس على طريقتنا (٩) أي يجهر به ويحسن صوته بالقراءة بخشوع وترقيق كما مر في الحديث السابق وهذا هو القول الراجح وفسره وكيع بقوله يستغنى به وهو كقول سفيان بن عيينة وقد علمت ما فيه من شرح الحديث السابق والله أعلم (تخريجه) (د جه حب ك) وسنده صحيح (١٠) (سنده) حدثنا حماد بن خالد ثنا معاوية بن صالح عن مجير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن عقبة بن عامر الخ (قلت) وفي آخر الحديث قال أبو عبد الرحمن
[ ١٨ / ١٤ ]
الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة (١) (وعنه أيضا) (٢) أن النبي ﷺ قال لرجل يقال له ذو البجادين إنه أواه (٣) وذلك أنه كان رجلا كثير الذكر لله ﷿ في القرآن (٤) ويرفع صوته في الدعاء (عن فضالة بن عبيد) (٥) عن النبي ﷺ قال لله (٦) أشد أذنا إلى الرجل حسن الصوت بالقرآن (٧) من صاحب القينة (٨) إلى قينته (عن أبي هريرة) (٩) قال دخل رسول الله المسجد فسمع قراءة رجل فقال من هذا؟ قيل عبد الله بن قيس (١٠) فقال لقد أوتي هذا من مزامير آل داود (١١) (عن عبد الله بن بريدة عن أبيه) (١٢) أن رسول الله ﷺ قال ان عبد الله بن قيس الأشعري اعطى مزمارا من مزامير آل داود (عن البراء) (١٣) قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم (١٤)
_________________
(١) (يعني عبد الله بن الامام احمد) قال أبي كان حماد بن خالد حافظا وكان يحدثنا وكان يحفظ كتبت عنه أنا ويحيى بن معين اهـ (غريبه) (١) شبه القرآن جهرا وسرا بالصدقة جهرا وسرا ووجه الشبه أن الاسرار أبعد من الرياء فهو أفضل لخائفه فإنه لم يخفه فالجهر لمن لم يؤذ غيره كمصل أو نائم أفضل (تخريجه) (د نس مذ ك) وحسنه الترمذي وصححه الحاكم وأقره الذهبي (٢) (سنده) حدثنا موسى ثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر ان النبي ﷺ الخ (غريبه) (٣) الآواه المتأوه المتضرع وقيل هو الكثير البكاء وقيل الكثير الدعاء (٤) معناه أنه كان يكثر من تلاوة القرآن بخضوع وخشوع (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وفي اسناده ابن لهيعة فيه مقال لكونه عنعن وبقية رجاله ثقات (٥) (سنده) حدثنا اسحاق بن ابراهيم الطالقاني ثنا الوليد بن مسلم عن الأزواعي عن اسماعيل بن عبيد الله عن فضالة بن عبيد الخ (غريبه) (٦) بفتح اللام مبتدأ خبره أشد (وأذنا) بفتحتين بمعنى استماعا ولما كان الاستماع على الله ﷿ محالا لأن شأن من يتخلف سماعه بكثرة التوجه وقلته وسماعه تعالى لا يتخلف قالوا هو كناية عن تقريب القارئ واجزال ثوابه (٧) زاد في رواية ابن ماجه (يجهر به) وجملة يجهر به حال مما يفهم كأنه قيل يقرأ يجهر به ويحتمل أنها نعت بناء على أن الرجل في معنى النكرة إذا لم تقصد به إلى أحد بعينه (٨) القينة بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحت بعدها نون هي الجارية المغنية (تخريجه) (جه) قال البوصيري في زوائد ابن ماجه اسناده حسن (٩) (سنده) حدثنا يزيد (يعني ابن هارون) حدثنا محمد (يعني ابن عمرو) عن أبي سلمة عن أبي هريرة الخ (غريبه) (١٠) هو أبو موسى الأشعري ﵁ (١١) مزامير جمع مزمار بكسر الميم وهو آلة اللهو ويطلق على الصوت الحسن وهو المراد هنا وأصل الزمر الغناء وآل داود هنا هو داود نفسه وآل فلان قد يطلق على نفسه والمعنى أن عبد الله بن قيس أعطى صوتا حسنا في قراءة القرآن من أنواع الأصوات والنغمات الحسنة التي كانت لداود ﵇ في قراءة الزبور وكان اليه المنتهى في حسن الصوت بالقراءة (تخريجه) (جه) في الصلاة وسنده صحيح ورجاله ثقات (١٢) (سنده) حدثنا مالك (يعني ابن مغول) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه (يعني أبا بريدة الأسلمي) أن رسول الله ﷺ الخ (تخريجه) (ق وغيرهما) (١٣) (سنده) حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن الأعمش عن طلحة عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء (يعني ابن عازب) قال قال رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (١٤) معناه على
[ ١٨ / ١٥ ]
(باب ما جاء في ترتيل القراءة وقراءة النبي ﷺ) (عن مسلم بن مخراق عن عائشة) (١) قال ذكر لها أن ناسا يقرؤن القرآن في الليلة مرة أو مرتين فقالت أولئك قرؤا ولم يقرؤا (٢) كنت أقوم مع رسول الله ﷺ ليلة التمام (٣) (وفي رواية كان رسول الله ﷺ يقوم الليلة التمام) فكان يقرء سورة البقرة وآل عمران والنساء فلا يمر بآية فيها تخوف إلا دعا الله ﷿ واستعاذ ولا يمر
_________________
(١) هذا التركيب (زينوا القرآن بأصواتكم) أي بتحسين أصواتكم عند القراءة فإن الكلام الحسن يزيد حسنا وزينة بالصوت الحسن وهذا مشاهد وقد روى الدارمي عن البراء بن عازب أيضا قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا) ولما رأى بعضهم أن القرآن أعظم وأجل من أن يحسن بالصوت بل الصوت أحق أن يحسن بالقرآن قال معناه زينوا أصواتكم بالقرآن (قال الخطابي) هكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث وزعموا أنه من باب المقلوب كما قالوا عرضت الناقة على الحوض أي عرضت الحوض على الناقة وكقولهم إذا طلعت الشعري واستولى العود على الحرباء أي استوى الحرباء على العود ثم روى باسناده عن شعبة قال نهاني أيوب أن أحدث (زينوا القرآن بأصواتكم) قال ورواه معمر عن منصور عن طلحة فقدم الأصوات على القرآن وهو الصحيح أخبرناه محمد بن هاشم حدثنا الدبري عن عبد الرزاق أنبأنا معمر عن منصور عن طلحة عن عبد الرحمن عن عوسجة عن البراء أن رسول الله ﷺ قال زينوا أصواتكم بالقرآن والمعنى اشغلوا أصواتكم بالقرآن والهجوا به واتخذوه شعارة وزينة اهـ (تخريجه) (د نس جه) وسكت عنه أبو داود والمنذري فهو صالح للاحتجاج به (قال النووي) قال القاضي اجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها قال أبو عبيد والأحاديث الواردة في ذلك محمولة على التخزين والتشويق قال واختلفوا في القراءة بالألحان فكرهها مالك والجمهور لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهم وأباحها أبو حنيفة وجماعة من السلف للأحاديث ولأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية وإقبال النفوس على استماعه (قلت) قال الشافعي في موضع أكره القراءة بالألحان وقال في موضع لا أكرهها قال أصحابنا ليس فيها خلاف وإنما هو اختلاف حالين فحيث كرهها أراد إذا مطط وأخرج الكلام عن موضعه بزيادة أو نقص أو مد غير ممدود وإدغام مالا يجوز إدغامه ونحو ذلك وحيث أباحها أراد إذا لم يكن فيها تغير لموضوع الكلام والله أعلم اهـ (قلت) والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث وقد أخرج ذلك عنه أبو داود باسناد صحيح ومن جملة تحسينه أن تراعي فيه قوانين النغم فإن الحسن الصوت يزداد حسنا بذلك وان خرج عنها أثر ذلك في حسنه وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها مالم يخرج عن شرط الاداء المعتبر عند أهل القراءات فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام لأن الغالب من راعي الأنغام أن لا يراعي الأداء فإن وجد من يراعيهما معا فلا شك في أنه أرجح من غيره لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء والله أعلم (باب) (١) (سنده) حدثنا قتيبة بن سعيد قال ثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن زياد بن نعيم عن مسلم بن مخراق عن عائشة الخ (غريبه) (٢) معناه أنهم قرءوا القرآن بلسانهم ولم تفقهه قلوبهم ولم تتأثر بما فيه (٣) قال في النهاية هي ليلة أربع عشرة من الشهر لأن
[ ١٨ / ١٦ ]
بآية فيها استبشار إلا دعا الله ﷿ ورغب إليه (١) (عن ابن أبي مليكة) (٢) أن بعض أزواج النبي ﷺ ولا أعلمها إلا حفصة ﵂ سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت إنكم لا تطيقونها قالت الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم تعني الترتيل (عن قتادة) (٣) قال سألت أنس بن مالك ﵁ عن قراءة رسول الله ﷺ قال كان يمد بها صوته مدا وفي لفظ كانت قراءة رسول الله ﷺ مدا يمد بها مدا (حدثنا وكيع ثنا شعبة) (٤) عن معاوية بن قرة قال سمعت عبد الله بن مغفل يقول قرأ النبي ﷺ عام الفتح في مسيرة سورة الفتح على راحلته وقال مرة نزلت سورة الفتح وهو في مسير له فجعل يقرأ وهو على راحلته قال فرجع فيها (٥) قال فقال معاوية (يعني ابن قرة) لولا أن أكره أن يجتمع الناس علي لحكيث لكم قراءته (٦) (حدثنا شبابة) (٧) وأبو طالب بن جابان القارئ قال ثنا شعبة عن معاوية بن قرة عن عبد الله ابن مغفل عن النبي ﷺ مثل هذا الحديث (٨) قال ابن جابان في حديثه آء آء (٩) (حدثنا ابن ادريس) (١٠) قال سمعت شعبة يذكر عن أبي إياس معاوية بن قرة المزني عن عبد الله بن مغفل قال سمعته يقرأ يعني النبي ﷺ يوم الفتح فلولا أن يجتمع الناس علي لحكيث لكم قراءة رسول الله ﷺ قال
_________________
(١) القمر يتم فيها نوره وتفتح تاؤه وتكسر وقيل ليل التمام بالكسر أطول ليلة في السنة (١) أي بكثرة الدعاء طمعا فيما عند الله ﷿ من الثواب العظيم (تخريجه) (هق) وفي اسناده ابن لهيعة فيه كلام إذا عنعن وله شاهد يعضده عند (م حم نس) من حديث حذيفه وسيأتي بعد ثلاث أبواب وفيه أن كثرة الثواب لا بكثرة القراءة بل بتدبر المعنى والخشوع في القراءة وان لم يكثر منها والله أعلم (٢) (عن ابن مليكة الخ) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب جامع صفة القراءة من كتاب الصلاة في الجزء الثالث صحيفة ٢٣٧ رقم ٥٩٨ (٣) (عن قتادة الخ) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في الباب المشار إليه آنفا في الجزء الثالث صحيفة ٢٣٦ رقم ٥٩٦ وهو حديث صحيح أخرجه (خ هق والأربعة) (٤) (حدثنا وكيع الخ) (غريبه) (٥) بتشديد الجيم أي ردد الصوت في الحلق والجهر بالقول مكررا بعد اخفائه (٦) قال ابن بطال في هذا الحديث إجازة القراءة بالترجيع والألحان الملذة للقلوب بحسن الصوت وقول معاوية لولا أن اكره أن يجتمع الناس (أي كما في رواية البخاري) يشير إلى أن القراءة بالترجيع تجمع نفوس الناس إلى الاصغاء وتستميلها بذلك حتى لا تكاد تصبر عن استماع الترجيع المشوب بلذة الحكمة المهيمة (٧) جاء هذا الحديث في المسند متصلا بالحديث السابق فهو جزء منه (٨) يعني مثل الحديث السابق (٩) جاء عند البخاري في التوحيد (قال آء آء آء ثلاث مرات) بهمزة مفتوحة بعدها الف فهمزة أخرى (قال ابن بطال) وفي قوله آء بمد الهمزة والسكون دلالة على أنه ﷺ كان يراعي في قراءته المد والوقف اهـ (قلت) وفيه أيضا دلالة على جواز قراءة القرآن راكبا في السفر قال الحافظ ابن كثير في تفسيره وهذا أيضا له تعلق بالقرآن وتلاوته سفرا وحضرا ولا يكره ذلك عند أكثر العلماء إذا لم يتله القارى في الطريق وقد نقله ابن أبي داود عن أبي الدرداء أنه كان يقرأ في الطريق وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أذن في ذلك والله أعلم (تخريجه) (ق والثلاثة) (١٠) (حدثنا ابن إدريس الخ) (قلت) ابن ادريس اسمه عبد الله قال في التقريب عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي بسكون الواو أبو محمد الكوفي ثقة فقيه
[ ١٨ / ١٧ ]
قرأ سورة الفتح (١) قال (يعني معاوية بن قرة) لولا أن يجتمع الناس علي لحكيت لكم ما قال عبد الله يعني ابن مغفل كيف قرأ رسول الله ﷺ وقال بهز وغندر قال فرجع فيها (٢) (عن أبي سعيد الخدري) (٣) أن رسول الله ﷺ ردد آية حتى أصبح (٤) (باب الاقتصاد في القراءة خوف الملل وفي كم يقرأ القرآن) (عن عبد الله عمرو) (٥) قال جمعت القرآن (٦) فقرأت به في كل ليلة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال إني أخشى أن يطول عليك زمان أن تمل (٧) اقرأه في كل شهر قلت يا رسول الله دعني استمتع من قوتي وشبابي قال اقرأه في كل عشرين قلت يا رسول الله دعني استمتع من قوتي وشبابي قال اقرأه في عشر قلت يا رسول الله دعني استمتع من قوتي وشبابي قال اقرأه في كل سبع قلت يا رسول الله دعني استمتع من قوتي وشبابي فأبى (٨)
_________________
(١) عابد من الثامنة مات سنة اثنتين وتسعين له بضع وسبعون سنة (غريبه) (١) زاد مسلم من طريق شعبة أيضا (قال فقرأ ابن مغفل ورجع فقال معاوية لولا الناس لأخذت لكم بذلك الذي ذكره ابن مغفل عن النبي ﷺ) وظاهره أن معاوية لم يحك قراءة ابن مغفل لكن جاء عند البخاري في التوحيد (قال ثم قرأ معاوية يحكي قراءة ابن مغفل وقال لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل) قال الحافظ وظاهره أنه لم يرجع وهو المعتمد ويحمل قوله ثم قرأ معاوية الخ على أنه حكى القراءة دون الترجيع اهـ (٢) يحتمل أن يكون المراد بقوله (فرجع فيها) يعني عبد الله بن مغفل ويحتمل أن يكون المراد بذلك النبي ﷺ أما ترجيع ابن مغفل فثابت في رواية مسلم وأما ترجيع النبي ﷺ فثابت عند الشيخين والامام احمد كما في الحديث السابق والله أعلم (تخريجه) (ق طل والثلاثة) مختصرا ومطولا اهـ (٣) (سنده) حدثنا زيد بن الحباب أخبرني اسماعيل بن مسلم التاجي عن ابي نضرة عن ابي سعيد الخ (غريبه) (٤) لم يصرح بالآية في هذا الحديث وجاء التصريح بها عند الحاكم والامام احمد وسيأتي في تفسير آخر سورة المائدة من حديث أبي ذر وهي قوله تعالى (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام من حديث أبي سعيد وأخرجه الحاكم والامام احمد أيضا من حديث أبي ذر وصححه الحاكم وأقره الذهبي (باب) (٥) (سنده) حدثنا يحيى عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن يحيى بن حكيم بن صفوان عن عبد الله بن عمرو بن العاص الخ (غريبه) (٦) أي حفظه كله عن ظهر قلب (٧) أي عند الكبر وضعف القوة (٨) معناه أن النبي ﷺ لم يصرح له بقراءة القرآن في أقل من سبع ويؤيده ذلك قوله في الرواية الأخرى (فاقرأه في كل سبع ولا تزيدن) (قال الحافظ) أي لا يغير الحال المذكور إلى حالة أخرى فاطلق الزيادة والمراد النقص والزيادة هنا بطريق التدلي أي لا يقرؤه في أقل من سبع (قلت) لكن جاء في مسند الدارمي من طريق أبي فروة عن عبد الله بن عمرو قال قلت يا رسول الله في كم أختم القرآ،؟ قال اختمه في شهر فذكر الحديث الى أن قال اختمه في خمس قلت اني اطيق قال لا ويستفاد منه التصريح بختمه في الخمس وقد جمع الحافظ بين روايتي السبع والخمس فقال لا مانع أن يتعدد قول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو ذلك تأكيدا ويؤيده الاختلاف الواقع في السياق وكأن النهي عن الزيادة ليس على التحريم كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب وعرف ذلك من قرائن الحال التي ارشد اليها السياق وهو النظر إلى عجزه
[ ١٨ / ١٨ ]
(زاد في رواية) فاقرأه في كل سبع لا تزيدن (وعنه من طريق ثان) (١) قال قلت يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ قال اقرأه في كل شهر قال قلت اني أقوى أكثر من ذلك قال اقرأه في خمس وعشرين قلت اني اقوى على أكثر من ذلك قال اقرأه في عشرين قال قلت اني اقوى على أكثر من ذلك قال اقرأه في خمس عشرة قال قلت اني اقوى على أكثر من ذلك قال اقرأه في سبع قال قلت اني اقوى على اكثر من ذلك قال لا يفقهه من يقرؤه في أقل ثلاث (٢) (وعنه أيضا) (٣) أن رجلا أتى النبي ﷺ بابن له فقال يا رسول الله ان ابني هذا المصحف بالنهار (٤) ويبيت بالليل فقال رسول الله ﷺ أما تنقم أن ابنك يظل ذاكرا ويبيت سالما (عن جندب) بن سفيان البجلي ﵁ (٥) قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اقرؤا القرآن (٦) ما ائتلفت عليه قلوبكم فإن اختلفتم (٧) فقوموا
_________________
(١) عن سوى ذلك في الحال أو في المآل (١) (سنده) حدثنا يزيد أنا همام عن قتادة عن يزيد بن عبد الله ابن الشخير عن عبد الله بن عمرو قال قلت يارسول الله الخ (٢) ظاهر قوله ﷺ (لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث) جواز قراءته في ثلاث وهو كذلك فقد وقع في رواية هشيم أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو (اقرأه في كل ثلاث) وله شاهد عند سعيد بن منصور في سننه قال الحافظ باسناد صحيح من وجه آخر عن (عائشة أن النبي ﷺ كان لا يختم القرآن في أقل من ثلاث) قال الحافظ (وهذا اختيار أحمد وأبي عبيد واسحق بن راهوية وغيرهم وثبت عن كثير من السلف أنهم قرءوا القرآن في دون ذلك وأغرب بعض الظاهرية فقال يحرم أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث اهـ ويستفاد من ذلك ان النهي ليس للتحريم كما أن الأمر في جميع مامر في الحديث ليس للوجوب كما قال الحافظ (قال النووي) والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص فمن كان من أهل الفهم وتدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني وكذا من كان له شغل بالعلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ولا يقرؤه هذرمة والله أعلم (تخريجه) (ق طل والثلاثة وغيرهم) (٣) (سنده) حدثنا حسن ثنا ابن لهيعة حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو أن رجلا الخ (غريبه) (٤) ظاهره أنه كان يختم القرآن في يوم وينام بالليل فأنكر عليه والده فعله وشكاه إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ (أما تنقم الخ) ومعناه أن النبي ﷺ ينبه الرجل بعدم الانكار على ابنه لأنه لم يفعل إلا ما يوجب الثناء عليه وفيه جواز ختم القرآن في يوم لمن لم يخل بالقراءة والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وسنده حسن لأن ابن لهيعة صرح بالتحديث (٥) (سنده) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا سلام بن أبي مطيع عن أبي عمران الجوني عن جندب الخ (قلت) قال الحافظ في التقريب جندب ابن عبد الله بن سفيان البجلي ثم العلقي بفتحتين ثم قاف أبو عبد الله وربما نسب إلى جده له صحبة ومات بعد الستين (غريبه) (٦) أي داوموا على قراءته (ما ائتلفت) أي دامت قلوبكم تألفت القراءة بنشاط وتدبر (٧) أي مللتم أو صارت قلوبكم في فكرة شيء سوى قراءتكم يذهب التدبر والخشوع
[ ١٨ / ١٩ ]
(باب نزول السكينة (١) والملائكة عند قراءة القرآن)
(عن البراء بن عازب) (٢) قال قرأ رجل الكهف (٣) وفي الدار دابة (٤) فجعلت تنفر (٥) فنظر فإذا ضبابة أو سحابة (٦) قد غشيته قال فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال اقرأ فلان فإنها السكينة (٧) تنزلت عند القرآن أو تنزلت للقرآن (عن أبي سعيد الخدري) (٨) أن أسيد بن حضير ﵁ بينما هو ليلة يقرأ في مربده (٩) إذ جالت فرسه فقرأ ثم جالت أخرى فقرأ ثم جالت أيضا فقال أسيد فخشيت أن تطأ يحيى يعني ابنه (١٠) فقمت إليه فإذا مثله الظلة (١١) فوق رأسي فيها أمثال أمثال السرج (١٢) عرجت في الجو حتى ما أراها (١٣) فغدوت على رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله إنه بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مربدي إذ جالت فرسي فقال رسول الله ﷺ اقرأ ابن حضير (١٤) قال فقرأت ثم جالت أيضا فقال رسول الله ﷺ اقرأ ابن حضير
_________________
(١) (فقوموا) أي اتركوا القراءة إلى وقت تقرءون فيه بنشاط وتدبر جاء في الأصل بعد قوله فقوموا (قال) عبد الرحمن (يعني ابن مهدي شيخ الامام احمد) لم يرفعه حماد بن زيد (يعني في رواية أخرى) أما هذه فهي مرفوعة صحيحة (تخريجه) (ق ن) ورواه (م) والطبراني عن ابن عمر والنسائي عن معاذ (باب) (١) قال النووي قيل في معنى السكينة هنا أشياء المختار منها انها شيء من مخلوقات الله تعالى فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة والله أعلم اهـ وقال الراغب الاصفهاني قيل هو ملك يسكن قلب المؤمن ويؤمنه كما روى أن عليا قال ان السكينة تنطق على لسان عمران اهـ وقيل هي ما يحصل به السكون وصفاء القلب (٢) (سنده) حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي اسحاق قال سمعت البراء يقول قرأ رجل الكهف الخ (غريبه) (٣) قال الحافظ في قوله (قرأ رجل الكهف) قيل هو أسيد بن حضير (يعني المذكور في الحديث التالي) لكن فيه أنه كان يقرأ سورة البقرة وفي هذا أنه كان يقرأ سورة الكهف وهذا ظاهره التعدد (٤) لم يصرح بنوع تلك الدابة وجاء عند البخاري بلفظ (وإلى جانبه حصان) بكسر أوله (٥) بكسر الفاء من باب ضرب أي تثب وتركض (٦) أو للشك من الراوي والمعنى واحد (وقوله قد غشيته) أي أحاطت به (٧) قال القارى أي السكون والطمأنينة التي يطمئن اليها القلب ويسكن بها عن الرعب (تخريجه) (ق مذ طل) (٨) (سنده) حدثنا يعقوب قال سمعت أبي عن زيد بن الهاد أن عبد الله بن خباب حدثه أن أبا سعيد الخدري حدثه أن أسيد بن حضير الخ (غريبه) (٩) المربد بوزن منبر هو الموضع الذي ييبس فيه التمر كالبيدر للحنطة ونحوها (وقوله جالت فرسه) جاء عند البخاري (وفرسه مربوط) والفرس يطلق على الذكر والأنثى يعني جالت أي وثبت واضطربت (١٠) أي وكان قريبا من الفرس كما يوضحه لفظ البخاري (وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه) أي خفت أن تدرس الفرس ولدي يحيى وكان به يكنى (١١) هي ما يقي من الشمس كسحاب أو سقف بيت (١٢) بضمتين جمع سراج ولفظ البخاري (أمثال المصابيح) أي أجسام لطيفة نورانية (١٣) أي صعدت في الجو حتى غابت عن ناظري (١٤) هذا ليس أمرا بالقراءة حال التحديث بل المعنى كان ينبغي لك أن تستمر على قراءتك وتغتنم ما حصل لك من نزول السكينة والملائكة وتستكثر من القراءة (وقوله فقرأت) يحكي
[ ١٨ / ٢٠ ]
فقرأت ثم جالت فقال رسول الله ﷺ اقرأ بن حضير قال فانصرفت وكان يحيى قريبا منها فخشيت أن تطأه فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها فقال رسول الله ﷺ تلك الملائكة كانت تسمع لك (١) ولو قرأت لأصبحت يراها الناس لاتستتر منهم (٢) (باب فضل القراءة على قراءة عبد الله بن مسعود وذكر من حفظ القرآن كله من الصحابة) (عن عبد الله) (٣) أن أبا بكر وعمر ﵄ بشراه أن رسول الله ﷺ قال من سره أن يقرأ القرآن غضا (٤) كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد (٥) (عن عمر بن الخطاب ﵁) (٦) عن النبي ﷺ مثله (٧) قال غضا أو رطبا (٨) (عن أبي هريرة) (٩) قال قال رسول الله ﷺ من أحب أن يقرأ القرآن غريضا (١٠) كذا قال كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد
_________________
(١) ما حصل وكذا يقال في كل مرة قال له النبي ﷺ اقرأ ابن حضير وقوله في المرة الثالثة (قال فانصرفت) يعني عن القراءة لأنه خشى على ابنه أن تطأ الفرس (١) جاء عند البخاري بلفظ (تلك الملائكة دنت لصوتك) وكان أسيد حسن الصوت وفي رواية يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهاد عند الاسماعيلي (اقرأ أسيد فقد أوتيت من مزامير آل داود) ففيه اشارة إلى الباعث على استماع الملائكة لقراءته (٢) يشير بذلك إلى أن الملائكة لاستغراقهم في الاستماع كانوا يستمرون على عدم الاختفاء الذي هو من شأنهم حتى يراهم الناس لو استمريت في قرائتك (تخريجه) (ق نس) قال النووي وفي هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة الملائكة (قلت يعني الصالحين منهم) وفيه فضيلة القراءة وانها سبب نزول الرحمة وحضور الملائكة يعني اذا كانت بتدبر وخشوع وفيه فضيلة استماع القرآن اهـ (قلت) وفيه منقبة عظيمة لأسيد بن حضير ﵁ (باب) (٣) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا أبو بكر يعني ابن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله (يعني ابن مسعود) ان ابا بكر وعمر الخ (غريبه) (٤) الغض الطرى الذي لم يتغير أراد طريقه في القراءة وهيأته فيها وقيل بالآيات التي سمعها منه من أول سورة النساء إلى قوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) (نه) (٥) ابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود الصحابي كان من السابقين في الاسلام ﵁ (تخريجه) (بز طب عل حب ك) وصححه الحاكم واقره الذهبي وهو من مسند أبي بكر ﵁ (٦) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم حدثنا أبو بكر ويزيد بن عبد العزيز عن الأعمش عن ابراهيم عن علقمة عن عمر بن الخطاب الخ (غريبه) (٧) هكذا في الأصل وليس من اختصاري (٨) أو للشك من الراوي ومعنى رطبا أو لينا لاشدة في صوت قارئه (نه) (تخريجه) (مذ نس خز) وسنده صحيح وهو من مسند عمر ولكنه جاء في الأصل في مسند أبي بكر استطرادا لأنه في معنى الذي قبله (٩) (سنده) حدثنا وكيع عن جرير بن أيوب عن أبي زرعة عن أبي هريرة الخ (غريبه) (١٠) اي طريا وانما قال الراوي (كذا قال) لأن لفظ غريضا يخالف المشهور وهو غضا (قال في النهاية) وفي حديث الغيبة فقاءت لحما غريضا أي طريا ومنه حديث عمر فيؤتي بالخبز لينا وباللحم غريضا اهـ (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد من حديث أبي هريرة وفي اسناده جرير بن أيوب ضعيف وفيه كلام كثير وحديثه
[ ١٨ / ٢١ ]
(عن مسروق) (١) قال كنت جالسا عند عبد الله بن عمرو (بن العاص) فذكر عبد الله بن مسعود فقال إن ذاك لرجل لا أزال أحبه أبدا سمعت رسول الله ﷺ يقول خذوا القرآن عن أربعة (٢) عن ابن أم عبد فبدأ به وعن معاذ وعن سالم مولى أبي حذيفة قال يعلي (أحد الرواة) ونسيت الرابع (٣) (عن عبد الله بن عمرو) (٤) عن النبي ﷺ قال استقرئوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب (٥) (عن أنس) (٦) قال جمع القرآن (٧) على رسول الله ﷺ أربعة نفر كلهم من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد (٨) (باب ما يستحب أن يقوله القارئ عند ذكر آية عذاب أو رحمة وعند ختم بعض السور) (عن حذيفة بن اليمان) (٩) أن رسول الله ﷺ كان إذا
_________________
(١) لا يحتج به ويغنى عنه ما تقدمه من أحاديث الباب والله أعلم بالصواب (١) (سنده) حدثنا يعلي ثنا الأعمش عن أبي وائل عن مسروق الخ (غريبه) (٢) أي تعلموه منهم واقتدوا بهم في قرائته (عن ابن أم عبد) يعني عبد الله بن مسعود (فبدأ به) يشير بذلك إلى أنه أفضلهم في ذلك (وعن معاذ) يعني ابن جبل (٣) هو أبي بن كعب كما صرح بذلك في الحديث التالي (تخريجه) (ق مذ وغيرهم) (٤) (سنده) حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن سليمان سمعت أبا وائل يحدث عن مسروق عن عبد الله بن عمرو (يعني ابن العاص) عن النبي ﷺ الخ (غريبه) (٥) ليس هذا آخر الحديث وبقيته قال وقال لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا متفحشا قال وقال رسول الله ﷺ ان من أحبكم إلي أحسنكم خلقا (تخريجه) (ق وغيرهما) (٦) (سنده) حدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن أنس (يعني ابن مالك) الخ (غريبه) (٧) أي حفظه كله وفي رواية للبخاري بلفظ مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة فذكره (٨) زاد في رواية للبخاري قيل لأنس من أبو زيد؟ قال أحد عمومتي وله في أخرى يعني انسا (ونحن ورثناه) بكسر الراء مخففة يعني أن أنسا وأقاربه ورثوا أبا زيد لأنه مات ولم يترك عقبا وه أحد عمومة أنس كما في المناقب (قال المازري) لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك لأن التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه وإلا فكيف الاحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد وهذا لا يتم إلا إن كان لقى كل واحد منهم على انفراده وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهده ﷺ وهذا في غاية البعد عن العادة اهـ وقال بعض العلماء معنى قول أنس (لم يجمع القرآن غير أربعة) أي لم يجمعه على جميع وجوهه وقراءته أو لم يجمعه كله تلقيا من في النبي ﷺ بلا واسطة أو لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته وما لم ينسخ أو مع احكامه والتفقه فيه أو كتابته وحفظه والله أعلم (تخريجه) (خ مذ) (باب) (٩) (سنده) حدثنا ابو معاوية ثنا الأعمش عن سعد بن عبيدة عن مستورد بن أحنف عن صلة بن زفر عن حذيفة قال صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة قال فافتتح البقرة فقرأ حتى بلغ رأس المائة فقلت يركع ثم مضى حتى بلغ المائتين فقلت يركع ثم مضى حتى ختمها قال فقلت يركع قال ثم افتتح سورة آل عمران حتى ختمها فقلت يركع قال ثم افتتح سورة النساء فقرأها قال ثم ركع قال فقال
[ ١٨ / ٢٢ ]
مر بآية رحمة سأل (١) واذا مر بآية فيها عذاب تعوذ (٢) واذا مر بآية فيها تنزيه لله ﷿ سبح (٣) (حدثنا سفيان) (٤) عن اسماعيل بن أمية سمعه من شيخ فقال مرة سمعته من رجل من أهل البادية اعرابي سمعت ابا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ من قرأ المرسلات عرفا فليقل (٥) فبأي حديث بعده يؤمنون (٦) ومن قرأ التين والزيتون فليقل وانا على ذلك من الشاهدين (٧) ومن قرأ أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى فليقل بلى قال اسماعيل (٨) فذهبت انظر هل حفظ وكان اعرابيا فقال يا ابن اخي أظننت أني لم أحفظه؟ لقد حججت ستين حجة مامنها سنة إلا أعرف البعير الذي حجيت عليه (٩) (باب ما جاء في فضل استماع القرآن والبكاء عند ذلك) (عن أبي حيان الأشجعي) (١٠) عن ابن مسعود ﵁ قال قال لي اقرأ علي من القرآن قال فقلت له اليس منك تعلمته وأنت تقرئنا؟ فقال اني اتيت النبي ﷺ ذات يوم فقال اقرأ علي القرآن قال فقلت يارسول الله اليس عليك أنزل ومنك تعلمناه قال بلى ولكني أحب
_________________
(١) في ركوعه سبحان ربي العظيم قال وكان ركوعه بمنزلة قيامه ثم سجد فكان سجوده مثل ركوعه وقال في سجوده سبحان ربي الأعلى قال وكان إذا مر بآية رحمة الخ (غريبه) (١) أي سأل الله الرحمة والجنة (٢) أي تعوذ بالله من النار وعذابها وإن كان كان قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولكن ليقتدى به غيره (٣) أي قال سبحان ربي الأعلى كما في بعض الروايات قال الحليمي فينبغي للمؤمنين سواه أن يكونوا كذلك بل هم أولى به منه اذا كان الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهم من أمرهم على خطر (تخريجه) (م والأربعة) وتقدم في باب ما جاء في ترتيل القراءة والمد الخ قبل ثلاثة أبواب من حديث عائشة ﵂ قالت فكان (تعني النبي ﷺ) يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء فلا يمر بآية فيها تخوف إلا دعا الله ﷿ واستعاذ ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ﷿ ورغب اليه (٤) (حدثنا سفيان الخ) (غريبه) (٥) هكذا بالأصل (فليقل) وهو خطأ من الناسخ وصوابه (فبلغ) فبأي حديث بعده يؤمنون (٦) لم يذكر الجواب في الأصل والظاهر أنه سقط من الناسخ وهو (فليقل آمنا بالله) فقد جاء هذا الحديث نفسه عند أبي داود وفيه (ومن قرأ والمرسلات فبلغ فبأي حديث بعده يؤمنون فليقل آمنا بالله) (٧) أي وأنا من الذي يشهدون من أنبيائك وأوليائك بأنك أحكم الحاكمين أي انتظم في سلك من له مشافهة في الشهادة بذلك (قال الحافظ) هذا أبلغ من أنا شاهد ومن ثم قالوا في (وكانت من القانتين) وفي (انه في الآخرة لمن الصالحين) أبلغ من وكانت قانتة ومن أنه في الآخرة صالح لأن من دخل في عداد الكامل وساهم معهم الفضائل ليس كمن انفرد منهم اهـ (٨) يعني ابن أمية أحد رجال السند فذهبت انظر هل حفظ يعني هل هذا الأعرابي جيد الحفظ يريد اختباره (٩) (تخريجه) أخرجه أبو داود مطولا كرواية الامام احمد واخرجه الترمذي مقتصرا على ما يختص بسورة التين وقال هذا حديث انما يروى بهذا الاسناد عن هذا الاعرابي عن ابي هريرة ولا يسمى اهـ يعني انه حديث ضعيف لجهالة الأعرابي وهو إن صح يدل على أن من قرأ هذه الآيات يستحب له أن يقول هذه الكلمات تأسيا بالنبي ﷺ والله أعلم (باب) (١٠) (سنده) حدثنا هشيم أنبأنا حصين عن هلال بن يساف عن أبي حيان الأشجعي الخ
[ ١٨ / ٢٣ ]
أسمعه من غيري (عن عبد الله) (١) قال قال رسول الله ﷺ اقرأ علي القرآن قلت يا رسول الله كيف أقرأ عليك وانما أنزل عليك؟ قال اني اشتهي ان اسمعه من غيري (٢) قال فاستفتحت سورة النساء فقرأت عليه فلما بلغت (فكيف (٣) إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) قال (٤) نظرت اليه وعيناه تذرفان (٥) (عن ابي هريرة) (٦) أن رسول الله ﷺ قال من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى (٧) كتب له حسنة مضاعفة (٨) ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة (٩) (باب الحث على تعاهد القرآن واستذكاره والنهي عن أن يقول نسيت آية كذا وكذا) (عن عبد الله) (١٠) عن النبي ﷺ قال بئس مالأحدكم (١١) أو بئسا لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت (١٢) بل هو نسى (١٣) استذكروا القرآن فوالذي نفسي بيده
_________________
(١) (تخريجه) (ق والثلاثة) (١) (سنده) حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن الأعمش عن ابراهيم عن عبيدة عن عبد الله (يعني ابن مسعود) قال قال رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (٢) قال ابن بطال يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة أو ليتدبره ويتفهمه وذلك أن المستمع أقوى من التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها وهذا بخلاف قراءته ﷺ على أبي ابن كعب فإنه أراد أن يعلمه كيف أداء القراءة ومخارج الحروف (٣) أي فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم (إذا جئنا من كل أمة بشهيد) يشهد عليهم مما فعلوه وهو نبيهم (وجئنا بك) يا محمد (على هؤلاء) أي أمتك (شهيدا) حال أي شاهد على من آمن بالايمان وعلى من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق (٤) يعني عبد الله بن مسعود نظرت إلى النبي ﷺ وعند البخاري (فالتفت اليه) فإذا عيناه تذرفان (٥) بسكون الذال المعجمة وكسر الراء أي سال دمعها لفرط رأفته ومزيد شفقته (تخريجه) (ق وغيرهما) قال النووي وفي حديث ابن مسعود فوائد (منها) استحباب استماع القراءة والاصغاء لها والبكاء عندها وتدبرها واستحباب طلب القراءة من غيره ليستمع له وهو أبلغ في التفهم والتدبر من قراءته بنفسه (وفيه) تواضع أهل العلم والفضل ولو مع أتباعهم والله أعلم (٦) (سنده) حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ثنا عباد بن ميسرة عن الحسن البصري عن أبي هريرة الخ (غريبه) (٧) أي اصغى الى قراءة آية من كتاب الله وافرغ سمعه إلى ذلك بتدبر وخشوع عند السماع (٨) من المعلوم ان الحسنة بعشر أمثالها فقوله مضاعفة يشير إلى الزيادة على ذلك حسب نية السامع وخشوعه عند السماع وتدبر المعاني (٩) فيه اشارة إلى أن الجهر بالقراءة أفضل لأن النفع المتعدي افضل من اللازم ومحله ان لم يخف نحو رياء كما يستفاد من احاديث اخرى (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد قال الحافظ العراقي وفيه ضعف وانقطاع وقال تلميذه الحافظ الهيثمي فيه عباد بن ميسرة ضعفه احمد وغيره ووثقه أي معين مرة وضعفه أخرى (باب) (١٠) (سنده) حدثنا سليمان بن داود حدثنا شعبة عن منصور قال سمعت ابا وائل يحدث عن عبد الله (يعني ابن مسعود) عن النبي ﷺ الخ (غريبه) (١١) بئس كلمة ذم وما نكرة موصوفه (لأحدكم أو بئس ما لأحدهم) أو للشك من الراوي (أن يقول الخ) هو المخصوص بالذم (١٢) أي كذا وكذا وهي كلمة يعبر بها عن الحديث الطويل ومثلها ذيت وذيت قال ثعلب كيت للأفعال وذيت للأسماء (١٣) بضم النون وتشديد السين المهملة مكسورة
[ ١٨ / ٢٤ ]
لهو أشد تفصيا (١) من صدور الرجال من النعم (٢) من عقلها (وعنه من طريق ثان) (٣) قال تعاهدوا هذه المصاحف وربما قال القرآن (٤) فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم من عقله قال وقال رسول الله ﷺ لا يقل أحدكم اني نسيت آية كيت وكيت بل هو نسيى (عن أبي موسى الأشعري) (٥) عن النبي ﷺ نحوه (عن ابن عمر) (٦) عن النبي ﷺ أنه قال مثل صاحب القرآن (٧) مثل صاحب الإبل المعقلة (٨) إن عقلها صاحبها حبسها وان اطلقها ذهبت (وعنه من طريق ثان) (٩) قال قال رسول الله ﷺ مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه (١٠) فقرأه بالليل والنهار كمثل رجل له إبل فإن عقلها حفظها وان اطلق عقلها ذهبت فكذلك صاحب القرآن
_________________
(١) في جميع الروايات في البخاري وأكثر الروايات في غيره وفي بعض روايات مسلم مخففا ومعنى المشدد ان النسيان ليس من فعل الناس بل من فعل الله ﷿ يحدثه عند إهمال تكريره ومراعاته عقوبة له وأما المخفف فمعناه أن الرجل تركه غير ملتفت اليه فهو كقوله تعالى (نسوا الله فنسيهم) اي تركهم في العذاب أو تركهم من الرحمة (والسين في قوله استذكروا) للمبالغة أي اطلبوا من أنفسكم مذاكرته والمحافظة على قراءته (١) بفتح الفاء وكسر الصاد المشددة وتخفيف التحتية منصوب على التمييز قال أهل اللغة التفصي الانفصال وفي حديث عقبة بن عامر (أشد تفلتا) وتقدم في باب الحث على تعلم القرآن وتسليمه (٢) بفتح النون أصلها الإبل والبقر والغنم والمراد هنا الابل خاصة لأنها التي تعقل (بضم التاء) (وقوله من عقلها) جمع عقال ككتاب وكتب يقال عقلت البعير اعقله عقلا وهو أن تثني وظيفه مع ذراعه فتشدهما جميعا في وسط الذراع وذلك الحبل هو العقال وخص ضرب المثل بالابل لأنها اذا انفلتت لا تكاد تلحق (٣) (سنده) حدثنا أبو معاوية ثنا الاعمش عن شقيق عن عبد الله (يعني ابن مسعود) قال تعاهدوا الخ (٤) ظاهره ان هذه الجملة موقوفة على ابن مسعود ولكن رواه البخاري ومسلم من طريق جرير عن منصور عن أبي وائل عن ابن مسعود بنحوه مرفوعا كله (تخريجه) (ق مذ نس طل) (٥) (سنده) حدثنا أبو احمد ثنا بريد بن عبد الله ثنا أبو ردة عن أبي موسى قال تعاهدوا هذا القرآن والذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من أحدكم من الابل من عقله قال أبو احمد قلت لبريد هذه الأحاديث التي حدثتني عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ؟ قال هي عن النبي ﷺ ولكن لا أقول لك (تخريجه) (م نس) مرفوعا عن أبي موسى عن النبي ﷺ (٦) (سنده) حدثنا يحيى عن عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر الخ (غريبه) (٧) قال القاضي عياض معنى صاحب القرآن اي الذي ألفه والمصاحبة المؤالفة ومنه فلان صاحب فلان وأصحاب الجنة وأصحاب النار وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي وأصحاب الصنعة وأصحاب إبل وغنم وصاحب كنز وصاحب عبادة اهـ (٨) بضم الميم وفتح العين وشد القاف أي المشدودة بعقال أي بحبل (٩) (سنده) حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ (١٠) اي احتفظ به ولازم تلاوته (تخريجه) (ق نس وغيرهم) (هذا) ويستفاد من أحاديث الباب الترغيب في كثرة تلاوة القرآن واستذكاره وتعاهده لئلا يعرضه حافظه للنسيان فإن ذلك خطأ كبير وذنب عظيم كما يستفاد من أحاديث الباب التالي نسأل الله العافية قال اسحاق بن راهوية وغيره يكره للرجل أن يمر عليه
[ ١٨ / ٢٥ ]
(باب ما جاء في الوعيد الشديد لمن نسى القرآن أو بعضه بعد حفظه أو تراآى بقراءته أو تأكل به أو لم يعمل بما فيه) (عن عيسى بن فائد) (١) عن رجل عن سعد بن عبادة قال سمعته غير مرة ولا مرتين يقول قال رسول الله ﷺ ما من أمير عشرة إلا يؤتي به يوم القيامة مغلولا (٢) لا يفكه من ذلك الغل (٣) إلا العدل وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلأا لفى الله يوم يلقاه وهو أجذم (٤) (ز) (وعن عبادة بن الصادمت) (٥) ﵁ عن النبي مثله (عن ابن عباس) (٦)
_________________
(١) أربعون يوما لا يقرأ فيها القرآن كما أنه يكره له أن يقرأه في أقل من ثلاثة أيام والله الموفق (باب) (١) (سنده) حدثنا خلف بن الوليد ثنا خالد عن يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائد عن رجل عن سعد بن عبادة الخ (غريبه) (٢) أي مقيدا بالحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه (٣) بضم المعجمة القيد التي جعل في يده وعنقه (٤) قال أبو عبيد الأجذم المقطوع اليد وقال ابن قتيبة الأجذم هاهنا المجذوم وقال ابن الاعرابي معناه انه يلقى الله خالي اليدين عن الخير كنى باليد عما تحويه اليد وقال آخر معناه لقى الله لا حجة له (قال الخطابي) وقد رويناه عن سويد بن غفلة (تخريجه) (د) قال المنذري في اسناده يزيد بن ابي زياد الهاشمي مولاهم الكوفي في كنيته أبو عبد الله ولا يحتج بحديثه وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم عيسى بن فائد روى عمن سمع سعد بن عبادة فهو على هذا منقطع أيضا (٥) (ز) (سنده) حدثنا علي بن شعيب البزار ثنا يعقوب بن اسحاق الحضرمي اخبرني أبو عوانة عن يزيد ابن ابي زياد عن عيسى (يعني ابن فائد) قال وكان أميرا على الرقة عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ ما من أمير عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يطلقه الحق أو يوبقه ومن تعلم القرآن ثم نسيه لقى الله وهو أجذم (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه عبد الله بن أحمد ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف اهـ (قلت) في اسناده يزيد بن أبي زياد فيه اختلاف وعيسى بن فائد قال الحافظ في التقريب مجهول وروايته عن الصحابة مرسلة وأورده الحافظ بن كثير في فضائل القرآن وذكر له شواهد تعضده وقال يزيد بن أبي زياد فيه اختلاف لكن هذا في باب الترهيب مقبول والله أعلم لا سيما ان كان له شاهد من وجه آخر كما قال أبو عبيد ثنا حجاج عن ابن جريج قال حدثت عن أنس ابن مالك قال قال رسول الله ﷺ عرضت على أجور أمتي حتى القذاة والبعرة يخرجها الرجل من المسجد وعرضت على ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أكبر من آية أو سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها وقد روى أبو داود والترمذي وابو يعلي والبزار وغيرهم من حديث ابي داود عن ابن جريج عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ عرضت على ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها قال الترمذي غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه وذاكرت به البخاري فاستغربه (قال الحافظ ابن كثير) وقد ادخل بعض المفسرين هذا المعنى في قوله تعالى (ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) وهذا الذي قاله هذا وان لم يكن هو المراد جميعه فهو بعضه فإن الاعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير وتفريط شديد نعوذ بالله منه (٦) (سنده) حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
[ ١٨ / ٢٦ ]
قال قال رسول الله ﷺ ليقرأن القرآن أقوام من أمتي يمرقون (١) من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية (٢) (عن بشير بن أبي عمرو) (٣) الخولاني ان الوليد بن قيس حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يكون خلف (٤) من بعد ستين سنة (٥) أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (٦) ثم خلف يقرؤن القرآن لا يعدوا تراقيهم (٧) ويقرأ القرآن ثلاثة مؤمن ومنافق وفاجر قال بشير فقلت للوليد ما هؤلاء الثلاثة؟ فقال المنافق كافر به والفاجر يتأكل به (٨) والمؤمن يؤمن به (عن أبي سعيد الخدري) (٩) أنه قال إن رسول الله ﷺ عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؟ ان من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت وان من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله ولا يدعو (١٠) إلى شيء منه (عن عمران بن حصين) (١١) قال مر برجل وهو يقرأ على قوم فلما فرغ سأل فقال عمران إنا لله وإنا اليه راجعون اني سمعت رسول الله ﷺ يقول من قرأ القرآن
_________________
(١) قال عبد الله (يعني ابن الامام احمد) وسمعته أنا من عبد الله بن محمد حدثنا ابو الاحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ ليقرأن القرآن الخ (غريبه) (١) أي يجوزونه ويخرقونه ويتعدونه (٢) بفتح الراء وكر الميم وتشديد التحتية مفتوحة والمراد الصدي كالحمار الوحشي والغزالة ونحو ذلك والمعنى يخرجون من الدين بفتنة كخروج السهم من الرمية وهؤلاء هم الخوارج الذين خرجوا على علي فقاتلهم حتى قتل أكثرهم (تخريجه) (جه) وأورده الهيثمي وعزاه لأبي يعلي فقط وقال رجاله رجال الصحيح وكأنه غفل عن عزوه للامام احمد والله اعلم (٣) (سنده) حدثنا أبو عبد الرحمن حيوة أخبر بشير بن ابي عمرو والخولاني الخ (غريبه) (٤) بفتح المعجمة وسكون اللام والخلف بفتح اللام الصالح وبسكونها الطالع قال مجاهد وقتادة هم قوم في هذه الامة (٥) أي في أول خلافة يزيد بن معاوية فإن معاوية توفى في أول رجب سنة ستين وفي اليوم نفسه استخلف يزيد ومن ذلك الوقت كثر الفساد وسفك الدماء وتفرق الكلمة وهذا من معجزات النبوة (٦) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (فسوف يلقون غيا) أي خسرانا وقال قتادة شرا وقال سفيان الثوري وشعبة ومحمد بن اسحاق عن ابي اسحاق البيهقي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود (فسوف يلقون غيا) قال واد في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم (٧) أي لا يجاوز تراقيهم كما في بعض الروايات والتراقي جمع ترقوة وهي عظام بين ثغرة النحر والعاتق والمعنى لا يخلص عن ألسنتهم وآذانهم إلى قلوبهم اي لا تعيه قلوبهم (٨) اي يجعله مهنة يتعيش بها (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه احمد ورجاله ثقات ورواه الطبراني في الأوسط كذلك (٩) (سنده) حدثنا هاشم بن القاسم ثنا ليث قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن أبي الخطاب عن أبي سعيد الخدري الخ (غريبه) (١٠) هكذا بالأصل (لا يدعو) وجاء عند الحاكم والنسائي بلفظ (لا يرعوى) بوزن لا ينبغي وهو الظاهر ومعنى لا يرعوى أي لا ينكف ولا ينزجر من ارعوى اذا كف وقد ارعوى عن القبيح وقيل الارعواء الندم على الشيء وتركه والله أعلم (تخريجه) (نس ك) وصححه الحاكم وأقره الذهبي (١١) هذا الحديث والذي بعده تقدما في باب الإجارة
[ ١٨ / ٢٧ ]
فليسأل الله ﵎ به فانه سيجيء قوم يقرؤن القرآن يسألون الناس به (عن عبد الرحمن ابن شبل) قال قال رسول الله ﷺ اقرؤا القرآن ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه (عن عقبة بن عامر) (١) قال قال رسول الله ﷺ أكثر منافقي أمتي قراؤها (٢) (عن عبد الله بن عمرو) (٣) عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مثله (أبواب ما جاء في تحزيب القرآن وأورده وتأليفه وجمعه وكتابته في المصاحف) (باب تحزيب القرآن وأورده) (عن عثمان بن عبد الله بن أوس) (٤) الثقفي عن جده أوس بن حذيفة قال كنت في الوافد الذين أتوا النبي ﷺ اسلموا من ثقيف من بني مالك أنزلنا في قبة له فكان يختلف الينا بين بيوته وبين المسجد فإذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلينا ولا نبرح
_________________
(١) على القرب من كتاب الاجارة في الجزء الخامس عشر صحيفة ١٢٥ بسندهما وشرحهما وتخريجها (١) (سنده) حدثنا ابو سعيد حدثنا ابن لهيعة ثنا مشرح عن عقبة بن عامر الخ (غريبه) (٢) قال في النهاية معناه الذين يتأولون القرآن على غير وجه ويضعونه في غير مواضعه أو يحفظون القرآن تقية للتهمة عن أنفسهم وهم معتقدون خلافه فكان المنافقون في عصر النبي ﷺ بهذه الصفة اهـ وبسطه بعضهم فقال أراد نفاق العمل لا الاعتقاد ولأن المنافق أظهر الايمان بالله لله وأضمر عصمة دمه وماله والمرائي أظهر بعمله الآخرة وأضمر ثناء الناس وعرض الدنيا والقارئ أظهر أنه يريد الله وحده وأضمر حظ نفسه وهو الثواب ويرى نفسه أهلا له وينظر إلى عمله بعين الاجلال فأشبه المنافق واستويا في مخالفة الباطن والظاهر والله أعلم (تخريجه) (طب) والبيهقي في شعب الايمان (قال الحافظ العراقي) في اسناده ابن لهيعة (قلت) نعم ولكنه قال حدثنا فحديثه حسن لا سيما وله شواهد أخرى تعضده منها حديث عبد الله بن عمرو الآتي بعده والله أعلم (٣) (سنده) حدثنا علي بن اسحق حدثنا عبد الله يعني ابن المبارك اخبرنا عبد الرحمن ابن شريح المعافري حدثنا شراحيل بن يزيد عن محمد بن هدية عن عبد الله بن عمرو (يعني ابن العاص) قال قال رسول الله ﷺ أكثر منافقي أمتي قراؤها (وله طريق ثان) قال حدثنا زيد بن الحباب من كتابه حدثنا عبد الرحمن بن شريح سمعت شرحبيل بن يزيد المعافري أنه سمع محمد بن هدية الصدفي قال سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول ان اكثر منافقي أمتي قراؤها (قلت) هكذا جاء في الأصل في سند هذا الطريق (شرحبيل بن يزيد) وجاء في الطريق الأولى (شراحيل بن يزيد) قال الحافظ في التقريب شرحبيل بن يزيد المعافري قيل هو ابن شريك وانما تصحف وقيل هو شراحيل بن يزيد (يعني المعافري) (قلت) الصواب انه شراحيل بن يزيد المعافري كما في الطريق الأولى لأنه روى الحديث في هذين الطريقين عن محمد بن هدية والظاهر ان لفظ (شرحبيل) وقع في هذا الطريق خطأ والله أعلم (وله طريق ثالث) عند الامام احمد أيضا قال حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ان أكثر منافقي أمتي قراؤها (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه (حم طب) ورجاله ثقات وكذلك رجال احد اسنادي احمد ثقات (باب) (٤) (سنده) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا
[ ١٨ / ٢٨ ]
حتى يحدثنا ويشتكي قريشا ويشتكي أهل مكة ثم يقول لا سواء (١) كنا بمكة مستذلين مستضعفين فلما أخرجنا إلى المدينة كانت سجال (٢) الحرب علينا ولنا فمكث عنا ليلة لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء قال قلنا ما أمكثك عنا يارسول الله؟ قال طرأ علي حزبي (٣) من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه قال فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ حين أصبحنا قال قلنا كيف تحزبون القرآن؟ قالوا نحزبه ثلاث سور (٤) وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة سورة وثلاثة عشرة سورة وحزب المفصل (٥) من قاف حتى يختم (باب من فاته شيء من ورده متى يقضيه) (عن عبد الرحمن بن عبد) (٦) عن عمرو بن الخطاب ﵁ قال عبد الله (يعني ابن الامام احمد) وقد بلغ به أبي إلى النبي ﷺ (٧) قال من فاته شيء من ورده أو قال من جزئه (٨) فقرأه ما بين صلاة الفجر إلى الظهر فكأنما قرأه من ليلته (باب كتابة القرآن في الأكتاف واللخاف على عهد رسول الله ﷺ) (عن خارجة بن زيد) (٩) قال قال ريد بن ثابت اني قاعد الى جنب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوما إذ أوحى إليه قال وغشيته
_________________
(١) عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عثمان بن عبد الله بن أوس الخ (غريبه) (١) أي لا مساواة بين أن كنا بمكة قبل الهجرة وبين أن كنا بالمدينة بعد الهجرة (٢) سجال بكسر السين المهملة (علينا ولنا) أي مرة لنا ومرة علينا وأصله ان المستقين بالسجل وهي الدلو الملآى ماءا يكون لك واحد منهم سجل (٣) الحزب ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة كالورد يريد أنه كان أغفله عن وقته ثم ذكره فقرأه وأصله من قولك طرأ على الرجل اذا خرج عليك فجأة طروءا فهو طارئ (٤) أي من أول سورة البقرة إلى آخر سورة النساء (وخمس سور) أي من أول سورة المائدة إلى آخر سورة التوبة (وسبع سور) أي من أول سورة يونس إلى آخر سورة النحل (وتسع سور) أي من أول سورة الاسراء إلى سورة الفرقان (واحدى عشرة سورة) أي من أول سورة الشعراء إلى آخر سورة يس (وثلاث عشرة سورة) اي من أول سورة الصافات إلى آخر سورة الحجرات (٥) بضم الميم وفتح الفاء بعدها صاد مهملة مشددة مفتوحة عبارة عن السبع الأخير من القرآن وسمي مفصلا لأن سوره قصار كل سورة كفصل من الكلام وهو على ثلاثة أقسام طوال وأوساط وقصار وللفقهاء كلام في ذلك تقدم في الجزء الثالث في الشرح صحيفة ٢١١ في باب قراءة سورتين أو اكثر من ركعة الخ من كتاب الصلاة فارجع اليه (تخريجه) (د جه طل) وسكت عنه أبو داود والمنذري وحسن اسناده الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن والله اعلم (باب) (٦) (سنده) حدثنا عتاب بن زياد حدثنا عبد الله يعني ابن المبارك أخبرنا يونس عن الزهري عن السائب بن يزيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الرحمن ابن عبد الخ (قلت) عبد الرحمن بن عبد بتنوين الدال من عبد هو القارئ بتشديد الياء التحتية نسبة إلى القارة بفتح الراء المخففة وهي قبيلة مشهورة بجودة الرمي (٧) أي رفع الحديث إلى النبي ﷺ (٨) هكذا بالاصل بلفظ (جزئه) وفي الأصول الأخرى (حزبه) بالحاء المهملة بدل الجيم والموحدة بدل الهمزة وهو الظاهر والله أعلم (تخريجه) (م والأربعة) (باب) (٩) (سنده) حدثنا سليمان
[ ١٨ / ٢٩ ]
السكينة (١) ووقع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة قال زيد فلا والله ما وجدت شيئا قط أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ثم سرى (٢) عنه فقال اكتب يا زيد فأخذت كتفا (٣) فقال اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون) الآية كلها إلى قوله (أجرا عظيما) فكتبت ذلك في كتف فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان رجلا أعمى فقام حين سمع فضيلة المجاهدين قال يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد ممن هو أعمى وأشباه ذلك؟ قال زيد فوالله ما مضى كلامه أو ما هو إلا أن قضى كلامه غشيت النبي ﷺ السكينة فوقعت فخذه على فخذي فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى ثم سرى عنه فقال اقرأ فقرأت عليه (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون) فقال النبي ﷺ (غير أولى الضرر) (٤) قال زيد فألحقتها فوالله لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع (٥) كان في الكتف (عن زيد بن أبي حبيب) (٦) ان عبد الرحمن بن شماسة أخبره أن زيد بن ثابت ﵁ قال بينما نحن عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع (٧) إذ قال طوبى للشام (٨) قيل ولم ذلك يا رسول الله؟ قال ان ملائكة الرحمة باسطة أجنحتها عليه
_________________
(١) ابن داود أنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن خارجة بن زيد الخ (غريبه) (١) يريد ما كان يعرض له من السكون والغيبة عند نزول الوحي (٢) بضم المهملة وتشديد الراء مكسورة أي كشف وزال عند ما يجد من أثر الوحي (٣) الكتف بفتح الكاف وكسر التاء الفوقية عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم (٤) أي غير أولى الزمانة والضعف في البدن والبصر فإنهم يساوون المجاهدين لأن العذر أقعدهم (٥) اي شق كان بالكتف (تخريجه) (د ص عب) قال المنذري في اسناده عبد الرحمن بن أبي الزناد وقد تكلم فيه غير واحد ووثقه الامام مالك واستشهد به البخاري وقد أشار مسلم الى حديث زيد بن ثابت هذا في المتابعة وأخرجه (ق مذ نس) من حديث أبي اسحاق السبيعي عن البراء بن عازب اهـ (قلت) حديث البراء المشار إليه أخرجه أيضا الامام احمد وسيأتي في تفسير قوله تعالى (لا يستوي القاعدون الخ) من سورة النساء (٦) حدثنا يحيى بن اسحاق أنا يحيى بن أيوب ثنا يزيد بن أبي حبيب الخ (غريبه) (٧) الرقاع بكسر الراء مشددة جمع رقعة بضمها وهي الخرقة من الثياب والمعنى أنهم كانوا يجمعون ما كتب من القرآن في هذه الرقاع لقلة القراطيس عندهم (٨) قال في النهاية طربى اسم الجنة وقيل هي شجرة فيها وأصلها فعلى من الطيب فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واوا قال (وفيه) طوبى للشام لأن الملائكة باسطة أجنحتها عليها المراد بها وهنا فعلى من الطيب لا الجنة ولا الشجرة اهـ (قلت) وانما خصت الشام بذلك لأن فيها بيت المقدس الذي هو ثالث المساجد التي تشد اليها الرحال ولأنها مهاجر ابراهيم ﵇ والله اعلم (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث حسن غريب انما نعرفه من حديث يحيى بن أيوب اهـ (قلت) قال في الخلاصة في ترجمة يحيى بن أيوب وثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان قال احمد سيء الحفظ وقال ابو حاتم محله الصدق ولا يحتج به قال صاحب الخلاصة (قلت) قد احتج به الستة توفى سنة ثمان وستين ومائة اهـ (قلت) وفي التهذيب وثقة ابن حبان وأخرجه أيضا الحاكم في المستدرك من طريق يحيى بن أيوب أيضا وقال هذاحديث صحيح على شرط
[ ١٨ / ٣٠ ]
(عن أنس) (١) (يعني ابن مالك) أن رجلا كان يكتب للنبي ﷺ وقد كان قرأ البقرة وآل عمران وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا يعني عظم (٢) فكان النبي ﷺ يملي عليه غفورا رحيما فيكتب عليما حكيما فيقول النبي ﷺ اكتب كذا وكذا اكتب كيف شئت (٣) ويملي عليه عليما حكيما فيقول اكتب سميعا بصيرا؟ فيقول اكتب كيف شئت فارتد الرجل عن الاسلام فلحق بالمشركين وقال أنا أعلمكم بمحمد ان كنت لأكتب ما شئت فمات ذلك الرجل فقال النبي ﷺ إن الأرض لم تقبله وقال انس فحدثني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها ذلك الرجل فوجده منبوذا فقال أبو طلحة ما شأن هذا الرجل؟ قالوا قد دفناه مرارا فلم تقبله الارض (وعنه من طريق ثان) (٤) قال كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب لرسول الله ﷺ فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب قال فرفهوه وقالوا هذا كان يكتب لمحمد واعجبوا به فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه مبنوذا (باب ما جاء في تأليف القرآن وجمعه في خلاف ابي بكر ﵁) (عن ابن السياق) (٥) قال اخبرني زيد بن ثابت ان ابا بكر ﵁ ارسل اليه مقتل أهل اليمامة (٦) فإذا عمر ﵁ عنده فقال أبو بكر أن عمر أتاني فقال ان القتل قد استحر (٧) بأهل اليمامة من قراءة القرآن من المسلمين واني اخشى أن يستحر (٨) القتل بالقراء في المواطن (٩) فيذهب قرآن كثير لا يوعى
_________________
(١) الشيخين (قلت) وأقره الذهبي قال الحاكم وفيه البيان الواضح أن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة فقد جمع بعضه بحضرة رسول الله ﷺ ثم جمع بعضه بحضرة أبي بكر الصديق والجمع الثالث هو في ترتيب السور كان في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵃ أجمعين (١) (سنده) حدثنا يزيد بن هارون أنا حميد عن أنس الخ (غريبه) (٢) أي عظم قدره وصار ذا جد والجد الحظ والسعادة والغنى (٣) انما قال له النبي ﷺ اكتب كيف شئت ولم يزجره عن فعله لكونه علم إما بطريقة الوحي أو بطريق الإلهام أن هذا الرجل خبيث النية وان الله ﷿ سيعاقبه عقابا صارما وينكل به وقد كان ذلك فلما هلك لم تقبله الأرض أن يدفن فيها فنبذته مرارا حتى ترك منبوذا على وجه الأرض ليعتبر به غيره (٤) (سنده) حدثنا هاشم حدثنا سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك قال كان منا رجل الخ (تخريجه) (طل) وسنده صحيح ورجاله ثقات (باب) (٥) (سنده) حدثنا عثمان بن عمر قال اخبرنا يونس عن الزهري قال اخبرني ابن السياق قال اخبرني زيد بن ثابت ان ابا بكر الخ (غريبه) (٦) أي عقب مقتل أهل اليمامة أي من قتل بها من الصحابة في وقعة مسيلمة الكذاب لما ادعى النبوءة وقوى أمره بعد وفاة النبي ﷺ بارتداد كثير من العرب فخذله الله وقتله بالجيش الذي جهزه أبو بكر ﵁ وقتل بسبب ذلك من الصحابة سبعمائة وأكثر (٧) بوزن استمر أي اشتد وكثر (٨) بلفظ المضارع وكسر الحاء المهملة وتشديد الراء (٩) أي في الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار
[ ١٨ / ٣١ ]
وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن فقلت لعمر وكيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال هو والله خير فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله بذلك صدري ورأيت فيه الذي رآى عمر (١) قال زيد وعمر عنده جالس لا يتكلم فقال أبو بكر انك (٢) شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله ﷺ فاجمعه قال زيد فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به (٣) من جمع القرآن فقلت كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ (٤) (ز) (عن أبي بن كعب) (٥) أنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر ﵁ فكان رجال يكتبون ويملى عليهم أبي بن كعب فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون) فظنوا أن هذا آخر ما أنزل من القرآن فقال لهم أبي بن كعب إن رسول الله ﷺ اقرأني بعدها آيتين (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم إلي وهو رب العرش العظيم) ثم قال هذا آخر
_________________
(١) كل ما تقدم من قوله (فقال أبو بكر ان عمر أتاني) إلى هنا من حكاية أبي بكر لزيد بن ثابت عما تم له مع عمر (٢) يخاطب زيد بن ثابت (٣) فإن قلت كيف عبر أولا بقوله (لو كلفوني) وأفرد في قوله (مما أمرني به) أجيب بأنه جمع باعتبار أبي بكر ومن وافقه وأفرد باعتبار أنه الآمر بذلك وحده وانما قال زيد ذلك خشية من التقصير في ذلك لكن الله ﷿ يسر له هذا الأمر تصديقا لقوله تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر) (٤) هذا آخر الحديث عند الامام احمد (وزاد البخاري) قال (يعني ابا بكر) هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄ فتتبعت القرآن أجمعه من العسب (بضم العين والسين المهملتين بعدهما موحدة أي جريد النخل العريض العاري عن الخوص) واللخاف (بكسر اللام وفتح المعجمة وبعد الألف فاء الحجارة الرقاق) وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الانصاري لم أجدها مع أحد غيره (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصه بنت عمر ﵄ (تخريجه) (خ مذ نس) (قوله لم أجدها مع غيره) يعني آخر سورة التوبة لم يجدها مكتوبة عند غيره ممن كانوا يكتبون الوحي لا أنه لم يكن يحفظها غيره بل كان يحفظها الكثيرون ويتلونها في الصلاة وغيرها وفي هذا الحديث منقبة عظيمة لابي بكر وعمر ﵄ أما عمر فلكونه نبه أبا بكر لهذا العمل الجليل وأما أبو بكر فلكونه نفذ الفكرة بدون توان وهذا من أعظم ما فعله الصديق ﵁ فإنه أقامه الله تعالى بعد النبي ﷺ مقاما لا ينبغي لأحد من بعده قاتل الأعداء من مانعي الزكاة والمرتدين والفرس والروم ونفذ الجيوش وبعث البعوث والسرايا ورد الأمر الى نصابه بعد الخوف من تفرقه وذهابه وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتى تمكن القارئ من حفظه كله وكان هذا من سر قوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإناله لحافظون) وقد روى عن علي باسناد صحيح انه قال أعظم الناس اجرا في المصاحف ابو بكر ان ابا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين ﵁ وأرضاه (٥) (ز) (سنده) حدثنا روح بن عبد المؤمن ثنا عمر بن شقيق ثنا ابو جعفر الرازي ثنا الربيع بن أنس عن أبي بن كعب الخ
[ ١٨ / ٣٢ ]
ما أنزل من القرآن قال فختم بما فتح به بالله الذي لا إله إلا هو وهو قول الله تبارك وعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه (١) أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (باب كتابة عثمان ﵁ للمصاحف في خلافته وتوزيعها في الافطار وحمل الناس على عدم الخروج عنها وحرق ما يخالفها من الصحف والمصاحف القديمة) (حدثنا عبد الرزاق) (٢) أنا معمر عن الزهري عن خارجة بن زيد أو غيره (٣) أن زيد بن ثابت ﵁ قال لما كتبت المصاحف (٤) فقدت آية كنت اسمعها من رسول الله ﷺ فوجدتها عند خزيمة الانصار (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه إلى تبديلا) (٥) قال فكان خزيمة يدعى ذا الشهادتين أجاز رسول الله ﷺ شهادته رجلين (٦) قال الزهري وقتل يوم صفين مع علي ﵄ (ومن طريق ثان) (٧) عن خارجة أنه سمع زيد بن ثابت يقول فقدت آية من سورة الأحزاب حين
_________________
(١) (غريبه) (١) قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (نوحي اليه) بالنون وكسر الحاء على التعظيم وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء على الفعل المجهول كما في هذه الرواية (تخريجه) لم أقف عليه لغير عبد الله بن الامام احمد وسنده حسن وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وقال هذا غريب اهـ (قلت) وأخرجه الحاكم مختصرا من طريق آخر عن يونس بن عبيد وعلي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال آخر ما نزل من القرآن (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) وقال حديث شعبة عن يونس بن عبيد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي وللامام احمد مثله من طريق شعبة أيضا وسيأتي في آخر تفسير سورة التوبة هذا وقد اختلف علماء السلف في آخر ما نزل من القرآن اختلافا كثير وسيأتي بيان ذلك في باب آخر ما نزل من سور القرآن وآياته والله الموفق (باب) (٢) (حدثنا عبد الرزاق الخ) (غريبه) (٣) أو للشك من الراوي وقد جاء في الطريق الثانية عن خارجة بن زيد بدون شك وكذلك عند البخاري (٤) أي في زمن عثمان لا في زمن أبي بكر لأن الذي فقده في خلافة أبي بكر الآيتان من آخر سورة براءة كما تقدم في الباب السابق (٥) يعني الى قوله تعالى (ومابدلوا تبديلا) ونص الآية كاملا هكذا (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى تحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) (٦) سبب جعل شهادة بشهادة رجلين تقدم في باب البيع بغير اشهاد من كتاب البيوع والكسب في الجزء الخامس عشر صحيفة ٥٤ رقم ١٧٨ فارجع اليه (٧) (سنده) حدثنا أبو كامل ثنا ابراهيم ثنا ابن شهاب أخبرني خارجة بن زيد أنه سمع زيد بن ثابت الخ (تخريجه) أخرجه البخاري مطولا قال حدثنا موسى حدثنا ابراهيم حدثنا ابن شهاب ان انس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح ارمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن ارسلى الينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها اليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى
[ ١٨ / ٣٣ ]
نسخنا المصاحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)
_________________
(١) إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق قال ابن شهاب وأخبرني خارجة بن زيد ابن ثابت سمع زيد بن ثابت قال فقدت آية الخ الحديث بنحو ما هنا (قال الحافظ ابن كثير) عقب ذكر هذا الحديث المطول عند البخاري وهذا أيضا من مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ فإن الشيخين (يعني ابا بكر وعمر) سبقاه إلى حفظ القرآن أن يذهب منه شيء وهو جمع الناس على قراءة واحدة لئلا يختلفوا في القرآن ووافقه على ذلك جميع الصحابة وانما روى عن عبد الله بن مسعود شيء من التغضب بسبب أنه لم يكن ممن كتب المصاحف وأمر اصحابه بغل مصاحفهم لما أمر عثمان بحرق ما عدا المصحف الامام ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق حتى قال علي بن أبي طالب لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا فاتفق الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى علي أن ذلك من مصالح الدين وهم الخلفاء الذين قال رسول الله ﷺ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وكان السبب في هذا حذيفة بن اليمان ﵁ فإنه لما كان غازيا في فتح ارمينية واذربيجان وكان قد اجتمع هناك أهل الشام والعراق وجعل حذيفة يسمع منهم قراآت على حروف شتى ورأى منهم اختلافا وافتراقا فلما رجع إلى عثمان أعلمه وقال لعثمان أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى الخ فلما قال حذيفة لعثمان ذلك أفزعه وأرسل إلى حفصة أم المؤمنين أن ترسل إليه بالصحف التي عندها مما جمعه الشيخان ليكتب ذلك في مصحف واحد وينفذه إلى الآفاق ويجمع الناس على القراءة به وترك ما سواه ففعلت حفصة وأمر عثمان هؤلاء الأربعة وهم زيد بن ثابت الانصاري أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي احد فقهاء الصحابة ونجبائهم علما وعملا وأصلا وفضلا وسعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي وكان كريما جوادا وكان أشبه الناس لهجة برسول الله ﷺ وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي فجلس هؤلاء النفر الأربعة يكتبون القرآن نسخا واذا اختلفوا في موضع الكتابة على اي لغة رجعوا إلى عثمان كما اختلفوا في التابوت ايكتبونه بالتاء أو الهاء؟ فقال زيد بن ثابت إنما هو التابوه وقال الثلاثة القرشيون إنما هو التابوت فتراجعوا إلى عثمان فقال اكتبوه بلغة قريش فإن القرآن نزل بلغتهم ثم ان عثمان رد الصحف إلى حفصة ﵂ فلم تزل عندها حتى أرسل مروان بن ابن الحكم يطلبها فلم تعطه حتى ماتت فأخذها مروان بن الحكم حين كان أميرا على المدينة من عبد الله بن عمر فحرقها لئلا يدعى أحد بعد ذلك أن فيها ما يخالف هذه المصاحف الأئمة التي نفذها عثمان إلى الآفاق مصحفا إلى مكة ومصحفا إلى البصرة وآخر إلى الكوفة وآخر إلى الشام وآخر إلى اليمن وترك عند أهل المدينة مصحفا رواه أبو بكر بن داود عن أبي حاتم السجستاني سمعه يقوله وصحح القرطبي انه انما نفذ إلى الآفاق أربعة مصاحف وهذا غريب وأمر بما عدا ذلك من مصاحف الناس أن يحرق لئلا تختلف قراآت الناس في الآفاق وقد وافق الصحابة في عصره على ذلك ولم ينكره أحد منهم وانما نقم عليه ذلك الرهط اللذين تمالئوا عليه وقتلوه قاتلهم الله وذلك من حملة ما أنكروا مما لا أصل له وأما سادات المسلمين من الصحابة ومن نشأ في عصرهم ذلك من التابعين فكلهم وافقوه ﵁ انتهى ملخصا
[ ١٨ / ٣٤ ]
فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت فألحقتها في سورتها في المصحف (باب رأي ابن مسعود ﵁ في مصاحف عثمان) (عن خمير بن مالك) (١) قال أمر بالمصاحف أن تغير (٢) قال قال ابن مسعود من استطاع منكم أن يغل مصحفة فليغله (٣) فإن من غل شيئا جاء به يوم القيامة قال ثم قال قرأت من فم رسول الله ﷺ سبعين سورة أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (وفي رواية) قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم سبعين سورة (٤) وان زيد بن ثابت له ذؤابة في الكتاب (٥)
_________________
(١) مما قاله الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن (وقال في شرح السنة) في هذا الحديث البيان الواضح أن الصحابة ﵃ جمعوا بين الدفتين القرآن المنزل من غير أن يكونوا زادوا أو نقصوا منه شيئا باتفاق منهم من غير أن يقدموا شيئا ويؤخروه بل كتبوه في المصاحف على الترتيب المكتوب في اللوح المحفوظ بتوقيف جبريل ﵇ على ذلك واعلامه عند نزول كل آية بموضعها وأين تكتب وقال ابو عبد الرحمن المسلمي كان قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والانصار واحدة وهي التي قرأها ﷺ على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه وكان زيد يشهد العرضة الأخيرة وكان يقرئ الناس بها حتى مات ولذلك اعتمده الصديق في جمعه وولاه عثمان كتبة المصاحف قال السفاقسي فكان جمع أبي بكر خوف ذهاب شيء من القرآن بذهاب حملته إذ أنه لم يكن مجموعا في موضع واحد وجمع عثمان لما كثر الاختلاف في وجوه قراءته حين قرءوا بلغاتهم حتى أدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضا فننسخ تلك الصحف في مصحف واحد مقتصرا من اللغات على لغة قريش اذ هي أرجحها والله أعلم (باب) (١) (سنده) حدثنا اسود بن عامر أنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن خمير بن مالك الخ (غريبه) (٢) أي لما أمر عثمان ﵁ بنسخ المصاحف على لغة قريش وحرق ما عداها من المصاحف ساء ذلك عبد الله بن مسعود لأن القرآن نزل بلغة قريش وغيرها من اللغات الأخرى فلماذا يحرق ما عدا لغة قريش؟ هذا كان رأيه أولا وقيل أنه رجع عنه بعد ذلك والله أعلم (٣) أصل الغلول السرقة من الغنائم واخفائها وانكارها فكان عقاب الغال عند الله تعالى أن يأتي بما غل يوم القيامة ليظهر للناس ما أنكره وأخفاه ويفضحه الله على رءوس الأشهاد ومراد ابن مسعود بقوله (من استطاع منكم أن يغل مصحفه فليغله) يعني ينكره ويخفيه فإن كان اخفاؤه غلولا فسيأتي به يوم القيامة يشهد له انه من عند الله (٤) معناه أنه حفظ هذا العدد من السور في مكة وفي أوائل الهجرة قبل أن يرشد زيد ويكتب القرآن ولا فهو قد كان يحفظ القرآن كله وكتبه (٥) الذؤابة الشعر المضفور من شعر الرأس وكان من عادة العرب أن يجعلوا من شعر رأس الصبي ضفيرة أو ضفيرتين يريد أنه كان يحفظ الكثير من القرآن وزيد صبي في الكتاب وانما خص زيدا بذلك لأن ولاة الأمور أمروه أن يقرأ على قراءة زيد بن ثابت فقد روى أبو بكر بن داود في كتاب المصاحف قال حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن النضر ثنا سعيد بن النضر ثنا سعيد بن سليمان ثنا ابن شهاب عن الأعمش عن أبي وائل قال خطبنا ابن مسعود على المنبر فقال من يغلل يأت بما غل يوم القيامة غلوا مصاحفكم وكيف تأمروني أن اقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت القرآن من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة وان زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان
[ ١٨ / ٣٥ ]
(عن عبد الرحمن بن عابس) (١) قال حدثنا رجل من همدان من أصحاب عبد الله (يعني ابن مسعود ﵁) وما سماه لنا قال لما أراد عبد الله أن يأتي المدينة جمع أصحابه فقال والله اني لأرجو أن يكون قد أصبح اليوم فيكم من أفضل ما أصبح في اجناد المسلمين (٢) من الدين والفقه والعلم بالقرآن إن هذا القرآن أنزل على حروف (٣) والله ان كان الرجلان ليختصمان أشد ما اختصما في شيء قط فإذا قال القارئ هذا أقرأني قال احسنت وإذا قال الآخر قال كلاكما محسن (٤) فأقرأ أن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة والكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار واعتبروا ذاك بقول أحدكم لصاحبه كذب وفجر وبقوله اذا صدقه صدقت وبررت (٥) ان هذا القرآن لا يختلف ولا يستشن (٦) ولا يتفه لكثرة الرد فمن قرأه على حرف فلا يدعه رغبة عنه ومن قرأه على شيء من تلك الحروف التي علم رسول الله ﷺ فلا يدعه رغبة عنه فإن من يجحد بآية يجحد به كله فإنما هو كقول أحدكم لصاحبه أعجل (٧) وحيي هلا والله لو أعلم رجلا أعلم بما أنزل الله على محمد ﷺ مني لطلبته حتى أزداد علمه إلى علمي (٨) إنه سيكون قوم يميتون الصلاة فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم تطوعا (٩) وإن رسول الله ﷺ كان يعارض بالقرآن في كل رمضان (١٠) واني عرضت في العام الذي قبض فيه مرتين
_________________
(١) له ذؤابتان والله ما أنزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل وما أحد أعلم بكتاب الله مني وما أنا بخيركم ولو أعلم مكانا تبلغه الإبل فيه من هو أعلم بكتاب الله مني لأتيته قال أبو وائل فلما نزل عن المنبر جلست في الخلق فما أحد ينكر ما قال وقول أبي وائل (فما أحد ينكر ما قال) يعني من فضله وحفظه وعلمه وأما أمره بغل المصاحف وكتمانها فقد أنكره عليه غير واحد قال الاعمش عن ابراهيم عن علقمة قال قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء فقال كنا نعد عبد الله جبانا فما باله يواثب الامراء (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وسنده صحيح ورجاله ثقات (١) (سنده) حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن عابس الخ (غريبه) (٢) أي امرائهم (٣) أي لغات متعددة رحمة بالناس (٤) معناه أن الصحابة في عهد النبي ﷺ كانوا يختلفون في القراءة فبعضهم يقرأ خلاف ما يقرأ الآخر فيرفعون أمرهم إلى النبي ﷺ فيقول كلاكما محسن لأنه كل واحد منهما قرأ على لغة أنزلها الله ﷿ (٥) بفتح الراء الأولى وسكون الثانية اي صدقت في دعواك وصرت بارا دعاء له بذلك (٦) من الشن والشنة بفتح الشين المعجمة فيهما وهي القربة الخلقة (ولا يتفه) بوزن يفرح قال في النهاية هو من الشيء التافه الحقير يقال تفه يتفه فهو تافه (٧) أي أعجل بذكر القرآن وابدأ به (وحي هلا) قال في النهاية وهما كلمتان جعلتا كلمة واحدة وفيها لغات وهلا حث واستعجال (٨) اي حتى أضم علمه الى علمي (٩) تقدم الكلام على ذلك في باب وعيد من تهاون بالصلاة أو أخرها عن وقتها في الجزء الثاني صحيفة ٢٢٨ (١٠) يعني كان جبريل ﵇ يعارضه القرآن في كل رمضان مرة أي يدارسه جميع ما نزل من القرآن من المعارضة المقابلة والمعارضة مفاعلة من الجانبين كأن كلا منهما كان يقرأ والآخر يسمع والظاهر أن جبريل كان يسمع القرآن من النبي ﷺ ويقرئه إياه ليزداد حفظا واتقانا فلما كان العام الذي قبض فيه
[ ١٨ / ٣٦ ]
فأنبأني أني محسن وقد قرأت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة (عن فلفلة الجعفي) (١) قال فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف فدخلنا عليه فقال رجل من القوم إنا لم نأتك زائرين ولكن جئناك حين راعنا هذا الخبر (٢) فقال ان القرآن نزل على نبيكم ﷺ من سبعة أبواب (٣) على سبعة أحرف أو قال حروف (٤) وان الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على حرف واحد (٥) (أبواب القراءات وجواز اختلافها والنهي عن المراء فيها) (باب ما جاء من ذلك عاما واختلاف الصحابة فيه) (ز) (عن زر بن حبيش) (٦) قال قال عبد الله بن مسعود تمارينا (٧) في سورة من القرآن فقلنا خمس وثلاثون آية ست وثلاثون آية
_________________
(١) عرض عليه مرتين والظاهر أن عبد الله بن مسعود كان يفعل ذلك مع النبي ﷺ ويؤيده ما سيأتي في باب معارضة جبريل والنبي ﷺ القرآن عن مجاهد عن ابن عباس قال قال أي القراءتين كانت أخيرا أقراءة عبد الله (يعني ابن مسعود) أو قراءة زيد؟ قال قلنا قراءة زيد قال لا ألا أن رسول الله ﷺ كان يعرض القراءة على جبريل كل عام مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين وكانت آخر القراءة قراءة عبد الله (زاد في رواية) فشهد عبد الله فعلم ما نسخ منه وما بدل (تخريجه) أورده الهيثمي مختصرا وقال رواه الامام أحمد في حديث طويل والطبراني وفيه من لم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح (١) (سنده) حدثنا أبو كامل حدثنا زهير حدثنا أبو همام عن عثمان بن حسان عن فلفلة الجعفي الخ (٢) يعني خبر نسخ المصاحف على لغة قريش وحرق ما عداها (٣) جاء عند ابن جرير من وجه آخر عن أبي بن كعب قال قال رسول الله ﷺ ان الله أمرني أن اقرأ القرآن على حرف واحد فقلت خفف على أمتي فقال اقرأه على حرفين فقلت رب خفف عن أمتي فأمرني أن اقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنة كلها شاف كاف (قال ابن جرير) والأبواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها من الأمر والنهي والترغيب والترهيب والقصص والمثل التي إذا عمل بها العامل وانتهى إلى حدودها المنتهي استوجب به الجنة (٤) الحكمة في كونه نزل على سبعة أحرف ان النبي ﷺ بعث للناس كافة في جميع أقاليم الأرض واللغات تختلف باختلاف الأقاليم فلو نزل على حرف واحد لتعذرت عليهم قراءته وفهمه فجعل على سبعة أحرف تيسيرا لهم (٥) معناه أن كتب الأنبياء المنزلة قبل النبي ﷺ كانت على حرف وذلك لأن غيره من الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام كان يبعث إلى قومه خاصة فينزل كتابه على حرف واحد بلغة قومه (تخريجه) أورده الهيثمي وقال له في الصحيح غير هذا رواه احمد وفيه عثمان ابن حسان العامري وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه (باب) (٦) (ز) (سنده) حدثنا أبو محمد سعيد بن محمد الجرمي قدم علينا من الكوفة حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن الأعمش عن عاصم عن زر بن حبيش قال قال عبد الله وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد حدثنا ابي حدثنا الأعمش عن عاصم عن زر بن حبيش قال قال عبد الله بن مسعود الخ (غريبه) (٧) يعني عبد الله بن مسعود وبعض الصحابة أي تجادلنا والمراء اجدال والتماري والمماراة المجادلة على مذهب الشك والريبة ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه كما يمتري الحالب اللبن من الضرع (نه)
[ ١٨ / ٣٧ ]
قال فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فوجدنا عليا ﵁ يناجيه فقلنا إنا اختلفنا في القراءة فاحمر وجه رسول الله ﷺ (١) فقال علي ﵁ إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرءوا كما علمتم (٢) (عن أبي بن كعب) (٣) قال كنت في المسجد فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فقمنا جميعا فدخلنا على رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل هذا فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه فقال لهما النبي ﷺ اقرآ فقرآ قال أصبتما فلما قال لهما النبي ﷺ الذي قال كبر على ولا إذ كنت في الجاهلية (٤) فلما رأى الذي غشيني ضرب في صدري فقضت عرقا (٥) وكأنما أنظر إلى الله ﵎ فرقا فقال يا أبي ان ربي ﵎ أرسل إلي (٦) أن اقرأ القرآن على حرف (٧) فرددت إليه أن هون على أمتي (٨) فأرسل إلي أن اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي فأرسل إلي أن اقرأه على سبعة أحرف ولك بكل ردة (٩) مسألة تسألنيها قال قلت اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة (١٠) ليوم يرغب إلي فيه الخلق (١١) حتى ابراهيم ﵊ (عن أبي قيس) (١٢) مولى عمرو بن العاص قال سمع عمرو بن العاص رجلا يقرأ آية من القرآن فقال من أقرأكها؟ قال رسول الله ﷺ قال فقد أقرأنيها رسول الله ﷺ
_________________
(١) أي لأنه ﷺ يكره الاختلاف والمراء (٢) بضم أوله وتشديد اللام مكسورة أي كما علمكم النبي ﷺ أو بعض الصحابة (تخريجه) لم أقف عليه لغير عبد الله بن الامام احمد وسنداه صحيحان ورجاله ثقات (٣) (سنده) حدثنا يحيى بن سعيد عن اسماعيل بن ابي خالد حدثني عبد الله بن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي كعب الخ (غريبه) (٤) جاء عند مسلم (فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذا كنت في الجاهلية) قال القاضي عياض معنى قوله سقط في نفسي أنه اعترته حيرة ودهشة قال (وقوله ولا إذ كنت في الجاهلية) معناه أن الشيطان نزغ في نفسه تكذيبا لم يعتقده قال وهذه الخواطر إذ لم يستمر عليها لا يؤاخذ بها (قال القاضي عياض) قال المازري معنى هذا انه وقع في نفس أبي بن كعب نزغة من الشيطان غير مستقرة ثم زالت في الحال حين ضرب النبي ﷺ بيده في صدره ففاض عرقا قال القاضي ضربه على صدره تثبتا له حين رآه قد غشيه ذلك الخاطر المذموم قال ويقال فضت عرقا وفصت بالضاد المعجمة والصاد المهملة قال وروايتنا هنا بالمعجمة اهـ (٥) معنى قوله ففضت عرقا اي امتلأ عرقي استحياء منه ﷺ حتى فاض أي سال من جميع جسدي (وقوله فرقا) بالتحريك أي خوفا وانتصابه على المفعول له وانتصاب عرقا على التمييز (٦) أي أرسل الله تعالى إلى جبريل ﵇ (٧) أي قراءة واحدة (٨) أي سهل على أمتي كما في المرقاة (٩) بفتح الراء وتشديد المهملة مفتوحة أي لك بمقابلة كل دفعة رجعت إلي ورددتكها بمعنى ارجعتك اليها بحيث ما هونت على أمتك من أول الأمر (وقوله مسألة) يعني دعوة مستجابة تسألنيها أي ينبغي أن تسألنيها فأجيبك اليها (١٠) هي الشفاعة الكبرى يوم القيامة (١١) اي يحتاجون ويبتهلون (وقوله حتى إبراهيم) بالرفع معطوف على الخلق وفيه دلالة على رفعة إبراهيم على سائر الأنبياء وتفضيل نبينا على الكل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (تخريجه) (م وغيره) (١٢) (سنده) حدثنا أبو سلمة الخزاعي
[ ١٨ / ٣٨ ]
على غير هذا فذهبا إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما يا رسول الله آية كذا وكذا ثم قرأها فقال رسول الله ﷺ هكذا انزلت فقال الآخر يا رسول الله فقرأها على رسول الله ﷺ فقال أليس هكذا يا رسول الله؟ قال هكذا أنزلت فقال رسول الله ﷺ إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف (١) فأي ذلك قرأتم فقد أحسنتم ولا تماروا فيه فإن المراء فيه كفر (٢) أو آية الكفر (عن أبي جهيم) (٣) ان رجلين اختلفا في آية من القرآن فذكر نحوه (٤) (عن أبي هريرة) (٥) أن رسول الله ﷺ قال نزل القرآن على سبعة أحرف المراء في القرآن كفر ثلاث مرات (٦) فما عرفتم منه فاعملوا وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه (٧) (وعنه من طريق ثان) (٨) قال قال رسول الله ﷺ أنزل القرآن على سبعة أحرف عليما حكيما غفورا رحيما (٩) (عن عمرو بن شعيب عن
_________________
(١) قال انا عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة قال أخبرني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد عن يسر بن سعيد عن ابي قيس مولى عمرو الخ (غريبه) (١) تقدم تفسيره وسيأتي لذلك مزيد بحث في باب نزول القرآن على سبعة أحرف قريبا بعد ثلاثة أبواب (٢) قال أبو عبيد ليس وجه الحديث عندنا على الاختلاف في التأويل ولكنه على الاختلاف في اللفظ وهو أن يقول الرجل على حرف فيقول الآخر ليس هو هكذا ولكنه على خلافه وكلاهما منزل مقروء به فإذا جحد كل واحد منهما قراءة صاحبه لم يؤمن ان يكون ذلك يخرجه إلى الكفر لأنه نفى حرفا أنزله الله على نبيه (قلت) وجاء في بعض الروايات (فان مراءا فيه كفر) قال والتنكير في المراء ايذانا بأن شيئا منه كفر فضلا عما زاد عليه وقيل انما جاء هذا الجدال والمراء في الآيات التي فيها ذكر القدر ونحوه من المعاني على مذهب أهل الكلام وأصحاب الأهواء والآراء دون ما تضمنته من الأحكام وأبواب الحلال والحرام فإن ذلك قد جرى بين الصحابة فمن بعدهم من العلماء وذلك فيما يكون الغرض منه والباعث عليه ظهور الحق ليتبع دون الغلبة والتعجز والله أعلم (وقوله أو آية الكفر) أو للشك من الراوي وجاء في الحديث التالي بلفظ (فان مراءا في القرآن كفر) بغير شك (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أنه مرسل اهـ (قلت) يؤيده ما بعده (٣) (سنده) حدثنا سلمة الخزاعي ثنا سليمان بن بلال حدثني يزيد بن خصيفة اخبرني بسر بن سعيد قال حدثني أبو جهيم ان رجلين الخ (قلت) أبو جهيم بالتصغير ابن الحارث بن الصمة بكسر المهملة وتشديد الميم ابن عمرو الانصاري قيل اسمه عبد الله وقد ينسب لجده كذا في التقريب (٤) ولفظه ان رجلين اختلفا في آية من القرآن فقال هذا تلقيتها من رسول الله ﷺ وقال الآخر تلقيتها من رسول الله ﷺ فسألا النبي ﷺ فقال القرآن يقرأ على سبعة أحرف فلا تماروا في القرآن فإن مراءا في القرآن كفر (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه احمد ورجاله رجال الصحيح (٥) (سنده) حدثنا أنس بن عياض حدثني أبو حازم عن أبي سلمة لا اعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (٦) تقدم الكلام على المراء قبل حديث في شرح حديث عمرو بن العاص (٧) أي فتعلموه ممن هو أعلم منكم (٨) (سنده) حدثنا محمد بن بشر ثنا محمد بن عمرو ثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ الخ (٩) معناه أنه يجوز أن يقرأ غفورا بدل رحيما وعليما بدل حكيما وهذا وجه من أوجه القراءات فإن وافق رسم المصحف الامام وصح سنده جاز وإلا فلا
[ ١٨ / ٣٩ ]
أبيه عن جده) (١) قال لقد جلست أنا وأخي (٢) مجلسا ما أحب أن لي به حمر (٣) النعم أقبلت أنا وأخي واذا مشيخة (٤) من صحابة رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه فكرهنا أن تفرق بينهم فجلسنا حجرة (٥) إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها (٦) حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله ﷺ مغضبا قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول مهلا يا قوم بهذا هلكت الامم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا بل يصدق بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه (باب ما جاء من القراءة مفصلا واختلاف الصحابة فيه) (ما جاء في سورة المائدة) (عن أنس بن مالك) (٧) أن رسول الله ﷺ قرأها (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين) نصب النفس ورفع العين (٨) (ما جاء في سورة هود) (عن أسماء بنت يزيد) (٩) قالت سمعت رسول الله ﷺ يقرء (إنه عمل (١٠) غير صالح) وسمعته يقرأ (يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي إن هو الغفور الرحيم) (١١)
_________________
(١) (تخريجه) روى الطريق الأولى منه النسائي وأورده الهيثمي بطريقيه وقال رواه كله أحمد باسنادين ورجال احدهما رجال الصحيح ورواه البزار بنحوه اهـ (١) (سنده) حدثنا أنس بن عياض حدثنا أبو حازم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الخ (غريبه) (٢) الظاهر أن أخا عبد الله بن عمرو هو محمد بن عمرو ابن العاص لأني لم أقف على أخ لعبد الله بن عمرو وغيره وهو من صغار الصحابة وله ترجمة في الاستيعاب والاصابة (٣) بضم المهملة وسكون الميم جمع أحمر (والنعيم) بفتح النون والعين المهملة المراد بها هنا الإبل وانما خص الابل الحمر بالذكر لكونها أفضل الابل واصبرها على الهواجر والعرب تقول خير الابل حمرها وصهبها (٤) أي جماعة من كبار الصحابة (٥) بفتح المهملة وسكون الجيم أي ناحية منفردين (٦) تقدم معنى المراء وهو الجدال (تخريجه) أخرج المرفوع منه البخاري ومسلم نحو معناه مختصرا (باب) (٧) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن أبي علي ابن يزيد عن الزهري عن أنس بن مالك الخ (غريبه) (٨) أي بالرفع عطف على مجزان النفس قال البيضاوي في تفسيره رفعها الكسائي على انها جمل معطوفة على أن وما في حيزها باعتبار المعنى اهـ وقال البغوي في المعالم وقرأ الكسائي والعين وما بعدها بالرفع وقرأ ابن كثير وابن عامر وابو جعفر وعمرو والجروح بالرفع فقط وقرأها الآخرون كلها بالنصب كالنفس اهـ (تخريجه) (د مذ ك) وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب قال محمد (يعني البخاري) تفرد ابن المبارك بهذا الحديث عن يونس ابن يزيد وهكذا قرأ أبو عبيد والعين بالعين اتباعا لهذا الحديث اهـ (قلت) وسكت عنه أبو داود والمنذري فهو صالح للاحتجاج به وصححه الحاكم واقره الذهبي (٩) (سنده) حدثنا يزيد بن هارون انا حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد الخ (غريبه) (١٠) بكسر الميم وفتح اللام بصيغة الماضي وفتح راء غير قال البغوي في تفسيره قرأ الكسائي ويعقوب عمل بكسر الميم وفتح اللام غير بتصب اللام على الفعل أي عم الشكر والتكذيب وقرأ الآخرون بفتح الميم ورفع اللام وتنوينه غير يرفع الراء معناه ان سؤالك إياي أن انجيه عمل غير صالح (١١) سيأتي الكلام على هذه الآية فيما جاء في
[ ١٨ / ٤٠ ]
(ما جاء في سورة مريم) (عن ابن عباس) (١) قال حفظت السنة الأولى كلها (٢) غير اني لا أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا؟ (٣) ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف (وقد بلغت من الكبر عتيا أو عسيا) (٤) (ما جاء في سورة الفرقان) (عن عمر ﵁) (٥) قال مررت بهشام بن حكيم بن حزام يقرء سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت قراءته فإذا هو يقرء على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أن أساوره (٦) في الصلاة فنظرت (٧) حتى سلم فلما سلم لببته (٨) بردائه فقلت من أقرأك هذه السورة التي تقرؤها؟ قال أقرأنيها رسول الله ﷺ قال قلت له كذبت فوالله ان النبي ﷺ لهو أقرأني هذه السورة التي تقرؤها قال فانطلقت أقوده إلى النبي ﷺ فقلت يا رسول الله اني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها وانت اقرأتني سورة الفرقان فقال النبي ﷺ أرسله (٩) يا عمر اقرأ يا هشام فقرأ عليه القراءة التي سمعت فقال النبي ﷺ هكذا أنزلت ثم قال النبي ﷺ اقرأ يا عمر فقرأت القراءة التي اقرأني رسول الله ﷺ فقال هكذا أنزلت (١٠)
_________________
(١) سورة الزمر (تخريجه) روى الشطر الأول منه (د مذ) وسكت عنه أبو داود قال المنذري وشهر بن حوشب قد تكلم فيه غير واحد ووثقه الامام احمد ويحيى بن معين (١) (سنده) حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشيم أخبرنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) أي معظمها وكان يقال لابن عباس حبر الأمة والبحر لكثرة علمه ودعا له رسول الله ﷺ بالحكمة وحنكة بريقه حين ولد وله مناقب كثيرة ستأتي في باب مناقبه من كتاب مناقب الصحابة ان شاء الله تعالى (٣) الكلام على القراءة في الظهر والعصر تقدم في بابه في الجزء الثالث صحيفة ٢٢٠ رقم ٥٦٦ (٤) معناه ان ابن عباس شك أيضا في القراءة في قوله تعالى حكاية عن زكريا (وقد بلغت من الكبر عتيا) هل قرأها النبي ﷺ بالتاء الفوقية أو بالسين المهملة لأن معناهما واحد يقال عتا الشيخ يعتو عتيا وعسيا إذا انتهى سنه وكبر وشيخ عات وعاس اذا صار الى حاله اليبس والجفاف ولم يبق فيه لقاح ولا جماع والعرب تقول للعود اذا يبس عتا يعتو عتيا وعتوا وعسى يعسو عسوا وعسيا واللغتان معروفتان بالتاء والسين والقراء الأربعة عشر قرءوا عتا بالتاء لا غير قال البغوي في تفسيره قرأ حمزة والكسائي عتيا وبكيا وصليا وجثيا بكسر أوائلهن (قلت وكذلك الأعمش وحفص الابكيا فبالضم) والباقون يرفعها وهما لغتان اهـ وأما قراءتها عسيا بالسين المهملة فقال أبو حيان في البحر عن عبد الله (يعني ابن مسعود) ومجاهد عسيا بضم العين وكسر السين وحكاها الداني عن ابن عباس وحكاها الزمخشري عن أبي ومجاهد (تخريجه) الحديث سنده صحيح وروى شطره الأول أبو داود وروى شطره الثاني الحاكم وصححه وأقره الذهبي (٥) (سنده) حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارى أنهما سمعا عمر يقول مررت بهشام الخ (غريبه) (٦) بهمزة مضمومة وسين مهملة أي آخذ برأسه (٧) اي انتظرت يقال نظرته وانتظرته بمعنى واحد (٨) بفتح اللام وتشديد الموحدة الأولى كذا عند البخاري وقال القاضي عياض التخفيف أعرف (بردائه) أي جمعته عليه عند لبته لئلا ينفلت مني وهذا من عمر على عادته في الشدة بالأمر بالمعروف (٩) بهمزة قطع أي أطلقه (١٠) لم يقف الحافظ ابن حجر على تعيين الأحرف التي
[ ١٨ / ٤١ ]
ثم قال رسول الله ﷺ ان القرآن انزل على سبعة أحرف فاقرءوا منه ما تيسر (١) (وعن أبي طلحة الأنصاري) (٢) عن النبي ﷺ بنحوه وفيه أن النبي ﷺ قال يا عمر إن القرآن كله صواب مالم يجعل عذاب مغفرة أو مغفرة عذابا (ما جاء في سورة الروم) (عن عطية العوفي) (٣) قال قرأت على ابن عمر (الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعف) (٤) فقال (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا) (٥) ثم قال قرأت على رسول الله ﷺ كما قرأت علي فأخذ
_________________
(١) اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان ثم قال النبي ﷺ تطييبا لقلب عمر لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين (إن هذا القرآن انزل على سبعة أحرف) جمع حرف مثل فلس وأفلس أي لغات أو قراآت فعلى الأول يكون المعنى على أوجه من اللغات لأن حد الحرف في اللغة الوجه قال تعالى (ومن الناس من يعبد الله على حرف) وعلى الثاني يكون من اطلاق الحرف على الكلمة مجازا لكونه بعضا (١) أي من الأحرف المنزل بها فالمراد بالتيسير في الآية غير المراد به في الحديث لأن الذي في الآية المراد به القلة والكثرة والذي في الحديث ما يستحضره القارئ من القراآت والله أعلم (تخريجه) (ق والثلاثة) (٢) (سنده) حدثنا عبد الصمد حدثنا حرب بن ثابت كان يسكن بني سليم قال ثنا اسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة عن أبيه عن جده قال قرأ رجل عند عمر فغير عليه (أي أراد تحويله عن هذه القراءة إلى قراءة أخرى) قال في القاموس (وغيره جعله غير ما كان وحوله وبدله والاسم الغير) فقال قرأت على رسول الله ﷺ فلم يغير على قال فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ قال فقرأ الرجل على النبي ﷺ فقال له قد احسنت قال فكان عمر وجد من ذلك فقال النبي ﷺ يا عمر إن القرآن الخ (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للامام احمد ثم قال وهذا اسناد حسن وحرب بن ثابت هذا يكنى بأبي ثابت لا نعرف أحدا جرحه اهـ وأورده أيضا الهيثمي وعزاه للامام احمد فقط وقال رجاله ثقات (٣) (سنده) حدثنا وكيع عن فضيل ويزيد قال اخبرنا فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي الخ (غريبه) (٤) بفتح الضاد المعجمة في الجميع (٥) معناه ان ابن عمر قرأ على رسول الله ﷺ أولا بفتح الضاد فأخذ عليه النبي ﷺ أن يقرأ بضمها وفي تفسير البغوي الضم لغة قريش والفتح لغة تميم ومعنى من ضعف أي من نطفه يريد من ذي ضعف أي من ماء ذي ضعف كما قال تعالى (الم نخلقكم من ماء مهين) (ثم جعل من بعد ضعيف قوة) أي من بعد ضعف الطفولية شبابا وهو وقت القوة (ثم جعل من بعد قوة ضعفا) هرما وقال ابن الجزري في النشر في القراآت العشر في هذا الحرف (واختلف عن حفص) فروى عنه عبيد وعمرو انه اختار فيها الضم خلافا لعاصم للحديث الذي رواه عن الفضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن ابن عمر مرفوعا وروينا عنه من طريق أنه قال ما خالفت عاصما في شيء من القرآن إلا في هذا الحرف ثم روى ابن الجزري هذا الحديث باسناده إلى الامام احمد (تخريجه) (د مذ) وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره بعد أن عزاه للامام احمد وقال رواه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث فضيل به ورواه ابو داود من حديث عبد الله بن جابر عن عطية عن أبي سعيد بنحوه اهـ (قلت) في اسناده عطية العوفي ضعفه الجمهور واخرجه ايضا الحاكم وقال تفرد به
[ ١٨ / ٤٢ ]
علي كما أخذت عليك (ما جاء في سورة الزمر) (عن أسماء بنت يزيد) (١) قالت سمعت رسول الله ﷺ يقرأ (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي انه هو الغفور الرحيم) (ما جاء في سورة الأحقاف) (عن عبد الله) (٢) قال سمعت رجلا (٣) يقرأ حم الثلاثين يعني الأحقاف فقرأ خرفا وقرأ رجل آخر حرفا لم يقرأه صاحبه وقرأت أحرفا لم يقرأها صاحبي فانطلقنا إلى النبي ﷺ فأخبرناه (وفي رواية أخرى فتغير وجه رسول الله ﷺ أو عرفت في وجه رسول الله ﷺ الكراهية فقال رسول الله ﷺ كلاكما محسن) فقال لا تختلفوا فإنما هلك من كان قبلكم باختلاف (٤) ثم قال انظروا اقرأكم رجلا فخذوا بقراءته (ما جاء في سورة محمد ﷺ) (عن شقيق بن سلمة) (٥) قال جاء رجل إلى عبد الله (يعني ابن مسعود ﵁) من بني بجبلة يقال له نهيك بن سنان فقال يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذه الآية أياء تجدها أو ألفا (من ماء غير آسن) (٦) فقال له عبد الله وكل القرآن أحصيت غير هذه (٧) قال اني لأقرأ المفصل في ركعتين فقال عبد الله هذا كهذا الشعر (٨) إن من أحسن الصلاة الركوع والسجود وليقرأن القرآن أقوام لا يجاوز تراقبهم ولكنه إذا قرأه فرسخ في القلب
_________________
(١) عطية العوفي ولم يحتجا به وأقره الذهبي على ذلك (١) هذا طرف من حديث تقدم بتمامه وسنده وتخريجه فيما جاء في سورة هود وروى هذا الطرف منه الحاكم في المستدرك وقال هذا حديث غريب قال ولم اذكر في كتابي هذا عن شهر غير هذا الحديث الواحد اهـ (قلت) وأقر الذهبي قول الحاكم ولم يتعقبه بشيء (٢) (سنده) حدثنا عبد الرحمن عن همام عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله (يعني ابن مسعود) الخ (غريبه) (٣) قال الحافظ يحتمل أن يكون هو أبي بن كعب فقد أخرج الطبري من حديث أبي بن كعب أنه سمع ابن مسعود يقرأ آية قرأ خلافها وفيه أن النبي ﷺ قال كلاكما محسن الحديث (٤) في هذا الحديث الحض على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف والنهي عن المراء في القرآن بغير حق ومن شر ذلك أن تظهر دلالة الآية على شيء يخالف الرأي فيتوسل بالنظر وتدقيقه إلى تأويلها وحملها على ذلك الرأي ويقع اللجاج في ذلك والمناضلة عليه قاله الحافظ (تخريجه) (خ) (٥) (سنده) حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن شقيق بن سلمة الخ (غريبه) (٦) زاد مسلم (أو من ماء غير ياسن) أي غير متغير الرائحة والآسن من الماء مثل الآجن وقد أسن الماء يأسن ويأسن أسنا وأسونا إذا تغيرت رائحته وكذلك أجن الماء يأجن ويأجن أجنا وأجونا ويقال بالكسر فيهما أجن وأسن يأسن ويأجن أسنا وأجنا قاله اليزيدي وقرأه العامة آسن بالمد وقرأه ابن كثير وحميد أسن بالقصر وهما لغتان مثل حاذر وحذر وقال الأخفش أسن للحال وآسن مثل فاعل يراد به الاستقبال اهـ ولم اقف على قراءة في هذا الحرف بالياء ولا في الشواذ (٧) هذا محمول على ان ابن مسعود فهم من السائل انه غير مسترشد في سؤاله اذ لو كان مسترشدا لوجب جوابه وهذا ليس بجواب (٨) معناه ان الرجل اخبر بكثرة حفظه واتقانه فقال ابن مسعود تهذه هذا بتشديد الذال وهو شدة الافراط والاسراع في العجلة ففيه النهي عن الهذ والحث على الترتيل والتدبر وبه قال جمهور
[ ١٨ / ٤٣ ]
نفع (١) إني لأعرف النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ سورتين في ركعة قال ثم قام فدخل فجاء علقمة فدخل عليه قال فقلنا له سله عن النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ سورتين في ركعة قال فدخل فسأله ثم خرج إلينا فقال عشرون سورة من أول المفصل في تأليف عبد الله (يعني ابن مسعود) (ومن طريق ثان) (٢) عن زر أن رجلا (٣) قال لابن مسعود كيف تعرف هذا الحرف ماء غير ياسن أم آسن؟ فقال كل القرآن قد قرأت؟ قال اني لأقرأ المفصل أجمع في ركعة واحدة (٤) فقال (يعني ابن مسعود) أهذا الشعر لا أبالك (٥) قد علمت قرائن رسول الله ﷺ التي كان يقرن قرينتين قرينتين من أول المفصل وكان أول مفصل ابن مسعود الرحمن (٦) (ما جاء في سورة الذاريات) (عن عبد الله بن مسعود) (٧) قال أقرأني رسول الله ﷺ (اني انا الرزاق ذو القوة المتين) (٨) (ما جاء في سورة القمر) (وعنه أيضا) (٩) قال اقرأني رسول الله ﷺ (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) (١٠) فقال رجل يا أبا عبد الرحمن مدكر أو مذكر قال اقرأني رسول الله ﷺ مدكر (ما جاء في سورة الطلاق) (عن ابن عمر) (١١) قال قرأ النبي ﷺ (يا أيها النبي إذا طلقتم
_________________
(١) العلماء (كهذة الشعر) معناه في تحفظه وروايته لا في اسناده وترنمه لأنه يرتل في الانشاد والترنم في العادة (١) معناه أن قوما ليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان فلا يجاوز تراقيهم ليصل قلوبهم وليس ذلك هو المطلوب بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب (وقوله اني لأعرف النظائر) إلى آخر الحديث تقدم تفسيره والكلام عليه في باب قراءة سورتين أو أكثر في ركعة من كتاب الصلاة في الجزء الثالث صحيفة ٢١٢ رقم ٥٥٤ فارجع اليه (٢) (سنده) حدثنا عفان ثنا حماد ثنا عاصم عن زر (يعني ابن حبيش) ان رجلا الخ (٣) هو نهيك (بوزن عظيم) ابن سنان المذكور في الطريق الأولى (٤) جاء في الطريق الأولى أنه كان يقرأ المفصل في ركعتين فيحتمل انه كان يقرؤه في بعض الأحيان في ركعة وفي بعضها في ركعتين وفي رواية مسلم في ركعة والله أعلم (٥) هذه الكلمة ظاهرها الدعاء عليه بفقد أبيه ولكنها كلمة جارية على السنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الأمر به كما يقولون قاتله الله بل قد يراد بها المدح والله أعلم (٦) في ذلك خلاف عند العلماء ذكرته في شرح الحديث الأول من باب قراءة سورتين أو أكثر في ركعة الخ من كتاب الصلاة في الجزء الثالث ٢١١ فارجع اليه (تخريجه) (م مذ طل) و(خ د) مختصرا (٧) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم حدثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن عبد الرحمن ابن يزيد عن عبد الله بن مسعود الخ (غريبه) (٨) هذه قراءة ابن مسعود وهي قراءة شاذه والقراءة المتواترة (ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين) (تخريجه) (د نس مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح (٩) (سنده) حدثنا حجاج حدثنا اسرائيل عن ابي اسحق عن الأسود عن ابن مسعود قال اقرأني الخ (غريبه) (١٠) بالدال المهملة كما هو قراءة حفص وسبب ذلك ان بعض السلف قرأها بالمعجمة وهو منقول أيضا عن قتادة وأصل مدكر بمثناه بعد ذال معجمة فأبدلت التاء دالا مهملة ثم أهملت المعجمة لمقاربتها ثم ادغمت وفي رواية للبخاري عن عبد الله قال قرأت على النبي ﷺ (فهل من مذكر) فقال النبي ﷺ (فهل من مدكر) وفي رواية أخرى له قال وسمعت النبي ﷺ يقرؤها (فهل من مدكر) دالا (تخريجه) (ق والثلاثة) (١١) (سنده) حدثنا روح بن عبادة حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع فقال ابن عمر قرأ
[ ١٨ / ٤٤ ]
النساء فطلقوهن في قبل عدتهن (١) (باب ما جاء في سورة الليل) (عن علقمة) (٢) أنه قدم الشام فدخل مسجد دمشق فصلى فيه ركعتين وقال اللهم ارزقني جليسا صالحا قال فجاء فجلس إلى أبي الدرداء فقال له أبو الدرداء ممن أنت؟ قال من أهل الكوفة قال كيف سمعت ابن ام عبد (٣) يقرأ (والليل اذا يغشي والنهار اذا تجلى) قال علقمة (والذكر (٤) والأنثى) فقال أبو الدرداء لقد سمعتها من رسول الله ﷺ فما زال هؤلاء حتى شككوني (وفي رواية وهؤلاء يريدون أن اقرأ) (وما خلق) (٥) فلا أتابعهم (٦) ثم قال ألم يكن فيكم صاحب السواد (٧) وصاحب
_________________
(١) النبي ﷺ الخ (غريبه) (١) قال في النهاية (وفي رواية في طهرهن) أي في اقباله وأوله حيث يمكنها الدخول في العدة والشروع فيها فتكون لها محسوبة وذلك في حالة الطهر يقال كان ذلك في قبل الشتاء أي اقباله اهـ (قال النووي) هذه قراءة ابن عباس وابن عمر وهي شاذة لا تثبت قرآنا بالاجماع ولا يكون لها حكم خبر الواحد عندنا وعند محققي الأصوليين اهـ وقال ابو حيان في تفسير البحر ما روى عن جماعة من الصحابة والتابعين ﵃ من أنهم قرءوا (فطلقوهن في قبل عدتهن) وعن عبد الله (لقبل طهرهن) هو على سبيل التفسير لاعلى أنه قرآن لخلافه سواد المصحف الذي اجمع عليه المسلمون شرقا وغربا والله أعلم (تخريجه) (م فع) (٢) (سنده) حدثنا يزيد بن هارون أنا سعبة عن مغيرة عن ابراهيم عن علقمة انه قدم الشام الخ (غريبه) (٣) يعني عبد الله بن مسعود (٤) بكسر الراء معطوف على النهار وعلى هذا فالمعنى أنه ﷿ أقسم بالليل والنهار والذكر والأنثى من جميع خلقه وهذه قراءة ابن مسعود وأبي الدرداء وعلقمة وفي رواية للبخاري من طريق سفيان عن الاعمش ان علقمة قال (فقرأت والليل اذا يغشى والنهار اذا تجلى والذكر والأنثى) قال انت سمعت من في صاحبك؟ قلت نعم (قال الحافظ) هذا صريح في ان ابن مسعود كان يقرؤها كذلك قال وهذه القراءة لم تنقل إلا عمن ذكر هنا (يعني ابن مسعود وأبا الدرداء وعلقمة) قال ومن عداهم قرءوا (وما خلق الذكر والأنثى) وعليها استقر الأمر مع قوة اسناد ذلك إلى أبي الدرداء ومن ذكر معه ولعل هذا مما نسخت تلاوته ولم يبلغ النسخ ابا الدرداء ومن ذكر معه والعجب من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة عن علقمة وابن مسعود واليهما تنتهي القراءة بالكوفة ثم لم يقرأ بها أحد منهم وكذا أهل الشام حملوا القراءة عن أبي الدرداء ولم يقرء أحد منهم بهذا فهذا مما يقوى أن التلاوة بها نسخت (قلت) وقراءة الجمهور (وما خلق الذكر والأنثى) هي المتواترة قال الحسن معناه والذي خلق الذكر والانثى فيكون قد أقسم بنفسه ﷿ (وقال أبو عبيدة) (وما خلق) أي ومن خلق وكذا قوله (والسماء وما بناها ونفس وما سواها) (ما) في هذه المواضع بمعنى من اهـ (٥) أي (وما خلق الذكر والأنثى) (٦) أي لا أتابعهم على هذه القراءة قال ذلك لما تبينه من سماع ذلك من رسول الله ﷺ ولعله لم يعلم بنسخه ولم يبلغه مصحف عثمان المجمع عليه المحذوف منه كل منسوخ على أنه جاء في تفسير القرطبي ان حمزة وعاصما يرويان عن عبد الله بن مسعود ما عليه جماعة المسلمين (٧) بكسر السين المهملة بعدها واو وقد جاء في الأصل (الوساد) بتقديم الواو على السين وهو خطأ من الناسخ والسواد بالكسر السرار وصاحب السواد هو عبد الله بن مسعود كما فسر في الحديث وسببه أن النبي ﷺ قال له اذنك على أن ترفع الحجاب
[ ١٨ / ٤٥ ]
السر الذي لا يعلمه أحد غيره (١) والذي أجير من الشيطان على لسان النبي ﷺ (٢) صاحب السواد ابن مسعود وصاحب السر حذيفة والذي أجير من الشيطان عمار (﵃) (وفي لفظ) أن أبا الدرداء قال لعلقمة هل تقرأ على قراءة ابن مسعود؟ قال قلت نعم قال فاقرأ والليل اذا يغشى قلت (والليل اذا يغشى والنهار اذا تجلى والذكر والانثى) قال هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها قال احسب قال فضحك (٣)
(أبواب كيفية نزول القرآن)
(باب وقت نزول القرآن وغيره من الكتب السماوية وخوف الصحابة من نزول القرآن فيهم) (عن وائلة بن الأسقع) (٤) أن رسول الله ﷺ قال انزلت صحف ابراهيم ﵇ في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان والانجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان (عن ابن عمر) (٥) قال كنا نتقي كثيرا من الكلام والانبساط الى نسائنا على عهد رسول الله ﷺ مخافة أن ينزل فينا القرآن فلما مات رسول الله ﷺ تكلمنا (باب أول ما نزل من القرآن) (عن عائشة ﵂) (٦)
_________________
(١) وتستمع سوادي حتى أنهاك يقال ساودت الرجل مساودة اذا ساورته قيل هو من ادناء سوادك من سواده أي شخصك من شخصه (١) صاحب السر هو حذيفة بن اليمان كما فسر في الحديث أيضا والظاهر أنه وصف بذلك لأنه أكثر الصحابة سؤالا عن الغيبيات وعلامات الساعة وأحوال الآخرة فقد روى الامام احمد بسند جيد عن حذيفة أنه قال أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة فما من شيء إلا قد سألته إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة وسيأتي في باب ما رواه حذيفة في الفتن من كتاب الفتن وعلامات الساعة (٢) الذي أجير من الشيطان هو عمار بن ياسر كما ذكر في الحديث فقد جاء عن أبي حيثمة بن عبد الرحمن قال جلست الى أبي هريرة وقلت حدثني فقال أبو هريرة ممن أنت؟ قلت من أهل الكوفة قال تسألني وفيكم علماء أصحاب رسول الله ﷺ والمجار من الشيطان عمار بن ياسر رواه ابن عساكر والظاهر ان ابا الدرداء خص هؤلاء الثلاثة بالذكر لأنهم كانوا يقرءون كقراءته والله ﷾ أعلم (٣) جاء عند مسلم فضحك ثم قال هكذا سمعت رسول الله ﷺ (تخريجه) (ق مذ) (باب) (٤) (سنده) حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ثنا عمران أبو العوام عن قتادة عن أبي المليح عن وائلة بن الأسقع الخ (تخريجه) أخرجه البيهقي في شعب الايمان وسنده حسن وأورده الحافظ في الفتح ثم قال وهذا كله مطابق لقوله تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) ولقوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلة القدر) فيحتمل أن يكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة فأنزل فيها جملة الى سماء الدنيا ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول اقرأ باسم ربك (٥) (سنده) حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر الخ (تخريجه) (خ جه) (باب) (٦) (سنده) حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري فذكر حديثا ثم قال قال الزهري
[ ١٨ / ٤٦ ]
قالت أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي (١) الرؤيا الصادقة (٢) في النوم وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل (٣) فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء (٤) فكان يأتي غار حراء (٥) فيتحنث فيه وهو التعبد (٦) الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها (٧) حتى فجئه الحق وهو في غار حراء فجاءه (٨) الملك فيه فقال اقرأ فقال رسول الله ﷺ فقلت ما أنا بقارئ (٩) قال فأخذني فغطني (١٠) حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني (١١) فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق حتى بلغ مالم يعلم (يعني علم الإنسان
_________________
(١) فأخبرني عروة عن عائشة انها قالت أول ما بدئ به الخ (غريبه) (١) يحتمل أن يكون (من) تبعيضية أي من أقسام الوحي ويحتمل أن تكون بيانية ورجحة القزاز (٢) هي التي ليس للشيطان فيها نصيب وبدئ بذلك ليكون تمهيدا وتوطئة لليقظة ثم مهد له في اليقظة ايضا رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر (٣) بنصب مثل على الحال أي مشبهة ضياء الصبح او على أنه صفة لمحذوف أي جاءت مجيئا مثل فلق الصبح والمراد بفلق الصبح ضياؤه وخص بالتشبيه لظهوره الواضح الذي لا شك فيه وانما ابتدئ بالرؤيا لئلا يفاجئ الملك ويأتيه بصريح النبوة فلا تحتمله القوى البشرية (٤) أي الهمه الله تعالى حب الخلاء والخلاء بالمد الخلوة والسر فيه أن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له (٥) بكسر الحاء المهملة والمد اسم جبل معروف بمكة والغار نقب فيه وخص حراء بالتعبد فيه لأنه يرى الكعبة منه وهو عبادة (وقوله فيتحنث) هي بمعنى يتحنف أي يتبعي الحنيفية وهي دين ابراهيم ووقع في رواية ابن هشام في السيرة يتحنف بالفاء والتحنث القاء الحنث وهو الاثم كما قيل يتأثم ويتحرج (٦) وهو التعبد الخ هذه الجملة مدرجة في الحديث وهي من تفسير الزهري كما جزم به الطيبي وفي رواية للبخاري من طريق يونس عن الزهري في التفسير ما يدل على الادراج (قال الحافظ) وقوله الليالي ذوات العدد يتعلق بقوله يتحنث وابهم لاختلافه كذا قيل وهو بالنسبة الى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهل والا فاصل الخلوة عرفت مدتها وهي شهر وذلك الشهر كان رمضان رواه ابن اسحاق (والليالي) منصوبة على الظرف وذوات منصوبة أيضا وعلامة النصب فيه كسر التاء (٧) أي الليالي والتزود استصحاب الزاد ويتزود معطوف على يتحنث وخديجة هي أم المؤمنين بنت خويلد بن أسد بن عبد العزي (وقوله فجئه) بكسر الجيم أي جاءه الأمر الحق بغتة (٨) قال الحافظ هذه الفاء تسمى التفسيرية وليست التعقيبية لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي حتى تعقب به بل هو نفسه ولا يلزم من هذا التقرير أن يكون من باب تفسير الشيء بنفسه بل التفسير عين المفسر به من جهة الاجمال وغيره من جهة التفصيل (٩) ما نافية والياء زائدة لتأكيد النفي أي ما أحسن القراءة (١٠) بغين معجمة وطاء مهملة مشددة والغط حبس النفس ومنه غطه في الماء أو أراد غمنى ومنه الخنق ولأبي داود الطيالسي في مسنده بسند حسن فأخذ بحلقى (وقوله حتى بلغ من الجهد) بفتح الجيم ونصب الدال المهملة أي بلغ الغط مني الجهد أي غاية وسعى فهو مفعول حذف فاعله ويروى الجهد بضم الجيم والدال أي بلغ الجهد مني مبلغه وكذا يقال فيما بعده وهذا الغط ليفرغه عن النظر إلى أمور الدنيا ويقبل بكليته إلى ما يلقى اليه وكرره للمبالغة وقيل الغطة الأولى ليتخلى عن الدنيا والثانية ليتفرغ لما يوحى اليه والثالثة للمؤانسة (١١) اي اطلقني بعد أن قلت ما أنا بقارئ ثلاث مرات
[ ١٨ / ٤٧ ]
ما لم يعلم (١) الحديث ذكر بتهامه في باب بدء الوحي من كتاب السيرة النبوية في قسم التاريخ (عن أبي سلمة) (٢) قال سألت جابرا أي القرآن أنزل قبل؟ فقال يا أيها المدثر (٣) فقلت أو اقرأ؟ فقال جابر أحدثكم ما حدثنا رسول الله ﷺ قال جاورت بحراء (٤) شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي (٥) فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحدا ثم نوديت فظرت فلم أر أحدا ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء (٦) فأخذتني رجفة (٧)
_________________
(١) وعقب كل مرة يغطني ويقول اقرأ وفي الثالثة قال لي (اقرأ باسم ربك) اي لا تقرؤه بقوتك ولا بمعرفتك لكن بحول ربك واعانته فهو يعلمك كما خلقك (١) معناه انه قال (اقرأ باسم ربك الذي خلق) يعني الخلائق كلها (خلق الانسان) يعني ابن آدم (من علق) العلق جمع علقة وهي المنى ينتقل بعد طوره فيصير دما غليظا متجمدا ثم ينتقل طورا آخر فيصير لحما وهي المضعة سميت بذلك لأنها مقدار ما يمضغ (اقرأ) كرره تأكيدا ثم استأنف فقال (وربك الأكرم) أي الحليم عن جهل العباد لا يعجل عليهم بالعقوبة (الذي علم بالقلم) يعني الخط والكتابة (علم الإنسان مالم يعلم) من أنواع الهدى والبيان وقيل علم آدم الأسماء كلها وقيل الانسان هنا محمد لقوله تعالى (وعلمك مالم تكن تعلم) الحديث له بقية وسيأتي بتمامه في باب بدء الوحي من كتاب السيرة النبوية في قسم التاريخ ان شاء الله تعالى وانما ذكرت هذا الطرف منه هنا للاستدلال به على ان اول ما نزل من القرآن (اقرأ باسم ربك الذي خلق - الآيات) (تخريجه) (ق وغيرهما) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره أول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات وهن أول رحمة رحم الله بها العباد وأول نعمة أنعم الله بها عليهم وفيها التنبيه على ابتداء خلق الانسان من علقة وانه من كرمه تعالى أن علم الانسان مالم يعلم فشرفه وكرمه بالعلم وهو القدر الذي امتاز به ابو البرية آدم على الملائكة والعلم تارة يكون في الأذهان وتارة يكون في اللسان وتارة يكون في الكتابة بالبنان ذهني ولفظي ورسمي والرسمي يستلزمهما من غير عكس فلهذا قال (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان مالم يعلم) جل شأن الله (٢) (سنده) حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي انه سمع يحيى ووكيع حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير المعنى قال سألت أبا سلمة (يعني ابن عبد الرحمن) أي القرآن أنزل قبل؟ فقال يا أيها المدثر قال يحيى فقلت لأبي سلمة أو اقرأ؟ فقال سألت جابرا الخ (غريبه) (٣) اصله التدثر أدغمت التاء في الدال أي المتلفف بثيابه عند نزول الوحي عليه (وقوله أو اقرأ) اي اقرأ باسم ربك الذي خلق (٤) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالمد وحكى الأصيلي فتحها والقصر وعزاها في القاموس للقاضي عياض قال وهي لغة وهو مصروف أن اريد المكان وممنوع ان اريد البقعة فهي أربعة التذكير والتأنيث والمد والقصر وكذا حكم قباء وقد نظم بعضهم أحكامهما في بيت فقال (حرا وقبا وانثهما معا * ومد أو قصر واصرفن وامنع الصرفا) وحراء جبل بينه وبين مكه نحو ثلاثة اميال على يسار الذاهب الى منى (٥) معناه انه نزل من الجبل حتى صار في بطن الوادي (٦) جاء في الطريق الثانية فرفعت بصري قبل السماء فاذا الملك الذي جاءني بحراء الآن قاعد على كرسي بين السماء والأرض وهي مفسرة لهذه الرواية والأحاديث يفسر بعضها بعضا والملك هو جبريل ﵇ (٧) أي رعشة واضطراب يقال رجفت يده ارتعشت من مرض أو كبر
[ ١٨ / ٤٨ ]
شديدة فأتيت خديجة فقلت دثروني (١) فدثروني وصبوا علي ماءا فأنزل الله ﷿ (يا أيها المدثر قم فأنذر (٢) وربك فكبر وثيابك فطهر) (وعنه من طريق ثان) (٣) قال اخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ثم فتر الوحي عني فترة (٤) فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك (٥) الذي جاءني بحراء الآن قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجششت (٦) منه فرقا حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي فقلت زملوني زملوني زملوني فزملوني فأنزل الله ﷿ (يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر) قال أبو سلمة الرجز الأوثان ثم حمى الوحي (٧) بعد وتتابع
_________________
(١) ورجفته الحمى أرعدته (١) أي لفوني بالثيات (٢) أي حذر من العذاب من لم يؤمن بك (وربك فكبر) أي عظمه عما يقوله عبدة الأوثان (وثيابك فطهر) قال قتادة ومجاهد نفسك فطهر من الذنب فكنى عن النفس بالثوب وهو قول ابراهيم والضحاك والشعبي والزهري وقال عكرمة سئل ابن عباس عن قوله (وثيابك فطهر) فقال لا تلبسها على معصية ولا على غدر ثم قال أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي (واني بحمد الله لا ثوب فاجر * لبست ولا من غدرة أتقنع) والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء انه طاهر الثياب وتقول لمن غدر إنه لدنس الثياب (٣) (سنده) حدثنا حجاج ثنا ليث ثنا عقيل عن ابن شهاب قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول أخبرني جابر الخ (٤) أي انحبس مدة وقد اختلف في مدة فترة الوحي فقيل ثلاث سنين كما في تاريخ الامام احمد وجزم به ابن اسحاق وفي بعض الاحاديث انه قدر سنتين ونصف (قال الحافظ) وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس ان مدة الفترة المذكورة كانت أياما والله اعلم (٥) يعني جبريل ﵇ وقد استدل بقوله (ثم فتر الوحي عني) (وقوله فإذا الملك الذي جاءني بحراء) على هذه القصة متأخرة عن قصة حراء التي نزل فيها اقرأ باسم ربك (٦) بضم الجيم وكسر المثلثة الأولى وسكون الثانية أي فزعت وخفت وقيل معناه قلعت من مكاني من قوله تعالى اجتثت من فوق الأرض (٧) أي جاء كثيرا (وتتابع) تأكيد معنوي ويحتمل أن يراد بحمى قوي (وتتابع) تكاثر (تخريجه) (ق وغيرهما) وقد اختلف العلماء في أول ما نزل من القرآن على أقوال (أحدها) وهو الصحيح اقرأ باسم ربك وإليه ذهب الجمهور مستدلين بحديث عائشة المذكور أول الباب وبما رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل وصححاه عن عائشة قالت أول سورة نزلت من القرآن اقرأ باسم ربك وبأحاديث أخرى كثيرة وذهب جماعة إلى أن اول ما نزل من القرآن سورة يا أيها المدثر قم فأنذر واستدلوا على ذلك بحديث جابر المذكور في الباب وأجاب الأولون عن هذا الحديث أجوبة أحسنها ان السؤال كان عن نزول سورة كاملة فبين أن سورة المدثر نزلت بكمالها قبل نزول تمام سورة اقرأ فإنها أول ما نزل منها صدرها ويؤيد هذا ما في الطريق الثانية من حديث جابر حيث قال (ثم فتر الوحي عني فترة) وفيه ايضا (فإذا الملك الذي جاءني بحراء الخ) فقوله الملك الذي جاءني بحراء يدل على أن هذه القصة متأخرة عن قصة حراء التي نزل فيها اقرأ باسم ربك (واجابوا أيضا) بأن جابرا استخرج ذلك باجتهاده وليس هو من روايته فيتقدم عليه ما روته عائشة قاله الكرماني وهناك أجوبه غير ذلك لا نطيل الكلام بذكرها وقيل أول ما نزل من القرآن الفاتحة
[ ١٨ / ٤٩ ]
(باب نزول القرآن على سبعة أحرف) (عن أبي بكرة) (١) أن جبريل ﵇ قال يا محمد اقرأ القرآن على حرف (وفي لفظ أن النبي ﷺ قال أتاني جبريل وميكائيل ﵉ فقال جبريل اقرأ القرآن على حرف) قال ميكائيل ﵇ استزده فاستزاده قال اقرأه على حرفين قال ميكائيل استزده فاستزاده حتى بلغ سبعة أحرف (٢) قال كل شاف (٣) كاف ما لم تختم (٤) آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب نحو قولك تعالى (٥) وأقبل وهلم واذهب واسرع وأعجل (عن عمرو بن العاص) (٦) أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال نزل القرآن على سبعة أحرف على اي حرف قرأتم فقد أصبتم فلا تماروا فيه فإن المراء فيه كفر (٧)
_________________
(١) وقيل بسم الله الرحمن الرحيم ذكر هذه الأقوال جميعها وغيرها الحافظ السيوطي في كتابه الاتقان في علوم القرآن (باب) (١) (سنده) حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنا علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة الخ (غريبه) (٢) قال الخطابي اختلف الناس في تفسير قوله (سبعة أحرف) فقال بعضهم يعني الحروف اللغات يريد أنه نزل على سبعة لغات من لغات العرب من أفصح اللغات واعلاها في كلامهم قالوا وهذه اللغات متفرقة في القرآن غير مجتمعة في الكلمة الواحدة والى نحو من هذا أشار ابو عبيد (وقال القتي) لا نعرف في القرآن حرفا يقرأ على سبعة أوجه (وقال ابن الإنباري) هذا غلط وقد وجد في القرآن حروف تصح أن تقرأ على سبعة أحرف منها قوله تعالى (وعبد الطاغوت) وقوله تعالى (أرسله معنا غدا يرتع ويلعب) وذكر وجوهها كأنه يذهب في تأويل الحديث إلى ان بعض القرآن أنزل على سبعة أحرف لا كله (وقد ذكر بعضهم) فيه وجها آخر قال وهو من القرآن أنزل مرخصا للقارئ وموسعا عليه أن يقرأه على سبعة أحرف أي يقرؤه بأي حرف شاء منها على البدل من صاحبه ولو أراد ان يقرأ على معنى ما قاله ابن الانباري لقيل أنزل القرآن بسبعة أحرف فإنما قيل على سبعة أحرف ليعلم انه به هذا المعنى أي كأنه أنزل على هذا من الشرط أو على هذا من الرخصة والتوسعة وذلك لتسهل قراءته على الناس ولو أخذوا بأن يقرءوه على حرف واحد لشق عليهم ولكان ذلك داعية للزهادة فيه وسببا للنفور عنه (وقيل فيه وجه آخر) وهو أن المراد به التوسعة ليس حصر العدد اهـ (قلت) وسيأتي لذلك مزيد بحث في آخر الباب (٣) أي شاف لأمراض القلوب والنفوس (كاف) لكل طالب من أحكام وأخلاق وتبشير وتحذير وغير ذلك (٤) جاء في بعض الروايات مالم تخلط بدل تختم أي بحيث تغير المعنى فهو ممنوع (٥) نحو قولك تعالى وأقبل الخ هذه الأمثلة ترجع إلى قوله (كل شاف كاف) أي يجوز أن تقول هلم بدل اقبل وهكذا اذ كلها بمعنى واحد لكن بشرط ان يصح سنده وان يوافق ما في المصحف الامام الذي أمر عثمان بنسخه وجمع الناس عليه (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه احمد والطبراني بنحوه إلا أنه قال واذهب وادبر وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو سيء الحفظ وقد توبع وبقية رجال احمد رجال الصحيح (٦) (سنده) حدثنا سعيد مولى بني هاشم قال ثنا عبد الله بن جعفر يعني المخرمي قال ثنا يزيد بن عبد الله بن اسامة بن الهاد عن بسر بن سعيد عن ابي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص الخ (٧) (غريبه) تقدم الكلام على المراء في القرآن وانه كفر في الحديث الثالث في الباب الأول من أبواب القراءات وجواز اختلافها صحيفة ٣٨ رقم ٩٣ (تخريجه) لم أقف
[ ١٨ / ٥٠ ]
(عن أبي بن كعب) (١) قال قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها (جاء في رواية وقرأ رجل خلافها) فأتيت النبي ﷺ فقلت ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال بلى فقال ابن مسعود ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ فقال بلى كلاكما محسن مجمل قال فقلت له (٢) فضرب في صدري فقال يا أبي بن كعب اني اقرئت القرآن فقيل لي على حرف (٣) أو على حرفين؟ فقال الملك الذي معى على حرفين فقلت على حرفين فقال على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي على ثلاثة فقلت على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف (٤) ليس منها إلا شاف كاف إن قلت غفورا رحيما أو سميعا عليما أو قلت عليما سميعا فالله كذلك مالم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب (زاد في رواية بعد قوله فضرب في صدري) قال اللهم اذهب عن أبي الشك ففضت عرقا (٥) وامتلأ جوفي فرقا (٦) فقال رسول الله ﷺ يا أبي ان ملكين أتياني (٧) فقال أحدهما اقرأ على حرف فقال الآخر زده فقلت زدني قال اقرأ على حرفين فقال الآخر زده فقلت زدني فقال اقرأ على ثلاثة فقال الآخر زده فقلت زدني فقال اقرأ على أربعة قال الآخر زده قلت زدني قال اقرأ على خمسة أحرف قال الآخر زده قلت زدني قال اقرأ على ستة قال الآخر زده (٨) قال اقرأ على سبعة أحرف (عن حذيفة) (٩) أن رسول الله ﷺ قال لقيت جبريل عند أحجار المراء (١٠) فقلت يا جبريل اني ارسلت إلى أمة أمية (١١)
_________________
(١) عليه لغير الامام احمد وسنده جيد وأورده الهيثمي وسكت عنه وجود الحافظ ابن كثير اسناده وحسنه الحافظ في الفتح (١) (سنده) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا همام عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب الخ (غريبه) (٢) القائل فقلت له هو أبي بن كعب وجاء في رواية أخرى (فقلت بيدي قد أحسنت مرتين) ومعناه انه اشار بيده إلى النبي ﷺ وقال كيف تقول لي قد أحسنت وتقول له قد أحسنت وجاء في رواية عند الطبري فقلت ما كلانا أحسن ولا أجمل قال فضرب النبي ﷺ بيده في صدري ثم قال اللهم اذهب عن ابي الشك إلى آخر ما جاء في الرواية الثانية (٣) القائل على حرف هو جبريل ﵇ كما يستفاد من الحديث السابق (وقوله فقال الملك الذي معي) هو ميكائيل ﵇ كما تقدم في الحديث السابق أيضا (٤) حتى بلغ سبعة أحرف الخ قال في فتح الودود هذا يفيد أنه كما رخص في اللغات السبع كذلك رخص لهم في رءوس الآيات بما يناسب المقام من أسماء الله تعالى من غير تقييد ببعض والله أعلم اهـ (قلت) بشرط ان يصح سنده ويكون موافقا للمصحف الإمام (٥) أي سال عرقي من جميع جسمي استحياءا منه ﷺ (٦) بفتح الراء أي خوفا ورعبا (٧) هما جبريل وميكائيل ﵉ (٨) لم يذكر في الأصل في هذا الموضع (قلت زدني) فاما ان تكون سقطت من الناسخ أو حذفت من الحديث للعلم بها كما تقدم والله أعلم (تخريجه) (م د) بسياق غير هذا والمعنى واحد وللنسائي في اليوم والليلة نحوه ورواه أيضا ابن جرير في تفسيره وسنده جيد (٩) (سنده) حدثنا عفان ثنا حماد يعني ابن سلمة عن عاصم عن زر (يعني ابن حبيش) عن حذيفة (يعني ابن اليمان) الخ (غريبه) (١٠) قال في النهاية هي بكسر الميم قباء فأما المراء بضم الميم فهو داء يصيب النخل (١١) قال تعالى (هو الذي بعث الأميين رسولا منهم) والأمي لا يكتب ولا يقرأ كتابا
[ ١٨ / ٥١ ]
الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لا يقرأ كتابا قط (١) قال في القرآن نزل على سبعة أحرف (٢) (وعنه من طريق ثان) (٣) قال لقى النبي ﷺ جبريل وهو عند أحجار المراء فقال ان امتك يقرءون القرآن على سبعة أحرف فمن قرأ منهم على حرف فليقرأ كما علم ولا يرجع عنه قال أبي (٤) وقال ابن مهدي ان من امتك الضعيف فمن قرأ منهم على حرف فلا يتحول منه إلى غيره رغبة عنه (عن أبي بن كعب) (٥) قال لقى رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المراء (٦) فقال رسول الله ﷺ لجبريل اني بعثت إلى أمة أميين فيهم الشيخ الفاني والعجوز الكبيرة والغلام قال فمرهم فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف (عن سمرة بن جندب) (٧) أن رسول الله ﷺ قال نزل القرآن على سبعة أحرف (عن أم أيوب) (٨) قالت أن رسول الله ﷺ قال نزل القرآن على سبعة أحرف أيها قرأت أجزاك (عن عبادة) (٩) أن أبي بن كعب قال قال رسول
_________________
(١) وقال ﷺ (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) أراد أنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب فهم على جبلتهم الأولى (١) المعنى أني بعثت إلى أمة أميين منهم هؤلاء المذكورون فلو أقرأتهم على قراءة واحدة لا يقدرون عليها (٢) أي رحمة بهم وتيسيرا لهم ليقرأ كل واحد منهم بما تيسر له (٣) (سنده) حدثنا وكيع عن سفيان عن ابراهيم بن مهاجر عن ربعي بن حراش قال حدثني من لم يكذبني يعني حذيفة قال لقى النبي ﷺ جبريل الخ (٤) القائل قال أبي هو عبد الله بن الامام احمد وابن مهدي هو عبد الرحمن بن مهدي قال في رواية أخرى أن من أمتك الخ يحكي قول جبريل ﵇ (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وأورده الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن وقال هذا اسناد صحيح ولم يخرجوه (٥) (سنده) حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن عاصم عن زر (يعني ابن حبيش) عن ابي الخ (غريبه) (٦) بكسر الميم آخره همزة تقدم الكلام عليه في الحديث السابق (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح (٧) (سنده) حدثنا بهز ثنا حماد بن سلمة أنا قتادة عن الحسن عن سمرة الخ (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد واورده الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن وعزاه للامام احمد وقال اسناد صحيح ولم يخرجوه (٨) (سنده) حدثنا سفيان (بن عيينة) ثنا عبيد الله (بن أبي يزيد) عن أبيه عن ام أيوب (يعني امرأة أبي أيوب الأنصارية كما جاء في بعض الروايات) قالت ان رسول الله ﷺ قال نزل القرآن على سبعة أحرف أيها قرأت أجزاك (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن وقال هذا اسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة وعزاه للامام أحمد فقط (قلت) واورده الحافظ الهيثمي وعزاه للطبراني في الكبير قال ورجاله ثقات وغفل عن عزوه للامام احمد (٩) (سنده) حدثنا عفان قال ثنا حماد قال أخبرنا حميد عن أنس عن عبادة (يعني ابن الصامت) ان ابي بن كعب الخ (تخريجه) الحديث سنده صحيح وأورده الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن مطولا ثم قال وقد رواه النسائي من حديث يزيد وهو ابن هارون ويحيى بن سعيد القطان كلاهما عن حميد الطويل عن أنس عن أبي بن كعب وكذا رواه ابن أبي عدي ومحمود بن ميمون الزعفراني ويحيى ابن ايوب كلهم عن حميد به ثم قال وقال ابن جرير ثنا محمد بن مرزوق ثنا أبو الوليد ثنا حماد بن سلمة
[ ١٨ / ٥٢ ]
الله ﷺ انزل القرآن على سبعة أحرف (عن ابن عباس) (١) عن رسول الله ﷺ قال اقرأني جبريل ﵇ على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني فانتهى إلى سبعة أحرف (٢) قال الزهري وانما هذه الأحرف في الأمر الواحد وليس يختلف في حلال ولا حرام (عن أبي هريرة) (٣) قال قال رسول الله ﷺ أنزل القرآن على سبعة أحرف عليما حكيما غفورا رحيما (وفي رواية) عليم حكيم غفور رحيم
_________________
(١) عن حميد عن أنس عن عبادة بن الصامت عن أبي بن كعب قال قال رسول الله ﷺ أنزل القرآن على سبعة أحرف فأدخل بينهما عبادة بن الصامت (١) (سنده) حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) معناه لم أزل أطلب من جبريل أن يطلب من الله الزيادة في الحرف للتوسعة والتخفيف ويسأل جبريل ربه ﷿ فيزيده حتى انتهى إلى السبعة (تخريجه) (ق وغيرهما) (٣) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في الباب الأول من أبواب القراءات وجواز اختلافها صحيفة ٣٩ رقم ٩٥ (تتمة في أقوال العلماء في معنى الأحرف السبعة) (قال العلماء) سبب انزال القرآن على سبعة أحرف التخفيف والتسهيل ولذلك قال النبي ﷺ هون على أمتي كما صرح بذلك في بعض الروايات (واختلف العلماء) في المراد بسبعة أحرف (قال القاضي عياض) قيل هو توسعة وتسهيل لم يقصد به الحصر قال وقال الأكثرون هو حصر للعدد في سبعة ثم قيل هي سبعة في المعاني كالوعد والوعيد والمحكم والمتشابه والحلال والحرام والقصص والأمثال والأمر والنهي ثم اختلف هؤلاء في تبيين السبعة (وقال آخرون) هي في أداء التلاوة وكيفية النطق بكلماتها من ادغام واظهار وتفخيم وترقيق وامالة لأن العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه فيسر الله تعالى عليهم ليقرأ كل انسان بما يوافق لغته ويسهل على لسانه (وقال آخرون) هي الألفاظ والحروف ثم اختلف هؤلاء فقيل سبع قراءات وأوجه (وقال أبو عبيد) سبع لغات العرب يمنها ومعدها وهي أفصح اللغات وأعلاها وقيل بل السبعة لمضر وحدها وهي متفرقة في القرآن غير مجتمعة في كلمة واحدة وقيل بل هي مجتمعة في بعض الكلمات كقوله تعالى وعبد الطاغوت ونرتع ونلعب وباعد بين أسفارنا وبعذاب بئيس وغير ذلك (وقال القاضي أبو بكر الباقلاني) الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله ﷺ وضبطها عنه الأمة وأثبتها عثمان والجماعة في المصحف وأخبروا بصحتها وانما حذفوا منها ما لم يثبت متواترا وان هذه الأحرف تختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى وليست متضاربة ولا متنافية (وذكر الطحاوي) ان القراءة بالأحرف السبعة كانت في أول الأمر خاصة للضرورة لاختلاف لغة العرب ومشقة أخذ جميع الطوائف بلغة فلما كثر الناس والكتاب وارتفعت الضرورة كانت قراءة واحدة قال المازري وأما قول من قال المراد سبعة معان مختلفة كالأحكام والأمثال والقصص فخطأ لأنه ﷺ أشار إلى جواز القراءة بكل واحد من الحروف وابدال حرف بحرف وقد تقرر اجماع المسلمين أنه يحرم ابدال آية أمثال بآية أحكام قال وقول من قال خواتيم الأي فجعل مكان غفور رحيم سميع بصير فاسد أيضا للاجماع على منع تغيير
[ ١٨ / ٥٣ ]
(باب آخر مانزل من سورة القرآن وآياته) (عن البراء) (١) قال آخر سورة نزلت على النبي ﷺ كاملة براءة وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء يستفتونك الخ السورة (٢) (عن جبير بن نفير) (٣) قال دخلت على عائشة فقالت هل تقرأ سورة المائدة؟ قال قلت نعم قالت فإنها آخر سورة نزلت (٤) فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه وسألتها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت القرآن (عن سعيد بن المسيب) (٥) قال قال عمر ﵁ أن آخر ما نزل من القرآن آية الربا (٦) وأن رسول الله ﷺ قبض ولم يفسرها فدعوا الربا
_________________
(١) القرآن للناس هذا مختصر ما نقله القاضي عياض في المسألة والله أعلم (فصل) قال القرطبي قال كثير من علمائنا كالمداووني وابن أبي صفرة وغيرهما هذه القراءات السبع (يعني التي يقرأ الناس اليوم بها) ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها وانما هي راجعة إلى حرف واحد من السبعة وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف ذكره ابن النحاس وغيره (قلت) وزاد بعضهم ان عثمان ﵁ رتب لهم المصاحف الأثمة على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان كان من عمره ﷺ وعزم عليهم ألا يقرءوا بغيرها وأن لا يتعاطوا الرخصة التي كانت لهم فيها سعة لأنها أدنى إلى الفرقة والاختلاف وتكفير بعضهم بعضا كما ألزم عمر بن الخطاب الناس بالطلاق الثلاث المجموعة حين تتابعوا فيها وأكثروا منها قال فلو انا أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم (قال القرطبي) وقد سوغ كل واحد من القراء السبعة قراءة الآخر واجازها وانما اختار القراءة المنسوبة اليه لأنه رآها أحسن وأولى عنده قال وقد أجمع المسلمون في هذه الأمصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة فيما رووه ورأوه من القراءات وكتبوا في ذلك مصنفات واستمر الاجماع على الصواب وحصل ما وعد الله من حفظه الكتاب والله أعلم (باب) (١) (سنده) حدثنا حجين ثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن البراء (يعني ابن عازب) الخ (غريبه) (٢) يريد قوله تعالى يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ان امرء هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وان كانوا أخوة رجالا ونساءا فللذكر مثل حظ الانثيين يبين الله لكم ان تضلوا والله بكل شيء عليم (تخريجه) (ق د نس) (٣) (سنده) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال ثنا معاوية عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير الخ (غريبه) (٤) هذا ينافي ما تقدم في حديث البراء أن آخر سورة نزلت (براءة) ولا منافاة لأن في حديث البراء أن آخر سورة نزلت كاملة براءة فلا ينافي أن المائدة نزلت غير كاملة (تخريجه) (مذ ك) وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي (٥) (سنده) حدثنا يحيى عن ابن أبي عروبة حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب الخ (غريبه) (٦) هذا يعارض ما تقدم في حديث البراء أن آخر آية نزلت خاتمة سورة النساء (يستفتونك) ولا معارضة لأنه يحتمل أن يقال انها آخر آية نزلت باعتبار نزول أحكام الميراث وآية الربا آخر آية نزلت باعتبار أحكام الربا والله أعلم (تخريجه) (جه) وسنده ضعيف لانقطاعه لأن سعيد ابن المسيب لم يدرك عمر لكن يعضده ما رواه البخاري عن ابن عباس قال آخر ما نزل على رسول الله ﷺ آية الربا (وفي الباب) عن أبي بن كعب قال آخر آية نزلت (لقد جاءكم رسول من أنفسكم
[ ١٨ / ٥٤ ]
والريبة (باب معارضة جبريل والنبي ﷺ للقرآن) (عن ابن عباس) (١) قال كان رسول الله ﷺ يعرض (٢) الكتاب على جبريل ﵇ في كل رمضان (٣) فإذا أصبح رسول الله ﷺ من الليلة التي يعرض فيها ما يعرض أصبح وهو أجود من الريح المسلة (٤) لا يسئل عن شيء إلا اعطاه فلما كان في الشهر الذي هلك (٥) بعده عرض عليه عرضتين (٦) عن مجاهد
_________________
(١) الآية) رواه (حم ك) وصححه وسيأتي في آخر تفسير سورة التوبة (وأخرج مسلم) عن ابن عباس قال آخر سورة نزلت (اذا جاء نصر الله والفتح) قال البيهقي يجمع بين هذه الاختلافات ان صحت ان كل واحد أجاب بما عنده (وقال القاضي) أبو بكر في الانتصار هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ وكل ما قاله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن ويحتمل أيضا أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب والله أعلم (تنبيه) قال الحافظ السيوطي في كتابه الاتقان في علوم القرآن بعد ذكر آثار كثيرة في آخر ما نزل من القرآن ما نصه من المشكل على ما تقدم قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها وقد صرح بذلك جماعة منهم السدي فقال لم ينزل بعدها حلال ولا حرام مع أنه ورد في آية الربا والدين والكلالة أنها نزلت بعد ذلك وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال الأولى أن يتأول على أنه أكمل لهم دينهم باقرارهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون لا يخالطهم المشركون ثم أيده بما أخرجه من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال كان المشركون والمسلمون فلما نزلت براءة نفى المشركون عن البيت وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين فكان ذلك من تمام النعمة (وأتممت عليكم نعمتي) والله أعلم (باب) (١) (سنده) حدثنا يعلي حدثنا محمد بن اسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) بكسر الراء من العرض وهو بفتح العين وسكون الراء أي يقرأ والمراد يستعرضه ما أقرأه اياه والمعارضة مفاعلة من الجانبين كأن كلا منهما كان تارة يقرؤ والآخر يستمع (والكتاب) هو القرآن (٣) يعني مرة كما يستفاد من الحديث التالي خص بذلك رمضان من بين الشهور لأن ابتداء الايحاء كان فيه ولهذا يستحب دراسة القرآن وتكراره فيه ومن ثم كثر اجتهاد الأئمة في تلاوة القرآن (٤) أي المطلقة فهو من الاحتراس لأن الريح منها العقيم الضار ومنها المبشر بالخير فوصفها بالمرسلة ليعين الثاني قال تعالى (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات) فالريح المرسلة تستمر مدة ارسالها وكذا كان عمله ﷺ في رمضان ديمة لا ينقطع وفيه استعمال أفعل التفضيل في الاسناد الحقيقي والمجازي لأن الجود منه ﷺ حقيقة ومن الريح مجاز فبمجموع ماذكر من رمضان ومدارسة القرآن وملاقات جبريل يتضاعف جوده لأن الوقت موسم الخيرات ونعم الله على عباده تربو فيه غيره وانما دارسه بالقرآن في كل سنة مرة لكي يتقرر عنده ويرسخ أتم رسوخ فلا ينساه وكان هذا انجاز وعده تعالى لرسوله ﷺ حيث قال له (سنقرئك فلا تنسى) (٥) اي توفي بعده يعني آخر رمضان من حياته ﷺ (٦) انما عرضه في هذا العام عرضتين ليبقى ما بقى ويذهب ما نسخ توكيدا واستثباتا وحفظا ولهذا اسر النبي ﷺ إلى فاطمة كما في رواية للبخاري
[ ١٨ / ٥٥ ]
(عن ابن عباس) (١) قال قال (٢) أي القراءتين كانت أخيرا؟ أقراءة عبد الله (يعني ابن مسعود) أو قراءة زيد؟ (٣) قال قلنا قراءة زيد قال لا ألا إن رسول الله ﷺ كان يعرض القرآن على جبريل كل عام مرة فلما كان في العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين وكان آخر القراءة قراءة عبد الله (٤) (ومن طريق ثان) (٥) عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال أي القراءتين تعدون أول؟ قالوا قراءة عبد الله قال لا بل هي الآخرة كان يعرض القرآن على رسول الله ﷺ في كل عام مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عرض عليه مرتين فشهد عبد الله فعم ما نسخ منه وما بدل (عن أبي هريرة) (٦) قال كان يعرض (يعني جبريل) على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم القرآن في كل سنة مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عرض عليه مرتين (٧)
_________________
(١) أن جبريل يعارضني بالقرآن كل سنة (يعني مرة) وانه عارضني العام مرتين ولا أراده (بضم الهمزة أي أظنه) إلا حضر أجلي (تخريجه) (مذ) في الشمائل وأخرجه الشيخان بسياق غير هذا والمعنى واحد (١) (سنده) حدثنا محمد بن سابق حدثنا اسرائيل عن ابراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) يعني ابن عباس (٣) يعني ابن ثابت (٤) يعني ابن مسعود ﵁ وفيه منقبة لعبد الله بن مسعود وان قراءته من أثبت القراءات لأنه حضر العرضة الأخيرة فعلم ما ثبت منه وما نسخ كما في الطريق الثانية والله أعلم (٥) (سنده) حدثنا يعلى ومحمد المعنى قالا حدثنا الأعمش عن ابي ظبيان الخ (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه (حم بز) ورجال احمد رجال الصحيح وذكر ان في الصحيح بعضه يشير إلى الحديث السابق (٦) (سنده) حدثنا يحيى بن اسحاق أخبرني أبو بكر يعني ابن عياش قال ثنا أبو حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة الخ (غريبه) (٧) تقدم ذكر الحكمة في تكرار العرض في السنة الأخيرة (وقال الحافظ) ويحتمل أن يكون السر في ذلك أن رمضان من السنة الأولى لم يقع فيه مدارسة لوقوع ابتداء النزول في رمضان ثم فتر الوحي ثم تتابع فوقعت المدارسة في السنة الأخيرة مرتين ليستوى عدد السنين والعرض اهـ (تخريجه) (خ د نس جه) (وفي أحاديث الباب) تعظيم شهر رمضان غير ما تقدم في كتاب الصيام لاختصاصه بابتداء نزول القرآن فيه ثم معارضته ما نزل منه فيه ويلزم من ذلك كثرة نزول جبريل فيه وفي كثرة نزوله من توارد الخيرات والبركات ما لا يحصى ويستفاد منها أيضا أن فضل الزمان انما يحصل بزيادة العبادة (وفيها) أن مداومة التلاوة توجب زيادة الخير (وفيها) استحباب تكثير العبادة في آخر العمر ومذاكرة الفاضل بالخير والعلم وان كان هو لا يخفى عليه ذلك لزيادة التذكرة والاتعاظ (وفيها) ان ليل رمضان أفضل من نهاره وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم لأن الليل مظنة ذلك لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية ويحتمل أنه كان يقسم ما نزل من القرآن في كل سنة على ليالي رمضان اجزاءا فيقرء كل ليلة جزءا في جزء من الليلة والسبب في ذلك ما كان يشتغل به في كل ليلة من سوى ذلك من تهجد بالصلاة ومن راحة بدن ومن تعاهد أهل ولعله كان يعيد ذلك الجزء مرارا بحسب تعدد الحروف المأذون في قراءتها ولتستوعب بركة القرآن جميع الشهر ولوا التصريح بأنه كان يعرضه مرة واحدة وفي السنة الأخيرة عرضه مرتين لجاز أنه كان يعرض جميع ما نزل عليه كل ليلة ثم يعيده في بقية الليالي أفاده الحافظ
[ ١٨ / ٥٦ ]
(باب جواز نسخ بعض القرآن والدليل على ذلك) (عن ابن عباس) (١) قال قال عمر على أقضانا (٢) وأبي أقرؤنا (٣) وإنا لندع كثيرا من لحن أبي (٤) وأبي يقول سمعته من رسول الله ﷺ (وفي رواية أخذت من فم رسول الله ﷺ) فلا ادعه لشيء (٥) والله ﵎ يقول (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها (٦) أو مثلها) (وعنه من طريق ثان) (٧) قال خطبنا عمر ﵁ على منبر رسول الله ﷺ فقال علي أقضانا وأبي أقرؤنا وإنا لندع من قول أبي شيئا وان أبيا سمع من رسول الله ﷺ أشياء وأبي يقول لا أدع ما سمعت رسول الله ﷺ وقد نزل بعد أبي كتاب (٨) (ز) (عن أبي بن كعب) (٩) قال صلى بنا النبي ﷺ الفجر
_________________
(١) (باب) (١) (سنده) حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) أي أعلمنا بالقضاء يعني علي بن أبي طالب ﵁ (٣) أي لكتاب الله تعالى وأبي هو ابن كعب ﵁ (٤) معناه انا نترك شيئا كثيرا من قول أبي أي من قراءته مما نسخ من كتاب الله ﷿ (٥) اي كان لا يقول بنسخ تلاوة شيء من القرآن لكونه لم يبلغه النسخ فرد عليه عمر بقوله والله ﵎ يقول (ما ننسخ من آية أو ننسها) بضم النون وكسر المهملة فإنه يدل على ثبوت النسخ في البعض (والنسخ لغة) الإزالة أو النقل من غير إزالة ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بتلاوتها أو الحكم المستفاد منهما أو بهما جميعا فمثال نسخ قراءتها وابقاء حكمها نحو (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) والحكم فقط نحو (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) والحكم والتلاوة نحو (عشر رضعات يحرمن) فقد روى مسلم والشافعي في مسنده عن عائشة (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخت بخمس) (ويكون بلا بدل) كالصدقة امام نجواه ﷺ (وبيدل) مماثل كالقبلة (وأخف) كعدة الوفاة (وأثقل) كنسخ التخيير بين صوم رمضان والفية قال تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية) والله أعلم وقوله تعالى (أو ننسها) قرأ أبو عمرو وابن كثير (أو ننسأها) بفتح النون والسين والهمزة أي نؤخر نزولها أو نسخها وقيل نذهبها عنكم حتى لا تقرء ولا تذكر وقرأ الباقون (ننسها) بضم النون من النسيان الذي بمعنى الترك (قال أهل اللغة والنظر) ان معنى أو ننسها نبح لك تركها من نسى إذا ترك ثم تعدية قال أبو علي وغيره ذلك متجه لأنه بمعنى تجعلك تتركها وقيل من النسيان على بابه الذي هو عدم الذكر على معنى أو ننسكها يا محمد فلا تذكرها (٦) أي بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم لا أن ىية خير من آية لان كلام الله واحد وكله خير (وقوله تعالى أو مثلها) أي في المنفعة والثواب فكل ما نسخ إلى الأيسر فهو أسهل في العمل وما نسخ إلى الأشق فهو في الثواب أكثر (٧) (سنده) حدثنا سويد بن سعيد في سنة ست وعشرين ومائتين ثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خطبنا عمر الخ (٨) يعني قرآنا لم يبلغه (تخريجه) (خ) قال القسطلاني هذا الحديث موقوف وأخرجه الترمذي عن أنس مرفوعا وجاء عند البغوي مرفعا أيضا (أقضى أمتي علي بن أبي طالب) (٩) (ز) (سنده) حدثنا يحيى بن داوود الواسطي ثنا اسحاق بن يوسف الأزرق عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن زر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب الخ
[ ١٨ / ٥٧ ]
وترك آية فجاء أبي وقد فاته بعض صلاة فلما انصرف (١) قال يا رسول الله نسخت هذه الآية أو أنيستها؟ (٢) قال لا بل أنسيتها (٣) (باب ذكر آيات كانت في القرآن ونسخت) (ز) (عن زر بن حبيش) (٤) عن أبي بن كعب ﵁ قال كم تقرءون (٥) سورة الأحزاب؟ قال بضعا وسبعين آية قال لقد قرأتها مع رسول الله ﷺ مثل البقرة أو أكثر منها وان فيها آية الرجم (وعنه من طريق ثان) (٦) (ز) عن أبي أيضا قال قال لي ابي بن كعب كأين (٧) تقرأ سورة الأحزاب أو كأين (٨) تعدها؟ قال قلت له ثلاثا وسبعين آية (٩) فقال قط لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة ولقد قرأنها فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فاجموهما البتة نكالا من الله والله عليم حكيم (١٠) (عن كثير بن الصلت) (١١) قال كان ابن العاص (١٢) وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف فمروا على هذه الآية فقال زيد سمعت رسول الله ﷺ يقول الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البته (١٣) فقال عمر لما أنزلت هذه أتيت رسول الله ﷺ فقلت اكتبنيها قال شعبة (١٤) فكأنه
_________________
(١) (غريبه) (١) أي فلما انصرف أبي من صلاته قال يا رسول الله الخ (٢) يعني انساك الله إياها (٣) من النسيان الذي بمعنى الترك أي أباح الله له تركها وقيل من النسيان الذي هو عدم الذكر والله أعلم (تخريجه) الحديث من زوائد عبد الله بن الامام احمد على مسند أبيه ولم أقف عليه لغيره ورجاله كلهم ثقات (باب) (٤) (سنده) (ز) حدثني وهب بن بقية أنا خالد بن عبد الله الصحابي عن يزيد بن أبي زياد عن زر بن جحيش الخ (غريبه) (٥) أي كم آية تقرءون الخ (٦) (سنده) (ز) حدثنا خلف بن هشام ثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زر قال قال لي ابي بن كعب الخ (٧) هو بمعنى كم كما تقدم في الطريق الأولى وكقوله تعالى (وكأين من دابة لا تحمل رزفها) (٨) أو للشك من الراوي ومعناه كم تعدها (٩) جاء في الطريق الأولى بضعا وسبعين آية والبضع في العدد بالكسر وقد يفتح ما بين الثلاث إلى التسع وقيل ما بين الواحد إلى العشر لأنه قطعة من العدد وبينت هذه الرواية أن المراد به الثلاث (وقوله فقال قط) قال في المصباح وقط بالسكون بمعنى حسب وهو الاكتفاء بالشيء اهـ وفي النهاية قال وسئل زر بن حبيش عن عدد سورة الأحزاب فقال إما ثلاثا وسبعين أو أربعا وسبعين فقال اقط بألف الاستفهام أي احسب (١٠) هذه الآية نسخت تلاوتها وبقي حكمها (اقرأ باب دليل رجم الزاني المحصن متنا وشرحا في الجزء السادس عشر صحيفة ٨١ من كتاب الحدود) (تخريجه) (ك) وصححه وأقره الذهبي وأورده الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الأحزاب وعزاه للامام احمد قال ورواه النسائي من وجه آخر عن عاصم وهو ابن أبي النجود وهو أبو بهدلة به وهذا اسناد حسن وهو يقتضي أنه قد كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضا والله أعلم اهـ (قلت) يعني بالقرآن الذي نسخ لفظه وحكمه غير آية الرجم أما آية الرجم فقد نسخ لفظها وبقي حكمها كما تقدم (١١) (سنده) حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن كثير بن الصلت الخ (غريبه) (١٢) هو سعيد بن العاص (١٣) ليس الحكم قاصرا على الشيخ والشيخة وهما من بلغا سن الشيخوخة بل العبرة بالاحصان سواء كانا شيخان أو شابان وانما خص الشيخ والشيخة بالذكر باعتبار الغالب لأنهما غالبا يكونا قد أحصنا أي سبق لهما زواج (١٤) شعبة أحد رجال السند يحكي قول عمر لأن القائل (فكأنه كره ذلك) هو عمر ﵁ فقد جاء
[ ١٨ / ٥٨ ]
كره ذلك فقال عمر ألا ترى أن الشيخ اذا لم يحصن (١) جلد وان الشاب اذا زنا وقد أحصن (٢) (عن عائشة زوج النبي ﷺ) (٣) قالت لقد أنزلت آية الرجم ورضعات الكبير عشرا (٤) فكانت في ورقة تحت سرير في بيتي (٥) فلما اشتكى رسول الله ﷺ تشاغلنا بأمره ودخلت دويبة (٦) لنا فأكلتها (ز) (عن زر) (٧) عن أبي بن كعب قال قال رسول الله ﷺ إن الله ﵎ أمرني أن أقرأ عليك (٨) قال فقرأ علي لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب (٩) والمشركين منفكين (١٠) حتى تأتيهم البينة (١١) رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة (١٢) وما تفرق الذين أوتو الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة إن الدين عند الله الحنيفية (١٣)
_________________
(١) عند الحاكم بلفظ (فقال عمر لما نزلت) أتيت النبي ﷺ فقلت اكتبها فكأنه كره ذلك (١) أي لم يسبق له زواج (٢) أي إن سبق له زواج رجم (قال الحافظ) فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها اهـ قال الحافظ السيوطي (قلت) وخطر لي في ذلك نكتة حسنة وهو أن سببه التخفيف على الأمة بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف وان كان حكمها باقيا لأنه أثقل الأحكام وأشدها وأغلظ الحدود وفيه الاشارة إلى ندب الستر اهـ (تخريجه) (ك) وصححه وأقره الذهبي (٣) (سنده) حدثنا يعقوب قال ثنا أبي عن ابن اسحاق قال حدثني عبد الله بن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي ﷺ الخ (غريبه) (٤) فيه دلالة على أن حكم الرضاع في الكبير كان بعشر مرات ولا يلزم منه أن يكون الحكم في الصغير ذلك (٥) تعني هذه الآيات القرآنية بعد أن نسخت تلاوتها كانت مكتوبة في صحيفة تحت سريرها ولم ترد أنه كان مقروءا بعد إذا القول به يوجب وقوع التغيير في القرآن وهو خلاف النص أعني قوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) (٦) تصغير دابة وجاء عند ابن ماجه (دخل داجن فأكلها) والداجن هي الشاة يعلفها الناس في منازلهم وقد يقع على غير الشاة من كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها (تخريجه) (جه) وسنده صحيح ورجاله ثقات (٧) (سنده) (ز) حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري ثنا مسلم بن قتيبة ثنا شعبة عن عاصم بن بهدلة عن زر (يعني ابن حبيش) عن أبي بن كعب الخ (غريبه) (٨) انما خص ابي بقراءة النبي ﷺ عليه للتنويه به في أنه أقرؤ الصحابة فإذا قرأ عليه ﷺ مع عظيم منزلته كان غيره أولى بطريق التبع له (٩) قال الحافظ ابن كثير وانما قرأ عليه ﷺ هذه السورة تثبيتا له وزيادة لإيمانه لأنه كان أنكر على ابن مسعود قراءة شيء من القرآن على خلاف ما أقرأه رسول الله ﷺ فاستقرأهما ﷺ وقال لكل منها أصبت قال ابي فأخذني الشك وضرب ﷺ في صدره قال ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا وأخبره ﷺ أن جبريل أتاه فقال إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف رواه (حم نس د م) (وتقدم في باب أنزل القرآن على سبعة أحرف) فلما نزلت هذه السورة قرأها النبي ﷺ قراءة إبلاغ وإنذار لا قراءة تعلم واستذكار اهـ (١٠) أي منفصلين عن كفرهم وشركهم يقال فككت الشيء فانفك أي انفصل (١١) أي الحجة الواضحة وهو القرآن (١٢) أي في الصحف آيات وأحكام (قيمة) أي عادلة مستقيمة غير ذات عوج (١٣) الحنيف
[ ١٨ / ٥٩ ]
غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيرا فلن يكفره (١) قال شعبة (٢) ثم قرأ آيات بعدها ثم قرأ لو أن لابن آدم واديين من مال لسأل واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب قال ثم ختمها بما بقي منها (٣) (وعنه من طريق ثان) (٤) عن أبي بن كعب أيضا قال ان رسول الله ﷺ قال ان الله ﵎ أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال فقرأ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب قال فقرأ فيها ولو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه لسأل ثانيا فأعطيه لسأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب وان ذلك الدين القيم عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيرا فلن يكفره (عن أبي واقد الليثي) (٥) ﵁ قال كنا نأتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذا انزل عليه فيحدثنا فقال لنا ذات يوم ان الله ﷿ قال إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وايتاء الزكاة (٦) ولو كان لابن آدم واد (٧) لأحب أن يكون إليه ثان ولو كان له واديان لأحب أن يكون اليهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم (٨) إلا التراب ثم يتوب الله على من تاب
_________________
(١) عند العرب من كان على دين إبراهيم ﵇ والحنف الميل أي المائل إلى الاسلام الثابت عليه (١) أي فلن يعدم ثوابه بل يجازي عليه (٢) شعبة أحد رجال السند يقول ثم قرأ آيات بعدها ثم قرأ لو أن لابن آدم الخ كل هذا نسخ تلاوة وحكما (٣) يعني قوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) الخ السورة لم يدخلها نسخ لا قراءة ولا حكما اما قوله ان الدين عند الله الحنيفية إلى قوله ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب فهذا منسوخ تلاوة وحكما والله أعلم (٤) (سنده) حدثنا محمد ابن جعفر وحجاج قالا ثنا شعبة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال ان رسول الله ﷺ الخ (تخريجه) الطريق الأولى من زوائد عبد الله بن الامام احمد على مسند أبيه ولذا رمزت لها بحرف (ز) والطريق الثانية رواية الامام احمد وأخرجه أيضا الحاكم وصححه وأقره الذهبي وروى الامام احمد والشيخان والترمذي والنسائي من طريق شعبة ايضا سمعت قتادة يحدث عن أنس ابن مالك قال قال رسول الله ﷺ لابي بن كعب ان الله أمرني أن اقرأ عليك (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) قال وسماني لك؟ قال نعم فبكى وسيأتي هذا الحديث وغيره في تفسير سورة لم يكن وانما بكى أبي من شدة الفرح بهذه البشرى العظيمة وفيه منقبة عظيمة لأبي بن كعب ﵁ (٥) (سنده) حدثنا أبو عامر ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد الليثي الخ (غريبه) (٦) معناه انما أنزل المال ليستعان به على إقامة حقوق الله ﷿ لا للتلذذ والتمتع كما تأكل الأنعام فإذا خرج المال عن هذا المقصود فات الغرض والحكمة التي أنزل لأجلها وكان التراب أولى به فرجع هو والجوف الذي امتلأ بمحبته وجمعه إلى التراب الذي هو أصله فلم ينتفع به صاحبه ولا انتفع به الجوف الذي امتلأ به (٧) أي من مال وجاء في الحديث التالي (لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة) (٨) أي بطنه كما جاء في الحديث التالي وفي رواية (ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب) وليس المراد عضوا بعينه والغرض من العبادات كلها واحد وهو من التفنن في العبارة والمراد بابن آدم
[ ١٨ / ٦٠ ]
(عن زيد بن أرقم) (١) قال لقد كنا نقرأ على عهد رسول الله ﷺ لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لا ابتغى إليهما آخر ولا يملأ بطن ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب (عن يزيد بن الاصم عن ابن عباس) (٢) قال جاء رجل إلى عمر ﵁ يسأله فجعل ينظر إلى رأسه مرة وإلى رجليه أخرى هل يرى عليه من البؤس شيئا ثم قال له عمر كم مالك؟ قال أربعون من الابل قال ابن عباس فقلت صدق الله ورسوله لو كان لابن آدم واديان من ذهب لا ابتغى الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب فقال عمر ما هذا؟ فقلت هكذا اقرأنيها أبي (بن كعب) قال فمر بنا إليه قال فجاء إلى أبي فقال ما يقول هذا؟ قال أبي هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ قال أفأثبتها أفأثبتها (٣) (عن أنس بن مالك) (٤) قال ما وجد رسول الله ﷺ على سرية ما وجد عليهم كانوا يسمون القراء قال سفيان نزل فيهم (بلغوا قومنا عنا أنا قد رضينا ورضى عنا) قيل لسفيان فيمن نزلت؟ قال في أهل بئر معونة (ومن طريق ثان عن أنس أيضا) قال إنا قرأنا بهم قرآنا (بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا) ثم رفع ذلك بعد قال ابن جعفر ثم نسخ (٥)
_________________
(١) الجنس باعتبار طبعه والا فكثير منهم يقنع بما أعطى ولا يطلب زيادة لكن ذلك عارض له من الهداية إلى التوبة كما يشير إليه قوله (ثم يتوب الله على من تاب) والمعنى ان ابن آدم لا يزال حريصا على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قربه (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح (١) (سنده) حدثنا محمد بن عبيد وأبو المنذر قالا ثنا يوسف بن صهيب قال ثنا المنذر في حديثه قال حدثني حبيب بن يسار عن زيد بن أرقم الخ (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه (حم طب بز) ورجالهم ثقات (٢) (سنده) حدثنا أبو معاوية عن أبي اسحاق الشيباني عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس الخ (غريبه) (٣) انما أثبتها عمر ﵁ لأجل الخبر فقط أما تلاوتها فقد نسخت (تخريجه) أخرج الشيخان المرفوع منه ورجاله عند الامام أحمد كلهم ثقات (٤) هذا الحديث تقدم بطريقيه وسنده وشرحه وتخريجه في الباب الأول من أبواب القنوت من كتاب الصلاة في الجزء الثالث صحيفة ٢٩٦ (وقوله ما وجد رسول الله ﷺ على سرية ما وجد عليهم) أي ما حزن رسول الله ﷺ على قتل سرية مثل ما حزن على شهداء بئر معونة لأنهم كانوا من خواص الصحابة وقرائهم ﵃ (٥) قال في الروض الأنف (فان قيل) هو خبر والخبر لا ينسخ (قلنا) لم ينسخ منه الخبر وانما نسخ الحكم فإن حكم القرآن أن يتلى في الصلاة ولا يمسه إلا طاهر ويكتب بين اللوحين وتعلمه فرض كفاية فما نسخ رفعت عنه هذه الأحكام وان بقى محفوظا فهو منسوخ فان تضمن حكما جاز أن يبقى ذلك الحكم معمولا به وان تضمن خبرا بقى ذلك الخبر مصدقا به وأحكام التلاوة منسوخه عنه كما نزل (لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب) ويروى ولا يملأ عيني ابن آدم وفم ابن آدم وكلها في الصحاح وكذا روى من مال فهذا خبر حق والخبر لا ينسخ وانما نسخت أحكام تلاوته قال وكانت هذه الآية في سورة يونس بعد قوله تعالى
[ ١٨ / ٦١ ]
(باب ما جاء في وعيد من جادل بالقرآن أو تأوله أو قال فيه برأيه من غير علم) (عن ابن عباس) (١) قال قال رسول الله ﷺ من قال في القرآن بغير علم (٢) فليتبوأ مقعده من النار (عن عائشة) (٣) قالت قرأ رسول الله ﷺ (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات) (٤) هن أم الكتاب (٥) وأخر متشابهات (٦) فأما الذين في قلوبهم زيغ (٧) فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة (٨) وابتغاء تأويله (٩) وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون (١٠) في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر (١١) إلا أولو الألباب (١٢) فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله ﷿ (١٣) فاحذروهم (عن عقبة بن عامر) (١٤) قال قال رسول الله ﷺ انما أخاف على أمتي الكتاب واللبن قال قيل يا رسول الله ما بال الكتاب؟ قال يتعلمه المنافقون ثم يجادلون به الذين آمنوا فقيل وما بال اللبن؟ قال أناس يحبون اللبن فيخرجون من الجماعات ويتركون
_________________
(١) (كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) كما قاله ابن سلام اهـ (باب) (١) (سنده) حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عبد الأعلى الثعلبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) أي بغير دليل يقيني أو ظني نقلي أو عقلي مطابق للشرعي قاله القارى وقال المناوي أي قولا يعلم أن الحق غيره وقال في مشكلة بما لا يعرف (فليتبوأ مقعده من النار) أي ليهيء مكانه من النار قيل الأمر للتهديد والوعيد وقيل الأمر بمعنى الخبر (قال الحافظ) وأحق الناس بما فيه من الوعيد قوم من أهل البدع سلبوا لفظ القرآن مادل عليه وأريد به أو حملوه على مالم يدل عليه ولم يرد به في كلا الأمرين مما قصدوا نفيه أو اثباته من المعنى فهم مخطئون في الدليل والمدلول اهـ باختصار (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح قال في تحفة الأحوذي وأخرجه أحمد والنسائي وابن جرير اهـ (قلت) وفي اسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي قال في الخلاصة قال أحمد ضعيف وفي التهذيب قال النسائي ليس بقوي ويكتب حديثه وقال ابن عدي قد حدث عنه الثقات (٣) (سنده) حدثنا اسماعيل قال أنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة الخ (غريبه) (٤) أي واضحات الدلالة (٥) أي أصله العتمد عليه في الأحكام (٦) أي لا تفهم معانيها كأوائل السور وجعله كله محكما في قوله (أحكمت آياته) بمعنى انه ليس فيه عيب ومتشابها في قوله (كتابا متشابها) بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق (٧) أي ميل عن الحق (٨) أي طلب الفتنة لجهالهم بوقوعهم في الشبهات واللبس (٩) أي تفسيره (١٠) أي الثابتون المتمكنون في العلم مبتدأ خبره (يقولون آمنا به) أي بالمتشابه أنه من عند الله ولا نعلم معناه (١١) بتشديد الذال المعجمة مفتوحة وأصله يتذكر أدغمت التاء في الذال تخفيفا أي يتعظ (١٢) أي أصحاب العقول (١٣) أي بقوله تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ) الخ فاحذروهم أي لا تجالسوهم ولا تكالموهم أيها المسلمون والمقصود التحذير من الاصغاء إلى الذين يتتبعون المتشابه من القرآن وأول ما ظهر ذلك من اليهود كما ذكره ابن اسحاق في تأويلهم الحروف المقطعة وان عددها بالجمل مقدار مدة هذه الأمة ثم أو ل ما ظهر في الاسلام من الخوارج حتى جاء ابن عباس أنه فسر بهم الآية وقصة عمر في انكاره على ضبيع لما بلغه أن يتبع المتشابه وضربه على رأسه حتى أدماه أخرجها البخاري وغيره والله أعلم (تخريجه) (ق د مذ جه) (١٤) (سنده) حدثنا حسن بن موسى قال ثنا ابن لهيعة
[ ١٨ / ٦٢ ]
الجمعات (١) (وعنه أيضا) (٢) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول هلاك أمتي في الكتاب واللبن قالوا يا رسول الله ما الكتاب واللبن؟ قال يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله ﷿ ويحبون اللبن فيدعون الجماعات والجمع ويبدون (٣) (وعنه أيضا) (٤) ان رسول الله ﷺ قال إني أخاف على أمتي اثنتين القرآن واللبن أما اللبن فيبتغون الريف ويتبعون الشهوات ويتركون الصلوات وأما القرآن فيتعلمه المنافقون فيجادلون به المؤمنين (عن أبي سعيد الخدري) (٥) قال كنا جلوسا ننتظر رسول الله ﷺ فخرج علينا من بعض بيوت نسائه قال فقمنا معه فانقطعت نعله فتخلف عليها علي ﵁ يخصفها (٦) فمضى رسول الله ﷺ ومضينا معه ثم قام ينتظره وقمنا معه فقال إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت (وفي رواية كما قاتل) على تنزيله فاستشرفنا (٧) وفينا أبو بكر وعمر رضي الله ﵎ عنهما فقال لا ولكنه خاصف النعل فجئنا نبشره قال وكأنه قد سمعه (٨)
(باب ما جاء في الاستعاذة قبل القراءة وقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن (٩) فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم)
_________________
(١) قال ثنا أبو قبيل قال سمعت عقبة بن عامر الخ (غريبه) (١) أي يتركون الأمصار ويسكنون البوادي لتوفر اللبن فيها فيحرمون من الجماعات والجمعات (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه احمد وفيه ابن لهيعة وفيه كلام اهـ (قلت) فيه كلام اذا عنعن وقد صرح بالتحديث في هذا الحديث فحديثه حسن (٢) (سنده) حدثنا أبو عبد الرحمن (يعني عبد الله بن يزيد المقري) ثنا ابن لهيعة عن ابي قبيل قال لم أسمع من عقبة بن عامر الا هذا الحديث قال ابن لهيعة وحدثنيه يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخيرعن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (٣) أي يخرجون إلى البدو (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه (حم عل) وفيه ابن لهيعة وقال أبو قبيل لم أسمع من عقبة إلا هذا الحديث (٤) (سنده) حدثنا زيد بن الحياب حدثني أبو السمح حدثني أبو قبيل أنه سمع عقبة بن عامر يقول ان رسول الله ﷺ الخ (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الامام أحمد وسنده حسن (٥) (سنده) حدثنا حسين بن محمد ثنا فطر عن اسماعيل بن رجاء الزبيدي عن أبيه قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول كنا جلوسا الخ (غريبه) (٦) أي يخرزها من الخصف الضم والجمع (نه) (٧) أي قطعنا وتوقعنا أنه يريد أبا بكر أو عمر (فقال لا ولكنه خاصف النعل) يعني عليا ﵁ فإنه قاتل الكفار مع النبي ﷺ عند تكذيبهم بالقرآن واعتقادهم أنه من عند غير الله وقولهم أساطير الأولين اكتتبها وقالوا غير ذلك وقاتل الخوارج على تأويل القرآن بغير ما أراده الله ﷿ وهذا من دلائل النبوة وفيه منقبة عظيمة لعلي ﵁ (٨) جاء في رواية أخرى فأتيته لأبشره قال فلم يرفع به رأسا كأنه قد سمعه أي لم يظهر الفرح بذلك كأنه قد سمعه قبل أن نبشره فلم تحصل مفاجأة بالبشرى والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة (باب) (٩) أي فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ الخ كقوله (اذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا الخ) وقوله (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) أي المرجوم قال تعالى (ولقد زينا
[ ١٨ / ٦٣ ]
(عن أبي أمامة الباهلي) (١) قال كان نبي الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاث مرات ثم قال لا إله إلا الله ثلاث مرات وسبحان الله وبحمده ثلاث مرات ثم قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزة ونفخة ونفثة (وعن أبي سعيد الخدري) (٢) بأطول من هذا وفيه ثم يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزة ونفخة ونفثة (عن سليمان ابن صرد) (٣) قال سمع النبي ﷺ رجلين وهما يتقاولان (٤) وأحدهما قد غضب واشتد غضبه وهو يقول (٥) فقال النبي ﷺ اني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه الشيطان (٦) قال فأتاه رجل فقال قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (٧) قال هل تر بأسا؟ (٨) قال ما زاده على ذلك (٩) (باب ما جاء في البسملة قبل القراءة وفضلها) (عن أبي تميمة الهجيمي) (١٠) عن ردف النبي ﷺ أو من حدثه عن ردف النبي ﷺ أنه كان ردفه (خلفه على ظهر الدابة) فعثرت به دابته فقال
_________________
(١) السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) وهذا أمر ندب ليس بواجب حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير الطبري وغيره من الأئمة والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته ويختلط عليه ويمنعه من التدبر والتفكر قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ولهذا ذهب الجمهور الى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة وحكى عن حمزة وأبي حاتم السجستاني انها تكون بعد التلاوة واحتجا بهذه الآية ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن ابي هريرة أيضا ومحمد بن سيرين وابراهيم النخعي والصحيح الأول اهـ (قلت) وأحاديث الباب تؤيد ما ذهب اليه الأولون (١) (هذا الحديث) تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب دعاء الافتتاح والتعوذ قبل القراءة من كتاب الصلاة في الجزء الثالث صحيفة ١٧٨ رقم ٥٠٥ (٢) (هذا الحديث) تقدم أيضا بسنده وشرحه وتخريجه في الباب المشار اليه آنفا في الجزء الثالث أيضا صحيفة ١٧٧ رقم ٥٠٤ فارجع اليه أما لفظ الاستعاذة فهو أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كما في حديث أبي أمامة أو أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم كما في حديث أبي سعيد (أما قوله من همزه نفخه ونفثه) فقد فسر العلماء همزه بالموتة بضم الميم والموتة الجنون (ونفخه) الكبر (ونفثه) الشعر والاستعاذة بالله هي الاعتصام به (٣) (سنده) حدثنا حفص بن غياث قال ثنا الأعمش عن عدي بن ثابت الأنصاري عن سليمان بن صرد الخ (غريبه) (٤) أي يستبان كما في رواية البخاري أي يسب بعضهما بعضا (٥) أي يسب ويشتم صاحبه والظاهر أنه زاد في السب والشتم عن صاحبه لشدة غضبه (٦) لم يذكر النبي ﷺ الكلمة التي أشار اليها في هذه الرواية وذكرها البخاري في روايته فقال (لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد) أي لأن الغضب من نزغات الشيطان قال تعالى (واما ينزعنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) (٧) في سنن ابي داود ان الذي قال له ذلك معاذ ابن جبل (٨) أي هل تر بي جنونا كما جاء في رواية البخاري (٩) الظاهر انه لم يقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ظنا منه أنه لا يستعيذ من الشيطان إلا من به جنون ولم يعلم أن الغضب نوع من مس الشيطان قال النووي هذا كلام من لم يفقه في دين الله ولم يتهذب بأنوار الشريعة المطهرة ولعله كان من المنافقين أو من جفاة الأعراب والله أعلم (تخريجه) (ق د) والنسائي في اليوم والليلة (باب) (١٠) (سنده) حدثنا يزيد أنا سفيان عن عاصم الأحول عن أبي تميمة الهجيمي الخ
[ ١٨ / ٦٤ ]
تعس الشيطان (١) فقال لا تفعل فإنه يتعاظم اذا قلت ذلك حتى يصير مثل الجبل ويقول بقوتي صرعته واذا قلت باسم الله تصاغر حتى يكون مثل الذباب (عن أم سلمة ﵂) (٢) أنها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت كان يقطع قراءته آية آية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين (أبواب التفسير وأسباب النزول وفضائل السور والآيات مرتبا على ذلك على نظام السور) (باب سورة الفاتحة وما ورد في فضلها) (عن أبي هريرة) (٣) قال خرج رسول الله ﷺ على أبي بن كعب وهو يصلي فقال يا أبي فالتفت فلم يجبه ثم صلى أبي فخفف ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ فقال السلام عليك أي (٤) رسول الله قال وعليك قال ما منعك أي أبي إذ دعوتك ان تجيبني؟ قال أي رسول الله كنت في الصلاة قال أفلست تجد فيما أوحى الله إلى أن استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم؟ (٥) قال قال بلى أي رسول الله لا أعود قال أتحب أن أعلمك سورة لم تنزل في التوراة ولا في الزبور ولا في الانجيل ولا في الفرقان مثلها؟ قال قلت نعم أي رسول الله فقال رسول الله ﷺ اني لأرجو أن لا تخرج من هذا الباب حتى تعلمها قال فأخذ رسول الله ﷺ يحدثني وأنا اتبطأ مخافة أن يبلغ قبل أن يقضي الحديث فلما أن دنونا من الباب قلت أي رسول الله ما السورة التي وعدتني؟ قال فكيف
_________________
(١) (غريبه) (١) تعس بفتح أوله وكسر ثانيه من باب فرح اذا عثر وانكب لوجهه وقد تفتح العين وهو دعاء عليه بالهلاك (تخريجه) أخرجه النسائي في اليوم والليلة وابن مردويه في تفسيره من حديث خالد الحذاء عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي المليح بن أسامة بن عمير عن أبيه قال كنت رديف النبي ﷺ فذكره وأورده النووي في كتابه الأذكار وصححه وفيه فضل البسملة وأن الشيطان يتصاغر عند ذكرها وذلك من تأثير بركتها ولهذا تستحب في كل عمل مشروع كما ورد في الحديث (كل امر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع) أي ناقص وقليل البركة فالمشروع ذكر اسم الله في الشروع في العمل تبركا وتيمنا واستعانة على الاتمام ولهذا روى ابن جرير وبان أبي حاتم من حديث بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال أول ما نزل به جبريل على محمد ﷺ قال يا محمد قل أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قال قل بسم الله الرحمن الرحيم قال قال له جبريل بسم الله يا محمد يقول اقرأ بذكر الله ربك وقم واقعد بذكر الله تعالى هذا لفظ ابن جرير ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢) (عن ام سلمة الخ) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه وكلام العلماء في حكم البسملة في باب ما جاء في البسملة عند قراءة الفاتحة من كتاب الصلاة في الجزء الثالث صحيفة ١٨٨ رقم ٥١٩ فارجع اليه تجد ما يسرك (باب) (٣) (سنده) حدثنا عفان قال ثنا عبد الرحمن بن ابراهيم ثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة الخ (غريبه) (٤) أي حرف نداء بمعنى يا رسول الله (٥) أي الى ما يحييكم من أمر الدين لأنه سبب الحياة الأبدية قال الطيبي وغيره من الشافعية دل الحديث على أن اجابة الرسول ﷺ لا تبطل الصلاة كما أن خطابه بقول السلام عليك أيها النبي لا تقطعها
[ ١٨ / ٦٥ ]
تقرأ في الصلاة؟ قال فقرأت عليه أم القرآن (١) قال قال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الانجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها وإنها للسبع من (٢) المثاني (زاد في رواية) بلفظ (إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت (٣) (وعنه أيضا) (٤) عن النبي ﷺ قال في أم القرآن هي أم القرآن وهي السبع الثاني وهي القرآن العظيم (٥) (وعنه من طريق ثان) (٦) عن رسول الله ﷺ قال الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب (٧) والسبع
_________________
(١) يعني الفاتحة وسميت بذلك لاحتوائها واشتمالها على مافي القرآن اجمالا أو المراد بالأم الأصل فهي أصل قواعد القرآن ويدور عليها أحكام الايمان (٢) يحتمل أن تكون من بيانية أو تبعيضية وفي هذا تصريح بأن المراد بقوله تعالى (ولقد آتيناك سبعا من المثاني) هي الفاتحة وقد روى النسائي باسناد صحيح عن ابن عباس ان السبع المثاني هي السبع الطوال أي السور من أول البقرة آخر الاعراف ثم براءة وقيل يونس وعلى الأول فالمراد بالسبع الآي لا، الفاتحة سبع آيات وهو قول سعيد بن جبير واختلف في تسميتها مثاني فقيل لأنها تثنى في كل ركعة أي تعاد وقيل لأنها يثنى بها على الله تعالى وقيل لأنها استثنيت لهذه الأمة لم تنزل على من قبلها والله أعلم (٣) قيل هو من اطلاق الكل على الجزء للمبالغة (قال الخطابي) فيه دلالة على أن الفاتحة هي القرآن العظيم وان الواو ليست بالعاطفة التي تفصل بين الشيئين وانما هي التي تجيء بمعنى التفصيل كقوله تعالى (فاكهة ونخل ورمان) وقوله (وملائكته ورسوله وجبريل وميكال) اهـ قال الحافظ وفيه بحث لاحتمال أن يكون قوله والقرآن العظيم محذوف الخبر والتقدير ما بعد الفاتحة مثلا فيكون وصف الفاتحة انتهى بقوله هي السبع المثاني ثم عطف قوله (والقرآن العظيم) أي ما زاد على الفاتحة وذكر ذلك رعاية لنظم الآية ويكون التقدير والقرآن العظيم هو الذي ونيته زيادة على الفاتحة (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح اهـ وقال المنذري - الترغيب رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم باختصار عن أبي هريرة عن أبي وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم (قلت) وأقره الذهبي (٤) (سنده) حدثنا يزيد بن هارون وهاشم بن القاسم عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ انه قال في أم القرآن الخ (غريبه) (٥) تقدم الكلام على معنى هذا الحديث في شرح الحديث السابق (٦) (سنده) حدثنا اسماعيل بن عمر قال ثنا ين أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ الخ (٧) جاء في البخاري وسميت أم الكتاب أنه يبدء بكتابتها في المصاحف ويبدء بقراءتها في الصلاة قال القسطلاني هذا كلام أبو عبيد في المجاز وكره أنس والحسن وابن سيرين تسميتها بذلك قال الأولان انما ذلك اللوح المحفوظ (وأجيب) بأن في حديث أبي هريرة (يعني حديث الباب) قال قال رسول الله ﷺ الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب صححه الترمذي لكن قال السفاقسي هذا التعليل مناسب لتسميتها بفاتحة الكتاب لا بأم الكتاب وقد ذكر بعض المحققين أن السبب في تسميتها أم الكتاب اشتمالها على كليات المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى وهو ظاهر ومن التعبد بالأمر والنهي وهو في إياك نعبد لأن معنى العبادة قيام العبد بما تعبد به وكلفه من امتثال الأوامر والنواهي وفي الصراط المستقيم أيضا ومن الوعد والوعيد وهو في الذين أنعمت عليهم وفي المغضوب عليهم وفي يوم الدين أي الجزاء أيضا واما كانت الثلاثة أصول مقاصد
[ ١٨ / ٦٦ ]
المثاني (عن أبي سعيد المعلى) (١) قال كنت أصلي فمر بي رسول الله ﷺ فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيته فقال ما منعك أن تأتيني؟ فقلت اني كنت أصلي قال ألم يقل الله ﵎ (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) ثم قال ألا أعلمكم أعظم سورة في القرآن (٢) قبل أن أخرج من المسجد قال فذهب رسول الله ﷺ ليخرجه فذكرته فقال الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته (عن عبد الله بن جابر) (٣) قال قال لي رسول الله ﷺ الا اخبرك يا عبد الله بن جابر بخير سورة في القرآن؟ قلت بلى يا رسول الله قال اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها (ز) (عن أبي هريرة) (٤) عن أبي بن كعب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما أنزل الله في التوراة ولا في الانجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني (٥) وهي مقسومة بيني وبين عبدي (٦) ولعبدي ما سأل
_________________
(١) القرآن لأن الغرض الأصلي الارشاد إلى المعارف الإلاهية وما به نظام المعاش وتجاه المعاد والاعتراض بأن كثيرا من السور كذلك يندفع بعدم المساواة لأنها فاتحة الكتاب وسابقة السور وقد اقتصر مضمونها على كليات المعاني الثلاثة بالترتيب على وجه اجمالي لأن أولها ثناء وأوسطها تعبد وآخرها وعد ووعيد ثم يصير ذلك مفصلا في سائر السور فكانت منها بمنزلة مكة من سائر القوى على ما ورد من أنها مهدت ارضها ثم دحيث الأرض من تحتها فتستأهل أن تسمى أم القرآن كما سميت مكة أم القرى اهـ (تخريجه) (خ د مذ) (١) (سنده) حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى الخ (غريبه) (٢) أي لعظم قدرها بالخاصية التي لم يشاركها فيها غيرها من السور لاشتمالها على فوائد ومعان كثيرة مع وجازة ألفاظها واستدل به على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض وهو محكي عن أكثر العلماء منهم ابن راهويه وابن العربي ومنع من ذلك الأشعري والباقلاني وجماعة لأن المفضول ناقص عن درجة الأفضل وأسماء الله تعالى وصفاته وكلامه لا نقص فيها (وأجيب) بأن التفضيل انما هو بمعنى أن ثواب بعضه أعظم من بعض فالتفضيل انما هو من حيث المعنى لا من حيث الصفة (تخريجه) (خ د نس جه) وقد وقع لابي بن كعب مثل هذه القصة وهو الحديث الأول من أحاديث الباب قال الحافظ جمع البيهقي بأن القصة وقعت لأبي بن كعب ولأبي سعيد بن المعلى قال ويتعين المصير إلى ذلك لاختلاف مخرج الحديثين واختلاف سياقهما (٣) (عن عبد الله بن جابر) هذا طرف من حديث طويل تقدم بطوله وسنده وشرحه وتخريجه في باب ما يفعل المصلي والمتخلي إذا سلم أحد عليهما من كتاب السلام والاستئذان في الجزء السابع عشر صحيفة ٣٣٥ رقم ١٦ وانما ذكرت هذا الجزء منه هنا لمناسبة الترجمة (٤) (سنده) (ز) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير قال ثنا أبو أسامة عن عبد الحميد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة الخ (٥) زاد في رواية أخرى من رواية عبد الله بن الامام احمد أيضا (والقرآن العظيم الذي أوتيت بعد) قال عبد الله (يعني ابن الامام احمد) سألت أبي عن العلاء بن عبد الرحمن وسهيل بن أبي صالح فقدم العلاء على سهيل وقال لم أسمع أحدا ذكر العلاء بسوء وقال أبو عبد الرحمن (يعني بعد الله بن الامام احمد) وابن أبي صالح أحب إلي من العلاء اهـ (٦) جاء معنى هذه القسمة في حديث أبي هريرة وتقدم في باب
[ ١٨ / ٦٧ ]
(باب المغضوب عليهم والضالين) (حدثنا عبد الرزاق) (١) ثنا معمر عن بديل العقيلي أخبرني عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع النبي ﷺ وهو بوادي القرى (٢) وهو على فرسه وسأل رجل من بني القين (٣) فقال يا رسول الله من هؤلاء (٤) قال المغضوب عليهم وأشار إلى اليهود فقال فمن هؤلاء؟ قال هؤلاء الضالون يعني النصارى قال وجاء رجل فقال استشهد مولاك أو قال غلامك فلان (٥) قال بل هو يجر إلى النار في عباءة غلها (٦) (عن عدي بن حاتم الظائي) (٧) أن رسول الله ﷺ قال (إن المغضوب عليهم اليهود) وإن (الضالين) النصارى
_________________
(١) تفسير سورة الفاتحة من كتاب الصلاة في الجزء الثالث صحيفة ١٩٠ رقم ٥٢٠ وفيه قال أبو هريرة اقرءوا يقول فيقول العبد الحمد لله رب العالمين فيقول الله حمدني عبدي ويقول العبد الرحمن الرحيم فيقول الله أثنى على عبدي فيقول العبد مالك يوم الدين فيقول الله مجدني عبدي ويقول هذه بيني وبين عبدي يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال أجدها لعبدي ولعبدي ما سأل قال يقول عبدي اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين يقول الله ﷿ هذا لعبدي ولعيدي ما سأل (تخريجه) (مذ نس) وقال الترمذي حديث حسن غريب (باب) (١) (حدثنا عبد الرزاق الخ) (غريبه) (٢) قال يا قوت في معجمه هو واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى والنسبة إليه وادي وإليه نسب عمر الوادي وفتحها النبي ﷺ سنة سبع عنوة ثم صولحوا على الجزية (٣) قال في القاموس والقين قرية باليمن من قرى عثر (بفتح العين وتشديد المثلثة مفتوحة) ونبات قين ماء وبلقين أصله بنو القين والنسبة قيني (٤) يشير إلى سكان وادي القرى (٥) أي مات مقتولا في سبيل الله (٦) أي سرقها من الغنيمة قبل القسمة وهذا يفيد أنه ليس بشهيد بل يعذب بسبب سرقته (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه كله احمد ورجال الجميع رجال الصحيح اهـ (قلت) وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره ثم قال وقد رواه الجريري وعروة وخالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق فأرسلوه ولم يذكروا من سمع النبي ﷺ ووقع في رواية عروة تسمية عبد الله ابن عمرو فالله أعلم قال وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بذيل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر قال سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم؟ قال اليهود قلت الضالين؟ قال النصارى وقال السدى عن ابي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ (غير المغضوب عليهم) هم اليهود (ولا الضالين) هم النصارى وقال الضحاك وابن جرير عن ابن عباس (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) النصارى وكذلك قال الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد وقال ابن أبي حاتم ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافا وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون الحديث المتقدم ثم ذكر ما ورد في لعنهم وغضب الله عليهم من كتاب الله ﷿ هذا وتقدم تفسير سورة الفاتحة في الجزء الثالث في باب تفسير سورة الفاتحة من كتاب الصلاة صحيفة ١٩١ و١٩٢ (٧) هذا طرف من حديث طويل سيأتي بتمامه وسنده وشرحه وتخريجه في ترجمة عدي بن حاتم الطائي في حرف العين من كتاب فضائل الصحابة ان شاء الله تعالى وهو حديث حسن وأورده الحافظ ابن كثير
[ ١٨ / ٦٨ ]
(باب سورة البقرة وما جاء في فضلها) (عن أبي أمامة) (١) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول اقرءوا (وفي رواية تعلموا) القرآن فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة اقرءوا الزهراوين (٢) البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان (٣) أو كأنهما غيابتان (٤) أو كأنهما فرقان (٥) من طير صواف يحاجان عن أهلهما (٦) ثم قال اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة (٧) (عن النواس بن سمعان الكلابي) (٨) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يؤتي بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به وتقدمهم سورة البقرة وآل عمران وضرب لهم رسول الله ﷺ بثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال كأنهما غمامتان أو ظلمتان سوداوان (٩) بينها شرق أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما (١٠) (عن عبد الله بن بريدة عن أبيه) (١١) قال كنت جالسا عند النبي ﷺ فسمعته يقول تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة قال ثم مكث ساعة ثم قال تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنها غمامتان أو غيابيان أو فرقان من طير صواف وان القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب (١٢) فيقول له هل تعرفني؟ فيقول ما أعرفك فيقول له هل تعرفني؟ فيقول ما أعرفك فيقول أنا صاحبك القرآن الذي اظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك وان كل تاجر من وراء تجارته (١٣)
_________________
(١) في تفسيره وقال قد روى حديث عدي هذا من طرق وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها اهـ (باب) (١) (سنده) حدثنا عبد الملك بن عمرو ثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن سلام عن أبي أمامة الخ (غريبه) (٢) تثنية الزهراء تأنيث الأزهر وهو المضيء الشديد الضوء سميتا زهراوين لكثرة أنوار الأحكام الشرعية والأسماء الحسنى العلية (٣) أي سحابتان تظلان صاحبهما عن حر الموقف (٤) هو كل شيء أظل الانسان فوق رأسه كالسحابة وغيرها (٥) بكسر الفاء وسكون الراء أي جماعتان من طير صواف جمع صافة وهي من الطيور ما يبسط أجنحتها في الهواء قال تعالى (صافات ويقبضن) (٦) أي تدافعان الجحيم والزبانية وهو كناية عن المبالغة في الشفاعة (٧) بالتحريك أي السحرة عبر عن السحرة بالبطلة لأن أفعالهم باطلة أي لا يستطيعون حفظها وقيل لا يستطيعون النفوذ في قارئها والله أعلم (تخريجه) (م) في الصلاة وزاد قال معاوية (يعني ابن سلام) بلغني ان البطلة السحرة (٨) (سنده) حدثنا يزيد ابن عبد ربه ثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير قال سمعت النواس بن سمعان الكلابي يقول سمعت رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (٩) أي لكثافتهما وارتكام البعض منهما على بعض وذلك من المطلوب في الظلال (وقوله بينهما شرق) بفتح الشين المعجمة وسكون الراء بعدها قاف أي ضوء (١٠) تقدم تفسير هذه الجملة في الحديث السابق (تخريجه) (م مذ) (١١) (سنده) حدثنا أبو نعيم ثنا بشير بن المهاجر حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كنت جالسا عند النبي ﷺ فسمعته يقول الخ (غريبه) (١٢) الشاحب المتغير اللون والجسم لعارض من مرض أو سفر ونحوهما وقد شحب يشحب شحوبا (١٣) أي يبتغي الربح من وراء تجارته
[ ١٨ / ٦٩ ]
وأنك اليوم من وراء كل تجارة (١) فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله ويرضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا (٢) فيقولان بم كسبنا هذه؟ فيقال بأخذ ولدكما القرآن ثم يقال له اقرأ واصعد في درجة الجنة وغرفها فهو في صعود ما دام يقرأ هذا (٣) كان أو ترتيلا (عن معقل بن يسار) (٤) ان رسول الله ﷺ قال البقرة سنام (٥) القرآن وذروته ونزل مع كل آية منها ثمانون ملكا واسخرجت (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) من تحت العرش فوصلت بها أو (٦) فوصلت بسورة البقرة ويس قلب القرآن (٧) لا يقرؤها رجل يريد الله ﵎ والدار الآخرة إلا غفر له واقرءوها على موتاكم (عن أبي هريرة) (٨) قال لا تجعلوا بيوتكم مقابر (٩) فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرء فيه سورة البقرة (التفسير وأسباب النزول) (باب أتجعل فيها من يفسد فيها وقصة هاروت وماروت) (عن عبد الله بن عمر) (١٠) انه سمع نبي الله ﷺ يقول إن آدم ﵇ لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة أي رب (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك (١١) قال إني أعلم مالا تعلمون) قالوا وإنا نحن أطوع لك من بني آدم قال الله تعالى
_________________
(١) معناه وأن ربحك اليوم أعظم من ربح كل تجارة (٢) أي لا يمكن أهل الدنيا تحديد قيمتها (٣) أي سواء كانت القراءة هذا بتشديد المعجمة اي بسرعة أو ترتيل (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للامام احمد وقال وروى ابن ماجة من حديث بشير بن المهاجر بعضه وهذا اسناد حسن على شرط مسلم فإن بشيرا هذا خرج له مسلم ووثقه ابن معين وقال النسائي ما به بأس إلا أن الامام احمد قال فيه هو منكر الحديث قد اعتبرت أحاديثه فإذا هي تأتي بالعجب وقال البخاري يخالف في بعض حديثه وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه ولا يحتج به وقال ابن عدي روى مالا يتابع عليه وقال الدارقطني ليس بالقوى قال الحافظ ابن كثير ولكن لبعضه شواهد فمن ذلك حديث أبي أمامة (يعني الحديث الأول من أحاديث الباب) فذكره وقال رواه مسلم والترمذي وذكر أحاديث أخرى تؤيده (٤) (سنده) حدثنا عارم ثنا معتمر عن أبيه عن رجل عن أبيه عن معقل بن يسارالخ (غريبه) (٥) السنام بفتح السين المهملة هو من كل شيء أعلاه وفي شعر حسان (وان سنام المجد من آل هاشم * بنو نبت مخزوم ووالدك) أي اعلى المجد ومنه سنام البعير لأنه أعلاه (وذروته) بكسر الذال العجمة هي أعلى سنام البعير (٦) أو للشك من الراوي (٧) قلب كل شيء لبه وخالصه (تخريجه) أورده المنذري وقال رواه احمد عن رجل عن معقل وروى ابو داود والنسائي وابن ماجه منه ذكر يس اهـ (قلت) في اسناده عند الامام احمد مجهولان الرجل المبهم وأبوه (٨) (سنده) حدثنا ابراهيم بن خالد حدثنا ربح عن معمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة الخ (غريبه) (٩) فيه الحث على قراءة القرآن في البيوت خصوصا سورة البقرة فإن الشيطان يفر الخ (تخريجه) أورده المنذري وقال رواه (م نس مذ) (التفسير وأسباب النزول الخ) (باب) (١٠) (سنده) حدثنا يحيى بن بكير حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن عبد الله بن عمر الخ (غريبه) (١١) هذا جواب من الملائكة لقوله تعلى (اني جاعل في الأرض خليفة) أي يخلفني في تنفيذ أحكامي فيها وهو آدم (قالوا أتجعل فيها)
[ ١٨ / ٧٠ ]
للملائكة هلموا ملكين (١) حتى نهبطهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان قالوا ربنا هاروت وماروت فأهبطنا إلى الأرض ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر (٢) فجاءتهما فسألاها نفسها فقالت لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك فقالا لا والله لا نشرك بالله شيئا أبدا فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها فقالت لا والله حتى تقتلا هذا الصبي فقالا لا والله لا نقتله أبدا فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله فسألاها نفسها فقالت لا والله
_________________
(١) من يفسد فيها) بالمعاصي (ويسفك الدماء) يريقها بالقتل كما فعل بنو الجان وكانو فيها فلما أفسدوا أرسل الله عليهم الملائكة فطردوهم إلى الجزائر والجبال ذكره ابن جرير عن ابن عباس (ونحن نسبح) أي متلبسين (بحمدك) أي نقول سبحان الله وبحمده (ونقدس لك) ننزهك عما لا يليق بك فاللام زائدة والجملة حال أي فنحن أحق بالاستخلاف (قال) تعلى (اني أعلم ما لا تعلمون) من المصلحة في استخلاف آدم وان ذرتيه فيهم المطيع والعاصي فيظهر العدل بينهم (١) اي اختاروا ملكين من أفضلكم فاختاروا هاروت وماروت (٢) هذا يفيد ان الله ﷿ مثل لهما كوكب الزهرة في صورة امرأة من أحسن النساء ويؤيده رواية ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس انهما قالا وانزلت الزهرة اليهما في صورة امرأة من أهل فارس يسمونها بيذخت لكن جاء في بعض الروايات عن ابن عباس ما يفيد انها امرأة حقيقية حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب فالله اعلم (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للامام احمد ثم قال وهكذا رواه ابو حاتم وابن حبان في صحيحه عن الحسن عن سفيان عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن بكير به وهذا حديث غريب من هذا الوجه ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين إلا موسى بن جبير هذا وهو الانصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء وروى له أبو داود وابن ماجه وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل ولم يحك فيه شيئا من هذا ولا هذا فهو مستور الحال وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر عن النبي ﷺ وروى له تابع من وجه آخر عن نافع كما قال ابن مردويه حدثنا دعلج بن احمد حدثنا هشام بن علي بن هشام حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا سعيد بن سلمة حدثنا موسى بن سرجس عن نافع عن ابن عمر سمع النبي ﷺ يقول فذكره بطوله (قلت) ثم ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى له طرقا أخرى عن ابن عمر عن النبي ﷺ ثم قال (وأقرب ما يكون في هذا) أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار لاعن النبي ﷺ كما قال عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب الاحبار قال ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب فقيل لهم اختاروا منكم اثنين فاختاروا هاروت وماروت فقال لهما اني ارسل إلى بني آدم رسلا وليس بيني وبينكم رسولا انزلا لا تشركا بي شيئا ولا تزنيا ولا تشربا الخمر قال كعب فوالله ما أمسيا من يومهما الذي اهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه رواه ابن جرير من طريقين عن عبد الرزاق به ورواه ابن أبي حاتم عن احمد بن عصام عن مؤمل عن سفيان الثوري به ورواه ابن جرير ايضا حدثني المثنى أخبرنا المعلى وهو ابن أسد اخبرنا عبد العزيز بن الختار عن موسى بن عقبة حدثني سالم انه سمع عبد الله يحدث يحدث عن كعب الاحبار فذكره فهذا اصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الاسنادين المتقدمين وسالم
[ ١٨ / ٧١ ]
حتى تشربا هذا الخمر فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبي فلما أفاقا قالت المرأة والله ما تركتما شيئا أبيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا
_________________
(١) اثبت في أبيه من مولاه نافع فدار الحديث ورجع الى نقل كعب الاحبار عن كتب بني اسرائيل والله أعلم (ثم ذكر الحافظ ابن كثير) ﵀ جملة آثار وردت في ذلك عن الصحابة ثم قال (وأقرب ما ورد في ذلك) ما قال ابن أبي حاتم أخبرنا عصام بن رواد أخبرنا آدم أخبرنا أبو جعفر حدثنا الربيع بن أنس عن قيس بن عباد عن ابن عباس ﵄ قال لما وقع الناس من بعد آدم ﵇ فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله قالت الملائكة في السماء يا رب هذا العالم الذي انما خلقتهم لعبادتك وطاعتك وقد وقعوا فيما وقعوا فيه وركبوا الكفر وقتل النفس وأكل المال الحرام والزنا والسرقة وشرب الخمر فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم فقيل انهم في غيب فلم يعذروهم فقيل لهم اختاروا من أفضلكم ملكين آمرهما وانهاهما فاختارا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض وجعل لهما شهوات بني آدم وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئا ونهيا عن قتل النفس الحرام وأكل المال الحرام وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر فلبثا في الأرض زمانا يحكمان بين الناس بالحق وذلك في زمن ادريس ﵇ وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب وانهما أتيا عليها فخضعا لها في القول وأراداها عن نفسها فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها فسألاها عن دينها فأخرجت لهما صنما فقالت هذا أعبده فقالا لا حاجة لنا في عبادة هذا فذهبا فعبرا ما شاء الله ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها ففعلت مثل ذلك فذهبا ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما اختارا أحد الحلال الثلاث اما أن تعبدا هذا الصنم واما أن تقتلا هذه النفس واما ان تشربا هذه الخمر فقالا كل هذا لا ينبغي وأهون هذا شرب الخمر فأخذت فيهما فواقعا المرأة فخشيا ان يخبر الانسان عنهما فقتلاه فلما ذهب عنهما السكر وعلما ما وقعا به من الخطيئة أرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا وحيل بينهما وبين ذلك وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه فعجبوا كل العجب وعرفوا انه من كان في غيب فهو أقل خشية فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض فقيل لهما اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة؟ فقالا أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له فاختارا عذاب الدنيا فجعلا ببابل فهما يعذبان (قال الحافظ ابن كثير) وقد رواه الحاكم في مستدركه مطولا عن ابي زكريا العنبري عن محمد بن عبد السلام عن اسحاق بن راهوية عن حكام بن مسلم الرازي وكان ثقة عن أبي جعفر الرازي به ثم قال صحيح الاسناد ولم يخرجاه فهذا أقرب ما روى في شأن الزهرة والله أعلم قال وقد روى في قصة هاروت وماروت جماعة من التابعين كمجاهد والسدى والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن انس ومقاتل بن حيان وغيرهم وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني اسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا اطناب فيها فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال اهـ (قال العلامة) السيد محمد رشيد رضا في تعليقه على هذه القصة قال هذا هو الحق وجميع تلك الروايات
[ ١٨ / ٧٢ ]
(باب ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) (عن أبي هريرة) (١) عن النبي ﷺ في قوله ﷿ (ادخلوا الباب سجدا) (٢) قال ادخلوا زحفا (٣) (وقولوا حطة) (٤) قال بدلوا (٥) فقالوا حنطة في شعرة (باب من كان عدوا لجبريل الخ) (عن ابن عباس) (٦) قال أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا يا أبا القاسم انا نسألك عن خمسة أشياء فان أنبأتنا بهن عرفنا انك نبي واتبعناك فأخذ عليهم ما أخذ اسرائيل (٧) على بنيه إذ قال الله على ما نقول وكيل (٨) قال هاتوا قالوا خبرنا عن علامة النبي؟ قال تنام عيناه ولا ينام قلبه قالوا خبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر (٩) قال يلتقي الماءان فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت واذا علا ماء المرأة ماء الرجل آنثت قالوا أخبرنا ما حرم اسرائيل على نفسه؟ قال كان يشتكي عرق النسا فلم يجد شيئا يلائمه إلا البان كذا وكذا قال أبي (١٠) قال بعضهم يعني الإبل فحرم لحومها قالوا صدقت قالوا أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال ملك من ملائكة الله ﷿ موكل بالسحاب بيده أو في يده مخراق (١١) من نار يزجر به
_________________
(١) من خرافات اليهود التي كانوا يغشون بها المسلمين واذا كان بعض الصحابة قد صدق بعضها فلا عجب اذا اكثر التابعون القول فيها وشوه المفسرون كتبهم بها قال ومن المحقق ان هذه القصة لم تذكر في كتب اليهود المقدسة فإن لم تكن وضعت في زمن روايتها فهي من الكتب الخرافية ورحم الله ابن كثير الذي بين لنا ان الحكاية خرافة اسرائيلية وان الحديث المرفوع لا يثبت اهـ والله اعلم (باب) (١) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم ثنا ابن مبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة الخ (غريبه) (٢) قال البغوي أي ركعا خضعا منحنين وقال وهب فاذا دخلتموه فاسجدوا شكر لله تعالى اهـ وذلك انهم لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ﵇ وفتح الله تعالى عليهم بيت المقدس عشية جمعة وقد حبست لهم الشمس قليلا حتى أمكن الفتح قيل لهم ادخلوا الباب سجدا (٣) هكذا بالأصل (قال ادخلوا زحفا) والظاهر انه وقع فيه تحريف من الناسخ وصوابه (قال فدخلوا زحفا) ويؤيد ذلك رواية البخاري قال (فدخلوا يزحفون على أستاهم) بفتح الهمزة وسكون المهملة أي أوراكهم (٤) قال قتادة أي حطمنا خطايانا أمروا بالاستغفار وقال ابن عباس لا إله إلا الله لأنها تحط الذنوب ورفعها على تقدير مسألتنا حطة (٥) أي غيروا السجود بالزحف وقالوا (حنطة) بكسر الحاء وسكون النون (في شعرة) بفتحات بدل أن يقولوا حطة قالوا ذلك استهزاءا وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ولذلك قال تعالى (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) والمراد بالرجز الطاعون قيل انه مات به في ساعة أربعة وعشرون ألفا (تخريجه) (ق د نس عب) (باب) (٦) (سنده) حدثنا أبو احمد ثنا عبد الله بن الوليد العجلي وكانت له هيئة رأيناه عند حسن عن بكير بن شهاب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (غريبه) (٧) يعني نبي الله يعقوب (على بنيه) يعني اخوة يوسف (٨) يريد قوله تعالى (فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل) (٩) معناه أخبرنا عن السبب في كون المرأة تأتي بالأنثى أحيانا وأحيانا تأتي بالذكر (١٠) القائل قال أبي هو عبد الله بن الامام احمد وجاء في الطريق الثانية (وكان احب الطعام اليه لحمان الإبل) ولحمان بضم اللام وسكون الحاء جمع لحم ويجمع أيضا على لحوم (١١) قال
[ ١٨ / ٧٣ ]
السحاب يسوقه حيث أمر الله قالوا فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال صوته قالوا صدقت انما بقيت واحدة وهي التي نبايعك ان اخبرتنا بها فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال جبريل قالوا جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا (١) لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان فأنزل الله ﷿ (من كان عدوا لجبريل الخ الآية) (٢) (وعنه أيضا من طريق ثان) (٣) قال حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ يوما فقالوا يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي قال سلوني عما شئتم ولكن اجعلوا ذمة الله وما أخذ يعقوب ﵇ على بنيه لئن حدثتكم شيئا فعرفتموه لتتابعني على الاسلام؟ قالوا فذلك لك قال فسلوني ما شئتم قالوا اخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن أخبرنا أي الطعام حرم اسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل كيف يكون الذكر منه وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم ومن وليه من الملائكة؟ قال فعليكم عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم لتتابعني؟ قال فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق قال فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى ﷺ هل تعلمون ان اسرائيل يعقوب ﵇ مرض مرضا شديدا وطال سقمه فنذر لله نذرا لئن شفاه الله تعالى من سقمه ليحرمن أحب الشراب اليه واحب الطعام اليه؟ وكان أحب الطعام اليه لحمان الإبل واحب الشراب اليه البانها؟ (٤) قالوا اللهم نعم قال اللهم اشهد عليهم فانشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي انزل التوراة على موسى هل تعلمون ان ماء الرجل أبيض غليظ وان ماء المرأة أصفر رقيق فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله إن علا ماء الرجل على ماء المرأة كان ذكرا باذن الله وان علا ماء المرأة على ماء الرجل كان أنثى بإذن الله؟ قالوا اللهم أشهد عليهم فأنشدكم بالذي انزل التوراة على موسى هل تعلمون
_________________
(١) في النهاية أراد انه آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه قال ويفسره حديث ابن عباس (البرق سوط من نور تزجر به الملائكة السحاب) (١) جاء عند ابن جرير من حديث عمر (فقالوا ذاك عدونا من أهل السماء يطلع محمدا على سرنا واذا جاء جاء بالحرب والسنة) السنة بفتح السين مشددة يعني الجدب (٢) بقية الآية (فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين) والمعنى ان من عادى جبريل فليعلم انه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك بإذن الله ﷿ فهو رسول من رسل الله ملكى ومن عادى رسولا فقد عادى جميع الرسل ومن عادى جبريل فقد عادى ميكائيل لأنه أيضا ينزل على أنبياء الله في بعض الأحيان كما قرن برسول الله ﷺ في ابتداء الأمر ولكن جبريل أكثر وهي وظيفته وميكائيل موكل بالنبات والقطر فذاك بالهدى وهذا بالرزق (مصدقا لما بين يديه) أي من الكتب المتقدمة (وهدى وبشرى للمؤمنين) أي هدى لقلوبهم وبشرى لهم بالجنة ثم أنذرهم ﷿ بقوله (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) (٣) (سنده) حدثنا هاشم بن القاسم ثنا عبد الحميد ثنا شهر قال ابن عباس حضرت عصابة من اليهود الخ (٤) قال الحسن حرم اسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدا لله تعالى فسأل ربه أن يجيز له ذلك فحرمها
[ ١٨ / ٧٤ ]
أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ قالوا اللهم نعم قال اللهم اشهد قالوا اللهم نعم قال اللهم اشهد قالوا وانت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك قال فإن ولي جبريل ﵇ ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه قالوا فعندها نفارقك لو كان وليك سواه من الملائكة لتابعناك وصدقناك قال فما يمنعكم من أن تصدقوه؟ قالوا انه عدونا قال فعند ذلك قال الله ﷿ (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله (١) إلى قوله ﷿ كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) (٢) فعند ذلك باءوا بغضب على غضب الآية (٣) (باب فأينما تولوا فثم وجه الله) (عن ابن عمر) (٤) قال كان رسول الله ﷺ يصلى على راحلته مقبلا من مكة إلى المدينة حيث توجهت به (٥) وفيه نزلت هذه الآية (فأينما تولوا فثم وجه الله) (٦)
_________________
(١) الله على ولده اهـ (قلت) ولذلك مناسبة في شرعنا في قوله تعالى (ان تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) فهذا هو المشروع عندنا وهو الانفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه كما قال تعالى (وآتى المال على حبه) وقال تعالى (ويطعمون الطعام على حبه) الآية (١) تقدم تفسير هذه الآية في شرح الطريق الأولى (ولما جاءهم رسول من عند الله) يعني محمد ﷺ (مصدقا لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) يعني التوراة وقيل القرآن (كأنهم لا يعملون) قال قتادة ان القوم كانوا يعلمون ولكنهم نبذوا عليهم وكتموه وجحدوا به (٣) يريد قوله تعالى (بئسما اشتروا به أنفسهم) أي بئس الذي اختاروا لأنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحق وقيل الاشتراء هاهنا بمعنى البيع والمعنى بئش ما باعوا به حظ أنفسهم أي اختاروا الكفر وبذلوا انفسهم للنار (أن يكفروا بما أنزل الله) يعنى القرآن (بغيا) أي حسدا (أن ينزل الله من فضله) اي النبوءة والكتاب (على من يشاء من عباده) يعني محمدا ﷺ (فباءوا بغضب على غضب) أي رجعوا بغضب على غضب قال ابن عباس ومجاهد الغضب الأول بتضييعهم التوراة وتبديلهم (والثاني) بكفرهم بمحمد ﷺ وقال قتادة الأول بكفرهم بعيسى والانجيل والثاني بكفرهم بمحمد ﷺ والقرآن (وللكافرين) الجاحدين بنبوءة محمد ﷺ من الناس كهلم (عذاب مهين) أي مخز يهانون فيه والله أعلم (تخريجه) أورده الطريق الأولى منه الحافظ ابن كثير في تفسيره وقال رواه (مذ نس) من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه وقال الترمذي حديث حسن غريب اهـ (قلت) وأخرج الطريق الثانية ابن جرير وعبد الرحمن بن حميد في تفسيريهما والطبراني في الكبير والطيالسي (باب) (٤) (سنده) حدثنا يحيى عن عبد الملك ثنا سعيد بن جبير ان ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (٥) يعني صلاة التطوع (٦) قال العلماء سبب نزول هذه الآية طعن اليهود في نسخ القبلة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت فأنزل الله ﷿ (ولله المشرق والمغرب) أي الأرض كلها لأنها ناحيتاها (فأينما تولوا) وجوهكم في الصلاة بأمره (فثم) بفتح المثلثة وتشديد الميم أي هناك (وجه الله) أي قبلته التي رضيها (تخريجه) أورد نحوه الحافظ ابن كثير في تفسيره بسند حديث الباب عن ابن عمر أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته ويذكر ان رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك ويتأول هذه الرواية (فأينما تولوا فثم وجه الله) ورواه (م مذ نس) وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن عبد الملك ابن أبي سليمان وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة من غير ذكر الآية وذكر
[ ١٨ / ٧٥ ]
(باب واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) (عن أنس) (١) قال قال عمر ﵁ وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام ابراهيم مصلى (٢) فنزلت (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) وقلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب (٣) واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة (٤) فقلت لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن قال فنزلت كذلك (٥) (باب وكذلك جعلناكم أمة وسطا) (عن أبي سعيد الخدري) (٦) عن النبي ﷺ في قوله ﷿ (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) (٧) قال عدلا (وعنه أيضا) (٨) قال قال رسول الله ﷺ يدعى نوح ﵇ يوم القيامة فيقال له هل بلغت؟ فيقول نعم فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم؟ فيقولون
_________________
(١) الحافظ ابن كثير ان فريقا من العلماء قال نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ إذنا من الله أن يصلي التصوع حيث توجه من شرق أو غرب في مسيره في سفره وفي حال المسابقة وشدة الخوف (باب) (١) (سنده) حدثنا هشيم أنبأنا حميد عن ا، س قال قال عمر الخ (غريبه) (٢) قال ابراهيم النخعى الحرم كله مقام إبراهيم وقيل المسجد كله حرم إبراهيم وقيل أراد بمقام إبراهيم جميع مشاهد الحج مثل عرفة ومزدلفة وسائر المشاهد قال الامام البغوي والصحيح ان مقام ابراهيم هو الحجر الذي في المسجد يصلي اليه الأئمة وذلك الحجر الذي قام عليه ابراهيم عند بناء البيت وقيل كان أصابع رجليه بينا فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي قال قتادة ومقاتل والسدى أمروا بالصلاة عند مقام ابراهيم ولم يؤمروا بمسحه وتقبيله (٣) هي قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم الآية) (٤) أي تألين عليه وأتين بأمور يكرهها بسبب الغيرة (٥) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره قال ابن حاتم حدثنا أبي حدثنا الانصاري ثنا حميد عن أنس قال قال عمر بن الخطاب بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي ﷺ فاستقريتهن أقول لتكفن عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه أزواجا خيرا منكن حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين فقالت يا عمر أما في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه حتى تعظهن؟ فأمسكت فأنزل الله ﷿ (عسى ربه ان طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا) وهذه المرأة التي ردته عما كان فيه من وعظ النساء هي أم سلمة كما ثبت ذلك في صحيح البخاري اهـ (قلت) (سائحات) أي صائمات قاله أبو هريرة وعائشة وابن عباس وجمع كثير من التابعين وفيه حديث مرفوع (سياحة هذه الأمة الصيام) والله أعلم (تخريجه) (ق مذ نس جه) وغيرهم (باب) (٦) (سنده) حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ الخ (غريبه) (٧) قال الامام البغوي نزلت في رؤساء اليهود قالوا لمعاذ بن جبل ما ترك محمد قبلتنا إلا حسدا وان قبلتنا قبلة الأنبياء ولقد علم محمد أنا عدل بين الناس فقال إنا على حق وعدل فأنزل الله (وكذلك) أي وهكذا وقيل الكاف للتشبيه وهي مردودة على قوله (ولقد اصطفيناه في الدنيا) أي كما اخترنا ابراهيم وذريته واصطفيناهم كذلك (جعلناكم أمة وسطا) أي عدلا خيارا (قال أوسطهم) أي خيرهم وأعدلهم وخير الأشياء أوسطها وقال الكلبي يعني أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (٨) (سنده) حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد
[ ١٨ / ٧٦ ]
ما أتانا من نذير أو ما أتانا من أحد قال فيقال لنوح من يشهد لك؟ فيقول محمد وأمته قال فذلك قوله ﷿ (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) قال الوسط العدل قال فيدعون فيشهدون له بالبلاغ قال ثم اشهد عليكم (باب وما كان الله ليضيع ايمانكم) (عن ابن عباس) (١) قال لما حولت القبلة قال أناس يا رسول الله أصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس (٢) فأنزل الله (وما كان الله ليضيع إيمانكم) (باب قد نرى تقلب وجهك في السماء الخ) (عن أنس) (٣) أن رسول الله ﷺ كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام) (٤) قمر رجل من بني
_________________
(١) الخدري قال قال رسول الله ﷺ الخ (تخريجه) (خ مذ نس جه) من طرق عن الأعمش (باب) (١) (سنده) حدثنا شاذان أخبرنا اسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال لما حرمت الخمر قال أناس يا رسول الله أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربوها فأنزلت (ليس على آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) قال ولما حولت القبلة الخ (غريبه) (٢) قال الامام البغوي في تفسيره سبب نزول هذه الآية ان حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس ان كانت هدى فقد تحولتم عنها وان كانت ضلالة فقد دنتم الله بها ومن مات منكم عليها فقد مات على الضلالة فقال المسلمون انما الهدى ما أمر الله به والضلالة ما نهى الله عنه قالوا انما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا وكان قد مات قبل أن تحول الى الكعبة من المسلمين أسعد بن زرارة من بني النجار والبراء بن معرور من بني سلمة وكانوا من النقباء ورجال آخرون فانطلق عشائرهم إلى النبي ﷺ وقالوا يارسول الله صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى (وما كان الله ليضيع ايمانكم) يعني صلاتكم إلى بيت المقدس اهـ وقال الحافظ ابن كثير (وما كان الله ليضيع ايمانكم) أي بالقبلة الأولى وتصديقكم نبيكم واتباعه إلى القبلة الأخرى أي ليعطيكم أجرهما جميعا (ان الله بالناس لرءوف رحيم) الرأفة أشد الرحمة والله أعلم (تخريجه) (مذ طل) وصححه الترمذي وله شاهد عند البخاري من حديث أبي اسحاق السبيعي عن البراء قال مات قوم كانوا يصلون نحو المقدس فقال الناس ما حالهم في ذلك فأنزل الله تعالى (وما كان الله ليضيع ايمانكم) (باب) (٣) (سنده) حدثنا عفان ثنا حماد عن ثابت عن أنس (يعني ابن مالك) الخ (غريبه) (٤) قال الامام البغوي في تفسيره هذه الآية وان كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدمة في المعنى فإنها رأس القصة وأمر القبلة أول ما نسخ من أمور الشرع وذلك أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة فلما هاجر إلى المدينة أمره ﷿ أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود اياه اذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته في التوراة فصلى بعد الهجرة ستة عشرا أو سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس وكان يحب ان يوجه إلى الكعبة لأنها كانت قبلة أبيه ابراهيم ﵇ وهذه رواية ابن عباس فكان ﷺ يديم النظر إلى السماء ويدعو الله تعالى راجيا أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة فنزلت هذه الآية (قد نرى تقلب وجهك في السماء) اي دوام نظرك إلى السماء
[ ١٨ / ٧٧ ]
سلمة (١) وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى الا ان القبلة قد حولت الا ان القبلة قد حولت إلى الكعبة قال فمالوا كما هم نحو القبلة (٢) (عن البراء بن عازب) (٣) قال صلى رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا (٤) ثم وجه إلى الكعبة وكان يحب ذلك فأنزل الله ﷿ (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام الآية) قال فمر رجل صلى مع النبي ﷺ العصر على قوم (٥) من الأنصار وهم ركوع في صلاة العصر (٦) نحو بيت المقدس فقال هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ وأنه قد وجه إلى الكعبة قال فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر (باب ان الصفا والمروة من شعائر الله) (عن عروة عن عائشة) (٧) قال قلت أرأيت قول الله ﷿ (ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) قال فقلت فوالله ما على أحد جناح ان لا يطوف بهما فقالت عائشة بئسما قلت يا ابن اختي انها لو كانت على ما أولتها كانت فلا جناح
_________________
(١) ودعائك (فلنولينك قبلة) أي فلنحولنك إلى قبلة (ترضاها) أي تحبها وتهواها (فول) أي حول وجهك (شطر المسجد الحرام) أي نحوه وأراد به الكعبة والحرام المحرم (وحيثما كنتم) من بر أو بحر شرق أو غرب (فولوا وجوهكم شطره) عند الصلاة (١) اسمه عباد بن بشر كما جاء في بعض الروايات (٢) يعني الكعبة من غير أن تتوالى خطاهم (قال الخطابي) فيه من العلم ان ما مضى من صلاتهم كان جائزا ولولا جوازه لم يجز البناء عليه وفيه دليل على ان كل شيء له أصل صحيح في التعبد ثم طرأ عليه الفساد قبل أن يعلم صاحبه به فان الماضي منه صحيح وذلك مثل أن يجد المصلى بثوبه نجاسة لم يكن علمها حتى صلى ركعة فإنه اذا رأى النجاسة ألقاها عن نفسه (يعني ان كانت تلقى) وبنى على ما مضى من صلاته وكذلك هذا في المعاملات فلو وكل رجلا فباع الوكيل واشترى ثم عزله بعد أيام فان عقوده التي عقدها قبل بلوغ الخبر اليه صحيحة وفيه دليل على وجوب قبول أخبار الآحاد والله أعلم اهـ (تخريجه) (م د نس) (٣) (سنده) حدثنا وكيع ثنا اسرائيل عن ابي اسحاق عن البراء بن عازب الخ (غريبه) (٤) جا من طريق ثان عن البراء عند الامام احمد ايضا ان رسول الله ﷺ كان أول ما قدم المدينة على أجداده أو أخواله من الأنصار وانه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه ان تكون قبلته قبل البيت وانه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون الخ (٥) على قوم الجار والمجرور متعلق بمر أي مر رجل صلى مع النبي ﷺ العصر على قوم الخ (٦) جاء في الطريق الاولى (مر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر) ولا معارضة لاحتمال ان يكون هذا غير ذاك فهذا اخبر جماعة في صلاة العصر وذاك أخبر جماعة أخرى وهم في صلاة الفجر والله أعلم (تخريجه) (ق نس) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره روى ابن مردويه عن ابن عمر أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلاة الظهر وانها الصلاة الوسطى والمشهور ان اول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر ولهذا تأخبر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر والله أعلم (باب) (٧) هذا الحديث تقدم مخرجا ومشروحا من طريق ثان في أول باب وجوب الطواف
[ ١٨ / ٧٨ ]
عليه أن لا يطوف بهما ولكنها انما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدون عند المشلل وكان من أهل لها تحرج أن يطوف بالصفا والمروة فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله انا كنا نتحرج أن نطوف في الصفا والمروة في الجاهلية فأنزل الله ﷿ (ان الصفا والمروة من شعائر الله إلى قوله: فلا جناح عليه أن يطوف بهما) قالت عائشة ثم قد سن رسول الله ﷺ الطواف بهما فليس ينبغي لأحد أن يدع الطواف بهما (وعنه أيضا) (١) عن عائشة ﵂ في قول الله ﷿ ان الصفا والمروة من شعائر الله قالت كان رجال من الانصار ممن يهل لمناة في الجاهلية ومناة صنم بين مكة والمدينة (٢) قالوا يا نبي الله انا كنا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله ﷿ (ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف
_________________
(١) بالصفا والمروة من كتاب الحج في الجزء الثاني عشر صحيفة ٧٤ رقم ٢٧٦ وهو حديث صحيح رواه (ق لك نس) وغيرهم وقد ذكر فيه سبب واحد لتحرجهم من الطواف بين الصفا والمروة وهناك أسباب أخرى ذكرها الحافظ ابن كثير في تفسيره عقب ذكر هذا الحديث فقال وفي رواية عن الزهري انه قال فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال ان هذا العلم ما كنت سمعته ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون ان الناس (إلا من ذكرت عائشة) كانوا يقولون ان طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية وقال آخرون من الانصار انما امرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة فأنزل الله تعالى (ان الصفا والمروة من شعائر الله) قال أبو بكر بن عبد الرحمن فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء ورواه البخاري من حديث مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة (يعني ما تقدم) ثم قال البخاري حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن عاصم بن سليمان قال سالت أنسا عن الصفا والمروة قال كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية فلما جاء الاسلام امسكنا عنهما فأنزل الله ﷿ (ان الصفا والمروة من شعائر الله) (وقال الشعبي) كان إساف على الصفا وكانت نائلة على المروة وكانوا يستلمونهما فتحرجوا بعد الاسلام من الطواف بينهما فنزلت هذه الآية وذكر محمد بن اسحاق في كتاب السيرة ان اسافا ونائلة كانا بشرين فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس فلما طال عهدهما عبدا ثم حولا إلى الصفا والمروة فنصبا هنالك فكان من طاف بالصفا والمروة يتسلمهما ويقول أبو طالب في قصيدته المشهورة (وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم * لمفضى السيول من اساف ونائل) اهـ هذا وقد بسطنا الكلام على هذا الحديث وشرحه وتفسير الآية وأحكام الطواف بين الصفا والمروة ومذاهب العلماء في ذلك في الباب المشار اليه آنفا من كتاب الحج فارجع اليه تجد ما يسرك (١) (سنده) حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة الخ (غريبه) (٢) جاء عند البخاري (وكانت مناة حذو فديد) بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وآخره واو أي مقابل قديد بضم القاف وفتح الدال المهملة موضع من منازل طريق مكة إلى المدينة وجاء في الحديث السابق (كانوا قبل ان يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدون عند المشلل) بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد اللام الأولى
[ ١٨ / ٧٩ ]
بهما (باب يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) (عن معاذ بن جبل) (١) قال قدم رسول الله ﷺ المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام يوم عاشوراء ثم ان الله ﷿ فرض عليه الصيام فأنزل الله ﷿ (يا أيها الذين آمنو كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) إلى هذه الآية (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) قال فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فأجزأ ذلك عنه قال ثم ان الله ﷿ انزل الآية الأخرى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) إلى قوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) قال فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وثبت الاطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام (فهذان حالان) قال وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء مالم يناموا فإذا ناموا امتنعوا قال ثم ان رجلا من الانصار يقال له صرمة ظل يعمل صائما حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائما قال فرآه رسول الله ﷺ وقد جهد جهدا شديدا قال يا رسول الله اني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت وأصبحت حين أصبحت صائما قال وكان عمر قد أصاب من النساء من جارية أو من حرة بعد ما قام (٢) وأتى النبي ﷺ فذكر ذلك فأنزل الله (احل لكم ليلة الصيام الرفث في نسائكم) إلى قوله (ثم اتموا الصيام إلى الليل) (باب أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) (عن البراء) (٣) قال كان أصحاب محمد ﷺ اذا كان الرجل صائما فحضر الافطار فنام قبل ان يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي وان فلانا (٤) الانصاري كان صائما فلما حضره الافطار اتى امرأته فقال هل عندك من طعام؟ قالت لا ولكن انطلق فاطلب لك فغلبته عينه وجاءته امرأته فلما رأته قالت خيبة لك فأصبح فلما انتصف النهار غشي عليه فذكرت ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية
_________________
(١) مفتوحة اسم موضع قريب من قديد من جهة البحر ويقال هو الجبل الذي يهبط منه إلى قديد من جهة البحر وقال البكري هي ثنية مشرفة على قديد وقال السفاقسي هي عند الجحفة والله أعلم (تخريجه) (خ وغيره) (باب) (١) هذا طرف من حديث طويل تقدم بسنده وشرحه وتخريجه وبيان احكامه في باب الأحوال التي عرضت للصيام من كتاب الصيام في الجزء التاسع صحيفة ٢٣٩ رقم ٣١ فارجع اليه تجد ما يسرك والله الموفق (٢) ستأتي قصة عمر في حديث مستقل بعد ثلاثة أحاديث (باب) (٣) (سنده) حدثنا أسود بن عامر وأبو أحمد قالا ثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن البراء (يعني ابن عازب الخ) (غريبه) (٤) جاء في آخر الحديث قال ابو احمد (يعني احد الراويين اللذين روى عنهما الامام احمد هذا الحديث) قال في روايته (وان قيس بن صرمة الانصاري جاء فنام فذكره (قلت) قد اختلف في اسم هذا الرجلففي الحديث السابق ان اسمه صرمة وفي الحديث في رواية أبي احمد قيس بن صرمة وفي الطريق الثانية أبو قيس بن عمرو وجاء في اسمه روايات متعددة ذكرها الحافظ في الاصابة ثم قال فإن حمل هذا الاختلاف على تعدد أسماء من وقع له ذلك وإلا فيمكن الجمع برد جميع الروايات إلى واحد فإنه قيل فيه صرمة بن قيس وصرمة بن مالك وصرمة بن أنس وقيل فيه
[ ١٨ / ٨٠ ]
(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) (١) إلى قوله تعالى (حتي يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) (وعنه من طريق ثان) (٢) ان احدهم كان إذا نام فذكر نحوا من حديث اسرائيل إلا أنه قال نزلت في ابي قيس بن عمرو (باب وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) (عن عدي بن حاتم) (٣) قال لما نزلت هذه الآية (وكلوا
_________________
(١) قيس بن صرمة وأبو قيس بن صرمة وابو قيس بن عمرو فيمكن أن يقال أن كان اسمه صرمة بن قيس فمن قال فيه قيس بن صرمة قلبه وانما اسمه صرمة وكنيته أبو قيس أو العكس وأما أبوه فاسمه قيس أو صرمة على ما تقرر من القلب وكنيته أبو أنس ومن قال فيه أنس حذف أداة الكنية ومن قال فيه ابن مالك نسبه إلى جد له والعلم عند الله اهـ (١) الرفث كناية عن الجماع قال ابن عباس ان الله حي كريم يكنى كل ما ذكر في القرآن من المباشرة والملامسة الافضاء والدخول والرفث فانما عنى به الجماع وقال الزجاج الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء قال أهل التفسير كان في ابتداء الأمر اذا أفطر حل له الطعام والشراب والجماع الى ان يصلي العشاء الآخرة فان رقد قبلها حرم عليه الطعام والنساء الى الليلة القابلة ثم ان عمر بن الخطاب ﵁ واقع أهله بعد ما صلى العشاء فلما اغتسل اخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله اني اعتذر إلى الله واليك من نفسي هذه الخاطئة اني رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت أهلي فقال النبي ﷺ ما كنت جديرا بذلك يا عمر فقام رجال واعترفوا بمثله فنزل في عمر وأصحابه (أحل لكم ليلة الصيام الرفث) بمعنى الافضاء إلى نسائكم بالجماع نزل نسخا لما كان في صدر الاسلام من تحريمه وتحريم الأكل والشرب بعد العشاء وسيأتي حديث عمر بعد حديثين (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) كناية عن تعانقهما أو احتياج كل منهما إلى صاحبه وقيل سمي كل واحد من الزوجين لباسا للآخر لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد حتى يصير كل منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) أي تخونونها وتظلمونها بالمجامعة بعد العشاء (فتاب عليكم) أي قبل توبتكم (وعفا عنكم) محا ذنوبكم (فالآن باشروهن) جامعوهن حلالا سميت المجامعة مباشرة لملاصقة بشرة كل واحد منهم صاحبه (وابتغوا) أي طلبوا (ما كتب الله لكم) أي ما أباحه من الجماع أو قدره من الولد (وكلوا واشربوا) الليل كله (حتى يتبين) يظهر (لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) أي الصادق بيان للخيط الأبيض وبيان الأسود محذوف أي من الليل شبه ما يبدو من البياض وما يمتد معه من الغبش بخيطين ابيض وأسود في الامتداد (ثم اتموا الصيام) من الفجر (إلى الليل) أي إلى دخوله بغروب الشمس (ولا تباشروهن) أي نسائكم (وأنتم عاكفون) مقيمون بنية الاعتكاف (في المساجد) متعلق بعاكفون نهى لمن كان يخرج وهو متعكف فيجامع امرأته ويعود (تلك) الأحكام المذكورة (حدود الله) حدها لعباده ليقفوا عندها (فلا تقربوها) ابلغ من لا تعتدوها المعبر به في آية أخرى (كذلك) كما بين لكم ما ذكر (يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) محارمه (٢) (سنده) حدثنا احمد بن عبد الملك قال ثنا زهير ثنا أبو اسحاق عن البراء بن عازب أن أحدهم كان الخ (تخريجه) (خ د نس مذ) (باب) (٣) (سنده) حدثنا هشيم اخبرنا حصين عن الشعبي
[ ١٨ / ٨١ ]
واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) (١) قال عمدت إلى عقالين (٢) أحدهما اسود والآخر أبيض فجعلتهما تحت وسادتي (٣) قال ثم جعلت أنظر اليهما فلا تبين لي الأسود من الأبيض ولا الأبيض من الأسود فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت فقال ان وسادك اذا لعريض (٤) انما ذلك بياض النهار من سواد الليل (وعنه أيضا) (٥) قال علمني رسول الله ﷺ الصلاة والصيام قال صل كذا وكذا (٦) وصم فاذا غابت الشمس فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود (٧) وصم ثلاثين يوما إلا أن تر الهلال قبل ذلك (٨) فأخذت خيطين من شعر أسود وأبيض فكنت أنظرفيهما فلا يتبين لي
_________________
(١) أنا عدي بن حاتم (يعني الطائي) قال لما نزلت الخ (غريبه) (١) قال أبو عبيد الخيط الأبيض الفجر الصادق والخيط الأسود الليل وفي قوله ﷺ الا اتى انما هو بياض النهار وسواد الليل دليل على ان ما بعد الفجر هو من النهار لا من الليل ولا فاصل بينهما (قال النووي) وهذا مذهبنا وبه قال جماهير العلماء وحكى فيه شيء عن الأعمش وغيره لعله لا يصح عنهم اهـ (٢) بكسر العين المهملة أي حبلين وفي رواية خيطين من شعر (٣) جاء في بعض الروايات فجعلتهما وسادتي والوسادة المخدة وهي ما يجعل تحت الرأس عند النوم (والوساد) أعم فإنه يطلق على كل ما يتوسد به ولو كان من تراب كما جاء في النهاية والاساس (واما معنى الحديث) فالعلماء فيه شروح أحسنها كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى قال انما أخذ العقالين وجعلهما تحت رأسه وتأول الآية لكونه سبق إلى فهمه ان المراد بها هذا وكذا وقع لغيره ممن فعل فعله حتى نزول قوله تعالى (من الفجر) فعلموا ان المراد به بياض النهار وسواد الليل وليس المراد ان هذا كان حكم الشرع أولا ثم نسخ بقوله تعالى (من الفجر) كما أشار اليه الطحاوي والداودي (قال القاضي) وانما المراد ان ذلك فعله وتأوله من لم يكن مخالطا للنبي ﷺ بل هو من الاعراب لافقه عنده أو لم يكن من لغته استعمال الخيط في الليل والنهار لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولهذا انكر النبي ﷺ على عدي بقوله ان وسادك لعريض انما هو بياض النهار وسواد الليل قال وفيه ان الالفاظ المشتركة لا يصار الى العمل بأظهر وجوهها وأكثر استعمالها إلا اذا عدم البيان وكان البيان حاصلا بوجود النبي ﷺ (٤) جاء في بعض الروايات ان وسادك لعريض وجاء في رواية البخاري (انك لعريض القفا) قال القاضي عياض (ان وسادك لعريض) معناه ان جعلت تحت وسادك الخيطين اللذبن ارادهما الله تعالى وهما الليل والنهار فوسادك يعلوهما ويغطيهما وحينذاك يكون عريضا وهو معنى الرواية الأخرى في صحيح البخاري انك لعريض القفا لأن من يكون هذا وساده يكون عظم قفاه من نسبته بقدره وهو معنى الرواية الاخرى انك لضخم وانكر القاضي قول من قال انه كناية عن الغباوة أو عن السمن لكثرة أكله إلى بيانا الخيطين وقال بعضهم ان المراد بالوساد النوم أي ان نومك كثير وقيل اراد به الليل أي من لم يكن النهار عنده إلا اذا بان له المقالان طال ليله وكثر نومه والصواب ما اختاره القاضي والله أعلم (تخريجه) (ق د مذ نس) (٥) (سنده) حدثنا يحيى عن مجالد أخبرني عامر حدثني عدي بن حاتم قال علمني رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (٦) يعني الصلوات الخمس وما يلزم لها (٧) يعني فأمسك عن الطعام والشراب (٨) معناه أن تر هلال شوال قبل تمام الثلاثين فأفطر فإن الشهر قد يكون تسعا
[ ١٨ / ٨٢ ]
فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فضحك (١) وقال يا ابن حاتم انما ذاك بياض النهار من سواد الليل (باب علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم الخ) (عن عبد الله بن كعب بن مالك) (٢) عن أبيه قال كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن الخطاب ﵁ من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سهر عنده فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت اني قد نمت قال ما نمت ثم وقع بها وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي ﷺ فأخبره فأنزل الله تعالى (علم الله أنكم كنتم تختانون (٣) أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم) (باب فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه الخ) (عن كعب بن عجرة) (٤) قال كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية ونحن محرمون وقد حصرنا
_________________
(١) وعشرين (١) إنما ضحك النبي ﷺ منه لكونه سبق إلى فهمه أن المراد بالآية حقيقة الخيط الأبيض والخيط الأسوط فبين له النبي ﷺ أن المراد من الآية بياض النهار من سواد الليل (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السياق لغير الامام احمد وتقدم معناه في الحديث السابق وسنده صحيح (باب) (٢) (سنده) حدثنا عتاب بن زياد قال أنا عبد الله قال انا ابن لهيعة قال حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال كان الناس الخ (غريبه) (٣) أي تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب (فتاب عليكم) حين تبتم بما ارتكبتم من المحظور (وعفا عنكم) يحتمل أنه يريد عن المعصية بعينها فيكون تأكيدا وتأنيسا زيادة على التوبة ويحتمل أن يريد عفا عما كان الزمكم من اجتناب النساء بمعنى تركه لكم كما تقول شيء معفو عنه أي متروك والله اعلم (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمدوفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وقد ضعف اهـ (قلت) حديثه حسن اذا صرح بالتحديث وقد ضعف إذا عنعن وقد صرح بالتحديث في هذا الحديث فهو حسن وله شاهد من حديث البراءعند البخاري من طريق أبي اسحاق قال سمعت البراء قال (لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربونن النساء رمضان كله) زاد في الصيام عن البراء أيضا من طريق اسرائيل أنهم كانوا لا يأكلون ولا يشربون اذا ناموا ومفهوم ذلك ان الأكل والشرب كان مأذونا فيه ليلا ما لم يحصل النوم فيحمل قوله كانوا لا يقربون النساء على الغالب جمعا بين الأحاديث (وكان رجال يخونون أنفسهم) أي يجامعون ويأكلون ويشربون منهم عمر بن الخطاب وكعب بن مالك وقيس بن صرمة الانصاري (فأنزل الله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره وقال علي بن طلحة عن ابن عباس قال كان المسلمون في شهر رمضان اذا صلوا العشاء حرم عليهم العشاء والطعام إلى مثلها من القابلة ثم ان اناسا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى (علم الله انكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن) الآية (باب) (٤) هذا الحديث تقدم بطريقيه في أبواب ما يجوز للمحرم فعله من كتاب الحج في الجزء الحادي عشر صحيفة ٢١٩ رقن ١٨٢ وترجعت له (بباب حديث كعب بن عجرة وتعدد طرقه) وذكرت له ثمان طرق رواها كلها الامام احمد في مسنده بأسانيدها وقد بسطت الكلام على شرحه وأحكامه وهو حديث صحيح رواه (ق لك طل والأربعة وغيرهم) فارجع اليه ترى ما يسرك أما
[ ١٨ / ٨٣ ]
المشركون وكانت لي وفرة فجعلت الهوام تساقط على وجهي فمر بي رسول الله ﷺ فقال أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت نعم فأمرني أن أحلق قال ونزلت (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) (ومن طريق ثان) (١) عن عبد الله بن معقل قال قعدت إلى كعب بن عجرة ﵁ وهو في المسجد (٢) فسألته عن هذه الآية (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) قال فقال كعب نزلت فيي فقد كان بي أذى من رأسي فحملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك ما أرى أتجد شاة؟ فقلت لا فنزلت هذه الآية (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) قال صوم ثلاثة أيام أو اطعام ستة مساكين نصف صاع نصف صاع طعام لكل مسكين قال فنزلت في خاصة وهي لكم عامة (٣) (باب ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) (عن أبي أمامة التيمي) (٤) قال قلت لابن عمر ﵄ انا نكرى (٥) فهل لنا من حج؟ قال أليس تطوفون بالبيت وتأتون المعروف؟ (٦) وترمون الجمار وتحلقون رءوسكم؟ قال قلنا بلى فقال ابن عمر جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل ﵇ بهذه الآية (٧) (ليس عليكم جناح أن
_________________
(١) تفسير الآية فقد قال الامام البغوي في قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه) معناه لا تحلقوا رءوسكم في حال الاحرام إلا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو لأذى في الرأس من هوام أو صداع (ففدية) فيه اضمار أي فحلق فعليه فدية (من صيام) أي ثلاثة أيام (أو صدقة) أي ثلاثة آصع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع (أو نسك) واحدتها نسيكة أي ذبيحة أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدناها شاة أيتها شاء ذبح فهذه الفدية على التخيير والتقدير ويتخير بين أن يذبح أو يصوم أو يتصدق وكل هدى أو طعام يلزم المحرم يكون بمكة ويتصدق به على مساكين الحرم إلا هديا يلزم المحصر فإنه يذبحه حيث أحصر وأما الصوم فله أن يصوم حيث شاء (١) (سنده) حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عبد الرحمن بن الاصبهاني عن عبد الله بن معقل الخ (٢) زاد في رواية يعني مسجد الكوفة (٣) يريد أن هذه الآية نزلت بسببه خاصة وأما حكمها فهو عام لجميع المسلمين (تخريجه) (ق لك طل والأربعة) من طرق متعددة (باب) (٤) (سنده) حدثنا اسباط حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي عن أبي أمامة التيمي الخ (غريبه) (٥) بضم النون وكسر الراء بينها كاف ساكنة مضارع الرباعي يقال اكرى دابته فهو مكر وكرى من الكراء وهو أجسر المستأجر والمعنى اننا نكرى دوابنا للحجاج ونكون معهم في جميع المشاهد (٦) بفتح الراء المشددة قال في النهاية الوقوف بعرفة وهو التعريف أيضا اهـ (وفي اللسان) وعرف القوم وقفوا بعرفة وهو المعرف للموقف بعرفات (٧) هذا سبب من أسباب نزول هذه الآية ولها سببب آخر جاء عند البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ قال كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) في مواسم الحج ورواه أيضا البغوي في تفسيره وزاد بعد قوله في مواسم الحج (قرأ ابن عباس كذا) يعني ان لفظ في مواسم الحج من القرآن عند ابن عباس والتحقيق انها تفسير لا قرآن ومعنى قوله تعالى (ليس عليكم جناح) أي حرج (أن تبتغوا فضلا) أي رزقا (من ربكم) يعني بالتجارة في مواسم الحج
[ ١٨ / ٨٤ ]
تبتغوا فضلا من ربكم) فدعاه النبي ﷺ فقال أتم حجاج (١) (باب يسألونك عن الخمر والميسر الخ) (عن أبي هريرة) (٢) قال حرمت الخمر ثلاث مرات قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسألوا رسول الله ﷺ عنهما فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ (يسألونك عن الخمر (٣) والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما الخ الآية) فقال الناس ما حرم علينا إنما قال فيهما إثم كبير وكانوا يشربون الخمر (٤) حتى اذا كان يوم من الايام صلى رجل من المهاجرين أم أصحابه في المغرب خلط في قراءته (٥) فأنزل الله فيها آية أغلظ منها (يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) وكان الناس يشربون حتى يأنى أحدهم الصلاة وهو مفيق ثم انزلت آية أغلظ من ذلك (٦) (يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والأنصاب (٧) والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) فقالوا انتهينا ربنا فقال الناس يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فراشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجسا ومن عمل الشيطان فأنزل الله (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتقوا وآمنوا) الخ الآية (٨) فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم (٩)
_________________
(١) أو اكراء دوابكم للحجاج (١) يعني كتب لكم ثواب الحج والله أعلم (تخريجه) (د طل عب) والطبري وعبد بن حميد في تفسيريهما وابن أبي حاتم وسنده جيد (باب) (٢) (سنده) حدثنا سريج يعني ابن النعمان حدثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة عن أبي هريرة الخ (غريبه) (٣) هو كل مسكر خامر العقل (والميسر) يعني القمار (قل فيهما) أي في تعاطيهما (إثم كبير) أي عظيم لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وفحش القول (ومنافع للناس) باللذة والفرح في الخمر واصابة المال بلا كد في الميسر (وإثمهما) أي ما ينشأ عنهما من المفاسد (أكبر) أي أعظم (من نفعهما) (٤) جاء في رواية عند البغوي فتركها قوم لقوله (إثم كبير) وشربها قوم لقوله (ومنافع للناس) (٥) جاء عند البغوي فقرأ (قل يا ايها الكافرون أعبد ما تعبدون) هكذا إلى آخر السورة بحذف لا (٦) لم يذكر سبب تحريمها في هذه المرة الثالثة التي هي أغلظ الجميع وفيها حرمت الخمر بتاتا وسيأتي سبب ذلك عند قوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر الآية) من سورة المائدة ان شاء الله تعالى (٧) يعني الأوثان سميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها واحدها نصب بفتح النون وسكون الصاد ونصب بضم النون مخففا ومثقلا (والأزلام) يعني القداح التي كانوا يستقسمون بها واحدها زلم بالتحريك قال في النهاية كانت في الجاهلية عليها مكتوب الأمر والنهي افعل ولا تفعل كان الرجل منهم يضعها في وعاء له فإذا أراد سفرا أو زواجا أو أمرا مهما أدخل يده فأخرج منها زلما فإن خرج الأمر مضى لشأنه وان خرج النهي كف عنه ولم يفعله (رجس) أي خبيث مستقذر (من عمل الشيطان) أي تزيينه (فاجتنبوه) الضمير عائد على الرجس أي اتركوه (لعلكم تفلحون) (٨) سأتي تفسيرها في سورة المائدة (٩) معناه لو حرمت عليهم قبل موتهم لتركوها وحينئذ فلا إثم على من مات وهو يشربها قبل التحريم والله أعلم (تخريجه) أورده الهيثمي
[ ١٨ / ٨٥ ]
(عن أبي ميسرة) (١) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال لما نزل تحريم الخمر قال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير) قال فدعى عمر فقرئت عليه فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في سورة النساء (يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى أن لا يقربن الصلاة سكران فدعى عمر فقرئت عليه فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في المائدة فدعى عمر فقرئت عليه فلما بلغ (فهل أنتم منتهون) قال فقال عمر انتهينا انتهينا (باب وان تخالطوهم فاخوانكم) (عن ابن عباس) (٢) قال لما نزلت (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) عزلوا أموال اليتامى حتى جعل الطعام يفسد واللحم ينتن فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت (وإن تخالطوهم فإخوانكم (٣) والله
_________________
(١) وقال رواه أحمد وأبو وهب مولى أبي هريرة لم يجرحه أحد ولم يوثقه وأبو نجيح ضعيف لسوء حفظه وقد وثقه غير واحد وسريج ثقة اهـ (قلت) وله شواهد كثيرة تعضده (١) (سنده) حدثنا خلف ابن الوليد حدثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن ابي ميسرة عن عمر بن الخطاب الخ (تخريجه) (ك) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه اهـ (قلت) وأقره الذهبي وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره ثم قال وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن اسرائيل عن أبي اسحاق وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردوية من طريق الثوري عن أبي اسحاق عن أبي ميسرة واسمه عمرو ابن شرحبيل الهمذاني الكوفي عن عمر وليس له عنه سواه لكن قد قال أبو زرعه لم يسمع منه والله أعلم وقال علي بن المديني هذا اسناد صالح صحيح وصححه الترمذي وزاد ابن ابي حاتم بعد قوله انتهينا انها تذهب المال وتذهب العقل اهـ (باب) (٢) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم حدثنا اسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس الخ (غريبه) (٣) هذه إباحة المخالطة أي وان تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم في نفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم أو تكافئوهم على ما تصيبون من اموالهم (فاخوانكم) أي فهم اخوانكم والاخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من أموال بعض على وجه الاصلاح والرضا (والله يعلم المفسد) لأموالهم (من المصلح) لها يعني الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وإفساد مال اليتيم وأكله بغير حق من الذي يقصد الاصلاح (تخريجه) الحديث سنده صحيح وأخرجه الحاكم من طريق اسرائيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره ثم قال هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي وذكر نحوه الحافظ ابن كثير في تفسيره فقال قال ابن جرير حدثنا سفيان عن وكيع حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) و(ان الذين ياكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله (ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فاخوانكم) فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم وهكذا رواه أبو داود والنسائي
[ ١٨ / ٨٦ ]
يعلم المفسد من المصلح) قال فخالطوهم (باب ويسألونك عن المحيض قل هو أذى الخ) (عن أنس بن مالك) (١) أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة عندهم لم يآكلوهن ولم يجامعوهن (٢) في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله ﷿ (ويسألونك عن المحيض (٣) قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) حتى فرغ من الآية فقال رسول الله ﷺ اصنعوا كل شيء إلا النكاح فبلغ ذلك اليهود فقالوا ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر ﵄ فقالا يا رسول الله ان اليهود قالت كذا وكذا أفلا نجامعوهن؟ (٤) فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أنه وجد عليهما فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا انه لم يجد عليهما (قال عبد الله بن الامام احمد رحمهما الله) سمعت أبي يقول كان حماد بن سلمة لا يمدح أو يثني على شيء من حديثه إلا هذا الحديث من جودته (باب نساؤكم حرث لكم) (عن عبد الرحمن بن سابط) (٥) قال دخلت على حفصة ابنه عبد الرحمن فقلت اني سائك عن أمر وأنا استحي أن اسألك عنه فقالت لا تستحي يا ابن أخي قال عن إتيان النساء في أدبارهن قالت حدثتني أم سلمة أن الانصار كانوا لا يجبون (٦) النساء وكانت اليهود تقول إنه من جبى امرأته كان ولده أحول فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الانصار فجبوهن فأبت امرأة أن تطيع زوجها فقالت لزوجها لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله ﷺ فدخلت على أم سلمة فذكرت ذلك لها فقالت اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ فلما جاء رسول الله ﷺ
_________________
(١) وابن أبي حاتم وابن مردوية والحاكم في مستدركه من طرق عن عطاء بن السائب به اهـ (باب) (١) (سنده) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس الخ (غريبه) (٢) أي لم يخالطوهن ولم يساكنوهن في بيت واحد فالمراد بالمجامعة هنا الاجتماع بهن لا الوقاع وهو المعنى الحقيقي واستعماله بالمعنى الآخر كناية (٣) أي عن الحيض وهو مصدر حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا كالسير والمسير وأصل الحيض الانفجار والسيلان (قل هو أذى) أي قذر والأذى ما يكره من كل شي (فاعتزلوا النساء في المحيض) أراد بالاعتزال ترك الوطء (ولا تقربوهن) أي لا تجامعوهن أما الملامسة والمضاجعة معها فجائزة لقوله ﷺ (اصنعوا كل شيء الا النكاح) (حتى يطهرن) قرأ عاصم برواية أبي بكر وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء أي حتى يغتسلن وقرآ الآخرون بسكون الطاء وضم الهاء مخففا ومعناه حتى يطهرن من الحيض وينقطع دمهن (٤) مرادهما بالجماع هنا الوطء لما جاء في رواية أخرى (أفلا ننكحهن في المحيض) اي لكي تحصل المخالفة التامة مع اليهود ولكن تحصيل المخالفة بارتكاب المعصية لا يجوز لأن الوطء في زمن الحيظ محظور ولذلك تغير وجه رسول الله ﷺ (تخريجه) (م طل والأربعة) (باب) (٥) (سنده) حدثنا عفان ثنا وهيب ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن سابظ الخ (غريبه) (٦) المراد بالتجبية هنا الانكباب على الوجه تشبيها بهيئة السجود وأخرج الاسماعيلي من طريق يحيى بن أبي زائدة عن سفيان الثوري يلفظ باركة مدبرة في فرجها من ورائها ويؤيد ذلك قوله
[ ١٨ / ٨٧ ]
استحت الأنصارية أن تسأله فخرجت فحدثت أم سلمة رسول الله ﷺ فقال ادعي الانصارية فدعيت فتلا عليها هذه الآية (نساؤكم حرث لكم (١) فأتوا حرثكم أنى شئتم) صماما واحدا (عن أم سلمة ﵂) (٢) قالت لما قدم المهاجرون المدينة على الانصار تزوجوا من نسائهم وكان المهاجرون يجبون وكانت الانصار لا تجبي فأراد رجل من المهاجرين امرأته على ذلك فأبت عليه حتى تسأل رسول الله ﷺ فاستحيت أن تسأله فسألته أم سلمة فنزلت (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم انى شئتم) وقال لا (٣) إلا في صمام واحد (عن ابن عباس) (٤) قال أنزلت هذه الآية (نساؤكم حرث لكم) في أناس من الانصار أتوا النبي ﷺ فسألوه فقال النبي ﷺ ائتها على كل حال اذا كان في الفرج (وعنه أيضا) (٥) قال جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله هلكت قال وما الذي أهلكك؟ قال حولت رحلي البارحة (٦) قال فلم يرد عليه شيئا قال فأوحى الله إلى رسوله هذه الآية (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم)
_________________
(١) (من جبى امرأته كان ولده أحول) فإن الولد لا يكون إلا من الوطء في القبل (١) يعني موضع زرعكم الولد (فأتوا حرثكم) أي محله وهو القبل (أنى شئتم) أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات وأنى حرف استفهام يكون سؤالا عن الحال والمحل معناه كيف شئتم وحيث شئتم بعد أن يكون في صمام واحد وقال عكرمة (أنى شئتم) انما هو الفرج ومثله عن الحسن وقيل (حرث لكم) أي مزرع لكم ومنبت الولد بمنزلة الأرض التي تزرع وفيه دليل على تحريم الوطء في الدبر لأن محل الحرث والزرع هو القبل والله أعلم (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح ثم قال وابن خثيم هو عبد الله بن عثمان بن خثيم وابن سابط هو عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط الجمحي المكي وحفصة هي بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ويروى في سمام واحد اهـ بكسر السين أي في ثقب واحد وهو من سمام الإبرة أي ثقبها والله أعلم (٢) (سنده) حدثنا وكيع ثنا سفيان عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط عن حفصة بنت عبد الرحمن عن أم سلمة الخ (غريبه) (٣) أي لا تفعلوا ذلك إلا في صمام واحد وهو الفرج (تخريجه) هو كالذي قبله في المعنى وقد رواه الترمذي وصححه ولأبي داود هذا المعنى من رواية ابن عباس وأورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه (٤) (سنده) حدثنا يحيى بن غيلان ثنا رشدين ثنا حسن بن ثوبان عن عامر بن يحيى المعافري حدثني حنش (فسألوه فقال رسول الله ﷺ) عن ابن عباس قال أنزلت هذه الآية الخ (قلت) هذه الجملة التي جاءت بين قوسين في السند ليس لها معنى وهي خطأل من الناسخ أو جامع الحروف للطبع فربما اختلف نظره إلى حديث آخر فيه هذه الجملة فأثبتها هنا بدون قصد والصواب (حدثني جنش عن ابن عباس الخ) (تخريجه) أورده الهيثمي وعزاه للطبراني وغفل عن عزوه للامام احمد قال وفيه رشدين بن سعد وهو ضعيف (٥) (سنده) حدثنا حسن ثنا يعقوب يعني القسمى عن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاء عمر بن الخطاب الخ (غريبه) (٦) كنى برحله عن زوجته أراد به غشيانها في قبلها من جهة ظهرها لأن المجامع يعلو المرأة ويركبها مما يلي وجهها فحيث ركبها من جهة ظهرها كنى عنه بتحويل رحله إما نقلا من الرحل بمعنى المنزل
[ ١٨ / ٨٨ ]
أقبل (١) وأدبر واتق الدبر والحيضة (٢) (باب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) (عن زيد بن ثابت) (٣) قال كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة (٤) ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي ﷺ منها قال فنزلت (حافظوا على الصلوات (٥) والصلاة الوسطى) وقال ان قبلها صلاتين وبعدها صلاتين (٦) (عن الزبرقان) (٧) ان رهطا من قريش مر بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى فقال هي العصر فقام اليه رجلان منهم فسألاه فقال هي الظهر (٨) ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه فقال هي الظهر (٩) أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالهجير ولا يكون وراءه إلا الصف والصفان والناس في قائلتهم وفي تجارتهم فأنزل الله تعالى (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) قال فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لينتهين رجال (١٠) أو لأحرقن بيوتهم
_________________
(١) أو من الرحل بمعنى الكور وهو للبعير كالسرج للفرس كذا في مجمع البحار (١) أي جامع من جانب القبل (وأدبر) أي أولج في القبل من جانب الدبر (واتق الدبر) أي إيلاجه فيه وقد تقدم تحريم الايلاج في الدبر في باب النهي عن اتيان المرأة في دبرها في الجزء السادس عشر صحيفة ٢٢٤ (قال الطيبي) ﵀ في تفسير قوله تعالى (فأتوا حرثكم أنى شئتم) قال الحرث يدل على اتقاء الدبر (وأنى شئتم) على اباحة الاقبال والإدبار والخطاب في التفسير خطاب عام وان كل من يتأتى منه الإقبال والإدبار فهو مأمور بهما (٢) الحيضة بكسر الحاء اسم الحيض والحال التي تلزمها الحائض من التجنب كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود كذا في النهاية والمعنى اتق المجامعة في زمانها (تخريجه) (د مذ جه) وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب (باب) (٣) (سنده) حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة حدثني عمر بن الحكم قال سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت الخ (غريبه) (٤) أي في وقت اشتداد الحر في نصف النهار ولم يكن يصلى صلاة أشد وأسعب على أصحابه من صلاة الظهر وذلك لكونه يصلى وقت شدة الحر ثم أبرد بعد ذلك وأمر بالابراد أيضا (٥) أي الخمس لا تتهاونوا في أدائها في وقتها (والصلاة الوسطى) خصه بالذكر لعظم فضلها (٦) الظاهر أن القائل قبلها صلاتين وبعد صلاتين هو زيد بن ثابت لما في رواية الطحاوي عنه قال كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهجير وكانت أثقل الصلوات على أصحابه فنزلت (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين وظاهر الحديث يدل على أن الصلاة الوسطى هي الظهر وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد لأنها وسط النهار وهي أوسط صلاة النهار في الطول والله أعلم (تخريجه) (د طح هق) والبخاري في التاريخ (٧) (سنده) حدثنا يزيد بن ابي ذئب عن الزبرقان الخ (غريبه) (٨) تقدم انه قال للغلامين هي العصر وهنا قال هي الظهر فيحتمل أنه نسى فقال للغلامين هي العصر ويحتمل أن الغلامين أخطأ في التبليغ والله أعلم (٩) قال على القارى الظاهر أن هذا اجتهاد من الصحابي نشأ من ظنه أن الآية نزلت في الظهر فلا يعارض نصه من أنها العصر اهـ (قلت) يعني قوله ﷺ يوم الخندق (حبسونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا) وسيأتي الكلام على ذلك (١٠) يعني عن التخلف عن
[ ١٨ / ٨٩ ]
(عن شقيق بن عقبة) (١) عن البراء بن عازب قال نزلت (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها على عهد رسول الله ﷺ ما شاء الله أن نقرأها لم ينسخها الله (٢) فأنزل (حافظوا على الصلوات وصلاة (٣) الوسطى) فقال له رجل كان مع شقيق يقال له أزهر وهي صلاة العصر؟ قال قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله تعالى والله أعلم (٤) (عن أبي يونس) (٥) مولى عائشة ﵂ قال أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا قال اذا بلغت إلى هذه الآية (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) فآذنى (٦) فلما بلغتها آذنتها فأملت علي (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر (٧) وقوموا لله قانتين) (٨) قالت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (٩)
_________________
(١) الجماعة (تخريجه) (طل) وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره ثم قال والزبرقان هو ابن عمرو بن أمية الضمري لم يدرك أحدا من الصحابة والصحيح ما تقدم من روايته عن زهرة بن معبد وعروة بن الزبير (قلت) يعني الحديث المتقدم (١) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم ثنا فضيل يعني ابن مرزوق عن شقيق بن عقبة الخ (غريبه) (٢) هكذا بالأصل (لم ينسخها الله فأنزل) وجاء عند مسلم بلفظ (ثم نسخها الله فأنزل) الخ وهو الصواب كما يدل عليه السياق (٣) هكذا بالأصل (وصلاة الوسطى) بدون لام التعريف وجاء عند مسلم والصلاة الوسطى بلام التعريف وهو الصواب لأنه الثابت في القراءات والظاهر ان ما في المسند تحريف من الناسخ (٤) إنما قال زيد ذلك لأن القرآن لم يصرح بأنها صلاة العصر وفوض علمها لله ﷿ بقوله والله أعلم (تخريجه) (م) (٥) (سنده) حدثنا اسحاق قال اخبرني مالك عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة الخ (غريبه) (٦) فآذنى بالمد أي أعلمني والظاهر أنها امرته ان يعلمها لأنها أرادت أن تملي عليه زيادة لم تكن ثابتة فيما كان ينسخ منه (٧) قال ابن عبد البر فقوله (وصلاة العصر) بالواو الفاصلة التي لم يختلف في ثبوتها في حديث عائشة قال وثبوتها يدل على أنها ليست الوسطى قال الباجى لأن الشيء لا يعطف على نفسه قال وهذا يقتضي أن يكون بعد جمع القرآن في مصحف وقبل أن تجمع المصاحف على المصاحف التي كتبها عثمان وأنقذها إلى الأمصار لأن لم يكتب بعد ذلك في المصاحف إلا ما أجمع عليه وثبت بالتواتر أنه قرآن (٨) أي مطيعين وقيل ساكتين وكلا التفسيرين جاء في الحديثين بعد هذا (٩) قال الباجي يحتمل أنها سمعتها على أنها قرآن ثم نسخت كما في حديث البراء (يعني الحديث السابق) فلعل عائشة لم تعلم بنسخها أو اعتقدت انها مما نسخ حكمه وبقي رسمه والله أعلم (تخريجه) (م لك فع د مذ) كلهم رووه عن مالك وروى الامام مالك أيضا عن زيد بن أسلم عن عمرو بن رافع أنه قال كنت أكتب مصحفا لحفصة أم المؤمنين فقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) فلما بلغتها آذنتها فأملت علي (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) قال الحافظ وحديث عائشة وحفصه من حجج من قال إنها غير العصر لأن العطف يقتضي المغايرة فتكون العصر غير الوسطى (وأجيب) باحتمال زيادة الواو ويؤيده ما رواه أبو عبيد باسناد صحيح عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) بغير الواو وباحتمال أنها عاطفة لكن عطف صفة لا عطف ذات بدليل رواية ابن جرير عن عروة كان في مصحف عائشة والصلاة
[ ١٨ / ٩٠ ]
_________________
(١) الوسطى وهي صلاة العصر (وقال الشوكاني) استدل بالحديث من قال إن الصلاة غير صلاة الوسطى لأن العطف يقتضي المغايرة وهو راجع إلى الخلاف الثابت في الأصول في القراءة الشاذة هل تنزل منزلة أخبار الآحاد فتكون حجة كما ذهبت إليه الحنفية وغيرهم أم لا تكون حجة لأن ناقلها لم ينقلها غلا على انها قرآن والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر كما ذهبت إلى ذلك الشافعية والراجح الأول وقد غلط من استدل من الشافعية بحديث عائشة وحفصة على أن هذه الصلاة الوسطى ليست صلاة العصر لما عرفت من أن مذهبهم في الأصول يأبى هذا الاستدلال (وأجيب) عن الاستدلال بهذا الحديث من طرف القائلين بأنها العصر بوجهين (الأول) أن تكون الواو زائدة في ذلك على حد زيادتها في قوله تعالى (وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين) وقوله (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست) وقوله (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) وقوله (ان الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) حكى عن الخليل أنه قال يصدون والواو مقحمة زائدة ومثله في القرآن كثير واستشهد على ذلك أيضا بشيء من أشعار العرب (والثاني) أن لا تكون زائدة وتكون من باب عطف إحدى الصفتين على الأخرى وهما لشيء واحد نحو قوله (إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم) قال وهذا التأويل لا بد منه لوقوع هذه القراءة المحتملة في مقابلة تلك النصوص الصحيحة الصريحة وقد روى عن السائب بن يزيد أنه تلا هذه الآية (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) وهذا التأويل المذكور يجري في حديث عائشة وحفصة ويختص حديث حفصة بما روى يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عمرو بن رافع قال كان مكتوبا في مصحف حفصة بنت عمر حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر ذكر ابن سيد الناس هذه الرواية والرواية السابقة عن السائب بن يزيد في شرح الترمذي اهـ (قال النووي ﵀) اختلف العلماء من الصحابة ﵃ فمن بعدهم في الصلاة الوسطى المذكورة في القرآن (فقال جماعة هي العصر) وممن نقل هذا عنه على ابن أبي طالب وابن مسعود وأبو أيوب وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعبيدة السلماني والحسن البصري وابراهيم النخعي وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وأبو حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر وغيرهم ﵃ (قال الترمذي) وهو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم ﵃ وقال الماوردي من أصحابنا هذا مذهب الشافعي ﵀ لصحة الأحاديث فيه قال وانما نص على أنها الصبح لأنه لم يبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر ومذهبه اتباع الحديث (قلت) جاء في الأحاديث الصحيحة التصريح بأنها صلاة العصر منها ما رواه مسلم والامام احمد وغيرهما وتقدم في باب فضل صلاة العصر وبيان أنها الوسطى من كتاب الصلاة في الجزء الثاني صحيفة ٢٦١ رقم ١٢٤ عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا) قال (وقالت طائفة هي الصبح) ممن نقل هذا عنه عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر وجابر وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس والشافعي وجمهور أصحابه وغيرهم ﵃ (قلت) قالوا لأنها بين صلاتي جمع وهي لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها (وذهب قوم غلى أنها صلاة الظهر) وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة ابن زيد لأنها في وسط النهار وهي أوسط صلاة النهار في الطول واحتجوا بحديث زيد بن ثابت المتقدم
[ ١٨ / ٩١ ]
(عن زيد بن أرقم) (١) قال كان الرجل يكلم صاحبه على عهد النبي ﷺ في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية (وقوموا لله قانتين) فأمونا بالسكوت (عن أبي سعيد) (٢) عن رسول الله ﷺ قال كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة (٣) (باب ما جاء في فضل آية الكرسي) (عن أسماء بنت يزيد) (٤) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين (الله لا إله إلا هو الحي القيوم، والم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ان فيهما اسم الله الأعظم (حدثنا محمد بن جعفر) (٥) ثنا عثمان بن غياث قال سمعت أبا السليل قال كان رجل من أصحاب النبي ﷺ (٦) يحدث الناس حتى يكثروا عليه فيصعد على ظهر بيت فيحدث الناس قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أي آية في القرآن أعظم؟ قال فقال رجل (٧) (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) قال فوضع يده بين كتفي قال يهنك (٨) يا أبا المنذر العلم العلم
_________________
(١) وتقدم الكلام عليه (وقال قبيصة بن ذؤيب هي صلاة المغرب) لأنها وسط ليس بأقلها ولا أكثرها (وقال بعضهم إنها صلاة العشاء) ولم ينقل عن السلف فيها شيء وانما ذكرها بعض المتأخرين لأنها بين صلاتين لا تقصران (وقال بعضهم هي إحدى الصلواب الخمس) لا بعينها أبهمها الله تعالى تحريضا للعباد على المحافظة على أداء جميعها كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان وساعة اجابة الدعوى في يوم الجمعة وأخفى الاسم الأعظم في الاسماء ليحافظوا على جميعها والله أعلم (وأصح هذه الأقوال جميعها) وأقواها دليلا قول من قال ان الصلاة الوسطى صلاة العصر (قال الشوكاني) وهو المذهب الحق الذي يتعين المصير إليه ولا يرتاب في صحته من أنصف نفسه واطرح التقليد والعصبية وجود النظر إلى الأدلة والله الموفق (١) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب النهي عن الكلام في الصلاة من كتاب الصلاة في الجزء الرابع صحيفة ٧٢ رقم ٧٩٨ وهو حديث صحيح رواه البخاري والامام احمد وغيرهما (٢) (سنده) حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة ثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد (يعني الخدري) عن رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (٣) انما صرفه إلى الطاعة لأنها اكشف الأشياء واشهرها عند الناس فالعامة انما تعرف الطاعة والمعصية فكل ما أمر الله به فهو طاعة وما نهى عنه فهو معصية (تخريجه) (عل) وفي اسناده ابن لهيعة حديثه حسن اذا قال حدثنا وقد صرح في هذا الحديث بالتحديث وفيه أيضا دراج بتشديد الراء السهمي قاضي مصر عن أبي الهيثم وثقه ابن منير وضعفه الدارقطني قال أبو داود حديثه مستقيم إلا عن أبي الهيثم وعلى هذا فالحديث ضعيف (باب) (٤) (سنده) حدثنا محمد بن بكر أنا عبيد الله بن أبي زياد قال ثنا شهر بن حوشب عن اسماء بنت يزيد الخ (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للامام احمد وقال وكذا رواه أبو داود عن مسدد والترمذي عن علي بن حشرم وابن ماجه عن أبي بكر بن ابي شيبة ثلاثتهم عن عيسى بن يونس عن عبيد الله بن أبي زياد به وقال الترمذي حسن صحيح اهـ (قلت) ويستفاد منه أن اسم الله الاعظم هو (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) والله أعلم (٥) (حدثنا محمد بن جعفر الخ) (غريبه) (٦) هو ابي بن كعب ﵁ كما يدل عليه آخر الحديث والحديث التالي (٧) هو أبي بن كعب أيضا وأبهم نفسه تواضعا (٨) جاء في الحديث
[ ١٨ / ٩٢ ]
(عن عبد الله بن رباح) (١) عن أبي أن النبي ﷺ ساله أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال الله ورسوله أعلم فرددها مرارا ثم قال أبي آية الكرسي قال ليهنك العلم أبا المنذر والذي نفسير بيده إن لها لسانا وشفتين تقدس (٢) الملك عند ساق العرش (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) (٣) عن أبي أيوب (الأنصاري ﵁) أنه كان في سهوة (٤) له فكانت الغول (٥) تجيء فتأخذ
_________________
(١) التالي بلفظ (ليهنك العلم) بصيغة الأمر للغائب أي ليكن العلم هنيئا لك قال ابن الملك هذا دعاء له بتيسير العلم له ورسوخه فيه (وقوله يا أبا المنذر) كنية أبي بن كعب وبهذا يعلم أن راوي الحديث عن النبي ﷺ هو أبي بن كعب ﵁ وكرر لفظ العلم مرتين للتأكيد (تخريجه) لم اقف عليه بهذا اللفظ لغير الامام احمد واورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح اهـ (قلت) ويؤيده ايضا الحديث التالي (١) (سنده) حدثنا عبد الرزاق أنا سفيان عن سعيد الجريري عن أبي السليل عن عبد الله بن رباح عن أبي (ز) وحدثنا عبد الله حدثني عبيد الله القواريري ثنا جعفر بن سليمان ثنا الجريري عن بعض اصحابه عن عبد الله بن رباح عن أبي (يعني ابن كعب) أن النبي ﷺ الخ (غريبه) (٢) أي تنزه ملك الملوك وهو الله ﷿ عن كل عيب ونقص والحديث محمول على ظاهره فإن الله ﷿ قادر على ايجاد النطق واللسان والشفتين بكل شيء كيف وهو القائل (ولقد الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) ولذلك نظائر كثيرة منها حديث ابن عباس مرفوعا (يأتي الحجر (يعني الحجر الأسود) يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق) وهو حديث صحيح وتقدم في الجزء الثاني عشر في كتاب الحج صحيفة ٢٥ رقم ٢٣١ فارجع اليه (تخريجه) (م) من طريق الجريري أيضا بسند الامام أحمد وليس عنده زيادة (والذي نفسي بيده) الخ وقد جاء هذا الحديث في المسند بسندين السند الأول للامام احمد والسند الثاني لعبد الله بن الامام احمد في زوائده على مسند أبيه وفي سند عبد الله رجل مبهم وأظنه ابا السليل والله أعلم والحديث صحيح وأورده الهيثمي وقال هو في الصحيح باختصار رواه احمد ورجاله رجال الصحيح اهـ (قال ابن الملك) وفي هذا الحديث (يعني والذي قبله) حجة للقول بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض وهو المختار فيكون جميع الآيات فاضلة وبعضها أفضل بمعنى أن يكون الثواب بها أكثر لمعنى فيها كما كان يقال في جميعها بليغ وبعضها ابلغ اهـ والله أعلم (٣) (سنده) حدثنا أبو أحمد ثنا سفيان عن ابن ابي ليلى عن أخيه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الخ (قلت) سفيان هو الثورى (عن أبن أبي ليلى) هو محمد بن عبد الرحمن بن ابي ليلى الأنصاري الكوفي (عن أخيه) هو عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الانصاري الكوفي (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الانصاري المدني ثم الكوفي ثقة من كبار التابعين والد محمد وعيسى المذكورين (فائدة) ابن ابي ليلى إذا اطلق في كتب الفقه فالمراد به محمد بن عبد الرحمن بن يسار الكوفي واذا اطلق في كتب الحديث فالمراد به أبوه كذا في جامع الاصول لابن الأثير (غريبه) (٤) قال في النهاية السهوة بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع (بضم الميم وسكون المعجمة) والخزانة وقيل هو كالصفة تكون بين يدي البيت وقيل شبيه بالرف أو الطاق يوضع فيه الشيء اهـ (٥) قال المنذري بضم الغين المعجمة
[ ١٨ / ٩٣ ]
فشكاها إلى النبي ﷺ فقال اذا رأيتها فقل بسم الله أجيبي رسول الله قال فجاءت فقال لها فأخذها فقالت له انى لا أعود فأرسلها فجاء فقال له النبي ﷺ ما فعل أسيرك؟ قال أخذتها فقالت لي اني لا أعود فأرسلتها فقال انها عائدة فأخذتها مرتين أو ثلاثا كل ذلك تقول لا أعود ويجيء إلى النبي ﷺ فيقول له ما فعل اسيرك؟ فيقول أخذتها فتقول لا اعود فيقول انها عائدة فأخذها فقالت أرسلني وأعملك شيئا تقول فلا يقربك شيء (١) آية الكرسي فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال صدقت وهي كذوب (٢) (باب واذ قال ابراهيم رب ارني كيف تحيي الموتى) (عن أبي ابراهيم) (٣) أن رسول الله ﷺ قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ﵇ (٤) إذ قال (رب ارني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن؟ (٥) قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) قال رسول الله ﷺ يرحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد (٦) ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت
_________________
(١) هو شيطان يأكل الناس وقيل هو من يتلون من الجن اهـ وقال في النهاية الغول أحد الغيلان وهي جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولا أي تتلون تلونا في صور شتى وتغولهم أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم فنفاه النبي ﷺ وأبطله يعني بقوله (لا غول ولا صفر) قيل قوله لا غول ليس نفيا لعين الغول ووجوده وانما فيه ابطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة واغتياله فيكون المعنى بقوله لا غول أنها لا تستطيع أن تضل أحدا ثم ذكر حديث (اذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان) أي ادفعوا شرها بذكر الله وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها (١) جاء عند الترمذي (فلا يقربك شيطان ولا غيره) أي مما يضرك (٢) هو من التتميم البليغ لأنه لما أوهم مدحها بوصفه الصدق في قوله صدقت استدرك نفي الصدق عنها بصيغة مبالغة والمعنى صدقت في هذا القول مع أنها عادتها الكذب المستمر وهو كقولهم قد يصدق الكذوب وقد وقع أيضا لابي هريرة عند البخاري وأبي بن كعب عند النسائي وأبي أسيد الانصاري عند الطبراني وزيد بن ثابت عند ابن أبي الدنيا قصص في ذلك وهو محمول على التعدد والله أعلم (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث حسن غريب وأورده المنذري في الترغيب وذكر تحسين الترمذي وأقره (باب) (٣) (سنده) حدثنا وهب ابن جرير ثنا أبي قال سمعت يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة الخ (غريبه) (٤) معناه لو كان الشك في القدرة متطرقا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به وقد علمتم أني لم اشك فإبراهيم ﷺ لم يشك وقيل لما نزلت هذه الآية قال قوم شك ابراهيم ولم يشك نبينا فقال ﷺ هذا القول تواضعا منه وتقديما لابراهيم على نفسه ومعلوم أنه لا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك في إحياء الموتى لأنه كفر والأنبياء متفقون على الايمان بالبعث فقول ابراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام (رب ارني كيف تحيي الموتى) يريد أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وايصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين (٥) عطف على مقدر أي لم تعلم ولم تؤمن بأني قادر على الاحياء كيف أشاء (قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) أي آمنت ولكن سألت ذلك ليزداد قلبي سكونا بانضمام العلوم بالبيان إلى المعلوم بالبرهان (٦) يشير إلى الآية (لو أن لي بكم قوة أو آوى ركن شديد) يعني الاله القوي المتين فإنه لا ركن أقوى
[ ١٨ / ٩٤ ]
الداعي (١) (باب لله ما في السموات وما في الأرض وان تبدو مافي أنفسكم أو تخفوه الخ) (عن أبي هريرة) (٢) قال لما أنزل على رسول الله ﷺ (لله ما في السموات وما في الأرض (٣) وان تبدوا ما في أنفسكم (٤) أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء (٥) والله على كل شيء قدير) فاشتد ذلك على صحابة رسول الله ﷺ (٦) فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب فقالوا يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق من الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله ﷺ أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم (٧) سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير فقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير فلما أقر بها القوم وذلت لها السنتهم أنزل الله ﷿ في اثرها (آمن الرسول (٨) بما أنزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق (٩) بين أحد من رسله) قال عفان (١٠) قرأها سلام أبو المنذر يفرق (١١) (وقالوا سمعنا (١٢)
_________________
(١) منه يركن اليه ويعتمد عليه جل شأنه (١) أي لأسرعت الاجابة في الخروج من السجن عند ما قال الملك (ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع الى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) ولما قدمت طلب البراءة فرصفه بشدة الصبر والأناة حيث لم يبادر بالخروج وانما قال ﷺ تواضعا والتواضع لا يحط مرتبة الكبير بل يزيده رفعة واجلالا وقيل هو من جنس قوله لا تفضلوني على يونس وقد قيل انه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل من الجميع والله أعلم (تخريجه) (ق جه) (باب) (٢) (سنده) حدثنا عفان قال ثنا عبد الرحمن بن ابراهيم قال ثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة الخ (التفسير) (٣) أي ملكا وأهلها له عبيد وهو مالكهم (٤) يعني ما في قلوبكم مما عزمتم عليه (٥) قال الامام البغوي في تفسيره ومعنى هذه الآية (وان تبدوا ما في أنفسكم) فتعملوا به (أو تخفوه) مما اضمرتم ونويتم (يحاسبكم به الله) ويخبركم به ويعرفكم اياه ثم يغفر للمؤمن اظهارا لفضله ويعذب الكافرين اظاهرا لعدله وهذا معنى قول الضحاك ويروى عن ابن عباس ما يدل عليه انه قال يحاسبكم به الله ولم يقل يؤاخذكم به والمحاسبة غير المؤاخذة (والله على كل شيء قدير) ومنه محاسبتكم وجزاؤكم (٦) انما اشتد ذلك عليهم وهمهم هذا الأمر جدا لكونهم فهموا أن الله ﷿ يحاسبهم ويؤاخذهم بكل شيء حتى ما حدثت به نفوسهم وما خطر بقلوبهم (٧) يعني اليهود والنصارى (٨) أي صدق محمد (بما أنزل اليه من ربه) أي من القرآن (والمؤمنون) عطف عليه (كل) تنوينه عوض من المضاف اليه يعني كل واحد منهم ولذلك وحد (٩) فيه اضمار أي يقولون لا نفرق (بين أحد من رسله) فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى (١٠) يعني أحد رجال السند (١١) أي بالياء التحتية بدل النون وهي قراءة يعقوب فيكون خبرا عن الرسول أو معناه لا يفرق الكل وانما قال بين أحد ولم يقل بين آحاد لأن الأحد يكون للواحد والجمع قال تعالى (فما منكم من أحد عنه حاجزين) (١٢) أي سمعنا ما أمرنا به سماع قبول (وأطعنا) أمرك روى عن حكيم عن جابر أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ حين نزلت هذه الآية ان الله ﷿ قد أثنى عليك وعلى أمتك فسل تعطه فسأل بتلقين الله تعالى فقال (غفرانك ربنا) بالنصب على المصدر أي اغفر غفرانك أو على المفعول به أي نسألك غفرانك (واليك المصير) أي
[ ١٨ / ٩٥ ]
وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) فلما فعلوا ذلك نسخها (١) الله ﵎ بقوله (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها (٢) لها ما كسبت وعليها وما اكتسبت) فصار له ما كسبت من خير وعليه ما اكتسبت من شر فسر العلاء هذا (٣) (ربنا لا تؤاخذنا (٤) ان نسينا أو أخطأنا) قال نعم (ربنا ولا تحمل علينا اصرا (٥) كما حملته على الذين من قبلنا (٦) قال نعم (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به (٧) قال نعم (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (٨)
_________________
(١) المرجع بالبعث (١) قال المازري رحمة الله في تسمية هذا نسخا نظر لأنه انما يكون نسخا اذا تعذر البناء ولم يكن رد احدى الآيتين إلى الأخرى وقوله تعالى (وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه) عموم يصح أن يشتمل على ما يملك من الخواطر دون ما لا يملك فتكون الآية الآخرى مخصصة إلا أن يكون قد فهمت الصحابة بقرينة الحال أنه تقرر تعبدهم بما لا يملك من الخواطر فيكون حينئذ نسخا لأنه رفع ثابت مستقر هذا كلام المازري (قال القاضي عياض) لا وجه لإبعاد النسخ في هذه القضية فإن راويها قد روى فيها النسخ ونص عليه لفظا ومعنى بأمر النبي ﷺ لهم بالايمان والسمع والطاعة لما أعلمهم الله تعالى من مؤاخذته إياهم فلما فعلوا ذلك والقى الله تعالى الايمان في قلوبهم وذلت بالاستسلام لذلك السنتهم كما نص عليه في هذا الحديث رفع الحرج عنهم ونسخ هذا التكليف وطريق علم النسخ انما هو بالخبر عنه أو بالتاريخ وهما مجتمعان في هذه الآية (قال القاضي) وقوله المازري انما يكون نسخا اذا تعذر البناء كلام صحيح فيما لم يرد فيه النص بالنسخ فإن ورد وقفنا عنده (٢) الوسع اسم لما يسع الانسان ولا يضيق عليه واختلفوا في تأويله فذهب ابن عباس وعطاء وأكثر المفسرين إلى أنه أراد به حديث النفس الذي ذكر في قوله (وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه) وروى عن ابن عباس أنه قال هم المؤمنون خاصة وسع عليهم أمر دينهم ولم يكلفهم فيه إلا ما يستطيعون كما قال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقال (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وسئل سفيان بن عيينة عن قوله ﷿ (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) قال الا يسرها ولم يكلفها فوق طاقتها وهذا قول حسن لأن الوسع ما دون الطاقة (٣) يعني أن قوله فصار له ما كسبت الخ من تفسير العلاء أحد رجال السند ومعنى فصار له ما كسبت أي صار للعبد ما كسبت نفسه من الخير الأجر والثواب وعليه ما اكتسبت من الشر الوزر والعقاب (٤) أي لا تعاقبنا (ان نسينا أو أخطأنا) جعله الأكثرون من الخطأ الذي هو الجهل والسهو لأن ما كان عمدا من الذنب فغير معفو عنه بل هو في مشيئة الله والخطأ معفو عنه قال ﷺ (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٥) أي أمرا يثقل علينا حمله (٦) قيل معناه لا تشددوا ولا تغلظ الأمر علينا كما شددت على من قبلنا من اليهود وذلك أن الله فرض عليهم خمسين صلاة وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها ومن أصاب ذنبا أصبح وذنبه مكتوب على بابه ونحوها من الاثقال والأغلال (٧) أي لا تكلفنا من الاعمال ما لا نطيقه من التكاليف والبلاء (واعف عنا) أي تجاوز وامح عنا ذنوبنا (واغفر لنا) أي استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا (وارحمنا) فاننا لا ننال العمل إلا بطاعتك ولا نترك معصيتك إلا برحمتك (أنت مولانا) سيدنا ومتولى أمورنا وحافظنا وناصرنا (فانصرنا على القوم الكافرين) باقامة الحجة والغلبة في قتالهم فان من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء (٨) زاد مسلم قال نعم (تخريجه) (م) والبغوي في تفسيره
[ ١٨ / ٩٦ ]
(عن ابن عباس) (١) قال لما نزلت هذه الآية (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) قال دخل قلوبهم منها شيء (٢) لم يدخل قلوبهم من شيء فقال النبي ﷺ قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا فألقى الله الايمان في قلوبهم فأنزل الله ﷿ (آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه والمؤمنون) (فذكر في الحديث الآيات إلى آخر السورة) (٣) قال أبو عبد الرحمن (يعني عبد الله بن الامام احمد) آدم هذا (٤) هو أبو يحيى بن آدم (عن مجاهد) (٥) قال دخلت على ابن عباس ﵄ فقلت يا أبا عباس كنت عند ابن عمر ﵄ فقرأ هذه الآية فبكى قال أية آية؟ قلت (ان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) قال ابن عباس ان هذه الآية حين أنزلت غمت اصحاب رسول الله ﷺ غما شديدا وغاظتهم غيظا شديدا يعني وقالوا يا رسول الله هلكنا ان كنا نؤاخذ مما تكلمنا وبما نفعل فأما قلوبنا فليست بأيدينا فقال لهم رسول الله ﷺ قولوا سمعنا واطعنا قال فنسختها (٦) هذه الآية (آمن رسول بما أنزل اليه من ربه والمؤمنون الى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) فتجوز لهم عن حديث النفس (٧) وأخذوا بالأعمال (عن علي بن زيد) (٨) عن أمية أنها سألت عائشة ﵂ عن هذه الآية (إن تبدوا
_________________
(١) (سنده) حدثنا وكيع ثنا سفيان عن آدم بن سلمان مولى خالد بن خالد قال سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) أي من الغم والغيظ كما سيأتي في الحديث التالي (وقوله لم يدخل قلوبهم من شيء) أي من شيء آخر مثله (٣) زاد مسلم في روايته عند قوله (ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا) قال قد فعلت وكذلك عند قوله (ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا) قال قد فعلت وكذلك عند قوله (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) قال قد فعلت وكذلك عند قوله (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) قال قد فعلت (تخريجه) (م) وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للامام احمد ومسلم (٤) يعني المذكور في السند (٥) (سنده) حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد الخ (غريبه) (٦) تقدم الكلام على النسخ في شرح الحديث السابق (٧) لما كان حديث النفس مما لا يملكه أحد ولا يقدر عليه ولا يقدر عليه أحد عفا الله عنه والى ذلك ذهب جماهير العلماء وأهل السنة وهو الذي يفهم من هذه الآية ومن سنة رسول الله ﷺ (عن أبي هريرة) قال قال رسول الله ﷺ ان الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا ويعملوا رواه مسلم وغيره (وعن ابن عباس) عن النبي ﷺ فيما يروى عن ربه ﵎ قال ان الله ﷿ كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وان هم بها فعملها كتبها الله ﷿ عنده عشر حسنات الى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وان هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة (يعني ان تركها خوفا من الله ﷿ كما صرح بذلك في رواية لمسلم بلفظ (فاكتبوها له حسنة انما تركها من جزاي (بفتح الجيم وتشديد الراء والمد والقصر أي من أجلي) فان عملها كتبت له سيئة واحدة رواه مسلم (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للامام احمد وعزاه الحافظ السيوطي في الدر المنثور لعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وقد مضى معناه في الحديث السابق وهذا الحديث سنده صحيح والله أعلم (٨) (سنده) حدثنا بهز ثنا حماد
[ ١٨ / ٩٧ ]
ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) وعن هذه الآية (من يعمل سوءا (١) يجزيه) فقالت ما سألني عنهما أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنهما فقال يا عائشة هذه (٢) معاتبة الله ﷿ العبد بما يصيبه من الحمى (٣) والنكبة والشوكة حتى البضاعة (٤) يضعها في كمه فيفقدها (٥) فيفزع لها فيجدها في ضبنه حتى أن المؤمن (٦) ليخرج من ذنوبه (٧) كما يخرج التبر الأحمر من الكير (باب ما جاء في فضل خواتم البقرة) (عن النعمان بن بشير) (٨) أن رسول الله ﷺ قال ان الله كتب كتابا (٩) قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام (١٠) فأنزل منه آيتين فختم
_________________
(١) عن علي بن زيد الخ (غريبه) (١) السوء القبيح من القول سواء كان ظاهرا أو باطنا صغيرا أو كبيرا (يجزيه) إما في الآخرة أو في الدنيا بالبلاء والمحن إلا ما شاء ممن شاء (٢) اشارة إلى مفهوم الآيتين المسئول عنهما أي محاسبة العباد ومجازاتهم بما يبدون وما يخفون من الأعمال (معاتبة الله ﷿ العبد الخ) أي مؤاخذته العبد بما اقترف من الذنب (بما يصيبه) أي في الدنيا وهو صلة معاتبة ويصح كون الباء سببية (٣) يعني وغيرها مؤاخذة المعاتب وانما خصت الحمى بالذكر لأنها من أشد الأمراض وأخطرها قال في المفاتيح العتاب أن يظهر أحد الخليلين في نفسه الغضب على خليله لسوء أدب ظهر منه مع أن في قلبه محبته يعني ليس معنى الآية أن يعذب الله المؤمنين بجميع ذنوبهم يوم القيامة بل معناها أن يلحقهم بالجوع والعطش والمرض وغير ذلك من المكاره حتى إذا خرجوا من الدنيا صاروا مطهرين من الذنوب (قال الطيبي) كأنها فهمت أن هذه مؤاخذة عقاب أخروي فأجابها بأنها مؤاخذة عتاب في الدنيا عناية ورحمة اهـ (وقوله والنكبة) بفتح النون أي المحنة وما يصيب الانسان من حوادث الدهر (٤) البضاعة بالجر عطف على ما قبلها وبالرفع على الابتداء وهي بالكسر طائفة من مال الرجل (يضعها في كمه) جاء عند الترمذي بلفظ (يضعها في يد قميصه) اي كمه سمي باسم ما يحمل فيه ووقع في بعض نسخ الترمذي (في كم قميصه) (٥) أي يتفقدها ويطلبها فلم يجدها فيتوهم أنها سقطت أو أخذها سارق (فيفزع لها فيجدها في ضبنه) الضين بكسر الضاد المعجمة وسكون الموحدة الجنب والناحية والناحية والحضن وما بين الكشح والإبط (قال الطيبي) يعني اذا وضع بضاعة في كمه ووهم أنها غابت فطلبها وفزع كفرت عنه ذنوبه وفيه من المبالغة مالا يخفى (حتى) أي لا يزال يكرر عليه تلك الأحوال (٦) وفي رواية حتى أن العبد قال القارى بكسر الهمزة واظهر العبد موضع ضميره اظهارا لكمال العبودية المقتضى الصبر والرضا بأحكام الربوبية (٧) أي بسبب الابتلاء بالبلاء (كما يخرج التبر الأحمر) أي الذهب يخرج من الكير صافيا نقيا (والكير) بالكسر الزق الذي ينفخ به النار (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة اهـ وأخرجه أيضا ابن جرير وابن أبي حاتم والبغوي وفي اسناده علي بن زيد ابن جدعان قال الامام احمد وأبو زرعة ليس بالقوي وقال ابن خزيمة سيء الحفظ وقال يعقوب بن شيبه ثقة وقال الترمذي صدوق إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره وقال شعبة حدثنا علي بن زيد قبل أن يختلط قرنه مسلم بآخر (باب) (٨) (سنده) حدثنا روح وعفان قالا ثنا حماد بن سلمة عن الأشعث بن عبد الرحمن الجرمي عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن النعمان بن بشير الخ (غريبه) (٩) أي في اللوح المحفوظ فيه ما كان وما يكون ومن جملته القرآن (١٠) فائدة التوقيت تعريفه إيانا فضل
[ ١٨ / ٩٨ ]
بهما سورة البقرة ولا يقرآن (١) في دار ثلاث ليال فيقربها (٢) الشيطان (عن أبي مسعود) (٣) عن النبي ﷺ قال من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه (٤) (عن عقبة بن عامر) (٥) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر اقرءوا هاتين الآيتين اللتين من آخر سورة البقرة (٦) فإن ربي ﷿ أعطاهن أو أعطانيهن من تحت العرش (وعنه من طريق ثان) (٧) قال قال لي رسول الله ﷺ اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فإني أعطيتهما من تحت العرش (عن أبي ذر) (٨) قال قال رسول الله ﷺ أعطيت خواتيم سورة البقرة من بيت كنز من تحت العرش (٩) لم يعطهن نبي قبلي (باب ما جاء في تفسير سورة آل عمران وبيان اسم الله الأعظم)
_________________
(١) الآيتين إذ سبق الشيء بالذكر على غيره يدل على اختصاصه بفضيلته قاله القاضي عياض (فأنزل منه) أي من جملة الكتاب المذكور (الآيتين) اللتين (ختم بهما سورة البقرة) أي جعلهما خاتمتها وأولهما (آمن الرسول) إلى آخرها وقيل (لله ما في السموات وما في الأرض) (١) جاء في رواية عفان أحد الراويين اللذين روى عنهما الامام احمد هذا الحديث (فلا تقرءان في دار) اي في مكان دار أو خلوة أو مسجد أو مدرسة أو غيرها (ثلاث ليال) أي في كل ليلة منها وكذا في ثلاثة أيام فيما يظهر وانما خص الليل لأنه محل سكون الآدميين وانتشار الشياطين (٢) عبر بنفي القرب ليفيد نفي الدخول بالأولى (تخريجه) (مذ نس مي حب) وقال الترمذي هذا حديث غريبه ولكن قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب اهـ (قلت) وصححه الحاكم وأقره الذهبي (٣) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم ثنا شريك عن عاصم عن المسيب بن رافع عن علقمة عن أبي مسعود (يعني البدري الانصاري) الخ (غريبه) (٤) قال النووي قيل معناه كفتاه من قيام الليل وقيل من الشيطان وقيل من الآفات ويحتمل من الجميع (تخريجه) (ق والأربعة وغيرهم) (٥) (سنده) حدثنا يحيى بن اسحاق انا ابن لهيعة عن يزيد عن أبي الخير عن عقبة بن عامر الخ (غريبه) (٦) المراد بالآيتين في هذا الحديث وما قبله من أحاديث الباب هما (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) إلى آخر السورة كما جاء ذلك صريحا عند الطبراني من حديث عقبة بن عامر أيضا موقوفا عليه قال ترددوا في الآيتين من آخر سورة البقرة (آمن الرسول) إلى خاتمتها فإن الله اصطفى بها محمدا ﷺ أورده الهيثمي وقال فيه عمر بن الحارث سويد الحاسب المهري ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح (٧) (سنده) حدثنا اسحاق بن ابراهيم الرازي ثنا سلمة بن الفضل قال حدثني محمد بن اسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عقبة بن عامر الجهني قال قال لي رسول الله ﷺ الخ (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه (حم عل طب) وفيه سلمة بن الفضل وثقه ابن حبان وقال يخطئ (قلت) ووثقه ايضا ابن معين وقال مرة (ليس به بأس يتشيع) قال الهيثمي وضعفه جماعة وقد تابعه ابن لهيعة فالحديث حسن اهـ (قلت) سلمة بن الفضل جاء في سند الطريق الثانية وتابعه ابن لهيعة في الطريق الأولى وأورده الحافظ ابن كثير الطريق الثانية في تفسيره وقال هذا اسناد حسن ولم يخرجوه في كتبهم (٨) (سنده) حدثنا حسين حدثنا شيبان عن منصور عن ربعي عن خرشة بن الحر عن المغرور بن سويد عن أبي ذر الخ (غريبه) (٩) جاء في رواية أخرى عنه أيضا بلفظ (من كنز من بيت تحت العرش) الخ (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه كله أحمد بأسانيد ورجال احدها رجال الصحيح اهـ (قلت) وهو
[ ١٨ / ٩٩ ]
(عن أسماء بنت يزيد) (١) (قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين (الله لا إله إلا هو الحي القيوم، والم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ان فيها اسم الله الأعظم (باب قوله ﷿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات الخ) (عن عائشة ﵂) (٢) ان النبي ﷺ تلا هذه الآية هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات (٣) هن أم الكتاب (٤) وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ (٥) فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله) (٦) فقال رسول الله ﷺ فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فألئك
_________________
(١) الذي أثبته هنا وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للامام احمد بهذا السند قال وقد رواه بن مردوية من حديث الأشجعي عن الثوري عن منصور عن ربعي عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر قال قال رسول الله ﷺ أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش اهـ (١) (عن أسماء الخ) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب ما جاء في فضل آية الكرسي صحيفة ٩٢ رقم ١٩٦ (باب) (٢) (سنده) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال ثنا يزيد بن ابراهيم عن ابن ابي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة الخ (غريبه) (٣) قال الحافظ قيل المحكم في القرآن ما وضع معناه والمتشابه نقيضه وسمى المحكم بذلك لوضوح مفردات كلامه واتقان تركيبه بخلاف المتشابه وقيل المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل والمتشابه استأثر الله بعلمه كقيام الساعة وخروج الدجال والحروف المقطعة في أوائل السور وقيل في تفسير المحكم والمتشابه أقوال أخرى غير هذه نحو العشرة ليس هذا موضع بسطها وما ذكرته أشهرها وأقربها إلى الصواب وذكر الاسناد أبو منصور البغدادي أن الأخير هو الصحيح عندنا وابن السمعاني أنه أحسن الأقوال والمختار على طريقة أهل السنة وعلى القول الأول جرى المتأخرون اهـ (٤) أي عن أصل الكتاب الذي يعول عليه في الأحكام ويعمل به في الحلال والحرام (فإن قيل) كيف قال عن أم الكتاب ولم يقل هن أمهات الكتاب (فالجواب) أن الآيات في اجتماعها وتكاملها كالآية الواحدة وكلام الله كله شيء واحد وقيل إن كل آية منهن أم الكتاب كما قال (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) يعني ان كل واحد منهما آية (فإن قيل) قد جعل الله الكتاب هنا محكما ومتشابها وجعله في موضع آخر كله محكما فقال في أول هود (الر كتاب أحكمت آياته) وجعله في موضع آخر كله متشابها فقال تعالى في الزمر (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها) فكيف الجمع بين هذه الآيات (فالجواب) يقال حيث جعله كله محكما أراد أنه كله حق وصدق ليس فيه عبث ولا هزل وحيث جعله كله متشابها أراد أن بعضه يشبه بعضا في الحسن والحق والصدق (٥) أي ميل عن الحق وقيل الزيغ الشك (فيبتغون ما تشابه منه) أي انما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لا يصرفونه أما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم ولهذا قال تعالى (ابتغاء الفتنة) أي الاحتلال لاتباعهم لأنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم (٦) بقية الآية (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا ألوا الألباب) وقد اختلف القراء في الوقف هاهنا فقيل الوقف على الجلالة من قوله تعالى (وما يعلم تأويله إلا الله) وهو قول ابن عباس ويروى هذا القول عن عائشة وعروة وغيرهم واختاره ابن جرير ومنهم من يقف على قوله
[ ١٨ / ١٠٠ ]
الذي سمى الله (١) أو فهم فاحذروهم (عن أبي غالب) (٢) قال سمعت أبا أمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله ﷿ (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه) قال هم الخوارج (٣) وفي قوله
_________________
(١) (والراسخون في العلم) وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول وقالوا الخطاب مما لا يفهم بعيد (ومن العلماء من فصل في هذا المقام) فقال التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان (أحدهما) التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه ومنه قوله تعالى (وقال يا ابت هذا تأويل رؤياي من قبل) فأن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمها على الجلية إلا الله ﷿ ويكون قوله والراسخون في العلم مبتدأ ويقولون آمنا به خبره واما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله (نبئنا بتأويله) أي بتفسيره فإن أريد به هذا المعنى فالوقف على الراسخون في العلم لأنهم يعملون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار وعلى هذا فيكون في قوله (يقولون آمنا به) حال منهم وساغ هذا وأن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه كقوله تعالى (وجاء ربك والملك صفا صفا) أي وجاء الملائكة صفوفا صفوفا وقوله أخبارا عنهم أنهم يقولون آمنا به أي المتشابه (وقوله كل من عند ربنا) أي الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق وكل واحد منهما بصدق الآخرون ويشهد له لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد (١) أي سماهم الله بقوله (فأما الذين في قلوبهم زيغ الخ) وقولهم (أوفهم) أو للشك من الراوي شك هل قال فأولئك الذين سمى الله أوفهم الذين سمى الله (فاحذروهم) أي لا تجالسوهم ولا تكالموهم أيها المؤمنون والمقصود التحذير من الاصغاء إلى الذين يتبعون المتشابه من القرآن وأول ما ظهر ذلك من اليهود كما ذكره ابن اسحاق في تأويلهم الحروف المقطعة وان عددها بالجمل مقدار مدة هذه الأمة ثم أول ما ظهر في الاسلام من الخوارج حتى جاء عن ابن عباس انه فسر بهم الآية وقصة عمر في انكاره على ضبيع لما بلغه انه يتبع المتشابه فضربه على رأسه حتى أدماه أخرجها الدارمي وغيره (تخريجه) (ق د جه وغيرهم) (٢) (سنده) حدثنا أبو كامل ثنا حماد عن أبي غالب الخ (غريبه) (٣) الخوارج قوم خرجوا على الدين وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي ﷺ غنائم حنين فكأنهم رأوا بعقولهم الفاسدة انه ﷺ لم يعدل فقد روى مسلم وغيره من حديث جابر بن عبد الله قال أتى رجل رسول الله ﷺ بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبض منها يعطي الناس فقال يا محمد اعدل قال ويلك ومن يعدل اذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت ان لم أكن أعدل فقال عمر بن الخطاب ﵁ دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق فقال معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي ان هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية زاد في رواية من وجه آخر لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وله في أخرى من حديث على أن النبي ﷺ قال فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة قال الحافظ ابن كثير في تفسيره كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب ﵁ وقتلهم بالنهروان ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة ثم انبعثت القدرية ثم المعتزلة ثم الجهمية وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ في قوله (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال من كان علي ما أنا عليه وأصحابي) أخرجه الحاكم
[ ١٨ / ١٠١ ]
(يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) قال هم الخوارج (باب شهد الله انه لا إله إلا هو الخ) (عن الزبير بن العوام) (١) قال سمعت رسول الله ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية (شهد الله أنه لا إله إلا هو (٢) والملائكة وأولو العلم (٣) قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب (باب إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) (عن أبي هريرة) (٤) قال قال رسول الله ﷺ ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان (٥) فيستهل صارخا (٦) من نسخة الشيطان إلا ابن مريم وأمه (٧) قال أبو هريرة اقرءوا ان شئتم (٨) (اني أعيذها بك (٩) وذريتها من الشيطان الرجيم) (باب ان الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلا) (عن عبد الله) (١٠) قال قال رسول الله ﷺ من حلف على يمين هو فيها فاجر (١١) ليقتطع مال امرئ مسلم لقى الله ﷿ وهو عليه
_________________
(١) في مستدركه بهذه الزيادة (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للامام احمد قال وقد رواه ابن مردوية من غير وجه عن أبي غالب عن أبي أمامة فذكره وهذا الحديث أقل اقسامه أن يكون موقوفا من كلام الصحابي ومعناه صحيح (باب) (١) (سنده) حدثنا يزيد حدثنا بقية بن الوليد حدثني جبير بن عمرو عن أبي سعد الانصاري عن يحيى مولى آل الزبير بن العوام عن الزبير بن العوام الخ (غريبه) (٢) أي بين لخلقه بالدلائل والآيات (أنه لا إله) أي لا معبود في الوجود بحق إلا هو (٣) أي وشهد بذلك الملائكة بالاقرار وألوا العلم من الانبياء والمؤمنين بالاعتقاد واللفظ (وقوله قائما) نصب على الحال والعامل معنى الجملة أي تفرد (بالقسط) أي العدل (لا اله إلا هو) كرره تأكيدا (العزيز) في ملكه (الحكيم) في صنعه قال النبي ﷺ وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه احمد والطبراني الا انه قال وسمعت رسول الله يقول حين تلا هذه الآية (شهد الله أنه لا إله إلا هو) إلى قوله العزيز الحكيم قال وأنا اشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم وفي اسانيدهما مجاهيل اهـ (قلت) فالحديث ضعيف (باب) (٤) (سنده) حدثنا عبدالأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة الخ (غريبه) (٥) أي طعنه الشيطان ابتداءا للتسليط عليه وفي رواية للبخاري بلفظ (كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه) (٦) نصب على المصدر كقوله قم قائما لأن الاستهلال هو الصراخ (٧) يعني عيسى بن مريم وأمه مريم ﵉ حفظهما الله تعالى ببركة دعوة أمها حيث قالت اني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ولم يكن لمريم ذرية غير عيسى ﵇ زاد البخاري في رواية في باب صفة ابليس (ذهب يطعن فطعن في الحجاب) والمراد به الجلدة التي يكون فيها الجنين وهي المشيمة (قال النووي) وظاهر الحديث اختصاصها بعيسى وأمه واختار القاضي عياض أن جميع الانبياء يتشاركون فيها (قال القرطبي) وهو قول مجاهد (٨) هذه الجملة وهي قوله اقرءوا ان شئتم الخ من قول ابي هريرة يستشهد بها للحديث (٩) أي امنعها وأجيرها (بك وذريتها) أي أولادها (من الشيطان الرجيم) أي الطريد اللعين والرجيم المرمي بالشهب (تخريجه) (ق عب) وابن جرير وغيرهم (باب) (١٠) (سنده) حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله (يعني ابن مسعود) قال قال رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (١١) أي كاذب متعمد الكذب (ليقتطع) أي يأخذه لنفسه متملكا وهو يفتعل من القطع (مال امرئ) أي انسان سواء كان ذكرا أو أنثى (مسلم) أو ذمي أو معاهد
[ ١٨ / ١٠٢ ]
غضبان (١) فقال الأشعث بن قيس فيى (٢) كان والله ذلك كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي ﷺ فقال رسول الله بينة؟ قلت لا فقال لليهودي احلف فقلت يا رسول الله إذا يحلف فيذهب بمالي فأنزل الله تعالى (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا (٣) إلى آخر الآية) (عن شقيق بن سلمة) (٤) عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقى الله ﷿ وهو عليه غضبان قال فجاء الأشعث بن قيس فقال ما يحدثكم ابو عبد الرحمن؟ (٥) قال فحدثناه قال فيى كان هذا الحديث (٦) خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله ﷺ في بئر كانت لي في يده فجحدني فقال رسول الله ﷺ بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه قال قلت يا رسول الله مالي بيمينه (٧) وان تجعلها بيمينه تذهب بئري ان خصمي امرؤ فاجر (٨) قال فقال رسول الله ﷺ من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان قال وقرأ رسول الله ﷺ (إن الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمنا قليلا الآية) (٩) (وعنه من طريق ثان) (١٠) عن عبد الله ابن مسعود قال من حلف على يمين صبر (١١) يستحق بها مالا وهو فيها فاجر (١٢) لقى الله وهو عليه غضبان وإن تصديقها لقى القرآن (ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا) الخ الآية فخرج الأشعث وهو يقرؤها قال فيى أنزلت هذه الآية إن رجلا ادعى ركيا (١٣) لي فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال شاهداك أو يمينه فقلت أما انه ان حلف حلف فاجرا (١٤) فقال النبي ﷺ من حلف على يمين صبر يستحق بها مالا (١٥) لقى الله وهو عليه غضبان (باب كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ايمانهم)
_________________
(١) أو حقا من حقوقهم (١) اسم فاعل من الغضب والمراد لازمه كالعذاب والانتقام (٢) بكسر الفاء وتشديد التحتية (وقوله كان والله ذلك) أي كان سبب هذا الحديث قصتي مع اليهودي (٣) أي يستبدلون ويعتاضون عما عاهدوا الله عليه من اتباع محمد ﷺ وذكر صفته للناس وبيان أمره وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة وهي عروض هذه الحياة الدنيا الفانية (وبقية الآية) (أولئك لاخلاق لهم في الآخرة) أي لا نصيب لهم فيها ولا حظ لهم منها (ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة) أي برحمة منه لهم يعني لا يكلمهم كلام لطف بهم ولا ينظر اليهم بعين الرحمن (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم من الذنوب والأدناس بل يأمر بهم إلى النار (ولهم عذاب أليم) أي شديد مؤلم (تخريجه) (ق وغيرهما) (٤) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود عن شقيق بن سلمة الخ (غريبه) (٥) كنية عبد الله بن مسعود (٦) يعني أن هذا الحديث قيل بسببي فذكر القصة (٧) أي مالي بيمينه من حاجة ولا مصلحة (٨) يعني لا يتحاشى اليمين الكاذبة (٩) تقدم تفسير الآية والحديث في شرح الحديث السابق (١٠) (سنده) حدثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي ثنا منصور عن شقيق عن عبد الله بن مسعود الخ (١١) باضافه يمين إلى إلى صبر لما بينهما من االملابسة أي الزم بها وحبس عليها وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم وقيل لها مصبورة وان كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور لأنه انما صبر من أجلها أي حبس فوصفت بالصبر واضيفت اليه مجازا (نه) (١٢) أي غير جاهل ولا مكره ولا ناس (١٣) بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد الياء التحتية هي البئر وجمعها ركايا (١٤) أي كاذبا (١٥) أي ليس له
[ ١٨ / ١٠٣ ]
(عن ابن عباس) (١) أن رجلا (٢) من الأنصار ارتد عن الاسلام ولحق بالمشركين فأنزل الله تعالى (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم (٣) إلى آخر الآية) فبعث بها قومه (٤) فرجع تائبا فقبل النبي ﷺ ذلك منه وخلى عنه (باب إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا) (عن أنس بن مالك (٥) أن نبي الله ﷺ قال يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا اكنت مفتديا به؟ فيقول نعم يا رب قال فيقال لقد سئلت أيسر من ذلك (٦) فذلك قوله ﷿ (إن الذين كفروا وماتوا كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض (٧) ذهبا ولو افتدى به) (باب لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) (وعنه ﵁) (٨) قال لما نزلت (لن تنالوا البر (٩) حتى تنفقوا مما تحبون ومن ذا الذي يقرض الله (١٠)
_________________
(١) ولا يستحقه (تخريجه) (ق والأربعة وغيرهم) (١) (سنده) حدثنا علي بن عاصم عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) هو الحارث بن سويد كما جاء عند عبد الرزاق في جامعه (٣) كيف لفظة استفهام ومعناه جحد أي لا يهدي وقيل معناه كيف يهديهم الله في الآخرة إلى الجنة والثواب وبقية الآية (وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات) اي قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول ووضح لهم الأمر ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك فكيف يتمنى هؤلاء الهداية بعد ما تلبسوا به من العماية ولهذا قال تعالى (والله لا يهدي القوم الظالمين) ثم قال تعالى (أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) أي يلعنهم الله ويلعنهم خلقه (خالدين فيها) أي في اللعنة أو النار المدلول بها عليها (لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) أي لا يخفف عنهم ساعة واحدة ولا هم يمهلون (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه أنه من تاب اليه تاب عليه (٤) أي بهذه الآية جاء عند عبد الرزاق قال فحملها اليه رجل من قومه فقرأها عليه فقال الحارث أنك والله ما علمت لصدوق وان رسول الله ﷺ لأصدق منك وان الله لأصدق الثلاثة قال فرجع الحارث فأسلم فحسن اسلامه (تخريجه) الحديث سنده صحيح ورواه الطبري من طريق يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند كما نقله الحافظ ابن كثير في تفسيره ثم قال وهكذا رواه النسائي والحاكم وابن حبان من طريق داود بن أبي هند به قال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه (باب) (٥) (سنده) حدثنا روح ثنا سعيد عن قتادة ثنا أنس ابن مالك الخ (غريبه) (٦) زاد في رواية أخرى قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت الا أن تشرك وهذا معنى قوله في الحديث لقد سئلت أيس من ذلك يعني فأبيت (٧) أي قدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها (ذهبا) نصب على التمييز كقولهم عشرون درهما (ولو افتدى به) قيل معناه لو افتدى به والواو زائدة مقحمة (أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين) أي ومالهم من أحد ينقذهم من عذاب الله أو ولا يجيرهم من أليم عقابة (تخريجه) (ق وغيرهم) (باب) (٨) (سنده) حدثنا يحيى بن سعيد عن حميد عن أنس قال لما نزلت الخ (٩) يعني الجنة قاله ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقال مقاتل بن حيان التقوى وقيل الطاعة وقيل الخير (حتى تنفقوا مما تحبون) أي من أحب أموالكم (١٠) القرض اسم لكل ما يعطيه الانسان ليجازي عليه فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما أعد لهم
[ ١٨ / ١٠٤ ]
قرضا حسنا) (١) قال أبو طلحة يا رسول الله وحائطي (٢) الذي بمكان كذا وكذا (٣) والله لو استطعت أن أسرها لم أعلنها (٤) قال اجعله في فقراء أهلك (٥) (باب كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل) قال الله ﷿ (كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل إلا ما حرم اسرائيل على نفسه من قبل تنزل التوراة) (٦) (عن ابن عباس) (٧) قال حضرت عصابة من اليهود رسول الله ﷺ فقالوا يا ابا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنها لا يعلمهن إلا نبي فكان فيما سألوه أي الطعام حرم اسرائيل على نفسه قبل أن تنزل التوراة؟ قال فانشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن اسرائيل يعقوب ﵇ مرض مرضا شديدا فطال سقمه فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن من أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه فكان أحب الطعام إليه لحم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها فقالوا اللهم نعم (باب ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (عن علي ﵁) (٨) قال لما نزلت هذه الآية (ولله على الناس حج البيت من
_________________
(١) من الثواب قرضا لأنهم يعملونه لطلب ثوابه وفي الآية اختصار مجازه من ذا الذي يقرض عباد الله والمحتاجين من خلقه (١) قال الحسين بن علي الواقدي محتسبا طيبة به نفسه وقال ابن المبارك من مال مال حلال قال ولا يمن به ولا يؤذي وجواب الشرط (فيضاعفه له أضعافا كثيرة) قال السدي هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله ﷿ وقيل سبعمائة ضعف (٢) الحافظ هنا البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار (٣) جاء في رواية أخرى للامام أحمد والشيخين (وان أحب أموالي إلي بئير حاء) بفتح الموحدة وسكون الياء التحتية وفتح الراء اسم مكان فيه البستان في قبلي المسجد النبوي (٤) يريد أنه لا يقصد إلا وجه الله تعالى لا يقصد رياءا ولا سمعة ولو كان يمكنه ان يخفي ذلك حتى لا يعلم لفعل (٥) جاء في رواية للبخاري فجعلها أبو طلحة في ذوي رحمة وكان منهم حسان وأبي بن كعب ﵃ أجمعين (تخريجه) (ق لك) والامام احمد بأطول من هذا وتقدم في باب مشروعية الوقف وفضله في الجزء الخامس عشر صحيفة ١٩٦ رقم ٦٤ (باب) (٦) سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا لرسول الله ﷺ انك تزعم أنك على ملة ابراهيم وكان ابراهيم لا يأكل لحوم الابل والبانها وانت تأكلها فلست على ملته فقال رسول الله ﷺ كان ذلك حلالا لابراهيم ﵇ فقالوا كل ما نحرمه اليوم كان ذلك حراما على نوح وابراهيم حتى انتهى الينا فأنزل الله تعالى هذه الآية (كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل) يريد سوى الميتة والدم فإنه لم يكن حلالا قط (إلا ما حرم اسرائيل على نفسه) وهو يعقوب ﵇ (من قبل أن تنزل التوراة) يعني ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإبل والبانها على ابراهيم بل كان الكل حلالا له ولبني اسرائيل وانما حرمها اسرائيل على نفسه قبل نزول التوراة يعني ليست في التوراة حرمتها وقد ذكر سبب تحريم اسرائيل الطعام على نفسه في حديث ابن عباس الآتي (٧) هذا طرف من حديث طويل تقدم بسنده وطوله وتخريجه في باب قوله ﷿ من كان عدوا لجبريل من سورة البقرة ص ٧٣ رقم ١٦٥ (باب) (٨) الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب وجوب الحج من كتاب الحج في الجزء التاسع صحيفة ١٤ رقم ١٤ (أما تفسير الآية) فقوله ﷿ (ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا) هذه آية وجوب الحج عند الجمهور وقيل بل هي قوله (وأتموا الحج
[ ١٨ / ١٠٥ ]
استطاع اليه سبيلا قالوا يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت فقالوا أفي كل عام؟ فقال لا ولو قلت نعم لوجبت فأنزل الله تعالى (يا ايها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم الخ الآية) (١) (باب كنتم خير أمة الخ) (عن ابن عباس) (٢) في قوله ﷿ (كنتم خير أمة أخرجت للناس) (٣) قال هم الذين هاجروا مع النبي ﷺ من مكة إلى المدينة (٤) (وعنه من طريق ثان) (٥) بنحوه وفيه قال أصحاب محمد الذين هاجروا معه إلى المدينة (باب ليسوا سواءا) (عن ابن مسعود) (٦) قال آخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة قال أما
_________________
(١) والعمرة لله) والأول أظهر وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد اركان الاسلام ودعائمه وقوائمه وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا وانما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والاجماع (أما الاستطاعة) فقد روى الحاكم في حديث قتادة عن حماد بن سلمة عن قتادة (عن أنس) أن رسول الله ﷺ سئل عن قول الله ﷿ (من استطاع إليه سبيلا) فقيل ما السبيل؟ قال (الزاد والراحلة) ثم قال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (وعن ابن عمر) قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال الزاد والراحلة رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن والظاهر أن الترمذي حسنه لكثرة شواهده والا ففي سنده ابراهيم بن يزيد الخوزى وهو متروك الحديث كما صرح به الحافظ في التقريب وقد روى هذا الحديث من طرق أخرى عن أنس وابن عباس وابن مسعود وعائشة كلها مرفوعة ولكن في أسانيدها مقال (والاستطاعة نوعان) أحدهما أن يكون قادرا مستطيعا بنفسه والآخر أن يكون مستطيعا بغيره وقد بينت جميع أنواع الاستطاعة وما يتعلق بها من أدلة وأحكام في باب اعتبار الزاد والراحلة من الاستطاعة في كتاب الحج في الجزء التاسع صحيفة ٣٢ فاقرأ جميع الباب مع شرحه وزوائده وأحكامه ترى ما يسرك والله الموفق (١) سيأتي تفسير قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم) وسبب نزولها في تفسير سورة المائدة ان شاء الله تعالى (باب) (٢) (سنده) حدثنا وكيع حدثنا اسرائيل عن سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (غريبه) (٣) قال عكرمة ومقاتل نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة ﵃ وذلك أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوذ اليهوديين قالا لهم نحن أفضل منكم وديننا خير مما تدعوننا اليه فأنزل الله تعالى هذه الآية (كنتم خير أمة اخرجت للناس) يعني خير الناس للناس والمعنى أنهم خير الامم وانفع الناس للناس ولهذا قال (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) قاله ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس (٤) قال جويبر عن الضحاك هم أصحاب محمد ﷺ خاصة الرواة والدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم وقال الحافظ ابن كثير الصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه وخير قرونهم الذين بعث منهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كما قال في الآية الأخرى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) أي خيارا (لتكونوا شهداء على الناس الآية) (٥) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم حدثنا اسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس) قال أصحاب محمد الخ (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه (حم طب) ورجال احمد رجال الصحيح (باب) (٦) (سنده) حدثنا أبو النضر وحسن بن موسى قالا حدثنا شيبان عن عاصم عن زر عن
[ ١٨ / ١٠٦ ]
أنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم قال وأنزل هؤلاء الآيات (ليسوا سواءا من أهل الكتاب) حتى بلغ (وما تفعلوا من خير فلن تكفروه والله عليم بالمتقين) (١) (باب ليس لك من الأمر شيء الخ) (عن سالم عن أبيه) (٢) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن أمية قال فنزلت هذه الآية (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) (٣)
_________________
(١) ابن مسعود (التفسير) (١) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره قال ابن أبي نجيح زعم الحسن بن أبي يزيد العجلي عن ابن مسعود في قوله تعالى (ليسوا سواءا من أهل الكتاب أمة قائمة) قال لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد ﷺ وهكذا قال السدى ويؤيده هذا القوم الحديث الذي رواه الامام أحمد ابن حنبل في مسنده (فذكر حديث الباب) قال والمشهور عند كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن اسحاق وغيره ورواه العوفي ابن عباس أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وغيرهم أي لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب وهؤلاء الذين اسلموا (قلت) يعني من تقدم ذكرهم بالذم في قوله تعالى (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا الا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) قال ولهذا قال تعالى (ليسوا سواءا) أي ليسوا كلهم على حد سواء بل منهم المؤمن ومنهم المجرم ولهذا قال تعالى (من أهل الكتاب أمة قائمة) أي قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه متبعة لنبي الله فهي قائمة يعني مستقيمة (يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون) أي يقيمون الليل ويكثرون التهجد ويتلون القرآن في صلواتهم (يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين) وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة وان من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل اليكم وما أنزل اليهم خاشعين لله الآية ولهذا قال تعالى (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) أي لا يضيع عند الله بل يجزيهم به أوفر الجزاء (والله عليم بالمتقين) أي لا يخفى عليه عمل عامل ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه (حم عل بز طب) وأورده الحافظ السيوطي في الدر المنثور وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وسنده صحيح (باب) (٢) (سنده) حدثنا أبو النضر حدثنا أبو عقيل (قال عبد الله بن الامام أحمد) قال أبي وهو عبد الله بن عقيل صالح الحديث ثقة حدثنا عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه (يعني عبد الله بن عمر) الخ (غريبه) (٣) قال الامام البغوي في تفسيره اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال قوم نزلت في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلا من القراء بعثهم رسول الله ﷺ إلى أهل بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم أميرهم المنذر بن عمرو فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجدا شديدا وقنت شهرا في الصلوات كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللعن والسنين فنزلت (ليس لك من الأمر شيء) (وقال قوم) نزلت يوم أحد واستدلوا بأحاديث منها حديث ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ يوم أحد اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام فنزلت (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم) فأسلموا وحسن اسلامهم (ومنها حديث أنس) الآتي بعد هذا
[ ١٨ / ١٠٧ ]
قال فتيب عليهم كلهم (عن أنس بن مالك) (١) أن النبي ﷺ كسرت رباعيته (٢) يوم أحد وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه فقال كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم فنزلت هذه الآية (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) (باب وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون) (عن البراء بن عازب) (٣) قال جعل رسول الله ﷺ على الرماة وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير يوم أحد وقال ان رأيتم العدو ورأيتم الطير تخطفنا فلا تبرحوا (٤) فلما رأوا الغنائم قالوا عليكم الغنائم فقال عبد الله ألم يقل رسول الله ﷺ لا تبرحوا قال غيره فنزلت (وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون) يقول عصيتم الرسول من بعد ما أراكم
_________________
(١) (قلت) تقدم الكلام على ذلك والجمع بين القولين في باب القنوت في الصبح من كتاب الصلاة في الجزء الثالث في الشرح صحيفة ٢٩٩ (أما تفسير الآية) فمعنى قوله تعالى (ليس لك من الأمر شيء) أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم ثم ذكر بقية الأقسام فقال (أو يتوب عليهم) أي مما هم فيه من الكفر فيهديهم بعد الضلالة (أو يعذبهم) أي في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم ولهذا قال (فإنهم ظالمون) أي يستحقون ذلك قال فتيب عليهم أي اسلموا وحسن اسلامهم (تخريجه) (خ نس مذ) وابن جرير والبيهقي في الدلائل (١) حدثنا هشيم أنا حميد الطويل عن أنس بن مالك الخ (غريبه) (٢) الرباعية بوزن الثمانية السن التي بين الثنية والناب والجمع رباعيات بالتخفيف أيضا قال الحافظ المراد بكسر الرباعية وهي السن التي بين الثنية والناب انها كسرت فذهب منها فلقة ولم تقلع من أصلها (وشج) على البناء للمفعول والشج ضرب الرأس خاصة وجرحه وشقه ثم استعمل في غيره (وهو يدعوهم إلى الله) جملة حالية فنزلت هذه الآية وتقدم تفسيرها (تخريجه) (ق مذ نس) (باب) (٣) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم ثنا زهير عن أبي اسحاق عن البراء بن عازب الخ (غريبه) (٤) أي فلا تفارقوا هذا المكان ثم أقيل المشركون فأخذوا في القتال فجعل الرماة يرشقون خيل المشركين بالنيل والمسلمون يضربونهم بالسيوف حتى ولوا هاربين فقال بعض الرماة انهزم القوم فما مقامنا واقبلوا على الغنيمة وقال بعضهم لا تجاوزوا أمر رسول الله ﷺ وثبت عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة فلما رأى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ذلك حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه (وكان ذلك قبل اسلامهما) وأقبلوا على المسلمين ضربا وقتالا وانفضت صفوف المسلمين واختلطوا فجعلوا يقتتلون على غير شعار يضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من الدهش ونادى إبليس أن محمدا قد قتل فكان ذلك سبب هزيمة المسلمين فنزل قوله تعالى (وعصيتم) يعني الرسول ﷺ وخالفتم أمره من بعد (ماأراكم) الله ﷿ (ما تحبون) يا معشر المسلمين من النصر والظهر والغنيمة وبقية الآية (منكم من يريد الدنيا) يعني الذين تركوا المراكز وأقبلوا على النهب (ومنكم من يريد الآخرة) يعني الذين ثبتوا مع عبد الله بن جبير حتى قتلوا قال عبد الله بن مسعود ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي ﷺ يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ونزلت هذه الآية (ثم صرفكم عنهم) أي ردكم عنهم بالهزيمة (ليبتليكم) ليمتحنكم وقيل لينزل البلاء عليكم (ولقد عفا عنكم) فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة منكم لأمر نبيكم (والله ذو فضل على المؤمنين) إذ عفا عنكم بعد أن وليتم مدبرين (تخريجه) (خ)
[ ١٨ / ١٠٨ ]
الغنائم وهزيمة العدو (باب قوله ﷿ أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أني هذا) الآية (١) (وقوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) الآيات (عن ابن عباس) (٢) قال قال رسول الله ﷺ لما أصيب أخوانكم بأحد جعل الله ﷿ أرواحهم في أجواف طير خضر تود أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن منقلبهم قالوا ياليت اخواننا يعلمون بما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا (٣) عن الحرب فقال الله ﷿ أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء) (٤)
_________________
(١) (باب) (١) سبب نزول هذه الآية أنه لما كان يوم بدر قتل من المشركين سبعون وأسر منهم سبعون؟ فطلب المشركون من النبي ﷺ قبول فداء أسراهم فاستشار أصحابه في أمرهم هل يقبل الفداء أو يقتل الأسرى؟ فكان من رأي أبي بكر قبول الفداء ومن رأي عمر قتل الأسرى فمال النبي ﷺ إلى رأي أبي بكر وأخذ الفداء فقد جاء في حديث عمر عند الامام احمد مطولا وسيأتي بسنده وطوله وتخريجه في باب ما جاء في سياق غزوة بدر من حوادث السنة الثانية من كتاب السيرة النبوية قال لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون وفر أصحاب رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه وأنزل الله ﷿ (أو لما أصابتكم مصيبة) وهي ما أصيب منهم يوم أحد من قتل السبعين منهم (قد أصبتم مثليها) يعني يوم بدر فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلا وأسروا سبعين أسيرا (قلتم أنى هذا) أي من أين جرى علينا هذا ونحن مسلمون ورسول الله ﷺ فينا (قل هو من عند أنفسكم) أي بأخذكم الفداء يوم بدر وعصيانكم لرسول الله ﷺ حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم يوم أحد فعصيتم يعني بذلك الرماة (ان الله على كل شيء قدير) أي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه (٢) (سنده) حدثنا يعقوب حدثني أبي عن ابن اسحاق حدثني اسماعيل بن أمية ابن عمرو بن سعيد عن أبي الزبير المكي عن ابن عباس الخ (وله سند آخر) حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن ادريس عن محمد بن اسحاق عن اسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ نحوه (غريبه) (٣) بضم الكاف أي ولا يمتنعوا عن الحرب وقد (نكل) من باب نصر وفرح (عن الأمر) ينكل إذا امتنع ومنه النكول في اليمين وهو الامتناع منها وترك الإقدام عليها (٤) زاد في هذا الحديث عند البغوي - إلى قوله (لا يضيع أجر المؤمنين) فقوله في حديث الباب فأنزل الله هؤلاء الآيات يعني الآيات الثلاث إلى قوله (لا يضيع أجر المؤمنين) (التفسير) (ولا تحسبن) أي ولا تظنن (الذين قتلوا) قرأ ابن عامر قتلوا بالتشديد والآخرون بالتخفيف (في سبيل الله) أي لأجل دينه واعلاء كلمته (أمواتا) كأموات من لم يقتل في سبيل الله (بل أحياء عند ربهم) أرواحهم في أجواف طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت كما ورد في بعض روايات الحديث (يرزقون) يأكلون من ثمار الجنة وتحفها (فرحين بما آتاهم الله من فضله) رزقه وثوابه (ويستبشرون) ويفرحون (بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) من اخوانهم الذين تركوهم أحياءا في الدنيا على مناهج الايمان والجهاد لعلمهم أنهم اذا استشهدوا لحقوا بهم ونالوا من الكرامة ما نالوا فهم لذلك مستبشرون
[ ١٨ / ١٠٩ ]
(باب وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس) الآية (عن ابن أبي مليكة) (١) أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أخبره أن مروان (٢) قال اذهب يا رافع لبوابه إلى ابن عباس ﵄ فقل لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي (٣) وأحب أن يحمد بما لم يفعل لنعذبن (٤) أجمعون فقال ابن عباس وما لكم وهذه إنما أنزلت هذه في أهل الكتاب ثم تلا ابن عباس (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس) هذه الآية (٥) وتلا ابن عباس (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا (٦) ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا)
_________________
(١) (ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) يعني الذين لم يلحقوا بهم (يستبشرون بنعمة) ثواب (من الله وفضل) زيادة عليه (وان الله لا يضيع أجر المؤمنين) بل يأجرهم (تخريجه) (د ك) وابن جرير والبغوي وصححه الحاكم على شرط مسلم وأقره الذهبي (باب) (١) (سنده) حدثنا حجاج عن ابن جريج قال أخبرني ابن أبي مليكة ان حميد بن عبد الرحمن بن عوف الخ (غريبه) (٢) يعني ابن الحكم وكان يومئذ أميرا على المدينة من قبل معاوية (٣) بضم الهمزة وكسر الفوقية أي أعطى (٤) بفتح الذال المعجمة المشددة (وقوله أجمعون) بالواو أي لأن كلنا يفرح بما أوتى ويحب أن يحمد بما لم يفعل (فقال ابن عباس) منكرا عليهم السؤال عن ذلك (ومالكم وهذه) أي وللسؤال عن هذه المسألة ثم تلا ابن عباس الآية يستشهد بها على قوله (٥) (التفسير) (وإذا أخذ الله) أي واذكر يا محمد وقت إذ أخذ الله (ميثاق الذين أوتوا الكتاب) يعني اليهود والنصارى والمراد منهم العلماء خاصة وقيل المراد بالذين أوتوا الكتاب العلماء والأحبار من اليهود خاصة وأخذ الميثاق هو التوكيد الالزام لبيان ما أوتوه من الكتاب وهو قوله تعالى (لتبيننه للناس) باتاء على حكاية مخاطبتهم كقوله وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض وبالياء مكى وأبو عمرو وأبو بكر لأنهم غيب والضمير للكتاب يعني لبينن ما في الكتاب وليطهرنه للناس حتى يعلموه وذلك أن الله أوجب على علماء التوراة والانجيل أن يشرحوا للناس ما في هذين الكتابين من الدلائل الدالة على نبوة محمد ﷺ وبقية الآية (ولا تكتمونه) بالتاء والياء أيضا يعني ولا يخفون ذلك على الناس (فنبذوه) يعني الميثاق وقيل الكتاب (وراء ظهورهم) أي طرحوه وضيعوه (واشتروا به ثمنا قليلا) يعني المآكل والرشا التي كانوا يأخذونها من عوامهم وسفلتهم (فبئس ما يشترون) ذمهم الله تعالى على فعلهم ذلك واعلم أن ظاهر هذه الآية وان كان مخصوصا بعلماء أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فلا يبعد أن يدخل فيه علماء هذه الأمة الاسلامية لأنهم أهل كتاب وهو القرآن وهو أشرف الكتب قال قتادة هذا ميثاق أخذه الله تعالى على أهل العلم فمن علم شيئا فليعلمه واياكم وكتمان العلم فإنه هلكة اهـ (قلت) والأحاديث في ذم كتمان العلم كثيرة انظر باب وعيد من تعلم علما فكتمه من كتاب العلم في الجزء الأول صحيفة ١٦١ (٦) أي بما فعلوا وهي قراءة أبي وجاء وأتى يستعملان بمعنى فعل قال تعالى انه كان وعده ماتيا لقد جئت شيئا فريا وقرأ النخعي بما آتوا أي أعطوا والخطاب للنبي ﷺ وقرئ بالتاء على الخطاب أي لا تحسبن يا محمد الفارحين الذين يفرحون وقرئ بالياء على الغيبة يعني ولا يحسبن الفارحون والمعنى لا يحسبن الذين يفرحون فرحهم منجيا لهم من العذاب وفسر ذلك ابن عباس بقوله سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه قيل سألهم عن صفته بايضاح فكتموه اياه واخبروه بغيره أي بصفته ﷺ في الجملة
[ ١٨ / ١١٠ ]
وقال ابن عباس سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه اياه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه (١) ان قد أخبرنا بما سألهم عنه واستحمدوا (٢) بذلك اليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه (ما جاء في سورة النساء) (باب آية الميراث) (عن جابر بن عبد الله) (٣) قال جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ بابنتيها من سعد فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما سعد في أحد شهيدا وان عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا ولهما مال قال فقال يفضى الله في ذلك قال فنزلت آية الميراث (٤) فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك (باب واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) (ز) (عن عبادة بن الصامت) (٥) قال نزل على رسول الله ﷺ (واللاتي يأتين الفاحشة) الخ الآية (٦)
_________________
(١) بفتح الهمزة والراء أي أظهروا له أنهم اخبروه بما سألهم عنه (٢) بفتح الفوقية مبنيا للفاعل (بذلك اليه) أي طلبوا أن يحمدهم ولذلك قال تعالى (ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) أي ويحبون أن يحمدهم الناس على شيء لم يفعلوه قال ابن عباس واذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب إلى قوله ولهم عذاب اليم يعني فنحاص وأسيبع وأشباههما من الأحبار الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زينوا للناس من الضلالة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا أي بقول الناس لهم علماء وليسوا بأهل علم وقيل فرحوا بما أتوا من تبديلهم التوراة وأحبوا أن يحمدهم الناس على ذلك وقيل غير ذلك وبقية الآية (فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) أي فلا تظننهم بمنجاة من العذاب الذي أعده الله لهم في الدنيا من القتل والأسر وضرب الجزية والصغار (ولهم عذاب اليم) يعني في الآخرة وهذه الآية وان كانت نزلت في اليهود أو المنافقين خاصة فإن حكمها عامة في كل من أحب أن يحمد بما لم يفعل من الخير والصلاح أو ينسب إلى العلم وليس هو كذلك نسأل الله السلامة والعافية (تخريجه) (ق مذ نس ك) وغيرهم (باب) (٣) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب البدء بذوي الفرائض من كتاب الفرائض في الجزء الخامس عشر صحيفة ١٩٥ رقم ١٦ ولنتكلم على مالم يذكر هناك فنقول (٤) يعني قوله ﷿ (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين - إلى قوله تعالى وصية من الله والله عليم حكيم) اعلم وفقني الله وإياك أن الوراثة كانت في الجاهلية بالذكورة والقوة فكانوا يورثون الرجال دون النساء والصبيان فأبطل الله ذلك بقوله (للرجل نصيب مما ترك الوالدان والأقربون الآية) وكانت أيضا في الجاهلية وابتداء الاسلام بالمخالفة قال الله تعالى (والذين عقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم) ثم صارت الوراثة بالهجرة قال تعالى (والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا) فنسخ ذلك كله وصارت الوراثة بأحد الأمور الثلاثة بالنسب أو النكاح أو الولاء والمعنى بالنسب أن القرابة يرث بعضهم من بعض لقوله تعالى (وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) والمعنى بالنكاح أن أحد الزوجين يرث صاحبه وبالولاء أن المعتق بكسر التاء الفوقية وعصباته يرثون المعتق بالفتح وقد جاء ذلك مبينا في كتاب الله ﷿ وسنة رسول الله ﷺ وتقدم كثير من أحكام الميراث في كتاب الفرائض في الجزء الخامس عشر فارجع اليه والله الموفق (٥) (ز) (سنده) حدثنا شيبان بن أبي شيبة ثنا جرير بن حازم ثنا الحسن قال قال عبادة بن الصامت نزل على رسول الله ﷺ الخ (٦) (التفسير) (الفاحشة) يعني الزنا وبقية الآية (من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) يعني من المسلمين وهذا
[ ١٨ / ١١١ ]
قال ففعل ذلك بهن رسول الله ﷺ (١) فبينما رسول الله ﷺ جالس ونحن حوله وكان إذا نزل عليه الوحي أعرض عنا وأعرضنا عنه وتربد (٢) وجهه وكرب لذلك فلما رفع عنه الوحي قال خذوا عني (٣) قلنا نعم يا رسول الله؟ قال قد جعل الله لهن سبيلا (٤) البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة ثم الرجم قال الحسن (٥) فلا أدري أمن الحديث هو أم لا قال فإن شهدوا انهما وجدا في لحاف لا يشهدون على جماع خالطهما به جلد مائة وجزت رؤسهما (باب قوله ﷿ والمحصنات من النساء) وقوله (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) وقوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد الخ) (عن أبي سعيد الخدري) (٦) قال أصبنا نساءا من سبى أو طاس ولهن أزواج (٧) فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج) فسألنا النبي ﷺ فنزلت هذه الآية (والمحصنات من النساء) (٨)
_________________
(١) خطاب للحكام أي فاطلبوا عليهن أربعة من الشهود وفيه بيان أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة من الشهود إذا لم يعترف الزاني (فان شهدوا فأمسكوهن) فاحبسوهن (في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) وهذا كان في أول الإسلام قبل نزول الحدود وكانت المرأة إذا زنت حبست في البيوت حتى تموت ثم نسخ ذلك في حق البكر بالجلد والتغريب وفي حق الثيب بالجلد والرجم (١) أي أجرى عليهن هذا الحكم مدة من الزمن (٢) بوزن تغير أي علته غبرة والربد تغير البياض إلى السواد وانما حصل ذلك له ﷺ لعظم موقع الوحي (وكرب) بضم الكاف وكسر الراء أي أصابته مشقة وكرب فهو مكروب (٣) أي خذوا الحكم في حد الزنا عنى (٤) أي جعل للنساء الزاني (سبيلا) اي خلاصا عن امساكهن في البيوت المذكور في قوله ﷿ (واللاتي يأتين الفاحشة ومن نسائكم الخ الآية) فالسبيل هو قوله ﷿ في سورة النور (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وآية الرجم (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) وبين ذلك ﷺ بقوله (البكر بالبكر جلد مائة) اي حد زنا البكر بالبكر مائة جلدة لكل واحد منهما (ونفى سنة) أي اخراجه عن البلد سنة (والثيب بالثيب) أي حد زنا الثيب بالثيب (جلد مائة ثم الرجم) قال النووي ليس هو على سبيل الاشتراط بل حد الثيب الرجم سواء زنى بثيب أم بكر وحد البكر الجلد والتغريب سواء زنى بكر أم ثيب فهو شبيه بالتقييد الذي يخرج على الغالب اهـ انظر هذه الأحكام في القول الحسن شرح بدائع المنن صحيفة ٢٨٥ و٢٨٦ في الجزء الثاني تجد ما يسرك (٥) هو البصري من كبار التابعين يشك الحسن هل قوله (فإن شهدوا أنهما وجدا في لحاف الخ) من الحديث المرفوع أم لا (قلت) الظاهر أنه ليس من الحديث المرفوع لأني لم أقف على هذه الزيادة لغير عبد الله بن الامام احمد والله أعلم (تخريجه) (م طل والأربعة) كلهم بدون الزيادة (باب) (٦) (سنده) حدثنا عبد الرزاق ثنا سفيان عن عثمان التى عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري الخ (غريبه) (٧) زاد في رواية من أهل الشرك (٨) (والمحصنات من النساء) أي وحرم عليكم من الاجنبيات المحصنات وهن المزوجات (إلا ما ملكت أيمانكم) يعني ما ملكتموهن بالسبي فإنه يحل لكم وطؤهن اذا استبرأتموهن فإن الآية نزلت في ذلك وقال عطاء أراد بقوله إلا ما ملكت أن يكون أمته في نكاح عبده فيجوز ان ينزعها منه وقال ابن مسعود أراد بيع الجارية المزوجة فتقع الفرقة بينها وبين زوجها فيكون بيعها طلاقا فيحل للمشتري وطؤها وقيل
[ ١٨ / ١١٢ ]
إلا ما ملكت أيمانكم) قال فاستحللنا بها فروجهن (عن مجاهد) (١) قال قالت أم سلمة يا رسول الله يغزوا الرجال ولا نغزوا ولنا نصف الميراث (٢) فأنزل الله (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) (٣) (عن ابن مسعود) (٤) قال قرأت على رسول الله ﷺ من سورة النساء فلما بلغت هذه الآية (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) (٥) قال ففاضت (٦) عيناه
_________________
(١) أراد بالمحصنات الحرائر ومعناه ان ما فوق الأربع حرام منهن إلا ما ملكت ايمانكم فإن لا عدد عليكم في الجواري (كتاب الله عليكم) نصب على المصدر أي كتب الله عليكم وقيل نصب على الإغراء أي الزموا ما كتب الله عليكم اي فرض (وأحل لكم ما وراء ذلكم) قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص أحل بضم الهمزة وكسر الحاء لقوله حرمت عليكم وقرأ الآخرون بالنصب أي أحل الله لكم ما وراء ذلكم أي ما سوى ذلكم الذي ذكرت من المحرمات (أن تبتغوا) تطلبوا (بأموالكم) أن تنكحوا بصداق أو تشتروا بثمن (محصنتين) أي متزوجتين أو متعففين (غير مسافحين) أي غير زانيين مأخوذة من سفح الماء وصبه وهو المني (فما استمتعتم به منهن) اختلفوا في معناه فقال الحسن ومجاهد أراد ما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح (فآتوهن أجورهن) أي مهورهن وقال آخرون هو نكاح المتعة وهو أن تنكح المرأة إلى مدة فإذا انقضت تلك المدة بانت منه بلا طلاق وتستبرئ رحمها وليس بينهما ميراث وكان ذلك في ابتداء الاسلام ثم نهى عنه رسول الله ﷺ وللعلماء خلاف في احكام نكاح المتعة انظر القول الحسن صحيفة ٣٤٢ و٣٤٣ في الجزء الثاني روى عن أبي نضرة قال سألت ابن عباس عن المتعة فقال أما تقرء في سورة النساء (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) قلت لا اقرؤها هكذا قال ابن عباس هكذا أنزل الله ثلاث مرات (قلت) الظاهر أن هذه القراءة على سبيل التفسير والله أعلم (وقيل) ان ابن عباس رجع عن ذلك (فآتوهن أجورهن) أي مهورهن (فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) فمن حمل ما قبله على نكاح المتعة قال أراد انهما اذا عقدا إلى أجل بمال فإذا تم الأجل فإن شاءت المرأة زادت في الأجل وزاد الرجل في المال وان لم يتراضيا فارقها ومن حمل الآية على الاستمتاع بالنكاح الصحيح قال المراد بقوله (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به) من الايراء عن المهر والافتداء (إن الله كان عليما حكيما) (تخريجه) (م نس مذ جه عب) (١) (سنده) حدثنا سفيان ثنا ابن أبي نجيح عن مجاهد الخ (غريبه) (٢) جاء عند البغوي في تفسيره قال مجاهد قالت أم سلمة يا رسول الله ان الرجال يغزون ولا تغزوا ولهم ضعف مالنا من الميراث فلو كنا رجالا غزونا كما غزوا واخذنا من الميراث مثل ما أخذوا فنزلت هذه الآية (٣) (التفسير) (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) من جهة الدنيا أو الدين لئلا يؤدي إلى التحاسد والتباغض (للرجال نصيب) ثواب (مما اكتسبوا) بسبب ما عملوا من الجهاد وغيره (وللنساء نصيب مما اكتسبن) من طاعة أزواجهن وحفظ فروجهن (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث مرسل أي منقطع (٤) (سنده) حدثنا هشيم أنبأنا مغيرة عن أبي رزين عن ابن مسعود الخ (٥) (التفسير) (فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد) اي فكيف الحال وكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم (إذا جئنا من كل أمة بشهيد) يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم (وجئنا بك) يا محمد (على هؤلاء) أي أمتك (شهيدا) حال اي شاهدا على من كفر بالكفر وعلى من نفق بالنفاق (٦) اي كثرت دموع عينيه من فاض الماء والدمع إذا
[ ١٨ / ١١٣ ]
(باب يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (عن ابن عباس) (١) أنه قال نزلت (يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (٢) في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي إذ بعثه رسول الله ﷺ في السرية (٣) (باب فلا وربك لا يؤمنون الخ الآية) (عن عروة بن الزبير) (٤) ان الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلا من الأنصار وقد شهد بدرا إلى النبي ﷺ في شراج الحرة كانا يستقيان بها كلاهما فقال النبي ﷺ للزبير أسق ثم أرسل إلى جارك فغضب الأنصاري وقال يارسول الله كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال للزبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر فاستوعى النبي ﷺ حينئذ للزبير حقه وكان النبي ﷺ قيل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللانصاري فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم قال عروة فقال الزبير ﵁ والله ما أحسب هذه الآية انزلت إلا في ذلك (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت
_________________
(١) كثر أي بكى وبكاؤه ﷺ على المفرطين أو لعظم ما تضمنته الآية من هول المطلع وشدة الأمر والله أعلم (تخريجه) (ق د نس مذ) (باب) (١) (سنده) حدثنا حجاج عن ابن جريج قال أخبرني يعلي بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (٢) (التفسير) اختلف العلماء في أولى الأمر الذين أوجب الله طاعتهم بقوله (وأولى الأمر منكم) قال ابن عباس وجابر هم الفقهاء والعلماء الذين يعلمون الناس معالم دينهم وهو قول الحسن ومجاهد والضحاك دليله قوله تعالى (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) وقال أبو هريرة هم الأمراء والولاة وهي رواية عن ابن عباس أيضا قال علي بن أبي طالب ﵁ حق على الامام ان يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا روى الشيخان والامام احمد وغيرهما عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره إلا أن يؤمر بمعصية الله فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة (٣) جاء عند البخاري إذ بعثه النبي ﷺ في سرية وانتهى الحديث إلى هنا عند البخاري والامام احمد قال الحافظ كذا ذكره (يعني البخاري) مختصرا والمعنى نزلت في قصة عبد الله بن حذافة أي المقصود منها في قصته قوله (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله الآية) وقد غفل الداودي عن هذا المراد فقال هذا وهم علي ابن عباس فإن عبد الله بن حذافة خرج على جيش فغضب فأوقدوا نارا وقال اقتحموها فامتنع بعضهم وهم بعض أن يفعل قال فإن كانت الآية نزلت قبل فكيف يخص عبد الله بن حذافة بالطاعة دون غيره؟ وان كانت نزلت بعد فإنما قيل لهم انما الطاعة في المعروف وما قيل لهم لم لم تطيعوه؟ اهـ وبالحمل الذي قدمته يظهر المراد وينتفى الاشكال الذي أبداه لأنهم تنازعوا في امتثال ما أمرهم به وسببه أن الذين هموا ان يطيعوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة والذين امتنعوا عارضه عندهم الفرار من النار فناسب ان ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع وهو الرد إلى الله وإلى رسوله أي ان تنازعتم في جواز الشيء وعدم جوازه فارجعوا إلى الكتاب والسنة والله أعلم (تخريجه) (ق والثلاثة) (باب) (٤) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب
[ ١٨ / ١١٤ ]
ويسلموا تسليما) (باب فما لكم في المنافقين فئتين) (عن عبد الرحمن بن عوف) (١) أن قوما من العرب أتوا رسول الله ﷺ بالمدينة فأسلموا وأصابهم وباء المدينة حماها فأركسوا (٢) فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحابه يعني أصحاب النبي ﷺ فقالوا لهم مالكم رجعتم؟ فقالوا أصابنا وباء المدينة فاجتوينا (٣) المدينة فقالوا أما لكم في رسول الله أسوة؟ فقال بعضهم (٤) نافقوا وقال بعضهم لم ينافقوا هم مسلمون فأنزل الله ﷿ (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا الآية) (٥) (عن زيد بن ثابت) (٦) أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد فرجع أناس خرجوا معه (٧) فكان أصحاب رسول الله ﷺ فرقتين فرقة تقول بقتلهم (٨) وفرقة تقول لا (٩) فأنزل الله ﷿ (فما لكم في المنافقين فئتين) فقال لهم رسول الله ﷺ انها طيبة (١٠) وأنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة (١١) (باب ومن يقتل مؤمنا متعمدا الخ) (عن ابن عباس) (١٢)
_________________
(١) المسلمون شركاء في ثلاث من كتاب أحياء الموات في الجزء الخامس عشر صحيفة ١٣٤ رقم ٤٢٩ ما عدا تفسير الآية واليك (التفسير) (فلا) اي ليس الأمر كما يزعمون انهم يؤمنون ثم لا يرضون يحكمك ثم استأنف القسم (وربك لا يؤمنون) ويجوز أن يكون لا في قوله (فلا) صلة كما في قوله فلا أقسم (حتى يحكموك) أي يجعلوك حكما (فيما شجر بينهم) اي اختلف واختلط من أمورهم والتبس عليهم حكمه ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها ببعض (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا) قال مجاهد شكا وقال غيره ضيقا (مما قضيت) قال الضحاك اثما أو يأثمون بانكارهم ما قضيت (ويسلموا تسليما) أي ينقادوا إلى الأمر انقيادا (باب) (١) (سنده) حدثنا اسود بن عامر ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن يزيد ين عبد الله بن قسيط عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن بن عوف الخ (غريبه) (٢) أي رجعوا وعادوا إلى الشرك (٣) أي اصابهم الجوى وهو المرض وداء الجوف اذا تطاول وذلك اذا لم يوافقهم هراؤها واستوخموها ويقال اجتويت البلد اذا كرهت المقام فيه وان كنت في نعمة (نه) (٤) يعني بعض أصحاب النبي ﷺ (٥) (التفسير) (فما لكم) يا معشر المؤمنين (في المنافقين فئتين) أي صرتم فيهم فئتين أي فرقتين (والله اركسهم) أي نكسهم وردهم إلى الكفر (بما كسبوا) بأعمالهم غير الطيبة (اتريدون ان تهدوا) أي ترشدوا (من أضل الله) وقيل معناه اتقولون ان هؤلاء مهتدون وقد أضلهم الله (ومن يضلل الله) يعني عن الهدى (فلن تجد له سبيلا) أي طريقا إلى الحق (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه احمد وفيه ابن اسحاق وهو مدلس (يعني اذا عنعن وقد عنعن) وأبو سلمة لم يسمع من أبيه (٦) (سنده) حدثنا بهز ثنا شعبة قال عدي بن ثابت اخبرني عبد الله بن زيد عن زيد بن ثابت الخ (غريبه) (٧) هم عبد الله بن أبي بن سلول المنافق واتباعه وكانوا ثلاثمائة وبقى النبي ﷺ في سبعمائة (٨) أي لأنهم منافقون (٩) أي لأنهم تكلموا بكلمة الاسلام (١٠) بوزن حمزة يعني المدينة وكان اسمها يثرب والثرب الفساد فنهى أن تسمى به وسماها طيبة وطابة وهما تأنيث طيب وطاب بمعنى الطيب وقيل هو في الطيب بمعنى الطاهر لخلوصها من الشرك وتطهيرها منه (نه) (١١) كذا في البخاري أيضا وله في رواية أخرى خبث الحديد بدل الفضة (تخريجه) (ق وغيرهما) (١٢) (سنده) حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة سمعت يحيى بن المجبر التميمي يحدث عن سالم بن أبي الجعد
[ ١٨ / ١١٥ ]
أن رجلا أتاه فقال أرأيت رجلا قتل رجلا متعمدا (١) قال (جزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) (٢) قال لقد أنزلت في آخر ما نزل ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله ﷺ (٣) وما نزل وحي بعد رسول الله ﷺ قال أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال وأنى له بالتوبة (٤) وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول ثكلته أمه رجلا قتل رجلا متعمدا يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره وآخذا رأسه بيمينه أو شماله تشخب (٥) أوداجه دما قبل العرش يقول يا رب سل عبدك فيم قتلني (باب ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا) (عن ابن عباس) (٦) قال مر نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
_________________
(١) عن ابن عباس الخ (١) أي بغير ذنب يستوجب ذلك القتل (٢) (التفسير) أول الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم الخ الآية) جاء عند أبي داود عن أبي مجلز (بوزن منبر) وهو لاحق بن حميد في قوله (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) قال هي جزاؤه فإن شاء الله ان يتجاوز عنه فعل (وقوله خالدا فيها) قيل ان الخلود لا يقتضي التأييد بل معناه دوام الحالة التي هو عليها ويدل عليه قول العرب للأيام خوالد وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها واذا ذكر الخلود في حق الكفار قرنه بذكر التأييد كقوله خالدين فيها ابدا فإذا قرن الخلود بهذه اللفظة علم ان المراد منه الدوام الذي لا ينقطع اذا ثبت هذا كان معنى الخلود المذكور في الآية ان الله تعالى يعذب قاتل المؤمن عمدا في النار الى حيث يشاء الله ثم يخرجه بفضل رحمته وكرمه (وغضب الله عليه ولعنه) أي انتقم منه وطرده من رحمته (وأعد له عذابا عظيما) لارتكابه أمرا عظيما وخطبا جسيما وهو قتل المؤمن (٣) اختلف العلماء في حكم هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ وهل لمن قتل مؤمنا متعمدا توبة ام لا؟ فروى عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس المن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال لا فتلوت عليه الآية التي في الفرقان (والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق إلى آخر الآية) قال هذه آية مكية نسخها آية مدنية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) (وفي رواية) قال اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن فرحلت إلى ابن عباس فقال نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيء وذهب الأكثرون من علماء السلف والخلف إلى أن هذه الآية (يعني آية النساء) منسوخة واختلفوا في ناسخها فقال بعضهم نسختها التي في الفرقان وليس هذا القول بالقوى لأن آية الفرقان نزلت قبل آية النساء والمتقدم لا ينسخ المتأخر وذهب جمهور من قال بالنسخ الى ان ناسخها الآية التي في النساء أيضا وهي قوله تعالى (ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (٤) هذا رأي ابن عباس قال المنذري وقال جماعة من العلماء ان له توبة منهم عبد الله بن عمر وهو أيضا مروى عن عبد الله بن عباس وزيد بن ثابت وهو الذي عليه جماعة من السلف وجميع ما روى عن بعض السلف مما ظاهره خلاف هذا فهو على التغليظ والتشديد والآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ وقد قيل ان ابن عباس انما افتى بأنه لا توبة للقاتل انه ظن أن السائل سأل ليقتل فاراد زجره عن مقدار التغليظ عليه ليمتنع وقيل أمره إلى الله تاب أو لم يتب وعليه الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ايضا يقول في كثير في من هذا إلا أن يعفوا الله عنه أو معنى هذا وقيل معناه (ومن يقتل مؤمنا متعمدا مستحلا لقتله) والله أعلم (٥) أي تسيل واصل الشخب ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة لضرع الشاة (تخريجه) (نس جه) وسنده حسن (باب) (٦) (سنده) حدثنا
[ ١٨ / ١١٦ ]
على رجل (١) من بني سليم معه غنم له فسلم عليهم فقالوا ما سلم عليكم إلا تعوذا (٢) منكم فعمدوا إليه فقتلوه (٣) وأخذوا غنمه فأتوا بها إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأنزل الله ﵎ (ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا إلى آخر الآية) (٤) (عن عبد الله بن أبي حدود) (٥) قال بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم (٦) فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم (٧) بن جثامة بن قيس فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر الأشجعي (٨) على قعود له معه متيع (٩) ووطب من لبن فلما مر بنا سلم علينا فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله بشيء (١٠) كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتيعه فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن (١١) (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم
_________________
(١) يحيى بن آدم حدثنا اسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس الخ (غريبه) (١) اسمه عامر ابن الأضبط كما سيأتي في الحديث التالي (٢) أي لاجئا إلى السلام معتصما به ليدفع عن نفسه القتل وليس بمخلص في ذلك (٣) الذي قتله محلم بن جثامة كما سيأتي في الحديث التالي (٤) (التفسير) أول الآية (يا أيها الذين آمنوا اذا ضرتم في سبيل الله) أي سرتم في طريق الغزو (فتبينوا) اي تثبتوا وهي قراءة حمزة وعلى من التثبيت وهو خلاف العجلة والمعنى فقفوا وتثبتوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر (ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام) يعني التحية انما قالها تعوذا فتقدموا عليه بالسيف فتقتلوه وتأخذوا ماله ولكن كفوا عنه وأقبلوا منه ما أظهره وقوله (لسبت مؤمنا) في موضع النصب بالقول يعني لست من أهل الإيمان (تبتغون عرض الحياة الدنيا) تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع الفناء فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه والغرض المال سمي به لسرعة فنائه وتبتغون حال من ضمير الفاعل في تقولوا (فعند الله مغانم كثيرة) يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله (كذلك كنتم من قبل) أول ما دخلتم في الاسلام سمعت من افواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم (فمن الله عليكم) (بالاستقامة والاشتهار) بالإيمان فافعلوا بالداخلين في الاسلام كما فعل بكم (فتبينوا) كرر الامر بالتبين ليؤكد عليهم (ان الله كان بما تعملون خبيرا) فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك (تخريجه) (ق د نس مذ) (٥) (سنده) حدثنا يعقوب حدثنا ابي عن اسحاق حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدود عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد الخ (٦) بكسر الهمزة وفتح الضاد المعجمة اسم جبل وقيل موضع (٧) بوزن معلم بتشديد اللام مكسورة بن جثامة بوزن علامة بفتح اللام مشددة (٨) في بعض الروايات عامر بن الأضبط الأشجعي (٩) تصغير متاع أي متاع قليل والمتاع كل ما ينتفع به من عروض الدنيا قليلها وكثيرها (ووطب من لبن) الوطب بفتح الواو وسكون الطاء المهملة الزق الذي يكون فيه السمن واللبن وهو جلد الجذع فما فوقه وجمعه أوطاب ووطاب (١٠) أي بسبب شيء آخر كان بينه وبينه ويستفاد منه أنه لم يقتله لمجرد كونه شك في اسلامه بل لذلك ولشيء آخر في نفسه والله أعلم (١١) جاء في حديث آخر عند الامام احمد أيضا وتقدم في باب جامع دية النفس وأعضائها من كتاب القتل والجنايات
[ ١٨ / ١١٧ ]
كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا ان الله كان بما تعملون خبيرا) (١) (باب لا يستوي القاعدون الخ) (عن خارجة بن زيد) (٢) قال قال زيد بن ثابت اني قاعد إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يوما إذ أوحى اليه قال وغشيته السكينة ووقع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة قال زيد فلا والله ما وجدت شيئا قط أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ثم سرى عنه فقال اكتب يا زيد فأخذت كتفا فقال اكتب (لا يستوي القاعدون (٣) من المؤمنين والمجاهدون الآية كلها إلى قوله أجرا عظيما) فكتب ذلك في كتف فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان رجلا أعمى فقام حين سمع فضيلة المجاهدين قال يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد ممن هو أعمى وأشباه ذلك؟ قال زيد فوالله ما مضى كلامه أو ما هو إلا أن قضى كلامه غشيت النبي ﷺ السكينة فوقعت فخذه على فخذي فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى ثم سرى عنه فقال اقرأ فقرأت عليه (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدين) فقال النبي ﷺ (غير أولي الضرر) قال زيد فألحقتها فوالله لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف (عن ابي اسحاق) (٤) أنه سمع البراء (بن عازب ﵁) يقول في هذه الآية (لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله) قال فأمر رسول الله ﷺ
_________________
(١) في الجزء السادس عشر صحيفة ٤٩ رقم ١٢٨ أن النبي ﷺ ودى القتيل وغضب على محلم بن جثامة غضبا شديدا وقال اللهم لا تغفر لمحلم ثلاث مرات انظر الحديث المشار إليه في الباب المذكور (١) تقدم تفسير هذه الآية في الحديث السابق (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات (باب) (٢) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب كتابة القرآن في الأكتاف واللخاف من هذا الجزء صحيفة ٢٩ رقم ٨٢ ولنقتصر هنا على تفسير الآية فنقول (٣) (التفسير) (لا يستوي القاعدون) عن الجهاد (من المؤمنين غير أولى الضرر) بنصب غير مدني وشامي وعلى لأنه استثناء من القاعدين أو حال منهم وبالجر عن حمزة صفة للمؤمنين وبالرفع غيرهم صفة للقاعدين والضرر المرض أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها (والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم) عطف على القاعدون ونفى التساوي بين المجاهد والقاعد بغير عذر وان كان معلوما توبيخا للقاعد عن الجهاد وتحريكا له عليه ونحوه (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) فهو تحريك للعلم وتوبيخ على الرضا بالجهل (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) يعني لهم فضيلة في الآخرة قال ابن عباس أراد بالقاعدين هنا أولى الضرر وفضل الله المجاهدين على أولى الضرر درجة لأن المجاهد باشر الجهاد بنفسه وماله مع النية وأولو الضرر كانت لهم نية ولم يباشروا الجهاد فنزلوا عن المجاهدين درجة (وكلا) يعني كلا من المجاهدين والقاعدين (وعد الله الحسنى) يعني الجنة بإيمانهم (وفضل الله المجاهدين) يعني في سبيل اله (على القاعدين) يعني الذين لا عذر لهم ولا ضرر (أجرا عظيما) يعني ثوابا جزيلا (تخريجه) (د عب) قال المنذري في اسناده عبد الرحمن بن أبي الزناد وتكلم فيه غير واحد اهـ (قلت) قال ابن معين ما حدث بالمدينة فهو صحيح وقال يعقوب بن شيبة ثقة صدوق فيه ضعف (خلاصة) انظر الكلام على تخريجه في باب كتابة القرآن في الأكتاف واللخاف (٤) (سنده) حدثنا محمد بن جعفر
[ ١٨ / ١١٨ ]
زيدًا فجاء بكتف (١) فكتبها فشكى اليه ابن أم مكتوم (٢) ضرارته فنزلت (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر) (٣) (وعنه من طريق ثان) (٤) قال سمعت البراء بن عازب ﵁ يقول لما نزلت هذه الآية (٥) (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) أتاه ابن أم مكتوم فقال يا رسول الله ما تأمرني؟ اني ضرير البصر قال فنزلت (غير أولى الضرر) (٦) (وفي رواية قبل أن يبرح) قال فقال النبي ﷺ ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة (٧) (باب ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) (عن يعلي بن أمية) (٨) قال سألت عمر بن الخطاب ﵁ قلت (ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) وقد أمن الله الله الناس فقال لي عمر ﵁ عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك
_________________
(١) ثنا شعبة عن أبي اسحاق الخ (غريبه) (١) الكتف بفتح الكاف وكسر الفوقية عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم (٢) اسمه عبد الله أو عمرو واسم أبيه زائدة (وقوله ضرارته) بفتح الضاد المعجمة أي عماه كما قال الراغب الضرر اسم عام لكل ما يضر الانسان في بدنه ونفسه وعلى سبيل الكناية عبر عن الأعمى بالضرير (٣) تقدم تفسير الآية في الحديث السابق (٤) (سنده) حدثنا وكيع ثنا سفيان عن أبي اسحاق قال سمعت البراء بن عازب الخ (٥) يعني الآية التي أولها لا يستوي القاعدون كما في الطريق الأولى (٦) هنا في الطريق الثانية قال فنزلت (غير الى الضرر) يعني أنها نزلت مستقلة بعد نزول الآية بدونها وهناك في الطريق الأولى قال فنزلت (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير الى الضر) فلم يقتصر الراوي على ذكر الكلمة الزائدة وهي قوله (غير الي الضرر) كما اقتصر عليها هنا كما في الطريق الثانية فيحتمل أن يكون الوحي نزل بإعادة الآية بالزيادة بعد أن نزل بدونها فحكى الراوي صورة الحال أو نزل بقوله (غير الي الضرر) فقط وأعاد الراوي الآية من أولها حتى يتصل المستثنى بالمستثنى منه قال ابن التين وأيد الأخير الحافظ برواية خارجة ابن زيد عن أبيه (يعني الحديث السابق) والله أعلم (٧) يعني فكتبها زيد كما صرح بذلك في الحديث السابق قال زيد فألحقتها فوالله لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف (تخريجه) (ق مذ) (باب) (٨) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب افتراض صلاة السفر وحكمها من كتاب الصلاة في الجزء الخامس صحيفة ٩٤ رقم ٢٠٨ وتقدم الكلام على قصر الصلاة في السفر ومذاهب الأئمة في ذلك في أحكام الباب المذكور فأرجع اليه ولنقتصر هنا على تفسير الآية فنقول أول الآية (واذا ضربتم في الأرض) أي سافرتم فيها فالضرب في الأرض هو السفر (فليس عليكم جناح) أي حرج أو إثم (ان تقصروا من الصلاة) يعني بين أربع ركعات إلى ركعتين وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء وقيل معنى قصر الصلاة جعلها قصيرة بترك بعض ركعاتها أو بعض أركانها ترخيصا ولهذا السبب ذكروا في تفسير قصر الصلاة المذكورة في الآية قولين (أحدهما) أنه في عدد الركعات وهو رد الصلاة الرباعية إلى ركعتين (والثاني) المراد بالقصر ادخال التخفيف في أدائها وهو أن يكتفي بالإيمان والاشارة عن الركوع والسجود والقول الأول أصح ويدل عليه لفظ من في قوله (أن تقصروا من الصلاة) ولفظ من هنا للتبعيض وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة فثبت بهذا ان تفسير القصر باسقاط بعض ركعات الصلاة أولى (ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) أي ان خفتم ان يقصدكم الكفار بقتل أو جرح أو أخذ والخوف
[ ١٨ / ١١٩ ]
فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته (باب واذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) (عن مجاهد عن أبي عياش الرزقي) (١) قال كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان باستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا رسول الله ﷺ الظهر فقالوا قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ثم قالوا تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم ونفسهم قال فنزل جبريل ﵇ بهذه الآيات بين الظهر والعصر (واذا كنتم فيهم فأقمت لهم الصلاة) (٢) قال فحضرت فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح قال فصففنا خلفه صفين قال ثم ركع فركعنا جميعا ثم رفع فرفعنا جميعا ثم سجد النبي ﷺ باصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء قال ثم ركع فركعوا جميعا ثم رفع فرفعوا جميعا ثم سجد النبي ﷺ والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلما جلس جلس الآخرون فسجدوا فسلم عليهم ثم انصرف قال فصلاها رسول الله ﷺ مرتين بعسفان ومرة بأرض بني سليم (باب إن يدعون من دونه إلا اناثا) (ز) (عن أبي بن كعب) (٣) أن يدعون من دونه إلا اناثا قال مع كل صنم جنية
_________________
(١) شرط جواز القصر عند الخوارج والظاهرية بظاهر النص وعند الجمهور ليس بشرط واستدلوا بهذا الحديث اي حديث عمر لقوله للسائل (صدقة) أي قصر الصلاة في السفر صدقة (تصدق الله) أي تفضل (بها عليكم) أي توسعة ورحمة (فاقبلوا صدقته) أي سواء حصل الخوف أم لا قال النووي في هذا الحديث جواز القصر في غير الخوف وفيه أن المفضول اذا رأى الفاضل يعمل شيئا يشكل عليه دليله يسأل عنه اهـ (تخريجه) (م والأربعة) (باب) (١) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه واحكامه في الباب الأول من أبواب صلاة الخوف في الجزء السابع صحيفة ٣ رقم ٧٣١ واليك تفسير الآيات المشار اليها في الحديث (٢) (التفسير) (واذا كنت فيهم) هذا خطاب للنبي ﷺ يعني اذا كنت يا محمد في أصحابك وشهدت معهم القتال وأنتم تخافون العدو (فاقمت لهم الصلاة) وهذا جرى على عادة القرآن في الخطاب فلا مفهوم له (فلتقم طائفة منهم معك) أي فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصل بهم وتقوم طائفة تجاه العدو (وليأخذوا أسلحتهم) اختلف في الذين يأخذون أسلحتهم فقيل هم الذين تجاه العدو وقيل المراد به هم المصلون يأخذون من السلاح مالا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ونحوهما (فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم) يعني اذا صلى الذين معك ركعة وفرغوا من صلاتها فليكونوا من ورائكم يعني فلينصرفوا الى المكان الذي هو في وجه العدو للحراسة (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا) يعني ولتأت الطائفة التي كانت في وجه العدو (فليصلوا معك) الركعة الثانية التي بقيت عليك ويتموا بقية صلاتهم (وليأخذوا حذرهم) أي ما يتحرزون به من العدو كالدرع ونحوه (واسلحتهم) جمع سلاح وهو ما يقاتل به (ود الذين كفروا) أي تمنى الكفار (لو تغفلون) يعني لو وجدوكم غافلين عن (اسلحتكم وامتعتكم) يعني حوائجكم التي بها بلاغكم في أسفاركم (فيميلون عليكم ميلة واحدة) أي يحملون عليكم حملة واحدة فيصيبون منكم غرة فيقتلونكم والله أعلم (باب) (٣) (سنده) حدثنا
[ ١٨ / ١٢٠ ]
(باب ليس بأمانيكم) (عن أبي بكر ﵁) (١) أنه قال يا رسول الله كيف الصلاح (٢) بعد هذه الآية (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به) (٣) فكل سوء عملناه جزينا به فقال رسول الله ﷺ غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ألست تنصب (٤) ألست تحزن الست تصيبك اللأواء (٥) قال بلى قال فهو ما تجزون به (٦) (وفي لفظ) قال فإن ذلك بذاك (٧) (عن أبي هريرة) (٨) قال لما نزلت (من يعمل سوءا يجز به) (٩) شقت على
_________________
(١) هدية بن عبد الوهاب ومحمود بن غيلان قال ثنا الفضل بن موسى انا حسين بن وافد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب الخ يعني في قوله تعالى (ان يدعون من دون الا اناثا) (التفسير) (ان يدعون من دونه) أي ما يعبدون من دون الله (الا اناثا) جمع أنثى وهي اللات والعزى ومناة ونزلت في أهل مكة ولم يكن حيى من العرب الا ولهم صنم يعبدونه يسمونه انثى بني فلان في كل واحدة منهن جنية تتراءى للسدنة والكهنة وتكلمهم وهذا معنى قوله في الحديث مع كل صنم جنية وقيل كانوا يقولون في أصنامهم هن بنات الله يريدون الملائكة وهذا اعتقاد فريق منهم قال تعالى (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الله إناثا) هذا وبقية الآية (وان يدعون) أي يعبدون (الا شيطانا مريدا) أي متمردا خارجا عن الطاعة عاريا عن الخير (تخريجه) الحديث من زوائد عبد الله بن الامام احمد على مسند أبيه وأورده الهيثمي وقال رواه عبد الله بن احمد ورجاله رجال الصحيح (باب) (١) (سنده) حدثنا عبد الله بن نمير قال أخبرنا اسماعيل عن أبي بكر بن أبي زهير قال اخبرت ان ابا بكر قال يا رسول الله كيف الصلاح الخ (غريبه) (٢) أي كيف يتصف الانسان بالصلاح بعد نزول هذه الآية (٣) (التفسير) (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب) أي ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم وفي المخاطب بهذه الآية قولان (احدهما) انه خطاب للمسلمين وأهل الكتاب واليهود والنصارى وذلك انهم افتخروا فقال أهل الكتاب نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم وقال المسلمين نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أولى بالله منك (والقول الثاني) انه خطاب لمشركي مكة في قولهم لا نبعث ولا نحاسب وخطاب لأهل الكتاب في قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودة والمعنى ليس بالأماني انما الأمر بالعمل الصالح (من يعمل سوءا يجزيه) أي سواء كان مسلما أو كافرا قال ابن عباس هي عامة في حق كل من عمل سوءا يجز به الا ان يتوب قبل أن يموت فيتوب الله عليه وقال الحسن وآخرون هي في حق الكفار خاصة بدليل قوله تعالى (ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا) وهذا هو الكافر وأما المؤمن فله ولي ونصير والله أعلم (٤) النصب بفتح الصاد المهملة التعب (٥) اللأواء الشدة وضيق المعيشة (٦) معناه ان المسلم يجازي بأعماله السيئة في الدنيا بالمصائب والمحن حتى يخرج من الدنيا طاهرا من الذنوب (٧) يعني أن الابتلاء في الدنيا يكفر ذنوب المسلم والله أعلم (تخريجه) (حب ك هب) والطبري وابن المنذر وابن السني وصححه الحاكم واقره الذهبي (قلت) في اسناده انقطاع وله شواهد صحيحة تؤيده وله ايضا طرق كثيرة وربما كان هذا سبب تصحيح من صححه (٨) (سنده) حدثنا سفيان حدثنا ابن محيصن شيخ من قريش سهمى سمعه عن محمد بن قيس بن مخرمة عن أبي هريرة الخ (غريبه) (٩) بقية الآية (ولا يجد له من
[ ١٨ / ١٢١ ]
المسلمين وبلغت منهم ما شاء الله أن تبلغ (١) فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال لهم رسول الله ﷺ قاربوا (٢) وسددوا فكل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة (٣) ينكبها (عن عائشة) (٤) زوج النبي ﷺ أن رجلا تلا هذه الآية (من يعمل سوءا يجز به) قال إنا لنجزي (٥) بكل عملنا هلكنا إذا فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال نعم يجزي به المؤمنون في الدنيا في مصيبة في جسده فيما يؤذيه (٦) (باب واتخذ الله ابراهيم خليلا) (حدثنا عبد الرزاق) (٧) حدثنا معمر في قوله (واتخذ الله ابراهيم خليلا) (٨) قال اخبرني عبد الملك بن عمير عن خالد بن ربعي عن ابن مسعود أنه قال ان الله اتخذ صاحبكم خليلا (٩) يعني محمدا ﷺ (عن ابن مسعود) (١٠) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن صاحبكم خليل الله ﷿
_________________
(١) دون الله وليا ولا نصيرا) (١) أي لما فيها من الوعيد الشديد (٢) أي اقتصدوا فلا تغلوا ولا تقصروا بل توسطوا (وسددوا) أي اقصدوا السداد وهو الصواب (٣) جاء عند الترمذي (حتى الشوكة يشاكها) الشوكة بالجر على ان حتى جاره ويجوز الرفع على انها ابتدائية والنصيب بتقدير حتى تجد (يشاكها) بصيغة المجهول أي يشاك المؤمن تلك الشوكة (والنكبة) هي ما يصيب الانسان من الحوادث سواء كان ذلك في بدنه أو ماله أو عياله (ينكبها) بصيغة المجهول أيضا (تخريجه) (م نس مذ) قال الترمذي وابن محيصن اسمه عمرو بن عبد الرحمن بن محيصن (٤) (سنده) حدثنا هارون بن معروف قال ثنا ابن وهب قال اخبرني عمرو ان بكر بن سوادة حدثه ان يزيد بن أبي يزيد حدثه عن عبيد بن عمير عن عائشة زوج النبي ﷺ الخ (غريبه) (٥) معناه ان كنا لنجزى بكل عملنا الخ (٦) يشمل كل شيء يتأذى به المسلم في الدنيا وهذا من فضل الله تعالى بالمؤمن حيث كفر ذنوبه بتعجيل العقوبة له في الدنيا لأن العقوبة في الدنيا لا تذكر بالنسبة لعقوبة الآخرة نسأل الله السلامة والعافية (تخريجه) (ص) وأورده الهيثمي وقال رواه (حم عل) ورجالهما رجال الصحيح (باب) (٧) (حدثنا عبد الرزاق الخ) (٨) (التفسير) (واتخذ الله ابراهيم خليلا) هذا من باب الترغيب في اتباعه لأنه امام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له فإن انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه كما وصفه به في قوله (وابراهيم الذي وفى) قال كثير من علماء السلف أي قام بجميع ما أمر به وفي كل مقام من مقامات العبادة فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير ولا كبير عن صغير (٩) قال الزجاج معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل والخلة الصداقة فسمي خليلا لأن الله ﷿ أحبه واصطفاه (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وهو موقوف على ابن مسعود ولكنه في حكم المرفوع فقد جاء مرفوعا في الحديث التالي ويؤيده ما جاء عند مسلم والامام احمد وغيرهما من حديث ابن مسعود أيضا وسيأتي في مناقب ابي بكر في كتاب الخلافة والامارة عن النبي ﷺ لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكنه أخي وصاحبي وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا (وفي الصحيحين) عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ انه قال (لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا) فقد ثبت بهذين الحديثين الخلة للنبي ﷺ وزاد على ابراهيم ﵇ بالمحبة فمحمد ﷺ خليل الله وحبيبه فقد جاء في حديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال (ألا وأنا حبيب الله ولا فخر) أخرجه الترمذي بأطول منه (١٠) (سنده) حدثنا عفان ثنا
[ ١٨ / ١٢٢ ]
(باب يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) (عن جابر بن عبد الله) (١) قال مرضت فأتاني النبي ﷺ يعودني هو وأبو بكر ماشيين وقد أغمي علي فلم أكلمه فتوضأ فصبه علي (٢) فأفقت فقلت يا رسول الله كيف أصنع في مالي ولي أخوات؟ (٣) قال فنزلت آية الميراث (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) (٤) كان ليس له ولد وله أخوات (ان امرؤ هلك ليس له ولد وله اخت) (وعنه من طريق ثان) (٥) قال دخل علي رسول الله ﷺ وأنا وجع لا أعقل قال فتوضأ ثم صب علي أو قال صبوا عليه فعقلت فقلت انه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ قال فنزلت آية الفرض
_________________
(١) أبو عوانة حدثنا عبد الملك بن عمير عن خالد بن ربعي الأسدي أنه سمع ابن مسعود يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول الخ (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وسنده صحيح (باب) (١) (سنده) حدثنا سفيان عن ابن المنكدر أنه سمع جابرا يقول مرضت الخ (غريبه) (٢) قال الحافظ يحتمل أن يكون المراد صب علي بعض الماء الذي توضأ به أو مما بقى منه والأول المراد فللمصنف يعني البخاري في الاعتصام ثم صب وضوءه علي ولأبي داود فتوضأ وصب علي اهـ (قلت) رواية أبي داود كرواية الامام احمد (وقوله فأفقت) أي من اغمائي (٣) جاء في رواية عند الترمذي (وكان لي تسع أخوات) (٤) (التفسير) (يستفتونك) أي يستخبرونك في الكلالة والاستفتاء طلب الفتوى (قل الله يفتيكم في الكلالة) معنى الكلالة أن يموت الرجل ولا يدع والدا ولا ولدا يرثانه وأصله من تكلله النسب إذا أحاط به وقيل الكلالة الوارثون الذين ليسوا فيهم ولد ولا والد فهو واقع على الميت وعلى الوارث بهذا الشرط وقيل الأب والابن طرفان للرجل فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه فسمى ذهاب الطرفين كلالة وقيل كل ما احتف بالشيء من جوانبه فهو اكليل وبه سميث لأن الوراث يحيطون به من جوانبه (نه) (ان امرؤ هلك) يعني مات سمى الموت هلاكا لأنه اعدام في الحقيقة (ليس له ولد) يعني ولا والد فاكتفى بذكر احدهما عن الآخر ويدل على المحذوف أن السؤال في الفتيا انما كان في الكلالة وقد تقدم أن الكلالة من ليس له ولد ولا والد (وله أخت) أي لأب وأم أو لأب (فلها نصف ما ترك) وهو فرضها اذا انفردت وباقي المال لبيت المال اذا لم يكن للميت عصبة وهذا مذهب زيد بن ثابت وبه قال الشافعي وعند أبي حنيفة وأهل العراق يرد الباقي عليها فإن كان للميت بنت أخذت النصف بالفرض وتأخذ الأخت النصف الباقي بالتعصب لا بالفرض لأن الأخوات مع البنات عصبة (وهو يرثها ان لم يكن لها ولد) معناه ان الأخت إذا ماتت وتركت أخا من الأب والأم أو من الأب فإنه يستغرق جميع مالها اذا انفرد ولم يكن لها ولد وهذا أصل في جميع العصبات واستغراقهم جميع المال فأما الأخ من الأم فإنه صاحب فرض لا يستغرق جميع المال (فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك) أراد أختين فصاعدا وهو أن من مات وترك أختين أو أخوات فلهن الثلثان مما ترك الميت (وان كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين) يعني وان كان المتروكون من اخوة رجالا ونساءا فللذكر منهم نصيب اثنتين في اخواته الإناث (يبين الله لكم أن تضلوا) أي كراهة أن تضلوا وقيل لئلا تضلوا (والله بكل شيء عليم) أي علمه محيط بكل شيء (٥) (سنده) حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة وحجاج أنا شعبة قال سمعت محمد بن المنكدر قال سمعت جابر بن عبد الله قال دخل على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الخ (تخريجه) (ق والأربعة)
[ ١٨ / ١٢٣ ]
(عن أبي الزبير عن جابر) (١) قال اشتكيت وعندي سبع أخوات لي فدخل على رسول الله ﷺ فنضح في وجهي فأفقت فقلت يا رسول الله أوصي لاخواتي بالثلثين؟ (٢) قال أحسن قلت بالشطر؟ قال أحسن قال ثم خرج وتركني ثم رجع فقال يا جابر اني لا أراك ميتا من وجعك هذا فإن الله ﷿ قد أنزل فبين الذي لاخوتك فجعل لهن الثلثين فكان جابر يقول نزلت هذه الآية (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) (عن البراء بن عازب) (٣) قال جاء رجل (٤) إلى رسول الله ﷺ فسأله عن الكلالة فقال تكفيك آية الصيف (٥) (سورة المائدة) (باب ما جاء في فضلها) (عن عبد الله بن عمرو) (٦) قال أنزلت على رسول الله ﷺ
_________________
(١) (سنده) حدثنا أزهر بن القاسم وكثير بن هشام قالا ثنا هشام عن أبي الزبير عن جابر الخ (غريبه) (٢) هكذا بالأصل (أوصي لأخوتي بالثلثين؟ قال أحسن قلت بالشطر؟ قال أحسن) وكذا في معظم الأصول وفيه أشكال وقد فسره بعض العلماء بأن اللام في قوله (لأخواتي) بمعنى على كما في قوله تعالى (ان احسنتم أحسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها) أي فعليها يعني أوثر المساكين على اخواتي وأوصي للمساكين بالثلثين؟ قال ﷺ (أحسن) أي الى أخوتك وفي نسخة لأبي داود (أوصى لاخواتي بالثلث) بدل الثلثين وعلى هذا فلا اشكال لأن قوله ﷺ (أحسن) أي زد عن الثلث (قلت بالشطر) أي النصف قال (أحسن) أي زد عن النصف والله أعلم (تخريجه) (د نس) وسكت عنه أبو داود والمنذري هذا ولم يتكلم الخطابي ﵀ في شرح هذا الحديث إلا على مسألة الكلالة فقط ولم يتعرض لهذا الأشكال الذي فيه (قال ﵀) روى ان عبد الله بن حرام أبا جابر قتل يوم أحد ونزلت آية الكلالة في آخر عمر النبي ﷺ ويقال إنه آخر ما نزل من القرآن فكان جابر يوم نزول الآية لا ولد له ولا والد فصار شأنه بيانا لمراد الآية فهذا قول بعض العلماء في بيان معنى الكلالة قال وفيه وجه آخر وهو أشبه بمعنى الحديث وذلك أن النبي ﷺ قال للسائل عن الكلالة تجزيك آية الصيف (يعني الحديث الآتي بعد هذا) فوقعت الإحالة منه على الآية في بيان معنى الكلالة فوجب أن يكون ذلك مستنبطا من نفس الآية دون غيرها (يعني قوله تعالى ان امرؤ هلك ليس له ولد) الخ اهـ باختصار (٣) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم ثنا أبو بكر عن أبي اسحاق عن البراء بن عازب الخ (غريبه) (٤) قال الخطابي قد روى أن هذا الرجل هو عمر بن الخطاب ويشبه أن يكون انما لم يفته عن مسألته ووكل الأمر في ذلك الى بيان الآية اعتمادا على علمه وفهمه اهـ ملخصا (٥) يعني التي في آخر سورة النساء وهي قوله تعالى (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) الآية قال الخطابي أنزل الله في الكلالة آيتين احداهما في الشتاء وهي الآية التي في أول سورة النساء يعني قوله تعالى (إن كان رجل يورث كلالة الخ) وفيها اجمال وإبهام لايكاد يتبين هذا المعنى من ظاهرها ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف وهي التي في آخر سورة النساء فيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء فأحال السائل عليها ليتبين المراد بالكلالة المذكورة فيها اهـ (تخريجه) (د مذ) وجود الحافظ ابن كثيراسناده وسكت عنه أبو داود والمنذري (باب) (٦) (سنده) حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثني حيي بن عبد الله ان ابا عبد الرحمن الحبلي حدثه قال سمعت
[ ١٨ / ١٢٤ ]
سورة المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله (١) فنزل عنها (عن أسماء بنت يزيد) (٢) قالت اني لآخذ بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ اذا أنزلت عليه المائدة كلها فكادت من ثقلها تدق بعضد الناقة (عن جبير بن نفير) (٣) قال دخلت على عائشة ﵂ فقالت هل تقرأ سورة المائدة؟ قال قلت نعم قالت فإنها آخر سورة نزلت (٤) فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه (٥) وسألتها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت القرآن (٦) (باب اليوم أكملت لكم دينكم الخ) (عن طارق بن شهاب) (٧) قال جاء رجل من اليهود (٨) إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال يا أمير المؤمنين انكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا (٩) قال وأي آية هي؟ قال ﷿ (اليوم أكملت لكم
_________________
(١) عبد الله بن عمرو يقول أنزلت الخ (غريبه) (١) أي لثقله عليها من ضغط الملك ليعى ما يقال له ويحفظه (فنزل عنها) أي رحمة بها (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد من حديث عبد الله بن عمرو وأورده الهيثمي وقال رواه احمد وفيه ابن لهيعة والأكثر على ضعفه وقد يحسن حديثه وبقية رجاله ثقات اهـ (قلت) حديثه هنا حسن لأنه صرح بالتحديث (٢) (سنده) حدثنا ابو النضر ثنا أبو معاوية يعني شيبان عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد الخ (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني بنحوه وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد وثق (٣) (سنده) حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي قال ثنا معاوية عن أبي الزهراء عن جبير بن نفير الخ (غريبه) (٤) اختلفت الروايات في آخر سورة نزلت من القرآن وتقدم الكلام على ذلك والجمع بين الروايات المختلفة في باب آخر ما نزل من سورة القرآن وآياته في هذا الجزء صحيفة ٥٥ في الشرح (٥) (ان قيل) لم خصت هذه السورة من بين سور القرآن بتحليل حلالها وتحريم حرامها وكل سور القرآن يجب أن يحل حلالها ويحرم حرامها (فالجواب) ان هذه السورة خصت بذلك لأن فيها ثمانية عشر حكما لم تنزل في غيرها من سور القرآن (قال الا البغوي) روى عن ميسرة قال ان الله تعالى أنزل في هذه السورة ثمانية عشر حكما لم ينزل في غيرها وهي قوله تعالى (والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام وما علمتم من الجوارج مكلبين وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) وتمام بيان الطهر في قوله اذا قمتم إلى الصلاة والسارق والسارقة ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ما جعل الله من بجيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام وقوله شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت (٦) أي خلقه القرآن يعني التأديب بآدابه والعمل بما فيه (تخريجه) (ك) وصححه وأقره الذهبي وهو موقوف على عائشة ولكن له حكم المرفوع لا سيما وقد روى بعض المسرين أن النبي ﷺ قال في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع يا أيها الناس ان سورة المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها (قلت) وفي قوله ان سورة المائدة من آخر القرآن نزولا الخ اشارة إلى أنها كلها محكمة ليس فيها منسوخ والى ذلك ذهب الجمهور والله أعلم (باب) (٧) (سنده) حدثنا جعفر بن عون أنبأنا أبو عميس عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب الخ (غريبه) (٨) هو كعب الأحبار قبل أن يسلم وكان معه جماعة من اليهود وكان اسلامه في خلافة عمر على المشهور (٩) أي لعظمناه
[ ١٨ / ١٢٥ ]
دينكم وأتممت عليكم نعمتي) (١) قال فقال عمر اني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله ﷺ والساعة التي نزلت فيها نزلت على رسول الله ﷺ عشية عرفة في يوم الجمعة (٢) (باب آية التيمم) (حدثنا ابن نمير) (٣) ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء (٤) قلادة فهلكت فبعث رسول الله ﷺ رجالا في طلبها فوجدوها (٥) فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا بغير وضوء فشكوا ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله ﷿ التيمم (٦) فقال أسيد بن حضير لعائشة جزاك الله خيرا فوالله ما نزلت بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرا (٧) (ومن طريق ثان) (٨) (قر) عن عبد الرحمن عن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ انها قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفارنا (٩) حتى إذا كنا بالبيداء (١٠) أو بذات الجيش انقطع عقد لي (١١) فأقام رسول الله ﷺ على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضعا رأسه على فخذي (١٢) فقال حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ قالت فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله ان يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي فقام (١٣) رسول الله ﷺ حتى أصبح الناس على غير ماء فأنزل الله ﷿
_________________
(١) وجعلناه عيدا لنا في كل سنة لعظم ما حصل فيه من اكمال الدين (١) (التفسير) (اليوم اكملت لكم دينكم) يعني بالفرائض والسنن والحدود والاحكام والحلال والحرام ولم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض هذا معنى قول ابن عباس (وأتممت عليكم نعمتي) يعني باكمال الشريعة لأنه لا نعمة أتم من الاسلام وقال ابن عباس حكم لهم بدخول الجنة وقيل معناه أنه تعالى أنجز لهم ما وعدهم في قوله ولأتم نعمتي عليكم فكان من تمام النعمة ان دخلوا مكة آمنين وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين (ورضيت لكم الاسلام دينا) أي اخترته لكم من بين الأديان لما فيه من التسامح وآذنتكم بأنه الدين المرضي (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه) (٢) يشير بذلك عمر ﵁ الى أن ذلك اليوم يوم عيد لنا (وفي رواية) عن ابن عباس عند الترمذي وحسنه أنه قال فإنها نزلت في يوم عيدين في يوم الجمعة وفي يوم عرفة (تخريجه) (ق نس مذ) (باب) (٣) (حدثنا ابن نمير الخ) (غريبه) (٤) يعني بنت أبي بكر أختها (وقوله فهلكت) أي انقطعت فسقطت منها بدون أن تشعر بها (٥) أي بعد قرب خروج الوقت ولذلك صلوا بغير وضوء وكان السبب في ذلك بحثهم عن القلادة ولولا ذلك لأدركوا الماء (٦) يعني آية التيمم وسيأتي تفسيرها في الطريق الثانية (٧) يعني الرخصة بالتيمم لفاقد الماء (٨) (قر) (سنده) قال الامام احمد قرأت على عبد الرحمن عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة الخ (٩) أي إلى غزوة بني المصطلق وكانت سنة ست أو خمس (١٠) بفتح الموحدة والمد (أو بذات الجيش) بفتح الجيم وبعد الياء الساكنة شين معجمة موضعين بين مكة والمدينة والشك من عائشة (١١) بكسر العين وسكون القاف أي قلادة كما تقدم في الطريق الأولى واضافه لها باعتبار استيلائها لمنفعته والا فهو لأسماء استعارته منها كما صرحت بذلك في الطريق الأولى (١٢) زاد عند البخاري (قد نام) (١٣) جاء عند البخاري فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء وله في رواية أخرى حتى أصبح على غير ماء
[ ١٨ / ١٢٦ ]
آية التيمم) (١) فتيمموا فقال أسيد بن الحضير ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر قالت فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته (باب انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الخ)
_________________
(١) أول الآية قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اذا أقمتم الى الصلاة إلى قوله لعلكم تشكرون) (التفسير) (يا أيها الذين آمنوا اذا قمتم إلى الصلاة) أي اذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله أي اذا أردت القراءة وظاهر الآية يقتضي وجوب الوضوء وعند كل صلاة لكن بين النبي ﷺ بقوله وفعله ان المراد من الآية اذا قمتم الى الصلاة وأنتم على غير طهر قال ﷺ (لا يقبل الله صلاة أحدكم اذا أحدث حتى يتوضأ) وقد جمع النبي ﷺ يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد (فاغسلوا وجوهكم) حد الوجه من منابت شعر الرأس إلى منتهى الذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا لأنه مأخوذ من المواجهة فيجب غسل جميع الوجه في الوضوء (وأيديكم إلى المرافق) المرافق جمع مرفق كمنبر وهو من الإنسان أعلى الذراع وأسفل العضد وذهب جمهور العلماء إلى وجوب إدخال المرفقين في الغسل (وامسحوا برءوسكم) هذه الباء للالصاق على الأظهر والمراد الصاق المسح بالرأس فأخذ مالك وأحمد بالاحتياط فأوجبا مسح الرأس كله والشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح وأبو حنيفة بما روى أن النبي ﷺ مسح على ناصيته وقدرت الناصية بربع الرأس فأوجب المسح عليها على هذا المقدار (وأرجلكم إلى الكعبين) بالنصب شامي ونافع وعلى وحفص والمعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم على التقديم والتأخير وقرأ غيرهم بالجر بالعطف على الرءوس لأن الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة للاسراف المنهي عنه فعطف على المسموح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها وقيل إلى الكعبين فجيء بالغاية إماطة لظن ظان يحسبها ممسوحة لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة وقال في جامع العلوم انها مجرورة للجوار اهـ والكعبان هما العظمان الناتئان من جانبي القدمين وهما بجمع مفصل الساق والقدم فيجب غسلهما مع القدمين كما تقدم في المرفقين وقال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم والأئمة الأربعة وأصحابهم إن فرض الرجلين هو الغسل (وان كنتم جنبا فاطهروا) أي اغتسلوا فقد أمر الله بالاغتسال من الجنابة وذلك يجب على الرجل والمرأة بأحد شيئين اما بخروج المنى على اي صفة كان من احتلام أو غيره أو بالتقاء الختانين وان لم يكن معه انزال فاذا حصل وجب الغسل (وان كنتم مرضى) جمع مريض وأراد به مرضا يضره استعمال الماء مثل الجدري ونحوه أو كان على موضع الطهارة جراحة يخاف من استعمال الماء فيها التلف أو زيادة الوجع فإنه يصلي بالتيمم وان كان الماء موجودا (أو على سفر) سواء كان السفر طويلا أو قصيرا وعدم الماء فإنه يصلي بالتيمم ولا اعادة عليه (أو جاء أحد منكم من الغائط) أراد به اذا أحدث والغائط اسم للمطمئن من الأرض وكانت عادة العرب اتيان الغائط للحدث فكنى عن الحدث بالغائط (أو لامستم النساء) قرأ حمزة والكسائي هاهنا وفي سورة النساء أو لمستم وقرأ الباقون (أو لامستم) واختلفوا في معنى اللمس والملامسة فقال قوم هو المجامعة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وكنى باللمس عن الجماع لأنه لا يحصل إلا باللمس وقال قوم هما التقاء البشرتين سواء كان بجماع أو بغير جماع وهو قول ابن مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي واختلف الفقهاء في حكم
[ ١٨ / ١٢٧ ]
(عن قتادة عن أنس) (١) أن نفرا من عكل وعرينة تكلموا بالاسلام فأتوا رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم أهل ضرع (٢) ولم يكونوا أهل ريف (٣) وشكوا حمى المدينة فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود (٤) وأمرهم أن يخرجوا من المدينة فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا فكانوا في ناحية الحرة (٥) فكفروا بعد اسلامهم وقتلوا راعي رسول الله ﷺ وساقوا الذود فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث الطلب في آثارهم فأتى بهم فسمل أعينهم وقطع أيديهم وأرجلهم وتركوا بناحية الحرة يقضمون (٦) حجارتها حتى ماتوا قال قتادة فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم (إنما جزاء (٧) الذين
_________________
(١) اللمس وتقدم الكلام عليه في الأحكام في باب الوضوء من لمس المرأة من أبواب نواقض الوضوء في الجزء الثاني صحيفة ٩١ فارجع اليه (فتيمموا) أي اقصدوا (صعيدا طيبا) أي ترابا طيبا نظيفا طاهرا (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) في قوله تعالى منه دليل على أنه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب وتقدم الكلام على التيمم وصفته وأحكامه وكل ما يتعلق به من كتاب التيمم في الجزء الثاني (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) يعني من ضيق بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم عند عدم الماء (ولكن يريد ليطهركم) يعني الأحداث والذنوب والخطايا لأن الوضوء تكفير للذنوب (وليتم نعمته عليكم) يعني بيان الشرائع والأحكام وما تحتاجون اليه من أمر دينكم (لعلكم تشكرون) نعمة الله عليكم بأن طهركم من الأحداث والذنوب وما جعل عليكم في الدين من حرج (تخريجه) (ق وغيرهما) (١) (سنده) حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن قتادة عن أنس (يعني ابن مالك ﵁) الخ (غريبه) (٢) أي أهل ماشية من ذوات الضرع كالابل والغنم يرعونها ويتعيشون بلبنها ولحمها (٣) الريف كل أرض فيها زرع ونخل وقيل هو ما قارب الماء من أرض العرب والمعنى أنهم من أهل البادية لامن أهل المدن (٤) الذود من الابل ما بين الثنتين إلى التسع وقيل ما بين الثلاث إلى العشر واللفظ مؤنثة ولا واحد لها من لفظها كالنعم (٥) بفتح المهملة وتشديد الراء مفتوحة أرض ذات حجارة سود بضواحي المدينة (٦) بفتح الضاد المعجمة أي يعضونها وهذا الحديث تقدم مثله مشروحا شرحا تاما في باب ما جاء في المحاربين وقطاع الطريق من كتاب الحدود في الجزء السادس عشر صحيفة ١٢٤ (٧) (التفسير) (انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) المحاربة لله غير ممكنة وفي معناها للعلماء قولان (احدهما) أن المحاربين لله هم المخالفون أمره الخارجون عن طاعته لأن كل من خالف أمر انسان فهو حرب له فيكون المعنى يخالفون الله ورسول ويعصون أمرهما (والقول الثاني) معناه يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله فهو من باب حذف المضاف (ويسعون في الأرض فسادا) يعني بحمل السلاح والخروج على الناس وقتل النفس وأخذ الأموال وقطع الطريق (ان يقتلوا) من غير صلب أن أفردوا القتل (أو يصلبوا) مع القتل إن جمعوا بين القتل وأخذ المال (أو تقطع أيديهم وأرجلهم) أن أخذوا المال (من خلاف) حال من الأيدي والأرجل (أو ينفوا من الأرض) أي ينفى من بلده إلى غيره ويحبس في السجن في البلد الذي نفى إليه حتى تظهر توبته (ذلك) الذي ذكر من الحد (لهم خزي) ذل وهوان وفضيحة (في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) هذا الوعيد في حق الكفار الذين نزلت الآية فيهم فأما من أجرى حكم الآية على المحاربين من المسلمين فينفى العذاب العظيم عنهم في الآخرة لأن المسلم اذا عوقب بجناية في الدنيا كانت عقوبته
[ ١٨ / ١٢٨ ]
يحاربون الله ورسوله) (باب يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) إلى قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) (عن البراء بن عازب) (١) قال مر على رسول الله ﷺ بيهودي محمم (٢) مجلود فدعاهم فقال أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا نعم قال فدعا رجلا من علمائهم فقال أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ (٣) فقال لا والله لولا أنك أنشدتني بهذا (٤) لم أخبرك نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر على أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه واذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا (٥) تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا (٦) على التحميم والجلد فقال رسول الله ﷺ اللهم اني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه (٧) قال فأمر به فرجم فأنزل الله ﷿ (يا أيها الرسول لا يحزنك (٨) الذي يسارعون في الكفر - إلى قوله - يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه) يقولون ائتوا محمدا فإن افتاكم بالتحميم والجلد فخذوه وان افتاكم بالرجم فاحذروا (٩) إلى قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال في اليهود (١٠) إلى قوله (ومن لم
_________________
(١) كفارة له وان لم يعاقب في الدنيا فهو في خطر المشيئة إن شاء عذبه بجنايته ثم يدخله الجنة وان شاء عفا عنه هذا مذهب أهل السنة والله أعلم (تخريجه) (ق وغيرها) (باب) (١) (سنده) حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب الخ (غريبه) (٢) أي مسود وجهه بالحمم بضم الحاء وفتح الميم وهو الفحم (٣) قال العلماء هذا السؤال ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم فإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم ولاظهار ما كتموه من حكم التوراة وأرادوا تعطيل نصها ففضحهم بذلك ولعله ﷺ قد أوحى اليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا أشياء أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم ولهذا لم يخفف ذلك عليه حين كتموه (٤) أي لولا أنك سألتني مقسما علي بمنزل التوراة (٥) يعني فيما بيننا (٦) أي فأجمعنا أمرنا على التحميم والجلد (٧) أي في وقت أماتت اليهود أمرك واسقطوه عن العمل (٨) (التفسير) (يا ايها الرسول لا يحزنك) صنع (الذين يسارعون في الكفر) يقعون فيه بسرعة أي يظهرونه اذا وجدوا فرصة (من) للبيان (الذين قالوا آمنا بأفواههم) بألسنتهم متعلق بقالوا (ولم تؤمن قلوبهم) وهم المنافقون (ومن الذين هادوا) قوم (سماعون للكذب) الذي افترته احبارهم سماع قبول (سماعون) منك (لقوم) أي لاجل قوم (آخرين) من اليهود (لم يأتوك) وهم أهل خيبر زنى فيهم محصنان فكرهوا رجمهما فبعثوا قريظة ليسألوا النبي ﷺ عن حكمهما (يحرفون الكلم) الذي في التوراة كآية الرجم (من بعد مواضعه) التي وضعه الله عليها أي يبدلونه (يقولون) لمن أرسلوهم (ان أوتيتم هذا) الحكم المحرف أي الجلد أي أن افتاكم به محمد (فخذوه) أي اقبلوه (وان لم تؤتوه) بل أفتاكم بخلافه (فاحذروا) أن تقبلوه (٩) جاء عند مسلم بعد قوله فاحذروا فأنزل الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (١٠» يعني أن اليهود لما أنكروا حكم الله تعالى المنصوص عليه في التوراة وقالوا انه غير واجب عليهم فهم كافرون على الاطلاق بموسى والتوراة وبمحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم والقرآن (واختلف العلماء) فيمن نزلت هذه الآيات الثلاث وهي قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما أنز الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون فقال جماعة من المفسرين إن الآيات الثلاث
[ ١٨ / ١٢٩ ]
يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) قال هي في الكفار كلها (عن ابن عباس) (١) في قوله تعالى (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم (٢) وان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين) قال كان بنو النضير اذا قتلوا قتيلا من بني قريظة أدوا اليهم نصف الدية واذا قتل بنو قريظة من بني النضير قتيلا أدوا اليهم الدية كاملا فسوى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بينهم الدية (٣) (وعنه أيضا) (٤) أن الله ﷿ أنزل (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وأولئك هم الظالمون وأولئك هم الفاسقون) قال قال ابن عباس أنزلها الله في الطائفتين من اليهود وكانت احداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتله العزيزة (٥) من الذليلة فديته خمسون وسقا وكل قتيل قتله الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله ﷺ ويومئذ لم يظهر (٦) ولم يوطئهما
_________________
(١) نزلت في الكفار ومن غير حكم الله من اليهود لأن المسلم وان ارتكب كبيرة لا يقال انه كافر وهذا قول ابن عباس وقتادة والضحاك ويدل على صحة هذا القول هذا الحديث الصحيح وفي آخره قال هي في الكفار كلها (وعن ابن عباس) قال ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون إلى قوله الفاسقون هذه الآيات الثلاث في اليهود خاصة قريظة والنضير أخرجه أبو داود وقال ابن عباس وعكرمة ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق (قلت) وهذا هو الظاهر والله أعلم (تخريجه) (م د جه) (١) (سنده) حدثنا محمد بن سلمة عن ابن اسحاق عن داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس الخ (٢) (التفسير) اختلف علماء التفسير في حكم هذه الآية على قولين (أحدهما) أنها منسوخة وذلك أن أهل الكتاب كانوا اذا ترافعوا الى النبي ﷺ كان مخيرا فإن شاء حكم بينهم وان شاء أعرض عنهم ثم نسخ ذلك بقوله (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) فلزمه الحكم بينهم وزال التخيير وهذا القول مروي عن ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة (القول الثاني) انها محكمة وحكام المسلمين بالخيار إذا ترافعوا اليهم فإن شاءوا حكموا بينهم وان شاءوا اعرضوا عنهم وهذا القول مروي عن الحسن والشعبي والنخعي والزهري وبه قال أحمد لأن لا منافاة بين الآيتين أما قوله فاحكم بينهم أو اعرض عنهم ففيه التخيير بين الحكم والاعراض وأما قوله (وان احكم بينهم بما أنزل الله) ففيه كيفية الحكم إذا حكم بينهم ويؤيده هذا القول ما روى ان رسورة المائدة كلها محكمة ليس فيها منسوخ (وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط) يعني بالعدل والاحتياط (إن الله يحب المقسطين) يعني العادلين فيما ولوه وحكموا فيه وهذا معنى قوله في الحديث فسوى رسول الله ﷺ بينهم الدية (٣) يعني كاملة كما في نسخة أخرى (تخريجه) (د نس) وابن جرير وسنده صحيح (٤) (سنده) حدثنا ابراهيم بن أبي العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن الله ﷿ الخ (غريبه) (٥) العزيزة هم بنو النضير والذليلة هم بنو قريظة (٦) أي لم يظهر من إحدى الطائفتين تعد على الأخرى (ولم يوطئهما) أي لم يوافقهما النبي ﷺ على ما اصطلحا
[ ١٨ / ١٣٠ ]
عليه وهو في الصلح فقتلت الذليلة (١) من العزيزة قتيلا فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا الينا بمائة وسق فقالت الذليلة وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ونبيهما واحد وبلدهما واحد؟ دية بعضها نصف دية بعض إنا انما أعطيناكم هذا ضيما (٢) منكم لنا وفرقا منكم فأما إذ قدم محمد فلا نعطينكم ذلك فكادت الحرب تهيج بينهم ثم ارتضوا أن يجعلوا رسول الله ﷺ بينهم (٣) ثم ذكرت العزيزة فقالت والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم (٤) ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلا ضيما منا وقهرا لهم فدسوا الى محمد من يخبر لكم رأيه أن أعطاكم ما تريدون حكمتموه وان لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه (٥) فدسوا إلى رسول الله ﷺ ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله ﷺ فلما جاء رسول الله ﷺ أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا فأنزل الله ﷿ (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون إلى الكفر من الذين قالوا آمنا - إلى قوله - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) (٦) ثم قال فيها والله نزلت واياهما عنى الله ﷿ (٧) (باب وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس الخ) (عن أنس ابن مالك) (٨) أن رسول الله ﷺ قرأها (وكتبنا عليهم فيها (٩) أن النفس بالنفس والعين بالعين
_________________
(١) عليه من أمر الدية (١) أي بنو قريظة من العزيزة يعني بني النضير (٢) أي ظلما منكم لنا (وفرقا) بفتحات أي خوفا منكم (٣) يعني حكما (٤) معنا أن محمدا لا يقر ما أنتم عليه بل يسوي بينكما في الدية (٥) هذا معنى قوله تعالى (ان أوتيتم هذا فخذوه وان لم تؤتوه فاحذروا (٦) تقدم تفسير الآية في شرح الحديث الأول من أحاديث الباب (٧) تقدم في الحديث الأول من أحاديث الباب وهو حديث البراء بن عازب أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وفي هذا الحديث والذي قبله انها انزلت في الدية في بني قريظة وبني النضير قال الحافظ ابن كثير في تفسيره وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد فنزلت هذه الآيات في ذلك كله والله أعلم ولهذا قال بعد ذلك (وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين) إلى آخرها وهذا يقوي أن سبب النزل قضية القصاص والله أعلم (قلت) وهو وجيه ولا مانع من ذلك لأن أحاديث القصتين صحيحه فيحتمل أن بعض الصحابة علم قصة الزنا ولم يعلم قصة الدية وبعضهم علم قصة الدية ولم يعلم قصة الزنا فحكى كل واحد ما علمه أو علم القصتين فحكى احداهما وترك الأخرى والله أعلم (تخريجه) (د نس) وسكت عنه أبو داود والمنذري وعزاه الحافظ السيوطي في الدر المنثور لأبي داود وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبي الشيخ وابن مردوية وسنده صحيح (باب) (٨) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم ثنا ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن أبي علي بن يزيد أخي يونس ابن يزيد عن الزهري عن أنس بن مالك الخ (٩) (التفسير) (وكتبنا عليهم فيها) أي وفرضنا على اليهود في التوراة (أن النفس) مقتولة بالنفس اذا قتلتها بغير حق قرأ على بنصف النفس ورفع العين وما بعدها للعطف على محل أن النفس لأن المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس إجراءا لكتبنا مجرى قلنا ونصب نافع وعاصم وحمزة المعطوفات كلها للعطف على ما عملت في أن ونصب الباقون الكل ورفعوا الجروح (والعين) مفقوءة (بالعين) (والأنف) مجدوع (بالأنف والأذن) مقطوعة (بالأذن والسن) مقلوعة
[ ١٨ / ١٣١ ]
نصب النفس ورفع العين (باب يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر الخ) (عن سعد بن أبي وقاص) (١) قال صنع رجل من الانصار طعاما فأكلوا وشربوا وانتشوا (٢) من الخمر وذاك قبل أن تحرم فاجتمعنا عنده فتفاخروا وقالت الانصار الأنصار خير وقالت المهاجرين المهاجرين خير فأهوى له رجل بلحنى (٣) جزور ففزر أنفه (٤) فكان أنف سعد مفزورا فنزلت (يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر (٥) إلى قوله - فهل أنتم منتهون) (عن ابن عباس) (٦) قال لما نزل تحريم الخمر قالوا يا رسول الله كيف باخواننا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت (وفي رواية) فقال بعضهم قد قتل سهيل بن بيضا وهي في بطنه قال فأنزل الله ﷿ (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح (٧) فيما طعموا) الخ الآية
_________________
(١) (بالسن والجروح قصاص) أي ذات قصاص أي مقاصة وهذا تعميم للحكم بعد ذكر بعض التفاصيل والمراد منه كل ما يمكن المساواة فيه من أي طريق كالذكر والانثيين والقدمين واليدين ومن الجراحات المضبوطة كالموضحة مثلا وهي التي توضح العظم وتبدي وضحه وهو الضوء والبياض وكذا منافع الاعضاء والاطراف كالسمع والبصر فأما الذي لا يمكن القصاص فيه كرض في لحم أو كسرفي عظم أو خدش وادماء في جلد ففي ذلك أرش وحكومة وتفاصيلها تقدمت في القول الحسن شرح بدائع المنن صحيفة ٢٧٢ - ٢٧٣ في الجزء الثاني فارجع اليه تجد ما يسرك (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره بسنده ولفظه وعزاه للامام احمد وقال وكذا رواه أبو داود والترمذي والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن المبارك وقال الترمذي حسن غريب وقال البخاري تفرد ابن المبارك بهذا الحديث اهـ (باب) (١) هذا طرف من حديث طويل سيأتي بطوله وسنده وشرحه وتخريجه في مناقب سعد بن أبي وقاص من كتاب مناقب الصحابة وهو حديث صحيح رواه مسلم والبيهقي (غريبه) (٢) أي سكروا (٣) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة هو عظم الحنك وهو الذي عليه الاسنان (جزور) أي بعير (٤) فزر بفتحات وتقديم الزاي على الراء أي شقه (٥) (التفسير) بقية الآية (والانصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) تقدم تفسير هذه الآية في باب يسألونك عن الخمر والميسر من سورة البقرة ثم قال عز من قائل (انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) أما العداوة في الخمر أن الشاربين اذا سكروا عربدو وتشاجروا كما فعل الانصاري الذي شج سعد بن أبي وقاص بلحى الجمل وأما العداوة في الميسر وهو القمار فقد قال قتادة كان الرجل يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الأهل والمال مغتاظا على حرفائه (ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) وذلك ان من اشتغل بشرب الخمر والقمار الهاه ذلك عن ذكر الله وشوه عليه صلاته كما فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف تقدم رجل ليصلي بهم بعد ما شربوا فقرأ (قل يا ايها الكافرون أعبد ما تعبدون) بحذف لا (فهل أنتم منتهون) أي انتهوا لفظه استفهام ومعناه أمر كقوله تعالى (فهل أنتم شاكرون) (تخريجه) (م هق) والبغوي (٦) (سنده) حدثنا وكيع حدثنا اسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس الخ (٧) (التفسير) (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح) أي حرج (فما طعموا) أكلوا من الخمر والميسر قبل التحريم (اذا ما اتقوا) الشرك والمحرمات
[ ١٨ / ١٣٢ ]
(باب يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء الخ) (عن علي ﵁) (١) قال لما نزلت هذه الآية (ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا) قالوا يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت فقالوا أفي كل عام؟ فقال لا ولو قلت نعم لوجبت (٢) فأنزل الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم) الخ الآية (٣) (عن أنس بن مالك) (٤) قال قال رجل (٥) يا رسول الله من أبي؟ قال أبوك فلان فنزلت (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم) إلى تمام الآية
_________________
(١) (وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا) ثبتوا على التقوى والايمان (ثم اتقوا وأحسنوا) العمل (والله يحب المحسنين) أي يثيبهم (تخريجه) (مذ ك) وقال الترمذي حديث حسن صحيح (قلت) وصححه الحاكم أيضا (باب) (١) (سنده) حدثنا منصور بن وردان الأسدي حدثنا علي بن عبد الأعلى عن أبيه عن أبي البختري عن علي الخ (٢) تقدم الكلام على ذلك في باب وجوب الحج في الجزء الحادي عشر صحيفة ١٤ (٣) (التفسير) (يا ايها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم) أي ان تظهر لكم تسؤكم أي ان امرتم بالعمل بها فإن من سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به في كل عام فيسوءه ومن سأل عن نسبه كما سيأتي في حديث أنس لم يأمن من أن يلحقه بغيره فيفتضح وقال مجاهد نزلت حين سأل رسول الله ﷺ عن البحيرة والسائية والوصيلة والحام الا تراه ذكرها بعد ذلك؟ (قلت) روى البخاري عن سعيد بن المسيب قال البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس والسائبة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثنى بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم ان وصلت احداهما بأخرى ليس بينهما ذكر والحام فحل الابل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل عليه فلا يحمل عليه شيء وسموه الحامي (وان تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم) معناه ان صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهي أو حكم وليس في ظاهره شرح ما بكم اليه حاجة ومست حاجتكم اليه فإذا سألتم عنها حينئذ (تبد لكم) المعنى اذا سألتم عن أشياء في زمنه ﷺ ينزل القرآن بابدائها ومتى ابداها ساءتكم فلا تسألوا عنها (عفا الله عنها) عن مسألتكم فلا تعوذوا (والله غفور حليم قد سألها) أي الأشياء (قوم من قبلكم) كما سألت ثمود صالحا الناقة وسأل قوم عيسى المائدة (ثم اصبحوا بها كافرين) أي لم يؤمنوا بها فأهلكهم الله ﷿ (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للامام احمد ثم قال وكذا رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث منصور بن وردان به ثم قال الترمذي حسن غريب وفيما قال نظر لأن البخاري قال لم يسمع أبو البختري من علي اهـ (قلت) وفي اسناده عبد الأعلى ابن عامر الثعلبي قال الامام احمد ضعيف وقال النسائي ليس بقوي ويكتب حديثه وقال ابن عدي قد حدث عنه الثقات كذا في التهذيب (٤) (سنده) حدثنا روح ثنا شعبة قال أخبرني موسى بن أنس قال سمعت أنس بن مالك يقول قال رجل الخ (غريبه) (٥) هو عبد الله بن حذافة كما صرح بهذا في رواية من حديث أنس عند الامام أحمد أيضا وتقدم في باب ما جاء في ذم كثرة السؤال في العلم لغير حاجة من كتاب العلم في الجزء الأول صحيفة ١٥٩ رقم ٢٤ وفيه فقال عبد الله بن حذافة يا رسول الله
[ ١٨ / ١٣٣ ]
(باب يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) (عن علي بن مدرك) (١) عن أبي عامر الأشعري ﵁ قال كان رجل قتل منهم بأوطاس فقال له النبي ﷺ يا أبا عامر ألا غيرت؟ (٢) فتلا هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) (٣) فغضب رسول الله ﷺ (٤) وقال أين ذهبتم انما هي يا أيها الذين آمنوا لا يضركم من ضل من الكفار اذا اهتديتم (عن قيس) (٥) قال قام أبو بكر ﵁ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس انكم تقرؤن هذه الآية (٦) (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم) وانا سمعنا رسول الله ﷺ يقول ان الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيروه (٧) أوشك الله أن يعمهم بعقابه (٨) قال وسمعت أبا بكر ﵁ يقول إياكم والكذب فإن الكذب مجانب (٩) للإيمان
_________________
(١) من أبي قال أبوك حذافة فقالت امه ما أردت إلى هذا؟ قال أردت أن استريح قال وكان يقال فيه قال حميد واحسب هذا عن أنس قال فغضب رسول الله ﷺ فقال عمر رضينا بالله ربا وبالاسلام دينا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله زاد عند الشيخين قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة ما سمعت يا ابن أخي منك؟ أمنت أن تكون أمك قارفت بعض ما تقارب من أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ فقال عبد الله بن حذافة لو ألحقني بعبد أسود لحقته (تخريجه) (ق وغيرهما) (باب) (١) (سنده) حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال ثنا مالك بن مغول ثنا علي بن مدرك الخ (غريبه) (٢) أي الا غيرت هذا المنكر (٣) (التفسير) (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) قال العلماء هذا أمر من الله تعالى ومعناه احفظوا أنفسكم من ملابسة الذنوب والاصرار على المعاصي لأنك إذا قلت عليك زيدا معناه الزم زيدا وقيل معناه عليكم أنفسكم فأصلحوها واعملوا في خلاصها من عذاب الله ﷿ وانظروا لها ما يقربها من الله ﷿ (لا يضركم من ضل اذا اهتديتم) يعني لا يضركم كفر من كفر اذا كنتم مهتدين وأطعتم الله ﷿ فيما أمركم به ونهاكم عنه قال سعيد بن جبير ومجاهد نزلت هذه الآية في أهل الكتاب اليهود والنصارى يعني عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب فخذوا منهم الجزية واتركوهم (٤) انما غضب رسول الله ﷺ لكون أبي عامر فهم من الآية عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأفهمه أن المراد بها الكفار وقد فسرها بذلك سعيد ابن جبير ومجاهد (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه (حم طب) ورجالهما ثقات إلا أني لم أجد لعلي بن مدرك سماعا من أحد من الصحابة (٥) (سنده) حدثنا هاشم بن القاسم قال حدثنا زهير يعني ابن معاوية قال ثنا اسماعيل بن أبي خالد قال حدثنا قيس الخ (قلت) قيس هو ابن أبي حازم (غريبه) (٦) زاد أبو داود في روايته (وتضعونها على غير مواضعها) يعني تجرونها على عمومها وتمتنعون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقا وليس كذلك (٧) أي أن أمكنهم ذلك (٨) أي عذابه (٩) أي لا يتفق مع الايمان بمعنى أن الكاذب لا يكون مؤمنا (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للامام احمد ثم قال وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة عن اسماعيل بن أبي خالد متصلا مرفوعا ومنهم من رواه عنه موقوفًا
[ ١٨ / ١٣٤ ]
(باب إن تعذبهم فإنهم عبادك الآية) (حدثني جسرة بنت دجانة) (١) انها انطلقت معتمرة فانتهت إلى الربذة (٢) فسمعت أب ذر يقول قام النبي ﷺ ليلة من الليالي في صلاة العشاء فصلى بالقوم ثم تخلف أصحاب له يصلون فلما رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله فلما رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلى فجئت فقمت خلفه فأومأ إلى بيمينه فقمت عن يمينه ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه فأومأ اليه بشماله فقام عن شماله فقمنا ثلاثتنا يصلي كل رجل منا بنفسه ويتلو من القرآن ما شاء الله أن يتلو فقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة فبعد أن أصبحنا أومأت إلى عبد الله بن مسعود أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة؟ فقال ابن مسعود بيده لا اسأله عن شيء حتى يحدث إلي فقلت بأبي أنت وأمي (٣) قمت بآية من القرآن ومعك القرآن لو فعل هذا بعضنا وجدنا عليه (٤) قال دعوت لأمي قال فماذا أجبت أو ماذا رد عليك؟ قال أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة قال أفلا أبشر الناس قال بلى فانطلقت معنقا (٦) قريبا من قذفة بحجر فقال عمر يا رسول الله انك ان تبعث إلى الناس بهذا نكأوا (٧) عن العبادة فنادى ان ارجع فرجع وتلك الآية (أن تعذبهم فإنهم عبادك (٨) وان تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)
_________________
(١) على الصديق وقد رجع رفعه الدارقطني وغيره اهـ (قلت) وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى الترمذي أيضا باسناد حسن عن أبي أمية الشعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له كيف تصنع في هذه الآية؟ قال أية آية؟ قلت قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) قال أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله ﷺ قال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤمرة واعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم قال عبد الله بن المبارك وزادني غير عتبة عتبة قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال لا بل أجر خمسين رجلا منكم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب (قلت) وأخرجه (د جه) وابن جرير وابن أبي حاتم (باب) (١) (سنده) حدثنا يحيى (يعني ابن سعيد) حدثنا قدامة بن عبد الرحمن حدثني جسرة بنت دجانة الخ (غريبه) (٢) الربذة بالتحريك هي منزل من منازل حاج العراق على ثلاث مراحل من المدينة قريبة من ذات عرق وبها قبر ابي ذر الغفاري ﵁ لأنه توطنها في آخر حياته ومات بها (٣) أي أفديك بأبي وأمي والقائل ذلك هو أبو ذر (٤) أي غضبنا عليه (٥) معنى هذا أنه ﷿ استجاب دعاءه بالمغفرة لأمته (٦) أي مسرعا (٧) بفتح الكاف أي امتنعوا (٨) (التفسير) (ان تعذبهم فإنهم عبادك) تتصرف في شأنهم كيف شئت بعد لك (وان تغفر لهم فإنك أنت العزيز) في الملك الغالب على أمره (الحكيم) في القضاء لا ينقص من عزك شيء ولا يخرج من حكمك تلا النبي ﷺ قول عيسى بن مريم ﵇ (ان تعذبهم فإنهم عبادك الآية) حينما سأل ربه الشفاعة لأمته فأعطاه إياها كما جاء في حديث آخر لأبي ذر عند الامام احمد أيضا وفيه قلت يا رسول الله ما زلت تقرؤ هذه الآية حتى اصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال اني سألت ربي ﷿ الشفاعة لأمتي فأعطانيها وهي نائلة ان شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا (وروى ابن أبي حاتم) بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ تلا قول عيسى
[ ١٨ / ١٣٥ ]
(سورة الأنعام) (باب وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الآية) (عن عبيد الله بن زياد) (١) عن ابني يسر السلميين قال دخلت عليهما فقلت يرحمكما الله الرجل منا يركب دابته فيضربها بالسوط ويكفحها (٢) باللجام هل سمعتما من رسول الله ﷺ في ذلك شيئا؟ (٣) قالا لا ما سمعنا منه في ذلك شيئا فإذا امرأة قد نادت من جوف البيت أيها السائل ان الله ﷿ يقول (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه (٤) إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء) فقالا هذه أختنا وهي أكبر منا وقد أدركت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
_________________
(١) (إن تعذبهم فإنهم عبادك وان تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فرفع يديه فقال اللهم أمتي وبكى فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيه فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله ﷺ بما قال وهو أعلم فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد فقل انا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك (تخريجه) (نس جه) مختصرا وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه اسناده صحيح ورجاله ثقات ثم قال رواه النسائي في الكبرى واحمد في المسند وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صحيح (سورة الأنعام) (باب) (١) (سنده) حدثنا علي بن بحر قال حدثنا عيسى بن يونس قال ثنا عبد الرحمن بن يزيد يعني ابن جابر عن عبيد الله بن زياد الخ (غريبه) (٢) أي يجذبها باللجام لتقف ويقال فيه أيضا (يكبحها) بالياء الموحدة المفتوحة بدل الفاء قال في النهاية في حديث الافاضة من عرفات (وهو يكبح راحلته) كبحت الدابة اذا جذبت راسها اليك وانت راكب ومنعتها من الجماع وسرعة السير (٣) يريد أن الانسان يؤاخذ بذلك أم لا؟ (٤) (التفسير) (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه) الدابة اسم لما يدب على الأرض وتقع على المذكر والمؤنث وقيد الطائر بالجناحين لنفي المجاز لأن غير الطائر قد يقال فيه طار اذا اسرع قال العلماء جميع ما خلق الله ﷿ لا تخرج عن هاتين الحالتين اما ان يدب على الأرض أو يطير في الهواء حتى الحقوا حيوان الماء بالطير لأن الحيتان تسبح في الماء كما ان الطير يسبح في الهواء وانما خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء وان كان ما في السماء مخلوقا له لأن الاحتجاج بالمشاهد أظهر وأولى مما لا يشاهد (إلا أمم أمثالكم) قال مجاهد اي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يريد أن كل جنس من الحيوان أمة فالطير أمة والدواب أمة والسباع أمة تعرف بأسمائها مثل بني آدم يعرفون بأسمائهم كما يقال الانس والناس ويدل على أن كل جنس من الدواب أمة ما روى عن عبد الله بن مغفل عن النبي ﷺ قال لولا ان الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم رواه الامام احمد والأربعة وصححه الترمذي وتقدم في باب الرخصة في عدم قتل الكلاب من كتاب القتل والجنايات في الجزء السادس عشر صحيفة ٢٢ رقم ٧٠ وقد اختلف العلماء في وجه هذه المماثلة فقيل ان هذه الحيوانات تعرف الله وتوحده وتسبحه وتصلي له كما أنكم تعرفونه وتوحدونه وتسبحونه وتصلون له قال تعالى (وان من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) وقيل انها يفهم بعضها عن بعض ويألف بعضها بعضا كما أن جنس الانسان يألف بعضها بعضا ويفهم بعضهم عن بعض وقيل أمثالكم في طلب الرزق وتوقي المهالك ومعرفة الذكر والأنثى وقيل أمثالكم في الخلق والاحتياج إلى مدير يدبر أمرها وفي الموت والبعث بعد الموت للحساب حتى يقتص للجماء من للقرناء
[ ١٨ / ١٣٦ ]
(باب وأنذر به الذين يخالفون أن يحشروا إلى ربهم - إلى قوله - والله أعلم بالظالمين) (عن ابن مسعود) (١) قال مر الملأ من قريش على رسول الله ﷺ وعنده خباب (٢) وصهيب وبلال وعمار فقالوا يا محمد ارضيت بهؤلاء (٣) فنزل فيهم القرآن (وأنذر به (٤) الذين يخافون أن يحشروا إلى
_________________
(١) كما ورد في الحديث (ما فرطنا في الكتاب من شيء) يعني في اللوح المحفوظ لأنه يشمل جميع أحوال المخلوقات وقيل أن المراد بالكتاب القرآن يعني أن القرآن مشتمل على جميع الأحوال (ثم إلى ربهم يحشرون) يعني الدواب والطير قال ابن عباس حشرها موتها وقال ابو هريرة يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء ثم يقول كوني ترابا وعن أبي هريرة أيضا أن رسول الله ﷺ قال لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء (م حم وغيرهما) (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد وسنده جيد (باب) (١) (سنده) حدثنا أسباط حدثنا أشعث عن كردوس عن ابن مسعود الخ (غريبه) (٢) هو خباب بفتح أوله وتشديد الموحدة ابن الأرت بفتح الهمزة والراء بعدها تاء مثناة مشددة وهو عربي يلتقي نسبه مع النبي ﷺ في الياس بن مضر لحقه سباء في الجاهلية فبيع بمكة وكان خباب من السابقين إلى الاسلام وممن عذبوا في الله وكان سادس ستة في الاسلام (قال مجاهد) أول من أظهر اسلامه من الصحابة أبو بكر وخباب وصهيب وبلال وعمار وسمية أم عمار وشهد بدرا ثم نزل الكوفة ومات بها في خلافة علي ﵁ سنة سبع وثلاثين (وصهيب) هو ابن سنان أبو يحيى الرومي أصله من النمر يقال كان اسمه عبد الملك وصهيب لقب صحابي شهير من السابقين إلى الاسلام وممن عذبوا في الله مات بالمدينة سنة ثمان وثلاثين في خلافة علي وقيل قبل ذلك والله أعلم (وبلال) هو ابن رباح مؤذن رسول الله ﷺ وهو ابن حمامة وهي أمه أبو عبد الله مولى أبي بكر من السابقين الأولين شهد بدرا والمشاهد مات بالشام سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة وقيل سنة عشرين وله بضع وستون سنة (وعمار) هو ابن ياسر أبو اليقظان مولى بني مخزوم صحابي جليل مشهور من السابقين الأولين ممن عذبوا في الله وممن شهدوا بدرا قتل مع علي ﵁ بصفين سنة سبع وثلاثين (٣) يعني العبيد الفقراء أرضيت أن يجلسوا معك ونحن أشراف قريش نجلس معهم وقد زاد ابن جرير في هذا الحديث نفسه (أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعا لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك ان طردتهم ان نتبعك) فنزلت (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه) الآية (٤) (التفسير) (وأنذر به) أي بما يوحى اليك من القرآن (الذين يخافون ان يحشروا الى ربهم) هم المسلمون المقرون بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحى إليه أو أهل الكتاب لأنهم مقرون بالبعث (ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع) وفي موضع الحال من يحشروا أي يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعا لهم (لعلهم يتقون) يدخلون في زمرة أهل التقوى ولما أمر النبي ﷺ بانذار غير المتقين ليتقوا أمر بعد ذلك بتقريب المتقين ونهى عن طردهم بقوله (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى) واثني عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم أي عبادته ويواظبون عليها قيل يصلون صلاة الصبح والعصر أو الصلوات الخمس (يريدون وجهه) قال ابن عباس يطلبون ثواب الله نزلت في الفقراء بلال وصهيب وعمار واضرابهم حين قال رؤساء المشركين لو طردت هؤلاء السقاط لجالسناك فقال ﷺ ما أنا بطارد المؤمنين فقالوا اجعل لنا يوما ولهم يوما وطلبوا بذلك
[ ١٨ / ١٣٧ ]
ربهم - إلى قوله - فتكون من الظالمين) (باب قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم الآية) (عن سعد بن أبي وقاص) (١) قال سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية (هو القادر (٢) على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم) فقال رسول الله ﷺ (٣) أما إنها كائنة ولم يأت على تأويلها بعد (عن عمرو) (٤) سمع جابر بن عبد الله لما
_________________
(١) كتابا فدعا عليا ﵁ ليكتب فقام الفقراء وجلسوا ناحية وكان المشركون طعنوا فيهم وطلبوا أن يطردهم ليجالسوه وأراد النبي ﷺ ذلك طمعا في اسلاما لا احتقارا للفقراء فنزلت (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) الآية فرمى النبي ﷺ بالصحيفة وأتى الفقراء فعانقهم (ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء) ذلك ان كفار قريش طعنوا في دين الفقراء واخلاصهم والمعنى حسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم اليك كما أن حسابك عليك لا يتعداك اليهم (فتطردهم) جواب النفي وهو ما عليك من حسابهم (فتكون من الظالمين) جواب النهي وهو لا تطرد ويجوز أن يكون عطفا على فتطردهم على وجه التسبيب لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم والله أعلم (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني الا انه قال فقالوا يا محمد هؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ لو طردت هؤلاء لاتبعناك فأنزل الله (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي - إلى قوله - اليس الله بأعلم بالمشاكرين) ورجال احمد رجال الصحيح غير كردوس وهو ثقة اهـ ورواه الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للامام احمد وابن جرير وذكره الحافظ السيوطي في الدر المنثور وعزاه لابن أبي حاتم وابي الشيخ وابن مردوية وأبي نعيم في الحلية (باب) (١) (سنده) حدثنا أبو اليمان حدثنا أبو بكر بن عبد الله عن راشد ابن سعد عن سعد بن أبي وقاص الخ (٢) (التفسير) (هو القادر) أي هو الذي عرفتموه قادرا وهو الكامل القدرة فاللام يحتمل العهد والجنس (على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) كما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة (أو من تحت أرجلكم) كما غرق فرعون وحسف بقارون وقوم شعيب أو حبس المطر والنبات هذا ما قاله المفسرون السابقون (ونزيد على قولهم هذا) في تفسير قوله تعالى (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) كالطائرات التي حدثت في زماننا هذا ترمي بالقنابل المهلكة من الجو على المساكين فتهدمها على من فيها (أو من تحت أرجلكم) كالغواصات الحديثة التي تغوص البحار وتستقر في قاعها وتقذف بالمدمرات وهي في قاع البحر فتهلك من على ظهره في السفن وكآلات النسف التي توضع في أسفل المنازل والعمارات والمؤسسات ثم تنفجر فتجعل عاليها سافلها فيهلك من فيها وهذا من معجزات القرآن حيث قد أظهر العلم الحديث بعض أسراره قال تعالى (ويخلق مالا تعلمون) (أو يلبسكم شيعا) يعني أو يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى كل فرقة منكم مشايعة لامام ومعنى خلطهم أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال (ويذيق بعضكم بأس بعض) أي يقتل بعضكم بعضا والبأس آلة الحرب وقد حصل كل ذلك (٣) اما بالتخفيف حرف تنبيه (انها) أي الخصلة المذكورة من بعث العذاب من الفوق أو من التحت (كائنة) أي واقعة فيما بعد (ولم يأت تأويلها) أي عاقبة ما فيها من الوعيد (وقوله بعد) بالبناء على الضم أي إلى الآن (قلت) قد وقع كل ذلك بعد النبي ﷺ وهو من معجزات النبوة (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث حسن غريب (٤) (سنده) حدثنا
[ ١٨ / ١٣٨ ]
نزلت (هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) قال رسول الله ﷺ أعوذ بوجهك فلما نزلت (أو من تحت أرجلكم) قال رسول الله ﷺ أعوذ بوجهك فلما نزلت (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) قال هذه (١) أهون وأيسر (عن ابي بن كعب) (٢) في قوله تعالى (هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) الآية قال هن أربع وكلهن عذاب وكلهن واقع لا محالة فمضت اثنتان بعد وفاة النبي ﷺ بخمس وعشرين سنة فألبسوا شيعا وذاق بعضهم بأس بعض (٣)
_________________
(١) سفيان عن عمرو (يعني ابن جابر الحضرمي) سمع جابر بن عبد الله الخ (غريبه) (١) جاء عند الترمذي هاتان بدل هذه يعني خصلة الالباس وخصلة اذاقة بعضهم بأس بعض (أهون وأيسر) أي من بعث العذاب من الفوق أو التحت (تخريجه) (خ مذ نس حب) وابن جرير وابن مردويه وهو يفيد ان العذاب من الفوق أو من التحت لا يقعان لأن النبي ﷺ استعاذ منهما ويؤيد ذلك حديث ابن عباس عند ابن مردويه عن النبي ﷺ قال دعوت الله أن يرفع عن أمتي أربعا فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء والخسف من الأرض وان لا يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض فرفع الله عنهم الخسف والرجم وأبى أن يرفع عنهم الأخريين (فان قيل) جاء في حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم أن الرجم والخسف كائنان في هذه الأمة فما وجه التوفيق (الجواب) ان الاعاذة المذكورة في حديث جابر وغيره مقيدة بزمان مخصوص وهو وجود الصحابة والقرون الفاضلة وأما بعد ذلك فيجوز وقوع ذلك فيهم ويحتم في طريق الجمع أن يكون المراد ان ذلك لا يقع لجميعهم وان وقع لأفراد منهم غير مقيدة بزمان كما في خصلة العدو الكافر والسنة العامة فإنه ثبت في صحيح مسلم من حديث ثوبان رفعه في حديث (ان الله زوى لي مشارق الأرض ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها) الحديث وفيه (واني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة وان لا يسلط عليهم عدوا من غير أنفسهم وان لا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض فقال يا محمد اني اذا قضيت قضاءا فإنه لا يرد واني أعطيتك لأمتك ان لا اهلكهم بسنة عامة وان لا أسلط عليهم عدوا من غيرهم يستبيح بيضتهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضا) وأخرج الطبري (قلت والامام احمد ايضا) من حديث شداد نحوه باسناد صحيح فلما كان تسليط العدو الكافر قد يقع على بعض المؤمنين لكنه لا يقع عموما فكذلك الخسف والقذف أفاده الحافظ (٢) (سنده) حدثنا روح بن عبد المؤمن ثنا عمر بن شقيق ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب الخ (غريبه) (٣) يشير بذلك إلى قتل عثمان بن عفان ﵁ فهو أول الفتن وتفرق المسلمين وقتال بعضهم بعضا وكان ذلك سنة خمس وثلاثين من الهجرة وكانت وفاة النبي ﷺ سنة عشر من الهجرة فقد روى الشيخان والامام احمد وغيرهم عن ابن عباس قال بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة فمكث ثلاث عشرة ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين يعني مدة مكثه بالمدينة ثم مات وهو ابن ثلاث وستين وهذه أصح الروايات فعلم من هذا ابتداء الفتن قتل عثمان ﵁ (روى ابن عساكر) بسنده عن حذيفة بن اليمان قال أول الفتن قتل عثمان وآخر الفتن خروج الدجال والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان الا تبع الدجال ان ادركه وان لم يدركه آمن به في قبره وقال زيد بن صوحان يوم
[ ١٨ / ١٣٩ ]
وثنتان واقعتان لا محالة الخسف والرجم (١) (وفي رواية الخسف) والقذف (باب الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم) (عن عبد الله) (٢) قال لما نزلت هذه الآية (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم) (٣) شق ذلك على الناس وقالوا يا رسول الله فأينا لا يظلم نفسه؟ قال انه ليس الذي تعنون (٤) الم تسمعوا ما قال العبد الصالح (٥) (يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم) انما هو الشرك (وفي لفظ) الم تسمعوا ما قال لقمان لابنه (لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم) (باب ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) (عن ابن عباس) (٦) قال لما نزلت (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن) عزلوا أموال اليتامى حتى جعل الطعام يفسد واللحم ينتن فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت (وان تخالطوهم فاخوانكم والله يعمل المفسد من المصلح) قال فخالطوهم
_________________
(١) قتل عثمان نفرت القلوب منافرها والذي نفسي بيده لا تتألف إلى يوم القيامة وقالت أم سليم لما سمعت بقتل عثمان ﵀ أما انه لم يحلبوا بعده إلا دما تريد كثرة القتل وسفك الدماء ذكر هذه الآثار الحافظ ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية (١) تقدم الكلام على ذلك في شرح الحديث السابق وقد ثبت في الأحاديث المرفوعة (ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ وسيأتي مع نظائره في كتاب علامات الساعة واشراطها وظهور الآيات قبل يوم القيامة (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للامام احمد ابن أبي حاتم وابي جعفر الرازي (باب) (٢) (سنده) حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله (يعني ابن مسعود) قال الخ (٣) (التفسير) (الذين آمنوا أو لم يلبسوا) أي لم يخلطوا (ايمانهم بظلم) أي بشرك كالمنافقين اي يقول الذين اخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له ولم يشركوا به شيئا (أولئك لهم الأمن) أي هم الآمنون يوم القيامة (وهم مهتدون) أي المهتدون في الدنيا والآخرة (٤) أي ليس معناه الظلم كما تفهمون ان يفعل بعض ما نهى الله عنه أو يترك بعض ما أمر الله به إنما هو الشرك بالله (٥) يعني لقمان كما نطق به القرآن وصرح به في اللفظ الآخر (تخريجه) (ق مذ) وابن جرير وغيرهم (باب) (٦) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في اباب (وان تخالطوهم فاخوانكم) في تفسير سورة البقرة وهو يتضمن جزءا من الوصايا العشر التي جاء بها القرآن في سورة الانعام أولها قوله تعالى (قل تعالوا أتلوا ما حرم ربكم عليكم) الآيات (روى الترمذي) بسنده عن عبد الله بن مسعود قال من سره أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد ﷺ فليقرأ هؤلاء الآيات (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم - إلى قوله لعلكم تتقون) وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب (وقال ابن عباس) هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار ذكره البغوي في تفسيره وروى الحاكم المستدرك بسنده عن ابن عباس أيضا قال ان في الانعام آيات محكمات هن أم الكتاب ثم قرأ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم الآيات وصححه الحاكم واقره الذهبي (وروى الحاكم أيضا) بسنده عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ من يبايعني على هؤلاء الآيات ثم قرأ (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) حتى ختم الآيات الثلاث فمن وفى فأجره على الله ومن انتقص شيئا أدركه الله بها في الدنيا كانت عقوبته ومن أخر إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء عذبه وان
[ ١٨ / ١٤٠ ]
(باب وأن هذا صراطي مستقيما الخ) (عن عبد الله بن مسعود) (١) قال خط لنا رسول الله ﷺ خطا ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال هذه سبل متفرقة على كل سبيل منها شيطان يدعو اليه ثم قرأ (وان هذا صراطي مستقيما (٢) فاتبعوه ولا تتبعوا
_________________
(١) شاء غفر له صححه الحاكم وأقره الذهبي لهذا رأيت أن أتي بهذه الآيات وتفسيرها للانتفاع بما فيها لأنها جامعة شاملة فأقول وبالله التوفيق لما بين الله تعالى في الآيات السابقة فساد قول هؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله وزعموا أن الله أمرهم بتحريم ما حرموه على أنفسهم وقتلوا أولادهم وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين قال الله ﷿ (قل) لهم يا محمد (تعالوا) أي هلموا وأقبلوا (أتل ما حرم ربكم عليكم) أي أقرأ ما حرم ربكم عليكم حقا يقينا لا شك فيه ولا ظنا ولا كذبا كما تزعمون أنتم بل هو وحي أوحاه الله الي (أن لا تشركوا به شيئا) أن مفسرة لفعل التلاوة ولا للنهي ومعنى هذا الاشراك الذي حرمه الله ونهى عنه هو أن يجعل لله شريكا في خلقه أو يريد بعبادته رياءا وسمعة ومنه قوله تعالى (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) (وبالوالدين إحسانا) أي وفرض عليكم ووصاكم بالوالدين إحسانا لأنهما السبب في وجود الانسان ولما لهما عليه من حق التربية والشفقة والحفظ من المهالك في حال صغره (ولا تقتلوا أولادكم) بالوأد (من املاق) من أجل فقر تخافونه وذلك أنهم كانوا يقتلون البنات خشية العار وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار (نحن نرزقكم وإياهم) أي لأن رزق العبيد على مولاهم (ولا تقربوا الفواحش) أي الكبائر كالزنا ونحوه وكذلك الصغائر وانما خص الكبائر بالذكر وعبر عنها بالفواحش لعظم ذنبها (ما ظهر منها) بدل من الفواحش أي ما بينك وبين الخلق (وما بطن) ما بينك وبين الله (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله) انما أفرده بالذكر تعظيما لأمر القتل وانه من أعظم الفواحش والكبائر (إلا بالحق) كالقصاص والقتل على الردة والرجم على الزاني المحصن روى ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ لا يحل دم امرئ مسلم شهد أن لا إله إلا الله واني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الزاني (يعني المحصن) والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة رواه (ق حم وغيرهم) (ذلكم وصاكم به) أي امركم به وأوجبه عليكم (لعلكم تتقون) أي لكي تفهموا وتتدبروا ما في هذه التكاليف من الفوائد والمنافع (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) أي إلا بما فيه صلاحه وحفظه وتثميره (حتى يبلغ أشده) المراد بالأشد في هذه الآية هو ابتداء بلوغ الحلم مع ايناس الرشد وهذا هو المختار في تفسيرها (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط) أي بالعدل وترك البخس (لا نكلف نفسا إلا وسعها) أي طاقتها وما يسعها في ايفاء الكيل والميزان واتمامه والمعنى من اجتهد في اداء الحق وأخذه فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه (واذا قلتم فاعدلوا) أي في الحكم والشهادة (ولو كان ذا قربى) أي ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القائل كقوله (ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) (وبعهد الله) يعني الميثاق وفي الأمر والنهي والوعد والوعيد والنذر واليمين (أوفوا) أي يجب الوفاء به (ذلكم) يعني الذي ذكر في هذه الآيات (وصاكم به) يعني بالعمل به (لعلكم تذكرون) أي تتعظون فتأخذون ما أمرتم به (باب) (١) (سنده) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا يزيد أخبرنا حماد بن زيد عن عاصم بن ابي النجود عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود الخ (٢) (التفسير) (وان هذا صراطي) يعني طريقي وديني الذي أرتضيه
[ ١٨ / ١٤١ ]
السبل فتفرق بكم عن سبيله) (باب هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك) الآية (عن أبي ذر) (١) أن النبي ﷺ قال تغيب الشمس تحت العرش (٢) فيؤذن لها فترجع فإذا كانت تلك الليلة التي تطلع صبيحتها من المغرب لم يؤذن لها (٣) فإذا أصبحت قيل لها اطلعي من مكانك (٤) ثم قرأ (هل ينظرون الا أن تأتيهم الملائكة (٥) أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك) (عن أبي سعيد الخدري) (٦) عن النبي ﷺ (يوم يأتي بعض آيات ربك (٧) لا ينفع نفسا إيمانها)
_________________
(١) لعبادي (مستقيما) يعني قويما لا اعوجاج فيه (فاتبعوه) يعني فاعملوا به وقيل ان الله تعالى لما بين في الآيتين المتقدمتين ما وصى به مفصلا أجمله في هذه الآية إجمالا يقتضي دخول جميع ما تقدم ذكره فيه ويدخل فيه أيضا جميع أحكام الشريعة وكل ما بينه رسول الله ﷺ من دين الاسلام وهو المنهج القويم والصراط المستقيم (ولا تتبعوا السبل) الطرق المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات (فتفرق بكم عن سبيله) يعني فتميل بكم هذه الطرق المختلفة المضلة عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لك (ذلكم وصاكم به) يعني باتباع دينة وصراطه الذي لا اعوجاج فيه (لعلكم تتقون) أي تجتنبون الطرق المختلفة والسبل الضلة والله أعلم (تخريجه) (ك نس) وابن جرير وابن مردوية وصححه الحاكم (باب) (١) (سنده) حدثنا مؤمل ثنا حماد يعني ابن سلمة ثنا يونس عن ابراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر الخ (غريبه) (٢) جاء عند الشيخين والامام احمد من وجه آخر لأبي ذر قال فتخر ساجدة فال تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع طالعة من مطلعها (يعني المشرق) قال النووي سجود الشمس بتمييز وادراك يخلق الله تعالى فيها (٣) أي لم يؤذن لها في الرجوع إلى المشرق بل تبقى في مغربها إلى الصباح (٤) يعني المغرب (٥) (التفسير) (هل ينظرون) أي ينتظرون بعد تكذيبهم الرسل وانكارهم القرآن وصدهم عن آيات الله وهو استفهام معناه النفي وتقدير الآية انهم لا يؤمنون بك إلا إذا جاءتهم إحدى هذه الأمور الثلاث فإذا جاءتهم احداها آمنوا وذلك يعني لا ينفعهم إيمانهم (إلا أن تأتيهم الملائكة) يعني لقبض أرواحهم وقيل أن تأتيهم بالعذاب (أو يأتي ربك) بلا كيف ولا تشبيه لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة (أو يأتي بعض آيات ربك) قال جمهور المفسرين هو طلوع الشمس من مغربها ويؤيده حديث أبي سعيد الآتي وعن صفوان بن عسال المرادي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ان الله فتح بابا قبل المغرب عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وقال رواه الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه من حديث طويل (تخريجه) (ق مذ) بمعناه (٦) (سنده) حدثنا وكيع حدثنا ابن أبي ليلى عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري الخ (٧) (التفسير) (يوم يأتي بعض آيات ربك) قيل طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض قال جمهور العلماء أصح الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة وثبت عن النبي ﷺ أنه طلوع الشمس من مغربها انظر باب طلوع الشمس من مغربها وغلق باب التوبة من كتاب الفتن وعلامات الساعة في آخر جزء من كتابنا هذا تجد ما يسرك (لا ينفع نفسا إيمانها) أي لأنه ليس بإيمان اختياري بل هو إيمان دفع العذاب والبأس عن أنفسهم هذا وباقي الآية لم يذكر في الحديث وهو (لم تكن آمنت من قبل) يعني لا ينفع مشركا إيمانه ولا تقبل توبة فاسق عند ظهور هذه الآية العظيمة التي تضطرهم إلى الايمان والتوبة (أو كسبت إيمانهم) يعني
[ ١٨ / ١٤٢ ]
قال طلوع الشمس من مغربها (سورة الأعراف) (باب ونزعنا ما في صدورهم من غل) (حدثنا عفان) (١) حدثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد بن أبي عروبة في هذه الآية (ونزعنا ما في صدورهم من غل) (٢) قال حدثنا قتادة أن أبا المتوكل الباجي حدثهم أن أبا سعيد الخدري حدثهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يخلص المؤمنون من النار (٣) فيحسبون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا (٤) حتى إذا هذبوا ونقوا (٥) أذن لهم في دخول الجنة قال فوالذي نفسي بيده لأحدهم أهدى لمنزله في الجنة منه لمنزله كان في الدنيا (٦) قال قتادة وقال بعضهم ما يشبه لهم إلا أهل جمعة حين انصرفوا من
_________________
(١) أو عملت قبل ظهور هذه الآية خيرا من عمل صالح وتصديق قال الضحاك من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع ايمان قبل الله منه العمل الصالح بعد نزول الآية كما قبل منه قبل ذلك فأما من آمن من شرك أو تاب من معصية بعد ظهور هذه الآية فلا يقبل منه لأنها حالة اضطرار كما لو أرسل الله عذابا على أمة فآمنوا وصدقوا فإنهم لا ينفعهم ايمانهم ذلك لمعاينتهم الأهوال والشدائد التي تضطرهم الى الايمان والتوبة قال تعالى (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأو بأسنا) (قل انتظروا) يعني ما وعدتم به من مجيء الآية ففيه وعيد وتهديد (انا منتظرون) يعني ما وعدكم ربكم من العذاب يوم القيامة وقبله في الدنيا (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث غريب ورواه بعضهم ولم يرفعه اهـ (قلت) جاء مجمع الزوائد نحوه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله (يوم يأتي بعض آيات ربك) قال طلوع الشمس من مغربها قال الهيثمي رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات قال وله طرق في امارات الساعة والله أعلم (باب) (١) حدثنا عفان الخ (٢) (التفسير) لما ذكر الله تعالى وعيد الكفار وما أعد لهم في الآخرة في آية سابقة بقوله تعالى - ان الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين - اتبعه بذكر وعد المؤمنين وما أعد لهم في الآخرة فقال (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) يعني والذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بما أمرهم به وتجنبوا ما نهاهم عنه (لا نكلف نفسا إلا وسعها) يعني لا نكلف نفسا إلا ما يسعها من الأعمال وما يسهل عليها ويدخل في طوقها وقدرتها ومالا حرج فيه عليه ولا ضيق (أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ونزعنا ما في صدورهم من غل) أي وقلعنا وأخرجنا ما في صدور المؤمنين من غش وحسد وحقد وعداوة كانت بينهم في الدنيا فجعلناهم (اخوانا على سرر متقابلين) لا تحسد بعضهم بعضا على شيء خص الله به بعضهم دون بعض روى عن علي ﵁ قال فينا والله أهل بدر نزلت - ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين - (٣) يعني اذا نجوا من السقوط فيها حال جوزهم على الصراط المضروب على متنها والمراد بالمؤمنين بعضهم وهم الذين علم الله تعالى أن القصاص لا يستنفد صفاتهم أو تفضل عليهم بعضوه وخرج من هذا صنفان من الموحدين من دخل الجنة بغير حساب ومن أوبقه سوء عمله (٤) استظهر الحافظ ان القتطرة طرف الصراط مما يلي الجنة ولغيره غير ذلك والقصاص مأخوذ من القص أي القطع أو من اقتصاص الأثر أي تتبعه لأن المقتص يتتبع جناية الجاني ليقابلها بالمثل والمراد هنا تتبع ما بينهم من التبعات واسقاط بعضهم ببعض (٥) التنقية والتهذيب بمعنى التمييز والتخليص من ارجاس المظالم (٦) معناه أن يكون أكثر
[ ١٨ / ١٤٣ ]
جمعتهم (١) (باب فلما تجلى ربه للجبل الخ) (حدثنا أبو المثنى) (٢) معاذ بن معاذ العنبري قال ثنا حماد بن سلمة ثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى (فلما تجلى ربه للجبل) (٣) قال هكذا يعني أنه أخرج طرف الخنصر (٤) قال أبي أرانا معاذ (٥) قال فقال له حميد الطويل ما تريد إلى هذا يا أبا محمد (٦) قال فضرب صدره ضربة شديدة وقال من أنت يا حميد وما أنت يا حميد يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ فتقول أنت ما تريد إليه؟ (ومن طريق ثان) قال الامام احمد حدثنا روح ثنا حماد عن ثابت عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله ﷿ (فلما تجلى ربه للجبل) قال فأومأ بخنصره (٧) قال فساخ
_________________
(١) معرفة بمنزله في الجنة من منزله في الدنيا وذلك لعرضه عليه بعد موته بالغداة والعشى كما في بعض الروايات وفيه أشارة إلى قوله تعالى (ويدخلهم الجنة عرفها لهم) (١) يريد أنهم يعرفون منازلهم من الجنة كما يعرف أهل القرية منازلهم بعد انصرافهم من صلاة الجمعة (تخريجه) (خ وغيره) (باب) (٢) (حدثنا أبو المثنى الخ) (٣) (التفسير) (فلما تجلى ربه للجبل) اي ظهر نور ربه للجبل وعن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى فلما تجلى ربه للجبل قال ما تجلى منه إلا قد الخنصر وقال الحافظ السيوطي في تفسير الجلالين أي ظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر كما في حديث صححه الحاكم وقال النسفي في تفسير قوله تعالى - فلما تجلى ربه للجبل - أي ظهر وبان ظهوره بال كيف (جعله دكا) قال ابن عباس جعله ترابا وقال سفيان ساخ الجبل حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه ويروى عن سهل بن سعد الساعدي ان الله تعالى أظهر من سبعين الف حجاب نورا قدر الدرهم فجعل الجبل دكا يعني مستويا بالأرض (٤) جاء في المستدرك للحاكم عن أنس أيضا عن النبي ﷺ في قوله ﷿ - فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا - قال حماد هكذا ووضع الابهام على الخنصر الايمن يعني على المفصل الأعلى من الخنصر كما جاء في رواية ابن جرير (٥) القائل قال أبي هو عبد الله بن الامام احمد يريد أن معاذ بن معاذ شيخ الامام أحمد أراه بالتسلسل عن مشايخه كيفية اخراج طرف الخنصر وقد وضحته رواية الحاكم وابن جرير كما تقدم (٦) كنية ثابت البناني الراوي عن أنس أي ما تقصد بذكر هذا الحديث وجاء في المستدرك للحاكم فقال حميد لثابت تحدث بمثل هذه؟ قال فضرب ثابت صدر حميد ضربة بيده وقال رسول الله ﷺ يحدث به وأنا لا أحدث به؟ وعن ابن جرير فضرب صدر حميد وقال يقول رسول الله ﷺ ويقوله أنس وأنا اكتمه (٧) أي أشار بخنصره قال الامام البغوي في تفسيره وقال السدي ما تجلى إلا قدر الخنصر يدل عليه ما روى ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية (يعني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) وقال هكذا ووضع الابهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل وقال الامام البغوي أيضا قرأ حمزة والكسائي دكاء ممدودا غير منون هاهنا وفي سورة الكهف وافق عاصم في الكهف (وقرأ الآخرون) دكا مقصورا منونا فمن قصر فمعناه جعله مدقوقا والدك والدق واحد وقيل معناه دكه الله دكا أي فتقه كما قال إذا دكت الأرض دكا ومن قرأ بالمد أي بدل مستويا أرضا دكاء (وقيل) معناه جعله مثل دكاء وهي الناقة التي لا سنام لها والله أعلم (تخريجه) (مذ ك وغيرهما) وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد اهـ (قلت) وصححه الحاكم واقره الذهبي والله ﷾ أعلم
[ ١٨ / ١٤٤ ]
(باب وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم) (عن مسلم بن يسار الجهني) (١) أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن هذه الآية (٢) (واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم) الآية (٣) فقال عمر ﵁ سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها (٤) فقال رسول الله ﷺ إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره (٥) بيمينه واستخرج منه ذرية (٦) فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون (٧) ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل (٨) فقال رسول الله ﷺ ان الله ﷿ اذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة (٩) حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة واذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار (١٠)
_________________
(١) (باب) (١) (سنده) حدثنا روح حدثنا مالك (ح) وحدثنا إسحاق أخبرني مالك قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد وحدثنا مصعب بن الزبير حدثني مالك عن يزيد بن أبي أنيسة أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني الخ (غريبه) (٢) أي عن كيفية أخذ الله ذرية بني آدم من ظهورهم المذكور في الآية (٣) (التفسير) (وإذ) أي اذكر يا محمد حين (أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم) بدل اشتمال مما قبله باعادة الجار والتقدير واذ أخذ ربك من ظهور بني آدم (ذرياتهم) قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر ذرياتهم بالجمع وكسر التاء وقرأ الآخرون ذريتهم على التوحيد ونصب التاء (فإن قيل) ما معنى قوله (واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم) وانما أخرجهم من ظهر آدم كما دل على ذلك الحديث (قيل) إن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لما علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره بنعمان بفتح النون وفسر في حديث ابن عباس بعرفة وستأتي الإشارة اليه ونصب لهم دلالئل على ربوبيته وركب فيهم عقلا (واشهدهم على أنفسهم) قال (ألست بربكم؟ قالوا بلى) أنت ربنا (شهدنا) بذلك (أن تقولوا) أي لئلا تقولوا (يوم القيامة إنا كنا عن هذا) أي التوحيد (غافلين) لا نعرفه (٤) اي عن هذه الآية المتقدمة (٥) أي ظهر آدم (بيمينه) فسره المتأخرون بحملة تأويلات لا حاجة إليها وقد تقدم غير مرة أن مثل هذه الألفاظ بالنسبة لله ﷿ نؤمن بها ونحملها على ظواهرها من غير تكييف ولا تمثيل وندع علمها لله ﷿ كما هو مذهب السلف ﵃ (٦) قيل فبل دخول آدم الجنة بين مكة والطائف وقيل ببطن نعمان بفتح النون وأنه بقرب عرفة وقيل في الجنة وقيل بعد النزول منها في أرض الهند وقد جاء في حديث ابن عباس وتقدم بسنده وتخريجه في أول كتاب التوحيد من الجزء الأول صحيفة ٣٢ عن النبي ﷺ قال أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فثرهمبين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا قال الست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبلنا وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون وهو حديث صحيح (٧) أي من الطاعات (يعملون) إما في جميع عمرهم أو في خاتمة أمرهم (٨) أي إذا كان كما ذكرت يا رسول الله من سبق القدر ففي أي شيء يفيد العمل أو فلأي شيء أمرنا بالعمل (٩) اي جعله عاملا بعمل أهل الجنة ووفقه للعمل به (١٠) فيه إشارة إلى أن المدار على عمل مقارن بالموت (تخريجه) (لك د
[ ١٨ / ١٤٥ ]
(ز) (عن أبي بن كعب) (١) في قوله الله ﷿ (وإذ إخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم - الآية) (٢) قال جمعهم فجعلهم أرواسا ثم صورهم فاستنطقهم فتكلموا ثم أخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم؟ قالوا بلى قال فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم ﵇ أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري فلا تشركوا بي شيئا اني سأرسل اليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي قالوا شهدنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك فاقروا بذلك ورفع عليهم آدم ينظر اليهم فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال رب لولا سويت بين عبادك (٣) قال اني أحببت أن أشكر (٤) ورأى الأنبياء فيهم مثل السرج عليهم النور (٥) خصوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة وهو قوله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم) (٦) إلى قوله (عيسى بن مريم) كان في تلك الأرواح (٧) فأرسله إلى مريم فحدث (٨) عن أبي أنه دخل من فيها (٩)
_________________
(١) نس مذ هب ك) وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم وصححه الحاكم وأقره الذهبي وقال الترمذي هذا حديث حسن ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر وقد ذكر بعضهم في هذا الاسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلا زاد ابن أبي حاتم وبينهما نعيم بن ربيعة وجاء عند أبي داود عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة ومسلم بن يسار هذا وثقه ابن حبان وقال العجلي تابعي ثقة ونعيم بن ربيعة وثقه أيضا ابن حبان وقال الحافظ في التقريب مقبول (ز) (١) (سنده) حدثنا محمد بن يعقوب الزبالي ثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبي يحدث عن الربيع بن أنس عن رفيع أبي العالية عن أبي بن كعب الخ (٢) تقدم تفسيرها في شرح الحديث السابق (٣) أي لولا جعلتهم على صورة واحدة في الغنى وحسن الصورة (٤) بضم الهمزة وفتح الكاف أي يشكرني حسن الصورة حينما يرى من هو أقل منه في حسن المنظر ويشكرني الغنى حينما يرى الفقير وهكذا (٥) أي ميزهم الله ﷿ عن سائرالناس بهذا النور وفضلهم عليهم بأن خصهم بميثاق آخر في الرسالة والنبوة (٦) (التفسير) (واذ أخذنا من النبيين ميثاقهم) قيل أن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذر من صلب آدم ﵇ كما يستفاد من هذا الحديث (ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم) يقول تعالى مخبرا عن أولى العزم الخمسة وبقية الأنبياء أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في اقامة دين الله تعالى وابلاغ رسالته والتعاون والتناصر والاتفاق ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة وهم أولوا العزم وهو من باب عطف الخاص على العام وبدأ في هذه الآية بنبينا محمد ﷺ مع أنه خاتم الأنبياء لشرفه ﷺ ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) أي عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا (٧) أي كان روح عيس في تلك الأرواح (وقوله فأرسله) يعني روح عيسى (٨) أي فحدث الربيع بن أنس عن رفيع أبي العالية عن أبي بن كعب أن روح عيسى دخل في مريم من فمها والله أعلم (٩) زاد الحاكم في المستدرك بعد ذكر هذه الآية (قال) وهو قوله تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله وذلك قوله (هذا نذير من النذر الأولى وقوله وما وجدنا لأكثرهم من عهد وان وجدنا أكثرهم لفاسقين وهو قوله - ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كان في علمه بما أقروا به
[ ١٨ / ١٤٦ ]
(سورة الأنفال)
(باب يسألونك عن الانفال الخ) (عن عبادة بن الصامت) (١) قال خرجنا مع النبي ﷺ فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم الله ﵎ العدو فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون فأكبت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة حتى اذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم نحن الذين حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب وقال الذين خرجوا في طلب العدو لستم بأحق بها منا نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله ﷺ وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به فنزلت (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم) فقسمها رسول الله ﷺ على فواق (يعني على السواء) بين المسلمين قال وكان رسول الله ﷺ اذا أغار في أرض العدو نفل الربع واذا أقبل راجعا وكل الناس نفل الثلث وكان يكره الأنفال ويقول ليرد قوى المؤمنين
_________________
(١) من يكذب به ومن يصدق به فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها الميثاق في زمن آدم فأرسل ذلك الروح الى مريم حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا - إلى قوله مقضيا فحملته قال حملت الذي خاطبها وهو روح عيسى ﵇ قال أبو جعفر فحدثني الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال دخل من فيها (أي دخل الروح في مريم من طرف الفم) (تخريجه) (ك) وصححه وأقره الذهبي وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وقال رواه عبد الله بن الامام احمد في مسند أبيه قال ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردوية في تفاسيرهم من رواية أبي جعفر الرازي به وروى عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف سياقان توافق هذه الأحاديث اكتفينا بايرادها عن التطوير في تلك الآثار كلها وبالله المستعان قال فهذه الأحاديث دالة على أن الله ﷿ استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة وأهل النار ثم ذكر كلاما كثيرا ذكرته بنصه في شرح الحديث الأول من كتاب التوحيد في الجزء الأول صحيفة ٣٢ فارجع اليه والله الموفق (سورة الأنفال) (باب) (١) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب سبب نزول قول الله ﷿ يسألونك عن الأنفال من كتاب الجهاد في الجزء الرابع عشر صحيفة ٧٣ رقم ٢٣٢ (أما تفسير الآية) فمعنى قوله ﷿ (يسألونك عن الأنفال) أي يسألك أصحابك يا محمد عن حكم الأنفال وعلمها وهو سؤال استفتاء لا سؤال طلب وقال الضحاك وعكرمة هو سؤال طلب وقوله عن الأنفال أي من الأنفال وعن بمعنى من وقيل عن صلة أي يسألونك الأنفال والأنفال هي الغنائم في قوله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وأصله الزيادة سميت الغنائم أنفالا لأنها زيادة من الله ﷿ لهذه الأمة على الخصوص وأكثر المفسرين على أنها نزلت في غنائم بدر ويؤيد ذلك حديث الباب وقال عطاء هي ما شذ عن المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو امرأة أو متاع فهو للنبي ﷺ يصنع فيه ما يشاء (قل الأنفال لله والرسول) معنى الجمع بين ذكر الله والرسول ان حكمها مختص بالله ورسوله بأمر الله
[ ١٨ / ١٤٧ ]
على ضعيفهم (ومن طريق ثان) (١) عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال سألت عبادة بن الصامت ﵁ عن الأنفال (يعني سورة الأنفال) فقال فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بواء يقول عن السراء (عن سعد بن أبي وقاص) (٢) قال لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيفة (٣) فأتيت به النبي ﷺ قال اذهب فاطرحه في القبض (٤) قال فرجعت وبي مالا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبى قال فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال فقال لي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اذهب فخذ سيفك (وعنه من طريق ثان) (٥) قال يا رسول الله
_________________
(١) بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ويمتثل الرسول أمر الله فيها وليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأي أحد (واختلف العلماء في حكم هذه الآية) فقال مجاهد وعكرمة السدي هذه الآية منسوخة فنسخها الله ﷿ بالخمس في قوله (واعلموا انما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول) الآية وقيل كانت الغنائم لرسول الله ﷺ يقسمها كيف شاء ولمن يشاء ثم نسخها الله بالخمس (وقال بعضهم) هذه الآية ناسخة من وجه ومنسوخة من وجه وذلك أن الغنائم كانت حراما على الامم الذين من قبلنا في شرائع أنبيائهم فأباحها الله لهذه الأمة بهذه الآية وجعلها ناسخة لشرع من قبلنا ثم نسخت آية الخمس وقال عبد الرحمن ابن زيد أنها محكمة وهي احدى الروايات عن ابن عباس ومعنى الآية على هذا القول قل الأنفال لله والرسول يضعها حيث أمره الله وقد بين الله مصارفها في قوله (واعلموا انما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول) الآية وصح من حديث ابن عمر قال بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فغنمنا ابلا فأصاب كل واحد منا اثني عشر بعيرا رواه (ق حم وغيرهم) فعلى هذا تكون الآية محكمة وللامام أن ينفل من شاء من الجيش ما شاء قبل التخميس (فاتقوا الله) يعني اتقوا الله بطاعته واتقوا مخالفته واتركوا المنازعة والمخاصمة في الغنائم (وأصلحوا ذات بينكم) أي أحوال بينكم يعني ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق وقال الزجاج معنى ذات بينكم حقيقة وصلكم والبين الوصل أي فاتقوا الله وكونوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله به (وأطيعوا الله ورسوله) فيما يأمرانكم به وينهيانكم عنه من الغنائم وغيرها (ان كنتم مؤمنين) أي مصدقين بوعد الله ووعيده (١) تقدم هذا الطريق بسنده وشرحه في الباب المشار إليه سابقا من كتاب الجهاد في الجزء الرابع عشر صحيفة ٣٢ رقم ٣٣١ (تخريجه) (ك) وصححه وأقره الذهبي وأورده الهيثمي بطريقيه وقال رجال الطريقين ثقات (٢) (سنده) حدثنا أبو معاوية حدثنا أبو اسحاق الشيباني عن محمد بن عبد الله الثقفي عن سعد بن أبي وقاص الخ (غريبه) (٣) بفتح الكاف والكتيف السيف الصفيح أي العريض (٤) القبض بالتحريك بمعنى المقبوض وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم (نه) (٥) (سنده) حدثنا أسود بن عامر أنبأنا أبو بكر عن عاصم بن أبي النجود عن مصعب بن سعد عن سعد بن مالك قال يا رسول الله الخ (قلت) مالك والد سعد كنيته أبو وقاص فنسب في الطريق الأولى الى كنية أبيه وفي الطريق الثانية الى اسمه وسعد هذا هو أحد العشرة المبشرين بالجنة وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله ومناقبه كثيرة ومات بالعقيق سنة خمس وخمسين
[ ١٨ / ١٤٨ ]
قد شفاني (١) الله من المشركين فهب لي هذا السيف قال ان هذا السيف ليس لك ولا لي (٢) ضعه قال فوضعته ثم رجعت قلت عسى أن يعطى (٣) هذا السيف اليوم من لم يبل بلائي (٤) قال فإذا رجل يدعوني من ورائي (٥) قال قلت قد أنزل في شيء؟ قال كنت سألتني السيف وليس هو لي (٦) وانه قد وهب لي (٧) فهو لك قال وأنزلت هذه الآية (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول) (باب قوله ﷿ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم) الآية (عن عمر ابن الخطاب) (٨) ﵁ قال لما كان يوم بدر قال نظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف (٩) ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل النبي ﷺ القبل ثم مد يديه (١٠) عليه رداؤه وإزاره ثم قال اللهم أين ما وعدتني اللهم أنجز (١١) ما وعدتني اللهم انك ان تهلك (١٢) هذه العصابة من أهل الاسلام فلا تعبد في الأرض أبدا قال فما زال يستغيث ربه ﷿ ويدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبوبكر فأخذ رداءه فرداه ثم التزمه من ورائه ثم قال يا نبي الله كفاك (١٣) مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك وأنزل الله ﷿ (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب
_________________
(١) على المشهور وهو آخر العشرة وفاة (١) اي شفا نفسي من المشركين ونصرني عليهم وهو من الشفاء البرء من المرض يقال شفاء الله يشفيه فنقله من شفاء القلوب والنفوس (٢) أي لأنه من أموال الغنيمة التي لم تقسم (٣) بصيغة المجهول (وقوله هذا السيف) نائب الفاعل ليعطي (٤) مفعول ثان ليعطي أي من لم يعمل مثل عملي في الحرب كأنه يريد أن الحرب تظهر حال الرجل ان كان شجاعا أو جبانا وقد اختبرت أنا فظهر مني ما ظهر فأنا أحق لهذا السيف من الذي لم يختبر مثل اختباري (٥) هذا الرجل هو رسول الله ﷺ (٦) جملة حالية أي سألتني السيف والحال أنه لم يكن لي (٧) أي الآن (تخريجه) أورد الطريق الأولى منه الحافظ السيوطي في الدر المنثور وعزاه (حم ش) وابن جرير وابن مردوية وفيه انقطاع لأن محمد بن عبيد الله الثقفي لم يدرك سعدا وهو ثقة وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره بطريقيه وسكت عن الطريق الأولى وعزى الطريق الثانية لأبي داود والترمذي والنسائي من طرق عن أبي بكر ابن عياش به وقال الترمذي حسن صحيح (باب) (٨) (سنده) حدثنا أبو نوح فراد أنبأنا عكرمة بن عمار حدثنا سماك الحنفي أبو زميل حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب الخ (غريبه) (٩) بفتح النون وتشديد التحتية مكسورة قال في النهاية ناف الشيء ينوف اذا طال وارتفع ونيف على السبعين في العمر اذا زاد وكل ما زاد على عقد فهو نيف بالتشديد وقد يخفف حتى يبلغ العقد الثاني (١٠) فيه استحباب استقبال القبلة في الدعاء ورفع اليدين وانه لا بأس برفع الصوت في الدعاء (١١) من الانجاز أي احضر لي ما وعدتني من النصر يقال أنجز وعده اذا أحضره (١٢) قال النووي ضبطوا تهلك بفتح التاء وضمها فعلى الأول ترفع العصابة على أنها فاعل وعلى الثاني تنصب وتكون مفعولة والعصابة الجماعة اهـ قال الحافظ انما قال ذلك لأنه علم أنه خاتم النبين فلو هلك هو ومن معه حينئذ لم يبعث أحد ممن يدعون إلى الايمان ولا استمر المشركون يعبدون غير الله فالمعنى لا يعبد في الأرض بهذه الشريعة (١٣) جاء في بعض الروايات كذاك بالذال وفي رواية البخاري حسبك وكله بمعنى كما صرح به الجزري والنووي (وقوله مناشدتك ربك) المناشدة السؤال مأخوذة من النشيد وهو رفع الصوت وضبطوا
[ ١٨ / ١٤٩ ]
لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) (١) فلما كان يومئذ والتقوا فهزم الله ﷿ المشركين فقتل منهم سبعون رجلا وأسر منهم سبعون رجلا الحديث (٢) (باب واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (عن مطرف) (٣) قال قلنا الزبير ﵁ يا ابا عبد الله ما جاء بكم ضيعتم الخليفة حتى قتل (٤) ثم جئتم تطلبون بدمه (٥) قال الزبير ﵁ إنا قرأناها على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (٦)
_________________
(١) مناشدتك بالرفع والنصب وهو الأشهر قال القاضي عياض من رفعه جعله فاعلا لكفاك ومن نصبه فعلى المفعول لما في حسبك وكفاك وكذاك من معنى الفعل من الكف قال العلماء هذه المناشدة انما فعلها النبي ﷺ ليراه أصحابه بتلك الحال فتقوى قلوبهم بدعائه وتضرعه مع أن الدعاء عبادة وقد كان وعده الله تعالى إحدى الطائفتين إما العير وإما الجيش وكانت العير قد ذهبت وفاتت فكان على ثقة من حصول الأخرى ولكن سأل تعجيل ذلك من غير أذى يلحق المسلمين (١) (التفسير) (إذ تستغيثون ربكم) أي واذكر يا محمد إذ تستجيرون بربكم من عدوكم وتطلبون منه الغوث والنصر وفي المستغيثين قولان (أحدهما) أنه رسول الله ﷺ والمسلمون معه قال الزهري (والقول الثاني) أنه رسول الله ﷺ وحده وانما ذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم (فاستجاب لكم اني ممدكم) أي مرسل اليكم مددا وردءا لكم (بألف من الملائكة مردفين) قال البغوي قرأ أهل المدينة ويعقوب مردفين بفتح الدال أي أردف الله المسلمين وجاء بهم مددا وقرأ الآخرون بكسر الدال اي متتابعين بعضهم في إثر بعض يقال أردفته وردفته بمعنى تبعته يروى أنه نزل جبريل في خمسمائة وميكائيل في خمسة في صورة الرجال على خيل بلق عليهم ثياب بيض وعلى رءوسهم عمائم بيض قد أرخوا أطرفها بين أكتافهم وروى أن النبي ﷺ لما ناشد ربه ﷿ وقال أبو بكر أن الله سينجز لك ما وعدك خفق رسول الله ﷺ خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع (اي الغبار) وروى البخاري والبغوي أيضا بسنده عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال يوم بدر هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب وقال عبد الله بن عباس كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض ويوم حنين عمائم خضر ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الأيام وكانوا يكونون فيما سواه عددا ومددا وروى عن أبي أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدرا أنه قال بعد ما ذهب بصره لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة (٢) الحديث له بقية وسيأتي بطوله وشرحه في باب سياق قصة غزوة بدر في حوادث السنة الثانية من كتاب السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية (باب) (٣) (سنده) حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا شداد يعني ابن سعيد حدثنا غيلان بن جرير عن مطرف الخ (غريبه) (٤) يعني عثمان بن عفان ﵁ (٥) يعني يوم وقعة الجمل (٦) (التفسير) (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) أي احذروا فتنة ان نزلت بكم لم تقتصر على الظالم خاصة بل تتعدى اليكم جميعا وتصل إلى الصالح والطالح وأراد بالفتنة الابتلاء والاختبار قال الحسن نزلت هذه الآية في علي وعمار وطلحة والزبير وقال الزبير لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما ترى أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها يعني ما كان
[ ١٨ / ١٥٠ ]
لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت (ومن طريق ثان) (١) عن الحسن قال قال الزبير بن العوام نزلت هذه الآية ونحن متوافرون مع رسول الله ﷺ (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) فجعلنا نقول ما هذه الفتنة وما نشعر انها تقع حيث وقعت (باب وإذ يمكر بك الذين كفروا الخ) (عن ابن عباس) (٢) في قوله تعالى (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك) (٣) قال تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي ﷺ وقال بعضهم بل اقتلوه وقال بعضهم بل أخرجوه فأطلع الله ﷿ نبيه على ذلك (٤) فبات علي على فراش النبي ﷺ تلك الليلة وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغاروبات
_________________
(١) منهم في يوم الجمل وقال السدي ومجاهد والضحاك وقتادة هذا في قوم مخصوصين من أصحاب محمد ﷺ أصابتهم الفتنة يوم الجمل وقال ابن عباس أمر الله ﷿ المؤمنين أن لا يقروا المنكريين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب فيصيب الظالم وغير الظالم وتفسير ابن عباس هذا يشير إلى أن الفتنة ليست خاصة ببعض الصحابة بل هي عامة لجميع الأمة في كل زمان وهو تفسير حسن تؤيده الأحاديث الصحيحة الواردة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الحافظ ابن كثير والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم وان كان الخطاب معهم هو الصحيح (١) (سنده) حدثنا اسود بن عامر حدثنا جرير قال سمعت الحسن قال قال الزبير بن العوام الخ (تخريجه) رواه الهيثمي وقال رواه أحمد باسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح يعني الطريق الأولى واورده أيضا الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للامام أحمد ثم قال قد رواه البزار من حديث مطرف عن الزبير وقال لا نعرف مطرفا روى عن الزبير غير هذا الحديث (قلت) وروى النسائي وابن جرير الطريق الثانية منه من طريق الحسن أيضا (باب) (٢) (سنده) حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر قال وأخبرني عثمان الجزري أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى وإذ يمكر بك الخ (٣) (التفسير) لما فتح الله على نبيه ﷺ ونصره يوم بدر على كفار مكة ذكره مكر قريش به حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم فقال عز من قائل (و) اذكر يا محمد (إذ يمكر بك الذين كفروا) وقد اجتمعوا للمشاورة في شأنك بدار الندوة (ليثبتوك) أي يوثقوك بالحيال ويحبسوك وقد اشار بذلك أبو البختري بن هشام (أو يقتلوك) كلهم قتلة رجل واحد أشار بذلك أبو جهل (أو يخرجوك) من مكة وقد أشار بذلك هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي (ويمكرون) بك (ويمكر الله) بهم بتدبير أمرك بأن أوحى الله إليك ما دبروه وأمرك بالخروج (والله خير الماكرين) أي أعلمهم به (٤) أي بواسطة جبريل ﵇ فأتى جبريل النبي ﷺ وأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه واذن الله ﷿ له بالخروج إلى المدينة فأمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب أن يبيت في مضجعه وقال له اتشح ببردتي فإنه لن يخلص اليك منهم أمر تكرهه ثم خرج رسول الله ﷺ فأخذ قبضة من تراب وأخذ الله ﷿ أبصارهم عنه فخرج وجعل ينثر التراب على رءوسهم وهو يقرء (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا - إلى قوله فهم لا يبصرون) ومضى إلى الغار من ثور هو وأبو بكر وخلفه علي بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس وكانت الودائع تودع عنده لصدقه وأمانته وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطا في أبواب
[ ١٨ / ١٥١ ]
المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي ﷺ فلما أصبحوا ثاروا اليه فلما رأوا عليا رد الله مكرهم فقالوا أين صاحبك هذا؟ قال لا أدري فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل خلط عليهم فصعدوا في الجمل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاث ليال (باب وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) (عن عقبة بن عامر) (١) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) (٢) ألا إن القوة الرمى ألا أن القوة الرمى (باب ما كان لنبي أن يكون له أسرى الخ) (عن أنس بن مالك) (٣) قال استشار رسول الله ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر فقال ان الله ﷿ قد أمكنكم منهم قال فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال يا رسول الله اضرب أعناقهم قال فأعرض عنه النبي ﷺ قال ثم عاد رسول الله ﷺ فقال يا ايها الناس ان الله قد أمكنكم منهم وإنما هم
_________________
(١) هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة من كتاب السيرة الذاتية (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه (حم طب) وفيه عثمان بن عمرو الجزري وثقة ابن حبان وضعفه غيره وبقية رجاله رجال الصحيح وأورده الحافظ السيوطي في الدر المنثور وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردوية وأبي نعيم في الدلائل والخطيب والله أعلم (باب) (١) (سنده) حدثنا هارون بن معروف وسريج قال حدثنا ابن وهب قال سريج عن عمرو وقال هارون أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي تمامة بن شفى أنه سمع عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله ﷺ الخ (٢) (التفسير) (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) الاعداد اتخاذ الشيء لوقت الحاجة اليه وللعلماء في المراد بالقوة أقوال (أحدها) أنها جميع أنواع الأسلحة والآلات التي تكون قوة في الحرب على قتال العدو (الثاني) أنها الحصون والمعاقل (الثالث) الرمى وقد جاءت مفسرة عن النبي ﷺ في حديث الباب بقوله ﷺ ألا أن القوة الرمى مرتين وفي رواية لمسلم ثلاثا وقد جاء في الرمى وفضله والحث عليه أحاديث كثيرة تقدمت في باب الرمى بالسهام وفضله من كتاب الجهاد في الجزء الرابع عشر صحيفة ١٢٨ (الرابع) أن المراد بالقوة جميع ما يتقوى به في الحرب على العدو فكل ما هو آلة يستعان بها في الجهاد فهو من جملة القوة المأمور باستعدادها (وقوله ﷺ ألا أن القوة الرمى) لا ينافي كون غير الرمى من القوة فهو كقوله ﷺ الحج عرفة وقوله الندم توبة فهذا لا ينفي اعتبار غيره بل يدل على أن هذا المذكور من أفضل المقصود وأجله في زمنه ﷺ أما في زماننا فيحمل معنى الآية على الاستعداد للقتال في الحرب وجهاد العدو بالآلات الحديثه كالبنادق والمدافع والطائرات والغواصات ونحو ذلك انظر كلامنا في ذلك في شرح آخر حديث من باب الرمى بالسهام الخ من كتاب الجهاد في الجزء الرابع عشر صحيفة ١٣٠ تجد ما يسرك (ومن رباط الخيل) يعني اقتناءها وربطها للغزو في سبيل الله والربط شد الفرس وغيره بالمكان للحفظ وسمى المكان الذي يخص بإقامة حفظه فيه رباطا والمرابطة إقامة المسلمين بالثغور للحراسة فيها وربط الخيل للجهاد من أعظم ما يستعان به وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة انظر أبواب ما جاء في صفات الخيل وفضل اقتنائها الخ من كتاب الجهاد في الجزء الرابع عشر صحيفة ١٣١ (وترهبون به) أي تخوفون بتك القوة وبذلك الرباط (عدو الله وعدوكم) يعني الكفار (تخريجه) (م د مذ جه) (باب) (٣) (سنده)
[ ١٨ / ١٥٢ ]
-[قوله ﷿ ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ الآية]-
إخوانكم بالأمس، قال فقام عمر فقال يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي ﷺ قال ثم عاد النبي ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر ﵁ فقال يا رسول الله إن ترى أن تعفو عنهم وتقبل منهم الفداء، قال فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغم، قال فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، قال وأنزل الله ﷿ ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم﴾ إلى آخر الآية (١) (وعن عمر بن الخطاب) (٢) ﵁ بأطول من هذا وفيه أنزل الله ﷿ ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض- إلى قوله- لولا كتاب من الله سبق) الآية (قلت) بقيتها ﴿لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾
_________________
(١) حدثنا علي بن عاصم عن حميد عن أنس قال استثار رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (١) سيأتي تفسير هذه الآية في الحديث التالي (تخريجه) لم أقف عليه من حديث أنس لغير الإمام أحمد وسنده صحيح وأورده الحافظ بن كثير في تفسيره وعزاه للإمام أحمد فقط (٢) حديث عمر هذا تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب فداء أسرى بدر وما نزل من القرآن بسببه: من كتاب الجهاد في الجزء الرابع عشر صحيفة ١٠٢ رقم ٢٩٢ (أما تفسير الآية) فقوله ﷿ ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ قرأ عاصم وأهل البصرة تكون بالتاء والباقون بالياء. وقرأ أبو جعفر أساري والآخرون أسرى والأسرى جمع أسير وأساري جمع الجمع، والمعنى ما كان ينبغي ولا يجب لنبي، وقال أبو عبيدة معناه لم يكن لنبي ذلك فلا يكون لك يا محمد، أي ما كان لنبي أن يحبس كافرًا قدر عليه وصار في يده أميرا للفداء والمن (حتى يثخن في الأرض) أي تخاف كثرة القتل والمبالغة فيه، والإثخان في كل شيء عبارة عن قوته وشدته يقال أثخنه المرض إذا اشتدت قوته عليه، والمعنى حتى يبالغ في قتال المشركين ويغلبهم ويقهرهم ويعز الإسلام بالاستيلاء والقهر، فإذا حصل ذلك فله أن يقدم على الأسر فيأسر الأساري بعد ذلك (تريدون عرض الدنيا) الخطاب لأصحاب النبي ﷺ يعني تريدون أيها المؤمنون عرض الدنيا بأخذكم الفداء من المشركين وإنما سمى منافع الدنيا عرضا لأنه لا ثبات لها ولا دوام فكأنها تعرض ثم تزول، بخلاف منافع الآخرة فإنها دائمة لا انقطاع لها (والله يريد الآخرة) يعني أنه ﷿ يريد بكم ثواب الآخرة بقهركم المشركين ونصركم الدين لأنها دائمة لا زوال لها ولا انقطاع (والله عزيز) لا يقهر ولا يغلب (حكيم) في تدبير مصالح عباده (لولا كتاب من الله سبق) قال ابن عباس كانت الغنائم حراما على الأنبياء والأمم وكانوا إذا أصابوا شيئا من الغنائم جعلوه للقربان فكانت تنزل نار من السماء فتأكله، فلما كان يوم بدر أسرع المؤمن في الغنائم وأخذوا الفداء فأنزل الله ﷿ ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ يعني لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنه يحل لكم الغنائم، وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير لولا كتاب من الله سبق أن يعذب أحدا ممن شهد بدرا مع النبي ﷺ (وقال ابن جرير) لولا كتاب من الله سبق أن لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون الآية وأنه لا يأخذ قوما فعلوا الأشياء بجهالة (وقال بعض السلف) لولا حكم من الله سبق أن لا يعذب أحد على العمل بالاجتهاد وكان هذا اجتهادا منهم لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سببا في إسلامهم وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد وخفى عليهم أن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم، وهذا القول وجيه ينطبق على وجهة نظرهم ﵃ (لمسكم) أي
[ ١٨ / ١٥٣ ]
-[فداء أسرى بدر ومشاورة النبي ﷺ أصحابه في شأنهم]-
(سورة التوبة) (باب سبب عدم وجود البسملة في أولها)
(عن ابن عباس) (١) قال قلت لعثمان بن عفان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني (٢)
_________________
(١) لنالكم وأصابكم (فيما أخذتم) من الفداء قبل أن تؤمروا به (عذاب عظيم) قال ابن إسحاق لمن يكن من المؤمنين أحد ممن حضر إلا أحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب فإنه أشار على رسول الله ﷺ بقتل الأسرى، وسعد بن معاذ قال يا رسول الله كان الإثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال، فقال رسول الله ﷺ لو نزل عذاب من السماء ما نجا منهم غير سعد بن معاذ (وفي الباب) عند الإمام أحمد أيضا قال حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ قال فقال أبو بكر يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واسنأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم، قال وقال عمر يا رسول الله أخرجوك وكذبوك قربهم فاضرب أعناقهم، قال وقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم نارا، قال فقال العباس قطعت رحمك، قال فدخل رسول الله ﷺ ولم يرد عليهم شيئا، قال فقال ناس يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس يأخذ بقول عمر، وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، قال فخرج رسول الله ﷺ فقال أن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون الين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇ قال (من تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال (رب اشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال (رب اشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) أنتم عالة فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضربة عنق، قال عبد الله فقلت يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإني قد سمعته يذكر الإسلام، قال فسكت، قال فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء في ذلك اليوم حتى قال إلا سهيل بن بيضاء، قال فانزل الله ﷿ ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الحياة الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم، لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب اعظيم﴾ (تخريجه) رواه أيضا الحاكم في المستدرك وصححه وأقره المذهبي ورواه الترمذي مختصرا وقال هذا حديث حسن وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وأورده الحافظ ابن كثير في التفسير ولم يذكر له علة (قلت) له شواهد كثيرة تعضده (ملاحظة) جاء في هذا الحديث (قال عبد الله فقلت يا رسول الله الاسهيل بن بيضاء) وكذلك عند الحاكم والترمذي وغيرهم لكن نقل الحافظ في الإصابة عن ابن إسحاق ما يفيد إن سهل بن بيضاء أخو سهيل وفي الإصابة أيضا قال أبو عمر أسلم سهل بمكة فكتم إسلامه فأخرجته قريش من بدر فأسر يومئذ فشهد له بن مسعود أنه رآه يصلي بمكة، وعلى هذا فصاحب القصة في هذا الحديث هو سهل لا سهيل والله أعلم. (باب) (١) (سنده) حدثنا بن سعيد حدثنا سعيد حدثنا عوف حدثنا يزيد يعني الفارسي، قال أبي أحمد بن حنبل وحدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن يزيد قال قال لنا ابن عباس قلت لعثمان ابن عفان الخ (غريبه) (٢) قال في النهاية المثاني السورة التي تقصر عن المئين وتزيد على المفصل كأن المئين
[ ١٨ / ١٥٤ ]
-[سبب عدم وجود البسملة في أول سورة التوبة]-
وإلى براءة وهي من المئين (١) فقرنتم بينهما ولم يكتبوا، قال ابن جعفر (٢) بينهما سطرا بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال؟ ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: إن رسول الله ﷺ كان مما يأتي عليه الزمان (٣) ينزل عليه من السور ذوات العدد، وكان إذا أنزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده (٤) بقول ضعوا هذه السورة التي يذكر فيها كذا وكذا: وينزل عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا (٥) وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة وبراءة من آخر القرآن (٦) فكانت قصتها شبيهة بقصتها (٧) فقبض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ولم يبين لنا أنها منها (٨) وظنت أنها منها (٩) فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطرا بسم الله الرحمن الرحيم (١٠) قال ابن جعفر ووضعتها في السبع الطوال (١١)
_________________
(١) جعلت مبادي والتي تليها مثاني (وقوله وإلى براءة) هي سورة التوبة وهي أشهر أسمائها ولها أسماء أخرى تزيد على العشرة قاله الحافظ (١) أي ذوات مائة آية، قال في مجمع بحار الأنوار أول القرآن السبع الطول ثم ذوات المثين أي ذوات مائة آية ثم المثاني ثم المفصل اهـ والمئين جمع مائة، ولو قلت مئات جاز (٢) هو أحد رجال السند الثاني لهذا الحديث يعني أنه قال ولم تكتبوا بينهما سطرا بسم الله الرحمن الرحيم الخ (٣) أي الزمان الطويل لم ينزل عليه شيء، وربما يأتي عليه الزمان (ينزل عليه) بصيغة المجهول (٤) أي يكتب الوحي كزيد بن ثابت ومعاوية وغيرهما (٥) يستفاد من هذا أن ترتيب الآيات توقيف وعليه الإجماع والنصوص المترادفة، وأما ترتيب السور فمختلف فيه (٦) تقدم الكلام على ذلك في باب آخر ما نزل من سور القرآن وآياته في هذا الجزء ص ٥٤ (٧) يعني قصة براءة شبيهة بقصة الأنفال ويجوز العكس، ووجه كون قصتها شبيهة بقصتها أن في الأنفال ذكر المهود وفي براءة تبذها فضمت إليها (٨) أي لم يبين لنا رسول الله ﷺ أن التوبة من الأنفال أو ليست منها (٩) معناه ظن أن التوبة من الأنفال وكأن هذا مستند من قال إنهما سورة واحدة فعند أبي يعلى عن مجاهد وابن أبي حاتم عن سفيان وابن لهيعة كانوا يقولون إن براءة من الأنفال، ولهذا لم تكتب البسملة بينهما مع اشتباه طرقهما، وعن ابن عباس لم تكتب البسملة في براءة لأنها أمان وبراءة نزلت بالسيف: وعن مالك أن أولها لما سقط سقطت معه البسملة، فقد ثبت أنها كانت تعدل البقرة لطولها، وقيل إنها ثابتة أولها في مصحف ابن مسعود ولا يعول على ذلك كذا في المرقاة (١٠) أي لعدم العلم بأنها سورة مستقلة لأن البسملة كانت تنزل عليه ﷺ للفصل ولم تنزل ولم أكتب (١١) يعني أن ابن جعفر زاد في روايته أن عثمان قال ووضعتها في السبع الطوال (قال الطيبي) دل هذا الكلام على أنهما نزلتا منزلة سورة واحدة وكمل السبع الطوال بها، ثم قيل السبع الطوال هي البقرة وبراءة وما بينهما وهو المشهور (تخريجه) (د نس مذ حب ك) وحسنه الترمذي وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وفي إسناده يزيد الفارسي ذكره البخاري في كتاب الضعفاء الصغير لاشتباهه في اسمه هل هو ابن هرمز أو غيره، وقال الترمذي بعد قوله هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس: قال ويزيد الفارسي هو من التابعين من أهل البصرة اهـ (قلت) وحيث أنه انفرد بهذا الحديث فلا يحتج به في ترتيب القرآن الذي يطلب فيه التواتر، لا سيما وقد قال الخطيب في كتاب الكفاية لا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل وحكم
[ ١٨ / ١٥٥ ]
-[بعث النبي ﷺ أبا بكر بسورة براءة لأهل مكة وتفسير الآية الأولى منها]-
(عن زيد بن يثيع) (١) عن أبي بكر أن النبي ﷺ بعثه ببراءة (٢) لأهل مكة لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، من كان بينه وبين رسول الله ﷺ مدة فأجله إلى مدته (٣) والله بريء من المشركين ورسوله (٤) قال فسار بها ثلاثا ثم قال لعلي ألحقه، فرد علي أبا بكر وبلغها أنت، قال ففعل (٥) قال فلما قدم علي النبي ﷺ أبو بكر بكى. قال يا رسول الله حدث في شيء؟
_________________
(١) القرآن الثابت المحكم والسنة المعلومة والفعل الجاري مجرى السنة وكل دليل مقطوع به اهـ وكثيرا ما يضعف أئمة الحديث راويا لانفراده برواية حديث يخالف المشهور من الروايات والله أعلم (١) (سنده) حدثنا وكيع قال قال إسرائيل قال أبو إسحاق عن يزيد بن يثيع عن أبي بكر الخ (قلت) يثيع بضم الياء التحتية وفتح الثاء المثلثة بعدها تحتية ساكنية ثم عين مهملة تابعي ثقة (غريبه) (٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره أول هذه السورة الكريمة نزل على رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك وهم بالحج ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك وأنهم يطوفون بالبيت عراة فكره مخالطتهم وبعث أبا بكر الصديق ﵁ أميرا على الحج تلك السنة ليقيم للناس مناسكهم ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا وأن ينادي في الناس (براءة من الله ورسوله) فلما قفل اتبعه بعلي بن أبي طال ليكون مبلغا عن رسول الله ﷺ لكونه عصبة له، وقال الإمام البغوي قال المفسرون لما خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك كان المنافقون يرجفون الأراجيف وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ فأمره الله ﷿ بنقض عهودهم وذلك قوله ﷿ ﴿وإما تخافن من قوم خيانة﴾ الآية قال الزجاج (براءة) أي قد برئ الله ورسوله من إعطائهم العود والوفاء لهم بها إذا نكثوا ﴿إلى الذين عاهدتهم من المشركين﴾ الخطاب مع أصحاب النبي ﷺ وأن كان النبي ﷺ هو الذي عاهدهم وعاهدهم لأنه عاهدهم وأصحابه راضون بذلك فكأنهم عاقدوا وعاهدوا (فسيحوا في الأرض) رجع من الخبر إلى الخطاب أي قل لهم سيحوا في الأرض أي سيروا فيها مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين أحدًا من المسلمين ﴿أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ أي غير فائتين ولا سابقين ﴿وأن الله مخزي الكافرين﴾ أي مذلهم بالقتل والعذاب في الآخرة (٣) زاد الترمذي (من لم يكن له عهدا فأجله أربعة أشهر) قال الحافظ استدل بهذا على أن قوله تعالى ﴿فسيروا في الأرض أربعة أشهر) يختص بمن لم يكن له عهد مؤقت أو لم يكن له عهد أصلا، أما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته، فروى الطبري من طريق ابن إسحاق قال هم صنفان: صنف كان له عهد دون أربعة أشهر فأمهل إلى تمام أربعة أشهر، وصنف كانت له مدة عهده بغير أجل فقصرت على أربعة أشهر اهـ وكانت ابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر أي يوم النحر على الأصح، وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر ثم هو بعد ذلك حرب لله ولرسوله يقتل حيث أدرك ويؤسر إلا أن يتوب ويرجع إلى الإيمان، وقيل إن المقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا ويحتاطوا لأنفسهم ويعلموا أن ليس لهم بعد هذه المدة إلا الإسلام أو القتل فيصير هذا داعيا لهم إلى الدخول في الإسلام، ولئلا ينسب المسلمون إلى الغدر ونكث العهد (٤) أي بعد انقضاء المدة إن لم يرجعوا إلى الإسلام (٥) سيأتي في الحديث التالي عن علي قال نزلت عشر آيات من براءة على النبي ﷺ دعا النبي ﷺ أبا بكر فبعثه بها ليقرأ على أهل مكة ثم دعاني النبي
[ ١٨ / ١٥٦ ]
-[بعث النبي ﷺ عليا إلى أهل مكة ليقرأ عليهم سورة براءة بدل أبي بكر وسبب ذلك]-
قال ما حدث فيك إلا خير، أمرت (١) أن لا يبلغه إلا أنا أو رجل مني (ز) (عن علي ﵁) (٢) قال لما نزلت عشر آيات (٣) من براءة على النبي ﷺ دعا النبي ﷺ أبا بكر ﵁ فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة (٤) ثم دعاني النبي ﷺ فقال أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم، فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر ﵁ (٥) إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله نزل في شيء؟ قال لا ولكن جبريل
_________________
(١) ﷺ فقال أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم فلحقته بالجحفة (بضم الجيم وسكون المهملة قرية على نحو سبع مراحل من المدينة ونحو ثلاث مراحل من مكة وهي ميقات أهل الشام ومصر) فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر إلى النبي ﷺ الحديث (قال الحافظ ابن كثير) ليس المراد أن أبا بكر رجعل من فوره بل المراد رجع من حجته (قال الحافظ) ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة، وأما قوله عشر آيات فالمراد أولها إنما المشركون نجس اهـ (١) أي أمره الله ﷿ بطريق الوحي كما في الحديث التالي. ولا يعد هذا طعنا في الصديق، وسيأتي الكلام على ذلك في الحديث التالي (تخريجه) الحديث سنده صحيح ولم أقف عليه من حديث أبي بكر لغير الإمام أحمد، وله شواهد كثيرة تعضده (منها) عند البخاري والإمام أحمد أيضا من حديث أبي هريرة وسيأتي في حوادث السنة التاسعة في باب حج أبي بكر وبعث علي إلى أهل مكة براءة من كتاب السيرة النبوية (ومنها) حديث أنس عند الترمذي والإمام أحمد أيضا وسيأتي في الباب المشار إليه (ومنها) حديث ابن عباس عند الترمذي أيضا (ومنها) أحاديث الباب الآتية والله أعلم (ز) (٢) (سنده) حدثنا محمد بن سليمان لوين حدثنا محمد بن جابر عن سماك عن حنش عن علي قال لما نزلت عشر آيات الخ (غريبه) (٣) قال الحافظ أولها (إنما المشركون نجس) كما تقدم (٤) جاء عند ابن جرير الطبري من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب وغيره قال بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرا على الحج سنة تسع وبعث عليا بثلاثين أو أربعين آية من براءة، وروى أيضا من طريق أبي الصهباء قال سألت عليا عن يوم الحج الأكبر فقال إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر يقيم الناس الحج وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب ثم التفت إلي فقال يا علي قم فأد رسالة رسول الله ﷺ فقمت فقرأت أربعين آية من أول براءة ثم صدرنا حتى رميت الجمرة فطفقت اتتبع بها الفساطيط اقرؤها عليهم لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة (٥) قال الإمام البغوي في تفسيره فإن قال قائل كيف بعث رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ ثم عزله وبعث عليا ﵁ (قلنا) ذكر العلماء أن رسول الله ﷺ لم يعزل أبا بكر ﵁ وكان أميرا، وإنما بعث عليا ﵁ لينادي بهذه الآيات، وكان السبب فيه أن العرب تعارفوا فيما بينهم في عقد العهود ونقضها أن لا يتولى ذلك إلا سيدهم أو رجل من رهطه. فبعث عليا ﵁ إزاحة للعلة لئلا يقولوا هذا فلان ما نعرفه فينا في نقض العهد: واستدل على أن أبا بكر كان هو الأمير بحديث أبي هريرة عند البخاري والإمام أحمد وسيأتي في باب حج أبي بكر وبعث على إلى أهل مكة ببراءة في حوادث السنة التاسعة من
[ ١٨ / ١٥٧ ]
-[دعاء النبي ﷺ لعلي وقوله ﷺ لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة- الحديث]-
جاءني فقال لي أن يؤدى عنك إلا أنت أو رجل منك (١) (ز) (وعنه م طريق ثان) (٢) أن النبي ﷺ حين بعثه ببراءة قال يا نبي الله إني لست باللسن (٣) ولا بالخطيب، قال ما بد أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت: قال فإن كان ولابد فسأذهب أنا، قال فانطلق فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك، قال ثم وضع يده على فمه (عن زيد بن أثيع) (٤) رجل من همدان سألنا عليا ﵁ بأي شيء بعثت؟ يعني يوم بعثه النبي ﷺ مع أبي بكر ﵁ في الحجة؟ قال بعثت بأربع، لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة (٥) ولا يطرف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين النبي ﷺ
_________________
(١) كتاب السيرة النبوية قال: بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنى ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان (قال حميد) ثم أردف رسول الله ﷺ عليا فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة فأذن معنا على في أهل من يوم النحر (ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان) (١) زاد في رواية عند ابن إسحاق أن النبي ﷺ قال لأبي بكر أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك معي على الحوض؟ قال بلى يا رسول الله، فسار أبو بكر أميرا على الحج وعلي بن أبي طالب يؤذن ببراءة الحديث (٢) (سنده) حدثني أبو بكر حدثنا عمرو بن حماد عن أسباط بن نصر عن سماك عن حنش عن علي أن النبي ﷺ حين بعثه ببراءة الخ (٣) بكسر السين المهملة ذو البيان والفصاحة (تخريجه) أورد الطريق الأولى منه الحافظ الهيثمي وقال رواه عبد الله بن أحمد وفيه محمد بن جابر السحيمي وهو ضعيف وقد وثق، وأورده الحافظ ابن كثير في التفسير وقال هذا إسناد فيه ضعيف قال وليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره بل بعد قضائه للمناسك التي أمره عليها رسول الله ﷺ، وأورده أيضا الحافظ السيوطي في الدر المنثور وعزاه لأبي الشيخ وابن مردويه، وأورده ابن جرير في تفسير عن علي أيضا وذكر له شواهد من حديث أبي سعيد وابن عمر، وروى نحوه الترمذي عن ابن عباس وأنس وحسنه، وأورده الطريق الثانية منه الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه لعبد الله بن الإمام أحمد فقط ولم أقف على من أخرجها غيره وسندها حسن والله أعلم (٤) (سنده) حدثنا سفيان عن ابن إسحاق عن زيد بن اثيع الخ (قلت) اثيع بهمزة مضمومة ثم مثلثة مفتوحة بعدها ياء ساكنة ويقال فيه يثيع بالياء التحتية بدل الهمزة وتقدم الكلام عليه في شرح الحديث الثاني من أحاديث الباب قال في تهذيب التهذيب قال الأثرم عن أحمد المحفوظ بالياء وصوبه ابن معين (غريبه) (٥) أن قيل ما فائدة قوله (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة) أجيب بأن الإعلام بأن المشرك بعدها لا يقبل منه بعد هذا غير الإيمان لقوله تعالى ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وليس المراد بالأشهر الحرم الأشهر المعلومة التي آخرها المحرم: بل المراد مضى المدة التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا، قال مجاهد ومحمد ابن إسحاق هي شهور العهد سميت حر ما لحرمة نقص العهد فيها، وتقدم الكلام على ذلك مفصلا في شرح حديث أبي بكر قبل حديث (أما قوله ولا يطوف بالبيت عريان) فقد ذكر ابن إسحاق سبب هذا الحديث فقال أن قريشا ابتدعت قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد لمن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثياب أحدهم فإن لم يجد طاف عريانا، فإن خالف وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام فهدم ذلك كله (قال في المرقاة) وفي الحديث رد لما كان يفعله أهل الجاهلية من الطواف بالبيت مع العري زعما منهم
[ ١٨ / ١٥٨ ]
-[سبب نزول قوله تعالى ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ الآية وتفسيرها]-
عهد فعهده إلى مدته (١) ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا (٢) (باب أجعلتم سقاية الحاج الخ) (خط) (عن النعمان بن بشير) (٣) قال كنت إلى جانب منبر رسول الله ﷺ فقال رجل ما أبالي أن لا أعمل بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج، وقال آخر ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم (٤) فزجرهم عمر بن الخطاب ﵁ فقال لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه: فأنزل الله ﷿ ﴿أجعلتم سقاية الحاج (٥) وعمارة المسجد الحرام كمن أمن بالله واليوم الآخر) إلى آخر الآية كلها
_________________
(١) أنهم لا يعبدون ربهم في ثياب أذنبوا فيها وللإيماء إلى كمال التجريد عن الذنوب أو تفاؤلا بالتعري عن العيوب (١) تقدم الكلام على ذلك في شرح الحديث الثاني من أحاديث الباب (٢) قال الحافظ هو منتزع من قوله تعالى ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) والآية صريحة في منعهم دخول المسجد الحرام ولو لم يقصدوا الحج، ولكن لما كان الحج هو المقصود الأعظم صرح لهم بالمنع منه فيكون ما وراءه أولى بالمنع، والمراد بالمسجد الحرام هذا الحرم كله، وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبري وابن إسحاق في مسنده والنسائي والدرامي كلاهما عنه وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق ابن جريج حدثني عبد الله بن عثمان بن خيئم عن أبي الزبير عن جابر ان النبي ﷺ حين رجع من عمرة الجعرافة بعث أبا بكر على الحج فأقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج ثوب بالصبح فسمع رغوة ناقة النبي ﷺ فإذا علي عليها فقال له أمير أو رسول؟ فقال بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه سولم ببراءة اقرؤها على الناس فقدمنا مكة فلما كان قبل يوم التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم حتى إذا فرغ قام علي قرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك ثم يوم النفر كذلك: فيجمع بأن عليا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يؤذن بالأمور المذكورة أن لا يحج بعد العام مشرك الخ وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك (تخريجه) (مذ نس ص) وابن جرير، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح (باب) (خط) (٣) (سنده) قال عبد الله بن الإمام أحمد وجنث في كتاب أبي بخط يده كتب إلى الربيع بن نافع أبو توبة يعني الحلبي فكان في كتابه حدثنا معاوين بن سلام عن أخيه زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام قال حدثني النعمان بن بشير قال كنت إلى جانب منبر رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (٤) لم يذكر في الحديث أسماء القائلين ذلك، وقد روى ابن جرير بسنده عن أبي صخر قال سمعت محمد بن كعب القرظي يقول افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب فقال طلحة أنا صاحب البيت معي مفتاحه ولو أشاء بت فيه، وقال العباس أنا صاحب السقاية وللقائم عليها ولو أشاء بت في المسجد، فقال علي ﵁ ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله ﷿ أجعلتم سقاية الحاج الآية كلها اهـ. (قلت) وكذلك قال الحسن والشعبي فالظاهر أن هؤلاء الثلاثة هم الذين أبهمت أسماؤهم في الحديث والله أعلم (٥) (التفسير) (أجعلتم سقاية الحاج) السقاية مصدر كالرعاية والحماية وهي سقيي الحاج وكان العباس ابن عبد المطلب بيده سقاية الحاج، وكان يليها في الجاهلية، فلما جاء الإسلام وأسلم العباس أقره النبي ﷺ
[ ١٨ / ١٥٩ ]
-[سبب نزول قوله تعالى ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ وذم الخوارج]-
(باب ومنهم من يلمزك في الصدقات الخ) (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال بينما رسول الله ﷺ يقسم قسما إذ جاءه ابن ذي الخويصرة (٢) التيمي فقال اعدل يا رسول الله، فقال ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل، فقال عمر بن الخطاب ﵁ يا رسول الله أتأذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم دعه فإن له أصحابا يحتقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر في قذذه (٣) فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في نضيته (٤) فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في رصانه (٥) فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء (٦) قد سبق الفرث والدم، منهم رجل أسود
_________________
(١) على ذلك (وعمارة المسجد الحرام) يعني بناءه وتشييده ومرمته (كمن آمن بالله واليوم الآخر) فيه حذف تقديره كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر (وجاهد في سبيل الله) أي وكجهاد من جاهد في سبيل الله، وقيل السقاية والعمارة بمعنى الساقي والعامر تقديره أجعلتم ساقي الحاج وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله (لا يستوون عند الله) يعني لا يستوي حال هؤلاء الذين آمنوا بالله وجاهدوا في سبيل الله بحال من سقى الحاج وعمر المسجد الحرام وهو مقيم على شركه وكفره لأن الله ﷾ لا يقبل عملا إلا مع الإيمان به (والله لا يهدي القوم الظالمين) الكافرين، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال قد نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر قال لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي ونفك العاني (يعني الأسير) قال الله ﷿ ﴿أجعلتم سقاية الحاج- إلى قوله والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ يعني أن ذلك كله كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك، وقال الضحاك بن مزاحم أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك فقال العباس أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونفك العاني ونحجب بالبيت ونسقي الحاج فأنزل الله أجعلتم سقاية الحاج الآية (تخريجه) ورده الحافظ ابن كثير في تفسير بسند حديث الباب وقال رواه مسلم في صحيحه وأبو داود وابن جرير وابن مردويه وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن حبان في صحيحه اهـ (قلت) وقد غفل الحافظ ابن كثير عن غزره للإمام أحمد مع حرصه الشديد على روايته والكمال لله وحده (باب) (١) (سنده) حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن الخ (غريبه) (٢) هكذا في الأصل (ابن ذي الخويصرة) وجاء عند الشيخين وغيرهما ذو الخويصرة بغير لعظ ابن وهو رجل من زعماء الخوارج اسمه حرقوص بن زهير السعدي من بني تميم (٣) القذذ بضم القاف ريش السهم واحدتها قذة (نه) (٤) جاء عند مسلم (نضيه) قال في القاموس النضي كغنى السهم بلا نصل ولا ريش وفسر في الحديث عن مسلم بالفدح بكسر القاف وسكون الدال المهملة قال في النهاية القدح بالكسر السهم الذي كانوا يستقسمون به أو الذي يرمي به عن القوس (قلت) (وهو المراد هنا) قال يقال السهم أول ما يقطع قطع ثم ينحت ويبرى فيسمى بريا ثم يقوم فيسمى قد حائم يراش ويركب نصله فيسمى سهما (٥) قال النووي أما الرصاف فبكسر الراء وبالصاد المهملة وهو مدخل النصل من السهم (والنصل) هو حديدة السهم، والقدح عوده، والقذذ بضم القاف وبذالين معجمتين وهو ريش السهم (٦) راجع لجميع ما تقدم
[ ١٨ / ١٦٠ ]
-[ما جاء في المؤلفة قلوبهم وقسم الصدقات]-
في إحدى يديه (١) أو قال إحدى ثدييه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة (٢) تدردر، يخرجون على حين فترة (٣) من الناس فنزلت فيهم (٤) ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ الآية (٥) قال أبو سعيد ﵁ أشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ وأشهد أن عليا حين قتله وأنا معه جيء بالرجل على النعت (٦) الذي نعت رسول الله ﷺ (باب المؤلفة قلوبهم) (عن أبي سعيد أيضا) (٧) قال كان المؤلفة قلوبهم على عهد رسول الله ﷺ أربعة، علقمة بن علاثة الجعفري والأقرع بن حايس الحنظلي وزيد الخيل (٨) الطائي وعيينة بن بدر الفزاري (٩) قال فقدم علي بذهبة (١٠) من
_________________
(١) والمعنى فينظر في قذذه ونضيته ورصافه ونصله فلا يوجد فيه شيء أي من دم الصيد أو فرثه (وقوله قد سبق الفرث والدم) أي أن السهم قد جاوزهما ولم يعلق فيه منهما شيء، والفرث اسم ما في الكرش: وهذا تمثيل لخروجه من الدين بحيث لم يعلق به من الدين شيء كما لم يعلق السهم شيء من دم الرمية نعوذ بالله من ذلك (١) جاء عند مسلم (إحدى عضديه) (٢) البضعة بفتح الباء الموحدة القطعة من اللحم وقوله (تدردر) معناه تضطرب وتذهب وتجيء (٣) جاء عند مسلم وغيره على حين فرقة من الناس بضم الفاء أي في زمان افتراق الناس وهو الافتراق الواقع بين المسلمين بعد وقعة صفين (وجاء في رواية) على خير فرقة بكسر الفاء وخير الفرقة هم فرقة على ﵁ فإنهم خرجوا عليه وهو قتلهم كما أخبر به النبي ﷺ تقتلهم أولى الطائفتين بالحق رواه (م حم) وغيرهما (٤) هذا سبب من أسباب نزول الآية (وقال قتادة) ذكر لنا أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى النبي ﷺ وهو يقسم ذهبا وفضة فقال يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل فما عدلت، فقال ﷺ ويلك فمن ذا يعدل يعدي، وقال ابن زيد قال المنافقون والله ما يعطيها محمد إلا من أحب، ولا يؤثر بها إلا من يهراه فأنزل الله تعالى ومنهم من يلمزك في الصدقات (٥) (التفسير) (ومنهم) ومن المنافقين وغيرهم ممن تقدم ذكرهم (من يلمزك في الصدقات) قرأ يعقوب بضم الميم من يلمزك، وقرأ الباقون بكسرها، وهما لغتان أي يعيبك في قسم الصدقات وفي تفريقها ويطغى عليك في أمرها، يقال همزه ولمزه بمعنى واحد أي عابه (فإن أعطوك منها) يعني من الصدقات (رضوا) يعني (رضوا) يعني رضوا عنك في قسمتها (وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) يعني وإن لم تعطهم منها عابوا عليك وسخطوا (٦) أي على الصفة التي وصفها رسول الله ﷺ بها (تخريجه) (ق. وغيرهما) (باب) (٧) (سنده) حدثنا وكيع ثنا أبي عن سعيد بن مسروق عن ابن أبي نعم عن أبي سعيد الخ (غريبه) (٨) جاء في رواية لمسلم "وزيد الخير" بالراء بدل اللام، وله في رواية أخرى "وزيد الخيل" باللام كما هنا قال النووي كذا في جميع النسخ الخير والراء وفي الرواية التي بعدها زيد الخيل باللام وكلاهما صحيح يقال بالوجهين، كما يقلل له في الجاهلية زيد الخيل فسماه رسول الله ﷺ في الإسلام زيد الخير (٩) هؤلاء الأربعة أسلموا وكانت نيتهم ضعيفة وكانوا من أشراف العرب، فكان رسول الله ﷺ يعطيهم لتقوى رغبتهم في الإسلام (١٠) أي بقطعة ذهب ولفظ البخاري (بذهيبة) على صيغة التصغير أي بقطعة صغيرة (وقوله بترتبها) صفة لذهبة يعني أنها غير مسبوكة لم تخلص من ترابها (تخريجه) (ق لك. وغيرهم) هذا واعلم أني عقدت هذا الباب لمناسبة ذكر المؤلفة قلوبهم في الحديث، وقد ذكرهم الله ﷿ في قوله تعالى ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله
[ ١٨ / ١٦١ ]
-[قوله تعالى ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ - وقوله ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾]-
اليمن بتربتها فقسمها رسول الله ﵌ بينهم (باب قوله ﷿ استغفر لهم أو لا تستغفر لهم الخ- قوله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) الآية (عن عمر بن الخطاب) (١) ﵁ قال لما توفي عبد الله بن أبي (٢) دعيى رسول الله ﷺ للصلاة عليه (٣) فقام إليه فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره فقلت يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا وكذا يعدد أيامه (٤) قال ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يبتسم حتى إذا أكثرت عليه قال أخر عني يا عمر (٥) إني خيرت فاخترت وقد قيل (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) (٦) لو أعلم أني إن زدت على الستين غفر له لزدت، قال ثم صلى عليه (٧) ومشى معه فقام
_________________
(١) وابن السبيل فريضة من الله، والله عليم حكيم﴾ فهؤلاء ثمانية أصناف، وقد عقدت لكل صنف منهم بابا فيه ما يختص بكل واحد منهم من تفسير وأحكام ترجمت لها بأبواب تقسيم الصدقة من كتاب الزكاة في الجزء التاسع صحيفة ٤٨ فارجع إليه تجد ما يسرك، (أما سبب نزول الآية) فهو اعتراض المنافقين الجهلة والخوارج على النبي ﷺ ولمزهم إياه في قسم الصدقات كما تقدم في الباب السابق، لما كان ذلك بين الله ﷿ أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه ولم يكل قسمها إلى أحد غيره فجرأها لهؤلاء المذكورين كما رواه الإمام أبو داود في سننه بسنده عن زياد بن الحارث الصدائي قال أتيت النبي ﷺ فبايعته فأتى رجل فقال أعطني من الصدقة، فقال له إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك والله أعلم (باب) (١) (سنده) حدثنا يعقوب حدثني أبي عن ابن إسحاق حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس قال سمعت عمر بن الخطاب يقول ما توفي عبد الله بن أبي الخ (غريبه) (٢) هو عبد الله بن أبي ابن سلول، قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات وسلول أم عبد الله، فلهذا قال العلماء الصواب في ذلك أن يقال عبد الله بن أبي ابن سلول بالرفع بتنوين أبي وكتابة ابن سلول بالألف ويعرب إعراب عبد الله لأنه صفة له لا لأبي، وكان عبد الله بن أبي رأس المنافقين ونزل في ذمه آيات كثيرة مشهورة، وهو والد عبد الله الرجل الصالح الصحابي الجليل، فسبحان من فرن بينهما فجعل هذا سعيدا وذاك شقيا وله في ذلك حكم (٣) الذي دعا النبي ﷺ للصلاة عليه هو ابنه عبد الله الرجل الصالح الصحابي (٤) أي يعدد مساويه (فمنها) نزول معظم سورة المنافقين فيه وفي أصحاب وهو رأسهم (ومنها) قوله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل (ومنها) أنه أول من خاض في مسألة الإفك وقذف عائشة وأول من أشاعه وغير ذلك كثير (٥) أي تأخر عني، وقيل أخر عني رأيك (وقوله إني خيرت) أي بين الاستغفار وعدمه (٦) (التفسير) (استغفر لهم) يا محمد (أو لا تستغفر لهم) تخير له في الاستغفار وتركه (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) قيل المراد بالسبعين المبالغة في كثرة الاستغفار، وقيل المراد العدد المخصوص لقوله ﷺ لو أعلم أني زدت على السبعين غفر له لزدت، فبين له حسم المغفرة بقوله تعالى في آية أخرى ﴿سواء عليهم استغفرت لهم أم لا تستغفر لهم﴾ كما في رواية البخاري (٧) إنما صلى النبي ﷺ عليه إجراءا له على ظاهر حكم الاستغفار واستئلافا لقومه لاسيما ولم يقع نهي صريح عن الصلاة على المنافقين فاستعمل أحسن
[ ١٨ / ١٦٢ ]
-[صلاة النبي ﷺ على عبد الله بن أبي وما نزل في ذلك]-
على قبره (١) حتى فرغ منه قال فعجب لي وجراءتي (٢) على رسول الله ﷺ والله ورسوله أعلم، قال فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا (٣) ولا تقم على قبره، أنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) فما صلى رسول الله ﷺ بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله ﷿ (عن ابن عمر) (٤) قال لما مات عبد الله ابن أبي (٥) جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله أعطني قميصك حتى أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له فأعطاه قميصه (٦) وقال آذني به (٧) فلما ذهب ليصلي عليه قال يعني عمر ﵁ قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين (٨) فقال أنا بين خيرتين (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) فصلى عليه فأنزل الله ﷿ (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) قال فتركت الصلاة عليهم (٩) (باب ولا على الذين إذا ماتوا أتوك لتحملهم) الآية (عن عبد الله بن مغفل) (١٠) وكان أحد الرهط (١١) الذين نزلت فيهم هذه الآية (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم-
_________________
(١) الأمرين في السياسة حتى كشف الله تعالى على الغطاء ونهى فانتهى (١) أي عند دفنه (٣) بفتحات وجاء عند الترمذي بلفظ (فعجب لي وجرأتي) بضم الجيم وسكون الراء أي إقدامي عليه، وجاء عند البخاري (فعجبت بعد من جرأتي) (بضم الجيم وسكون الراء على رسول الله ﷺ) (٣) (التفسير) (ولا تصل على أحد منهم) أي من المنافقين صلاة الجنازة (مات أبدا) وهذا النهي عام في كل من عرف نفاقه وإن كان سبب النزول خاصا بعبد الله بن أبي رأس المنافقين (ولا تقم على قبره) أي لدفن أو زيارة أي لا تقف عليه ولا تتول دفنه، من قولهم قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وناب عنه فيه ﴿إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ وهذا تعليل لسبب المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره (تخريجه) (خ نس جه) (٤) (سنده) حدثنا يحيى عن عبيد الله حدثني نافع عن ابن عمر الخ (غريبه) (٥) كان موته في ذي القعدة سنة تسع بعد منصرفهم من تبوك وكان قد تخلف عنها، كذا نقله الحافظ عن الواقدي وإكليل الحاكم (٦) الإعطاء إنما وقع لابنه العبد الصالح، وروى البغوي عن أبي هريرة قال كان على رسول الله ﷺ قميصان، فقال له ابن عبد الله يا رسول الله ألبس أبي قميصك الذي يلي جلدك، قال البغوي وروى عن جابر قال لما كان يوم بدر أتى بالأسارى وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب فودوا قميص عبد الله يقدر عليه (وفي رواية فلم يوجد على تفصيله إلا ثوب عبد الله ابن أبي لأنه كان ضخما طويلا) فكساه النبي ﷺ إياه فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه الذي ألبسه عبد الله، قال ابن عيينة كان له عند النبي ﷺ يدفأ فأحب أن يكافئه: وروى أن النبي ﷺ كلم فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله شيئا والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه، وروى أنه أسلم به ألف من قومه لما رأوه يتبرك بقميص النبي ﷺ (٧) أعلمني الذي تريد أن أًلي عليه فيه (٨) قيل لعله قال ذلك بطريق الإلهام لأنه كان من الملهمين وإلا فلم يتقدم نهى عن الصلاة على المنافقين كما يرشد إليه قوله في آخر هذا الحديث فأنزل الله ﷿ (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) (٩) تقدم الكلام على ذلك في شرح الحديث السابق (تخريجه) (ق وغيرهما) (باب) (١٠) (سنده) حدثنا وكيع عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أو عن غيره عن عبد الله بن مغفل الخ (غريبه) (١١) الرهط من الرجال ما دون العشرة والرهط عشيرة الرجل وأهله (قال البغوي) في تفسيره
[ ١٨ / ١٦٣ ]
-[تفسير قوله تعالى (وجاء المعذرون من الأعراب- إلى قوله ﴿أن لا يجدوا ما ينفقون﴾]-
إلى آخر الآية) (١) قال إني لآخذ بغصن من أغصان الشجرة أظلل به على النبي ﷺ وهم يبايعونه فقالوا أنبايعك على الموت قال لا ولكن لا تفروا (باب ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) إلى آخر الآيتين (حدثنا وكيع) (٢) عن سفيان (ح) (٣) وحدثنا عبد الرحمن قال ثنا سفيان عن أبي إسحق (٤) عن أبي الخليل عن علي ﵁ قال سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان (٥) فقلت تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال أليس قد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك؟ قال فذكرت ذلك للنبي ﷺ فنزلت ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ (٦) إلى آخرين الآيتين قال عبد الرحمن فأنزل الله (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن
_________________
(١) هم سبعة نفر سموا البكائين معقل بن يسار. وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب الأنصاري وعليه بن زيد الأنصاري وسالم بن عمير. وثعلبة بن غنم وعبد الله بن مغفل المزني أتوا رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله إن الله قد ندبنا للخروج معك فاحملنا (١) (التفسير) أول هذه القصة قوله تعالى (وجاء المعذرون) بإدغام التام في الذال في الذال أي المعتذرون بمعنى المعذورين وقرئ به (من الأعراب) إلى النبي ﷺ (ليؤذن لهم) في القعود لعذرهم فأذن لهم (وقعد الذين كذبوا الله ورسوله) في ادعاء الإيمان من منافقي الأعراب عن المجيء للاعتذار فأوعدهم الله بقوله ﴿سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾ ثم ذكر أهل العذر فقال جل ذكره (ليس على الضعفاء) قال ابن عياض يعني الزمني والمشايخ والعجزة، وقيل هم الصبيان وقيل النسوان، ولا مانع من إرادة الجميع (ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون) يعني الفقراء (حرج) مأثم وقيل ضيق في القعود عن الغزو (إذا نصحوا لله ورسوله) في مغيبهم وأخلصوا الإيمان والعمل لله وبايعوا الرسول (ما على المحسنين من سبيل) أي من طريق بالعقوبة (والله غفور رحيم) ثم قال تعالى ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم﴾ معناه أنه لا سبيل على الأولين أي لا إثم ولا حرج على الأولين ولا على الذين أتوك لتحملهم وهم سبعة نفر تقدم ذكرهم (وقد اختلف العلماء) في قوله ﴿لتحملهم﴾ قال ابن عباس سألوه أن يحملهم على الدواب، وقيل سألوه أن يحملهم على الخفاف المرفوعة والنعال المخصوفة ليغزوا معه فأجابهم النبي ﷺ كما أخبر عنه في قوله تعالى ﴿قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا﴾ وهم يبكون فذلك قوله تعالى ﴿تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون﴾ ومثل هؤلاء لا يحرمون من ثواب الجهاد. فقد روى الشيخان والإمام أحمد من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا ولا سرتم سيرا إلا وهم معكم، قالوا وهم بالمدينة؟ قال نعم حبسهم العذر (تخريجه) أخرجه ابن جرير في تفسيره وابن إسحاق في سيرته وسنده لا بأس به (باب) (٢) (حدثنا وكيع الخ) (غريبه) (٣) رمز له بحرف حاء إشارة إلى تحويل السند ومعناه أن الإمام أحمد ﵀ روى هذا الحديث من طريقين مرة عن وكيع عن سفيان ومرة أخرى عن عبد الرحمن يعني ابن مهدي عن سفيان بالسند المذكور، ورواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن وكيع عن سفيان به (٤) هو السبيعي: وأبو الخليل اسمه عبد الله، قال في التقريب عبد الله بن الخليل بن أبي الخليل الحضرمي أبو الخليل الكوفي مقبول (٥) جملة حائلية (٦) التفسير (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) أي لا يصح ولا يجوز لهم أن يستغفروا للمشركين: وتمام الآيتين مع تفسيرهما
[ ١٨ / ١٦٤ ]
قصة موت أبي طالب وما نزل في ذلك
_________________
(١) موعدة وعدها إياها) (عن سعيد بن المسيب عن أبيه) (١) قال لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل النبي ﷺ وعنده أبو جهل (٢) وعبد الله بن أبي أمية (٣) فقال أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج بها لك عند الله ﷿، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب أترغب (٤) عن ملة عبد المطلب؟ قال فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به على ملة عبد المطلب (٥) فقال النبي ﷺ لا تستغفرن لك ما لم أنه عنك (٦) فنزلت ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ (٧) قال فنزلت فيه ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ (٨) (باب لقد تاب الله على النبي المهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) الخ الآيات (عن عبد الرحمن بن عبد الله) (٩) بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه (١٠) حين عمى قال سمعت كعب بن مالك ﵁ يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: فقال كعب بن مالك لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غيرها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير هكذا (ولو كانوا) أي المشركون (أولي قربى) أي ذوى قرابة (من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) أي النار بأن ماتوا على الكفر (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه) أي بقوله "سأستغفر لك ربي" رجاء أن يسلم (فلما تبين له أنه عدو لله) بموته على الكفر (تبرأ منه) وترك الاستغفار له (إن إبراهيم لأواه) كثير التضرع والدعاء (حليم) صبور على الأذى (تخريجه) (م نس مذ) وقال الترمذي حديث حسن، ورواه أيضا ابن جرير في تفسيره (١) (سنده) حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه الخ (قلت) أبوه هو المسيب بن حزن صحابي كان ممن بايع النبي ﷺ تحت الشجرة (٢) اسمه عمرو بن هشام مات كافرا، وكان من ألد أعداء النبي ﷺ (٣) هو المخزومي أسلم عام الفتح (وقوله أي عم) معناه يا عمي وحذفت ياء الإضافة للتخفيف (٤) بهمزة الاستفهام الإنكاري أي أتعرض عن ملة عبد المطلب (٥) زاد مسلم وأبي أن يقول لا إله إلا الله (٦) جاء عند مسلم أماراته لأستغفرن لك الخ (قال النووي) وفيه جواز الحلف من غير استحلاف وكأن الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار وتطييبا لنفس أبي طالب، وكان وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل قال ابن فارس مات أبو طالب ولرسول الله ﷺ تسع وأربعون سنة ثمانية أشهر واحد عشر يومًا، وتوفيت خديجة أم المؤمنين ﵂ بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام (٧) تقدم تفسيرها في الحديث السابق (٨) قال النووي أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاج وغيره، وهي عامة فإنه لا يهدي ولا يضل إلا الله تعالى، قال الفراء وغيره قوله تعالى (من أحببت) يكون على وجهين (أحدهما) معناه من أحببته لقرابته (والثاني) من أحببت أن يهتدي، قاله ابن عباس ومجاهد ومقاتل وغيرهم (وهو أعلم بالمهتدين) أي بمن قدر له الهدى والله أعلم (تخريجه) (ق. وغيرهما) (باب) (٩) (سنده) حدثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله عن عمه محمد بن مسلم الزهري قال أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله الخ (غريبه) (١٠) كن بنوه أربعة: عبد الله. وعبد الرحمن
[ ١٨ / ١٦٥ ]
-[حديث كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة تبوك]-
ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين توافقنا (١) على الإسلام ما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر (٢) في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك إني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قلما يريد غزاة يغزوها إلا ورى (٣) بغيرها حتى كانت تلك الغزاة فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا ٤) واستقبل عدوا كثيرا فجلا (٥) للمسلمين أمره ليتأهبوا أهبة عدوهم (٦) فأخبرهم بوجهه (٧) الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ (٨) يريد الديوان، فقال كعب فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له (٩) ما لم ينزل فيه وحي من الله ﷿، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وأنا إليها أصعر (١٠) فتجهز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه وطفقت أغدوا لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض شيئا (١١) فأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إن أردت، فلم يزل كذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط (١٢) الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليت إني فعلت (١٣) ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم يحزنني أن لا أرى إلا رجلا
_________________
(١) ومحمد. وعبيد الله (١) أي تبايعنا عليه وتعاهدنا، وليلة العقبة هي الليلة التي بايع رسول الله ﷺ الأنصار فيها على الإسلام وأن يؤزوه وينصروه، وهي العقبة التي طرف مني التي يضاف إليها جمرة العقبة، وكانت بيعة العقبة مرتين في سنتين: في السنة الأولى كانوا اثنى عشر، وفي الثانية سبعين كلهم من الأنصار ﵃ (٢) اذكر بوزن أفضل أي أشهر عند الناس بالفضيلة (٣) أي أو هم غيرها، وأصله من وراء كأنه جعل البيان وراء ظهره، والحكمة في ذلك خشية أن يسبقه الجواسيس ونحوهم بالتحذير إلا إذا كانت سفرة بعيدة فيستحب أن يعرفهم البعد ليتأهبوا، وهذا من أعظم سياسة الحرب (٤) أي برية طويلة قليلة الماء يخاف فيها الهلاك (٥) هو بتخفيف اللام أي كشفه وبينه وأوضحه وعرفهم ذلك على وجهه من غير تورية، يقال جلوث الشيء كشفته (٦) الأهبة بضم الهمزة وإسكان الهاء أي ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم ذلك (٧) أي بمقصده (٨) عند البخاري بالتنوين فيهما، وعند مسلم بالإضافة أي بإضافة كتاب إلى حافظ (وقوله يريد الديوان) قال الحافظ من كلام الزهري وأراد بذلك الاحتراز عما وقع في حديث حذيفة أن النبي ﷺ قال اكتبوا إلى من تلفظ بالإسلام، وقد ثبت أن من دون الديوان عمر بن الخطاب ﵁، ولابن مردويه ولا يجمعهم ديوان حافظ يعني كعب بذلك الديوان، يقول لا يجمعهم ديوان مكتوب، وهو يقوي رواية التنوين، وقد نقل عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا في غزوة تبوك أربعين ألفا، هذا ما نقله الحافظ (قال القسطلاني) وتعقبه شيخنا فقال بل المروي عن أبي زرعة أنهم كانوا سبعين ألفا: نعم الحصر بالأربعين في حجة الوداع فكأنه سبق قلم أو انتقال نظر اهـ (٩) قال الأبي يريد بسبب كثرة الناس اهـ (١٠) بعين مهملة مفتوحة أي أميل (١١) أي من جهازي (١٢) بالفاء والراء والطاء المهملتين أي فلت وسبق (١٣) عند البخاري (ليتني فعلت
[ ١٨ / ١٦٦ ]
-[اختيار كعب بن مالك قول الصدق واعترافه بالتقصير]-
مغموصا (١) عليه في النفاق (٢) أو رجلا ممن عذره الله: ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك: فقال وهو جالس في القوم بتبوك ما فعل كعب بن مالك؟ قال رجل من بني سلمة حبسه يا رسول الله براده (٣) والنظر إلى عطفيه، فقال له معاذ بن جبل بئسما قلت: والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا: فسكت رسول الله ﷺ فقال كعب بن مالك فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا (٤) من تبوك حضرني نبي (٥) فطفقت أتفكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا أستعين على ذلك كل ذي رأى من أهلي، فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما (٦) زاح عني الباطل وعرفت أني لن أنجو منه بشيء (٧) أبدا فأجمعت صدقة وصبح رسول الله ﷺ وكان إذا قدم من سفر بدًا بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانية ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله ﵎ حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب (٨) ثم قال لي تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال ما خلفك (٩) ألم تكن قد استمر ظهرك (١٠) قال فقلت يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني أخرج من سخطته بعذر لقد أعطيت جدلا (١١) ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن (١٢) الله تعالى يسخطك على ولئن حدثتك اليوم بصدق تجد (١٣) على فيه، إني لأرجو قرة عيني عفوا من الله ﵎، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال رسول الله ﷺ أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله ﵎ فيك فقمت وقام إلي رجال من بني سلمة فأتبعوني فقالوا لي والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون، لقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك: قال فوالله ما زالوا يأنوبنني (١٤) حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، قال ثم قلت لهم هل لقى هذا معي أحد (١٥) قالوا نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت
_________________
(١) وفيه أن المرء إذا لاحت له فرصة في الطاعة فحقه أن يبادر إليها ولا يسوف بها لئلا يحرمها (١) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة بعدها ميم أخرى مضمومة فواو فصاد مهملة (٢) أي يظن به النفاق ويتهم (٣) تثنية برد (والنظر إلى عطفيه) بكسر العين المهملة أي جانبيه كناية عن كونه معجبا بنفسه ذا زهو وتكبر (٤) أي راجعا إلى المدينة (٥) هو أشد الحزن، فطفقت أي أتفكر الكذب، وعند ابن أبي شيبة وطفقت أعد العذر لرسول الله ﷺ إذا جاء وأهيء الكلام (٦) أي دنا قدومه (زاح) بالزاي المعجمة وبالحاء المهملة أي زال (٧) أي من أنواع الكذب (فأجمعت صدقه) أي عزمت عليه يقال أجمع أمره وعلى أمره وعزم عليه بمعنى (٨) بفتح الضاد المعجمة أي الغضبان (٩) بوزن ما ودعك (١٠) معناه ألم يكن عندك ما تحمل عليه جهازك من الدواب وتركب (١١) أي فصاحة وقوة في الكلام وبراعة بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إلي إذا أردت (١٢) هو بكسر الشين أي ليسرعن (١٣) بكسر الجيم وتخفيف المهملة أي تغضب (١٤) هو بهمز بعد الياء التحتية ثم نون ثم موحدة أي يلومونني أشد اللوم (١٥) معناه هل تخلف أحد
[ ١٨ / ١٦٧ ]
-[أمر النبي ﷺ الصحابة بهجر كعب بن مالك وصاحبيه حتى يقضي الله فيهما]-
فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال فقلت لهم من هما؟ قالوا مرارة (١) بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي (٢) قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا: لي فيهما أسوة، قال فمضيت حين ذكروهما لي، قال ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة (٣) من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس، قال وتغيروا لنا حتى تنكرت لي من نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف (٤) فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكنا (٥) وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم (٦) فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق ولا يكلمني أحد وآتى رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم عليه فأقول في نفسي حرك شفتيه يرد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت علي صلاتي نظر إلي فإذا التفت نحوه أعرض، حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت (٧) حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلى فسلمت عليه فوالله مارة على السلام (٨) فقلت له يا أبا قتادة أنشدك (٩) الله هل تعلم أني أحب ورسوله؟ قال فسكت، قال فعدت فنشدته فسكت، فعدت فنشدته فقال الله ورسوله أعلم (١٠) فقاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا بنبطي (١١) من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلني عن كعب بن مالك؟ قال فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلى كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا فإذا فيه (أما بعد) فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة (١٢)
_________________
(١) مثل ما تخلفت (١) بضم الميم وتخفيف الراء المكررة (ابن الربيع) جاء في نسخ مسلم ابن ربيعة وكذا نقله القاضي عن نسخ مسلم، ووقع في البخاري ابن الربيع كما هنا، قال ابن عبد البر يقال بالوجهين (وقوله العامري) هكذا هو في جميع نسخ مسلم أيضا وأنكره العلماء وقالوا هو غلط، إنما صوابه العمري بفتح العين المهملة وإسكان الميم من بني عمرو بن عوف وكذا ذكره البخاري، وكذا نسبه محمد بن إسحاق وابن عبد البر وغيرهما من الأئمة (قال القاضي) هو الصواب وإن كان القابسي قد قال لا أعرفه إلا العامري فالذي قاله الجمهور أصح (٢) بقاف ثم فاء منسوب إلى واقف بطن من الأنصار (٣) قال القاضي عياض هو بالرفع وموضعه النصب على الاختصاص، وفي هذا هجران أهل البدع والمعاصي (٤) معناه تغير على كل شيء حتى الأرض فإنها توحشت علي وصارت كأنها أرض لم أعرفها لتوحشها على (٥) أي خضعا (٦) أي أصغرهم سنا وأقواهم (٧) معنى تسورته علوته وصعدت سوره وهو أعلاه ويستفاد منه جواز دخول الإنسان بستان صديقه وقريبه الذي يعرف أنه لا يكره ذلك بغير أذنه بشرط أن يعلم أنه ليس له هناك زوجة مكشوفة ونحو ذلك (٨) أي لعموم النهي عن كلامهم، وفيه أنه لا يسلم على المبتدعة ونحوهم وفيه أن السلام كلام، وأن من حلف لا يكلم إنسانا فسلم عليه أو رد ﵇ حنث قاله النووي (٩) هو بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة أي أسألك الله وأصله من النشيد وهو الصوت (١٠) قال القاضي لعل أبا قتادة لم يقصد بهذا تكليمه لأنه منهي عن كلامه، وإنما قال ذلك لنفسه لما ناشده الله فقال أبو قتادة مظهرا الاعتقاد لا يسمعه (١١) بفتح النون والباء الموحدة وكسر الطاء المهملة يقال النبط والأنماط والنبيط وهم فلاحون العجم (١٢) المضيعة فيها لغتان إحداهما كسر الضاد وإسكان الياء التحتية والثانية بإسكان الضاد
[ ١٨ / ١٦٨ ]
-[أمر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه باعتزال نسائهم- وأول البشرى]-
فالحق بنا نواسيك (١) قال فقلت حين قرآنها وهذا أيضا من البلاء قال فتيممت بها (٢) التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال فقلت أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال بل اعتزلها فلا تقربها، قال وأرسل إلى صاحبي، بمثل ذلك قال فقلت لامرأتي ألحق بأهلك (٣) فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت له يا رسول الله إن هلالا شيخ ضائع ليس له خادم هل تكره أن أخدمه، قال لا ولكن لا يقربنك، قالت فإنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما يزال يبكي من لدن أن كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله ﷺ بي امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه قال فقلت والله لا استأذن فيها رسول الله ﷺ وما أدري ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته وأنا رجل شاب (٤) قال فلبثنا بعد ذلك عشر ليال كمال خمسين ليلة حين نهى عن كلامنا، قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله ﵎ منا (٥) قد ضاقت علي نفسي (٦) وضاقت علي الأرض بما رحبت (٧) سمعت صارخا، أوفى (٨) على جبل سلع يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر (٩) قال فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن (١٠) رسول الله ﷺ بتوبة الله ﵎ علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا (١١) وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي (١٢) رجل فرسا
_________________
(١) وفتح الباب أي في موضع وحال يضاع فيه حقك (١) جاء عند مسلم نواسك بحذف الباء مجزوم في جواب الأمر (قال النووي) وفي بعض النسخ نواسيك بزيادة ياء وهو صحيح، أي ونحن نواسيك وقطعه عن جواب الأمر، ومعناه نشاركك فيما عندنا (٢) أي قصدت ومعنى سجرته أي أوقدته بها وأنث الضمير لأنه أراد معنى الكتاب وهو الصحيفة (٣) فيه دلالة على أن هذا اللفظ ليس صريحا في الطلاق وإنما هو كناية ولم ينو به الطلاق فلم يقع (٤) يعني إني قادر على خدمة نفسي وأخاف أيضا على نفسي من حدة الشباب أن أصبت امرأتي وقد نهيت عنه (٥) يعني قوله تعالى (وضاقت عليهم الأرض بما رحبت (٦) أي قلبي لا يسعه أنس ولا سرور من فرط الوحشة والغم (٧) أي مع سعتها وهو مثل للحيرة في أمره كأنه لم يجد فيها مكانا يقر فيه قلقا وجزعا، وإذا كان هؤلاء لم يأكلوا مالا حراما ولا سفكوا دما جراما ولا أفسدوا في الأرض وأصابهم ما أصابهم فكيف بمن واقع الفواحش والكبائر وجواب بينا (سمعت صارخا) (٨) أي أشرف على (جبل سلع) أي صعده وارتفع عليه، وسلع بفتح السين المهملة وإسكان اللام وهو جبل بالمدينة معروف (٩) بهمزة قطع وعند الواقدي وكان الذي أوفى على سلع أبا بكر الصديق فصاح قد تاب الله على كعب، وفيه دليل لاستحباب التبشير والتهنئة لمن تجددت له نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه كربة شديدة ونحو ذلك سواء كانت من أمور الدين أو الدنيا (وقوله فخررت ساجدا) فيه دليل للشافعي ومن وافقه في استحباب سجود الشكر بكل نعمة ظاهرة حصلت أو نقمة ظاهرة اندفعت (١٠) أي أعلم الناس بذلك (١١) أي يبشرون كعبا وصاحبيه مرارة وهلال (١٢) جاء عند مسلم وركض رجل إلي فرسا
[ ١٨ / ١٦٩ ]
-[فرح النبي ﷺ بنزول توبة كعب وصاحبيه وتبشيرهم بذلك]-
وسعى ساع من أسلم وأوفى الجبل (١) فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته (٢) يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته (٣) والله ما أملك غيرهما يومئذ فاستعرت ثوبين (٤) فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله ﷺ (٥) يلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول (٦) حتى صافحني وهنأني (٧) والله ما قام رجل من المهاجرين غيره؛ قال فكان كعب لا ينساها الطلحة (٨) قال كعب فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم يمر عليك منذ ولدتك أمك (٩) قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال لا بل من عند الله، قال وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر حتى يعرف ذلك منه، قال فلما جلست بين يديه قال قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله تعالى وإلى رسوله (١٠) قال رسول الله ﷺ أمسك بعض مالك فهو خير لك (١١) قال قلت أني أمسك سهمي الذي بخيبر قال فقلت يا رسول الله إنما الله تعالى نجاني بالصدق وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث مذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني (١٢) الله ﵎ والله ما تعمدت كذبة (١٣) مذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن
_________________
(١) بتشديد الياء أي استحث رجل فرسا للعدو، وعند الواقدي أنه للزبير بن العوام (١) هو حمزة بن عمرو الأسلمي رواه الواقدي، وعند ابن عائدذ أن الذين سعيا أبو بكر وعمر ﵄ لكنه صدره بقوله زعموا (١) هو حمزة الأسلمي (٣) فيه استحباب إجازة البشير بخلعة وإلا فبغيرها، والخلعة أحسن وهي المعتادة (٤) أي من أبي قتادة كما عند الواقدي وفيه جواز العارية وجواز إعارة الثوب للبس (٥) جاء عند مسلم فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ يتلقاني الناس فوجا فوجا الخ ومعنى أتأمم أي أقصد والفوج الجماعة (٦) أي يسير بين المشي والعدو (٧) فيه استحباب مصافحة القادم والقيام له إكراما والهرولة إلى لقائه بشاشة وفرحا (٨) أي هذه الخصلة وهي بشارته إياه بالتوبة أي لا يزال يذكر إحسانه إليه بذلك (٩) معناه سوى يوم إسلامك إنما لم يستثنه لأنه معلوم لابد منه (١٠) معنى انخلع منه أخرج منه وأتصدق به، وفيه استحباب الصدقة شكرا للنعم المتجددة لاسيما ما عظم منها (١١) قال النووي إنما أمره ﷺ بالاقتصار على الصدقة ببعضه خوفا من تضرره بالفقر وخوفا أن لا يصبر على الإضافة، ولا يخالف هذا صدقة أبي بكر ﵁ بجميع ماله فإنه كان صابرا راضيا (فإن قيل) كيف قال انخلع من مالي فأثبت له مالا مع قوله أولا نزعت ثوبي والله ما أملك غيرهما (فالجواب) أن المراد بقوله أن انخلع من مالي الأرض والعقار، ولهذا قال فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وأما قوله ما أملك غيرهما فالمراد به من الثياب ونحوها مما يخلع ويليق بالبشير، وفيه دليل على تخصيص اليمين بالنية وهو مذهبنا (يعني الشافعية) فإذا حلف لا مال له ونوى نوعا لم يحنث بنوع آخر من المال أو لا يأكل ونوى ثمرا لم يحنث بالخبز (١٢) أي أنعم عليه والبلاء والإبلاء يكون في الخير والشر، لكن إذا أطلق كان الشر غالبا فإذا أريد الخير قيد كما قيده هنا فقال أحسن مما أبلاني (١٣) بفتح الكاف وإسكان الذال وكسرها
[ ١٨ / ١٧٠ ]
-[نص آيات التوبة وتفسيرها ووصف ما لاقاه الصحابة في غزوة تبوك من المشقة]-
يحفظني فيما بقى، قال وأنزل الله ﵎ ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين (١) والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم أنه بهم رءوف رحيم، وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله لا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا أن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ قال كعب فوالله ما أنعم الله ﵎ علي من نعمة
_________________
(١) (التفسير) قال مجاهد وغير واحد نزلت هذه الآية في غزوة تبوك وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدية وحر شديد وعسر من الزاد والماء (قال قتادة) خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبات الحر على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهما يمص هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم واقفلهم من غزوتهم، روى ابن جرير بسنده عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع وحتى أن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع وحتى أن الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه يوجعل ما بقى على كبده فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله إن الله ﷿ قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا، فقال تحب ذلك؟ قال نعم فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سالت السماء فأهطلت ثم سكنت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر، وهذا من معجزاته ﷺ وقد أزال الله عنهم الشدة وأنزل قوله تعالى ﴿لقد تاب الله على النبي﴾ تاب الله أي تجاوز وصفح ومعنى توبته على النبي ﷺ بإذنه للمنافقين بالتخلف عنه في غزوة تبوك، وقال بعض العلماء الأحسن أن يكون من قبيل ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقيل هو بعث على التوبة على سبيل التعريض لأنه ﷺ ممن يستغنى عن التوبة فوصف بها ليكون بعثا للمؤمنين على التوبة على سبيل التعريض وإبانة لفضلها (والمهاجرين والأنصار) أي وتاب عليهم حقيقة لأنه لا ينفك غير المعصوم عن الزلات، أو كانوا يتوبون عن وساوس تقع في قلوبهم (الذين اتبعوه) حقيقة بأن خرج أولا وتبعوه، أو مجازا عن اتباعهم أمره ونهيه (في ساعة العسرة) أي في وقت الشدة الحاصلة لهم في غزوة تبوك، أي من عسر الزاد والماء والظهر والقيظ وبعد الشقة (من بعد ما كان يزيغ) قرأ حمزة وحفص يزيغ بالياء لقوله كاد، وقرأ الآخرون بالتاء والزيغ الميل أي من بعد ما كادت تميل (قلوب فريق منهم) أي قلوب بعضهم ولم يرد الميل عن الدين بل أراد الميل إلى التخلف والانصراف للشدة التي عليهم، قال الكلبي هم ناس بالتخلف ثم لحقوه (ثم تاب عليهم) فإن قيل كيف أعاد ذكر التوبة وقد قال في أول الآية ﴿لقد تاب الله على النبي﴾ قيل ذكر التوبة في أول الآية قبل ذكر الذنب وهو محض الفضل من الله ﷿، فلما ذكر الذنب أعاد ذكر التوبة والمراد منه قبولها (إنه بهم رءوف رحيم) قال ابن عباس من تاب الله عليه لم يعذبه أبدا (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) هذا معطوف على ما قبله تقديرها لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثة الذين خلفوا، أي من غزوة تبوك، وقيل خلفوا أي أرجئ أمر توبتهم وفائدة هذا العطف بيان قبول توبتهم وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكلهم من الأنصار وهم المرادون بقوله تعالى- وآخرون مرجون لأمر الله- (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت)
[ ١٨ / ١٧١ ]
-[اغتباط كعب بن مالك بكونه تحاشى الكذب وذم المنافقين الذين كذبوا الله ورسوله]-
قط بعد أن هداني أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ يومئذ أن لا أكون (١) كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه حين كذبوه فإن الله ﵎ قال للذين كذبوه حين كذبوه شر ما يقال لأحد (٣) فقال الله تعالى ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون، يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ (٣) قال وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا (٤) فبايعهم واستغفر لهم فأرجأ (٥) رسول الله ﷺ أمرنا
_________________
(١) يرحبها أي سعتها وهو مثل للحيرة في أمرهم كأنهم لا يجدون فيها مكانا يقرون فيه قلقا وجزعا (وضاقت عليهم أنفسهم) أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور لأنها خرجت من فرط الوحشة والغم (وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه) وعلموا أن لا ملجأ من سخط الله إلا استغفاره والرجوع إليه بالتوبة (ثم تاب عليهم) بعد خمسين يوما (ليتوبوا) معناه إن الله ﷿ تاب عليهم في الماضي ليكون ذلك داعيا لهم إلى التوبة في المستقبل فيرجعوا ويداوموا عليها (إن الله هو التواب) على عباده (الرحيم) بهم وفيه دليل على أن قبول التوبة بمحض الرحمة والكرم والفضل والإحسان وإنه لا يجب على الله تعالى شيء والله أعلم ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ يعني في مخالفة أمر الرسول (وكونوا مع الصادقين) في إيمانهم دون المنافقين أو مع الذين لم يتخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك، ومع الذين صدقوا في دين الله نية وقولا وعملا كأبي بكر وعمر، والآية تدل على أن الاجتماع حجة لأنه أمر بالكون مع الصادقين فلزم قبول قولهم (١) قال النووي هكذا هو في جميع نسخ مسلم وكثير من روايات البخاري (يعني أن لا أكون) قال العلماء لفظة لا في قوله (أن لا أكون) زائدة ومعناه أن أكون كذبته كقوله تعالى (ما منعك أن لا تسجد إذا أمرتك (وقوله فأهلك) بكسر اللام على الفصيح المشهور وحكى فتحها وهو شاذ ضعيف (٢) أي قال قولا لا شر ما يقال بالإضافة أي شر القول الكائن لأحد من الناس (٣) قال الإمام البغوي في تفسيره يروي أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك كانوا بضعة وثمانين نفرا فلما رجع رسول الله ﷺ جاءوا يعتذرون بالباطل قال الله تعالى ﴿قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم﴾ أي لن نصدقكم ﴿وقد نبأنا الله من أخباركم﴾ فيما سلف ﴿وسيرى الله عملكم ورسوله﴾ في المستأنف أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه ﴿ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون، سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم﴾ أي إذ انصرفتم إليهم من غزوكم ﴿لتعرضوا عنهم﴾ لتصفحوا عنهم ولا تؤنبوهم ﴿فأعرضوا عنهم﴾ فدعوهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق ﴿إنهم رجس﴾ نجس أي إن عملهم قبيح ﴿ومأواهم﴾ في الآخرة ﴿جهنم جزاءا بما كانوا يكسبون﴾ قال ابن عباس نزلت في جد بن قيس ومعتب بن قشير وكانوا ثمانين رجلا من المنافقين فقال النبي ﷺ حين قدم المدينة لا تجالسوهم ولا تكلموهم، وقال مقاتل نزلت في عبد الله بن أبي (يعني ابن سلول رأس المنافقين) حلف للنبي ﷺ بالله الذي لا إله هو لا يتخلف عنه بعدها، وطلب من النبي ﷺ أن يرضى عنه، فأنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ أي فإن رضاكم وحده لا ينفعهم إذا كان الله ساخطا عليهم وكانوا عرضة لعاجل عقوبته وآجلها (٤) أي حلفوا كذبا أن تخلفهم كان لعذر (٥) بالجيم
[ ١٨ / ١٧٢ ]
-[قوله ﷿ ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ الخ السورة]-
حتى قضى الله تعالى: فلذلك قال الله تعالى ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ وليس تخليفه إيانا (١) وأرجاؤه أمرنا مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.
(باب لقد جاءكم رسول الله من أنفسكم إلى آخر السورة) (عن عباد بن عبد الله بن الزبير) (٢) قال أتى الحارث بن خزمة (٣) بهاتين الآيتين من آخر براءة ﴿لقد جاءكم رسول الله من أنفسكم﴾ (٤) إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال من معك على هذا (٥) قال لا أدري والله إني أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ ووعيتها وحفظتها فقال عمر أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ ثم قال لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة (٦) فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها فوضعتها في آخر براءة
_________________
(١) آخره همزة: أي أخره (١) (وليس تخليفه إيانا) هذه الجملة إلى آخر الحديث جاءت هكذا في المسند، وجاءت عند الشيخين (وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه) وعبارة الشيخين أظهر، والمعنى يقول كعب في قوله تعالى ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ ليس معناه أنهم تخلفوا عن الغزو، بل معناه أنه أخر النظر في أمرهم عمن حلف واعتذر وقبل اعتذاره (تخريجه) قال القسطلاني وقد أخرج المؤلف ﵀ (يعني البخاري) حديث غزوة تبوك وتوبة الله على كعب في عشرة مواضع مطولا ومختصرا وسبق بعضها وباقي منها إن شاء الله تعالى في الاستئذان والأحكام (وأخرجه مسلم) في التوبة (وأبو داود في الطلاق وكذا النسائي والله أعلم (باب) (٢) (سنده) حدثنا علي بن بحر حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير الخ (غريبه) (٣) قال الحافظ في تعجيل المنفعة الحارث بن خزمة بن عدي أبو خزمة الأنصاري، ويقال أبو خزيمة، قال الطبري خزمة بالتحريك ويقال ابن خزيمة يكنى أبا بشر، شهد بدرا وأحدا وما بعدها: مات بالمدينة سنة أربعين وله سبع وستون سنة وهو الذي جاء بناقة رسول الله ﷺ حين ضلت بتبوك (٤) سيأتي تفسير الآية في الحديث التالي (٥) أي من يشهد معك على أن هذا من القرآن، والظاهر أن عمر ﵁ قال له ذلك من باب الملاطفة وإلا فإن عمر قد سمعها أيضا من رسول الله ﷺ كما سيأتي في الحديث (٦) لنا تعقيب على هذه الجملة وما بعدها الخ الحديث سيأتي في التخريج (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله ثقات اهـ: وكذلك أورده الحفظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للإمام أحمد ولم يتكلم واحد منهما في تعليله بشيء مع أن هذا الحديث معلول سندا ومتنا (أما السند) فلأن عباد بن عبد الله ابن الزبير لم يدرك قصة جمع القرآن فهو منقطع، ولأنه لم يرو هذه القصة عن الحارث بن خزمة بل أرسل القصة إرسالا، ولأن في إسناده محمد بن إسحاق ثقة لكنه مدلس إذا عنعن لا يحتج بحديثه وقد عنعن في هذا الحديث (وأما المتن) فلأن قوله (لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها) يفيد أن ترتيب السور ووضع الآيات كانت بإرادة الصحابة، وهذا يخالف المتواتر وما جاء في الأحاديث الصحيحة من أن القرآن بلغه النبي ﷺ لأمته سرورا معروفة متصلة وآيات مرتبة معروفة الوضع (وقوله في المتن فوضعتها في آخر براءة) يفهم منه أن الذي وضعها هو الحارث بن خزمة مع أنه لم يكن ممن عهد إليه يجمع القرآن (والصحيح) ما جاء عند الإمام أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم
[ ١٨ / ١٧٣ ]
-[الصحيح أن ترتيب السور والآيات أمر توقيفي لا مجال للرأي فيه]-
(ز) (عن ابن عباس عن أبي) (١) قال آخر آية نزلت ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ الآية (٢)
_________________
(١) من حديث زيد بن ثابت في جمع القرآن قال فوجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ حتى خاتمة سورة براءة (وما رواه الإمام أحمد أيضا) من حديث أبي بن كعب أن النبي ﷺ اقرأه بعد قوله تعالى ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾ قال أن النبي ﷺ اقرأني بعدها آيتين لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة، ثم قال هذا آخر ما نزل من القرآن (وفي حديث زيد بن ثابت) رقم ٨٧ صحيفة ٣٣ من هذا الجزء قال زيد فقدت آية من سورة الأحزاب حين نسختا المصاحف قد كنت اسمع رسول الله ﷺ يقرء بها (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت فألحقتها في سورتها بالمصحف، (قال في شرح السنة) في هذا الحديث البيان الواضح أن الصحابة ﵃ جمعوا بين الدفتين القرآن المنزل من غير أن يكونوا زادوا فيه أو نقصوا منه شيئا باتفاق منهم من غير أن يقدموا شيئا أو يؤخروه، بل كتبوه في المصاحف على الترتيب المكتوب في اللوح المحفوظ بتوقيف جبريل ﵇ على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية بموضعها وأين تكتب اهـ وقصارى القول أن حديث الباب لا يحتج به أصلا، انظر باب ما جاء في تأليف القرآن وجمعه صحيفة ٣١ من هذا الجزء واقرأه هو والباب الذي بعده متنا وشرحا تجد ما يسرك والله الموفق (ز) (١) (سنده) حدثنا محمد بن أبي بكر ثنا بشر بن عمر ثنا شعبة عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس الخ (٢) (التفسير) ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ أي منكم وبلغتكم تعرفون نسبه وحسبه كما قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولا منا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية من زمان آدم ﵇، وقال سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ قال لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، وقال خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، وقد وصل هذا من وجه آخر عن الطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل عن علي قال قال رسول الله ﷺ خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي ولم يمسني من سفاح الجاهلية شيء، وقرأ ابن عباس والزهري وابن محيصن (من أنفسكم) بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم (عزيز عليه ما عنتم) أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها، ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عن النبي ﷺ قال (بعثت بالحنيفية السمحة) رواه الخطيب عن جابر، وفي الصحيح أن هذا الدين يسر وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه (حريص عليكم) أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم (بالمؤمنين رؤوف رحيم بالمطيعين رحيم بالمؤمنين (فإن تولوا) أي أعرضوا عن الإيمان وناصبوك (فقل حسبي الله) كافئ (لا إله إل هو عليه توكلت) أي به وثقت لا بغيره (وهو رب العرش) الكرسي (العظيم) خصه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات (تخريجه) (ك) وأورده الهيثمي وقال رواه عبد الله بن أحمد والطبراني وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ثقة شيء الحفظ وبقية رجاله ثقات اهـ (قلت) ورواه أيضا الحاكم في المستدرك من طريق شعبة عن يونس بن عبيد وعلي بن زيد عن يوسف بن مهران به وقال حديث شعبة
[ ١٨ / ١٧٤ ]
-[قوله ﷿ ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾]-
(سورة يونس) (باب للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (عن صهيب) (١) قال قال رسول الله ﷺ إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا يا أهل الجنة إن لكم موعدا عند الله لم تروه (٢) فقالوا وما هو؟ ألم تبيض وجوهنا وتزحزحنا عن النار (٣) وتدخلنا الجنة؟ قال يكشف الحجاب فينظرون إليه (٤) فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم منه (٥) ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ (٦) (باب لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) (عن عبادة بن الصامت) (٧) أنه سأل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله أرأيت قول الله ﵎ ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ (٨) فقال لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي أو أحد قبلك: قال تلك
_________________
(١) عن يونس بن عبيد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي (باب) (١) (سنده) حدّثنا يزيد بن هارون أنا حما بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب (يعني ابن سنان) الخ (غريبه) (٢) أي بقى شيء زائد مما وعده الله لكم من النعم (وفي رواية مسلم) يقول الله ﵎ تريدون شيئا أزيدكم (٣) أي تنجينا من دخولها، قال الطيبي ﵀ تقرير وتعجيب من أنه كيف يمكن الزيادة على ما أعطاهم الله تعالى من سعة فضله وكرمه (٤) لفظ مسلم فينظرون إلى وجه الله ﷿، والظاهر أن المراد بالحجاب حجاب النور الذي وقع في حديث أبي موسى عند مسلم ولفظه (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلفه) وفي رواية لمسلم أيضا والإمام أحمد وتقدمت في أول باب عظمة الله تعالى وكبريائه الخ في الجزء الأول صحيفة ٣٨ رقم ١٠ بلفظ (حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره) والحجاب أصله في اللغة المنع والستر، وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة والله تعالى منزه على الجسم والحد فالمراد هنا المانع من رؤيته، وسمى ذلك المانع نورا أو نارا لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة لشعاعهما وقد ظهر من نصوص الكتاب والسنة أن الحالة المشار إليها في هذا الحديث هي في دار الدنيا المعدة للفناء دون دار الآخرة المعدة للبقاء، والحجاب في هذا الحديث وغيره يرجع إلى الخلق لأنهم هم المحجوبون عنه (٥) أي من النظر إلى ربهم ﷿ (٦) (التفسير) ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ يخبر الله ﷿ أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح الحسنى في الدار الآخرة كقوله تعالى ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ وقوله (وزيادة) على تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضا، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنة من القصور والحور والرضا عنهم وما أخفاه لهم من قرة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته وقد روى في تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن جمهور الصحابة منهم أبو بكر وحذيفة وعبد الله بن عباس، ومن التابعين منهم سعيد بن المسيب وعطاء والضحاك والحسن وغيرهم من السلف والخلف، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة صحيحة منها حديث الباب وغيره كثير (تخريجه) (م مذ، وغيرهما) (باب) (٧) (سنده) حدثنا عفان ثنا أبان حدثني يحيى (يعني ابن أبي كثير) عن أبي سلمة عن عبادة بن الصامت الخ (٨) (التفسير) أول الآية ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾
[ ١٨ / ١٧٥ ]
-[تفسير قوله ﷿ ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم﴾ الخ]-
الرؤيا الصالحة (١) يراها الرجل الصالح (وفي لفظ يراها المسلم) أو ترى له (عن عطاء بن يسار) (٢) عن رجل من أهل مصر عن أبي الدرداء قال أتاه رجل فقال ما تقول في قول الله ﷿ ﴿لهم البشرى في الدنيا وفي الآخرة﴾ قال لقد سألت عن شيء ما سمعت أحدا سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله ﷺ قال بشراهم في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وبشراهم في الآخرة الجنة (٣) (باب قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل)
_________________
(١) يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما فسرهم بهم فكل من كان تقيا كان لله وليا: قيل هم الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة، أو هم الذين تولى الله هداهم بالبرهان الذي آتاهم فتولوا القيام بحقه والرحمة يخلقه، أو هم المتحابون في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها كما جاء في ذلك أحاديث ستأتي في أبواب الحب في الله من قسم الترغيب (لا خوف عليهم) يعني في الآخرة إذا خاف غيرهم (ولا هم يحزنون) يعني على كل شيء فاتهم من نعيم الدنيا ولذاتها، قال بعض المحققين زوال الخوف والحزن عنهم إنما يجعل لهم في الآخرة لأن الدنيا لا تخلو من غم وهم وحزن، وقال بعض العارفين إن الولاية عبارة عن القرب من الله ودوام الاشتغال بالله، وإذا كان العبد بهذه الحالة لا يخاف من شيء مولا يحزن على شيء لأن مقام الولاية والمعرفة منعه من أن يخاف أو يحزن، وأما قوله ﷾ ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ فقد تقدم تفسيرها وأنه صفة لأولياء الله، وقوله ﷿ ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ اختلف العلماء في هذه البشرى، فقيل هي الرؤيا الصالحة: مستدلين بحديث الباب وبحديث أبي الدرداء الآتي بعده، وقيل المراد بالبشرى في الحياة الدنيا هي الثناء الحسن وفي الآخرة الجنة ويدل على ذلك ما روى عن أبي ذر قال قيل لرسول الله ﷺ أرأيت الرجل يعمل العمل في الخير ويحمده الناس عليه؟ قال تلك عاجل بشرى المؤمن أخرجه مسلم وغيره، وروى ابن جرير بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) قال في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له، وهي في الآخرة الجنة، وقال الزهري وقتاة في تفسير البشرى هي نزول الملائكة بالبشارة من الله عند الموت، ويدل عليه قوله تعالى ﴿تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ وقال عطاء عن ابن عباس البشرى في الدنيا عند الموت تأتيهم الملائكة بالبشارة، وفي الآخرة بعد خروج نفس المؤمن يعرج بها إلى الله تعالى ويبشر برضوان الله تعالى وقال الحسن هي ما بشر الله به المؤمنين في كتابه من جنته وكريم ثوابه ويدل عليه قوله تعالى ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ يعني لا خلف لوعد الله (ذلك هو الفوز العظيم) يعني ما وعدهم به في الآخرة (١) الرؤيا الصالحة أو الحسنة أو الصادقة هي ما فيه بشارة أو تنبيه عن غفلة وأمثال ذلك (يراها الرجل الصالح) أو المسلم كما في الرواية الأخرى وهي أعم أي يراها لنفسه (أو ترى) بصيغة المجهول أي يراها مسلم آخر أي لأجله (تخريجه) (مذ طل جه) وابن جرير الطبري وسكت عنه الترمذي، قال الحافظ وحديث عبادة هذا أخرجه أيضا ابن ماجه وصححه الحاكم ورواته ثقات إلا أن أبا سلمة لم يسمعه من عبادة والله أعلم (٢) (سنده) حدثنا أبو معاوية قال ثنا الأعمش عن أبي صالح عن عطاء بن يسار الخ (غريبه) (٣) هذا الحديث صريح في أن بشرى الدنيا الرؤيا الصالحة وبشرى الآخرة الجنة (تخريجه)
[ ١٨ / ١٧٦ ]
-[قصة غرق فرعون وقومه وعدم قبول إيمانه]-
(عن ابن عباس) (١) قال قال رسول الله ﷺ لما قال فرعون (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) (٢) قال لي جبريل يا محمد لو رأيتني وقد أخذت حالا من حال البحر قدسيته في فيه مخافة أن تناله الرحمة (وعنه من طريق ثان) (٣) أن النبي ﷺ قال إن جبريل كان
_________________
(١) (مذ طل) وقال الترمذي هذا حديث حسن اهـ (قلت) وفي سنده رجل من أهل مصر غير معروف وإنما حسنه الترمذي لكثرة طرقه والله أعلم (١) (سنده) حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس الخ (٢) (التفسير) أول الآية ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) عبرنا بهم (فأتبعهم) لحقهم وأدركهم (فرعون وجنوده) يقال تبعه إذا أدركه، ولحقه وأتبعه بالتشديد إذا سار خلفه واقتدى به، وقيل هما واحد (بغيا وعدوا) أي ظلما واعتداءا، وقيل بغيا في القول وعدوا في الفعل، وكان البحر قد انفلق لموسى وقومه فلما وصل فرعون بجنوده إلى البحر هابوا دخوله فتقدمهم جبريل على فرس وديق (هي التي تشتهي الفجل) وخاض البحر فاقتحمت الخيول خلفه فلما دخل أخرهم وهم أوهم أن يخرج انطبق عليهم الماء (حتى إذا أدركه الغرق) أي غمره الماء وقرب هلاكه قال (آمنت أنه) قرأ حمزة والكسائي إنه بكسر الألف أي آمنت وقلت إنه، وقرآ الآخرون أنه بالفتح أي آمنت بأنه (لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) قال ابن عباس لم يقبل الله إيمانه عند نزول العذاب به وقد كان في مهل، قال العلماء إيمانه غير مقبول، وذلك أن الإيمان والتوبة عند معاينة الملائكة والعذاب غير مقبولين، ويدل عليه قوله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا، وقيل إن فرعون كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع الخالق ﷾، فلهذا قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. فلم ينفعه ذلك لحصول الشك في إيمانه، ولما رجع فرعون إلى الإيمان والتوبة حين أغلق بأيهما بحضور الموت ومعاينة الملائكة قيل له (آلان وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) يعني الآن تتوب وقد أضعت التوبة في وقتها وآثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية. قيل القائل له الآن وقد عصيت الخ هو جبريل ثم دس في فيه من حمأ البحر أي من طينه كما جاء في الحديث (قال لي جبريل يا محمد لو رأيتني وقد أخذت حالا من حال البحر (أي من طينه الأسود) فدسيته في فمه (يعني في فم فرعون) مخافة أن تناله الرحمة) قال ابن عباس وغيره من السلب أن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون فأمر الله تعالى البحر في أن يلقيه بجسده سويا بلا روح، ولهذا قال تعالى (فاليوم ننجيك) أي نر فمك على نجوة من الأرض، وهو المكان المرتفع ليتحققوا موته وهلاكه (ببدنك) قال الحسن بجسم لا روح فيه، وقال عبد الله بن شداد سويا صحيحا أي لم يتمزق لتيحققوه ويعرفوه، وقال أبو صخر بدرعك: وكان له درع مشهور مرصع بالجواهر فرأوه في درعه فصدقوا موسى (لتكون لمن خلفك آية) عبرة وعظة (وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون) (٣) (سنده) حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال رفعه أحدهما إلى النبي ﷺ قال إن جبريل الخ (قلت) وقوله رفعه أحدهما القائل ذلك هو الشعبي يريد أن أحد الراويين وهما عدي بن ثابت وعطاء بن السائب لم يرفعه
[ ١٨ / ١٧٧ ]
-[سورة هود وما جاء فيها من أحوال يوم القيامة وأهواله]-
يدس في فم فرعون الطين مخافة أن يقول لا إله إلا الله (سورة هود) (باب ما جاء في سورة هود من ذكر القيامة وأهوالها) (عن ابن عمر) (١) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى عين (٢) فليقرأ إذا الشمس كورت (٣) وإذا السماء انفطرت (٤) وإذا السماء انشقت وأحسبه (٥) أنه قال سورة هود (باب قال يا نوح ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) (عن أم سلمة) (٦) ﵂ أن رسول الله ﷺ قرأها (إنه عمل غير صالح) (٧)
_________________
(١) وليس فيه طعن في الحديث (تخريجه) أورد الطريق الأولى منه الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للإمام أحمد، ثم قال ورواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم في تفاسيرهم من حديث حماد بن سلمة به، وقال الترمذي حديث حسن اهـ وروى الطريق الثانية منه (مذ طل) وابن جرير من طريق شعبة عن عدي ابن ثابت وعطاء بن الثابت بسند الطريق الثانية وقال الترمذي حسن غريب صحيح اهـ. وهذا الحديث بطريقيه رواته ثقات ليس فيهم متهم وإن كان فيهم من هو سيء الحفظ فقد تابعه عليه غيره (فإن قلت) ففي الطريق الثانية شك في رفعه لأنه قال فيه رفعه أحدهما إلى النبي ﷺ (قلت) ليس يشك في رفعه، إنما هو جزم بأن أحد الرجلين رفعه وشك شعبة في تعيينه هل هو عطاء بن السائب أو عدي بن ثابت وكلاهما ثقة فإذا رفعه أحدهما وشك في تعيينه لم يكن هذا علة في الحديث والله أعلم (باب) (١) (سنده) حدثنا عبد الرزاق أخبرنا عبد الله بن بحير الصنعاني القاص أن عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني أخبره أنه سمع ابن عمر يقول قال رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (٢) معناه من أعجبه أن ينظر إلى أحوال يوم القيامة وأهواله (كأنه يرى عين) تقول جعلت الشيء رأى عينك ويمرءا منك أي حذاءك ومقابلك بحيث تراه، وهو منصوب على المصدر أي كأنه يراه رأى العين (٣) التكوير جمع الشيء بعضه، على بعض ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها إلى بعض فمعنى قوله تعالى كورت أي جمع بعضها على بعض ثم لفت فرمى بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها وصوب هذا القول ابن جرير (٤) أي انشقت كما فسر بذلك في اللفظ الآخر (٥) بفتح السين المهملة وكسرها أي أظنه وإنما خص هذه السورة بالذكر لاشتمالها على ذكر أحوال يوم القيامة وأهواله ففي قراءتها عبرة وعظة وتخويف من هذه الأهوال ليرجع العبد إلى ربه ويعمل للنجاة من أهوال هذا اليوم (تخريجه) أخرجه الترمذي بدو ذكر سورتي الانفطار وهود، والحاكم مقصرا على سورة التكوير وصححه وأقره الذهبي: وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد بإسنادين ورجالهما ثقات، ورواه الطبراني بسناد أحمد اهـ وروى الترمذي عن ابن عباس قال قال أبو بكر يا رسول الله قد شبت؟ قال شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت، قال الترمذي حديث حسن غريب أهو رواه أيضا الطبراني في الأوسط قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح (وعن عقبة بن عامر) أن رجلا قال يا رسول الله قد شبت قال شيبتني هود وأخواتها قال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله الصحيح اهـ قال بعض العلماء سبب شيبه ﷺ من هذه السور المذكورة في الحديث لما فيها من ذكرى القيامة والبعث والحساب والجنة والنار والله أعلم (باب) (٦) (سنده) حدثنا وكيع ثنا هارون النحوي عن ثابت البناني عن شهر بن حوشب عن أم سلمة الخ (٧) (التفسير) أول الآية (ونادى نوح ربه فقال رب أن ابني من أهلي) أي وقد وعدتني أن تنجني وأهلي (وأن وعدك الحق) لا خلف فيه (وأنت أحكم
[ ١٨ / ١٧٨ ]
-[ما جاء في قصة نوح ولوط ﵉ مع قومهما م سورة هود]-
(باب قال لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد)
(عن أبي هريرة) (١) عن النبي ﷺ في قول لوط (لو أن ي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد) (٢) قال النبي ﷺ كان يأوى إلى ركن شديد إلى ربه ﷿ قال النبي ﷺ فما بعث بعده نبي إلا في ثروة من قومه (وعنه من طريق ثان (٣) بنحوه وفيه) قال قد كان يأوى إلى ركن شديد ولكنه عنى عشيرته فما بعث الله ﷿ بعده نبيا إلا بعثه في ذروة (٤) قومه قال أبو عمر فما بعث الله ﷿ نبيا بعده إلا في منعة من قومه (باب وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من
_________________
(١) الحاكمين) يعني أنك حكمت لقوم بالنجاة وحكمت على قوم بالهلاك (قال) الله ﷿ (يا نوح إنه ليس من أهلك) أي ليس من أهل بيتك، لأن أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أو دين (إنه عمل غير صالح) قرأ الكسائي ويعقوب عمل بكسر الميم وفتح اللام غير بفتح الراء على عود الفعل على الابن، ومعناه أن عمل الشرك والكفر والتكذيب وكل هذا غير صالح، وقرأ الياقون عمل بفتح الميم ورفع اللام مع التنوين وغير بضم الراء، ومعناه أن سؤالك إياي أن أنجيه من الغرق عمل غير صالح لأن طلب نجاة الكافر بعدما حكم عليه بالهلاك بعيد (تخريجه) (د مذ) من حديث أسماء بنت يزيد وتقدم في باب ما جاء من القراءة مفصلا صحيفة ٤ رقم ٩٨ من هذا الجزء وسكت عنه أبو داود (وقال المنذري) شهر بن حوشب قد تكلم فيه غير واحد ووثقه الإمام أحمد ويحيى بن معين اهـ (قلت) وذكر الحافظ ابن كثير حديث أسماء بنت يزيد في تفسيرها ثم ذكر حديث أم سلمة وقال إعادة أحمد أيضا في مسند أم سلمة أم المؤمنين والظاهر والله أعلم أنها أسماء بنت يزيد فإنها تكنى بذلك والله أعلم (باب) (١) (سنده) حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة الخ (٢) (التفسير) سبب قول لوط ﵇ (لو أني لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد) إن جبريل ﵇ جاء إلى لوط ومعه طائفة من الملائكة على صورة غلمان مرد حسان بصفة ضيوف فأدخلهم بيته وكان شديد الخوف عليهم من قومه الفسقة الذين كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء ولم يعلم أحد بمجيئهم إلا امرأته، فخرجت الخبيثة فأخبرت قومها وقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأينا مثل وجوههم قط ولا أحسن منهم، فأسرعوا بالمجيء إليه فأغلق الباب دونهم والملائكة معه في الدار فجعلوا يعالجون فتسح الباب، وجعل لوط يناشدهم من وراء الباب بقوله (اتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منك رجل شديد) أي صالح عاقل، فلم يرجعوا عن معالجة الباب فعند ذلك قال (لو أن لي بكم قوة) أي لو أني أقدر أن أتقوى عليكم، يريد قوة البدن أو الأتباع (أو آوى إلى ركن شديد) جواب لو محذوف أي لفعلت بكم ولصنعت، والمعنى لو قويت عليكم بنفسي لقاتلتكم أو أنضم إلى عشيرة يمنعوني منكم أو قوي أستند إليه وأتمنع به فيحميني منكم فشبه القوي الشديد بالركن في الجبل في شدته ومنعته، وقد جاء في حديث الباب عن النبي ﷺ قال (كان يأوي إلى ركن شديد إلى ربه ﷿) قال النبي ﷺ ما بعث بعده نبي إلا في ثروة من قومه (الثروة) العدد الكثير (٣) (سنده) حدثنا أمية ابن خالد ثنا حماد بن سلمة وأبو عمر الضرير المعنى. قال ثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال قال لوط لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد، قال قد كان يأوي إلى ركن شديد يعني الله ﷿ ولكنه الخ (٤) الذروة بكسر الذال المعجمة وسكون الراء من معانيها الثروة والجدة
[ ١٨ / ١٧٩ ]
-[قوله تعالى ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل﴾ الآية وتفسيرها وسبب نزولها]-
الليل) الخ الآية (عن ابن عباس) (١) أن امرأة مغببا (٢) أنت رجلا تشتري منه شيئا فقال ادخلي الدولج (٣) حتى أعطيك فدخلت فقبلها وغمزها (٤) فقال ويحك أني مغيب فتركها وندم على ما كان منه، فأتى عمر فأخبره بالذي فعل فقال ويحك فلعلها مغيب؟ قال فإنها مغيب، قال فائت أبا بكر فاسأله، فأتى أبا بكر فأخبره، فقال أبو بكر ويحكم لعلها مغيب؟ قال فإنها مغيب، قال فائت النبي ﷺ فأخبره، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ لعلها مغيب؟ قال فإنها مغيب، فسكت رسول الله ﷺ ونزل القرآن ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار زلفى من الليل (٥) - إلى قوله للذاكرين﴾ قال فقال الرجل يا رسول الله أهي في خاصة أو في الناس عامة؟ قال فقال عمر لا ولا تعمة عين لك (٦) بل هي للناس عامة، قال فضحك النبي ﷺ وقال صدق عمر (٧)
_________________
(١) والمال المراد هنا الجاه والمنعة كما فسرت في رواية أبي عمر أحد الراويين اللذين روى عنهما الإمام أحمد هذا الحديث، وفسر الإمام النووي قول لوط (لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد) إنه لما اندهش- بحال الأضياف قال ذلك أو أنه التجأ إلى الله في باطنه وأظهر هذا القول الأضياف اعتذارًا اهـ فلما رأت الملائكة ما لقى لوط بسببهم (قالوا يا لوط) ركنك شديد وهو الله ﷿ ﴿إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾ يعني بمكروه فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل ﵇ ربه ﷿ في عقوبتهم فأذن له فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم وهذا معنى قوله ﷿ في آية أخرى ﴿ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر﴾ ثم كان ما قصد الله ﷿ بقوله ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل﴾ إلى آخره القصة (تخريجه) (ق جه) وابن جرير وابن مردويه (١) (سنده) حدثنا مؤمل قال حدثنا حماد قال حدثنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) المغيب والمغيبة التي غاب زوجها (أتت رجلا) هو أبو اليسر بالتحريك كعب بن عمرو والأنصاري كما صرح بذلك ابن جرير في حديثه قال أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمرا فقلت إن في البيت تمرا أجود من هذا فدخلت فأهويت إليها فقبلتها فأتيت عمر الحديث (٣) بفتح المهملة وسكون الواو وفتح اللام، فسره في النهاية بالمخدع وهو البيت الصغير داخل البيت الكبير (٤) جاء في رواية من حديث أبي هريرة أيضا عند الإمام أحمد قال فأدخلتها الدولج فأصبت منها ما دون الجماع (٥) (التفسير) قال ابن عباس طرفا النهار الغداة والعشي يعني صلاة الصبح والمغرب (وزلفا من الليل) أي ساعاته واحدتها زلفة، وقال الحسن (طرفا النهار) الصبح والعصر (وزلفا من الليل) المغرب والعشاء، وقال مقاتل صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف (وزلفا من الليل) يعني صلاة العشاء (إن الحسنات يذهبن السيئات) يعني أن الصلوات الخمس يذهبن الخطيئات الذنوب الصغائر. فقد روى مسلم والإمام أحمد (عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن) زاد في رواية ما لم تغش الكبائر (ذلك) إشارة إلى ما تقدم ذكره من الاستقامة والتوبة، وقيل هو إشارة إلى القرآن ﴿ذكرى للذاكرين﴾ يغني عظة المؤمنين المطيعين (٦) زاد في رواية فضرب عمر صدره بيده فقال ولا نعمة عين ولا قرة عين لك والنون في نعمة بالحركات الثلاث كما في اللسان (٧) يعني أنها للناس عامة (تخريجه) (طب طس)
[ ١٨ / ١٨٠ ]
-[تكفير الذنوب الصغائر بالصلوات الخمس وقوله تعالى ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾]-
(عن عبد الله بن مسعود) (١) قال جاء رجل (٢) إلى النبي ﷺ فقال يا نبي الله إني أخذت امرأة في البستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها قبلتها ولزمتها (٣) ولم أفعل غير ذلك فافعل بي ما شئت، فلم يقل له رسول الله ﷺ شيئا، فذهب الرجل فقال عمر لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه، فأتبعه رسول الله ﷺ بصره فقال ردوه علي، فردوه عليه فقرأ عليه ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ (٤) فقال معاذ بن جبل ﵁ أله وحده أم للناس كافة يا نبي الله (٥) فقال بل للناس كافة (وعنه من طريق ثان (٦) نحوه وفيه) فسكت عنه النبي ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ قال فدعاه النبي ﷺ فقرأها عليه فقال عمر يا رسول الله أله خاصة أم للناس كافة (٧) فقال بل للناس كافة (سورة يوسف) (باب فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) (عن أبي هريرة) (٨) عن النبي ﷺ في قوله ﷿ ﴿ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾
_________________
(١) وابن جرير عن أبي اليسر صاحب القصة ورجاله ثقات وله شواهد كثيرة تعضده (منها) ما رواه الشيخان والإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا نبي الله) الحديث سيأتي بعد هذا (١) (سنده) حدثنا عبد الرزاق حدثنا إسرائيل عن سماك أنه سمع إبراهيم يحدث عن علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود الخ (غريبه) (٢) تقدم في شرح الحديث السابق أنه أبو اليسر (بفتحتين) كعب بن عمرو الأنصاري (٣) أي احتضنها زاد في رواية (وباشرتها) أي باشر جسمه جسمها بغير حائل (٤) تقدم تفسير هذه الآية في شرح الحديث السابق (٥) معناه هل تكفير الذنوب الصغيرة بالصلوات الخمس خاص بهذا الرجل أم للناس كافة؟ فقال ﷺ بل للناس كافة، هكذا تستعمل كافة حالات أي كلهم، ولا يضاف فيقال كافة الناس ولا الكافة بالألف واللام، وهو معدود في تصحيف العوام ومن أشبههم قاله النووي (٦) (سنده) حدثنا وكيع ثنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله (يعني ابن مسعود) قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني لقيت امرأة في البستان فضممتها إلي وباشترها وقبلتها وفعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها، قال فسكت عنه النبي ﷺ الحديث (٧) جاء في الطريق الأولى أن القائل ذلك معاذ بن جبل ولا مانع من أن السؤال صدر من معاذ وعمر لكون أحدهما لم يسمع سؤال الآخر والله أعلم (تخريجه) (ق. والأربعة) واستنبط ابن المنذر من حديث الباب أنه لا أحد على من وجد من أجنبية في لحاف واحد، وفيهما عدم الحد في القبلة ونحوها وسقوط التعذير عمن أتى شيئا منها وجاء تائبا نادما اهـ (قلت) وصاحب القصة جاء إلى النبي ﷺ تائبا نادما قائلا افعل بي ما شئت، بل قد صرح في بعض الروايات أنه ندم على فعله ذلك، نسأل الله أن يتوب علينا من جميع الذنوب وأن يعفو عن سيئاتنا إنه عفو غفور (باب) (٨) (سنده) حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة قال أنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة الخ (قلت) سبب هذا الحديث ما ذكره الله ﷿ في قصة يوسف من رؤيا ملك مصر وعرضها على المعبرين فقالوا (أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) فتذكر الساقي الذي كان مسجونا مع يوسف أن يوسف يحسن تأويل
[ ١٨ / ١٨١ ]
-[قصة يوسف ﵇ مع النسوة اللاتي قطعن أيديهن وتفسير ذلك]-
فقال رسول الله ﷺ لو كنت أنا لأسرعت الإجابة (١) وما ابتغيت العذر (باب قوله ﷿ نرفع درجات من نشاء) (حدثنا عبيد بن أبي قرة) (٢) قال سمعت مالك بن أنس (٣)
_________________
(١) الرؤى فأرسلوه إلى السجن حيث لا يزال يوسف مسجونا ليعبر رؤيا الملك فعبرها بما قصه الله ﷿ في كتابه، فرجع الساقي إلى الملك وأخبره بما أفتاه به يوسف من تأويل رؤياه وعرف الملك أن الذي قاله كائن قال ائتوني به (التفسير) (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول) وقال له أجب الملك أبا أن يخرج مع الرسول حتى تظهر براءته ثم قال (للرسول) (ارجع إلى ربك) يعني سيدك الملك (فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) ولم يصرح بذكر امرأة العزيز أذبا واحتراما (إن ربي بكيدهن عليم) وأبا أن يخرج مع الرسول وأجابه الملك حتى يعرف صحة أمره عندهم مما كانوا قذفوه به من شأن النساء: وحتى لا ينظر إليه بعين التهمة والخيانة، قال السدي قال ابن عباس لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه مازالت في نفس العزيز منه حاجة، يقول هذا الذي رواد امرأته اهـ فدعا الملك النسوة وامرأة العزيز (قال ما خطبكن) أي ما شأنكن وأمركن (إذ راودتن يوسف عن نفسه) خاطبهن والمراد امرأة العزيز، وقيل إن امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بطاعتها فلذلك خاطبهن جميعا (قلن حاش لله) معاذ الله (ما علمنا عليه من سوء) خيانة (قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق) أي ظهر وتبين، وقيل إن النسوة أقبلن على امرأة العزيز فقررنها فأقرت، وقيل خافت أن يشهدن عليها فأقرت وقالت أنا راودته عن نفسه وإنه لم الصادقين في قوله هي راودتني عن نفسي (ذلك ليعلم إني لم أخنه بالغيب) تقول إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي إني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة (وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرء نفسي) تقول المرأة ولست أبرئ نفسي فإن النفس تتحدث وتتمنى ولهذا راودته (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) أي إلا من عصمه الله تعالى ﴿إن ربي غفور رحيم﴾ قال الحافظ ابن كثير في تفسيره وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام، وقد حكاه الماوردي في تفسيره وانتدب لنصره الإمام أبو العباس بن تيمية ﵀ فأفرده بتصنيف على حدة، وقد قيل إن ذلك من كلام يوسف ﵇ يقول ذلك ليعلم إني أخنه في زوجته بالغيب الآيتين، أي إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز إني لم أخنه في زوجته بالغيب وإن الله لا يهدي كيد الخائنين الآية: قال وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه، قال وهكذا قال مجاهد وسعيد ابن جبير وعكرمة وابن أبي الهزيل والضحاك والحسن وقتادة السدى، قال والقول الأول أقوى وأظهر لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف ﵇ عندهم بل عبد ذلك أحضره الملك والله أعلم (١) أي إجابة الداعي بالخروج من السجن (وما ابتغيت العذر) أي ما طلبت البراءة ولا انتظرت ظهورها: يريد ﷺ بذاك وصف يوسف ﵇ بالأناة والصبر حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه رسول الملك بل ﴿قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة﴾ الآية أراد أن يقيم الحجة في حبسهم إياه ظلما، وإنما قال نبينا ﷺ ذلك على سبيل التواضع لا أنه لو كان مكانه كان منه مبادرة إلى الخروج: والتواضع لا يصغر كبيرا ولا يبطل لذي حق حقه لكنه يوجب لصاحبه فضلا يكسبه جلالا وقدرا والأناة وصف المؤمنين فضلا عن سيد المرسلين ﷺ (تخريجه) (ق جه وغيرهم) (باب) (٢) حدثنا عبيد بن أبي قرة الخ) (غريبه) (٣) هو الإمام
[ ١٨ / ١٨٢ ]
-[قصة يوسف مع أخوته واحتياله على أخذ أخيه وتفسير ذلك]-
يقول (نرفع درجات من نشاء) قال بالعلم (١) قلت من حدثك؟ قال زعم (٢) ذاك زيد بن أسلم (٣)
_________________
(١) الجليل عالم المدينة وأحد الأئمة الأربعة ﵏ (١) فسر رفع الدرجات بسبب العلم وهو مستنيط من قوله تعالى ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين آتوا العلم درجات﴾ والقرآن يفسر بعضه بعضا (٢) الزعم يطلق بمعنى القول ومنه زعم سيبويه أي قال، وعليه قوله تعالى ﴿أو تسقط السماء كما زعمت﴾ أي كما أخبرت، ويطلق على الظن، يقال في زعمي كذا، وعلى الاعتقاد، ومنه قوله تعالى ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا﴾ قال الأزهري وأكثر ما يكون فيما يشك فيه اهـ (قلت) والمراد هنا القول لا الشك (٣) هو العدوى المدني التابعي أحد الأعلام من مشايخ الإمام مالك، قال مالك كان زيد يحدث من تلقاء نفسه فإذا قام فلا يجترئ عليه أحد، وثقه الإمام أحمد ويعقوب بن شيبة: مات سنة ست وثلاثين ومائة في ذي الحجة (خلاصة) (تخريجه) إسناد هذا الأثر صحيح، وأورده الحافظ السيوطي في الدر المنثور وعزاه لأبي للشيخ فقط، أما قوله ﷿ ﴿نرفع درجات من نشاء﴾ المذكور في الأثر فقد جاء في سياق قصة يوسف مع إخوته لما قدموا عليه ومعهم إخوة شقيقه بنيامين وأدخلهم كرامته ومنزل ضيافته وأفاض عليهم الصلة والألطاف والإحسان واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه وما جرى له وعرفه أنه أخره وقال له لا تبتئس أي لا تأسف على ما صنعوا بي، وأمره بكتمان ذلك عنهم وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عند معززا مكرما معظما، وتفصيل هذه الحيلة جاء في قوله تعالى ﴿فلما جهزهم بجهازهم﴾ أي حمل لهم أبعرتهم طعاما (جعل السقاية في رجل أخيه) أي أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية وهي إناء من فضة في قول الأكثرين وقيل من ذهب قاله ابن زيد، وكان يشرب فيه ويكيل للناس به من عزة الطعام إذ ذاك، قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقال عكرمة كان مشربة من فضة مرصعة بالجواهر، جعلها يوسف مكيالا لئلا يكال بغيره وكان يشرب منها: والسقاية والصواع واحد فوضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحدهم (ثم أذن مؤذن) أي نادى مناد (أيتها العير) وهي القافلة التي فيها الأحمال (إنكم لسارقون) قالوا وما ذاك؟ قالوا سقاية الملك فقدناها ولانتهم عليها غيركم، فذلك قوله ﷿ (قالوا وأقبلوا عليهم) عطفوا على المنادى وأصحابه (ماذا تفقدون) أي ما الذي ضل عنكم؟ والفقدان ضد الوجدان (قالوا نفقد صواع الملك) أي صاعه الذي يكيل به (ولمن جاء به حمل بعير) من الطعام، وهذا من باب الجعالة (وأنابه زعيم) أي كفيل، يقول المنادي وهذا من باب الضمان والكفالة، ولما اتهمهم أولئك الفتيان بالسرقة قال لهم أخوه يوسف (تالله) أي والله وخصت هذه الكلمة بأن أبدلت الواو فيها بالتاء في اليمين دون سائرا سائرا سماء الله تعالى (لقد علمتم) أي لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة أنا (ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين) أي ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة فقال لهم الفتيان (فما جزاؤه) يعني ما جزاء السارق (إن كنتم كاذبين) في قولكم وما كنا سارقين يعني أي شيء يكون عقوبة السارق أن وجدناه منكم (قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه) أي فالسارق جزاؤه أن يسلم بسرقته إلى المسروق منه فيسترقه سنة، وكان ذلك سنة آل يعقوب في حكم السارق، وكان حكم ملك مصر أن يضرب السارق ويغرم ضعفي قيمة المسروق، فأراد يوسف أن يحبس أخاه عند فرد الحكم إليهم ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم (كذلك نجزي الظالمين) الفاعلين
[ ١٨ / ١٨٣ ]
-[(سورة الرعد) وقوله تعالى ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾]-
(سورة الرعد)
(باب قوله ﷿ إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) (ز) (عن علي ﵁) (١) في قوله ﷿ ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ (٢) قال رسول الله ﷺ المنذر والهاد رجل من بني هاشم
_________________
(١) ما ليس لهم فعله من سرقة مال الغير، فقال الرسول عند ذلك لابد من تفتيش أمتعتكم فأخذ في تفتيشها (وروى) أنه ردهم إلى يوسف فأمر بتفتيش أوعيتهم بين يديه (فبدأ بأوعيتهم) لإزالة التهمة (قبل وعاء أخيه) فكان يفتش أوعيتهم واحدا واحدا (ثم استخرجها من وعاء أخيه) وإنما أنث الكناية في قوله (ثم استخرجها) والصواع مذكر بدليل قوله ولمن جاء به حمل بعير) لأنه رد الكناية هنا إلى السقاية وقيل الصواع يذكر ويؤنث فلما أخرج الصواع من رحل بنيامين نكس أخوته رءوسهم من الحياء فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم وإلزاما لهم بما يعتقدون (كذلك كدنا ليوسف) الكيد المبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة، وقيل كدنا الهمنا، وقيل دبرنا، ومعناه صنعنا ليوسف حتى ضم أخاه إلى نفسه وحال بينه وبين أخوته (ما كان ليأخذ أخاه) فيضمه إلى نفسه (في دين الملك) أي في حكمه قاله قتادة، وقال ابن عباس في سلطانه (إلا أن يشاء الله) يعني أن يوسف لم يتمكن من حبس أخيه في حكم الملك لولا ما كدنا له بطلفنا حتى وجد السبيل إلى ذنب وهو ما أجرى على السنة الإخوة إن جزاء السارق الاسترقاق، فحصل مراد يوسف بمشيئة الله تعالى ﴿نرفع درجات من نشاء﴾ بالعلم كما رفعنا درجات يوسف على أخوته، وقرأ يعقوب يرفع ويشاء بالياء فيهما وإضافة درجات إلى من في هذه السورة، والوجه أن الفعل فيهما مسند إلى الله تعالى، أي يرفع الله درجات من يشاء، وقرأ الباقون بالنون فيهما إلا أن الكوفيين قرءوا درجات بالتنوين ومن سواهم بالإضافة أي نرفع به نحن والرافع أيضا هو الله ﷿ (وفوق كل ذي علم عليم) قال ابن عباس فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى، فالله تعالى فوق كل عالم: والله نسأل أن يعلمنا من لدنه ما لم نعلم وأن يوفقنا لخير العمل (باب) (١) (ز) (سنده) حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا مطلب بن زياد عن السدي عن عبد خير عن علي الخ (٢) (التفسير) أول الآية ﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه يقول تعالى إخبارا عن المشركين إنهم يقولون كفرا وعنادا لولا يأتينا بآية من ربه كما أرسل الأولون كالناقة لصالح والعصا لموسى كما تعنتوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن يزيح عنهم الجبال ويجعل مكانها مروجا وأنهارا علامة وحجة على نبوته قال الله تعالى ﴿إنما أنت منذر﴾ أي إنما عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها وليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء (ولكل قوم هاد) قال العوفي عن ابن عباس في الآية يقول الله تعالى أنت يا محمد منذر، وأنا هادي كل قوم، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد، وعن مجاهد (ولكل قوم هاد) أي يعني كقوله وأن من أمة إلا خلا فيها نذير، وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد، وقال عكرمة والضحاك الهادي محمد يقول: إنما أنت منذر وأنت هاد لكل قوم أي داع، ويؤيد هذا القول قول النبي ﷺ في الحديث (المنذر والهاد رجل من بني هاشم) وقال الجنيد الهادي هو على بن أبي طالب، قال ابن أبي حاتم ورى عن ابن عباس في إحدى الروايات وعن أبي جعفر محمد بن على نحو ذلك (قلت) وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال لما نزلت
[ ١٨ / ١٨٤ ]
-[قوله ﷿ ﴿ويسبح الرعد بحمده﴾ وكلام العلماء في ذلك]-
(باب قوله ﷿ ويسبح الرعد بحمده) (عن ابن عباس) (١) قال أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا يا أبا القاسم أنا نسألك عن خمسة أشياء فذكر الحديث، وفيه قالوا أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال ملك من ملائكة الله ﷿ موكل بالسحاب بيداه وفي يده مخراق من نار (٢) يزجر به السحاب يسوقه حيث أمر الله، قالوا فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال صوته، قالوا صدقت
_________________
(١) (إنما أنت منذر ولكل قوم) هاد قال وضع رسول الله ﷺ يده على صدره وقال أنا المنذر ولكل قوم هاد وأومأ بيده إلى منكب علي فقال أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي، قال الحافظ ابن كثير وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد جمع الإمام ابن جرير في تفسيره بين هذه الأقوال فقال معنى الهداية إنه الإمام المتبع الذي يقدم القوم، فإذا كان ذلك فجائز أن يكون ذلك هو الله الذي يهدي خلقه ويتبع خلقه هداه ويأتمون بأمره ونهيه، وجائز أن يكون نبي الله الذي تأتم به أمته، وجائز أن يكون إماما من الأئمة يأتم به ويتبع منهاجه وطريقته أصحابه، وجائز أن يكون داعيا من الدعاة إلى خير أو شر وإذا كان ذلك كذلك فلا قول أولى في ذلك بالصواب من أن يقال كما قال جل ثناؤه إن محمدا هو المنذر من أرسل إليه بالإنذار وأن لكل قوم هاديا يهديهم فيتبعونه ويأتمون به والله أعلم (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه عبد الله بن أحمد والطبراني في الصغير والأوسط ورجال المسند ثقات اهـ، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه لابن أبي حاتم فقط وغفل عن عزوه للمسند، أو لم يطلع عليه والله أعلم (باب) (١) (عن ابن عباس الخ) هذا طرف من حديث طويل تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب من كان عدوا لجبريل رقم ١٦٥ صحيفة ٧٣ من هذا الجزء وهو حديث صحيح ورواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب: وإنما ذكرت هذا الطرف منه هنا لمناسبة قوله تعالى في هذه السورة ﴿ويسبح الرعد بحمده﴾ وأول الآية قوله ﷿ ﴿هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال، ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال﴾ (التفسير) (هو الذي يريكم البرق) يخبر تعالى أنه هو الذي يسخر البرق وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلل السحاب (خوفا وطمعا) قيل خوفا من الصاعقة وطمعا في نفع المطر، وقيل الخوف المسافر يخاف منه الأذى والمشقة، والطمع المقيم يرجو منه البركة والمنفعة وقيل الخوف من المطر في غير مكانه وإبانة، والطمع إذا كان في مكانه وإبانه، ومن البلدان ما إذا أمطروا قحطوا وإذا لم يمطروا خصبوا (وينشئ السحاب الثقال) بالمطر أي ويخلقها منشأة جديدة وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض، قال مجاهد السحاب الثقال الذي فيه الماء (ويسبح الرعد بحمده) كقوله تعالى ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده، والرعد هو الصوت الذي يسمع من السحاب قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين الرعد اسم ملك يسوق السحاب، والبرق لمعان سوط من نور يزجر به الملك السحاب وقيل الصوت زجر السحاب، وقيل تسبيح الملك، وقيل صوت انهراق الريح بين السحاب، قال البغوي والأول أصح يعني قول علي وابن عباس وهو الموافق لحديث الباب، (٢) (مخراق من نار) هو المعبر عن هنا في قول علي وابن عباس (بسوط من نور) وسواء كان من نار أو نور فالمراد به الضوء، روى عن ابن عباس أنه قال من سمع صوت الرعد فقال سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو
[ ١٨ / ١٨٥ ]
-[قوله ﷿ ﴿ويسقى من ماء صديد﴾]-
(سورة إبراهيم) (باب قوله ﷿ ويسقى من ماء صديد الخ) (عن أبي أمامة) (١) عن النبي ﷺ في قوله ﷿ ﴿ويسقى من ماء صديد يتجرعه﴾ (٢) قال يقرب إليه فيتكرهه
_________________
(١) على كل شيء قدير فإن إصابته صاعقة فعلي ديته (وعن عبد الله بن الزبير) عن أبيه قال كان رسول الله ﷺ إذا سمع الرعد والصواعق قال اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك رواه (حم م) والبخاري في الأدب والنسائي في اليوم والليلة (وقال الأوزاعي) كان ابن أبي زكريا يقول من قال حين يسمع الرعد سبحان الله وبحمده لم تصبه صاعقة (وعن عبد الله بن الزبير) أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويقول إن هذا الوعيد شديد لأهل الأرض: رواه مالك في الموطأ والبخاري في الأدب (والملائكة من خيفته) أي تسبح الملائكة من خيفة الله ﷿ وخشيته، وقيل أراد بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد جعل الله تعالى له أعوانا فهم خائفون خاضعون طائعون (ويرسل الصواعق) جمع صاعقة وهي نار تخرج من السحاب (فيصيب بها من يشاء) كما أصاب أربد بن ربيعة، قال محمد بن علي الباقر الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر (وهم يجادلون) أي يخاصمون (في الله) نزلت في شأن أربد بن ربيعة حيث قال للنبي ﷺ مم ربك؟ أمن در أم من ياقوت أم من ذهب؟ فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته (وهو شديد المحال) أي شديد الأخذ، وقال مجاهد شديد القوة، وقال أبو عبيدة شديد المقوية، وقيل شديد المكر والمحال (والمماحلة) المماكرة والمغالبة والله أعلم. (سورة إبراهيم) (باب) (١) (سنده) حدثنا علي بن إسحاق أنا عبد الله أنا صفوان بن عمرو عن عبيد الله ابن يسر عن أبي أمامة الخ (٢) (التفسير) أول الآية وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا) بخبر الله تعالى عم توعدت به الأمم الكافرة رسلهم من الإخراج من أرضهم والنفي من بين أظهرهم كما قال قوم شعيب له ولمن أمن به لتخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا الآية، وكما قال قوم لوط: أخرجوا آل لوط من قريتكم الآية، وقال تعالى أخبارا عن مشركي قريش، وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها الآية، وقال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (أو لتعودن في ملتنا)﴾ يعنون إلا أن ترجعوا أو حتى ترجعوا إلى ديننا ﴿فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم﴾ أي بعد هلاكهم ﴿ذلك لمن خاف مقامي﴾ أي قيامه بين يدي كما قال: ولمن خاف مقام ربه جنتان: فأضاف قيام العبد إلى نفسه كما تقول ندمت على ضربك أي على ضربي إياك (وخاف وعيد) أي عقابي (واستفتحوا) قال مجاهد وقتادة يعني الرسل وذلك أنهم لما يئسوا من إيمان قومهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب كما قال نوح: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا: وقال موسى ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم الآية: (وخاب) خسر وقيل هلك (كل جبار عنيد) الجبار الذي يجبر الخلق على مراده: والعنيد المعاند للحق ومجانبه (من روائه جهنم) أي أمامه كقوله تعالى: وكان وراءهم ملك أي أمامهم، قال أبو عبيدة هو من الأضداد، وقال مقاتل من ورائه جهنم أي بعده (ويسقى من ماء صديد) أي من ماء هو صديد، وهو ما يسل من أبدان الكفار من القيح والدم، وقال محمد بن كعب ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر (يتجرعه) أي يتحساه ويشربه لا بمرة واحدة بل جرعة جرعة لمرارته
[ ١٨ / ١٨٦ ]
-[قوله تعالى ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ الخ]-
فإذا دنا منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، وإذا شربه قطع أمعاءه (١) حتى خرج من دبره يقول الله ﷿ ﴿وسقوا ماء حميما (٢) فقطع أمعاءهم﴾ ويقول الله ﷿ ﴿وأن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل (٣) يشوي الوجوه بئس الشراب﴾ (باب ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت الخ) (عن ابن عمر) (٤) عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في قوله (كشجرة طيبة) (٥) قال هي التي لا تنفض ورقها فظننت أنها النخلة (٦)
_________________
(١) وحرارته (وقد فسر في الحديث بأنه يقرب إليه فيتكرهه فإذا دنا منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه: فروة الرأس والوجه جلدته (١) أي مصارينه وهو جمع معى بالقصر (٢) أي شديد الحرارة (٣) أي كعكر الزيت يشوي الوجوه من حره إذا قرب إليها (ولا يكاد يسيغه) أي يزدرده لقبحه وكراهته (ويأتيه الموت) أي أسبابه المقتضية له من أنواع العذاب (من كل مكان) من أعضائه، قال إبراهيم التيمي حتى من تحت كل شعرة من جسده (وما هو بميت) فيستريح (ومن ورائه) أي بعد ذلك العذاب (عذاب غليظ) قوي شديد متصل، وقيل العذاب الغليظ الخلود في النار يعوذ بالله من ذلك (تخريجه) الحديث رجاله ثقات وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للإمام أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم (قلت) وأورده البغوي أيضا في تفسيره والله ﷾ أعلم. (باب) (٤) (سنده) حدثنا حجاج حدثنا شريك عن سلمة بن كهيل عن مجاهد عن ابن عمر الخ (٥) أول الآية ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون﴾ (٦) (التفسير) ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا﴾ أي لم تعلم، والمثل قول سائر لتشبيه شيء (كلمة طيبة) هي قول لا إله إلا الله (كشجرة طيبة) هي النخلة يريد كشجرة طيبة الثمرة (أصلها ثابت) في الأرض (وفرعها) أعلاها (في السماء) أي مرتفع إلى جهة السماء: كذلك أصل هذه الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق فإذا تكلم بها عرجت فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله ﷿، قال تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه (تؤتي أكلها) أي تعطى ثمرها (كل حين بإذن ربها) والحين في اللغة هو الوقت وفيه أقوال كثيرة والظاهر أن المراد به هنا كل غدوة وعشي لأن ثمر النخل يؤكل أبدًا ليلا ونهارا أما تمرا أو رطبا أو عجوة كذلك عمل المؤمن يصعد أول النهار وآخره هو بركة إيمانه لا تنقطع أبدًا بل تصل إليه في كل وقت، قيل والحكمة في تشبيهها بالنخلة من سائر الأشجار أن النخلة أشبه الأشجار بالإنسان من حيث أنها إذا قطع رأسها يبست وسائر الأشجار تتشعب من جوانبها بعد قطع رءوسها، ولأنها تشبه الإنسان في أنها لا تحمل إلا بالتلقيح، ولأنها خلقت من فضل طينة آدم ﵇، ولذلك يروى عن النبي ﷺ أنه قال أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من فضيلة طينة أبيكم آدم الحديث رواه أبو يعلى وابن أبي حاتم والعقيلي وابن عدي وابن السني وأبو نعيم وابن مردويه عن علي وإن كان ضعيفا لكنه يعتضد بكثرة طرقه، وقد أشار النبي ﷺ إلى النخلة في حديث الباب بقوله هي التي لا تنفض ورقها أي لا يسقط ورقها صيفا ولا شتاء بخلاف غيرها من الشجر فإنه يسقط ورقه في زمن الشتاء (٦) ظن ابن عمر أنها النخلة ولكنه لم يقل ذلك لصغره وتأدبا واحتراما لأبي بكر وعمر
[ ١٨ / ١٨٧ ]
-[قوله تعالى ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾]-
(باب يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)
(عن البراء بن عازب) (١) عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال ذكر عذاب القبر يقال له (٢) من ربك فيقول الله ربي ونبيي محمد (٣) فذلك قوله تعالى ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت (٤) في الحياة الدنيا﴾ يعني بذلك المسلم (زاد في رواية) وفي الآخرة (باب يوم تبدل الأرض غير الأرض الآية) (عن مسروق) (٥) قال قالت عائشة أنا أول الناس سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار﴾ (٦) قالت فقلت أين الناس يومئذ يا رسول الله؟
_________________
(١) لأنهما كانا بالمجلس فقد روى الإمام أحمد والبخاري وغيرهما عن نافع عن ابن عمر قال كنا عند رسول الله ﷺ فقال أخبروني بشجرة شبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها صيفا ولا شتاء وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، قال ابن عمر فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله ﷺ: هي النخلة: فلما قمنا قلت لعمر يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة فقال ما منعك أن تتكلم؟ قلت لم أركم تتكلمون فكرهت أن أتكلم وأقول شيئا، قال عمر لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا (تخريجه) حديث الباب أورده الهيثمي بدون قول ابن عمر (فظننت أنها النخلة) وقال رواه أحمد ورجاله ثقات وقال لابن عمر حديث في الصحيح غير هذا (قلت) هو الذي ذكرته آنفا، وحديث الباب أورده أيضا الحافظ السيوطي في الدر المنثور وعزاه للإمام أحمد وابن مردويه بسند جيد (باب) (١) (سنده) حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعيد بن عبيدة عن البراء بن عازب الخ (غريبه) (٢) أي يقول الملكان لصاحب القبر بعد إعادة روحه إلى جسده يسألانه عن ربه ونبيه (٣) هكذا يقول العبد الصالح المسلم، وأما الكافر والمنافق فيتلعثم ولا يدري ما يقول (٤) (التفسير) (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) أي كلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله التي ثبتت بالحجة عندهم (في الحياة الدنيا) قبل الموت كما ثبت في الذين فتنهم أصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير (وفي الآخرة) في القبر بعد إعادة روحه في جسده وسؤال الملكين له، وإنما حصل لهم الثبات في القبر يسبب مواظبتهم في الدنيا على هذا القول، ولا يخفى أن كل شيء كانت المواظبة عليه أكثر كان رسوخه في القلب أتم، وهذا قول أكثر المفسرين (وقيل) في الحياة الدنيا في القبر عند السؤال، وفي الآخرة عند البعث إذا سئلوا عن معتقدهم في الموقف فلا يتلعثمون ولا تدهشهم أهول القيامة، قال البغوي والأول أصح، وجاء في عذاب القبر أحاديث كثيرة تقدمت بسندها وشرحها وكلام العلماء في ذلك في أبواب عذاب القبر في الجزء الثامن صحيفة ٦٠١ فارجع إليه والله الموافق: اللهم ثبتنا على دينك بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ونجنا من عذاب القبر وما بعده بمنك وكرمك وفضلك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين (تخريه) (ق. والأربعة) (باب) (٥) (سنده) حدثنا ابن أبي عدي عن داود عن الشعبي عن مسروق قال قالت عائشة الخ (٦) (التفسير) قال صاحب فتح البيان في تفسيره هذه الآية (يوم) أي اذكر وارتقب يوم (تبدل
[ ١٨ / ١٨٨ ]
-[قوله ﷿ ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾]-
قال على الصراط (١) (سورة الحجر) (باب ولقد علمنا المستقدمين منكم الخ) (عن ابن عباس) (٢) قال كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله ﷺ قال فكان بعض القوم يستقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف
_________________
(١) الأرض) المشاهدة (غير الأرض والسماوات) والتبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم بالدنانير، وقد يكون في الصفات كما في بدلت الحلقة خاتما والآية تحتمل الأمرين، وبالثاني قال الأكثر أي وتبدل السموات غير السموات لدلالة ما قبله عليه على الاختلاف الذي مر، وتقديم تبديل الأرض لقربانها ولكون تبديلها أعظم أثرا بالنسبة إلينا كما أخرج مسلم وغيره من حديث ثوبان قال جاء رجل من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقال أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ فقال رسول الله ﷺ في الظلمة دون الجسر، وأخرج مسلم وغيره من حديث عائشة فذكر. حديث الباب وفيه فقلت أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال على الصراط، وللإمام أحمد عن عائشة أيضا أنها سألت رسول الله ﷺ عن قول الله ﷿: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات: قالت قلت فأين الناس يومئذ؟ قال لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي، ذاك إذ الناس على جسرهم، قال في فتح البيان والصحيح على هذا إزالة عين هذه الأرض (وأخرج البزار) وابن المنذر والطبراني في الأوسط والبيهقي وابن عساكر وابن مردويه عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ في قول الله: يوم تبدل الأرض غير الأرض: قال أرض بيضاء، كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل بها خطيئة، قال البيهقي والموقوف أصح، وفي الباب رواايت وقد روى نحوها ذلك عن جماعة من الصحابة، وثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي (قلت) قال النووي العفراء العين المهملة والمد بيضاء إلى حمرة والنقي بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء هو الدقيق الحوري وهو الدرمك وهو الأرض الجيدة قال القاضي كأن النار غيرض بياض وجه الأرض إلى الحمرة اهـ قال في فتح البيان وقد أطال القرطبي في بيان ذلك في تفسيره وفي تذكرته، وحاصله أن هذه الأحاديث نص في أن الأرض والسماوات تبدل وتزال ويخلق الله أرضا أخرى تكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر وهو الصراط لا كما قال كثير من الناس أن تبديل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها وتسوية آكامها ونسف جبالها ومد أرضها، ثم قال وذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب الإفصاح إنه لا تعارض بين هذه الآثار وأنهما تبدلان كسرتين إحداهما هذه الأولى قيل نفخة الصعق، والثانية إذا وقفوا في المحشر وهي أرض عفراء من فضة لم يسفك عليها دم حرام ولا جرى عليها ظلم، ويقوم الناس على الصراط على متن جهنم، ثم ذكر في موضع آخر من التذكرة ما يقتضي أن الخلائق وقت تبديل الأرض تكون في أيدي الملائكة رافعين لهم عنها اهـ والله أعلم (وبرزوا) أي خرجوا من قبورهم (لله الواحد القهار) الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (١) قال الحافظ وعند مسلم من حديث ثوبان مرفوعا يكونون في الظلمة دون الجسر وجمع بينهما البيهقي بأن المراد بالجسر الصراط وأن في قوله على الصراط مجاز لكونهم يجاوزونه لأن في حديث ثوبان زيادة يتعين المصير إليها لثبوتها وكأن ذاك عند الزجرة التي تقع عند نقلهم من أرض الدنيا إلى أرض الموقف، ويشير إلى ذلك قوله تعالى ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم﴾ اهـ (تخريجه) (م مذ جه). (باب) (٢) (سنده) حدثنا سريج حدثنا نوح بن قيس عن عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء
[ ١٨ / ١٨٩ ]
-[قوله تعالى ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني﴾ وقوله ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ الخ]-
المؤخرة، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله في شأنها ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾ (١) (باب) ولقد آتيناك سبعا من المثاني﴾ (عن أبي هريرة) (٢) عن النبي ﷺ قال أم القرآن هي أم القرآن وهي السبع المثاني وهي القرآن العظيم (وعنه بلفظ آخر) عن رسول الله ﷺ قال الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني (ز) (وعنه أيضا) عن أبي بن كعب قال قال رسول الله ﷺ ما أنزل الله ﷿ في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل (سورة النحل) (باب إن الهل يأمر بالعدل والإحسان الآية) (عن عبد الله بن عباس) (٣) قال بينما رسول الله ﵌ بفناء بيته بمكة جالس إذ مر به عثمان بن مظعون فتكشر (٤) إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ ألا تجلس؟ قال بلى، قال فجلس رسول الله ﷺ
_________________
(١) عن ابن عباس الخ (١) (التفسير) قال الإمام البغوي في تفسيره قال ابن عباس أراد بالمستقدمين الأموات وبالمستأخرين الأحياء، وقال الشعبي الأولين والآخرين، وقال عكرمة المستقدمون من خلق الله والمستأخرون من لم يخلق الله، قال مجاهد المستقدمون القرون الأولى، والمستأخرون أمة محمد ﷺ وقال الحسن المستقدمون في الطاعة والخيرات والمستأخرون المبطئون فيها، وقيل المستقدمون في الصفوف في الصلاة، والمستأخرون فيها، وذلك أن النساء كن يخرجن إلى صلاة الجماعة فيقفن خلف الرجال فربما كان من الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى آخر صفوف الرجال ليقرب من النساء، ومن النساء من كانت في قلبها ريبة فتتقدم إلى أول صفوف النساء لتقرب من الرجال فأنزلت هذه الآية فقال النبي ﷺ خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها: وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها: رواه (م حم والأربعة) وتقدم في باب الحث على تسوية الصفوف من أبواب صلاة الجماعة في الجزء الخامس صحيفة ٣٠٧ رقم ١٤٥٥، وقد صرح في حديث الباب أن سبب نزول هذه الآية قصة المرأة المذكورة ولذلك ذكره الحافظ السيوطي في كتابه لباب النقول في أسباب النزول ثم قال، وأخرج ابن مردويه عن داود بن صالح أنه سأل سهل بن حنيف الأنصاري: ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين: أنزلت في سبيل الله؟ قال لا ولكنها في صفوف الصلاة والله أعلم (تخريجه) (مذ نس جه طل ك جز حب هق) وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال عمرو بن علي (يعني الفلاس) لم يتكلم أحد في نوح ابن قيس الطاحي بحجة اهـ (قلت) وأقره الذهبي وقال هو صدوق خرج له مسلم (باب) (٢) هذا الحديث والذي بعده تقدما بسنديهما وشرحهما وتخريجهما في باب سورة الفاتحة وما ورد في فضلها صحيفة ٦٦ و٦٧ من هذا الجزء وإنما ذكرتهما هنا لمناسبة قوله تعالى ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾ وتقدم الكلام في تفسير هذه الآية وما قاله العلماء في المراد بالسبع المثاني في الباب المشار إليه فارجع إليه. (باب) (٣) (سنده) حدثنا أبو النضر قال حدثنا عبد الحميد حدثنا شهر حدثنا عبد الله بن عباس الخ (غريبه) (٤) هكذا بالأصل المطبوع (فتكشر) وفي نسخة مخطوطة (فكشر) ومعناه تبسم وهو الموافق لسائر المصادر. قال في النهاية الكشر (بسكون المعجمة) ظهور الأسنان للضحك وكاشره إذا
[ ١٨ / ١٩٠ ]
-[تفسير ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ الخ وسبب إسلام عثمان بن مظعون]-
مستقبله فبينما هو يحدثه إذا شخص (١) رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء فنظر ساعة إلى السماء فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض فتحرف (٢) رسول الله ﷺ عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره وأخذ ينغض (٣) رأسه كأنه يستفقه (٤) ما يقال له وابن مظعون ينظر فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له شخص بصر رسول الله ﷺ إلى السماء كما شخص أول مرة فأتبعه بصره حتى توارى في السماء فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى قال يا محمد فيم كنت أجالسك وآتيك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة، قال وما رأيتني فعلت؟ قال رأيتك تشخص ببصرك إلى السماء ثم وضعته حيث وضعته على يمينك فتحرفت إليه وتركتني فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئا يقال لك، قال وفطنت لذلك؟ قال عثمان نعم، قال رسول الله ﷺ أتاني رسول الله (٥) آنفا وأنت جالس قال رسول الله؟ قال نعم، قال فما قال لك؟ قال ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون﴾ (٦) قال عثمان (٧) فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا ﷺ (عن عثمان بن العاص) (٨) قال كنت عند رسول الله ﷺ جالسا إذا شخص ببصره ثم صوبه حتى كاد أن يلزقه بالأرض
_________________
(١) ضحك في وجهه وباسطه (١) أي نظر (٢) أي انحرف بالفاء (٣) بكسر الغين المعجمة أي يحركه ويميل إليه (٤) أي يستفهم (٥) يعني جبريل ﵇ وقوله آنفا بمد الهمزة أي قريبا (٦) (التفسير) (إن الله يأمر بالعدل) بالإنصاف في كل شيء (والإحسان) إلى الناس، وعن ابن عباس العدل التوحيد والإحسان أداء الفرائض، وعنه أيضا الإحسان الإخلاص في التوحيد وذلك معنى قول النبي ﷺ (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه) وقال مقاتل العدل والتوحيد والإحسان العفو عن الناس (وإيتاء ذي القربى) صلة الرحم (وينهى عن الفحشاء) ما قبح من القول والفعل، وقال ابن عباس الزنا (والمنكر) ما لا يعرف في شريعة ولا سنة (والبغي) الكبر والظلم، وقال ابن عيينة العدل استواء السر والعلانية، والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته (يعظكم لعلكم تذكرون) لعلكم تتعظون، قال ابن مسعود أجمع آية في القرآن هذه الآية، وقال أيوب عن عكرمة أن النبي ﷺ على الوليد إن الله يأمر بالعدل إلى آخر الآية فقال له يا ابن أخي أعد فعاد عليه فقال إن له والله لحلاوة وإن عليه لطلاوة. وإن أعلاه لمثمر. وإن أسفله لمغدق. وما هو بقول البشر. (٧) عثمان هو ابن مظعون بن حبيب الجمحي من المهاجرين الأولين السابقين إلى الإسلام أسلم بمكة بعد ثلاثة عشر رجلا وهاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة وشهد بدرا ثم مات عقبة في سنة اثنين من الهجرة، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين وأول من دفن بالبقيع منهم، أثنى عليه النبي ﷺ بقوله لبنته زينب حين ماتت (الحقي بسلفنا الصالح الخير عثمان بن مظعون) (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني، وشهر وثقه أحمد وجماعة وفيه ضعف لا يضر وبقية رجاله ثقات اهـ وأورده أيضا الحافظ ابن كثير في تفسيره بسنده ومتنه وعزاه للإمام أحمد وقال إسناد جيد متصل حسن قيد بين فيه السماع المتصل، ورواه ابن أبي حاتم من حديث عبد الحميد بن بهرام مختصرا (٨) (سنده) حدثنا أسود
[ ١٨ / ١٩١ ]
-[قوله ﷿ ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ الآية]-
قال ثم شخص ببصره فقال أتاني جبريل ﵇ فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة (١) ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ (باب وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) الآية (ز) (عن أبي بن كعب) (٢) قال لما كان يوم أحد قتل من الأنصار أربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة (وفي رواية وحمزة فمثلوا (٣) بقتلاهم) فقال أصحاب رسول الله ﷺ لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنربين عليهم (٤) فلما كان يوم الفتح قال رجل لا يعرف لا قريش بعد اليوم، فنادى مناد إن رسول الله ﷺ أمن الأسود والأبيض إلا فلانا وفلانا سماهم (٥) فأنزل الله ﵎ ﴿وإن عاقبتم (٦) فعاقبوا بمثل ما قوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ فقال
_________________
(١) ابن عامر ثنا هريم عن ليث عن شهر بن حوشب عن عثمان بن أبي العاص الخ (١) فيه دلالة على أن وضع آيات القرآن وترتيبها في سورها كان في عهد النبي ﷺ وأنه أمر توقيفي لا مجال للرأي فيه، (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد وإسناده حسن (باب) (ز) (٢) (سنده) حدثنا أبو صالح هدية بن عبد الوهاب المروزي ثنا الفضل بن موسى عيسى بن عبيد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب الخ (غريبه) (٣) أي مثل الكفار بالذين أصيبوا من الأنصار والمهاجرين يقال مثلت بالحيوان أمثل به مثلا إذا قطعت أطرافه وشوهت به، ومثلت بالقتيل إذا جدعت أنفه وأذنه أو مذاكيره أو شيئا من أطرافه والاسم المثلة فأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة (نه) (٤) من الإرباء أي لنزيدن ولنضاعفن عليهم في التمثيل (٥) جاء في حديث سعد عند النسائي قال لما كان يوم فتح مكة من الرسول ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل. ومقيس بن صبابة. وعبد الله بن سعد بن أبي السرح الحديث (٦) (التفسير) (وإن عاقبتم) أيها المؤمنون م ظلمكم واعتدى عليكم (فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) أي فعاقبوا الذي ظلمكم بمثل الذي نالكم به ظالمكم من العقوبة لا تزيدون شيئا، وهذه الآية لها أمثال في القرآن فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل كما في قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها: ثم قال فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾: وقال في هذه الآية وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به: ثم قال ﴿ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ أي ولئن عفوتم لهو خير للعافين، فقال النبي ﷺ نصبر ولا نعاقب، قال ابن عباس والضحاك كان هذا قبل نزول براءة حين أمر النبي ﷺ بقتال من قاتله ومنع من الابتداء بالقتال، فلما أعز الله الإسلام وأهله نزلت براءة وأمروا بالجهاد ونسخت هذه الآية، قال النخعي والثوري ومجاهد وابن سيرين الآية محكمة، نزلت فيمن ظلم بظلامة فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما نال الظالم منه، أمر بالجزاء والعفو ومنع من الاعتدء ثم قال عز من قائل ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ تأكيدا للأمر بالصبر وإخبارا بأن ذلك لا ينال إلا بمشيئة الله وإعانته وحوله وقوته ثم قال (ولا تحزن عليهم) أي على من خالفك فإن الله قدر ذلك (ولا تك في ضيق) أي غم (مما يمكرون) أي مما يجهدون أنفسهم في عداوتك وإيصال الشر إليك فإن الله كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك بهم ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ أي معهم بتأييده ونصره ومعونته وهديه (تخريجه) (نس مذ حب طب ك هق)
[ ١٨ / ١٩٢ ]
-[قوله تعالى ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات﴾ وقوله ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك﴾ الخ]-
رسول الله ﷺ نصبر ولا نعاقب (سورة الإسراء) (باب وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون) (عن ابن عباس) (١) قال سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا (٢) وأن ينحى الجبال عنهم فيزدرعوا، فقيل له إن شئت أن تستأنثى بهم (٣) وإن شئت أن تؤتيهم الذين سألوا فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم (٤) قال لا بل استأنى بهم (٥) فأنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات (٦) إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة) (باب وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة الناس) (عن عكرمة) (٧) عن ابن عباس في قوله ﷿ ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) (٨) قال هي رؤيا
_________________
(١) وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب من حيث أبي بن كعب اهـ (قلت) وصححه الحكم وأقره الذهبي وهو من زوائد عبد الله بن الإمام أحمد على مسند أبيه رحمهما الله (باب) (١) (سنده) حدثنا عثمان بن محمد (قال عبد الله بن الإمام أحمد) وسمعته أنا من حدثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) أي طلبوا أن يحول لهم بل الصفا الموجود بمكة من حجر إلى ذهب (وأن ينحى الجبال عنهم) أي يزيلها من أماكنها (فيزدرعوا) أي فيزرعوا مكانها (٣) أي تنتظر وتتربص، يقال أنيت وتأنيت واستأنيت (٤) يعني مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم (٥) إنما اختار ذلك ﷺ رحمة بهم ورجاء إسلام كثير منهم (٦) (التفسير) ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات﴾ أي التي سألها كفار قولك (إلا أن كذب بها الأولون) أي فأهلكناهم فإن لم يؤمن قومك بعد إرسال الآيات أهلكناهم، لأن من سنتنا في الأمم إذا سألوا الآيات ثم لم يؤمنوا بعد إتيانها إن تهلكهم ولا نمهلهم، وقد حكمنا بإمهال هذه الأمة إلى يوم القيامة: ثم ذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها فأهلكوا فقال تعالى ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة﴾ أي آية بينة وذلك لأن آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم (فظلموا بها) أي جحدوا بها من عند الله وعقروا الناقة، وقيل فظلموا أنفسهم بتكذيبها فعاجلناهم بالعقوبة (وما نرسل بالآيات) المقترحة (إلا تخويفا) أي وما نرسل بالآيات يعني العبر والدلالات إلا تخريفا أي إنذارا بعذاب الآخرة إن لم يؤمنوا، فإن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يرجعون (تخريجه) (نس ك) وصححه الحاكم وأقره الذهبي وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (باب) (٧) حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس الخ (٨) (التفسير) الأكثرون من المفسرين على أن المراد من الرؤيا ما رأى النبي ﷺ ليلة المعراج من العجائب والآيات وقد فسرها ابن عباس في حديث الباب بأنها رؤيا عين رآها النبي ﷺ ليلة أسرى به، وجاء كذلك في صحيح البخاري أيضا وكان يقال لابن عباس حبر الأمة والبحر لكثرة علمه. دعا له رسول الله ﷺ بالحكمة، وثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي ﷺ ضم ابن عباس إلى صدره وقال اللهم علمه الكتاب، وقال ابن مسعود نعم الترجمان القرآن ابن عباس، وجاء في الطريق الثانية من حديث ابن عباس أيضا قال شيء أمر به النبي ﷺ في اليقظة رآه بعينه حين ذهب إلى بيت المقدس وهو قول سعيد بن جبير والحسن ومعروف وقتادة ومجاهد وعكرمة وابن جريج وغيرهم، والعرب
[ ١٨ / ١٩٣ ]
-[كلام العلماء في تفسير قوله تعالى ﴿وما جعلنا الرؤيا﴾ الخ والتحقيق أنها كانت بصرية]-
عين رآها النبي ﷺ ليلة أسري به (وعنه من طريق ثان) (١) قال كان ابن عباس يقول (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) شيء أريه (٣) النبي ﷺ في اليقظة رآه بعينه حين ذهب به إلى بيت المقدس (باب وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) (عن أبي هريرة (٣) عن النبي ﷺ في قوله ﷿ ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ (؛) قال تشهده
_________________
(١) تقول رأيت بعيني رؤية ورؤيا، فلما ذكرها رسول الله ﷺ للناس أنكر بعضهم ذلك وكذبوا أفكانت فتنة للناس وازداد المخلصون إيمانا (١) (سنده) حدثنا روح حدثنا زكريا بن إسحاق حدثنا عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول كان ابن عباس الخ (٢) بضم الهمزة وكسر الراء من الإراءة ولم يصرح بالمرثى، وفي قوله في اليقظة نفي لقول من قال إنها رؤيا منامية، بل جاء في سنن سعيد بن منصور عن سفيان في آخر الحديث قال وليست رؤيا منام، ومع هذه الحجج الواضحة فقد (ذهب قوم) إلى أن رؤيا الإسراء كانت منامية، وحجتهم في ذلك أنه يقال في البصرية رؤية وفي المنامية روؤيا، وقد جاء القرآن بلفظ رؤيا، واستدل القائلون بأنها بصرية بحديث ابن عباس أعني حديث الباب، وفيه رد صريح على من أنكر مجيء المصدر من رأى البصرية على رؤيا كالحريري وغيره، وبمن استعمل الرؤيا في اليقظة المتنبي في قوله (ورؤياك أحلى في العيون من الغمض) وأبلغ من ذلك في الرد عليهم قوله تعالى ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾ فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام. فلو كان مناما لم يكن فيه كبير شيء ولم يكن مستعظما ولم تبادر كفار قريش إلى تكذيبه ولا ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقد قال تعالى ﴿أسرى بعبده ليلا﴾ (وقام قوم) أسرى بروحه دون جسده وهو ضعيف لقوله تعالى ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضا فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء كما جاء عند مسلم والإمام أحمد وغيرهما في حديث الإسراء عن أنس أن رسول الله ﷺ قال أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس الحديث، والركوب لا يكون إلا للجسد لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه (وقال قوم) إنها الرؤيا التي رآها النبي ﷺ في النوم عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه فجعل المسير إلى مكة قبل الأجل فصده المشركون فرجع إلى المدينة فكان رجوعه في ذلك العام بعدما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم ثم دخل مكة في العام المقبل وأنزل الله ﷿ ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق﴾ ويدفع هذا قول ابن عباس في حديث الباب هي رؤيا العين رآها النبي ﷺ ليلة أسرى به، وقصارى القول إن ما ذهب إليه ابن عباس ومن وافقه هو الصواب والله أعلم (تخريجه) (خ نس مذ حب ك). (باب) (٣) (سنده) حدثنا أسباط قال ثنا الأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال وحدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة الخ (٤) أول الآية ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ (التفسير) (أقم الصلاة، لدلوك الشمس) روى عن ابن مسعود أنه قال الدلوك الغروب، وهو قول النخعي ومقائل والضحاك والسدى، وقال ابن عباس وابن عمرو جابر هو زوال الشمس، وهو قول عطاء وقتادة ومجاهد والحسن وأكثر التابعين، ومعنى اللفظ
[ ١٨ / ١٩٤ ]
-[تفسير قوله تعالى ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ إلى قوله (مقاما محمودا وكلام العلماء في ذلك]-
ملائكة الليل وملائكة النار (باب عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) (وعنه أيضا) (١) عن النبي ﷺ في قوله ﷿ ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ (٢) قال هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه (باب وقل رب أدخلني مدخل صدق) الآية (عن ابن عباس) (٣) قال كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة وأنزل عليه
_________________
(١) يجمعهما لأن أصل الدلوك الميل والشمس تميل إذا زالت وإذا غربت، والحمل على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به، وإذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها: فدلوك الشمس يتناول صلاة الظهر والعصر (إلى غسق الليل) أي ظهور ظلمته وقال ابن عباس بدو الليل، وهذا يتناول المغرب والعشاء (وقرآن الفجر) معطوف على الصلاة أي وأقم قرآن الفجر يعني صلاة الفجر، سمى الصلاة قرآنا لأنها لا تجوز إلا بقرآن ﴿إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ أي يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار كما جاء في حديث الباب، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار (يعني حفظة الأعمال) ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بكم كيف تركتم عبادي فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون (رواه حم ق نس) وتقدم في باب فضل صلاتي الصبح والعصر من كتاب الصلاة في الجزء الثاني صحيفة ٢٢١ رقم ٥٩ (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للإمام أحمد ثم قال ورواه (مذ نس جه) ثلاثتهم عن عبيد بن أسباط بن محمد عن أبيه به وقال الترمذي حسن صحيح (باب) (١) (سنده) حدثنا محمد بن عبيد قال ثنا داود الأودي عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ الخ (٢) أول الآية ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ (التفسير) (ومن الليل فتهجد به) أي قم بعد نومك، والتهجد لا يكون إلا بعد القيام من النوم، يقال تهجد إذا قام بعد ما نام، وهجد إذا نام (قال الإمام البغوي) في تفسيره والمراد في الآية قيام الليل للصلاة، وكانت صلاة الليل فريضة على النبي ﷺ في الابتداء وعلى الأمة لقوله تعالى ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا﴾ ثم نزل التخفيف فصار الوجوب منسوخا في حق الأمة بالصلوات الخمس وبقى الاستحباب، قال تعالى ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ وبقى الوجوب في حق النبي ﷺ (نافلة لك) أي زيادة لك يريد فريضة زائدة على سائر الفرائض التي فرضها الله عليك، وذهب قوم إلى أن الوجوب صار منسوخا في حقه كما في حق الأمة فصارت نافلة، وهو قول مجاهد وقتادة لأن الله تعالى قال نافلة لك ولم يقل عليك (فإن قيل) فما معنى التخصيص وهي زيادة في حق المسلمين كافة كما في حقه ﷺ (قيل) التخصيص من حيث أن نوافل العبادة كفارة لذنوبهم والنبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانت نوافله زيادة في رفع الدرجات (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) أي افعل هذا الذي أمرتك به لتقيمك يوم القيامة مقاما محمودا يحمدك فيه الخلائق كلهم وخالقهم ﵎، قال ابن جرير قال أكثر أهل التأويل ذلك هو المقام المحمود يقومه محمد ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم اهـ (قلت) ستأتي أحاديث الشفاعة في باب اختصاصه ﷺ بالشفاعة العظمى من كتاب قيام الساعة والله الموفق (تخريجه) (مذ) وابن جرير في تفسيره وحسنه الترمذي (باب) (٣) (سنده) حدثنا جرير عن قابوس عن
[ ١٨ / ١٩٥ ]
-[تفسير قوله تعالى ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق﴾ وقوله ﴿ويسألونك عن الروح﴾]-
(وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) (١) (باب ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي الآية) (عن ابن عباس) ﵄ (٢) قال قالت قريش لليهود أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل (٣) فقالوا سلوه عن الروح فسألوه فنزلت ﴿ويسألونك عن الروح (٤) قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ قالوا أوتينا علما كثيرا أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا قال فأنزل الله ﷿ ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر﴾ (عن عبد الله) (٥) قال كنت أمشي مع النبي ﷺ
_________________
(١) ابن عباس الخ (١) (التفسير) ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾ قال الحسن البصري في تفسير هذه الآية أن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله ﷺ ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه فأراد الله قتال أهل مكة أمره أن يخرج إلى المدينة فهو الذي قال الله ﷿ ﴿وقل رب أدخلني الخ الآية﴾ وقال قتادة ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق﴾ يعني المدينة وأخرجني مخرج صدق يعني مكة، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد أسلم، قال الحافظ ابن كثير وهذا القول هو أشهر الأقوال وأصحها وهو اختيار ابن جرير ﴿واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا﴾ قال مجاهد حجة بينة، وقال الحسن ملكا قويا تنصرني به على من ناوأني وعزا ظاهرا أقيم به دينك، فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما فيجعله له، قال قتادة علم نبي الله أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان نصير فقال سلطانا نصيرا لكتاب الله وحدوده وإقامة دينه (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح (قلت) وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وأقر تصحيح الترمذي (باب) (٢) (سنده) حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يحيى بن زكريا عن داود عن عكرمة عن ابن عباس الخ (غريبه) (٣) أي النبي ﷺ (٤) (التفسير) ﴿ويسألونك عن الروح﴾ الأكثر على أنهم سألوه عن حقيقة الروح الذي في الحيوان، وقيل عن جبريل، وقيل عن عيسى، وقيل عن القرآن، وقيل عن خلق عظيم روحاني، وقيل غير ذلك، والراجح الأول يعني روح الإنسان فقد أخرج الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس في هذه القضية أنهم قالوا في الروح وكيف يعذب الروح الذي في الجسد وإما الروح من الله؟ فنزلت الآية: قاله الحافظ (قل الروح من أمر ربي) تكلم العلماء والحكماء والصوفية في ناحية الروح بكلام كثير وأقوال متعددة، وأولى الأقاويل أن يوكل علمه إلى الله ﷿ وهو قول أهل السنة، وقال عبد الله بن بريدة أن الله ﷿ لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا بدليل قوله قل الروح من أمر ربي أي من علم ربي الذي استأثر به (وما أوتيتم من العلم) أي من علم ربي (إلا قليلا) أي في جنب علم الله ﷿ والخطاب عام، وقيل هو خطاب لليهود فإنهم كانوا يقولون أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا كما جاء في حديث الباب، فقيل لهم أن علم التوراة قليل في جنب علم الله وأنزل الله ﷿ ﴿قل لو كان البحر﴾ أي ماؤه (مدادا) هو ما يكتب به (لكلمات ربي) الدلالة على حكمه وعجائبه بأن تكتب به (لنفد البحر) في كتابتها، وبقية الآية (قبل أن تنفذ) قرئ بالتاء والياء أي تفرغ (كلمات ربي ولو جئنا بمثله) أي البحر (مدادا) أي زيادة لم تفرغ هي (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح، قال الحافظ بعد ذكر هذا الحديث في الفتح رجاله رجال مسلم وهو عند ابن إسحاق من وجه آخر عن ابن عباس نحوه (٥) (سنده) حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله (يعني ابن مسعود) قال
[ ١٨ / ١٩٦ ]
-[تفسير قوله تعالى ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ وما هي الآيات]-
في حرث بالمدينة وهو متكئ (١) على عسيب قال فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح، قال بعضهم لا تسألوه عن الروح فقالوا يا محمد ما الروح؟ فقام فتوكأ على العسيب قال فظننت إنه يوحى إليه فقال ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ (٢) قال فقال بعضهم قد قلنا لكم لا تسألوه (باب ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) (حدثنا محمد بن جعفر) (٣) حدثنا شعبة وحدثناه يزيد أنا شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت عبد الله ابن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال قال يزيد المرادي (٤) قال قال يهودي لصاحبه (٥) اذهب بنا إلى النبي ﷺ وقال يزيد إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ (٦) فقال لا تقل له نبي فإنه أن سمعك لصارت له أربعة أعين (٧) فسأله فقال النبي ﷺ لا تشركوا بالله شيئا. ولا تسرقوا. ولا تزنوا. ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. ولا تسحروا. ولا تأكلوا الربا. ولا تمشوا ببرييء (٨) إلى ذي سلطان ليقتله. ولا تقذفوا محصنة (٩) أو قال لا تفروا من الزحف شعبة الشاك (١٠) وأنت يا يهود عليكم خاصة أن لا تعتدوا
_________________
(١) كنت أمشي الخ (غريبه) (١) جاء عند الترمذي (وهو يتوكأ) أي يعتمد (على عسيب) بمهلتين وآخره موحدة بوزن عظيم وهي الجريدة التي لا خوص فيها (٢) تقدم تفسيرها في الحديث السابق (تخريجه) (ق نس مذ) قال القسطلاني ظاهر سياق هذا الحديث يقتضي أن هذه الآية مدنية وأن نزولها إنما كان حين سأل اليهود عن ذلك بالمدينة مع أن السورة كلها مكية وقد يجاب باحتمال أن تكون نزلت مرة ثانية بالمدنية كما نزلت بمكة قبل والله أعلم (باب) (٣) (حدثنا محمد بن جعفر الخ) (غريبه) (٤) هذه النسبة ترجع إلى صفوان بن عسال ومعناه أن يزيد قال في روايته صفوان بن عسال المرادي، ويزيد هذا الذي تكرر ذكره في الحديث هو ابن هرون أحد الراويين اللذين روى عنهما الإمام أحمد هذا الحديث (٥) أي رجل من اليهود (٦) (التفسير) أي واضحات والآية العلامة الظاهرة تستعمل في المحسوسات كعلامة الطريق والمعقولات كالحكم الواضح والمسألة الواضحة، والمعجزة آية، وكل جملة دالة على حكم من أحكام الله آية، ولكل كلام منفصل بفصل لفظي آية، والمراد بالآيات هنا إما المعجزات التسع، وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنون ونقص من الثمرات، وعلى هذا فقوله الآتي (لا تشركو الخ كلام مستأنف ذكره عقب الواب، وهو المعجزات المقدسة ولم يذكر الراوي المعجزات النسع استغناءا بما في القرآن أو يغيره (وإما) الأحكام العامة الشاملة للملل الثابتة في كل الشرائع وهي قوله لا تشركوا الخ، سميت بذلك لكونها تدل على حال المكلف بها من السعادة والشقاوة (٧) هكذا جاء بالأصل في هذه الرواية (أربعة أعين) وكذلك جاء عند الترمذي: وعند الإمام أحمد من طريق أخرى وفي المشكاة (أربع أعين) بغير التاء وهو الظاهر، والمعنى لا تقل له نبي فإنه يسر بقولك نبي سرورا يمد الباصرة فيزداد به نورًا على نور كذي عينين أصبح يبصر بأربع، فإن الفرح يمد الباصرة كما أن الهم والحزن يخل بها، ولذا يقال لمن أحاطت به الهموم أظلمت عليه الدنيا (٨) الباء للتعدية أي لا تسعوا ولا تتكلموا بسوء فيمن ليس له ذنب (إلى ذي سلطان) أي صاحب قوة وقدرة وغلبة وشوكة (٩) بفتح الصاد المهملة أي لا ترموا بالزنا عفيفة (١٠) جاء عند الترمذي من طريق شعبة أيضا بلفظ
[ ١٨ / ١٩٧ ]
-[سبب نزول قوله تعالى ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ الآية وتفسيرها]-
قال يزيد تعدوا (١) في السبت فقبلا يده ورجله، قال يزيد فقبلا يديه ورجليه (٢) وقال نشهد أنك نبي، قال فما يمنعكما أن تتبعاني؟ قالا أن داود ﵇ دعا أن لا يزال من ذريته نبي وإنا نخشى قال يزيد إن أسلمنا (٣) أن تقتلنا يهود (باب ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) (عن ابن عباس) (٤) قال نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم متوار بمكة (٥) (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) قال كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، قال فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله ﷿ لنبيه ﷺ (ولا تجهر بصلاتك) أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبون القرآن (٦) (ولا تخافت بها) (٧) عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك (وابتغ بين ذلك سبيلا) (٨) (باب الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك) الخ السورة
_________________
(١) (ولا تقذفوا محصنة ولا تولوا الفرار يوم الزحف) ولم يشك، والزحف الحرب مع الكفار (١) جاء عند الترمذي (تعتدوا) (٢) رواية الترمذي (فقبلا يديه ورجليه) كرواية يزيد هنا (٣) معناه أن يزيد زاد في روايته (أن أسلمنا) وقولهم هذا افتراء محض على داود ﵇ لأن داود وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يعرفون نبوة محمد ﷺ وأنه خاتم النبيين وأنه ينسخ به الأديان (تخريجه) (مذ نس جه) وقال الترمذي حسن صحيح، هذا وقد فسر الحافظ ابن كثير الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ فقال يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون وهي العصا واليد والسنين والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات قاله ابن عباس، وقال ابن عباس أيضا ومجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة هي يده وعصاه والسنين ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وهذا القول ظاهر جلي حسن ثم أورد (أعني الحافظ ابن كثير) حديث الباب وعزاه للإمام أحمد وقال هكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير في تفسيره من طرق عن شعبة ابن حجاج به وقال الترمذي حسن صحيح، وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون والله أعلم اهـ (باب) (٤) (سنده) حدثنا هشيم أنبأنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (غريبه) (٥) أي مخنف كما صرح بذلك في رواية البخاري وكان ذلك في أول الإسلام (٦) جاء عند ابن جرير في تفسيره من وجه آخر عن سعيد بن جبير فقالوا له أي المشركون لا تجهر فتؤذي آلهتنا فنهجو إلاهك (٧) أي لا تخفض صوتك (٨) أي بين الجهر والمخافتة (سبيلا) أي وسطا (تخريجه) (ق مذ) وأوره الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للإمام أحمد ثم قال أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس به، قال وكذا رواه الضحاك عن ابن عباس وزاد فلما هاجر إلى المدينة سقط ذلك، يفعل أي ذلك شاء اهـ (قلت) وفي الباب عن عائشة ﵂ قالت أنزل في الدعاء تريد قوله تعالى ﴿ولا تجهر بصلاتك الخ﴾ قال القسطلاني هو من باب إطلاق الكل على الجزء إذ الدعاء من بعض أجزاء الصلاة، قال وأخرج الطبري وابن خزيمة والحاكم من طريق حفص بن غياث عن هشام
[ ١٨ / ١٩٨ ]
-[آية العز ﴿الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا﴾ الآية وتفسيرها وفضل سورة الكهف]-
(عن سهل عن أبيه) (١) عن النبي ﷺ أنه قال آية العز (٢) (الحمد لله الذي يتخذ ولدًا) (٣) الآية كلها (وعنه من طريق ثان) (٤) عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول إذا نفر (٥) الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك (٦) إلى آخر السورة (سورة الكهف) (باب ما جاء في فضلها) (عن سهل بن معاذ) (٧) عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال من قرأ أول سورة الكهف وآخرها (٨) كأنت له نورا من قدمه إلى رأسه: ومن قرأها كلها كانت له نورا ما بين السماء والأرض (٩)
_________________
(١) الحديث، وزاد فيه في التشهد، وهو مختص لحديث عائشة إذ ظاهره أعلم من أن يكون داخل الصلاة وخارجها وعند ابن مردويه من حديث أبي هريرة كان رسول الله ﷺ إذا صلى عند البيت رفع صوته بالدعاء فنزلت، أو مراده معناها اللغوي على ما لا يخفى وهذا الحديث من أفراده اهـ والله أعلم (١) (سنده) حدثنا يحيى بن غيلان ثنا رشيدين عن زبان عن سهل عن أبيه (يعني معاذ بن أنس الجهني) عن النبي ﷺ الخ (غريبه) (٢) أي القوة والشدة والصلابة، والمراد هنا من العلامات الدالة على قوة إيمان الإنسان وشدته في دين الله ملازمته لتلاوة هذه الآية مع الإذعان لمدلولها وأنه بذلك يصير قويًا شديدًا وقيل المراد أن هذه الآية تسمى آية المز لتضمن قوله فيها، ولم يكن له ولي من الذل، لذلك لم يذل يحتاج إلى ناصر لأنه العزيز المعز (٣) (التفسير) لما أثبت الله تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى في قوله ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) نزه نفسه عن النقائص فقال ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك﴾ بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (ولم يكن لي ولى من الذل) أي ليس بذليل فيحتاج إلى أن يكون له ولى أو وزير أو مشير بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له: قال مجاهد لم يحالف أحدا ولم يبتغ نصر أحد (وكبره تكبيرا) أي عظمه ونزهه عما يقول الظالمون المعتدون من أن له شريكا أو ولدا تعالى الله عن ذلك (٤) (سنده) حدثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا زبان بن فايد عن سهل عن أبيه الخ (٥) الظاهر أنه ﷺ كان يقول ذلك إذا نفر من منى بعد رمي الجمار (٦) بقية الآية ﴿ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرًا﴾ (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد من طريقين في إحداهما رشدين بن سعد وهو ضعيف، وفي الأخرى ابن لهيعة وهو أصلح منه، وكذلك الطبراني اهـ (قلت) وفي كلا الطريقين عند الإمام أحمد زبان ابن فايد وهو ضعيف أيضا (باب) (٧) (سنده) حدثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا زبان عن سهل بن معاذ عن أبيه (يعني معاذ بن أنس الجهني) عن رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (٨) لم يعين في هذا الحديث مقدار ما يقرء من أولها وآخرها، وقد جاء بيان ذلك في حديثي أبي الدرداء الآتيين بعد هذا وهو عشر آيات من أولها وعشر آيات من آخرها (٩) جاء في قراءتها كلها عن أبي سعيد مرفوعا من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين (ك هق) وصححه الحاكم والحافظ السيوطي (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني وفي إسناد أحمد ابن لهيعة وهو ضعيف وقد يحسن اهـ (قلت) في إسناده أيضا زبان بن فايد وهو ضعيف (وفي الباب) عند الإمام أحمد أيضا وتقدم في باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن من هذا الجزء صحيفة ٢٠ رقم ٥٥ عن البراء بن عازب قال قرأ
[ ١٨ / ١٩٩ ]
-[تفسير قوله تعالى ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا﴾ وما هن]-
(عن أبي الدرداء) (١) عن النبي ﷺ قال من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال (٢) (وعنه أيضا) (٣) عن النبي ﷺ أنه قال من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال (باب) قوله ﷿ ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا﴾ (عن النعمان بن بشير) (٤) أن رسول الله ﷺ قال ألا وإن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هن الباقيات الصالحات (٥) (باب وإذ قال موسى لفتاة وقصة الخضر مع موسى ﵉) (حدثنا عبد الله بن إبراهيم) (٦) المروزي حدثني هشام بن يوسف في تفسير ابن جريج (٧) الذي أملاه عليهم أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على الآخر (٨) وغيرهما قال قد سمعته يحدثه عن سعيد بن جبير (٩) قال إنا لعند عبد الله بن عباس
_________________
(١) رجل الكهف وفي الدار دابة فجعلت تنفر فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته قال فذكر ذلك النبي ﷺ فقال اقرأ فلان فإنها السكينة تنزلت عند القرآن أو تنزلت للقرآن: وتقدم شرحه وتخريجه هناك (١) (سنده) حدثنا يزيد أنا همام بن يحيى عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن سعدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء الخ (غريبه) (٢) معناه أن من تدبرها لم يفتن بالدجال، قال الطيبي التعريف فيه للعهد وهو الذي يخرج آخر الزمان يدعي الإلاهية إما نفسه أو يراد به من شابهه في فعله، ويجوز أن يكون للجنس لأن الدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس، ومنه حديث يكون في آخر الزمان دجالون كذابون (تخريجه) (م د نس مذ) ولفظ الترمذي (من حفظ ثلاث آيات من أول الكهف) وقال حسن صحيح (٣) (سنده) حدثنا حجاج حدثنا شعبة عن قتادة سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معدان عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال من قرأ الخ (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للإمام أحمد ثم قال رواه مسلم والنسائي من حديث قتادة به قال وفي لفظ للنسائي من قرأ عشر آيات من الكهف فذكره (باب) (٤) (عن النعمان بن بشير الخ) هذا ظرف من حديث طويل سيأتي بسنده وشرحه وتخريجه في باب كراهية الإمارة من كتاب الخلافة والإمارة إن شاء الله تعالى (غريبه) (٥) قال علي بن طلحة عن ابن عباس قوله (والباقيات الصالحات) قال هي ذكر الله قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله وتبارك الله ولا حول ولا قوة إلا بالله واستغفر الله وصلى الله على رسول الله والصيام والصلاة والحج والصدفة والعتق والجهاد والصلة وجميع أعمال الحسنات وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض (وعن سمرة بن جندب) قال قال رسول الله ﷺ أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهي من القرآن لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (حم م نس جه) ولفظ مسلم أحب الكلام إلى الله أربع فذكره وليس فيه (وهي من القرآن) وذكرها النسائي، وتقدم هذا الحديث في آخر باب فضل سبحان والحمد لله الخ من كتاب الأذكار في الجزء الرابع عشر صحيفة ٢٢٢ رقم ٥٢ (باب) (٦) (حدثنا عبد الله بن إبراهيم الخ) (غريبه) (٧) اسمه عبد الملك بن عبد العزيز (٨) معناه أن ابن جريج يقول أخبرني يعلي بن مسلم وعمرو بن ينار بهذا الحديث عن سعيد بن جبير حال كونهما يزيد أحدهما على الآخر في روايته (قلت) وهو ظاهر في سياق الحديث (٩) يقول ابن جريج وسمعت غيرهما يعني غير يعلى
[ ١٨ / ٢٠٠ ]
-[قصة موسى مع الخضر ﵉]-
في بيته إذ قال سلوني فقلت أبا عباس جعلني الله فداءك، بالكوفة رجل قاص (١) يقال له نوف (٢) يزعم إنه ليس موسى بنى إسرائيل (٣) أما عمرو بن دينار فقال كذب عدو الله (٤) وأما يعلى بن مسلم فقال قال ابن عباس حدثني أبي بن كعب قال قال رسول الله ﷺ أن موسى رسول الله ﵇ ذكر الناس (٥) يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال يا رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال لا فعتب عليه إذ (٦) لم يرد العلم إلى الله ﵎ (٧) فأوحى الله إليه أن لي عبدا أعلم منك قال أي رب وأني (٨) قال مجمع البحرين قال أي رب اجعل لي علما (٩) اعلم ذلك به، قال لي عمرو (١٠) قال حيث يفارقك الحوت وقال يعلى (١١) خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح (١٢) فأخذ حوتا فجعله
_________________
(١) ابن مسلم وعمرو بن دينار حال كونه (يحدثه) أي يحدث الحديث المذكور (عن سعيد بن جبير) أيضا وكان الأصل أن يقول يحدث به لكنه عداه بغير الباء، ومثل ذلك في البخاري أيضا، ولأبي ذر عن الكشميهني (يحدث) يحذف الضمير، وقد عين ابن جريج بعض من أبهمه في قوله (وغيرهما) كعثمان ابن أبي سليمان كما سيأتي في سياق الحديث، وروى شيئا من هذه القصة عن سعيد بن جبير من مشايخ ابن جريج عبد الله بن عثمان ابن خثيم وعبد الله بن هرمز وعبد الله بن عبيد بن عمير، وممن روى هذا الحديث عن سعيد بن جبير أبو إسحاق السبيعي وروايته عند مسلم وأبي داود وغيرهما والحكم بن عتيبة وروايته في السيرة الكبرى لابن إسحاق كما نبه على ذلك الحافظ في الفتح (١) بتشديد الصاد المهملة يقص على الناس الأخبار من المواعظ وغيرها (٢) بفتح النون وسكون الواو وبالفاء زاد البخاري (البسكالي) بكسر الموحدة وتخفيف الكاف وتشديد نسبة إلى بني بكال بن فضالة بفتح الفاء والمعجمة ابن امرأة كعب الأحبار (٣) هكذا بالأصل (يزعم أنه ليس موسى بن إسرائيل) وكذا في البخاري من هذا الطريق وله من طريق سفيان بلفظ (يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل) وهذا أظهر (٤) ظاهره أن عمرو بن دينار قال كذب عدو الله وليس كذلك، بل المراد أن ابن جريج يقول إن عمرو بن دينار قال له في روايته عن سعيد بن جبير إن ابن عباس قال كذب عدو الله، فالقائل كذب عدو الله هو ابن عباس يعني نوفا، خرج منه مخرج الزجر والتحذير لا القدح في نوف، لأن ابن عباس قال ذاك في حال غضبه وألفاظ الغضب تقع على غير الحقيقة غالبا وتكذيبه له لكونه قال غير الواقع، ولا يلزم منه تعمده والله أعلم (٥) بفتح الذال المعجمة وتشديد الكاف من التذكير وفي بعض الروايات قام خطيبا في بني إسرائيل (٦) بسكون الذال للتعليل (٧) كأن يقول نحو الله أعلم كما قالت الملائكة لا علم لنا إلا ما علمتنا (٨) أي وأني هو أو فأين أجده (قال مجمع البحرين) وفي رواية للبخاري (إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك) أي بحري فارس والروم، أو بحري المشرق والمغرب المحيطين بالأرض، أو العذب والملح والله أعلم (٩) أي علامة (١٠) يقول ابن جريج قال لي عمرو يعني ابن دينار في روايته قال بمعنى العلم على ذلك المكان (حيث يفارقك الحوت) (١١) يعني وقال يعلى في روايته خذ حوتا ميتا الخ ولمسلم وعبد الله ابن الإمام أحمد في رواية أبي إسحاق (وآية ذلك إن تزود حوتا مالحا فإذا فقدته فهو حيث تفقده) (١٢) معناه عند ما يحيى الله الحوت الميت ويذهب إلى البحر تجد صاحبك في هذا المكان، وهو معنى قوله في
[ ١٨ / ٢٠١ ]
-[تابع قصة موسى مع الخضر ﵉]-
في مكتل (١) قال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني حيث يفارقك الحوت، قال ما كلفتني كثيرا فذلك قوله ﵎ ﴿وإذ قال موسى لفتاه﴾ يوشع بن نون ليست عن سعيد بن جبير (٢) قال فبينا هو في ظل صخرة في مكان ثريان (٣) إذ تضرب الحوت وموسى نائم، قال فتاه لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسى أن يخبره وتضرب الحوت (٤) حتى دخل البحر فأمسك الله ﵎ عليه جرية البحر (٥) حتى كان أثره في حجر (٦) فقال لي عمرو وكان أثره في حجر وحلق إبهاميه واللتين تليانهما (٧) (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) (٨) قال قد قطع الله ﵎ عنك النصب، ليست هذه عن سعيد بن جبير (٩) فأخبره فرجع فوجدا خضرا (١٠) ﵇ فقال لي عثمان بن أبي سليمان على طنفسة (١١) خضراء على كبد البحر، قال سعيد بن جبير مسجى ثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال هل بأرضك من سلام (١٢)
_________________
(١) رواية عمرو حيث يفارقك الحوت (١) قال في المصباح المكتل بكسر الميم الزنبيل وهو ما يعمل من الخوص يحمل فيه التمر وغيره، والجمع مكاتل (٢) معناه أن ابن جريج قال في تسمية الفتى (يوشع بن نون) هذه الجملة ليست عن سعيد بن جبير بل عن غيره من الرواة (وقوله فبينما هو) يعني موسى وفتاه (٣) بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة فتحتية مفتوحة وبعد الألف نون صفة لمكان مجرور بالفتحة لا ينصرف لأنه من باب فعلان، قال في النهاية يقال مكان ثريان وأرض ثريا إذا كان في ترابهما بلل وندى (إذ تضرب الحوت) بضاد معجمة وراء مشددة من الضرب في الأرض وهو السير (٤) أي اضطرب وخرج من المكتل سائرا (حتى دخل البحر) (٥) بكسر الجيم وفي رواية (جرية الماء) أي جريانه (٦) قال الحافظ كذا فيه بفتح الحاء المهملة والجيم، وفي رواية جحر بضم الجيم وسكون المهملة وهو واضح (وقوله فقال لي عمرو) القائل هو ابن جريج (٧) يعني السبابتين وفي رواية للبخاري وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق) قال أهل اللغة الطاق ما عطف من الأبنية أي جعل كالقوس من قنطرة ونافذة وما أشبه ذلك (وفي رواية لمسلم) فاضطرب الحوت في الماء فجعل لا يلتئم عليه حتى صار مثل الكوة (٨) قال الحافظ كذا وقع هنا مختصرا وفي رواية سفيان فانطلقا بقية يومهما وليلتها حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (٩) (قوله قال قد قطع الله ﵎ عنك النصب ليست هذه عن سعيد بن جبير) هو مقول ابن جريج ومراده أن هذه اللفظة ليست في الإسناد الذي ساقه، قاله الحافظ (وقوله فأخبره) بفتح الهمزة وسكون المعجمة ثم موحدة من الأخبار أي أخبر الفتى موسى بالقصة بقوله أرأيت إذ آوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان إن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا، قال فكان (يعني دخول الحوت في الماء) للحوت سريا (أي مسلكا) ولموسى ولفتاه عجبا، فقال موسى ذلك ما كنا نبقى فارتدا على آثارهما قصصا قال رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجي ثوبا، هكذا في البخاري (١٠) بفتح الخاء وكسر الضاد: روى البخاري بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إنما سمي الخضر أنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء (١١) معناه أن عثمان بن أبي سليمان أحد رواة هذا الحديث عن سعيد بن جبير قال لابن جريج فوجدا خضرا جالسا على طنقسة الخ: والطنفسة بفتح الطاء وكسرها فرش صغير (وقوله على كبد البحر) أي على وجه الماء كما جاء في رواية البخاري (١٢) هو استفهام استبعاد بدل على أن أهل تلك الأرض لم يكونوا إذ ذاك مسلمين
[ ١٨ / ٢٠٢ ]
-[تابع قصة موسى مع الخضر ﵉]-
من أنت؟ قال أنا موسى، قال موسى بني إسرائيل؟ قال نعم، قال فما شأنك؟ قال جئت لتعلمني مما علمت رشدا قال أما يكفيك أن أنباه التوراة بيدك وأن الوحي يأتيك، يا موسى أن لي علما لا ينبغي أن تعلمه (١) وإن لك علما لا ينبغي أن أعلمه (٢) فجاء طائر فأخذ بمنقاره (٣) فقال والله ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر (حتى إذا ركبا في السفينة) وجدا معابر (٤) صغارا تحمل أهل هذا الساحل إلى هذا الساحل عرفوه (٥) فقالوا عبد الله الصالح فقلنا لسعيد (٦) خضر؟ قال نعم لا يحملونه بأجر فخرقها ودق فيها وتدا، قال موسى أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا) قال قال مجاهد (٧) نكرا (قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا) وكانت الأولى نسيانا (٨) والثانية شرطا والثالثة عمدا (قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا) (٩) فلقيا غلاما فقتله، قال يعلى بن مسلم (١٠) قال سعيد بن جبير وجدا غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا كان ظريفا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين (قال أقتلت نفسا زكية) (١١) لم تعمل بالحنث فانطلقا (فوجدا جدارا يريد أن ينقض (١٢) فأقامه) قال سعيد بيده هكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى فحسبت أن سعيدا قال فمسحه بيده فاستقام (١٣) (قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا) قال سعيد أجرا نأكله (١٤) قال
_________________
(١) أو كانت تحيتهم غيره (١) أي جميعه (٢) أي جميعه، قال الحافظ وتقدير ذلك متعين، لأن الخضر كان يعرف من الحكم الظاهر ما لا غنى بالمكلف عنه، وموسى كان يعرف من الحكم الباطن ما يأتيه بطريق الوحي (٣) يعني من البحر كما جاء في رواية البخاري (٤) المعابر جمع معبر كمنبر وهي السفن الصغار (٥) أي أهل المدينة عرفوا الخضر (٦) يحتمل أن يكون القائل يعلى بن مسلم، وسعيد هو ابن جبير (وقوله خضر) أي هو خضر (٧) يعني فيما رواه ابن جريج عنه في قوله إمرا قال (نكرا) بدل إمرا، ووصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه مثله، قيل ولم يسمع ابن جريج من مجاهد (٨) أي نسيانا من موسى حتى قال لا تؤاخذني بما نسيت (والثانية شرطا) حيث قال إن سألتك عن شيء بعدها (والثالثة عمدا) أي حيث قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا (٩) أي لا تشدد على (١٠) يعني بالإسناد السابق (١١) بحذف الألف والتشديد وهي قراءة ابن عامر والكوفيين زاد عند البخاري (بغير نفس) لم تعمل بالحنث بالحاء المهملة المكسورة والنون الساكنة لأنها لم تبلغ الحلم وهو تفسير لقوله زكية أي قتلت نفسا زكية لم تعمل الحنث بغير نفس (١٢) أي يسقط والإرادة هنا على سبيل المجاز (وقوله قال سعيد) يعني من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار عنه (بيده هكذا) أي أشار إليه بيده وهو من إطلاق القول على الفعل وهذا في كلام العرب كثير أي مسحه الخضر بيده (١٣) جاء في كيفية إقامة هذا الجدار أقوال كثيرة، والذي دل عليه القرآن الإقامة لا الكيفية، وأحسن هذه الأقوال أنه مسحه أو دفعه بيده فاعتدل لأن ذلك أليق بحال الأنبياء وكرامات الأولياء إلا أن يصح عن الشارع أنه هدمه وبناه فيصار إليه (١٤) معناه أنك قد علمت أننا جياع وأن أهل القرية لم يطعمونا فكان ينبغي أن لا نعمل لهم مجانا بل تأخذ على عملك هذا أجرا نستعين به على الطعام الذي نأكله، وإنما قال موسى ذلك لأنه كان حصل له جهد كبير من فقد الطعام، عند ذلك، قال له الخضر كما جاء في كتاب الله ﷿ (قال هذا فراق بيني وبينك) أي هذا وقت فراق بيني وبينك وقيل هذا الإنكار على ترك أخذ الأجر هو المفرق بيننا، وقيل إن موسى أخذ بثوب الخضر وقال
[ ١٨ / ٢٠٣ ]
-[تابع قصة موسى مع الخضر ﵉]-
وكان يقرؤها (وكان وراءهم) (١) وكان ابن عباس يقرؤها (وكان أمامهم (٢) ملك) يزعمون (٣) عن غير سعيد انه قال هذا الغلام المقتول يزعمون أن اسمه جيسور (٤) قال ﴿يأخذ كل سفينة غصبا﴾ (٥) وأراد إذا مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها بعد، منهم من يقول سدوها بقارورة، ومنهم من يقول بالقار (٦) وكان أبواه (٧) مؤمنين) وكان كافرا ﴿فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا﴾ فيحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه (٨) ﴿فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه (٩) زكاة وأقرب رحما﴾ هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر وزعم غير سعيد أنهما قالا جارية (١٠) وأما داود بن أبي عاصم (١١) فقال عن غير واحد إنها جارية (١٢) وبلغني عن سعيد بن جبير أنها جارية ووجدته في كتاب أبي (١٣) عن يحيى بن معين عن هشام بن يوسف مثله (ز) (حدثنا عبد الله) (١٤) حدثني أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كنا عنده (١٥) فقال القوم أن نوفا الشامي (١٦) يزعم أن الذي ذهب يطلب العلم ليس موسى بني إسرائيل، وكان بن عباس متكئا فاستوى جالسا فقال
_________________
(١) أخبرني بمعنى ما عملت قبل أن تفارقني فقال الخضر (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا، أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك الآية (١) هذه القراءة هي الموافقة للمصحف الإمام (٢) هذه قراءة شاذة مخالفة للمصحف لكنها مفسرة كقوله من ورائه جهنم، والآية دالة على أن معنى وراء أمام، لأنه لو كان بمعنى خلف كانوا قد جاوزوه فلا يأخذ سفينتهم (٣) القائل يزعمون هو ابن جريج (٤) بجيم مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة وبعد الواو الساكنة راء (٥) في قراءة أبيّ كل سفينة صالحة غصبا رواه النسائي، وكان أبن مسعود يقرأ كل سفينة صحيحة غصبا (٦) هو الزفت والقارورة فاعوله من القار أيضًا (٧) يعني وأما الغلام فكان أبواه الخ (٨) هذه الجملة تفسير لقوله ﴿فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرا﴾ (٩) أي يرزقهما بدله ولدًا خيرًا منه (زكاة) أي طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة (وأقرب رحما) فسره بقوله (هما) أي الأبوان (به) أي بالولد الذي سيرزقانه أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر (١٠) أي مكان المقتول فولدت نبيًا من الأنبياء رواه النسائي، ولابن أبي حاتم عن طريق السدى قال ولدت جارية فولدت نبيًا وهو الذي كان بعد موسى، فقالوا له أبعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله، واسم هذا النبي شمعون واسم أمه حنة، وفي تفسير ابن الكلى ولدت جارية ولدت عدة أنبياء فهدى الله بهم أممًا، وقيل عدة من جاء من ولدها من الأنبياء سبعون نبيًا، وعند ابن مردوية من حديث أبي بن كعب أنها ولدت غلامًا لكن إسناده ضعيف كما قال الحافظ في الفتح (١١) القائل وأما داود بن أبس عاصم، هو ابن جريج (١٢) هذا هو المشور، وروى مثله عن يعقوب أبي داود مما رواه الطبري، وقال ابن جريج لما قتله الخضر كانت أمه حاملًا بغلام مسلم ذكره ابن كثير وغيره (١٣) القائل ووجدت في كتاب أبى إلى أخر الحديث هو عبد الله بن الإمام أحمد (تخريجه) (ق. مذنس) (ز «١٤) حدثنا عبد الله) يعني ابن الإمام أحمد وهذا الحديث من زوائده على مسند أبيه (غريبه) (١٥) القائل كنا عنده هو سعيد بن جبير يقول كنا عند ابن عباس (١٦) هكذا جاء في هذه الرواية (نوفا الشامي: وفي أكثر الروايات البكالي وتقدم الكلام على نسبة وضبطه في الحديث السابق ولا منافاة
[ ١٨ / ٢٠٤ ]
-[تابع قصة موسى مع الخضر ﵉]-
كذلك يا سعيد؟ قلت نعم أنا سمعته يقول ذاك، فقال بن عباس كذب نوف (١) حدثني أبيّ بن كعب انه سمع النبي ﷺ يقول رحمة الله علينا وعلى صالح، رحمة الله علينا وعلى أخي عاد (٢) ثم قال أن موسى ﵇ بينا هو يخطب قومه ذات يوم إذ قال لهم ما في الأرض أحد أعلم منى (٣) وأوحى الله ﵎ إليه أن في الأرض من هو أعلم منك وآية ذلك أن تزود حوتا (٤) مالحا فإذا فقدته فهو حيث تفقده (٥) فتزود حوتا مالحا فانطلق هو وفتاه حتى إذا بلغ المكان الذي أمروا به فلما انتهوا إلى الصخرة (٦) انطلق موسى يطلب ووضع فتاه الحوت على الصخرة واضطرب ﴿فاتخذ سبيله في البحر سربا﴾ (٧) قال فتاه إذا جاء نبي الله ﷺ حدثته فأنساه الشيطان فانطلقا فأصابهم ما يصيب المسافر من النصب (٨) والكلال ولم يكن يصيبه ما يصيب المسافر من النصب والكلال (٩) حتى جاوز ما أمر به (١٠) فقال موسى لفتاه ﴿آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾ (١١) قال له فتاه يا نبي الله ﴿أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت﴾ أن أحدثك ﴿وما أنسانيه إلا الشيطان﴾ ﴿فاتخذ سبيله في البحر سربا﴾ (١٢) ﴿قال ذلك ما كنا نبٍغ﴾ فرجعا على آثارهما قصصا يقصان الأثر حتى إذا انتهيا إلى الصخرة فأطاف بها فإذا هو مُسجى (١٣) بثوب له فسلم عليه فرفع رأسه فقال له من أنت؟ قال موسى، قال من موسى؟ قال موسى بني إسرائيل قال أخبرت (١٤) أن عندك علما فأردت أن أصحبك ﴿قال إنك لن تستطيع معي صبرا. قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا، قال فكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا﴾ قال قد أمرت أن أفعله ﴿قال ستجدني إن شاء الله صابرا﴾ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا، فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة﴾ خرج من كان فيها وتخلف ليخرقها، قال فقال له موسى تخرقها ﴿لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا (١٥) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني (١٦)
_________________
(١) بينهما فذاك نسبة إلى ابن بكال وهذا نسبه إلى الإقليم والجهة (١) تقدم الكلام على قوله كذب نوف في شرح الحديث السابق (٢) يعني هودًا نبي الله ﵇ (٣) قال ذلك بالنسبة لاعتقاده وإلا فكان الخضر أعلم منه كما صرح في الحديث (٤) الحوت السمكة (٥) معناه إنك تجد مطلوبك في المكان الذي تفقد فيه الحوت (وتفقده) بكسر القاف أي يذهب منك (٦) هي صخرة عند مجمع البحرين في المكان الذي يطلبه موسى (وقوله انطلق موسى يطلب) أي يطلب الخضر الذي جاء لأجله (٧) أي مسلكا وروى عن أبس بن كعب عن النبي ﷺ إنجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوة لم يلتئم (٨) أي التعب (٩) معناه أنه لم يتأثر من تعب السفر إلا هذه المرة (١٠) قال الإمام البغوي وذلك أن يوشع حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى فيخبره فنسي أن يخبره فمكثا يومهما حتى صليا الظهر من الغد (١١) أي تعبا وشدة وذلك أنه ألقى على موسة الجوع بعد مجاوزة الصخرة ليتذكر الحوت ويرجع إلى مطلبه فقال له فتاه وتذكر أرأيت إلى الصخرة إلخ (١٢) هذه حكاية يوشع يحكى لموسى ما حصل من الحوت (١٣) يعني الخضر (مسجي) المسجي المغطى (١٤) قال يعني موسى قال للخضر أخبرت الخ (١٥) أي منكرا والأمر في كلام العرب الداهية واصله كل شيء شديد كثير وقال قتادة عجبًا (١٦) أي لا تشدد
[ ١٨ / ٢٠٥ ]
-[تابع قصة موسى مع الخضر ﵉]-
أمري عسرا، فانطلقا حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر وفيهم غلام ليس في الغلمان غلام أنظف يعنى منه فأخذه فقتله فنفر موسى ﵇ عند ذلك وقال ﴿أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (١) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا، قال فآخذته ذمامة (٢) من صاحبه واستحى فقال ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا) حتى إذا أتيا أهل قرية ﴿لاما استطعما أهلها﴾ وقد أصاب موسى ﵇ جهد فلم يضيفوهما ﴿فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه﴾ قال له موسى مما نزل بهم من الجهد ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك﴾ فأخذ موسى ﵇ بطرف ثوبه فقال حدثني، فقال ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر وكان وراءهم ملك (٣) يأخذ كل سفينة غصبا﴾ فإذا مر عليها فرآها منخرقة تركها ورقعها أهلها بقطعة خشبة فانتفعوا بها، وأما الغلام فإنه كان طبع يوم طبع كافرا وكان قد ألقى عليه محبة من أبويه ولو أطاعاه لأرهقهما طغيانا وكفرا (٤)﴾ فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما﴾ (٥) ووقع أبوه على أمه فعلقت فولدت منه خيرا منه زكاة (٦) وأقرب رحما، وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة (٧) وكان تحته كنز لهما
_________________
(١) على وقيل لا تكلفني مشقة، يقال أرهقته عسرًا أي كلفته فذلك، يقول لا تضيق على أمري وعاملني باليسر ولا تعاملني بالعسر (١) أي منكرًا قال قتادة النكر أعظم من الإمر لأنه حقيقة الهلاك، وفي خرق السفينة كان خوف الهلاك (٢) بفتح الذال المعجمة أي استحياء لتكرار مخالفته، زاد المسلم فقال رسول الله ﷺ عند هذا المكان. ﵀ علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل لرأي العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة (٣) فيه حذف ولفظ القرآن يعملون في البحر فأردت أن عيبها وكان ملك الخ (٤) أي حملهما عليهما وألحقهما بهما والمراد بالطغيان هنا الزيادة في الضلال (٥) أي ويكون المبدل منه أقرب منه عطفًا ورحمة بأبويه بأن يبرعما ويشفق عليهما (٦) تقدم الكلام على الذي ولدته في شرح الحديث السابق (٧) (تفسير هذه الآية) قال الإمام البغوي في تفسيره كان اسم الغلامين أضرهم وصريم (وكان تحته كنز لهما) اختلفوا في ذلك الكنز روى عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ أنه قال كان ذهبًا وفضة، وقال عكرمة كان مالًا، وعن سعيد بن جبير كان الكنز صحفًا فيها علم، وعن ابن عباس أنه قال لوحًا من ذهب مكتوب فيه عجبًا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبًا لمن أبقى بالحساب كيف يغفل، عجبًا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب، عجبًا لمن أيقن بالقدر كيف ينصب، عجبًا لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الجانب الآخر مكتوب أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، وهذا قول أكثر المفسرين، وروى ذلك مرفوعًا، قال الزجاج الكنز إذا أطلق يتصرف إلى كنز المال، ويجوز عند التقييد أ، يقال عنده كنز علم وهذا اللوح كان جامعًا لهما (وكان أبوهما صالحا) قيل كان اسمه كاشح وكان من الآتقياء. قال بن عباس حفظا بصلاح أبيهما، وقيل كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة أباه: قال محمد ابن المنكدر أن الله يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده وعترته وعشيرته وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم، وقال سعيد بن المسيب أني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي (فأراد
[ ١٨ / ٢٠٦ ]
-[قوله ﷿ (قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي)]-
وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا
(باب قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني الآية) (وعن ابن عباس) (١) عن أبي ٣٤٢ ابن كعب عن النبي ﷺ أنه قرأ (لقد بلغت من لدني عذرا) يثقلها (٢) (وعنه أيضًا) (٣) عن أبي ٣٤٣ ابن كعب قال كان رسول الله ﷺ إذا دعا لأحد بدأ بنفسه فذكر ذات يوم موسى فقال ﵀ علينا وعلى موسى، لو كان صبر لقص الله تعالى علينا من خبره ولكن قال (إن سألتك عن شيء بعدها (٤) فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا) (باب قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي الآية) (عن ابن عباس) (٥) قال قالت قريش ليهود أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل فقالوا سلوه عن الروح فسألوه فنزلت (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) قالوا أوتينا علما كثيرا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا فأنزل الله ﷿ (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر) (سورة مريم) (باب يا أخت هارون) (وعن المغيرة بن شهبة) (٦) قال بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران (٧) قال فقالوا أرأيت ما تقرءون ٣٤٥
_________________
(١) ربك أن يبلغا أشهدهما) أي يبلغا ويعقلاه، وقيل أن يدركا شدتهما وقوتهما، وقيل ثماني عشرة سنة (ويستخرجا) حينئذ (كنزهما رحمة) نعمة (من ربك وما فعلته عن أمري) أي باختياري ورأيي بل فعلته بأمر الله والهامه (ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرًا) أي لم تطق عليه صبرًا واستطاع واسطاع بمعنى واحد، وروى أن موسى لما أراد أن يفارقه قال له أوصني، قال لا تطلب العلم للتحدث به واطلبه لتعمل به اهـ (قلت) واختلف العلماء في أمر الخضر هل هو نبي أو ولي وهل هو حي أو ميت وسيأتي الكلام عليه في باب ذكر الخضر والياس من كتاب أحاديث الأنبياء إن شاء الله تعالى والله الموفق (باب) (١) (سنده) حدثنا أبو عبد الله العنبري حدثنا أمية بن خالد حدثنا أبو الجارية العمدي عن شعبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) أي يثقل النون من لدني قال الإمام البغوي في تفسيره قرأ أبو جعفر ونافع وأبو بكر من لدني خفيفة النون، وقرأ الآخرون بتشديدها، قال ابن عباس أي قد أعذرت فيما بيني وبينك، وقيل قد عذروني أنى لا أستطيع معك صبرا، وقيل اتضح لك العذر في مفارقتي (تخريجه) ابن جرير والبغوي (٣) (سنده) حدثنا يحيى بن أدم حدثنا حمزة بن حبيب الزيات عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (٤) (التفسير) أي أن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة (فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا) أي أعذرت إلى مرة بعد مرة (تخريجه) (م) والطبري والبغوي في تفسيريهما (باب) (٥) (عن ابن عباس الخ) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في تفسير وتخريجه في تفسير قوله ﷿ (ويسألونك عن الروح من سورة الإسراء في هذا الجزء صحيفة ١٦٩ رقم ٣٣٢ فأرجع إليه (باب) (٦) (سنده) حدثنا عبد الله بن ادرسي قال سمعت أبي يذكره عن سماك عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة الخ (غريبه) (٧) بفتح النون وإسكان الجيم وهي بلدة معروفة كانت منزلا للأنصار، وهي بين مكة واليمن على سبع مراحل من مكة، قال في المهذب وأما نجران فليست من الحجاز ولكن صالحهم رسول الله ﷺ على أن لا يأكلوا الربا
[ ١٨ / ٢٠٧ ]
-[(سورة مريم) قوله ﷿ (يا أخت هارون) الآية]-
(يا أخت هارون) (١) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا (٢) قال فرجعت فذكرت لرسول الله ﷺ فقال ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم (٣) (باب وما نتنزل إلا بأمر ربك) ٣٤٦ (عن ابن عباس) (٤) قال قال رسول الله ﷺ لجبريل ما يمنعك أن تزورنا (٥) أكثر مما تزورنا؟ فنزلت (وما نتنزل إلا بأمر ربك (٦) له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا) قال وكان ذلك الجواب لمحمد ﷺ (باب وأن منكم إلا واردها) (عن أم مبشر) (٧) أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند حفصة يقول لا يدخل النار أن شاء الله (٨) من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها (٩) فقالت بلى يا رسول الله
_________________
(١) فأكلوه ونقضوا العهد فأمر بإخراجهم فاجلاهم عمر ﵁ (قال النووي) وهذا الذي قاله في المهذب هو الصواب، قال ونجران مذكورة في باب عقد الذمة في المهذب من قوله ﷺ أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب أهـ (١) بقية الآية (ما كان أبوك أمرأ سوء وما كانت أمك بغيا) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره أي يا شبيهة هارون في العبادة أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة فكيف صدر هذا منك؟ قال علي بن طلحة والسدى قيل لها أخت هارون أي أخي موسى وكانت من نسله كما يقال للتميمي يا أخا تميم وللمضرى يا أخل مضر، وقيل نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون فكانت تتأسى به في الزهادة والعبادة اهـ (٢) أي من طول الزمان مالا يمكن أن تكون مريم أختا لهرون أخى موسى (٣) يعني أن هارون المذكور في قوله تعالى (يا أخت هارون) ليس هو هارون النبس أخا موسى بل المراد بهارون هذا رجل أخر مسمى بهرون لأنهم كانوا يسمون أولادهم بأسماء الأنبياء والصالحين قبلهم (تخريجه) (م نس مذ) (باب) (٤) (سنده) حدثنا عبد الرحمن (يعني ابن مهدي) عن ابن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (غريبه) (٥) أي ما يمنعك أن تجيئا وتتنزل علينا أكثر من ذلك، قيل سبب ذلك احتباس الوحي عنه ﷺ أكثر من عادته (٦) (والتفسير) (وما تتنزل إلا بأمر ربك) أي قال ﷿ قل يا جبريل وما تتنزل وقتا غب وقت إلا بإذن الله على ما تقتضيه حكمته (له ما بين أيدينا) قيل المراد به امر الدنيا (وما خلفنا) أمر الآخرة (وما بين ذلك) ما بين النفختين (قال الحافظ ابن كثير) هذا قول أبي العالية وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة في رواية عنهما والسدى والربيع بن أنس وقيل (ما بين أيدينا) ما يستقبل من أمر الآخرة (وما خلفنا) أي ما مضى من الدنيا (وما بين ذلك) أي ما بين الدنيا والآخرة يروي نحوه عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن جريج والنووي واختاره ابن جرير أيضًا (وما كان ربك نسيا) قال مجاهد والسدى معناه ما نسيك ربك، وقال وهذه الآية كالتي في الضحى يعني (والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى) (تخريجه) (خ نس مذ) (باب) (٧) (سنده) حدثنا حجاج قال أخبرني ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا (يعني ابن عبد الله) قال حدثتني ام مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ عند حفصة يقول إلخ (غريبه) (٨) قال العلماء لا يدخلها أحد منهم قطعًا كما صرح بذلك في أحاديث أخرى ستأتي في باب مناقب من شهد بدراو الحديبية من كتاب المناقب وإنما قال إن شاء الله للتمرك لا للشك (٩) يعني بيعة الرضوان التي قال الله تعالى فيها (لقد رضي الله
[ ١٨ / ٢٠٨ ]
-[تفسير قوله ﷿ (وإن منكم إلا واردها) وكلام العلماء في ذلك]-
فانتهرها فقالت حفصة وإن منكم إلا واردها فقال النبي ﷺ قد قال الله ﷿ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) (عن أبي سمية) (٣) قال اختلفنا في الورود فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا يدخلونها جميعا ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله ﵄ فقلت له إنا اختلفنا في ذلك الورود فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا يدخلونها جميعا فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها (٤) فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار أو قال لجهنم ضجيجا من بردهم: ثم ينجي الله الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) عن شعبة عن السدى عن مُرَّة عن عبد الله ٣٤٩ (يعني ابن مسعود) (وإن منكم إلا واردها) قال يدخلونها أو يلجونها ثم يصدرون منها بأعمالهم: قلت له إسرائيل حدثه عن النبي ﷺ؟ (٦) قال نعم هو عن النبي ﷺ أو كلا ما هذا معناه (٧)
_________________
(١) عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) وكانت بالحديبية وكان المبايعون وأربعمائة وقيل خمسمائة وبايعوا على الموت وعلى أن لا يفروا، وسيأتي تفصيل ذلك في الغزوات إن شاء الله تعالى (١) قال النووي أما قول حفصة بلى وانتهار النبي ﷺ لها فقالت وان منكم إلا واردها فقال النبي ﷺ وقد قال ثم ننجي الذين اتقوا، فيه دليل للمناظرة والاعتراض والجواب على وجه الاسترشاد وهو مقصود حفصة لا أنها أرادت رد مقالته ﷺ، والصحيح أن المراد بالورود في الآية على الصراط وهو جسر منصوب على جهنم فيقع فيها أهلها وينجوا الآخرون (٢) (التفسير) اختلف العلماء في معنى الورود فقيل الدخول وهو مروي عن علي وابن عباس والجمهور، فتكون على المؤمنين الطائعين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، وصحح النووي أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط، وهو قول الحسن وقتادة، وقيل غير ذلك والله أعلم (كان على ربك حتمًا مقضيًا) أي كان ورود جهنم قضاءًا لازمًا قضاه الله تعالى عليكم (ثم ننجي الذين اتقوا) أي الشرك وهم المؤمنون (ونذر الظالمين فيها جثيا) أي جميعا وقيل جاثين على الركب، احتج بهذا القائلون بأن معنى الورود الدخول لأنه قال ونذر: ولم يقل وندخل ومذهب أهل السنة أن صاحب الكبيرة قد يعاقب بقدر ذنبه ثم ينجو لا محالة، وقالت المرجتة الخبيثة لا يعاقب لأن المعصية لا تضر مع الإسلام عندهم، وقالت المعتزلة يخلد العاصي، وكلا المذهبين فاسد حجوج بالأدلة القاطعة وهي معلومة لا نطيل بذكرها والله أعلم (تخريجه) (م) (٣) (سنده) حدثنا سليمان بن حرب ثنا غالب بن سليمان أبو صالح عن كثير بن زياد البرساني عن أبي سمية الخ (غريبه) (٤) هذا نص صريح في أن المراد بالورود الدخول وهو حجة للقائلين بذلك (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله ثقات قال ولجابر في الصحيح في الورود شيء موقوف غير هذا (٥) (حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي الخ) (غريبه) (٦) معناه ان عبد الرحمن بن مهدي قال لشعبه إن إسرائيل روى هذا الحديث عن السدى مرفوعًا إلى النبس ﷺ (٧) يعني أن شعبه اعترف برفعه، أما حديث إسرائيل المشار إليه فقد رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن السدى عن مرة عن عبد الله (وان منكم إلا واردها) قال قال رسول الله ﷺ يرد الناس النار كلهم ثم يصدرون عنها بأعمالهم (زاد الترمذي*
[ ١٨ / ٢٠٩ ]
-[كلام العلماء في معنى الورود وتفسير قوله تعالى (أفرأيت الذي كفر بآياتنا) الآية]-
(باب أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتينّ مالًا وولدا) (عن مسروق) (١) قال قال حبّاب بن الأرتّ (٢) كنت قَيْنًا (٣) بمكة فكنت أعمل للعاص بن وائل (٤) فاجتمعت لي عليه دراهم فجئت أتقاضاه (٥) فقال: لا أقضينك حتى تكفر بمحمد. قال: قلت والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث (٦) قال فإذا بعثت كان لي مال وولد (وفي لفظ مال فضحك ثم قال سيكون لي ثم (٧) مال وولد فأعطيك حقك) قال فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله تعالى (أفرأيت (٨) الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا حتى بلغ فردا
_________________
(١) والحاكم (فأولهم كلمح البصر ثم كحُضر الفرس) أي جريه الشديد (ثم كالراكب في رحله ثم كشد الرجل (أي عدوه) ثم كمشيه (أي المعتاد) (تخريجه) (مذك حق ي) وابن أبي حاتم وحسنه الترمذي وصححه الحاكم وأقره الذهبي (هذا وقد ذكر العلماء) في معنى الورود أقوالًا كثيرة أصحها قولان الدخول والجواز على الصراط، قال الحافظ ولا تنافي بينهما كأن من عبر بالدخول تجوز به عن المرور، ووجهه أن المار عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارة باختلاف أعمالهم، فأعلاهم درجة من يمر كلمح البرق ويؤيد صحة هذا التأويل ما رواه مسلم من حديث أم مبشر فذكره (قلت) تقدم أول الباب (قال وفي هذا بيان ضعف من قال الورود مختص بالكفار، ومن قال معنى الورود الدنو منها، ومن قال معناه الإشراف عليها والله أعلم (باب) (١) (سنده) حدثنا عبد الرازق أنا سفيان عن الأعمش عن أبس الضحى عن مسروق (يعني ابن الأجداع) الخ (غريبه) (٢) بفتح الراء وتشديد الفوقية ٠٣) بفتح القاف وسكون التحتية أي حداد (٤) هو والد وتشديد الفوقية (٣) بفتح القاف وسكون التحتية أي حداد (٤) هو والد عمر بن العاص الصحابي المشهور وكان له قدر في الجاهلية ولم يوفق للإسلام (٥) جاء في رواية البخاري فعملت للعاص بن وائل سيفًا فجئت أتقاضاه (٦) مفهومه أنه يكفر حينئذ لكنه لم يرد ذلك لأن الكفر حينئذ لا يتصور فكأنه قال لا أكفر أبدًا: والنكتة في تعبيره بالبعث تعبير العاص بأنه لا يؤمن به، زاد في رواية البخاري والترمذي قال وأني لميت ثم مبعوث. فقلت نعم، فقال أن لي هناك مالا وولدا فأقضيك (٧) بفتح المثلثة وتشديد الميم أي هناك (٨) (التفسير) (أفرأيت) لما كان مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقًا إلى الإحاطة بها علما وإلى صحة الخير عنها استعملوا أرأيت في معنى أخبره والتاء جاءت لإفادة معناها الذي هو التعقيب كأنه قال أخبر أيضًا بقصة هذا الكافر عقب قصة أولئك المذكورين قبل هذه الآية والتاء بعد همزة الاستفهام عاطفة على مقدر أي انظرت فرأيت (الذي كفر) يعني العاص بن وائل (بآياتنا) أي بالقرآن (وقال لأوتين) أي (أعطين مالًا وولدا) يعني في الجنة بعد البعث (اطلع الغيب) قال ابن عباس معناه انظر في اللوح المحفوظ، وقيل اعلم علم الغيب حتى يعلم في الجنة أم لا (أم اتخذ عند الرحمن عهدا) يعني قال لا إله الله محمد رسول الله، وقيل يعني عمل عملًا صالحًا قدمه، وقيل عهد إليه أن ديخله الجنة (كلا) ردُّ عليه أي لم يحصل ذلك (سنكتب ما يقول) أي سنحفظ عليه ما يقول فنجازيه به في الآخرة، وقيل يأمر الملائكة حتى يكتبوا ما يقول (ونمد له من العذاب مدا) أي نزيده بذلك عذابًا فوق عذاب كفره (ونرثه ما يقول) أي نزوي عنه ما زعم أ، هـ يناله في الآخرة: والمعني مُسَمّى ما يقول وهو المال والولد (ويأتينا) يوم القيامة (فردا) حال أي بلا مال ولا ولد، كقوله تعالى (ولقد جئتمونا فرادى) فما يجدي عليه تمنيه
[ ١٨ / ٢١٠ ]
-[تفسير قوله ﷿ (يوم نحشر إلى الرحمن وفدا) وقوله (يا أيها الناس) أول سورة الحج]-
(باب يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) (ز) (عن النعمان بن سعد) (١) قال كنا جلوسا عند علي ﵁ فقرأ هذه الآية (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) قال لا والله ما على أرجلهم يحشرون ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة (سورة الحج) (باب يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم) الخ الآيتين (عن عمران حصين) (٤) أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال وهو في بعض أسفاره (٥) وقد تفاوت بين أصحابه السير) رفع بهاتين الآيتين صوته (يا أيها الناس اتقوا ربكم أن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل) حتى بلغ الآيتين (٧) قال لما سمع أصحابه بذلك
-----
وتأليه (تخريجه) (ق نس مذ) (باب) (١) (سنده) قال عبد الله بن الإمام أحمد حدثني سويد ابن سعبد أخبرنا على بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق حدثنا النعمان بن سعد قال كنا جلوسا الخ (٢) (التفسير) (وفدا) أي جماعات جمع وافد مثل ركب وراكب وصحب وصاحب، قال ابن عباس ركبانا، وقال أبو هريرة على الإبل، وقال علي بن أبي طالب ما يحشرون والله على أرجلهم ولكن على نوق رحالها الذهب ونجانب جمع نجيب وهو الفاضل من كل حيوان، سُرُجها بواقيت أن هموا بها صارت وان هموا بها طارت (٣) جمع رحل وهو للبعير كالسرج للفرس (وقد ذكر الحافظ ابن كثير) في تفسيره معنى الآية والتي بدعها فقال يخبر تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه في الدار الدنيا واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم وأطاعوهم فيما أمروهم به وانتهوا عما عنه زجروهم انه (يحشرهم يوم القيامة وفدا) إليه والوفد هم القادمون ركبانًا ومنه الوفود، وركبوهم على نجائب من نور من مراكب الدار الأخرى وهم قادمون على خير موفود إليه إلى دار كرامته ورضوانه، وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم فإنهم (ليساقوا عنفًا إلى النار وردا) عطاشًا قاله عطاء وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد، وها هنا يقال (أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا) اهـ (قلت) نديًا بمعنى النادي وهو مجتمع القوم يتحدثون فيه والظاهر أن هذه المزبة لمن لم يدخل النار من المؤمنين (تخريجه) الحديث في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق وهو ضعيف، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه لعبد الله بن الإمام أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم، وأورده الحافظ السيوطي في الدر المنثور وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث وقال الحاكم في المستدرك صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (قلت) وتعقبه الذهبي فقال بل عبد الرحمن هذا لم يرو له مسلم ولا لخاله النعمان وضعفوه (باب) (٤) (سنده) حدثنا يحيى عن هشام ثنا قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين الخ (غريبه) (٥) جاء في رواية أخرى لعمران بن حصين أيضًا وأبي سعيد وغيرهما أن هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني المطصلق ليلا (٦) أي وقع التفاوت والبعد (٧) تكملة الآيتين (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها: وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) (التفسير) قال الإمام البغوي في تفسير قوله ﷿ (يا أيها الناس اتقوا ربكم) أي أحذروا عقابه بطاعته (أن زلزلة الساعة شيء عظيم) والزلزلة والزلزال شدة الحركة على الحالة الهائلة، واختلفوا في هذه الزلزلة فقال علقمة
[ ١٨ / ٢١١ ]
-[تفسير الآيتين من أول سورة الحج وفيه فضل الآمة المحمدية]-
حثو المضى (١) وعرفوا أنه عند قول يقوله (٢) فلما تأشبوا حوله قال أتدرون أي يوم ذاك؟ قال ذلك يوم ينادى ادم فيناديه ربه تبارك وتعال يا أدم ابعث بعثا (٣) إلى النار فيقول يا رب ما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعين (٤) في النار وواحد في الجنة، قال: فأبلس (٥) أصحابه، حتى ما أوضحوا بضاحكة (٦) فلما رأى ذلك قال أعملوا وبشروا فو الذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين (٧) ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه (٨) يأجوج ومأجوج ومن هلك من بني آدم وبني إبليس، قال فأسري (٩) عنهم ثم قال اعملوا وبشروا فو الذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة (١٠) في جنب البعير أو الرقمة (١١)
-----
والشعبي هي من أشراط الساعة وقيام الساعة، وقان للحسن والسدى هذه الزلزلة تكون بيوم القيامة وقال ابن عباس زلزلة الساعة قيامها فتكون معها (يوم ترونها) يعنى الساعة وقيل الزلزلة (تذهل) قال ابن عباس تشغل وقيل تنسى، يقال ذهلت عن كذا إذا تركته واشتغلت بغيرة عنه (كل مرضعة عما أرضعت) أي كل امرأة معها ولد ترضعه، يقال امرأة مرضع بلاهاه. إذا أريد به الصفة مثل حائض وحامل، فإذا أريد به الفعل ادخلوا الها. (وتضع كل ذات حمل حملها) أي تسقط ولدها من هول ذلك اليوم، قال الحسن تذهل المرضعة عن ولدها بغير نظام، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام، وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تتكون في الدنيا لأن بعد البعث لا يكون حمل، ومن قال تكون في القيامة قال هذا على وجه تعظيم الأثر لا على حقيقته كقولهم أصابنا أمر يشيب منه الوليد يريد به شدته (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) قرأ حمزة والكسائي سكرى وما هم بسكرى بلا ألف وهما لغتان في جمع السكران مثل كسلى وكسالى، قال الحسن معناه وترى الناس سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الثواب، وقيل معناه وترى الناس كأنهم سكارى (ولكن عذاب الله شديد) (١) بفتح الميم وكسر الطاء المهملة وتشديد الياء التحتية أي حضوها والمطى جمع مطية وهي الدابة تمطو في سيرها أي تجد وتسرع (٢) أي يريد أن يقول قولا (وقوله فلما تأشبوا) أي اجتمعوا والتفوا حوله (٣) بفتح الموحدة وسكون المهملة قال الحافظ البعث بمعنى المبعوث، وأصلها في السرايا التي سيبعثها الأمير إلى جهة من الجهات للحرب وغيرها ومعناها هنا مّيَّز أهل النار عن غيرهم، وإنما خص بذلك آدم لكونه والد الجميع ولكونه كان قد عرف أهل السعادة من أهل الشقاوة: فقد رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء وعن يمينه أسودة وعن شماله أسودة الحديث (٤) هكذا بالأصل (وتسعين) ومثله عند البخاري وهو منسوب بفعل مضمر مفهوم من سياق متن الحديث أي تخرج من كل ألف إلخ (٥) أي تحيروا ودهشوا لما اعتراهم من الحزن والخوف (٦) أي ما تبسموا، والضواحك الأسنان التي تظهر عند التبسم (٧) أي مخلوقتين (٨) من التكثير أي جعتله كثيرًا (٩) هكذا بالأصل (فأسرى) وعند الترمذي وغيره (فسُرَّى) وهو الظاهر أي كشف وأزيل ما اتعراهم من الشدة والكرب (١٠) قال في القاموس الشامة علامة تخالف البدن الذي هي فيه جمعة شام وشامات، والشامة أثر أسود في البدن وفي الأرض (١١) بسكون القاف قال في النهاية الرقمة هنا الهنة الناتئة في ذراع الدابة من داخل، وهما رقمتان في ذراعيها أهـ وجاء عند البخاري ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود (تخريجه) (مذ نس ك) وصححه الترمذي والحاكم وأقره الذهبي، وروى البخاري نحوه من حديث أبي سعيد الخدري
[ ١٨ / ٢١٢ ]
-[قوله تعالى (ومن يرد فيه بالحاد بظلم) وقوله (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا)]-
في ذراع الدابة (باب ومن يرد فيه بالحاد بظلم) (حدثنا يزيد بن هرون) (١) ٣٥٣ أنبأنا شعبة عن السدى (٢) أنه سمع مُرَّة أنه سمه عبد الله قال لي شعبة ولا أرفعه لك (٣) يقول في قوله ﷿ (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) (٤) قالوا لو أن رجلًا هَمَّ فيه بالحاد وهو بعدن (٥) أبين لأذاقه الله ﷿ عذابًا أليمًا (باب أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) الآية (عن ابن عباس) ٠٦) قال لما خرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر رضي الله أخرجوا نبيهم، إنا ٣٥٤ لله وإنا إليه راجعون ليهلكنّ، فنزلت (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا إن الله على نصرهم لقدير) (٨)
_________________
(١) (باب) (١) (حدثنا يزيد بن هارون الخ) (غريبه) (٢) اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن ومرة هو ابن شراحيل الهمداني وعبد الله هو ابن مسعود (٣) القائل قال لي شعبة هو يزيد بن هارون يريد أن شعبة قد حكى رفع الحديث عن شيخه، وجاء هذا الحديث نفسه عند ابن حاتم في تفسيره من طريق يزيد بن هارون عن شعبة أيضًا وفي أخره قال شعبة هو (يعني شيخه) رفعة لنا وأنا لا أرفعه لكم قال يزيد هو قد رفعه أهـ (قلت) يعني دق رفعه رواية وأن وقفه رأيا، والرفع زيادة من ثقة فتقبل (٤) أول الآية (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد: ومن يرد فيه بالحاد بظلم من عذاب أليم) (التفسير) (إن الذين كفروا) فيما تقدم (ويصدون عن سبيل الله) أي عن طاعته في الحال (والمسجد الحرام) أي ويصدون عن المسجد الحرام (الذي جعلناه للناس) قبلة لصلاتهم ومنسكًا ومتعبدًا كما قال (وضع للناس) (سواء العاكف فيه والباد) العاكف المقيم فيه والبادي الطاريء المنتاب إليه من غيره سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه، وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة، وقالوا المراد منه نفس المسجد الحرام: ومعنى التسوية هو التسوية في تعظيم الكعبة وفي فضل الصلاة في المسجد الحرام والطواف بالبيت (ومن يرد فيه بالحاد) أي بهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار وقوله (بظلم) أي عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتاول كما قال ابن جريح عن ابن عباس هو التعمد، وقال العوفي عن ابن عباس (بظلم) هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من إساءة أو قتل فتظلم من لا يظلمك وتقتل من لا يقتلك فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم كما قال تعالى (نذقه من عذاب أليم) في الآخرة وخبران محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره أن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم، وكل من ارتكب فيه ذنبًا فهو كذلك، ولذلك قال في حديث الباب (لو أن رجلًا هم فيه بالحاد وهو بعدن أبين لأذاقه الله ﷿ عذابًا أليما (٥) عدن بفتح العين والدال المهملتين مدينة معروفة باليمن يقال فيها عدن أبين، قال الحازمي في المؤتلف يقال نسب إلى أبين بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير بن سبأ (تخريجه) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره وأورده الحافظ الهيثمي وقل رواه (حم عل بز) ورجال أحمد رجال الصحيح (باب) (٦) (سنده) حدثنا إسحاق حدثنا سفيان عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (٧) (التفسير) (أذن) قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم أذن بضم الألف والباقون بفتحها أي إذن الله (للذين يقاتلون) قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص يقاتلون بفتح التاء يعني المؤمنين الذين يقاتلهم المشركون، وقرأ الآخرون بكسر التاء يعني الذين أذن لهم بالجهاد.
[ ١٨ / ٢١٣ ]
-[دعاء النبي ﷺ لأمته وفضل العشر الآيات من أول سورة (المؤمنون)]-
قال فعرف أنه سيكون قتال، قال ابن عباس هي أول آية نزلت في القتال (١) (سورة المؤمنون) ٣٥٥ (باب قوله ﷿ قد أفلح المؤمنون الآيات) (عن عبد الرحمن بن القارئَّ) (٢) سمعت عمر بن الخطاب يقول كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يُسمع عند وجهه دوّي (٣) كدومي النحل فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: اللهم زدنا (٤) ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا (٥) ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا، ثم قال لقد أنزلت على عشر آيات من أقامهن (٦) دخل الجنة ثم قرأ علينا (قد أفلح المؤمنون (٧)
_________________
(١) يقاتلون المشركين، قال المفسرون كان مشركوا أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ فلا يزالون محزونين من بين مضروب ومشجوج ويشكون ذلك إلى رسول الله ﷺ فيقول لهم أصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر رسول الله ﷺ فأنزل الله ﷿ هذه الآية، وهي أول آية أذن الله فيها بالقتال (بأنهم ظلموا) يعني بسبب ما ظلموا واعتدوا عليهم بالإيذاء (وأن الله على نصرهم لقدير) فيه وعد من الله بنصر المؤمنين ولا يخلف الله وعده فقد كان ذلك وانتصر المؤمنون (١) قال العوفي عن ابن عباس نزلت في محمد وأصحاب حين أخرجوا من مكة، وقال مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف كابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبيبر وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم هذه أول أية نزلت في الجهاد، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السور مدنية (تخريجه) (نس مذك) وابن جرير وابن حاتم وحسنة الترمذي وصححه الحاكم وأقره الذهبي (باب) (٢) (سنده) حدثنا عبد الرزاق أخبرني يونس بن سُليم قال أملي على يونس بن يزيد ألابلي عن ابن شهاب عن عروة بن الزبر عن عبد الرحمن بن عبد القاري الخ (غريبه) (٣) بفتح الدال المهملة وكسر الواو وتشديد الياء أي سمع قرب وجهه دوى مثل دوى النحل والدوى صوت لا يفهم منه شيء، وهذا الصوت هو صوت جبريل ﵇ يبلغ رسول الله ﷺ الوحي لا يفهم الحاضرون من صوته شيئًا (٤) أي من الخير والترقي وكثرنا (ولا تنقصنا) أي خيرنا ومرتبتنا وعددنا، قال الطيبي عطفت هذه النواهي على الأوامر للمبالغة والتأكيد، وحذف المفعولات للتعميم (٥) بمد الهمزة من الإيثار أي اخترنا برحتمك وإكرامك وعنايتك (ولا تؤثر علينا) غيرنا بلطفك وحمايتك وقيل لا تسلط علينا أعداءنا (٦) أي حافظ وداوم عليهن وعمل بهن (دخل الجنة) أي دخولا أوليا (التفسير) (قد أفلح المؤمنون) أي قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح. قال ابن عباس قد سعد المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة وقيل الفلاح البقاء والنجاة (الذين هم في صلاتهم خاشعون) قال ابن عباس مخبتون أذلاء خاضعون وقيل خائفون، وقيل متواضعون، وقيل الخشوع من أفعال القلب كالخوف والرهبة، وقيل هو من أفعال الجوارح كالسكوت وترك الالتفات وغض البصر، وقيل لابد من الجمع بين أفعال القلب والجوارح وهو الأولى: وقيل الخشوع في الصلاة هو جمع الهمة والإعراض عما سوى الله والتدبير فيما يجري على لسانه من القراءة والذكر (والذين عن اللغو معرضون) قال ابن عباس عن الشرك وقيل عن المعاصي؛ وقيل هو كل باطل ولهو ومالا يحمل من القول والفعل، وقيل هو معارضة الكفار بالشتم والسب (والذين للزكاة فاعلون) أي الزكاة الواجبة مؤدون فعبر عن التأدية بالفعل لأنها فعل (والذين هم
[ ١٨ / ٢١٤ ]
-[تفسير العشر الآيات من أول سورة (المؤمنون) وقوله تعالى (والذين يؤتون ما آتوا) الآيتين]-
حتى ختم العشر (١) (باب والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة الآية) (عن إسماعيل المكي) (٢) قال حدثني أبو خلف مولى بن يجميح أنه دخل مع عبيد بن عمير (٣) ٣٥٦ على عائشة أم المؤمنين في سفينة زمزم ليس في المسجد ظل غيرها فقالت مرحبا وأهلا بأبي عاصم تعني عبيد بن عمير، ما يمنعك أن تزورنا أو تلم بنا؟ فقال أخشى أن أمَّلك، فقالت ما كنت لتفعل، قال جئت أريد أن أسألك عن آية في كتاب الله ﷿ كيف كان رسول الله ﷺ يقرؤها؟ فقالت أية آية؟ فقال (الذين يؤتون ما آتوا (أو) الذين يؤتوا ما أتوا) (٤) فقالت أيتهما أحب
_________________
(١) لفروجهم حافظون) الفروح اسم لسوءة الرجل والمرأة وحفظه التعفف عن الحرام (إلا على أزواجهم) على بمعنى من (أ، ما ملكت أيمانهم) يعني الإماء والجوارى، والآية في الرجال خاصة لأن المرأة لا يجوز لها أن تتمتع بفرج مملوكها (فأنهم غير ملومين) يعني بعدم حفظ فرجه من أمرأته وأمته فأنه لا يلام على ذلك، وأمما لا يلام فيما إذا كان على وجه أذن فيه الشرع دون الإتيان غير المأني وفي حال الحيض والنفاس فأنه محظور ومن فعله فأنه ملوم (فمن ابتغى وراء ذلك) أي النمس وطلب سوى الأزواج والولائد وهن الجوارى المملوكة (فأولئك هم العادون) أي الظالمون المجاوزون الحد من الحلال والحرام (والذين لأمانتهم وعهدهم راعون) أي حافظون يحفظون ما ائتمنوا عليه والعقود التي عاقدوا الناس عليهم يقومون بالوفاء بها وألا كانت (فمنها) ما يكون بين العبد وبين الله تعالى كالصلاة والصوم وغسل الجنابة وسائر العبادات التي أوجبها الله تعالى على العبادات التي أوجبها الله تعالى على العباد فيجب الوفاء بجميعها (ومنها) ما يكون بين العباد كالودائع والصنائع والأسرار وغير ذلك فيجب الوفاء بجميعها (والذين هم على صلواتهم يحافظون) أي يداومون ويراعون أوقاتها أركانها وركوعها وسجودها وسائر شروطها (فإن قلت) كيف كرر ذكر الصلاة أولًا وأخرا (قلت) هما ذكران مختلفان مكررا، وصفهم أولًا بالخشوع في الصلاة وآخرا بالمحافظة عليها (أولئك) يعني أهل هذه الصفة (هم الوارثون) يعني يرثون منازل أهل النار من الجنة، وقيل معنى الوراثة هو أن يؤول أمرهم إلى الجنة وينالوها كما يؤول أمر الميراث إلى الوارث (الذين يرثون الفردوس) هو أعلى الجنة، وثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال إذا سألتم الله الجنة فأسالوه الفردوس فأنه أعلا الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة نسأل الله أن ليوفقنا للعمل بهذه الآيات: وإن يجعلنا من أهل الفردوس في أعلى الجنات (١) يعني الآيات العشرة التي تقدم تفسيرها (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وعزاه للإمام أحمد والترمذي والنسائي وأورده أيضًا الحافظ السيوطي في الدر المنثور وعزاه لعبد الرازق وعيد بن حميد وابن المنذر والعقيلي والبيهقي في الدلائل وأيضًا في المختارة والحديث جاء في المستدرك للحاكم وصححه وأقره الذهبي (باب) (٢) (سنده) حدثنا عفان ثنا صخر بن جويرية قال ثنا إسماعيل المكي الخ (غريبه) (٣) قال في التقريب عبيد بن عمير بن قتادة الليثي أبو عاضم المكي ولد عهد النبي ﷺ قاله مسلم وعده غيره في كبار التابعين وكان قاص أهل مكة مجمع على ثقته مات قبل ابن عمر (٤) (التفسير) (الذين يؤتون ما أتوا) يريد السائل أنها يمد الهمزة أو بقصرها، وبقية الآية (وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) وقد فسر الإمام البغوي رواية المد بقوله
[ ١٨ / ٢١٥ ]
-[كلام علماء القراءات في مد الهمزة وقصرها من قوله تعالى (والذين يؤتوا ما أتوا)]-
إليك؟ قال قلت والذي نفسي بيده لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعًا أو الدنيا وما فيها، قالت آيتهما؟ قلت (الذين يؤتون ما أتوا) قالت أشهد أن رسول الله ﷺ كذلك كان يقرؤها (١) وكذلك أنزلت، أو قالت أشهد لكذلك أنزلت وكذلك كان رسول الله ﷺ يقرؤ، ولكن الهجاء حرف (عن سعيد بن وهب) (٢) عن عائشة ﵂ أنها قال يا رسول الله في هذه الآية (٣) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) يا رسول الله هو الذي يسرق ويزني يشرب الخمر (٤) وهو يخاف الله قال لا يا بنت أبى بكر يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي
_________________
(١) أي يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات، قال وروى عن عائشة أنها كانت تقرأ (والذين يؤتون ما أتوا) يعني بالقصر أي يعملون ما عملوا من أعمال البر أهـ وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (والذين يؤتون ما آتوا) (بمد الهمزة) أي يعطون العطاء (وقلوبهم وجلة) أي وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قصروا في القيام بشروط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط وكما قال الإمام أحمد، وذكر الحديث التالي أعني حديث سعيد بن وهب عن عائشة مؤيدًا به رواية المد ثم قال وهكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري في تفسير هذه الآية، قال وقد قرأ آخرون هذه الآية (والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة) يعني بالقصر أي يفعلون ما يفعلون وهم خائفون قال وروى هذا مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قرأها كذلك (يعني بالقصر) ثم ذكر حديث الباب، قال والمعنى على القراءة الأولى (يعني قراءة المد) قال وهي قراءة الجمهور السبعة وغيرهم أظهر لأنه قال (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون فجعلهم من السابقين ولو كان المعنى على القراءة الأخرى لأوشك أن لا يكونوا من السابقين بل من المقتصدين أو المقصرين والله أعلم أهـ (أنهم إلى ربهم راجعون) أي لأنهم يوثقون أنهم يرجعون إلى الله ﷿ (أولئك يسارعون في الخيرات) يبادرون إلى الأعمال الصالحة (وهم لها سابقون) أي إليها سابقون كقوله تعالى لما نهوا أي إلى ما نهوا، وقال ابن عباس في معنى هذه الآية سبقت لهم من الله السعادة، وقال الكلى سبقوا الأمم إلى الخيرات (١) تعني بالقصر قال الإمام ابن جرير في تفسيره وكأنها تأولت في ذلك والذين يفعلون ما يفعلون من الخيرات وهم وجلون كالذي يذنب الذنب وهو وجل منه (قلت) وهذه القراءة أعني قراءة القصر حديثها ضعيف وتخالف ما اتفق عليه جمهور القراء من قراءة المد، قال الإمام ابن جرير وعلى هذه القراءة أعني على (والذين يؤتون ما آتوا) بلمد قراءة الأمصار وبه رسوم مصاحفهم وبه نقرأ لإجماع الحجة من القراء عليه ووفاقه خط مصاحف المسلمين والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وأورده الحافظ الهيثمي وعزاه للإمام أحمد فقط ثم قال: فيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، وكذلك قال الحافظ ابن كثير في تفسيره، وعلى هذا فلا يحتج به والله أعلم (٣) جاء عند الترمذي قالت سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية) والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة الخ (٤) هذا ما كانت تفهمه عائشة أولا أن الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وقلبه وجل داخل في هذه الآية، فأجابها النبي ﷺ أنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله ﷿ يعني يخاف أن لا تقيل منه لآتهم
[ ١٨ / ٢١٦ ]
-[قوله تعالى (تلفح وجوههم النار) وقوله (الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك)]-
ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله ﷿ (باب تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون) (عن أبي سعيد الخدري) (١) عن النبس ﷺ قال (وهم فيها كالحون) (٢) قال تشويه النار ٣٥٨ فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته (سورة النور) (باب الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) (عن عبد الله بن عمرو) (٣) أن رجلًا من المسلمين استأذن نبي الله ﷺ في امرأة يقال لها أم مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه، وأنه استأذن فيها النبي ﷺ أو ذكر له أمرها، فقرأ النبي ﷺ (الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) قال أنزلت (الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) (٤) قال أبو عبد الرحمن (يعني عبد الله بن الإمام أحمد) قال أبي قال عارم سألت معتمرا عن الحضرمي فقال كان قاصًا وقد رأيته
-----
يوقنون أنهم إلى الله صائرون وليس بعد تفسير النبي ﷺ تفسير، وهذا الحديث حجة لمن قرأ أقر بمد الهمزة والله أعلم (تخريجه) (مذك) وابن أبي حاتم والبغوي في تفسيره وصححه الحاكم وأقره الذهبي (باب) (١) (سنده) حدثنا علي ابن اسحاق حدثنا عبد الله (سعني ابن المبارك) أنا سعيد بن يزيد أن شجاع عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري الخ (٢) (التفسير) أول الآية (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون) أي تحرق وجوههم النار يروي ابن مردويه بسنده عن أبس الدرداء في قول الله تعالى (تلفح وجوههم النار) قال تلفحهم لفحة تسيل لحومهم على أعقابهم (وهم فيها كالحون) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني عابسون، وقال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحرص عن عبد الله بن مسعود (وهم فيها كالحون) قال ألم تر إلى الرأس المشيط الذي قد بدا أسنانه وقلصت شفتاه وقد فسره النبي ﷺ في حديث الباب بقوله تشويه النار فتقلص أي ترتفع شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلي حتى تضرب سرته) يريد أن يكون من أقبح الناس منظرا نعوذ بالله من ذلك، وهذا الوعيد الشديد للكفار بدليل قوله تعالى بعد ذلك (ألم تكن آيلتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون) (تخريجه) (مذك) والبغوي في التفسير، وقال الترمذي هذل حديث حسن غريب صحيح (قلت) وصححه الحاكم وأقره الذهبي (باب) (٣) (سنده) حدثنا حازم حدثنا مستمرة قال قال أبى حدثنا الحضرمي عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمرو (يعني ابن العاص) الخ، وهذا الحديث تقدم بهذا السند والمتن مشروحًا في باب في نكاح الزاني والزانية من كتاب النكاح في الجزء السادس عشر صحيفة ١٩٧ رقم ١٥٦ إلى قوله (قال أنزلت الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) ثم قلت في شرحه عقب ذكر هذا الحديث هنا لأجل تفسير الآية لأنها لم تفسر هناك وهذا محل تفسيرها والله الموفق (٤) (التفسير) أول الآية (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم الله ذلك على المؤمنين) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة أي لا يطارعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك وكذلك (الزانية لا ينكحها إلا زان) أي عاص
[ ١٨ / ٢١٧ ]
-[بيان آيات اللعان وكلام العلماء في ذلك]-
(باب آيات اللعان) (عن ابن شهاب عن سهل) (١) أهـ قال إن رجلًا من الأنصار (٢) جاء إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله؟ (٣) قال فأنزل الله ﷿ في شأنه ما ذكر في القرآن من التلاعن (٤) فقد قضي فيك وفي امرأتك، قال فتلاعنا وأنا شاهد ثم فارقها عند رسول الله ﷺ (باب إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ٣٦١ - إلى قوله- ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) (عن عائشة ﵂) (٥) في حديث الإفك قالت والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في
-----
بزناه (أو مشرك) لا يعتقد تحريمه، قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) قال ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع، لا يزني بها إلا زان أو مشرك وهذا إسناد صحيح، وقد روى عنه من غير وجه أيضًا، وروى عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والضحاك ومكحول ومقاتل بن حيان وغير واحد نحو ذلك، وقوله تعالى (وحرم ذلك على المؤمنين) أي تعاطيه والتزوج بالبغايا أو تزويح الصفائف بالرجال الفجار، وقال أبو داود الطيالسي حدثنا قيس عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (وحرم ذلك على المؤمنين) قال حرم الله الزنا على المؤمنين، وقال قتادة ومقاتل بن حيان حرم الله على المؤمنين نكاح البغايا وتقدم ذلك فقال (وحرم ذلك على المؤمنين) وهذه الآية كقوله تعالى (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان) وقوله محصنين غير مسافحين ولا متخذ اخدان) الآية، ومن هاهنا ذهب الإمام أحمد بن جنبل ﵀ إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغيَّ ما دامت كذلك حتى تستاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى (وحرم ذلك على المؤمنين) ثم ذكر حديث الباب وغيره انتهى ما قاله الحافظ ابن كثير باختصار (هذا) وقد ذكرت مذاهب الآئمة في حكم نكاح الزاني والزانية ووجهة نظرهم في تفسير الآية في شرح باب نكاح الزاني والزانية من كتاب النكاح في الجزء الثاني من كتابي القول الحسن شرح بدائع المنن صحيفة ٣٤٥ و٣٤٦ و٣٤٧ فأراجع إليه تجد ما يسرك والله الموفي (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه (حم طب طس) بنحوه ورجال أحمد ثقات (قلت) في إسناده الحضرمي شيخ مجهول، وأورده الحافظ السيوطي في الدر المنثور وعزاه لعيد بن حميد والحاكم وصححه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (قلت) رواه الحاكم والطبري في روايته نحو معناه مختصرًا بإسناد صحيح ليس فيه الحضرمي، وصححه الحاكم وأقره الذهبي والله أعلم (باب) (١) (سنده) حدثنا حجاج ثنا ليث بن سعد حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سهل (يعني ابن سعد الساعدي) الخ (غريبه) (٢) هو عويمر العجلاني كما صرح به في رواية أخرى (٣) زاد في رواية أخرى (فتقتلونه أم كيف يفعل (٤) يعني من آيات اللعان وهي قوله ﷿ (إن الذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين- إلى قوله- وأن الله تواب حكيم، وقد نقدم تفسير هذه الآيات وكيفية اللعان وحكمه من كتاب اللعان في الجزء السابع عشر صحيفة ٢٦ و٢٧ فأرجع إليه (تخريجه) (ق د س جه) (باب) (٥) (عن عائشة الخ) هذا
[ ١٨ / ٢١٨ ]
-[قوله ﷿ (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) الآيات]-
نفسي من أن يتكلم الله ﷿ فيَّ بأمر يتلى ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، قالت فو الله ما رام (١) رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ وأخذه ما كان يأخذه من البرحاء (٢) عند الوحي حتى انه كان ليتحدر (٣) منه مثلُ الجمان من العرق في اليوم الشاتيّ من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سُرىَّ (٤) عن رسول الله ﷺ وهو يضحك فكان أول (٥) كلمة تكلم بها أن قال ابشري يا عائشة، أمّا الله فقد برأك، فقالت لي أمي قومي إليه (٦) فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي انزل براءتي قالت فانزل الله ﷿: (إِنَّ الَّذين جاءوا بالإفك
_________________
(١) طرف من حديث طويل سياي بطوله وسنده وشرحه وتخريجه في باب حديث الإفك ومحنة عائشة ﵂ من أبواب ذكر ازواجه الطاهرات من كتاب السيرة النبوية، وسيأتي نحوه أيضًا في غزوة بني المطصلف إن شاء الله تعالى، ونكتفي هنا بهذا القدر منه وشرحه وتفسير الآيات المتعلقة به وتلخيص ما ترك منه فنقول كانت عائشة ﵂ مع النبي ﷺ في غزوة بني المصطلق بعد ما أنزل الحجاب حتى إذا فرغ من غزوته تلك ورجع ودنا من المدينة آذن ليلة بالرحيل وكانت عائشة قد ذهبت بقضاء حاجتها قبل أن يرتحل القوم ففقدت عقدها فحسها التماسه فحمل القوم هو دجها ووضعوه على بعيرها يحسبونها فيه ثم ساروا فجاءت عائشة بعد أن وجدت عقدها فلم تجد أحدًا فجلست في المنزل الذي كانت فيه، وكان صفوان بن المعطل من وراء الجيش كما جاء في حديث أبي هريرة عند البزار: وكان صفوان أن يتخلف عن الناس فيصيب القدح والجراب والإدارة يعني مما تركه الناس نسيانًا فيحمله فيقدم به فيعرفه في أصحاب فأصبح عند منزل عائشة فعرفها وكان يراها قبل الحجات، فقال (إن الله وإنا إليه راجعون) ولم يتكلم كلمة غيرها فأناخ راحته وغطت عائشة وجهها بخمارها وأدار وجهه فركبت عائشة وانطلق يقودها حتى أدرك الجيش نازلًا في وسط النهار في شدة الحر، فهناك قال أهل الإفك ما قالوا فيها، وكان الذي تصدى له وتقده رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول وكانت لا تشعر بما يقول الناس إلى أن خرجت هي وأم مسطح ليلًا إلى مكان خارج المدينة لقضاء حاجتهما وذلك قبل أن تتخذ الكنف فعئرت أم مسطح في مرئها فقالت تعس مسطح، فقالت لها عائشة بئس ما قلت أتسبين رجلًا شهد در!؟ فقالت أم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتها بقول الإفك فاستأذنت عائشة النبي ﷺ أن تكون عند أبويها فأذن لها، قالت وبت عند أوي لا يرقأ لي دمع وما اكتحل بنوم وهما يظنان أن الدمع فالق كبدي إلى أن قالت والله ما كنت أظن أن ينز في شأني وحي أي قرآن (الحديث) (١) أي ما قام سول الله صلى الله عيه وسلم من مجلسه الخ (٢) بضم الموحدة وفتح الراء ثم مهملة ممدودا العرق من ضدة ثقل الوحي (٣) بتشديد الدال، واللام للتأكيد أي ينز ويقطر (وقوله مثل الجمان) برفع مثل وضم الجيم وتخفيف الميم أي مثل اللؤلؤ (٤) بضم السين المهملة وتشديد الراء مكسورة وفتح الياء التحتية أي كشف وأزيل عنه ما كان يحمد من ثقل الوحي (٥) نصب أول خ كان: وأسمها أن قال أبشري يعني أن وما بعدها في تأويل مصدر أسم كان وتقديره فكان قوله أبشري يا عائشة أول كلمة تكلم بها (٦) معناه قالت لها أمنها قومي فاحمديه وقبلي رأسه وأشكريه نعمة الله تعالى التي يبشرك، فقالت عائشة ما قالت أدلالا عليه وعتًا لكونهم شكوا في حالها مع علمهم حسن طرائفها وجميل أحوالها
[ ١٨ / ٢١٩ ]
-[قصة الإفك ومحنة عائشة وتفسير آيات الإفك]-
عصبة منكم﴾ عشر آيات فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات براءتي. (١) فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد هذا الذي قال لعائشة، فأنزل الله ﷿: (ولا يأْتل أُولو الفضل منكم والسّعة) إلى قوله: (أَلا تحبون أنْ يغْفِر اللَّه لكم) فقال أبو بكر الصديق والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح لنفقته التي كان ينفق عليه وقال لا انزعها منه ابدًا قالت عائشة وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري وما
-----
وارتفاعها عن هذا الباطل الذي افتراه قوم ظالمون ولا حجة لهم ولا شبهة فيه (١) أي من قوله تعالى (إن الذين جاءوا بالأفك عصبة منكم إلى قوله تعالى - ولولا فضل الله عليكم وحمته وأن الله رءوف رحيم) (التفسير) قوله ﷿ (إن الذين جاءوا بالإفك) الافك هو أ [لغ ما يكون من الكذب والافتراء، والمراد هنا أسوأ الكذب والافتراء على عائشة ﵂ أم المؤمنين بقذفها (عصبة) جماعة من العشرة إلى الأربعين وهم عبد الله بن أبيَّ رأس النفاق وهو الذي تولى كبره منهم أي تحمل معظمه فبدأ بالخوض فيه وإشاعه، وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم (منكم) أي من جماعة المسلمين وهم ظنوا أن الإفك وقع من الكفار دون من كان من المؤمنين (لا تحسبوه) أ] ها المؤمنين غير العصبة (شرًا لكم بل هو خير لكم) يأجركم الله به ويظهر براءة عائشة والرجل الذي رميت به وهو صفوان بن المعطل ﵁ (لكل أمريء منهم) أي عليه (ما اكتسب من الإثم) في ذلك (والذي تولى كبره منهم) أي تحمل معظمه فبدأ الخوض فيه وأشاعه وهو عبد الله ن أبي سلول رأس المنافقين (له عذاب عظيم) هو النار في الآخرة (لولا) هلا (إذ) حين (سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم) أي بإخوانهم وأهل دينهم، فالمؤمنون كنفس واحدة وهو كقوله ولا تلمزوا أنفسكم (خيرًا) أي عفانًا وصلاحًا، والمعنى كان الواجب على المؤمنين إذ سمعوا قو لأهل الأفك أن يكذبوه ويحسنوا الظن ولا يسرعوا في التهمة وقول الزور فيمن عفوا عليه بأربعة شهداء) أي هلا جاءوا على القذف لو كانوا صادقين بأربعة شهداء (فإذ لم يأتوا الشهداء) الأربعة (فالئك عند الله) أي في حكمه وشريعته (هم الكاذبون) أي القاذفون لأنهم م يأتوا ببينة على قولهم فكانوا كاذبين (ولو فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم) لولا هذه لامتناع الشيء لوجود غيره بخلاف ما تقدم، ومعناه لولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك، والخطاب للقذفة، وهذا الفضل هو تأخير العذاب وقبول التوبة ممن تاب (إن تلقونه بألسنتكم) أي يرويه بعضهم عن بعض وذلك أن الرجل منهم يلقي الرجل فيقول بلغني كذا وكذا فهل بلغك يعني حديث عائشة حتى شاع فيما بينهم وانتشر فلم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه (وتقولون بأفواهكم ما يس لكم به علم) أي من غير أن تعلموا أنه حق (وتحسونه هينًا) أي وتظنون أنه سهل لا إثم فيه (وهو عند الله عظيم) أي في الوزر (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك) قيل هو للتعجب وقيل هو للتنزيه (هذا
[ ١٨ / ٢٢٠ ]
-[قوله ﷿ (ولا يأتل أولوا الفض منكم) الآية وتفسيرها]-
عَلِمْتِ أو ما رأيت أو ما بلغك؟ قالت يا رسول الله احمي سمعي وبصري (١) والله ما علمت إلا خيرًا،
قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني (٢) من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله ﷿
_________________
(١) بهتان عظيم) أي كذب عظيم يبهت ويحيَّر من عظمه، وروى أن أم أبي أيوب الأنصاري قال لأبي أيوب ما بلغك ما يقول الناس في عائشة؟ فقال سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت الآية على وفق قوه (يعظكم الله) قال ابن عباس يحرم الله عليكم، وقيل ينهاكم الله (أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله كم الآيات) أي في الأمر والنهي (والله عليم) أي بأمر عائشة وصفوان (حكيم) أي حكم ببراءتهما (إن الذين يحبون أن تشيه الفاحشة) أي يظهر الزنا ويذيع (في الذين آمنوا) قيل الآية مخصوصة من قذف عائشة والمراد بالذين آمنوا عائشة وصفوان، وقيل الآية على العموم فكل من أحب أن تشيع الفاحشة أو تظهر على أحد فهو داخل في حكم هذه الآية، والمراد الذين أمنوا جميع المؤمنين (لهم عذاب أليم في الدنيا) يعني الحدود والذم على فعله (والآخرة) أي وفي الآخرة لهم النار (والله يعلم) كذبهم وبراءة عائشة وما خاضوا فيه من سخط الله (وأنتم لا تعلمون) وقيل معناه يعلم ما في قلب من يحب أن تشيع الفاحشة فيجازيه على ذلك وأنتم لا تعلمون (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) أي لولا أنعامه عليكم لعاجلكم بالعقوبة، قال ابن عباس يريد مسطحًا وحسان ن ثابت وحمنة (وأن الله رءوف) حيث أظهر براءة المقذوف وأثاب (رحيم) بغفرانه جناية القاذف إذا تا (قوله ﷿) (ولا يأتل) أي ولا يحلف من الآليّة وهي القسم وقرأ أو جعفر ولا يتأل بتقديم التاء وتأخير الهمزة وهو يتفعل من الآلية وهي القسم (أولوا الفضل منكم والسعة) يعني الغنى يريد أبى بكر ﵁ (أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سيل الله) يعني مسطحا وكان مسكينًا مهاجرًا بدريًا ابن خالة أبى بكر حلف أو كر أن لا نفق عليه (وليعفوا وليصفحوا) أي عما تقدم منهم من الإساءة والأذى في حق عائشة، وهذا من حلمه تعالى وكمه ولطفه خلقه مع ظلمهم لأنفسهم (قال الحافظ ابن كثير) وهذه الآية نزلت في الصديق ﵁ حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة ابدًا عد ما قال في عائشة ما قال كما تقدم في الحديث، فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين وطابت النفوس الآمنة واستقرت وتاب الله على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك وأقيم الحد على من أقيم عليه، شرع ﵎ وله الفضل والمنة عطف الصديق على قريبه ونسيبه وهو مسطح ابن أثاثة فأنه كان ابنة خالة الصديق وكان مسكينًا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر ﵁، وكان من المهاجرين في سبيل الله وقد زلق زلقة تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها، وكان الصديق ﵁ معروفًا بالمعروف: له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب، فلما نزت هذه الآية إلى قوله (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) الآية فإن الجزاء من جنس العمل فكما تغفر ذنب من أذن إليك يغف الله لك، وكما تصفح يصفح عنك فعند ذلك قال الصديق لي والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا، ثم جع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة وقال والله لا أنزعها منه أبدًا، في مقالة مت كان قال والله لا أنفعه بنافعة أبدًا، فلهذا كان الصديق هو الصديق ﵁ وعن بنته (والله غفور رحيم) معناه اغفروا يُغفر كم (١) أي أصون سمعي وبصري من أن أقول سمعت ولم أسمع وأبصرت ولم أبصر (٢) أي تفاخرني وتضاهيني بجمالها ومكانها عند النبي ﷺ وهي
[ ١٨ / ٢٢١ ]
-[تسمية جماعة ممن رموا عائشة بالإفك وقولها في حسان بن ثابت]-
بالورع (١) وطفقت أختها حَمْنَةُ بنت جحش تحارب لها (٢) فهلكت فيمن هلك (٣) قال ابن شهاب: فهذا ما انتهى الينا من أمر هؤلاء الرهط. (عن عروة من حديث عائشة) (٤) أيضًا قال لم يسم من أهل الإفك إلا حسان بن ثابت. ومسطح بن أثاثة. وحمنة بنت جحش. في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال الله ﷿: وإن كبر ذلك يقال له عبد الله بن أبي ابن سلول، قال عروة كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول إنه الذي قال
(فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء) (٥) (عن عائشة ﵂)
(٦) قالت رميت بما رميت وأنا غافلة (٧) فبلغني بعد ذلك رضخ (٨) من ذلك فبينما رسول الله ﷺ عندي إذ أوحى الله إليه وكان إذا أوحى إليه يأخذه شبه السبات (٩) فبينما هو جالس عندي إذ نزل عليه فرفع رأسه وهو يمسح عن جبينه فقال أبشري يا عائشة: فقلت بحمد الله هز وجل لا بحمدك (١٠) فقرأ (الذين يرمون المحصنات) حتى بلغ (مبرءون مما يقولون) (١١)
_________________
(١) مفاعلة من السمو وهو الارتفاع (١) أي عصمها الله بتقواها من أن تقول كما قال أهل الإفك وما قالت في عائشة إلا خيرًا (٢) أي جعت تتعصب لها أي لأختها زين وخاضت في حديث الإفك لتخفض منزلة عائشة وترفع منزلة أختها زينب (٣) أي وقعت فيما وقع أهل الإفك لكنها تابت وأقيم عليها حد القذف، فقد روت عمرة عن عائشة أن النبس ﷺ ما نزلت آيات الإفك حدّ أربعة نفر عد الله بن أبيَّ. وحسان ن ثابت. ومسح بن أثاثة. وحمنة بنت جحش (تخرجيه) (ق نس) وابن جرير والغوي وغيرهم (٤) هذا طرف من حديث طويل سيأتي بطوله وسنده وتخريجه في باب حديث الإفك ومحنة عائشة ﵂ ضمن أبواب ذكر أزواجه الطاهرات من كتاب السيرة النبوية (٥) جاء عند أن جرير عن عائشة أنها قات ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة قوله لآبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: هجوت محمدا فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولستَ له بكفيء فشركما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه وبجري لا تكدره الدلاء
(٢) (سنده) حدثنا أبو سعيد قال ثنا أبو عوانة قال ثنا عمر (يعني ابن أبي سلمة) عن أبيه عن عائشة الخ (غريه) (٧) تريد ما قاله الناس فيها من حديث الإفك وهي غافلة أي لا تشعر ما يقولون (٨) بفتح الراء وسكون المعجمة، قال في القاموس الرضح خبر تسمعه ولا تستيقنه (٩) السبات نوم المريض والشيخ المسن وهو النومة الخفيفة (١٠) تريد أن الله ﷿ هو الذي أنزل براءتي وأنعم عليَّ بما لم أكن أتوقعه من أن يتكلم الله تعالى في شأني بقرآن يتلى، قات ذلك أدلالا عليهم وعتبًا لكونهم شكوا في حالها مع علمهم بحسن سيرتها وارتفاعها عما نسب إليها مما لا حجة عليه ولا شبهة (١١) الآيات بتمامها هي قوله عز وج (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات عنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجهم بما كانوا يعملون، يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو
[ ١٨ / ٢٢٢ ]
-[تفسير قوله تعالى (أن الذين يرمون المحصنات) إلى قوله (لهم مغفرة ورزق كريم)]-
(سورة الفرقان) (باب والذين لا يدعون مع الله آله آخر) الآية (عن عبد الله) (١) قال سئل رسول الله ﷺ أي الذنب أكبر (٢) قال أن تجعل لله ندأ (٣) وهو خلقك، قال ثم أي قال أن تقتل ولدك أم يطعم معك (٤) قال ثم أي؟ قال أن تزانى جليلة جارك، قال قال عبد الله
_________________
(١) الحق المبين الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم) (التفسير) (أن الذين يرمون المحصنات) أي العفائف (الغافلات) أي عن الفاوحش والغافلة عن الفاحشة هي التي لا يقع في قلبها فعل الفاحشة، وكذلك كانت عائشة ﵂ (المؤمنات) وصفها بالمؤمنات لعلو شأنها (لعنوا) أي عذبوا (في الدنيا) بالحد (والآخرة) أي وفي الآخرة بالنار (ولهم عذاب عظيم) هذا في حق عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق، وروى عن خصيف قال قلت لسعيد بن جبير من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة؟ قال ذاك لعائشة وأزواج النبي ﷺ خاصة دون سائر المؤمنات ليس في ذلك توبة (يعني من قذفهن بعد نزول القرآن) ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ (والذين يمون المحصنات) إلى قوله تابوا فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة، وقيل لهم توبة أيضًا للآية (يوم تشهد عليهم ألسنتهم) هذا قبل أن يختم على أفواههم (وأيديهم وأرجلهم) يروى أنه يختم على الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا وهو قوله (بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) أي جزاءهم الواجب وقيل حسابهم العدل (ويعلمون أن الله هو الحق المبين) أي الموجود الظاهر الذي بقدرته وجود كل شيء، وقيل معناه يبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا، وقال ابن عباس وذلك أن عبد الله بن أبي بن سلول كان يشك في الدين فيعلم يوم القيامة أن الله هو الحق المبين (الخبيثات للخبيثين) قال أكثر المفسرين يعني الخبيثات من القول تقال (للخبيثين) من الناس ومثله (والخبيثون) أي من الناس يتعرضون (للخبيثان) من القول (والطيبات) أي من القول كذلك ومعنى الآية أن الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس والطيب من القول لا يليق إلا بالطيب من الناس، وعائشة لا يليق بها الخبيث من القول لأنها طيبة فيضاف إليها طيب القول من الثناء والمدح وما يليق بها وقيل معناه لا يتكلم بالخبيث إلا الخبيث من الرجال والنساء، وهذا ذم للذين قذفوا عائشة، ولا يتكلم بالطيب من القول إلا الطيب من الرجال والنساء، وهذا مدح الذين بدءوها بالظهارة والمدح لها، وقيل معنى الآية الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء أمثال عبد الله ابن أبي المنافق والشاكين في لدين والطيبات من النساء (للطيبين والطيبون للطيبات) يريد عائشة طيبها الله لرسول ﷺ (أولئك مبرءون) يعني عائشة وصفوان ذكرهما الله بلفظ الجمع منزهون (مما يقولون) يعني أصحاب الأفك (لهم مغفرة) أي عفو لذنوبهم (ورزق كريم) يعني الجنة (تخريجه) (ابن جرير) وسنده جيد (باب) (١) (سنده) حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله (يعني ابن مسعود الخ) (غريبة) (٢) جاء عند الترمذي أي الذنب أعظم، وعند البخاري أي الذنب عند الله أكبر (٣) بكسر النون وتشديد الدال أي مثلًا ونظيرًا (وقوله وهو خلقك) الجملة حال من الله أو من فاعل أن تجعل وفيه إشارة إلى ما استحق به تعالى أن تتخذه ربا وتعبده فأنه خلقك، أو إلى مابه امتيازه تعالى عن غيرة في كونه إله، وإلى ضعف الند أي أن تجعل له ندا وقد خلقك غيره وهو لا يقدر على خلق شيء (٤) أي من جهة إيثار نفسه عليه عند عدم ما يكفي أو من جهة البخل مع الوجدان (٥) تزانى تفاعل وهو
[ ١٨ / ٢٢٣ ]
-[تفسير قوله تعالى (والذين لا يدعون مع الله إله آخر) إلى قوله (فأنه يتوب إلى الله متابا)]-
فأنزل الله تصديق ذلك (١) (والذين لا يدعون مع الله إله آخر (٢) ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما)
_________________
(١) يقتضي أن يكون من الجانبين، قال في المصابيح لعله نبه على شدة قبح الزنا إذا كان منه لا منها بأن يغشاها قائمة أو مكرهة فأنه إذا كان زناه بها مع المشاركة منها له والطواعية كبيرًا: كان زناه بدون ذلك أكبر وأقبح من باب أولى (وقوله حليلة جارك) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام الأولى أي زوجته لأنها تحل له فهي فعلية بمعنى فاعلة أو من الحلول لأنها تحل معه ويحل معها وإنما كان ذلك لأنه زنا وأبطال لما أوصى الله به من حقوق الجيران (١) أي فأنزل الله تصديق قول رسول الله ﷺ (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) الآية (٢) (التفسير) أي لا يشركون بالله ﷿ (ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق) أي لا يقتلون النفس التي هي معصومة في الأصل لا محقين بقود أو رجم الزاني المحصن أو كفر بعد إسلام (ولا يزنون) الزنا وطؤ امرأة غير زوجته وأمته (ومن يفعل ذلك) أي واحدًا من الثلاثة (يلق أثاما) قال ابن عباس إنما يريد جزاء الإثم وبه قال الخليل وسيبويه وأبو عمر الشيباني وقال كثير من المفسرين الأثام واد في جهنم عافانا الله منها، هذا وقد انتهى الحديث إلى قوله أثاما (تخريجه) (ق د لس مذ) والبغوي وابن جرير وابن المنذر وغيرهم، وقد جاء في كتاب الله ﷿ بعد هذه الآية صفة جزاء من فعل ذلك فقال عز من قائل (يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) الآيات، ولأجل تمام الفائدة أذكر ما قيل في تفسير هذه الآيات المتممة للآية المتقدمة فأقول (قوله ﷿) (يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد) قرأ ابن عامر وأبو بكر يضاعف ويخلد برفع الفاء والدال وشدد ابن عامر يضعف، وقرأ الآخرون بجزم الفاء والدال على جواب الشرط (فيه) مكى وحفص بإشباع الها، وإنما خص حفص الإشباع بهذه الكلمة مبالغة في الوعيد والعرب تمد للمبالغة (مهانا) أي ذليلا (إلا من تاب وآمن وعمل صالحًا) قال قتادة إلا من تاب من ذنبه وآمن بربه وعمل عملًا صالحًا فيما بينه وبين ربه، روى البغوي بسنده عن ابن عباس قال قرأناها على عهد رسول الله ﷺ سنتين (والذين لا يدعون مع الله إليها آخر) الآية، ثم نزلت إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا (فما رأيت النبي ﷺ فرح بشيء قط كفرحه بها وفرحه بإنا فتحنا لك فتحًا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (فألئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) ذهب جماعة إلى أن هذا التبديل في الدنيا، قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والسدى والضحاك يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيمانا وبقتل المؤمنين قتل المشركين وبالزنا عفة واحصانا، وقال قوم يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات يوم القيامة، وهو قول سعيد بن المسيب ومكحول وقيل إن الله ﷿ يمحوا بالندم جميع السيئات ثم يثبت مكان كل سيئة حسنة (ومن تاب وعمل صالحا) قال بعض أهل العلم هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا يعني من تاب من الشرك وعمل صالحًا أي أدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن (فإنه يتوب إلى الله) أي يعود إليه بعد الموت (متابا) حسنا يفضل به على غيره ممن قتل وزنى، فالتوبة الأولى وهي قوله (ومن تاب) رجوع عن الشرك، والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة، وقال بعضهم هذه الآية أيضًا في التوبة عن جميع السيئات،
[ ١٨ / ٢٢٤ ]
-[قوله ﷿ (وأنذر عشيرتك الأقربين) وتفسيرها]-
(سورة الشعراء) (باب أن سورة الشعراء من ذوات المائتين وكسر)
(عن مَعدِ كربَ) (١) قال أتينا عبد الله (يعني ابن مسعود) فسألنا أن يقرأ علينا طسم المأنين (٢) فقال ما هي معى ولكن عليكم من أخذها من رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم خبَّاب بن الارت (٣) قال فأتينا خباب بن الأرت فقرأها علينا (باب وأذنر عشيرتك الأقربين) (عن ابن عباس) (٤) قال لما أنزل الله ﷿ (وأنذر عشيرتك الأقربين) (٥) قال أتى النبي ﷺ الصفا فصعد عليه ثم نادى يا صباحاه (٦) فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم (٧) لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح (٨) هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا نعم (٩) قال فإني نذير لكم (١٠) بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب تبا لك (١١) سائر اليوم
-----
ومعناه ومن أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله، وقوله (يتوب إلى الله) خبر بمعنى الأمر أي ليتب إلى الله، وقيل معناه فليعلم أن توبته ومصيره إلى الله، نسأله تعالى أن يجعلنا من التائبين الراجعين إليه (باب) (١) (سنده) حدثنا يحيى بن آدم حدثنا وكيع عن أبيه عن أبي إسحاق عن معد يكرب الخ (قلت) معد يكرب من الأسماء المركبة تركيبًا مزجيًا وهو كل كلمتين جعلتا أسما واحدًا، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتركيب المزجى: ترجمة البخاري في الكبير فقال معد يكرب الهمداني ويقال العبدى كوفى سمع ابن مسعود وخباب بن الأرت، روى عنه أبو إسحاق الهمداني (غريبه) (٢) هي سورة الشعراء وعدد آيتها ٢٢٧ فذكر عددها مع ترك الكسر (٣) بتشديد الموحدة بن الأرت بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناه فوق، كن خباب من السابقين إلى الإسلام وممن عذب في الله تعالى وكان سادس ستة في الإسلام قال مجاهد أول من أظهر إسلامه من الصحابة أبو بكر وخباب وصهيب وبلال وعمار وسمية أم عمار ﵃ أجمعين (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله ثقات، قال ورواه الطبراني (باب) (٤) (سنده) حدثنا عبد الله بن نمير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (٥) (التفسير) (وأنذر عشيرتك الأقربين) خصهم لنفي التهمة إذ الإنسان يساهل قرايته او ليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئًا وأن النجاة في إتباعه دون قربه، ولما نزلت صعد الصفا ونادى الأقرب فالأقرب وقال يا بني عبد المطلب. يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا عباس عم النبي ﷺ يا صفية عمة رسول الله ﷺ أني لا أملك لكم من الله شيئًا (زاد عند البخاري) (وأخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) (واخفض جناحك) أي ألن جانبك وتواضعك، واصله إن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه: فجمل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع ولين الجانب (لمن اتبعك من المؤمنين) فإن قيل ما معنى التبعيض في وقوله من المؤمنين: فالجواب معناه لمن اتبعك من المؤمنين المصدقين بقلوبهم وألسنتهم دون المؤمنين بألسنتهم وهم المنافقون (٦) هذه كلمة اعتادوها عند وقوع أمر عظيم فيقولونها ليجتمعوا ويتأهبوا له (٧) أي أخبروني (٨) قال في المصباح سفح الجبل مثل وجهه وزنا ومعنى (٩) زاد البخاري ما جربنا عليك إلا صدقا (١٠) أي منذر لكم (بين يدي عذاب شديد) أي قدامه (١١) أي خسرانا لك بقية اليوم، وتبا نصب
[ ١٨ / ٢٢٥ ]
-[ما قاله النبي (ﷺ) لأهل بيته وعشيرته عند نزول قوله تعالى ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾]-
أما دعوتنا (١) الا لهذا؟ وأنزل الله ﷿ ﴿تبت (٢) يدا أبي لهب﴾ (عن قبيصة بن المخارق وزهير ابن عمرو) (٣) قالا لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ صعد رسول الله (ﷺ) رضمة من جبل على أعلاها حجر (وفي رواية انطلق إلى رضمة (٤) من جبل فعلا أعلاها) فجعل ينادى يابنى عبد مناف انما أنا نذير انما مثلى ومثلكم كرجل رأى العدّو فذهب يربأ أهله (٥) فخشى أن يسبقوه فجعل ينادى ويهتف ٣٦٨ (٦) يا صباحاه (عن ابى هريرة) (٧) قال لما نزلت هذه الآية ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين) دعا رسول الله (ﷺ) قريشًا فعم وخص (٨) (وفي رواية جعل يدعو بطون قريش بطنًا بطنًا) فقال يا معشر قريش انقذوا (٩) انفسكم من النار، يا معشر بنى كعب بن لؤى أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى عبد مناغ أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فانى والله ما أملك لكم من الله ٣٦٩ شيئًا، الا ان لمن رحما سأبلُّها ببلالها (١٠) (عن عائشة) (﵂) (١١) قالت لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) قام رسول الله (ﷺ) فقال يا فاطمة (١٢) بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب يا بنى عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئًا سلوني من مالي ما شئتم
_________________
(١) على المصدر باضمار فعل أى الزمك الله تبا أى خسرانا (١) بهمزة الاستفهام الاستنكارى (٢) أى هلكت أو خسرت يدا أبى لهب (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير فى تفسيره وقال رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى من طرق عن الأعمش به (٣) (سنده) حدّثنا يحيى بن سعيد حدثنا التيمى عن أبى عثمان عن قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو الخ (غريبه) (٤) الرضمة بفتخ الراء وسكون الضاد المعجمة واحدة الرضم والرضام وهى صخور عظام بعضها فوق بعض، فقوله انطلق الى رضمة أى إلى صخرة من تلك الصخور (فعلا أعلاها) أى ارتقى الى الحجر الذى هو أعلاها كما يستفاد من الرواية الأولى (٥) أى يحفظهم من عدوهم ويتطلع لهم، ومنه يقال للطليعة وبيئة بزنتها (٦) أي يصيح ويصرخ وتقدم معنى قوله يا صباحاه فى شرح الحديث السابق (تخريجه) (م نس) (٧) (سنده) حدّثنا معاوية ابن عمرو قال ثنا زائدة ثنا عبد الله بن عمير عن موسى بن طلحة عن ابى هريرة الخ (غرببه) (٨) يفسر العموم قوله يا معشر قريش، والخصوص نداء قبائلها (٩) الانقاذ التخليص من ورطة قال تعالى ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ (١٠) أى سأصلها بصلتها أى أصلكم فى الدنيا ولا أغنى عنكم من الله شيئا، ومنه بلوا أرحامكم أى صلوها: استعاروا البلل لمعنى الوصل كما استعاروا اليبس لمعنى القطيعة، وفى القاموس البلال ككتاب ويثلث وكل ما يبل به الحلق: وفى النهاية البلال جمع بلل قيل هو كل ما بل الحلق من ماء أو لبن أو غيره (تخريجه) (ق مذ) قال الحافظ ابن كثير ورواه النسائى من حديث موسى ابن طلحة الزهرى عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة (١١) (سنده) حدّثنا وكيع ثنا هشام عن أبيه عن عائشة الخ (غرببه) (١٢) المعروف فى المنادى الموصوف بالابن الفتح ويجوز الضم ولا يجوز فى صفته إلا النصب (١٣) يعنى فى الآخرة لا ينفعكم فيها إلا التقوى واما فى الدنيا فيمكننى أن انفعكم بمالى (تخريجه) (م) وأورده الحافظ ابن كثير فى تفسيره وعزاه للإمام أحمد
[ ١٨ / ٢٢٦ ]
-[قوله تعالى ﴿انك لا تهدى من أحببت﴾ ونصيحة النبى (ﷺ) لأبى طالب عند موته]-
(سورة القصص) (باب انك لا تهدى من أحببت) (عن ابى هريرة) (١) قال قال ٣٧٠ رسول الله (ﷺ) لعمه قل لا اله الا الله اشهد (٢) لك بها يوم القيامة، قال لولا ان تعيرنى (٣) قريش يقولون انما حمله على ذلك الجزع (٤) لا قررت بها عينك (٥) فانزل الله ﷿ ﴿انك لا تهدى من احببت﴾ (٦) (سورة العنكبوت) (باب وتأتون في ناديكم المنكر) (عن ابى صالح) (٧) ٣٧١ مولى ام هانى (بنت ابى طالب) (﵂) قال حدثنى ام هانى قالت لى سألت رسول الله (ﷺ) عن قوله تعالى ﴿وتأتون فى ناديكم المنكر﴾ (٨) قال كانوا يخذفون أهل الطريق ويسخرون
_________________
(١) ثم قال فى آخره انفرد باخراجه مسلم (باب) (١) (سنده) حدّثنا يحيى عن يزيد يعنى ابن كيسان قال حدثنى أبو حازم عن أبى هريرة الخ (غريبه) (٢) اشهد بالجزم على أنه جواب قل وبالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف (٣) من التعيير أى ينسبونى الى العار (٤) بفتح الجيم والزاى هو نقيض الصبر (٥) قال النووى أحسن ما يقال فيه ما قاله أبو العباس، قال معنى أقر الله عينه أى بلغه الله أمنيته حتى ترضى نفسه وتقر عينه فلا تستشرف لشئ، وقال الأصمعى معناه أبرد الله دمعته لأن دمعة الفرح باردة، وقيل معناه أراه الله ما يسره (٦) (التفسير) ﴿انك لا تهدى من أحببت﴾ قال الحافظ ابن كثير يقول تعالى لرسوله (ﷺ) انك يا محمد ﴿لا تهدى من أحببت﴾ أى ليس إليك ذلك انما عليك البلاغ والله يهدى من يشاء وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة كما قال تعالى ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء﴾ وقال تعالى ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ وهذه الآية أخص من هذا كله فإنه قال ﴿انك لا تهدى من أحببت﴾ أى أحببت هدايته وقيل أحببته لقرابته (ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) أى هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغراية (قلت) حديث أبى هريرة هذا يدل على أن أبا طالب مات على الكفر، وحديث سعيد بن المسيب عن أبيه عند الشيخين والامام أحمد، وتقدم فى تفسير قوله تعالى ﴿ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى﴾ من سورة التوبة صريح فى ذلك، ففيه فقال أى عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج بها لك عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله ابن أمية أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شئ كلمهم به على ملة عبد المطلب فقال النبى (ﷺ) لأستغفرن لك ما لم أنه عنك: فنزلت فيه (انك لا تهدى من أحببت) أى نزلت فى أبى طالب عم النبى (ﷺ) وقد كان يحوطه وينصره ويقوم فى صفه ويحبه حبًا شديدًا فلما حضرته الوفاة وحان أجله دعاه رسول الله (ﷺ) إلى الايمان والدخول فى الاسلام فسبق القدر فيه واختطف من يده فاستمر على ما كان عليه من الكفر ولله الحكمة التامة: على أن حبه للنبى (ﷺ) لم يضع عليه بل نفعه نفعًا كبيرًا فقد جاء عند مسلم والامام أحمد وسيأتى فى باب وفاة أبى طالب من كتاب السيرة النبوية عن العباس ابن عبد المطلب أنه قال يا رسول الله عمك أبو طالب كان يحوطك ويفعل، قال إنه فى ضحضاح من نار ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار، وستأتى أحاديث غير هذا فى هذا المعنى فى الباب المشار إليه والله أعلم (تخريجه) (م مذ. وغيرهما) (باب) (٧) (سنده) حدّثنا حماد بن أسامة قال أخبرنى حاتم بن أبى صغيرة وروح قال ثنا حاتم بن أبى صغيرة قال ثنا سماك بن حرب عن أبى صالح الخ (٨) هذه الجملة جزء من آية مرتبطة بآية قبلها وهى قوله ﷿ ﴿ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون
[ ١٨ / ٢٢٧ ]
-[تفسير قوله تعالى ﴿ولوطا إذ قال لقومه انكم لتأتون الفاحشة﴾ الآية قوله ﴿الم غلبت الروم﴾]-
منهم فذاك المنكر الذى كانوا يأتون، قال روح (١) فذلك قوله تعالى ﴿وتأتون فى ناديكم المنكر﴾ ٣٧٢ (سورة الروم) (باب الم غلبت الروم) (عن ابن عباس) (٢) فى قول الله ﷿ ﴿الم غلبت الروم﴾ قال غُلبت (٣) وغَلبت، قال كان المشركون يحبون ان تظهر فارس على الروم لأنهم اهل اوثان، وكان المسلمون يحبون ان تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبى بكر (٤) فذكره ابو بكر لرسول الله (ﷺ) (٥) فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اما انهم سيغلبون (٦) قال فذكره ابو بكر لهم (٧) فقالوا اجعل بيننا وبينك اجلا فان ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وان ظهرتم كان لكم كذا وكذا (٨) فجعل أجلا خمس سنين
_________________
(١) الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر﴾ (التفسير) ﴿ولوطا إذ قال لقومه انكم لتأتون الفاحشة﴾ وهى اتيان الرجال ﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ أى لم يسبقهم الى هذه الفعلة أحد من بنى آدم قبلهم ﴿انكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل﴾ وذلك أنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين فترك الناس الممر بهم، وقيل تقطعون سبيل النسل بايثار الرجال على النساء ﴿وتأتون فى ناديكم المنكر﴾ النادى والندى والمنتدى مجلس القوم ومتحدثهم، وقد فسر النبى (ﷺ) المنكر الذى كانوا يأتونه فى ناديهم يخذف أهل الطريق وأنهم يسخرون منهم، قال الامام البغوى وروى أنهم كانوا يجلسون فى مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى فاذا مر بهم عابر سبيل خذفره فأيهم أصابه كان أولى به، وقيل انه كان يأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثة دراهم ولهم قاض بذلك، وقال القاسم بن محمد كانوا يتضارطون فى مجالسهم، وقال مجاهد كان يجامع بعضهم بعضًا فى مجالسهم، وعن عبد الله بن سلام قال كان يبزق بعضهم على بعض، وعن مكحول قال كان من أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء وحل الازار والخذف واللوطية (١) بفتح الراء وسكون الواو هو ابن عبادة أحد رجال السند يعنى فهذا معنى قوله تعالى ﴿وتأتون فى ناديكم المنكر﴾ (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير فى تفسيره وعزاء للامام أحمد، ثم قال ورواه الترمذى وابن جرير وابن أبى حاتم من حديث أبى أسامة حماد بن أسامة عن أبى يونس القشيرة عن حاتم بن أبى صغيرة عن سماك أهـ (قلت) وأخرجه البغوى من هذا الطريق أيضًا والله أعلم (باب) (٢) (سنده) حدّثنا معاوية بن عمرو حدثنا أبو اسحاق عن سفيان عن حبيب بن أبى عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (غريبه) (٣) بضم الغين المعجمة أى غلبت الروم أوّلا غلبتها فارس (وغلبت) بفتح المعجمة أى ثم غلبت الروم فارس آخرا (٤) أى ذكر المشركون كفار مكة لأبى بكر أن كسرى ملك فارس بعث جيشًا الى قيصر ملك الروم فغلبت فارس الروم فشق ذلك على المسلمين وفرح به كفار مكة وقالوا للمسلمين انكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب (يعنى الروم) ونحن أميون وقد ظهر اخواننا من أهل فارس على اخوانكم من أهل الروم وانكم ان قاتلتمونا لنظهرن عليكم (٥) أى فأنزل الله ﷿ ﴿الم غلبت الروم فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فى بضع سنين- الى قوله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله﴾ (٦) يعنى فارس (٧) أى لكفار مكة قال لهم انكم فرحتم بظهور اخوانكم الفرس فلا تفرحوا فوالله لتظهرن الروم على فارس على ما أخبرنا بذلك نبينا فقام إليه أبى بن خلف الجحى فقال اجعل بيننا وبينك أجلا اله أى مدة (٨) معناه إن ظهرت فارس
[ ١٨ / ٢٢٨ ]
-[تفسير قوله تعالى ﴿الم غلبت الروم﴾ الآية وقوله ﴿ووصينا الإنسان بوالديه﴾ الآيات]-
فلم يظهروا (١) فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال الا جعلتها الى دون (٢) قال أراه قال العشر، قال سعيد بن جبير البضع ما دون العشر ثم ظهرت الروم بعد (٣) قال فذلك قوله ﴿الم غلبت الروم﴾ (٤) الى قوله ﴿ويومئذ يفرح المؤمنوم﴾ قال يفرحون ﴿بنصر الله﴾ (سورة لقمان) (باب ووصينا الانسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن) (عن سعد بن ابى وقاص) (٥) قال قالت امى اليس الله يأمرك ٣٧٣ بصلة الرحم وبر الوالدين؟ والله لا اكل طعامًا ولا اشرب شرابًا حتى تكفر بمحمد (ﷺ) فكانت لا تأكل حتى يشجروا (٦) فمها بعصا فيصبوا فيه الشراب، قال شعبة (احد الرواة) وأراه (٧) قال والطعام فانزلت ﴿ووصينا الانسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن﴾ (٨) وقرأ حتى بلغ بما كنتم
_________________
(١) على الروم فى تلك المدة كان لنا كذا وكذا من المال نأخذه منكم، وان ظهرت الروم على فارس فى تلك المدة كان لكم أن تأخذوا منا مقدار كذا وكذا من المال (١) أى فلم تظهر الروم على فارس (٢) يعنى الا جعلت المدة إلى دون العشر لأن الله تعالى قال فى بضع سنين، والبضع من الثلاث إلى التسع فخرج أبو بكر ولقى أبيا فقال لعلك ندمت؛ قال لا، فتعال أزايدك فى الخطر يعنى المال (وكان ذلك قبل تحريم القمار) وأما دّك فى الأجل يعنى أزيدك، فجعل الأجل تسع سنين وقيل سبع، وجعل المال مائة قلوص يعنى ناقة شابة، ان ظهرت الروم على فارس فى تلك المدة تؤخذ من أبيّ، وان لم تظهر تؤخذ من أبى بكر (٣) كان ظهور الروم على رأس سبع سنين يوم الحديبية وقيل يوم بدر وهذه آية بينة على صحة نبوته (ﷺ) وأن القرآن من عند الله لأنها أنباء عن علم الغيب (٤) (التفسير) ﴿الم غلبت الروم فى أدنى الأرض﴾ أى فى أقرب أرض العرب لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم، والمعنى غلبوا فى أدنى أرض العرب فيهم وهى أطراف الشام، أو أرادوا أرضهم على انابة اللام مناب المضاف إليه أى فى أدنى أرضهم الى عدوهم أى أقرب أرض الشام الى أرض فارس، قال عكرمة هى أذرعات وكسكر، وقال مجاهد أرض الجزيرة، وقال مقاتل الأردن وفلسطين (وهم من بعد غلبهم) أى الروم من بعد غلبة فارس اياهم والغلب والغلبة لغتان (سيغلبون) فارس (فى بضع سنين) والبضع ما بين الثلاث إلى التسع (لله الأمر من قبل ومن بعد) أى من قبل ذلك ومن بعده فبنى على الضم لما قطع المضاف وهو قوله قبل عن الاضافة ونويت ﴿ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) أى للروم على فارس، قال السدى فرح النبى (ﷺ) والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم بدر وظهور أهل الكتاب يعنى الروم على أهل الشرك يعنى فارس ﴿ينصر من يشاء وهو العزيز﴾ الغالب ﴿الرحيم﴾ بالمؤمنين (تخريجه) (مذنس ك) وابن جرير وابن أبى حاتم، وقال الترمذى هذا حديث حسن صحيح غريب انما نعرفه من حديث سفيان الثورى عن حبيب بن أبى عمرة اهـ (قلت) وصححه الحاكم وأقره الذهبى (باب) (٥) هذا طرف من حديث طويل سيأتى بسنده وطوله وشرحه وتخريجه فى باب مناقب سعد بن أبى وقاص من كتاب مناقب الصحابة إن شاء الله تعالى (غريبه) (٦) الشجر بسكون الجيم فتح الفم فقوله حتى يشجروا فمها أى يفتحوه بعصا الخ (٧) بضم الهمزة أى أظنه (٨) (التفسير) ﴿ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن﴾ قال ابن عباس شدة بعد شدة، وقال الزجاج المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والمشقة، ويقال الحمل ضعف. والطلق ضعف. والوضع ضعف. (وفصاله
[ ١٨ / ٢٢٩ ]
-[قوله ﷿ ﴿ان الله عنده علم الساعة﴾ الى آخر السورة وتفسيرها]-
تعلمون﴾ (باب ان الله عنده علم الساعة) (عن ابن عباس) (١) فى حديث جبريل ﵇ انه قال للنبى (ﷺ) حدثنى متى الساعة؟ قال رسول الله (ﷺ) سبحان الله فى خمس من الغيب لا يعلمهن الا هو ﴿ان الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الأرحام، وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا، وما تدرى نفس باى ارض تموت، ان الله عليم خبير﴾ ٣٧٥ (عن بريدة الأسلمى) (٢) قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول خمس لا يعلمهن الا الله تعالى ﴿ان الله عنده علم الساعة (٣) وينزل الغيث، ويعلم ما فى الارحام، وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا، وما تدرى نفس باى أرض تموت: ان الله عليم خبير﴾
_________________
(١) في عامين﴾ أى فطامه عن الرضاع لتمام عامين (ان اشكر لى ولوالديك) هو تفسير لوصينا: أى وصيناه بشكرنا وبشكر والديه، قال سفيان بن عيينة فى هذه الآية من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين فى أدبار الصلوات الخمس فقد شكر الوالدين (الىّ المصير) أى مصيرك الىَّ وحسابك علىّ اجازيك على ذلك أوفر جزاء ﴿وان جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم﴾ اراد بنفى العلم به نفيه أى لا تشرك بى ما ليس بشئ يريد الأصنام (فلا تطعهما) قال النخعة يعنى أن طاعتهما واجبة فان أفضى ذاك الى الاشراك بى فلا تطعهما ما فى ذلك لأنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق ﴿وصاحبهما فى الدنيا معروفا﴾ صفة مصدر محذوف أى صحابا معروفا حسنا بخلق جميل وحلم واحتمال وبر وصلة (واتبع سبيل من أناب الىّ) أى اتبع دين من أقبل الىّ بطاعتى وهو النبى (ﷺ) وأصحابه وكل من تبعه باحسان ﴿ثم الىّ مرجعكم﴾ أى مرجعك ومرجعهما ﴿فانبئكم بما كنتم تعلمون﴾ فأجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما (باب) (١) (عن ابن عباس فى حديث جبريل الخ) هذا طرف من حديث طويل تقدم بسنده وشرحه وتخريجه فى باب بيان الإيمان والاسلام الخ من كتاب الايمان فى الجزء الأول صحيفة ٦٤ رقم ٧ وهو حديث صحيح رواه الشيخان وغيرهما، أما تفسير الآية فسيأتى فى الحديث التالى (٢) (سنده) حدّثنا زيد بن الحباب حدثنا حسين بن واقد حدثنى عبد الله قال سمعت أبى بريدة يقول سمعت رسول الله (ﷺ) الخ (قلت) عبد الله المذكور فى السند هو ابن بريدة راوى الحديث (٣) قال الامام البغوى فى تفسيره هذه الآية نزلت فى الحارث بن عمرو بن حارثة بن حفصة من أهل البادية أتى النبى (ﷺ) فسأله عن الساعة ووقتها وقال ان ارضنا أجدبت فقل لى متى ينزل الغيث، وتركت امرأتى حبلى فما تلد ولقد علمت أين ولدت فبأى أرض أموت؟ فأنزل الله ﷿ هذه الآية (٤) (التفسير) ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ أى وقت قيامها فى يدرى أحد من الناس متى تقوم الساعة فى أى سنة أو أى شهر أو أى يوم ليلًا أو نهارًا (وينزل الغيث) فى إبانه من غير تقديم ولا تأخير فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ليلًا أو نهارًا إلا الله ﴿ويعلم ما فى الأرحام﴾ أذكر أم أنثى أحمر أم أسود تام الخلقة أم ناقص ﴿وما تدرى نفس﴾ بارة أو فاجرة ﴿ماذا تكسب غدًا﴾ من خير أو شر، وربما كانت عازمة على خير فعملت شرًا أو عازمة على شر فعملت خيرًا ﴿وما تدرى نفس بأى أرض تموت﴾ أى أين تموت وربما أقامت بأرض وضربت أوتادها وقالت لا أبرجها فترمى بها رامى القدر حتى تموت فى مكان لم يخطر ببالها، أى ليس أحد من الناس يعلم أين مضجعه من الارض فى برًا أو بحر في سهل أو
[ ١٨ / ٢٣٠ ]
-[قوله ﷿ ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ وكلام العلماء فى سجدة التلاوة]-
(سورة السجدة) (باب تتجافى جنوبهم عن المضاجع) (عن معاذ بن جبل) (١) ٣٧٦ عن النبى ﷺ انه قال ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ (٢) قال قيام العبد من الليل
_________________
(١) جبل (إن الله عليم) بهذه الأشياء وبغيرها من علم الغيب (خبير) أى ببواطن الأشياء كلها ليس علمه محيط بالظاهر فقط بل علمه بالظاهر والباطن وبما كان وبما يكون، قال ابن عباس هذه الخمسة لا يعلمها ملك مقرب ولا نبى مصطفى، فمن ادعى انه يعلم شيئًا من هذه فانه كفر بالقرآن لأنه خالفه والله تعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير فى تفسيره وعزاه للامام احمد وقال هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجوه، وأورده أيضًا الهيثمى وقال رواه احمد والبزار ورجال احمد رجال الصحيح اهـ (قلت) وفى الباب عند الامام احمد والبخارى عن ابن عمر قال قال رسول الله (ﷺ) مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله (إن الله عنده علم الساعة الخ السورة (وللامام احمد أيضًا) قال حدثنا يحيى عن شعبة حدثنى عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال قال عبد الله (يعنى ابن مسعود) أوتى نبيكم مفاتيح كل شئ غير خمس (إن الله عنده علم الساعة الخ السورة وكذا رواه عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو بن مرة وزاد فى آخره قال قلت له أنت سمعته من عبد الله؟ قال نعم أكثر من خمسين مرة (ورواه أيضًا) عن وكيع عن مسعر عم عمرو بن مرة به، قال الحافظ ابن كثير وهذا اسناد حسن على شرط السنن ولم يخرجوه (قلت) وروى الامام احمد أيضًا عن غندر عن شعبة عن عمرو بن محمد انه سمع أباه يحدث عن ابن عمر عن النبى (ﷺ) قال أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس: ان الله عنده علم الساعة الخ السورة والله أعلم (باب) (١) (سنده) حدّثنا زيد بن الحباب حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل الخ (غريبه) (٢) هذه الآية مرتبطة بالآية التى قبلها وهى قوله تعالى ﴿انما يؤمن بآياتنا الذين اذا ذكروا بها خروا سجدًا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع الخ (التفسير) ﴿انما يؤمن بآياتنا﴾ أى انما يصدق بها ﴿الذين إذا ذكروا بها﴾ أى وعظوا بها ﴿خروا سجدًا﴾ أى سجدوا لله تواضعًا وخشوعًا على ما رزقهم من الاسلام واستمعوا لها وأطاعوها قولًا وفعلًا ﴿وسبحوا بحمد ربهم﴾ أى ونزهوا الله عما لا يليق به وأثنوا عليه حامدين له، قيل قالوا سبحان الله وبحمده ﴿وهم لا يستكبرون﴾ عن الايمان به والسجود له (عن أبى هريرة) قال قال رسول الله (ﷺ) اذا قرا ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكى ويقول يا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلى النار، رواه (م حم) وتقدم فى باب فضل سجود التلاوة من كتاب الصلاة فى الجزء الرابع صحيفة ١٥٨ رقم ٩١٣ وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن فتسن للقارى والمستمع وتقدم الكلام على حكمها وكلام الأئمة فى ذلك فى الباب المشار إليه (تتجافى) أى ترتفع وتنحى جنوبهم عن المضاجع، جمع مضجع وهو الموضع الذي يضطجع عليه يعنى الفرش، والمراد بذلك قيام الليل وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة، وهو قول الحسن ومجاهد، عن أنس وعكرمة ومحمد بن المنكدر وأبى حازم وقتادة هو الصلاة بين العشاءين، وعن أنس أيضًا هو انتظار صلاة العتمة رواه ابن جرير باسناد جيد، وقال الضحاك صلاة العشاء فى جماعة وصلاة الغداة فى جماعة ﴿يدعون ربهم خوفًا وطمعًا﴾ قال ابن عباس خوفًا من النار وطمعًا فى الجنة ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ قيل أراد به الصدقة المفروضة، وقيل بل هو عام فى الواجب والتطوع ﴿فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين﴾ أي
[ ١٨ / ٢٣١ ]
-[قوله ﷿ ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر﴾ وتفسيرها]-
(باب ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر)
٣٧٧ (ز) (عن ابى ابن كعب) (﵁) (١) فى هذه الآية ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى (٢)
_________________
(١) مما تقربه أعينهم فلا يلتفتون الى غيره، قال ابن عباس هذا مما لا تفسير له، وعن الحسن اخفى القوم أعمالًا فى الدنيا وأخفى الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت (وعن أبى هريرة) عن النبى (ﷺ) قال اعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، واقرءوا ان شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين (ق حم) ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ أى من الطاعات فى دار الدنيا (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه احمد: وشهر لم يدرك معاذا وفيه ضعف وقد وثق، وبقية رجاله ثقات اهـ (قلت) ورواه (مذ نس جه) والامام احمد فى موضع آخر مطولًا من طرق عن معمر عن عاصم بن أبى النجود عن أبى وائل عن معاذ بن جبل، وقال الترمذى حسن صحيح اهـ وله شواهد كثيرة فى الصحيحين وغيرهما منها حديث أبى هريرة المتقدم ذكره، ومنها حديث سهل بن سعد الساعدى قال شهدت من رسول الله (ﷺ) مجلسًا وصف فيه الجنة حتى انتهى ثم قال فى آخر حديثه وفيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قرأ هذه الآية تتجافى جنوبهم عن المضاجع إلى قوله يعلمون: رواه مسلم ورواه أيضًا الامام احمد وسيأتى فى باب ذكر الجنة وأوصافها من كتاب قيام الساعة ان شاء الله تعالى والله الموفق (باب) (١) (ز) (سنده) حدّثنا عبيد الله بن عمر القواريرى حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن عزرة عن الحسن العدبى عن يحيى بن الجزار عن ابن ابى ليلى عن أبى بن كعب الخ (٢) (التفسير) هذه الآية مرتبطة بالآيات المتقدمة قبلها وهى قوله تعالى ﴿أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا لا يستوون﴾ أى لا يستوون عند الله يوم القيامة، وقد ذكر عطاء بن يسار والسدى وغيرهما أنها نزلت فى على بن أبى طالب والوليد بن عقبة بن أبى معيط أخى عثمان لأمه وذلك، أنه كان بينهما تنازع وكلام فى شئ فقال الوليد بن عقبة لعلى اسكت فانك صبى وأنا والله أنشط منك لسانا واحد سنانا واشجع منك جنانًا وأملًا منك حشوًا فى الكتيبة، فقال له علىّ اسكت فانك فاسق فأنزل الله تعالى ﴿أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا لا يستوون﴾ ولم يقل لا يستويان لأنه لم يرد مؤمنًا واحدًا وفاسقًا واحدًا بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين ﴿أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى﴾ التى يأوى اليها المؤمنون ﴿نزلا بما كانوا يعملون وأما الذين فسقوا﴾ أى خرجوا عن الطاعة ﴿فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ قال الفضيل بن عياض والله إن الأيدى لموثقة وان الأرجل لمقيدة وان اللهب ليرفعهم والملائكة تقمعهم ﴿وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذى كنتم به تكذبون﴾ أى يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى) قال ابن عباس يعنى بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها رآفاتها وما يحل بأهلها مما يبتلى الله به عباده ليتوبوا، وهذا معنى قول أبىّ بن كعب فى الحديث (المصيبات) وروى مثله عن أبى العالية والحسن وابراهيم النخعى والضحاك وعلقمة ومجاهد وقتادة، وهذه واحدة من الآيات الأربع المذكورة فى الحديث التى أصيب بها كفار قريش (والثانية الدخان) على تفسير ابن مسعود قال تعالى ﴿فارتقب يوم تأت السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾ قال ابن مسعود ان رسول الله (ﷺ) لما دعى قريشا (يعنى الى الاسلام) كذبوه واستعصوا عليه فقال اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف فأصابتهم سنة حصت كل شئ (أي أذهبت
[ ١٨ / ٢٣٢ ]
-[قوله ﷿ ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه﴾]-
دون العذاب الأكبر﴾ (١) قال المصيبات والدخان قد مضيا (٢) والبطشة (٣) واللزام (٤)
(سورة الأحزاب) (باب) ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه)
(عن قابوس بن ابى ظبيان) (٥) ان اباه حدثه قال قلت لابن عباس (﵄) ارأيت قول الله ﷿ ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه﴾ ما عنى بذلك؟ قال قام نبى الله (ﷺ) يوما يصلى قال فخطر خطرة (٦) فقال المنافقون الذين يصلون معه الا ترون له قلبين
_________________
(١) كل شئ لهم، حتى كانوا يأكلون الميتة وكان يقوم أحدهم فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجهد والجوع ثم قرأ (فارتقب يوم تأت السماء بدخان مبين "الى قوله" انكم عائدون) (خ حم وغيرهما) وسيأتى فى تفسير سورة الدخان (١) دون العذاب الأكبر) أى سوى العذاب الأكبر وهو عذاب الآخرة فى جهنم ﴿لعلهم يرجعون﴾ أى الى الايمان يعنى من بقى منهم بعد القحط وبعد بدر (٢) روى البخارى عن ابن مسعود قال (مضى خمس الدخان) يعنى قوله تعالى: ﴿يوم تأتى السماء بدخان مبين﴾ (والروم) فى قوله: ﴿آلم غلبت الروم﴾ (والقمر) فى قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ (والبطشة) فى قوله تعالى: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ (واللزام) فى قوله ﴿فسوف يكون لزاما﴾ ويستفاد منه ومن حديث الباب أن الدخان والبطشة واللزام كلها مضت، وانكر ابن مسعود قول من قال ان الدخان يجئ قبيل قيام الساعة (وقال الحافظ) هذا الذى أنكره ابن مسعود قد جاء عن على، فأخرج عبد الرزاق وابن أبى حاتم من طريق الحارث عن على قال آية الدخان لم تمض بعد يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفخ الكافر حتى ينفد، ويؤيد كون آية الدخان لم تمض ما أخرجه مسلم من حديث أبى شريحة رفعه لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة) الحديث، وروى الطبرى من حديث ربعى عن حذيفة مرفوعًا فى خروج الآيات والدخان، قال حذيفة يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا هذه الآية، قال أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيخرج من منخريه وأذنيه ودبره: واسناده ضعيف: وذكر الحافظ روايات أخرى ضعيفة ثم قال لكن تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلا أهـ قال العينى فى العمدة وقال ابن دحية الذى يقتضيه النظر الصحيح حمل أمر الدخان على قضيتين، احداهما وقعت وكانت: والأخرى ستقع أى بقرب القيامة اهـ (قلت وهذا جمع حسن) (٣) قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره فسر ذلك ابن مسعود يعنى البطشة بيوم بدر وهو قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدخان بما تقدم وروى أيضًا عن ابن عباس (﵄) من رواية العوفى عنه، وعن أبي بن كعب (﵁) وهو محتمل: والظاهر أن ذلك يوم القيامة وان كان يوم بدر يوم بطشة أيضًا (٤) قال الترمذى اللزام يوم بدر اهـ وقد اختلف فيه فذكر ابن أبى حاتم فى تفسيره أنه القتل الذى أصابهم ببدر وروى ذلك عن ابن مسعود وأبى بن كعب ومجاهد وقتادة والضحاك، قال القرطبى فعلى هذا تكون البطشة واللزام واحد، وعن الحسن اللزام يوم القيامة، وعنه أنه الموت، وقيل يكون ذنبكم عذابًا لازمًا لكم كذا فى العمدة والله أعلم (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير فى تفسيره وعزاه لعبد الله بن الامام أحمد ثم قال ورواه مسلم من حديث شعبة به موقوفًا نحوه، وعند البخارى عن ابن مسعود نحوه والله أعلم (باب) (٥) (سنده) حدّثنا حسن حدثنا زهير عن قابوس بن أبى ظبيان الخ (غريبه) (٦) يريد الوسوسة التى تحصل للانسان فى صلاته، قال فى النهاية فى حديث سجود السهو حتى يخطر
[ ١٨ / ٢٣٣ ]
-[ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه) وقوله ﴿ادعوهم لابائهم﴾ الخ]-
قال قلب معكم (١) وقلب معهم فأنزل الله ﷿ ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه﴾ (٢) ٣٧٩ (باب ادعوهم لآبائهم هو اقسط عند الله) (عن زيد بن حارثة الكلبى) (٣) مولى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ان عبد الله بن عمر كان يقول ما كنا ندعوه الا زيد بن محمد (٤) حتى نزل القرآن ﴿ادعوهم لآبائهم هو اقسط عند الله﴾ (٥)
_________________
(١) الشيطان بين المرء وقلبه يريد الوسوسة، ومنه حديث ابن عباس قام نبى الله (ﷺ) يوما يصلى فخطر خطرة فقال المنافقون ان له قلبين اهـ وفى رواية صلى النبى (ﷺ) صلاة فسها فيها فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون فقالوا ان له قلبين فنزلت (١) يعنى مع المنافقين (وقلب معهم) يعنى مع أصحابه (٢) هذا الكلام مرتبط بما بعده وبقية الآية ﴿وما جعل أزواجكم اللاتى تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكن قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل﴾ (التفسير) ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه﴾ اى ما جمع الله قلبين فى جوف، والمعنى انه تعالى لم يجعل للانسان قلبين لأنه لا يخلو إما أن يفعل الآخر فعلا من أفعال القلوب فأحدهما فضلة غير محتاج اليه، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك فذلك يؤدى الى اتصاف الجملة بكونه مريدا كارها عالما ظانا موقنا شاكا فى حالة واحدة ﴿وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون منهن امهاتكم﴾ صورة الظهار أن يقول الرجل لامرأته انت علىَّ كظهر أمى يقول تعالى ﴿ما جعل نساءكم اللائى تقولون لهن هذا فى التحريم كأمهاتكم ولكنه منكر وزور وفيه كفارة وتقدم الكلام على ذلك فى كتاب الظهار وما جاء فى لفظه صحيفة ٢١ فى الجزء السابع عشر ﴿وما جعل أدعياءكم﴾ يعنى من تبنيتموه (أبناءكم) فيه نسخ النبى وذلك أن الرجل فى الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالابن المولود له يدعوه الناس اليه ويرث ميراثه وكان النبى (ﷺ) أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى وتبناه قبل الوحى وأخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما تزوج رسول الله (ﷺ) زينب بنت جحش وكانت تحب زيد بن حارثة قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله هذه الآية ونصح النبى ﴿ذلكم قولكم بأفواهكم﴾ لا حقيقة له يعنى قولهم زيد بن محمد كما سياتى فى الحديث التالى وادعاء نسب لا حقيقة له ﴿والله يقول الحق﴾ يعنى قوله الحق ﴿وهو يهدى السبيل﴾ أى يرشد الى سبيل الحق (تخريجه) (؟؟؟؟؟) وابن جرير وابن ابى حاتم وحسنه الترمذى وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال قابوس ضعيف اهـ (قلت) قابوس وثقه ابن معين وقال النسائى ليس بالقوى وقال ابن عدى أرجو انه لا باس به (قلت) ولذلك حسنه الترمذى والله أعلم (باب) (٣) (سنده) حدّثنا عفان حدثنا وهيب حدثنى موسى بن عقبة قال حدثنى سالم عن عبد الله بن عمر عن زيد بن حارثة الكلبى الخ هكذا سنده عند الامام أحمد وجاء عند البخارى قال حدثنا معلىَّ بن أسد حدثنا عبد العزيز ابن المختار حدثنا موسى بن عقبه قال حدثنى سالم عن عبد الله بن عمر (﵄) ان زيد بن حارثة مولى رسول الله (ﷺ) ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد الحديث (٤) أى لأن النبى (ﷺ) كان تبناه قبل النبوة (٥) (التفسير) ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ اى الذين ولدوهم فقولوا زيد بن حارثة (هو أقسط عند الله) أى أعدل عند الله ﴿فان لم تعلموا اباءهم﴾ أى فان لم تعلموا آباءًا تنسبوهم اليهم ﴿فاخوانكم فى الدين ومواليكم﴾ أى فهم اخوانكم فى الدين وأولياؤكم فى الدين، فقولوا هذا أخى وهذا مولاى ويا أخي ويا مولاي يريد
[ ١٨ / ٢٣٤ ]
-[قوله تعالى ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ وفيه منقبة لأنس بن النضر]-
(باب من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الآية)
(عن ثابت) (١) قال انس (٢) عمىِّ قال هاشم (٣) أنس بن النضر سميت به لم ٣٨٠ يشهد مع النبى (ﷺ) يوم بدر قال فشق عليه وقال فى اول مشهد شهده رسول الله (ﷺ) غبت عنه (٤) لئن ارانى الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله (ﷺ) ليرين (٥) الله ما اصنع قال فهاب ان يقول غيرها (٦) قال فشهد مع رسول الله (ﷺ) يوم أحد قال فاستقبل سعد بن معاذ قال فقال له انس يا أبا عمرو (٧) أين؟ واهًا لريح الجنة (٨) اجده دون احد: قال فقاتلهم حتى قتل فوجد فى جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية فقالت أخته عمتى الرُّبيِّع بنت النضر فما عرفت اخى الا ببنانه (٩) ونزلت هذه الآية ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه (١٠)﴾ فمنهم من قضى نحبه
_________________
(١) الأخوة في الدين والولاية فيه ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به﴾ أى قبل النهى فنسبتموه الى غير أبيه ﴿ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ اى من دعائهم الى غير آبائهم بعد النهى، وقيل فيما أخطأتم به أن تدعوه الى غير أبيه وهو يظن أنه كذلك ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ لا يؤاخذكم بالخطأ ويقبل التوبة من المتعمد (تخريجه) (ق مذ نس وغيرهم) (باب) (١) (سنده) حدّثنا بهز وحدثنا هاشم قال ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت الخ (غريبه) (٢) هو ابن مالك خادم النبى (ﷺ) (٣) هاشم هو أحد الراويين الذين روى عنهما الامام أحمد هذا الحديث، والثانى بهز فقال هاشم فى روايته قال أنس عمى أنس بن النضر سميت به لم يشهد الخ فذكر اسم عم أنس، أما بهز فقال فى روايته قال أنس عمى سميت به لم يشهد الخ فلم يذكر اسم عم أنس (ولفظ عمى) مبتدأ وخبره لم يشهد بدرًا وقوله (سميت به) جملة معترضة (٤) يعنى غزوة بدر لأنها أول غزوة خرج فيها النبى (ﷺ) بنفسه مقاتلا، وقد تقدمها غيرها لكن ما خرج فيها (ﷺ) بنفسه مقاتلًا (٥) النووى ضبطوه بوجهين أحدهما ليرين بفتح الياء والمراد أى يراه الله واقعًا بارزًا، والثانى ليرين بضم الياء وكسر الراء ومعناه ايرين الله الناس ما أصنعه ويبرزه الله تعالى لهم (وقوله ما أصنع) مفعول لقوله ليرين، ومراده أن يبالغ فى القتال ولو زهقت روحه (٦) معناه قال أنس بن مالك فهاب أنس بن النضر أن يقول غير هذه الكلمة وذلك على سبيل الأدب منه والخوف لئلا يعرض له عارض فلا يفى بما يقول فيصير كمن وعد فأخلف (٧) كنية سعد بن معاذ (أين؟) أى أين تذهب ولم ينتظر جواب سعد بن معاذ لشدة اشتياقه الى القتال (٨) قال فى القاموس واهاله وبترك تنوينه كلمة تعجب من طيب كل شئ وكلمة تلهف اهـ وفى رواية للبخارى فقال يا سعد انى أجد ريح الجنة دون أحد، قال الحافظ يحتمل أن يكون ذلك على الحقيقة بأن يكون شم رائحة طيبة زائدة عما يعهد فعرف أنها ريح الجنة، ويحتمل أن يكون أطلق ذلك باعتبار ما عنده من اليقين حتى كأن الغائب عنه صار محبوسًا عنده، والمعنى أن الموضع الذى قاتل فيه يؤول بصاحبه الى الجنة (٩) بفتح الباء الموحدة والنون جمع بنانة وهى الأصبع، وقيل طرفها (١٠) (التفسير) ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ المراد بالمعاهدة المذكورة ما تقدم ذكره من قوله تعالى ﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار﴾ وكان ذلك أول ما خرجوا الى أحد وهو قول ابن اسحاق، وقيل ما وقع ليلة العقبة من الأنصار إذ بايعوا النبى (ﷺ) أن يؤووه وينصروه ويمنعوه والأول أقرب ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾ أى مات أو قتل فى سبيل الله، وأصل النحب النذر، فلما كان كل حبى لابد له من الموت فكأنه نذر لازم له، فاذا مات فقد قضاه، والمراد هنا من مات على عهده لمقابلته بمن ينتظر
[ ١٨ / ٢٣٥ ]
-[قوله تعالى ﴿يا أيها النبى قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا الخ﴾ وتفسيرها]-
ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا) فكانوا يرون انها نزلت فيه وفى أصحابه (١) ٣٨١ (باب يا ايها النبى قل لأزواجك ان كنتن تردن الحياة الدنيا الخ) (عن جابر بن عبد الله) (٢) قال اقبل ابو بكر يستأذن على رسول الله (ﷺ) والناس ببابه جلوس فلم يؤذن له، ثم اقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم اذن لابى بكر وعمر (﵄) فدخلا والنبى (ﷺ) جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر لا كلمن النبى (ﷺ) لعله يضحك (٣) فقال عمر يا رسول الله لو رأيت بنت زيد امرأة عمر فسألتنى النفقة آنفا فوجأت عنقهما (٤) فضحك النبى (ﷺ) حتى بدا نواجذه قال هن حولى كما ترى يسألننى النفقة، فقام ابو بكر (﵁) الى عائشة ليضربها، وقام عمر الى حفصة كلاهما يقول تسألان رسول الله (ﷺ) ما ليس عنده؟ فنهاهما رسول الله (ﷺ) فقلن نساؤه والله لا نسأل رسول الله (ﷺ) بعد هذا المجلس ما ليس عنده، قال وانزل الله ﷿ الخيار فبدأ بعائشة فقال انى اريد ان اذكر لك أمرا ما أحب ان تعجلى فيه (٥) حتى تستامرى ابويك قالت ما هو؟ قال فتلا عليها ﴿يا ايها النبى قل لأزواجك﴾ (٦) الآية قالت عائشة افيك استأمر ابوى؟ بل اختار الله ورسوله (٧) وأسألك ان لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال إن
_________________
(١) ذلك وأخرج ذلك ابن أبى حاتم باسناد حسن عن ابن عباس كذا قاله الحافظ (ومنهم من ينتظر) يعنى من بقى بعد هؤلاء المؤمنين ينتظرون أحد الأمرين، إما الشهادة أو النصر على الأعداء ﴿وما بدلوا تبديلًا﴾ أى ما غيروا عهد الله وما نقضوه (١) أى كحمزة وغيره ممن قتلوا فى غزوة أحد (تخريجه) (م نس مذ) وابن جرير وابن أبى حاتم (باب) (٢) (سنده) حدّثنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر: قال ثنا زكريا يعنى ابن اسحاق عن أبى الزبير عن جابر الخ (غريبه) (٣) قال النووى فيه استحباب مثل هذا وان الانسان اذ رأى صاحبه مهمومًا حزينًا يستحب له أن يحدثه بما يضحكه أو يشغله ويطيب نفسه (٤) أى طعنت والعنق الرقبة وهو مذكر والحجاز تؤنث، والنون مضمومة للاتباع فى لغة الحجاز وساكنة فى لغة تميم قاله الفيومى (٥) أى ما أود ان تستعجلى ولا بأس عليك فى التأنى وعدم العجلة (حتى تستأمرى أبويك) أى تشاورى وتطلبى منهما أن يبينا لك رأيهما فى ذلك (٦) (تفسير) ﴿يا أيها النبى قل لأزواجك﴾ وهن تسع وطلبن منه من زينة الدنيا وسعتها ما ليس عنده ﴿ان كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾ أى السعة فى الدنيا وكثرة الأموال (فتعالين) أصل تعال ان يقوله من فى المكان المرتفع لمن فى المكان المستوطى، ثم كثر حتى استوى فى استعماله الأمكنة، ومعنى تعالين اقبلن بارادتكن واختياركن لأحد الأمرين، ولم يرد نهوضهن اليه بأنفسهن كقوله قام يهددنى (امتعكن) أى اعطكن متعة الطلاق وتستحب المتعة لكل مطلقة إلا المفرضة قبل الوطئ ﴿واسرحكن سراحًا جميلًا﴾ أى اطلقكن طلاقًا من غير اضرار، وكن أردن شيئًا من الدنيا من ثياب وزيادة نفقة وتغايرن، فغم ذلك رسول الله (ﷺ) فنزلت فبدأ بعائشة وكانت احبهن اليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤى الفرح فى وجه رسول الله (ﷺ) ثم اختار جميعهن احتيارها ﴿وان كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة﴾ أى الجنة ﴿فان الله أعد للمحسنات منكن﴾ من للبيان لا للتبعيض ﴿أجرًا عظيمًا﴾ ثوابًا جزيلًا فى الجنة (٧) معناه أن هذا الأمر لا يحتاج إلى مشاورة لأنى لا أوثر الدنيا وزينتها على رضا الله ورسوله
[ ١٨ / ٢٣٦ ]
-[قوله ﷿ ﴿انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ الآية]-
الله ﷿ لم يبعثنى معنفا (١) (وفى رواية معنتا أو مفتنا) ولكن بعثنيى معلمًا ميسرًا لا تسألنى امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها (عن عائشة) (٢) قالت لما أمر رسول الله (ﷺ) بتخيير أزواجه ٣٨٢ بد أبى فقال يا عائشة انى اذكر لك امرا ولا عليك أن لا تستعجلى حتى تذاكرى ابويك، قالت وقد علم ان ابوَّى لم يكونا ليأمرانى بفراقه، ثم قال ان الله ﷿ يقول ﴿يا ايها النبى قل لازواجك ان كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها "حتى بلغ" اعد للمحسنات منكن اجرا عظيما﴾ (٣) فقلت فى اى هذا استأمر ابوى فإنى قد اخترت الله ورسوله والدار الآخرة، قالت ثم فعل ازواج النبي (ﷺ) ما فعلت (وفى لفظ) فقلت قد اخترت الله ورسوله، قالت ففرح لذلك رسول الله (ﷺ) (باب انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) (عن عطاء بن ابى رباح) (٤) قال حدثنى من سمع ام سلمة فذكر ان النبى (ﷺ) كان فى بيتها فآتته فاطمة ببرمة (٥) فيها خزبرة فدخلت بها عليه فقال ادعى زوجك وابنيك قالت فجاء على والحسين والحسن فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الخزبرة وهو على منامة له (٦) على دكان تحته كساء له خيبررى قالت وانا اصلى فى الحجرة، فانزل الله ﷿ هذه الآية ﴿انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (٧)
_________________
(١) ونعيم الآخرة ولذلك سر النبي (ﷺ) منها سرورًا عظيمًا وفيه منقبة ظاهرة لعائشة (﵂) (١) العنف هو بالضم الشدة والمشقة: وكل ما فى الرفق من الخير ففى العنف من الشر مثله: وكذا قوله معنتا أى مشددا على الناس وملزما اياهم ما يصعب عليهم (وقوله أو مفتنا) أى ممتحنا ومختبرا طالبا زلاتهم ولكن بعثنى معلما ميسرا وقد أخبرهن النبى (ﷺ) باختيار عائشة فاخترن جميعهن ما اختارت ﵅ (تخريجه) (ق مذنس. وغيرهم) (٢) (سنده) حدثنا يحيى بن اسحاق أخبرنا أبو عوانة عن عمر بن أبى سلمة عن أبيه عن عائشة قالت الخ (غريبه) (٣) تقدم شرح الحديث وتفسير الآية فى شرح الحديث السابق (تخريجه) (ق نس مذ) (باب) (٤) (سنده) حدثنا عبد الله ابن نمير قال حدثنا عبد الملك يعنى ان أبى سليمان عن عطاء بن أبى رباح الخ (غريبه) (٥) البرمة القدر مطلقا، وجمعها برام وهى فى الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن (والخزيرة بخاء معجمة مفتوحة ثم زاى مكسورة لحم يقطع صغارا ويصب عليه ماء كثير فاذا نضج ذر عليه الدقيق، فان لم يكن فيها لحم فهى عصيدة، وقيل هى حسًا من دقيق ودسم، وقيل اذا كان من دقيق فهى حريرة بحاء مهملة ثم راءين، وإذا كان من نخالة فهى خزيرة (نه) (٦) قال فى النهاية (وفى حديث على) دخل علىَّ رسول الله (ﷺ) وأنا على المنامة) قال هى ها هنا الدكان (بتشديد الكاف) التي ينام عليها، وفى غير هذا هى القطيفة والميم الأولى زائدة، (وقال) فى موضع آخر الدكان الدكة المبنية للجلوس عليها والنون مختلف فيها فمنهم من يجعلها أصلا ومنهم من يجعلها زائدة اهـ يستفاد من هذا انه (ﷺ) كان نائما على دكة مفروشة بكساء خيبرى نسبة الى خيبر والله أعلم (٧) (التفسير) ﴿انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس﴾ قيل هو الشك وقيل هو الاثم الذى نهى الله النساء عنه، وقال ابن عباس يعنى عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضا، وقيل الرجس اسم لكل مستقذر من عمل قاله النووى (أهل البيت) نصب على النداء (ويطهركم
[ ١٨ / ٢٣٧ ]
-[كلام العلماء فى أهل البيت المذكورين فى الآية من هم؟]-
قالت فأخذ فضل الكساء فغشاهم به (١) ثم اخرج يده فألوى (٢) بها الى السماء ثم قال اللهم هؤلاء اهل بيتى وخاصتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قالت فأدخلت رأسى البيت فقلت وأنا معكم يا رسول الله؟ قال انك الى خير، انك الى خير (٣) قال عبد الملك وحدثنى ابو ليلى عن ام سلمة مثل حديث عطاء سواء، قال عبد الملك وحدثنى داود بن ابى عوف الجحاف عن حوشب عن ام سلمة بمثله سواء (باب ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات: الى آخر الآية) (عن عبد الرحمن بن شيبة) (٤) قال سمعت أم سلمة زوج النبى (ﷺ) تقول
_________________
(١) تطهيرا) من الأرجاس والأدناس ونجاسة الآثام (١) أى غطاهم (٢) أى رفعها (٣) كررها للتأكيد وجاء عند الترمذى بلفظ (أنت على مكانك وأنت على خير) والمعنى أنت على مكانك من كونك من أهل بيتى، وأنت على خير ولا حاجة لك فى الدخول تحت الكساء كأنه منعها عن ذلك لمكان على (تخريجه) الحديث فى اسناده عند الامام احمد رجل لم يسم لكن له طرق أخرى عنده ليس فيها مجهول كما صرح بذلك عبد الملك فى نفس الحديث، قال وحدثنى أبو ليلى عن أم سلمة مثل حديث عطاء سواء قال عبد الملك وحدثنى داود ابن أبى عوف الجحاف عن حوشب عن أم سلمة بمثله: ورواه أيضا ابن جرير من طرق كثيرة ليس فيها مجهول ويعضد بعضها بعضا، ورواه أيضا الحاكم وصححه وأقره الذهبى (وقد اختلف العلماء) فى أهل البيت المذكورين فى الآية (قال ابن عباس) وعكرمة وعطاء والكلبى ومقاتل وسعيد بن جبير إن أهل البيت المذكورين فى الآية هم زوجات النبى (ﷺ) خاصة قالوا والمراد بالبيت بيت النبى (ﷺ) ومساكن زوجاته لقوله تعالى ﴿واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ (وذهب أبو سعيد الخدرى) وجماعة من التابعين منهم مجاهد وقتادة غيرهم الى أنهم على وفاطمة والحسن والحسين ﵃ (وتمسك الأولون) بما أخرجه ابن أبى حاتم وابن عساكر من طريقر عكرمة عن ابن عباس فى الآية قال نزلت فى نساء النبى (ﷺ) خاصة، وقال عكرمة من شاء باهلته أنها نزلت فى أزواج النبى ﷺ، وروى هذا عنه بطرق (وتمسك الآخرون) بحديث الباب وحديث أنس بن مالك أن رسول الله (ﷺ) كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول الصلاة يا أهل البيت، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت وبطهركم تطهيرا، رواه الترمذى والامام أحمد وسيأتى فى الباب الأول من أبواب مناقب آل البيت من كتاب السيرة النبوية إن شاء الله تعالى (وتوسطت طائفة ثالثة) بين الطائفتين فجعلت هذه الآية شاملة للزوجات ولعلى وفاطمة والحسن والحسين، أما الزوجات فلكونهن المرادات فى سياق هذه الآيات ولكونهن الساكنات فى بيوته (ﷺ) النازلات فى منازله ويعضد ذلك ما تقدم عن ابن عباس وغيره: وأما دخول على وفاطمة والحسن والحسين فلكونهم قرابته وأهل بيته فى النسب: ولحديث زيد بن أرقم عند مسلم والإمام أحمد وتقدم فى أول أبواب الاعتصام بالكتاب والسنة فى الجزء الاول صحيفة ١٨٥ وفيه أن النبى ﷺ قال أذكركم الله فى أهل بيتى ثلاثا فقال له حصين ومن أهل بيته يا زيد! أليس نساؤه من أهل بيته قال نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال ومن هم؟ قال هم آل على وآل عقيل وآل عباس ﵃ وقد رجح هذا القول جماعة من المحققين منهم القرطبي وابن كثير وغيرهما والله أعلم (باب) (٤) (سنده) حدثنا
[ ١٨ / ٢٣٨ ]
-[قوله ﷿ (ان المسلمين والمسلمان) الآية وتفسيرها]-
قلت للنبى (ﷺ) ما لنا لا نذكر فى القرآن كما يذكر الرجال، قالت فلم يرعى (١) منه يومئذ الا ونداؤه على المنبر: قالت وانا اسرح شعرى فلففت شعرى ثم خرجت الى حجرة من حجر بيتى فجعلت سمعى عند الجريد (٢) فاذا هو يقول عند المنبر يا ايها الناس ان الله يقول فى كتابه (ان المسلمين والمسلمات (٣) والمؤمنين والمؤمنات "الخ الآية" اعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما) (باب واتق الله وتخفى فى نفسك الخ) (حدثنا مؤمَّل بن اسماعيل) (٤) ثنا حماد بن زيد ثنا ثابت عن أنس (٥)
_________________
(١) عثمان قال ثنا عبد الواحد بن زياد قال عثمان بن حكيم قال ثنا عبد الرحمن بن شيبة الخ (غريبه) (١) بفتح أوله وضم ثانيه وسكون العين المهملة وكسر النون أى لم أشعر: كأنه فاجأها من غير موعد ولا معررفة ولا وقت خطبه فراعها ذلك وأفزعها (٢) معناه أنها رفعت رأسها الى جهة الجريد الذى هو سقف المسجد إذ ذاك لقرب النبى (ﷺ) وهو على المنبر لكونه غير مرتفع عن المنبر كثيرا (٣) (التفسير) ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾ فى هذا التعبير دلالة على أن الايمان غير الاسلام، والى ذلك ذهب جمهور العلماء لأن المسلم قد يكون مؤمنا فى بعض الأحوال ولا يكون مؤمنا فى بعضها، والمؤمن مسلم فى جميع الأحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا، وأصل الاسلام الاستسلام والانقياد، وأصل الايمان التصديق، فقد يكون المرء مستسلما فى الظاهر غير منقاد فى الباطن، وقد يكون صادقا فى الباطن غير منقاد فى الظاهر، والمراد بالمسلم هنا المنقاد الذى لا يعاند أو المفوض أمره إلى الله المتوكل عليه من أسلم وجهه إلى الله وكذلك المسلمات (والمؤمنين) المصدقين بالله ورسوله وبما يجب أن يصدق به وكذلك (المؤمنات) (والقانتين) القائمين بالطاعة وكذلك (القانتات) (والصادقين) فى النيات والأقوال والأفعال وكذلك (الصادقات) والصابرين على الطاعات وعن السيئات وفى المحن والابتلاء وكذلك (الصابرات) (والخاشعين) المتواضعين لله بالقلوب والجوارح الخائفين من عذابه وكذلك (الخاشعات) والمتصدقين والمتصدقات فرضا ونفلا (والصائمين والصائمات) فرضا ونفلا (والحافظين فروجهم) مما لا يحل وكذلك (الحافظات) فروجهن (والذاكرين الله كثيرا) بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر ايضا وكذلك (الذاكرات) (أعد الله لهم مغفرة) أى بمحو ذنوبهم (وأجرا عظيما) يعنى الجنة لا أحرمنا الله منها (تخريجه) (نس ك) وابن جرير وصححه الحاكم وأقره الذهبى (فائدة) عن عطاء بن ابى رباح قال من فورض أمره إلى الله فهو داخل فى قوله (إن المسلمين والمسلمات) ومن أقر بأن الله ربه ومحمدا رسوله ولم يخالف قلبه لسانه فهو داخل فى قوله (والمؤمنين والمؤمنات) ومن أطاع الله فى الفرض والرسول فى السنة فهو داخل فى قوله (والقانتين والقانتات) ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل فى قوله (والصادقين والصادقات) ومن صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الرذية فهو داخل فى قوله (والصابرين والصابرات) ومن صلى فلم يعرف من عن يمينه وعن شماله فهو داخل فى قوله (والخاشعين والخاشعات) ومن تصدق فى كل أسبوع بدرهم فهو داخل فى قوله (والمتصدقين والمتصدقات) ومن صام ل شهر أيام البيض وهى الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فهو داخل فى قوله (والصائمين والصائمات) ومن حفظ فرجه مما لا يحل فهو داخل فى قوله (والحافظين فروجهم والحافظات) ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل فى قوله (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) نسأل الله أن يجعلنا منهم آمين (باب) (٤) (حدثنا مؤمل بن إسماعيل الخ) (غريبه) (٥) (يعني ابن مالك
[ ١٨ / ٢٣٩ ]
-[قوله تعالى (وإذ تقول للذى أنعم الله عليه- الى قوله- وكان أمر الله مفعولا) وتفسيرها]-
قال أتى رسول الله (ﷺ) منزل زيد بن حارثه فرأى امرأته زينب وكأنه دخله (١) لالا أدرى من قول حماد أوفى الحديث فجاء زيد يشكوها اليه (٢) فقال له النبى (ﷺ) أمسك عليك زوجك ٣٨٦ واتق الله، قال فنزلت (واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه الى قوله زوجناكها يعنى زينب (٣) (عن عائشة ﵂) (٤) قالت لو كان رسول الله (ﷺ) كانما شيئا مما انزل الله عليه لكتم هذه الآيات على نفسه (٥) (واذ تقول للذى أنعم الله عليه (٦) وانعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله احق ان تخشاه "الى قوله" وكان أمر الله مفعولا)
_________________
(١) أي دخله شئ من ميل القلب كما يستفاد من روايات أخرى لغير الامام أحمد، ولذلك قال الراوى إما مؤمّل أو الامام احمد لا أدرى (يعنى لفظ دخله من قول حماد أو فى الحديث) يعنى قول أنس، وهذا ليس فيه طعن على مقام النبوة، لأن الميل القلبي لا يملكه الانسان لاسيما بعد أن اعلمه الله ﷿ أنها ستكون زوجة له، وهذا على فرض صحة الأحاديث التي وردت بذلك. على أنها لا تخلو من علة، ونحو ذلك قال الامام البغوى فى نفسيره (٢) روى الامام البغوى أن زيدا اتى رسول الله (ﷺ) فقال انى أريد أن أفارق صاحبتى: قال مالك؟ أرابك منها شئ؟ قال لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيررا ولكنها تتعظم على لشرفها وتؤذينى بلسانها، فقال له النبى (ﷺ) أمسك عليك زوجك الخ (٣) سيأتى تفسير الآية فى الحديث التالى (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام احمد من حديث أنس وفى اسناده مؤمل (بوزن محمد) ابن اسماعيل العدوى مولاهم أبو عبد الرحمن، قال فى الخلاصة روى عن شعبة والثورى وجماعة وعنه أحمد واسحاق وابن المدينى وطائفة، وثقه ابن معين: وقال البخارى منكر الحديث مات سنة ست ومائتين أهـ وفى التهذيب قال أبو حاتم صدوق كثير الخطأ وأشار إليه الحافظ ابن كثير فقال وقد روى الامام احمد ها هنا أيضا حديثا من رواية حماد بن زيد عن ثابت عن أنس فيه غرابة تركنا سياقه، قال وقد روى البخارى بعضه مختصرا فذكر سند البخارى إلى أنس بن مالك قال ان هذه الآية وتخفى فى نفسك ما الله مبديه نزلت فى شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثه ﵄ (٤) (سنده) حدثنا ابن أبى عدى عن داود عن عامر قال قالت عائشة لو كان الخ (غريبة) (٥) أى لأن فيها عتابا شديدا من الله ﷿ لنبيه (ﷺ) (٦) (التفسير) يقول تعالى مخبرا عن نبيه (ﷺ) (وإذ تقول للذى أنعم الله عليه) بالاسلام الذي هو أجل النعم، وأنعمت عليه بالاعتاق والتبنى، فهو متقلب فى نعمة الله ونعمة رسوله، وهو زيد بن حارثة كان من سبى الجاهلية اشتراه رسول الله (ﷺ) فى الجاهلية وأعتقه وتبناه (أمسك عليك زوجك) أى لا تطلق زوجك وهى زينب بنت جحش ابنة عمة رسول الله (ﷺ) وأمها أميمة بنت عبد المطلب (واتق الله) فى أمر طلاقها (وتخفى) الواو للحال أى والحال انك تخفى (فى نفسك ما الله مبديه) أى مظهره وهو نكاحها بعد طلاقها من زيد، وقيل حبها والصحيح المعول عليهالأول، روى ابن أبى حاتم قال حدثنا على بن هاشم بن مرزوق حدثنا ابن عيينة عن على بن زيد بن جدعان قال سألنى على بن الحسين (يعنى زين العابدين) ما يقول الحسن (يعنى البصرى) فى قوله تعالى ﴿وتخفى فى نفسك ما الله مبديه﴾ قلت يقول لما جاء زيد إلى النبى (ﷺ) فقال يا نبى الله انى أريد أن أطلق زينب فأعجبه ذلك فقال أمسك عليك زوجك واتق الله، فقال على بن الحسين ليس كذلك بل كان الله تعالى قد أعلمه
[ ١٨ / ٢٤٠ ]
-[قوله ﷿ ﴿يا أيها النبى انا أحللنا لك أزواجك﴾ الآية]-
(باب يا أيها النبى إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن الخ) (عن ابن عباس) (١) قال نهى رسول الله (ﷺ) عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات (٢) ثم قال (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك) (٣) وأحل الله ﷿ فتياتكم المؤمنات (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى) (٤) وحرم كل ذات دين غير دين الاسلام (٥) (قال ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو فى الآخرة من الخاسرين) وقال (يا أيها النبى إنا أحللنا لك أوزاجك اللاتى آتيت أجورهن (٦) وما ملكت يمينك -الى قوله (خالصة لك من دون المؤمنين) وحرم سوى ذلك من أصناف النساء
_________________
(١) أنها ستكون من أزواجه وان زيدا سيطلقها، فلما جاء زيد وقال إنى أريد أن أطلقها قال له أمسك عليك زوجك، فعاتبه الله وقال لم قلت أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك؟ وهذا هو اللائق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة، وهكذا روى عن السدى انه قال نحو ذلك (وتخشى الناس) أي تستحييهم وقيل تخاف لائمتهم وأن يقول الناس تزوج محمد زوجة ابنه (والله أحق أن تخشاه) لم يرد به انه لم يكن يخشى الله فيما سبق فانه (ﷺ) فقد قال (انا اخشاكم واتقاكم) ولكنه لما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله تعالى أحق بالخشية فى عموم الأحوال وفى جميع الأشياء، قال عمر وابن مسعود وعائشة ما نزلت على رسول الله (ﷺ) آية هى أشد عليه من هذه الآية، ولذلك قالت عائشة فى حديث الباب لو كان رسول الله (ﷺ) كانما شيئا مما أنزل الله عليه لكتم هذه الآيات على نفسه (فلما قضى زيد منها وطرا) الوطر الحاجة، فاذا بلغ البالغ حاجته من شيء له فيه همة قيل قضى منه وطره، والمعنى فلما لم يبق الزيد فيها حاجة وتقاصرت عنها همته وطلقها وانقضت عدتها (زوجناكها) قال أنس كانت زينب تفتخر على أزواج النبى (ﷺ) تقول زوجكن أولياؤكن وزوجنى الله من فوق سبع سماوات: وقال الشعبى كانت زينب تقول للنبى (ﷺ) انى لأدل عليك بثلاثة ما من امرأة من نسائك تدل بهن، جدى وجدك واحد، رانى انكحنيك الله فى السماء، وان السفير جبريل ﵇ (لكيلا يكون على المؤمنين حرج) أي ضيق علة للتزويج، وهو دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد إلا ما خصه الدليل (فى أزواج أدعيائهم) جمع دعى وهو المتبنى أى فى التزويج بأزواج من يجعلونه ابنا (إذا قضوا منهن وطرا) أى اذا طلق الأدعياء أزراجهم بخلاف ابن الصلب فان امرأته تحرم على أبيه بمجرد العقد (وكان أمر الله مفعولا) أى قضاء الله ماضيا وحكمه نافذا وقد قضى فى زينب ان يتزوجها رسول الله (ﷺ) (تخريجه) (خ) والبغوى وابن جرير (باب) (١) (سنده) حدثنا أبو النضر حدثنا عبد الحميد حدثنى شهر عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) يعنى المذكورات فى قوله تعالى ﴿يا أيها النبى إنا أحللنا لك أزواجك اللاتى آتيت أجورهن﴾ "الى قوله" خالصة لك من دون المؤمنين (٣) هذه الآية جاءت فى الحديث متقدمة عن مكانها وسيأتى تفسيرها فى بابها (٤) سيأتى تفسيرها قريبا فى هذا الباب (٥) يعنى الكتابيات وغيرهن، وهذا فى حقه (ﷺ) خاصة بخلاف غيره من أمته فيجوز له نكاح الكتابية (٦) (التفسير) (يا أيها النبى إنا أحللنا لك أزواجك اللاتى آتيت أجورهن) أى مهورهن (وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك) أى أباح لك التسرى مما أخذت من الغنائم، وقد ملك صفية وجويرة فاعتقهما وتزجهما، وملك ريحانة بنت شمعون النضرية
[ ١٨ / ٢٤١ ]
-[قوله تعالى (ترجى من تشاء منهن وتؤوى اليك من تشاء)]-
(باب ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء) الخ (عن هشام بن عروة) (١) عن أبيه عن عائشة (﵂) أنها كان تعير (٢) النساء اللاتى وهبن (٣) أنفسهن لرسول الله (ﷺ) قالت ألا تستحى المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق؟ فنزل أو قال فأنزل الله (ترجى من تشاء منهن (٤)
_________________
(١) وماريه القبطية أم ابنه ابراهيم ﵇ وكانت من السرارى (وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتى هاجرن معك، أى إلى المدينة فمن لم تهاجر منهن لم يجز له نكاحها، وروى أبو صالح عن أم هانئ أن رسول الله (ﷺ) لما فتح مكة خطبني فأنزل الله هذه الآية فلم أحل له لأنى لم أكن من المهاجرات وكنت من الطلقاء ثم فسخ شرط الهجرة فى النكاح (وامرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبى أن أراد النبى أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) اى احلل لك امراة مؤمنة وهبت نفسها للنبى (ﷺ) بغير صداق. فأما غير المؤمنة فلا تحل له إذا وهبت نفسها منه، وكان النكاح ينعقد فى حقه بمعنى الهبة من غير ولى ولا شهود ولا مهر، وكان ذلك من خصائصه (ﷺ) فى النكاح لقوله تعالى (خاصة لك من دون المؤمنين) كالزيادة على الأربع ووجوب تخيير النساء كان من خصائصه لا مشاركة لأحد معه فيه، واختلفوا فى التى وهبت نفسها لرسول الله (ﷺ) وهل كانت عنده امرأة منهن؟ فقال عبد الله بن عباس ومجاهد لم يكن عند النبى (ﷺ) امرأة وهبت نفسها منه ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين وقوله (ان وهبت نفسها على سبيل الفرض والتقدير، روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس انه (ﷺ) لم يقبل واحدة لمن وهبت نفسها له، وانه كان ذلك مباحا له ومخصوصا به لأنه مردود الى مشيئته كما قال تعالى "ان اراد النبى ان يستنكحها، أى ان اختار ذلك: وقال آخرون بل كانت عنده مرهونة واختلفوا فيها: "فقال الشعبى هى زينب بنت خزيمة هلالية يقال لها أم المساكين، قال الحافظ ابن كثير المشهوران زينب التى كانت تدعى ام المساكين هى زينب بنت خزيمة الانصارية وقد ماتت عند النبى (ﷺ) قال قتادة هى ميمونه بنت الحارث وقال على بن الحسين والضحاك ومقاتل هى أم شريك بنت جابر؟ بنى أسد، وقال عروة بن الزبير هى خولة بنت حكيم من بنى سليم (قد علمنا ما فرضنا عليهم) أي ما أوجب من المهرر على امتك فى زوجاتهم وما اوجبنا عليهم (فى ازواجهم) من الحقوق والأحكام ان لا يتزوجوا أكثر من اربع ولا يتزوجوا إلا بولى وشهود ومهر (وما ملكت ايمانهم) أى ما أوجباه من الأحكام فى ملك اليمين بالشراء أو غيره (لكيلا يكون عليك حر) وهذا يرجع الى أول الآية أي أحللنا لك أزواجك وما ملكت يمينك والموهوبة لك لكى لا يكون عليك حرج وضيق (وكان الله غفورا رحيما)؟؟ على عباده (تخريجه) رواه الترمذى عن عبد بن حميد عن روح عن عبد الحميد بن بهرام؟ حديث حسن مما نعرفه من حديث عبد الحميد بن نبهرام سمعت احمد ابن الحميد يذكر عن احمد بن حنبل؟ لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهور بن حوشب أهـ (قلت) عزاه الحافظ السيوطي فى الدر المنثور لعبد بن حميد وابن ابى حاتم والطبرانى وابن مردويه (باب)؟ حدثنا محمد بن بشر ثنا هشام بن عروة عن ابيه الخ (غريبه) (٢) بعين مهملة تسديد التحيه؟ عند البخارى فى رواية، وله فى رواية أخرى قالت كتبمت اغار بالغين؟ سر الغيرة وهى لحميه؟ (٣) ظاهر دوله وهبن ان الواعية اكثر من واحدة وتقدم الكلام على ذلك فى شرح الحديث السابق (٤) (التفسير) (ترجة من تشاء منهن) أى تؤخر (وتؤوي إليك
[ ١٨ / ٢٤٢ ]
-[تفسير قوله تعالى (ترجى من تشاء منهن) الآية]-
وتؤوي اليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك) قالت انى أرى (١) ربك يسارع لك فى هواك (عن معاذة عن عائشة) (٢) (﵂) أن النبى (ﷺ) كان يستأذن إذا ٣٨٩ كان يوم المرأة منا (٣) بعد أن نزلت هذه الآية (ترجى من تشاء منهن وتؤوى اليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك) (٤) تالت (٥) فقلت لها ما كنت تقولين له؟ قالت كنت أقول له إن كان ذلك إلى (٦) فانى لا أريد يا رسول الله أن أؤثر عليك أحدا
_________________
(١) من تشاء) أى تضم والمراد بالارجاء والابناء القسم وعدمه لازواجه، وذلك أن التسوية بينهن فى القسم كانت واجبة عليه (ﷺ) فلما نزلت هذه الآية سقط عنه الوجوب وصار الاختبار اليه فيهن، وقيل نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبى (ﷺ) وطلب بعضهن زيادة النفقة فهجرهن شهرا حتى نزلت آية التخبير فأمره الله تعالى أن يخبرهن فمن اختارت الدنيا فارقها، ويمسك من اختارت الله ورسوله على انهن أمهات المؤمنين لا ينكحن أبدا، وعلى أنه يؤوى اليه من يشاء منهن ويرى من يشاء فيرضين به سواء قسم لهن أو لم يقسم أو قسم لبعضهن دون بعض أو فتضل بعضهن فى النفقه والكسوة فيكن الأمر فى ذلك اليه يفعل كيف شاء، كان ذلك من خصائصه (ﷺ) فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط روى ذلك عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة، ومع ذلك قسم لهن (ﷺ) اختبارًا منه لا على سبيل الوجوب وسوى بينهن وعدل فهن كذلك، وقيل نزلت فى الواهبات المؤمنات اللاتى يهبن أنفسهن فتؤويها اليك وتترك من تشاء فلا تقبلها، اختار ابن جرير أن الآية عامة فى الواهبات واللاتى عنده وهو واختيار حسن جامع للأحاديث (ومن ابتغيت ممن نعزلت) أى ومن دعوت الى فراشك وطلبت صحبتها ممن عزلت عن نفسك بالأرجاء وعدم القسمة (فلا جناح عليك) أى لا أثم عليك ولا ضيق، فأباح الله له ترك القسم لهن حتى انه ليؤخر من يشاء منهن فى نوبتها ويطأ من يشاء منهن فى غير نوبتها، ويرد الى فراشه من عزل منهن تفضيلا له على سائر الرجال (ذلك) التفويض الى مشيئتك (أدنى ان تقر أعينهن ولا يحزن) أى أقرب الى رضاهن وأطيب لأنفسهن وأقل لحزنهن إذا علمن أن ذلك من الله تعالى (ويرضين بما آتيتهن) أى أعطيتهن (كلهن) من تقريب وأرجاء وغزل وايواء، وقرى. كلهن بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرى. (ويرضين كلهن بما آتيتهن على التقديم: وقرئ شاذا كلهن بالنصب تأكيدا لهن فى آتيتهن (والله يعلم ما فى قلوبكم) يعنى من رضى بحكمه وامتثل أمره ومن لم يرض وخالف (وكان الله عليما) أى مما فى ضمائركم (حليما، أى لا يعاجل بالعقوبة فهو حقيق بأن يُتقى ويحذر (١) بضم الهمزة أى أظن ربك يسارع أى يوجد لك مرادك بلا تأخير (تخريجه) (ق نس) (٢) (سنده) حدثنا ابراهيم بن اسحاق قال ثنا ابن مبارك عن عاصم، وعلى بن اسحاق قال أنا عبد الله قال انا عاصم عن معاذة عن عائشة الخ (قلت) عبد الله هو ابن المبارك وعاصم هو بن سليمان الأحول (غريبه) (٣) باضافة يوم الى المرأة أى يوم نوبتها اذا أراد أن يتوجه الى الأخرى (٤) تقدم تفسيرها (٥) يعنى قال معاذة بنت عبد الله العدوية لعائشة ما كنت تقولين له اذا استأذن (٦) اى الاستئذان الخ وظاهره انه (ﷺ) لم يرج أحدًا منهن، وهو قول الزهرى فيما أخرجه ابن أبى حاتم ما أعلم أنه أرجى أحدا من نسائه (تخريجه)
[ ١٨ / ٢٤٣ ]
-[قوله ﷿ ﴿لا يحل لك النساء من بعده) الآية وتفسيرها]-
(باب لا يحل لك النساء من بعد) الآية (ز) (عن زياد الأنصارى) (١) قال قلت لأبي بن كعب لو متن نساء النبي (ﷺ) كلهن كان يحل له أن يتزوج؟ قال وما يحرم ذاك عليه؟ قال قلت لقوله تعالى ٣٩١ (لا يحل لك النساء من بعد) (٢) قال انما أحل لرسول الله (ﷺ) ضرب من النساء (٣) (عن عائشة) (٤) قالت مامات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء (باب يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا
_________________
(١) (ق د نس) (باب) (١) (ز) (سنده) حدثنا عبيد الله بن عمر ثنا يزيد بن زربع وعبد الاعلى قالا ثنا داود عن محمد بن أبى موسى عن زياد الانصارى الخ (٢) (التفسير) (لا يحل لك النساء) قرأ أبو عمرو ويعقوب لا تحل بالناء، وقرأ الآخرون بالباء (من بعد) يعنى من بعد هؤلاء التسع اللاتى خيرتهن فاخترنك. وذلك أن النبى ﷺ لما خير فاخترن الله ورسوله شكر الله لهن وحرم عليه النساء سواهن ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن، هذا قول ابن عباس وقتادة (ولا ان تبدل بهن من أزواج) يعنى ولا أن تبدل بأزواجك اللاتى هن فى حبالتك أزواجا غيرهن بطلاق كلهن أو بعضهن كرامة لهن وجزاءا على ما اخترن ورضين، فقصر رسول الله ﷺ عليهن وهن التسع اللاتى مات عنهن: عائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة وصفية وميمونة وزينب بنت جحش وجويريه ﵅، وروى عن الضحاك انه ﷺ نهى عن استبدالهن بغيرهن، فاما نكاح غيرهن مع بقائهن فلم يمنع عنه ويؤيده حديث عائشة الآتى، وقال ابن زيد فى قوله تعالى (ولا ان تبدل بهن من أزواج) كانت العرب فى الجاهلية يتبادلون بأزواجهن، يقول الرجل للرجل بادلنى بامرأتك وأبادلك بامرأتى فأنزل الله (ولا أن تبدل بهن من أزواج) يعنى لا تبادل بأزواجك غيرك (إلا ما ملكت يمينك) لا بأس ان تبدل بجاريتك ما شئت فأما الحرائر فلا، وروى عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة قال دخل عيينة بن حصن على النبى ﷺ بغير اذن وعنده عائشة فقال له النبى ﷺ يا عيينة فأين الاستئذان؟ قال يا رسول الله ما استأذنت على وجل من مضر منذ أدركت، ثم قال من هذه الحميراء الى جنبك؟ قال هذه عائشة أم المؤمنين، فقال عيينة أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق وتنزل عن هذه؟ فقال (ﷺ) إن الله قد حرم ذلك فلما خرج قالت عائشة من هذا يا رسول الله؟ فقال هذا احمق مطاع وانه على ما ترين لسيد قومه (ولو أعجبك حسنهن) يعني ليس لك أن تطلق أحدا من نسائك وتنكح بدلها أخرى ولو أعجبك جمالها، قال ابن عباس يعنى اسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبى طالب لما استشهد جعفر أراد رسول الله (ﷺ) أن يخطبها فنهى عن ذلك (إلا ما ملكت يمينك) استثنى ممن حرم عليه الاماء، قال ابن عباس ملك بعد هؤلاء مارية (وكان الله على كل شئ رقيبا) أى حافظا وهو تحذير عن مجاوزة حدود (٣) زاد ابن جرير بعد قوله ضرب من النساء (فقال تعالى يا أيها النبى إنا أحللنا لك أزواجك) الى قوله تعالى (ان وهبت نفسها للنبى) ثم قيل له لا يحل لك النساء من بعد (تخريجه) الحديث من زوائد عبد الله بن الامام احمد على مسند أبيه، وأورد. الحافظ ابن كثير فى تفسيره وعزاه لابن جرير وعبد الله بن الامام احمد وأورده الهيثمى وقال رواه عبد الله بن احمد وزاد كذا رأيت فى ثقات ابن حبان زياد أبو يحيى الانصارى يروى عن ابن عباس فان كان هو فهو ثقة والظاهر انه هو، ومحمد بن أبى موسى ذكره ابن حبان فى الثقات وبقية رجاله رجال الصحيح (٤) (سنده) حدثنا سفيان ن عمرو عن عطاء عن عائشة الخ (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير فى تفسيره وعزاه للامام احمد والترمذى والنسائى فى سننيهما ثم ذكر حديثا
[ ١٨ / ٢٤٤ ]
-[زواج النبي (ﷺ) بزينب بنت جحش وسبب نزول آية الحجاب]-
بيوت النبي الخ) (عن أبى عثمان) (١) عن أنس قال لما تزوج النبى (ﷺ) زينب أهدت اليه ٣٩٢ أم سليم حيسا (٢) فى تور من حجارة (٣) قال أنس فقال النبى (ﷺ) فاذهب فادع من لقيت فجعلوا يدخلون يأكلون ويخرجون ووضع النبى (ﷺ) يده على الطعام ودعا فيه وقال ما شاء الله أن يقول (٤) ولم أدع أحدا لقيته إلا دعوته (٥) فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا فبقيت طائفة منهم فأطالوا عليه الحديث، فجعل النبى ﷺ يستحى منهم أن يقول لهم شيئا فخرج وتركهم فى البيت فأنزل الله ﷿ ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم (٦) الى طعام غير ناظرين أناه ولكن اذا دعيتم فادخلوا- حتى بلغ- لقلوبكم وقلوبهن
_________________
(١) لابن أبي حاتم بسنده عن أم سلمة أنها قالت لم يمت رسول الله (ﷺ) حتى أحل الله له أن يتزوج النساء ما شاء إلا ذات محرم وذلك قول الله تعالى ﴿ترجى من تشاء منهن﴾ الآية فجعلت هذه ناسخة التى بعدها فى التلاوة كايتى عدة الوفاة فى البقرة، الأولى ناسخة للتى بعدها والله أعلم أهـ (١) (سنده) حدّثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن أبى عثمان الخ (قلت) أبو عثمان اسمه الجعد بن دينار البشكرى (غريبه) (٢) أم سليم بضم السين المهملة وفتح اللام هى أم أنس بن مالك وزوجة أبى طلحة ﵃ (والحيس) هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن وقد يجعل عوض الافط الدقيق (والتور) بفتح التاء المشددة وسكون الواو اناء من حجارة وقد يتوضأ منه (٣) زاد ابن أبى حاتم فقالت أذهب بهذا الى رسول الله ﷺ وأقرئه منى السلام وأخبره ان هذا مناله قليل، قال أنس والناس يومئذ فى جهد فجئت به فقلت يا رسول الله بعثت بهذا أم سليم اليك وهى تقرئك السلام وتقول أخبره أن هذا مناله قليل: فنظر اليه ثم قال ضعه فوضعته فى ناحية البيت ثم قال اذهب فادع لى فلانا وفلانا فسمى رجالا كثيرا، وقال ومن لقيت من المسلمين الحديث (٤) يعنى من الدعاء له بالبركة (٥) زاد عند ابن أبى حاتم قال الراوى عن أبى عثمان فقلت يا أبا ثمان كم كانوا؟ فقال كانوا زهاء ثلاثمائة، وفيه أيضا ثم قال رسول الله ﷺ ليتحلق عشرة عشرة وليسموا وليأكل كل إنسان مما يليه فجعلوا يسمون ويأكلون حتى أكلوا كلهم، فقال لى رسول الله ﷺ ارفعه قال فجئت فأخذت النور فنظرت فيه فما أدرى أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت، قال وتخلف رجال يتحدثون فى بيت رسول الله ﷺ وزوج رسول الله التى دخل بها معهم مولية وجهها الى الحائط فأطالوا الحديث فشقوا على رسول الله ﷺ وكان أشد الناس حياءا ولو علموا كان ذلك عليهم عزيزا، فقام رسول الله ﷺ فسلم على حجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه ابتدروا الباب فخرجوا وجاء رسول الله (ﷺ) حتى أرخى الستر ودخل البيت وأنا فى الحجرة فمكث رسول الله (ﷺ) فى بيته يسيرا وأنزل الله عليه القرآن فخرج وهو يتلو هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى﴾ الآية، قال أنس فقرأهن على قبل الناس فأنا أحدث الناس بهن عهدا (٦) (التفسير) ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم﴾ يعنى إلا أن تدعوا (الى طعام) فيؤذن لكم فتأكلون (غير ناظرين إناه) أى غير منتظرين إدراكه ووقت نضجه، يقال أنى الحميم إذا انتهى حره وأنى أن يفعل ذلك إذا حان (ولكن إذا دعيتم فادخلوا فاذا طعمتم) أى أكلتم الطعام (فانتشروا) أى فاخر؟ من منزله وتفرقوا (ولا مستأنسين لحديث) أى لا تطيلوا الجلوس ليستأنس بعضكم بحديث بعض، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون فنهوا عن ذلك
[ ١٨ / ٢٤٥ ]
-[وليمة النبي (ﷺ) صبيحة بنى بزينب بنت جحش وتفسير آية الحجاب]-
(حدثنا ابن أبى عدى) عن حميد (١) عن أنس قال دعوت المسلمين الى وليمة رسول الله (ﷺ) صبيحة بنى بزينت بنت جحش فأشبع المسلمين خبزا ولحما (٢) قال ثم رجع كما كان يصنع فى حجر نسائه فسلم عليهن فدعون له (٣) قال ثم رجع الى بيته وأنا معه فلما انتهى الى البيت فاذا رجلان قد جرى بينهما الحديث فى ناحية البيوت فلما بصر بهما ولى راجعا فلما رأى الرجلان النبى ﷺ قد ولى عن بيته قاما مسرعين فلا أدرى أنا أخبرته أو أخبر به (٤) ثم رجع الى منزله وأرخى ٣٩٤ الستر بينى وبينه وأنزلت آية الحجاب (عن سلم العلوى) (٥) قال سمعت أنس بن مالك يقول لما نزلت آية الحجاب جئت أدخل كما كنت أدخل فقال النبى ﷺ وراءك (٦) يا بني
_________________
(١) (إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحيى منكم) أي فيستحيى من إخراجكم (والله لا يستحيى من الحق) أى لا يغرك تأديبكم وبيان الحق حياءا، يعنى إخراجكم حق ما ينبغى أن يستحيا منه (وإذا سألتموهن) الضمير لنساء النبى (ﷺ) لدلالة بيروت النبى لأن فيها نساءه (متاعا) عارية أو حاجة (فاسألوهن من وراء حجاب) أى من وراء ستر: فبعد آية الحجاب وهى التى تحن بصدد تفسيرها لم يكن لأحد أن ينظر الى امرأة من نساء رسول الله ﷺ متنقبة كانت أو غير متنقبة (ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن) أى من الريب (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) أى ليس لكم أذاه فى شيء من الأشياء (ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) نزلت فى رجل من أصحاب النبى ﷺ قال لئن قبض النبى (ﷺ) لأنكحن عائشة قال مقاتل بن سليمان هو طلحة بن عبد الله فاخبره الله تعالى أن ذلك محرم وقال (إن ذلكم كان عند الله عظيما) أى ذنبا عظيما، وهذا من اعلام تعظيم الله ﷿ لرسوله (ﷺ) وإيجاب حرمته ميتا (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير فى تفسيره وقال قال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا أبو المظفر حدثنا جعفر بن سليمان عن الجعد أبى عثمان اليشكرى عن أنس بن مالك فذكره بالزيادة التى ذكرتها فى الشرح ثم قال وقد ويراه مسلم والترمذى والنسائى جميعا عن قتيبة عن جعفر بن سليمان به (أى بسند بن أبى حاتم) وقال الترمذى حسن صحيح وذكر له الحافظ ابن كثير طرقًا كثيرة عند البخارى ومسلم والترمذى وغيرهم (١) (حدثنا ابن أبى عدى الخ) (غريبه) (٢) زاد فى رواية وككان يبعثنى فأدعو الناس (٣) جاء فى رواية ثابت عن أنس فجعل يمر بنسائه ويسلم على كل واحدة سلام عليكم يا أهل البيت كيف أصبحتم فيقولون بخير يا رسول الله كيف وجدت أهلك فيقول بخير الحديث (٤) جاء فى رواية ثابت عن أنس قال فوالله ما أدرى أنا أخبرته أو نزل عليه الوحى بأنهما قد خرجا فرجع ورجعت معه فلما وضع رجله فى أسكفة الباب (بضم الهمزة والكاف وتشديد الفاء مفتوحة بالعتبة التى يوطأ عليها) أرخى الحجاب بينى وبينه وأنزل الله الحجاب هذه الآيات ﴿لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم الى طعام غير ناظرين إناه﴾ حتى فرغ منها (تخريجه) (خ. وغيره) (٥) (سنده) حدثنا ابو كامل مظفر بن مدرك ثنا حماد بن زيد عن سلم العلوى الخ (غريبه) (٦) أى كن خلف الحجاب أى الستر، والمعنى أنه (ﷺ) منعه من الدخول على نسائه كما كان يدخل قبل آية الحجاب (تخريجه) أورده الهيثمى وقال له حديث فى الصحيح غير هذا وقال رواه أبو يعلى وفيه سلم العلوى وهو ضعيف وغفل الحافظ الهيثمى عن عزوه للامام أحمد والكمال لله وحده
[ ١٨ / ٢٤٦ ]
-[قوله تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي) الآية وتفسيرها]-
(عن عروة بن الزبير) (١) عن عائشة ﵂ أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن (٢) إلى المناصع وهو صعيد أفيح (٣) وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ احجب نساءك (٤) فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ ليلةً من الليالي عشاءً وكانت امرأة طويلة فناداها عمر ألا (٥) قد عرفناك يا سودة حرصًا على أن ينزل الحجاب، قالت عائشة ﵂ فأنزل الحجاب (٦) (باب إن الله وملائكته يصلون على النبي إلخ) (حدّثنا محمد بن فضيل) (٧) حدثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب (٨) قال لما نزلت ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ (٩) قالوا كيف نصلي عليك
_________________
(١) (سنده) حدثنا حجاج قال حدثنا ليث قال حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير إلخ (غريبه) (٢) أي إذا خرجن على البراز للبوال والغائط (إلى المناصع) بفتح الميم والنون وكسر الصاد آخره عين مواضع آخر المدينة من جهة البقيع (٣) بالفاء والحاء بوزن أفلح أي خلاء واسع (٤) أي امنعهن من الخروج من البيوت (٥) ألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف استفتاح ينبه به على تحقيق ما بعده (٦) زاد أبو عوانة في صحيحه من طريق الترمذي عن ابن شهاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ الآية ففسر المراد من آية الحجاب صريحًا (تخريخه) (ق) وابن جرير وابو عوانة وغيرهم (باب) (٧) (حدثنا محمد بن فضيل إلخ) (غريبه) (٨) هو كعب بن عجرة الأنصاري المدني أبو محمد صحابي مشهور مات بعد الخمسين وله نيف وسبعون سنة وهذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب ما جاء في الصلاة على النبي ﷺ عقب التشهد الأخير من كتاب الصلاة في الجزء الرابع صحيفة ٢٣ رقم ٧٣١ وهو حديث صحيح رواه البخاري وغيره من طرقٍ متعددة، وفي الباب المشار إليه حكم الصلاة على النبي ﷺ في التشهد وغيره ومذاهب الأئمة في ذلك، وتقدم الكلام في فضل الصلاة على النبي ﷺ وثواب المصلي في آخر كتاب الأذكار في الجزء الرابع عشر ونقتصر هنا على تفسير الآية فنقول (التفسير) ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ عبر بصيغة المضارع ليدل على الدوام والاستمرار. أي أنه تعالى وجميع ملائكته الذي لا يحصون بالعد ولا يحصرون بالحد يصلون عليه، وفي الاعتناء بشرفه وتعظيم شأنه في الملأ الأعلى ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾ أي اعتنوا أيها الملأ الأدنى بشرفه وتعظيمه أيضًا فإنكم أولى بذلك وقولوا اللهم صل عليه، ﴿وسلموا تسليمًا﴾ أي وقولوا السلام عليك أيها النبي وأكد السلام بالمصدر وقد انتزع النووي من الآية الجمع بين الصلاة والسلام فلا يفرد أحدهما من الآخر. قال الحافظ ابن كثير والأولى أن يقال صلى الله وسلم تسليمًا اهـ (قال الحافظ) وقد سئلت عن اضافة الصلاة الى الله ون السلام وأمر المؤمنين بها وبالسلام (فقلت) يحتمل ان يكون السلام له معنيان لتحية والانقياد فأمر بهما المؤمنون لصحتهما منهم، والله وملائكته لا يحوز منهم الانقياد فلم يضف اليهم دفعًا للايهام والعلم عند الله اهـ. وقال الفسفى في تفسيره ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾ أي قولوا اللهم صل على محمد وانقادوا لأمره وحكمه انقيادًا. قال وان صلى على غيره على سبيل التبع كقوله ﷺ وآله فلا كلام فيه، وأما اذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة فمكروه وهو من شعائر الروافض اهـ (وقال البخاري) قال أبو العالية صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند
[ ١٨ / ٢٤٧ ]
-[قوله ﷿ ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى﴾ الآية وتفسيرها]-
يا نبي الله؟ قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد، قال ونحن نقول وعلينا معهم، قال يزيد فلا ادري أشيء زاده ابن ابي ليلى من قبل نفسه أو شيء رواه كعب (باب يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى) الآية (عن أبي هريرة) (١) عن النبي ﷺ قال في هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا﴾ (٢)
_________________
(١) الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، وقال ابن عباسٍ يصلون يبركون على النبي أي يدعون له هكذا علقه البخاري، وقال أبو عيسى الترمذي وروى عن سفيان الثوري وغير واحدٍ من أهل العلم قالوا صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار (وعن أبي بكرٍ القشيري) مما نقله القاضى عياض الصلاة على النبي ﷺ من الله تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي ﷺ رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي ﷺ وبين سائر المؤمنين حيث قال تعالى ان الله وملائكته يصلون على النبي- وقال قبل ذلك في السورة- هو الذي يصلى عليكم وملائكته- ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي صبلى الله عليه وسلم من ذلك أرفع مما يليق بغيره اهـ (قلت) وهذا قول وجيه (تخريجه) (ق. والأربعة) (باب) (١) (سنده) حدثنا روح حدثنا عوف عن الحسن عن النبي ﷺ، وخلاس ومحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ الخ (قلت) هكذا جاء سند هذا الحديث عند الامام احمد، وجاء عند البخاري قال حدثنا اسحاق بن ابراهيم اخبرنا روح بن عبادة حدثنا عوف عن الحسن ومحمد وخلاص عن أبي هريرة الحديث (عوف) هو ابن أبي جميلة عرف بالأعرابي (والحسن) هو البصري (ومحمد) هو ابن سيرين (وخلاس) هو ابن عمرو الهجري البصري فرواية البخاري من طريق عوف عن الحسن ومحمد وخلاس الثلاثة عن أبي هريرة بخلاف ما في المسند، وقد روى الامام احمد هذا الحديث من طرقٍ متعددة غير هذا وستأتي في باب قصة موسى مع الحجر (٢) (التفسير) ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا﴾ ما مصدرية أو موصولة وايهما كان فالمراد البراءة عن مضمون القول ومؤداه وهو الأمر المعيب، وأذى موسى ﵇ هو ما ذكر في حديث الباب (وقيل غير ذلك) روى ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباسٍ عن على ﵃ في قوله ﷿ ﴿فبرأه الله مما قالوا﴾ قال صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون ﵇، فقال بنو اسرائيل لموسى ﵇ انت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حياءً، فآذوه من ذلك فأمر الله الملائكة فحملته فمرت به على مجالس بني اسرائيل فتكلمت بموته فما عرف موضع قبره الا الرخم، وان الله جعله أصم أبكم، وهكذا رواه ابن جرير يرعن على بن موسى الطوسى عن عباد بن العوام به، وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى وجائز ان يكون الأول هو المراد (يعني حديث الباب) فلا قول من قول الله ﷿ (قال الحافظ ابن كثير) يحتمل أن يكون الكل مرادًا وأن يكون معه غيره والله أعلم اهـ (قلت) وذكر الامام البغوى في تفسيره هذه الوجهين في أذى موسى وزاد وجهًا ثالثًا فقال أبو العالية هو أن قارون استأجر مومسة لتقذف موسى بنفسها على رأس الملأ فعصمها الله وبرَّأ موسى من ذلك وأهلك قارون (قلت) ولا مانع من أنه تكرار ايذاؤهم بهذه الأمور وغيرها كما تكرر إيذاء النبي ﷺ من كفار قريش بأنواعٍ شتى، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال
[ ١٨ / ٢٤٨ ]
-[(سورة سبأ) وما جاء في ذكر سبأ وأولاده]-
قال قال رسول الله ﷺ إن موسى كان رجلًا حييًا (١) ستيرًا لا يكاد يرى من جلده شيء استحياءً منه: قال فآذاه من آذاه من بني اسرائيل قالوا ما يستتر هذا التستر الا من عيبٍ بجلده إما برص وإما أردة (٢) وقال روح مرة أدرة وإما آفة (٣) وان الله ﷿ أراد أن يبرءه مما قالوا، وان موسى خلا يومًا فوضع ثوبه على حجر (٤) ثم اغتسل فلما فرغ أقبل الى ثوبه ليأخذه وإن الحجر عدا (٥) بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر وجعل يقول ثوبي (٦) حجر ثوبي حجر حتى انتهى الى ملاء من بنى اسرائيل فرأوه عريانًا كأحسن الرجال خلقًا وأبرأه مما كانوا يقولون له (٧) وقام الحجر فأخذ ثوبه وطفق (٨) بالحجر ضربًا بعصاه، قال فوالله ان في الحجر لندبًا (٩) من أثر ضربه ثلاثًأ أو أربعًا أو خمسًا (سورة سبأ) (باب ذكر سبأ وأولاده) (عن ابن عباس) (١٠) قال ان رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن سبأ (١١) ما هو أرجل أم امرأة أو أرض؟ فقال بل هو رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة: وبالشام منهم أربعة: فأما اليمانيون (١٢) فمذحج
_________________
(١) رحم الله موسى لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر والله أعلم ﴿وكان عند الله وجيهًا﴾ أي له وجاهة وجاه عند ربه ﷿، قال الحسن البصري كان مستجاب الدعوة عند الله، وقال غيره من السلف لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه ولكن منع الرؤية لما يشاء الله ﷿، وقرأ ابن مسعود والأعمش (وكان عبدًا لله وجيهًا) (١) بوزن تقيًا أي كثير الحياء (ستيرًا) بكسر المهملة والفوقية المشددة أى من شأنه وارادته حب الستر (٢) قال فى النهاية الأدرة بالضم نفحة في الخصية يقال رجل آدر (؟؟) الأدر بفتح الهمزة والدال (٣) جاء عند البخارى بلفظ (إما برص وإما أدرة وإما آفة) والآفة هى كل مرض معيب فهو من عطف العام على الخاص (٤) جاء من طريقٍ آخر للامام احمد عن أبى هريرة أيضًا وسيأتى في باب قصة موسى مع الحجر من كتاب أحاديث الأنبياء قال قال رسول الله ﷺ كانت بنو اسرائيل يغتسلون عراة فينظر بعضهم الى سوأة بعض وكان موسى ﵇ يغتسل وحده فقالوا والله ما يمنع موسى ان يغتسل معنا إلا انه آدر، قال فذهب مرةً يغتسل فوضع ثوبه على حجرٍ الخ الحديث (٥) بالعين المهملة أى مضى مسرعًا (٦) قال الحافظ هو بفتح الياء الأخيرة من ثوبى أى اعطنى ثوبى أو رد ثوبى حجر بالضم على حذف النداء (قلت) جاء في روايةٍ أخرى للبخارى والامام احمد بلفظ (ثوبى يا حجر) باثبات حرف النداء (٧) جاء في روايةٍ أخرى للامام احمد وستأتى في الباب المشار اليه فقالت بنو اسرائيل (يعنى بعد ما نظروا اليه سليمًا من العيوب) قاتل الله أفاكى بنى اسرائيل فكانت براءته التي برأه الله ﷿ (٨) بكسر الفاء أى جعل يضرب الحجر بعصاه (٩) بفتح النون والمهملة أى أثرًا (والندب) أثر الجرح إذا لم يرتفع فشبه به أثر الضرب في الحجر (تخريجه) (ق مذ طل) وابن جرير والبغوى، قال النووى فيه معجزتان ظاهرتان لموسى ﵇ مشى الحجر بثوبه وحصول الندب في الحجر بضربه (باب) (١٠) (سنده) حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمى أبو عبد الرحمن عن عبد الله ابن جبيرة السباتى عن عبد الرحمن بن وعلة قال سمعت ابن عباسٍ يقول إن رجلًا سأل رسول الله ﷺ الخ (غريبه) (١١) بفتح السين والموحدة وبالهمز والمراد به القبيلة التى هى من أولاد سبأ وهو سبأ بن يشحب ابن يعرف بن قحطان بن هود (١٢) يعنى الذين سكنوا اليمن (فمذحج) بفتح الميم وسكون الذال المعجمة
[ ١٨ / ٢٤٩ ]
-[ما جاء في قوله تعالى ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده﴾ الآية وتفسيرها]-
وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير عربًا كلها، وأما الشامية (١) فلخم وجذام وعاملة وغسان (باب ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) الآية (عن ابن عباس) (٢) أن النبي ﷺ قال قال ربنا تبارك اسمه اذا قضى أمرًا (٣) سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح هذه السماء الدنيا: ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حمل العرش فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش ﴿ماذا قال ربكم﴾ (زاد في روايةٍ فيقولون الحق (٤)
_________________
(١) وكسر الحاء آخره جيم (وكندة) بكسر الكاف وسكون النون (والأزد) بفتح الهمزة وسكون الزاى آخره دالة مهملة (والاشعريون) قال في القاموس الأشعر ابو قبيلة باليمن منهم أبو موسى الأشعرى ويقولون جاءتك الأشعرون بحذف ياء الغيب (وأنمار) بفتح الهمزة وسكون النون، زاد عند الترمذى فقال رجل يا رسول الله ما أنمار؟ قال الذين منهم خثعم وبحيلة (قلت) خثعم بوزن جعفر (وبحيلة) كسفينة (وحمير) بكسر الحاء وسكون الميم بوزن درهم (١) يعنى الذين سكنوا الشام (فلخم) بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة (وجذام) بضم الجيم والذال المعجمة بوزن غراب (وعاملة) بكسر الميم، قال في القاموس بنو عاملة بن ساجى باليمن (وغسان) بالغين المعجمة وتشديد السين المهملة بوزن شداد (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه (حم طب) وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف (يعنى اذا عنعن وقد عنعن) قال وبقية رجالهما ثقات (قلت) الحديث رواه أيضًا الحاكم في المستدرك وليس فى اسناده ابن لهيعة، وصححه الحاكم وأقره الذهبى وأورده الحافظ ابن كثير فى تفسيره وقال رواه عبد (يعنى ابن حميد) عن الحسن بن موسى عن ابن لهيعة به وهذا إسناد حسن ولم يخرجوه اهـ وعزاه الحافظ السيوطى في الدر المنثور لابن أبي حاتم وابن عدى والحاكم وصححه وابن مردويه، وقصارى القول ان الحديث له طرق كثيرة وشواهد تنهضه إلى درجة الصحيح والله أعلم (باب) (٢) هذا طرف من حديثٍ طويل تقدم بطوله وسنده وشرحه وتخريجه في باب ما جاء في الكهانة من كتاب الحدود في الجزء السادس عشر صحيفة ١٣١ رقم ٣٢٠ وانما ذكرته هنا لمناسبة قوله في الحديث ﴿ماذا قال ربكم﴾ الخ الآية، واول الآية قوله تعالى ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ (غريبه) (٣) جاء عند البخارى من حديث أبى هريرة ان نبي الله ﷺ قال (اذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا) أي خاضعين (لقوله كانه سلسلة على صفوان) يعنى كأن القول المسموع سلسلة من حديد يضرب بها على حجرٍ املس فيأخذهم الفزع ويلحون بالتسبيح ويرون أنه من أمر الساعة (وجاء عند الامام البغوى) من حديث النواس بن سمعان قال قال رسول الله ﷺ اذا أراد الله أن يوحى بالأمر تكلم بالوحى فاذا تكلم أخذت السماوات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوفًا من الله تعالى فاذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدًا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر على سماءٍ سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل قال الحق وهو العلى الكبير، قال فيقولون مثل ما قال جبريل فينتهى جبريل بالوحى حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض. وكذا رواه ابن جرير وابن خزيمة، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره وهو مفسر لحديث الباب لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا (٤) أي قال الله تعالى القول الحق
[ ١٨ / ٢٥٠ ]
-[(سورة فاطر) وقوله تعالى ﴿ثم أورثنا الكتاب﴾ الآيات]-
وهو العلي الكبير) (١) فيخبرونهم ويخبر أهل كل سماءٍ سماء حتى ينتهى الخبر الى السماء ويخطف (٢) الجن السمع فيرمون (٣) فما جاءوا به على وجهه (٤) فهو حق ولكنهم يقذفون ويزيدون (٥) قال عبد الله (٦) قال أبى قال عبد الرزاق ويخطف الجن ويرمون (سورة فاطر) (باب ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) الآيات (عن أبي الدرداء) (٧) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول قال الله ﷿ ﴿ثم أورثنا الكتاب (٨) الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾ فأما الذين سبقوا بالخيرات فاؤلئك الذين يدخلون الجنة بغير
_________________
(١) قيل المجيبون هم الملائكة المقربون كجبريل وميكائيل وحملة العرش، ويؤيد ذلك ما جاء في حديث ابن مسعود عند أبى داود قال اذا تكلم الله بالوحى سمع أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفاة (أى الصخرة والحجر الأملس) فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فاذا جاء فزع عن قلوبهم (أى كشف عنهم الفزع وأزيل) فيقولون يا جبريل ماذاقال ربك؟ فيقول الحق (أى قال القول الحق) (١) أى ذو العلو والكبرياء (٢) بفتح الطاء على المشهور وبه جاء القرآن، وفي لغةٍ قليلةٍ كسرها ومعنا استرقه وأخذه بسرعة (٣) بصيغة المفعول أى يرمى الجن بالنجم وهو الشهاب قال تعالى ﴿إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب﴾ (٤) أى من غير تصرفٍ فيه فهو ثابت وكائن، أى فما أصابوا به موافقًا للواقع فهو مسترق ومخطوف من السمع، وما لم يصيبوا فهو المزيد من طرف أوليائهم الكهنة والمنجمين (٥) جاء في روايةٍ أخرى للامام احمد أيضًا بلفظ (ولكنهم يزيدون فيه ويقرفون) بالراء بدل الذال وكذلك جاء عند مسلم، قال النووى هذه اللفظة ضبطوها من رواية صالح على وجهين أحدهما بالراء والثانى بالذال ووقع في رواية الأوزاعى وابن معقل بالراء باتفاق النسخ، ومعناه يخلطون فيه الكذب وهو بمعنى يقذفون (٦) هو ابن الامام احمد ﵀ (أما تفسير الآية) فقد قال الامام البغوى في قوله تعالى ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن اذن له﴾ يعنى إلا لمن اذن له الله في الشفاعة، قال تكذيبًا لهم حيث قالوا (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ويجوز أن يكون المعنى إلا لمن اذن الله له أن يشفع، وقرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي أذن بضم الهمزة (حتى إذا فزع عن قلوبهم) قرأ ابن عامر ويعقوب بفتح الفاء والزاى، وقرأ الآخرون بضم الفاء وكسر الزاى أي كشف الفزع واخرج عن قلوبهم فالتفزيع إزالة الفزع كالتمريض والتفريد، واختلفوا في الموصوفين بهذه الصفة، فقال قوم هم الملائكة، ثم اختلفوا في ذلك السبب فقال بعضهم انما يفزع عن قلوبهم من غشيةٍ تصيبهم عند سماع كلام الله ﷿ ثم ذكر حديث أبى هريرة وحديث النواس بن سمعان المذكورين آنفًا، وقال بعضهم انما يفزعون حذرًا من قيام الساعة لأن محمدًا ﷺ عند أهل السماوات بعثته من أشراط الساعة، وقال جماعة الموصوفون بذلك المشركون: قال الحسن وابن زيد حتى اذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت بهم اقامةً للحجة عليهم ﴿قالوا ماذا قال ربكم﴾ أي قالت الملائكة لهم ماذا قال ربكم فى الدنيا ﴿قالوا الحق﴾ أى قالوا قال القول الحق فاقروا به حين لا ينفهم الاقرار ﴿وهو العلي الكبير﴾ أى ذو العلو والكبرياء والله أعلم (باب) (٧) (سنده) حدثنا اسحاق بن عيسى حدثنا أنس بن عياض الليثى أبو ضمرة عن موسى بن عقبة عن على ابن عبد الله الأزدى عن أبى الدرداء الخ (٨) (التفسير) ﴿ثم أورثنا الكتاب﴾ أي أوحينا إليك الكتاب
[ ١٨ / ٢٥١ ]
-[قوله تعالى ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ الآيات وتفسيرها وكلام العلماء في ذلك]-
حساب، وأما الذين اقتصدوا فاولئك يحاسبون حسابًا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فاولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته فهم الذين يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور: الى قوله: لغوب) (حدثنا وكيع) (١) قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن ثابت أو عن أبى ثابت (٢) أن رجلًا دخل مسجد دمشق فقال اللهم آنس وحشتى وارحم غربتى وارزقنى جليسًا حبيبًا صالحًا، فسمعه أبو الدرداء فقال لئن كنت صادقًا (٣) لأنا أسعد بما قلت منك: سمعت رسول الله ﷺ يقول (فمنهم ظالم لنفسه) (٤)
_________________
(١) وهو القرآن ثم أورثناه يعنى حكمنا يتوريثه وقيل أورثناه بمعنى نورثه ﴿الذين اصطفينا من عبادنا﴾ قال ابن عباس يريد أمة محمد ﷺ يعنى من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم الى يوم القيامة: لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم واختصهم بكرامته بأن جعلهم أتباع سيد الرسل وخصهم بحمل أفضل الكتب ثم قسمهم ورتبهم على مراتب فقال تعالى ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ يعنى بالتقصير في العمل وأمرهم مرجأ الى الله ﷿، ولذلك فسرهم في الحديث بقوله فاولئك الذين يحبسون في طول المحشر: وفي رواية من حديث أبى الدرداء أيضًا (وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخل الجنة) ومعناه انه يحبس طول مدة اقامته بالمحشر، وقوله (ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته) أي تداركهم. وعن ابن عباس الظالم الكافر نعمة الله غير الجاحد لها لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة، وقيل الظالم لنفسه من رجحت سيئاته على حسناته ﴿ومنهم مقتصد﴾ هو الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وقيل من استوت سيئاته وحسناته وذكرهم في الحديث بأنهم يحاسبون حسابًا يسيرًا ﴿ومنهم سابق بالخيرات﴾ قالت عائشة ﵂ هو من معنى على عهد رسول الله ﷺ وشهد له بالجنة، وقيل السابق القارئ للقرآن العالم به العامل بما فيه وهؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب كما فسرهم بذلك في الحديث (باذن الله) أى بأمره وارادته وتوفيقه ﴿ذلك هو الفضل الكبير﴾ يعنى ايرائهم الكتاب واصطفاؤهم، ثم أخبر بثوابهم فقال ﴿جنات عدنٍ يدخلونها﴾ يعنى الأصناف الثلاثة ﴿يحلون فيها من أساور من ذهبٍ ولؤلؤًا﴾ أى من ذهبٍ مرصعٍ باللؤلؤ ﴿ولباسهم فيها حرير﴾ أى لما فيه من اللذة والزينة ﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ خوف النار أو خوف الموت أو هموم الدنيا ﴿إن ربنا لغفور﴾ يغفر الجنايات وان كثرت ﴿شكور﴾ يقبل الطاعات وان قلت ﴿الذي أحلنا دار المقامة﴾ أى الاقامة لا نبرح منها ولا نفارقها، يقال أقمت اقامةً ومقامًا ومقامةً ﴿من فضله﴾ من عطائه وإفضاله ى باستحقاقنا وأعمالنا ﴿لا يمسنا فيها نصب﴾ أى لا يصيبنا فيها عناء ولا مشقة ﴿ولا يمسنا فيها لغوب﴾ أى إعياء من التعب وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى لغوب بفتح اللام (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الامام احمد، وأورده الهيثمى وقال رواه احمد بأسانيد رجال احدها رجال الصحيح وهي هذه ان كان على بن عبد الله الأزدى سمع من أبى الدرداء فانه تابعى (١) (حدثنا وكيع الخ) (٢) أو للشك من الراوى، والظاهر انه ثابت بن عبيد الانصاري، قال في الخلاصة روى عنه الأعمش ومسعر والثوري وثقه احمد زابن معين (٣) معناه ان كنت مخلصًا في دعائك واستجاب الله لك فأنا أسعد بصحبتك منك حيث قد جعلنى الله ﷿ من عباده الصالحين (٤) أول الآية ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه﴾ الآية: قال الحافظ ابن كثير في تفسيره يقول تعالى ثم جعلنا
[ ١٨ / ٢٥٢ ]
-[(سورة يس) وما جاء في فضلها]-
قال الظالم يؤخذ منه في مقامه (١) فذلك الهم والحزن ﴿ومنهم مقتصد﴾ يحاسب حسابًا يسيرًا ﴿ومنهم سابق بالخيرات﴾ فذلك الذين يدخلون الجنة بغير حساب (عن أبي سعيدٍ الخدرى) (٢) عن النبي ﷺ أنه قال فى هذه الآية ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات﴾ قال هؤلاء كلهم بمنزلةٍ واحدة (٣) وكلهم في الجنة (سورة يس) (باب ما جاء في فضلها) (عن معقل بن يسار) (٤) أن رسول الله ﷺ قال يس قلب القرآن (٥) لا يقرؤها رجل يريد الله تعالى والدار الآخرة إلا غفر له (٦) واقرءوها على موتاكم (٧) (حدثنا أبو المغيرة) (٨) ثنا صفوان: يعنى ابن عمرو: حدثنى المشيخة (٩) انهم حضروا واغضيف بن الحارث الثمالى (١٠) حين اشتد سوقه (١١) فقال هل منكم أحد يقرأ يس
_________________
(١) القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتب الذين اصطفينا من عبادنا وهم هذه الامة، ثم قسمهم على ثلاثة أنواعٍ فقال تعالى ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ وهو المفرط في فعل الواجبات المرتكب لبعض المحرمات ﴿ومنهم مقتصد﴾ وهو المؤدى للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات ﴿ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾ وهو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات، قال على بن أبى طلحة عن ابن عباسٍ في قوله تعالى ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ قال هم أمة محمد ﷺ ورثهم الله تعالى كل كتابٍ انزل (يعنى الايمان به والتصديق) فظالمهم يغفر له ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب (١) أى يعاقب بطول وقوفه في المحشر وبالهم والحزن الذى يصيبه من جراء ذلك (تخريجه) رواه ابن جرير وابن أبى حاتم والبغوى في تفاسيرهم، وأورده الهيثمى وقال رواه (حم طب) قال وثابت ابن عبيد ومن قبله من رجال الصحيح، وفى اسناد الطبراني رجل غير مسمى (٢) (سنده) حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الوليدين العيزار انه سمع رجلًا من ثقيف يحدث عن رجلٍ من كنانة عن أبى سعيد الخ (غريبه) (٣) أى في انهم من الأمة المحمدية وانهم من أهل الجنة وان كان بينهم فرق في المنازل فى الجنة (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث غريب حسن، ورواه أيضًا ابن جرير وابن أبى حاتم، وفي أسانيد كلهم من لم يسم فتحسين الترمذى له لشواهده والله أعلم (باب) (٤) هذا طرف من حديثٍ طويل تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب سورة البقرة وما جاء في فضلها في هذا الجزء صحيفة ٧٠ رقم ١٦١ فارجع اليه (غريبه) (٥) أى لبه وخالصه وقلب كل شيء لبه (٦) قال الطيبى لاحتوائها مع قصرها على البراهين الساطعة والآيات القاطعة والعلوم المكنونة والمعانى الدقيقة والمواعيد الفائقة والزواجر البالغة (٧) قال بعض السلف من خصائص هذه السورة أنها لا تقرأ عند أمرٍ عسيرٍ إلا يسره الله وكأن قرائتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة وليسهل عليه خروج الروح والله أعلم (٨) (حدثنا أبو المغيرة) الخ (غريبه) (٩) جماعة من مشايخه من كبار علماء عصره (١٠) اختلف في اسمه وصحبته فقيل غضيف بالضاد كما هنا وقيل بالطاء بدل الضاد والصحيح الأول، وقيل انه صحابى وقيل تابعى والصحيح الأول أيضًا كما يستفاد مما ذكره الحافظ في الاصابة مات سنة بضع وستين (١١) بفتح المهملة وسكون الواو أي
[ ١٨ / ٢٥٣ ]
-[قوله تعالى ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ الآية وتفسيرها وكلام العلماء فى ذلك]-
قال فقرأها صالح بن شريح السكوتى فلما بلغ أربعين منها قبض: قال فكان المشيخة يقولون اذا قرئت عند الميت خفف عنه بها (١) قال صفوان وقرأها عيسى بن المعتمر عند ابن معبد (عن أبى ذر) (٢) قال كنت مع رسول الله ﷺ فى المسجد حين وجبت الشمس (٣) فقال يا أبا ذر تدرى أين تذهب الشمس؟ (٤) قلت الله ورسوله أعلم، قال فانها تذهب حيث تسجد (٥) بين يدى ربها ﷿ فتستأذن فى الرجوع فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها ارجعى من حيث جئت فترجع الى مطلعها فذلك مستقرها ثم قرأ ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ (٦) (وعنه أيضًا) (٧) قال سألت النبى ﷺ عن قوله تعالى ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ (٨) قال مستقرها تحت العرش (٩)
_________________
(١) نزعه كأن روحه تساق لتخرج من بدنه (١) أى لما تقدم فى شرح الحديث السابق (فائدة) قال ابن العربى تتأكد قراءة يس: واذا حضرت موت أحد فاقرأ عنده يس فقد مرضت وغشى علىَّ وعددت من الموتى فرأيت قومًا كرشَّ المطر يريدون أذيتى، ورأيت شخصًا جميلًا دفعهم عنى حتى قهرهم، فقلت من أنت؟ قال سورة يس فأفقت فاذا بأبى عند رأسى وهو يبكى ويقرأ يس وقد ختمها (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام احمد وأورده الحافظ فى الاصابة بسنده ولفظه وعزاه للامام احمد وحسن اسناده (٢) (سنده) حدّثنا محمد بن عبيد ثنا الأعمش عن ابراهيم التيمى عن أبيه عن أبى ذر الخ (غريبه) (٣) جاء عند البخارى (عند غروب الشمس (٤) استفهام أريد به الابتلاء (٥) رواية البخارى (حتى تسجد تحت العرش) أى تنقاد للبارى تعالى انقياد الساجدين المكلفين أو شبهها بالساجد عند غروبها، قال الحافظ ابن كثير والعرش فوق العالم مما يلى رءوس الناس، فالشمس اذا كانت فى قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب الى العرش، فاذا استدارت فى فلكها الرابع الى مقابلة هذا المقام وهو وقت نصف الليل صارت أبعد ما يكون من العرش، فحينئذ تسجد وتستأذن فى الطلوع أى من المشرق على عادتها فيؤذن لها اهـ (قلت) وهذا معنى قوله فى حديث الباب وكأنها قد قيل لها ارجعى من حيث جئت الخ (٦) (التفسير) ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ الواو للعطف على ما تقدم واللام فى لمستقر بمعنى الى والمراد بالمستقر (إما الزمانى) وهو منتهى سيرها وسكون حركتها يوم القيامة حين تكور وينتهى هذا العالم الى غايته (وإما المكانى) وهو ما تحت العرش مما يلى الأرض من ذلك الجانب وهى أينما كانت فهى تحت العرش كجميع المخلوقات لأنه سقفها وليس بكرة كما يزعمه كثير من أهل الهيئة بل هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة: والمراد غاية ارتفاعها فى كبد السماء فان حركتها إذ ذاك يوجد فيها ابطاء بحيث يظن ان لها هناك وقفة، والثانى أنسب بحديث الباب (قال الحافظ) وظاهر الحديث ان المراد بالاستقرار وقوعه فى كل يوم وليلة عند سجودها ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبر عنه بالجرى اهـ، وبقية الآية ﴿ذلك تقدير العزيز﴾ الغالب بقدرته على كل مقدور (العليم) بكل معلوم (تخريجه) (ق د مذ نس) (٧) (سنده) حدّثنا وكيع حدثنا الأعمش عن ابراهيم التيمى عن أبيه عن أبى ذر الخ (٨) (هذه هى القراءة المتواترة (فان الحافظ ابن كثير) وقرأ ابن مسعود وابن عباس (والشمس تجرى لا نستقر لها أى لا فرار لها ولا سكون بل هى سائرة ليلًا ونهارًا لا تفتر ولا تقف كما قال ﵎ ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين﴾ أى لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة اهـ (٩) قال الطيبى وأما قوله مستقرها تحت العرش فلا ينكر ان يكون لها استقرار
[ ١٨ / ٢٥٤ ]
-[(سورة الصافات) وقوله تعالى ﴿وناديناه أن يا ابراهيم﴾ الآية]-
(سورة الصافات) (باب قصة الذبيح وقوله تعالى- ﴿وناديناه أن يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا﴾ (عن ابن عباس) (١) أن رسول الله ﷺ قال ان جبريل ذهب بابراهيم الى جمرة العقبة (٢) فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ (٣) ثم اتى الجمرة الوسطى (٤) فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ: ثم أتى الجمرة القصوى (٥) فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ: فلما أراد ابراهيم أن يذبح ابنه اسحاق (٦) قال لأبيه يا أبت أوثقنى لا اضطرب فينضج عليك من دمى إذا ذبحتنى فشده (٧) فلما أخذ الشفرة فأراد أن يذبحه نودى من خلفه ﴿أن يا ابراهيم قد صدَّقت الرؤيا﴾ (٨)
_________________
(١) تحت العرش من حيث لا ندركه ولا نشاهده وانما أخبر عن غيب فلا نكذبه ولا نكيفه لأن علمنا لا يحيط به اهـ (قال الحافظ) وفى الحديث رد على من زعم ان المراد بمستقرها غاية ما تنتهى اليه فى الارتفاع وذلك أطول يوم فى السنة وقيل الى منتهى امرها عند انتهاء الدنيا اهـ قال فى اللمعات (قوله والشمس تجرى لمستقر لها﴾ قد ذكر فى التفاسير وجوه غير ما فى الحديث ولا شك أن ما وقع فى الحديث المتفق عليه هو المعتبر والمعتمد والله أعلم (تخريجه) (خ نس وغيرهما) (باب) (١) (سنده) حدّثنا يونس أخبرنا حماد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) قال الحافظ جمرة العقبة هى الجمرة الكبرى وليست من منى بل هى حد منى من جهة مكة، وهى التى بايع النبى ﷺ الأنصار عندها على الهجرة، والجمرة اسم المجتمع الحصى سميت بذلك لاجتماع الناس بها، يقال تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل ان العرب تسمى الحصا الصغار جمارًا فسميت تسمية الشئ بلازمه (٣) أى غاص فى الأرض يقال ساخت الأرض به تسوخ وتسيخ (٤) هى التى بين جمرة العقبة والجمرة القصوى (٥) هى التى تلى مسجد الخيف بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية ويقال لها الأولى لأنها أولى الجمرات من جهة عرفات، والقصوى لأنها أبعد الجمرات من مكة (٦) هكذا جاء فى هذه الرواية ويستفاد منها أن الذبيح اسحاق وفى اسنادها عطاء بن السائب وقد اختلط، وهى تعارض الرواية الصحيحة من حديث أبى الطفيل عن ابن عباس أيضًا وتقدم فى باب ما رواه أبو الطفيل عن ابن عباس من كتاب الحج فى الجزء الحادى عشر صحيفة ١٠٠ رقم ٧٠ وفيه (وثم تله للجبين وعلى اسماعيل قميص أبيض) الحديث وهو يفيد أن الذبيح اسماعيل، وسيأتى تحقيق المقام وكلام العلماء فى ذلك قريبًا (٧) أى شد وثاقه (وقوله فلما أخذ الشفرة) يعنى السكين العريضة (٨) أى قد حصل المقصود من رؤياك باضجاعك ولدك للذبح (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط، والظاهر أن قوله فى الحديث (فلما أراد اسماعيل أن يذبح ابنه اسحاق) جاء خطأ من عطاء بن السائب فالذبيح اسماعيل كما يستفاد من كتاب الله وصريح السنة الصحيحة وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء من السلف والخلف (هذا) واعلم أن قصة ابراهيم ﵇ مع ولده الذبيح عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام جاءت فى كتاب الله من قوله تعالى ﴿وقال إنى ذاهب الر ربى سيهدين﴾ - إلى قوله- ﴿وباركنا عليه وعلى اسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين﴾ لهذا رأيت أن آتى بتفسير هذه الآيات لما فيها من العظة والعبرة فأقول: أورد هذه الآيات الحافظ ابن كثير فى تفسيره جملة واحدة ثم قال يقول تعالى مخبرًا عن خليله ابراهيم ﵊ بعدما نصره الله تعالى على قومه وأيس من =
[ ١٨ / ٢٥٥ ]
-[قصة الذبيح وكلام العلماء فى ذلك والتحقيق أن الذبيح اسماعيل لا اسحاق]-
_________________
(١) = إيمانهم بعدما شاهدوا من الآيات العظيمة هاجر من بين أظهرهم وقال ﴿انى ذاهب الى ربى سيهدين، رب هب لى من الصالحين﴾ يعنى أولادًا مطيعين يكونون عوضًا عن قومه وعشيرته الذين فارقهم، قال الله تعالى ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ وهذا الغلام هو اسماعيل ﵇ فانه أول ولد بشر به ابراهيم ﵇ وهو أكبر من اسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل فى نص كتابهم أن اسماعيل ﵇ ولد ولإبراهيم ﵇ ست وثمانون سنة: وولد اسحاق وعمر ابراهيم ﵊ تسع وتسعون سنة وعندهم ان الله ﵎ أمر ابراهيم أن يذبح ابنه وحيده وفى نسخة أخرى بكرة فأقحموها هنا كذبًا وبهتانًا (اسحاق) ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم، وانما اقحموا اسحاق لأنه أبوهم واسماعيل ابو العرب فحسدوهم فزادوا ذلك: وحرّفوا وحيده بمعنى الذى ليس عنده غيره فان اسماعيل كان ذهب به وبأمه الى مكة، وهو تأويل وتحريف باطل، فانه لا يقال وحيده الا لمن ليس له غيره، وأيضًا فان أول ولد له معزة ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ فى الابتلاء والاختبار، وقد ذهب جماعة من أهل العلم الى أن الذبيح هو اسحاق وحكى ذلك عن طائفة من السلف حتى نقل عن بعض الصحابة ﵃ أيضًا، وليس ذلك فى كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقى إلا عن أحبار أهل الكتاب وأخذ ذلك مسَّدًا من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد الى أنه اسماعيل، فانه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح ثم قال بعد ذلك- وبشرناه باسحاق نبيًا من الصالحين- ولما بشرت الملائكة ابراهيم باسحاق قالوا- انا نبشرك بغلام عليم- قال تعالى- ﴿فبشرناها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب﴾ أى يولد له فى حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل، فكيف يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل فكيف يحكى بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرًا واسماعيل وصف هنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام، انتهى كلام الحافظ ابن كثير (فلما بلغ معه السعى) قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراسانى وزيد بن أسلم وغيرهم يعنى شب وارتجل وأطاق ما يفعله أبوه من السعى والعمل، قال الامام البغوى واختلفوا فى سنه، قيل كان ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل كان ابن سبع سنين ﴿قال يا بنى انى أرى فى المنام أنى أذبحك﴾ قال محمد بن اسحاق كان ابراهيم اذا زار هاجر واسماعيل حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة ويروح من مكة، فيبيت عند أهله بالشام، حتى اذا بلغ اسماعيل معه السعى وأخذ يعمل بنفسه ورجاء لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته أمر فى المنام أن يذبحه: وذلك أنه رأى ليلة التروية كأن قائلًا يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روّى فى نفسه أى فكر فى الصباح الى الرواح أمن الله هذا الحكم أم من الشيطان؟ فمن ثم سعى يوم التروية فلما أمسى رأى فى المنام ثانيًا، فلما أصبح عرف أن ذلك من الله ﷿، فمن ثم سعى يوم عرفة، قال مقاتل رأى ذلك ابراهيم ثلاث ليال متواليات فلما تيقن ذلك أخبر به ابنه فقال- ﴿يا بنى انى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ قرأ حمزة والكسائى ترى بضم التاء وكسر الراء ماذا تشير: وانما أخبره ليعلم صبره على أمر الله تعالى وعزيمته على طاعته، وقرأ العامة بفتح التاء والراء إلا أبا عمرو فانه يميل الراء، قال ابن اسحاق وغيره فلما أمر ابراهيم بذبح ولده قال لابنه يا بنى خذ الحبل والمدية ننطلق الى هذا الشعب نحتطب، فلما خلا ابراهيم بابنه فى شعب ثبير اخبره بنا أمر ﴿قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما﴾ انقادا وخضعا لأمر الله تعالى، قال قتادة أسلم ابراهيم ابنه وأسلم الابن نفسه ﴿وتله للجبين﴾ أى صرعه على الأرض قال ابن عباس أضجعه على جبينه
[ ١٨ / ٢٥٦ ]
-[بقية قصة الذبيح وتفسيرها ومن قال انه اسحاق]-
_________________
(١) على الأرض، والجبهة بين الجبينين ووضع السكين على حلقه فلم يعمل، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين ونودى يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا: روى ان ذلك المكان عند الصخرة التى بمنىً، وجواب لما محذوف تقديره قبلنا منه ﴿وناديناه أن يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا﴾ أى حققت ما أمرناك به فى المنام من تسليم الولد للذبح ﴿إنا كذلك نجزى المحسنين﴾ تعليل لتخويل ما خولهما من الفرج بعد الشدة ﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾ الاختبار البين الذى يتميز به المخلصون من غيرهم أو المحنة البينة ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ هو ما يذبح سمينًا ضخم الجثة، وهى السنة فى الأضاحى، روى عن ابن عباس هو الكبش الذى قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى فى الجنة حتى فدى به اسماعيل، وعنه لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة وذبح الناس أبناءهم، قال الامام البغوى نظر ابراهيم فاذا هو بجبريل ومعه كبش أملح أقرن فقال هذا فداء لابنك فاذبحه دونه فكبر جبريل وكبر الكبش وكبر ابراهيم وكبر ابنه فأخذ ابراهيم الكبش فأتى به المنحر من منى فذبحه قال مجاهد سماه عظيمًا لأنه متقبل، وقال الحسين بن الفضل لأنه كان من عند الله، وقيل عظيم فى الثواب ﴿وتركنا عليه فى الآخرين﴾ أى تركنا له فى الآخرين ثناءًا حسنًا ﴿سلام على ابراهيم كذلك نجزى المحسنين﴾ ولم يقل إنا كذلك هنا كما فى غيره لأنه قد سبق فى هذه القصة فاستخف بطرحه اكتفاءًا بذكره مرة عن ذكره ثانية ﴿انه من عبادنا المؤمنين وبشرناه باسحاق نبيًا من الصالحين﴾ فمن جعل الذبيح اسماعيل قال بشره بعد هذه القصة باسحاق نبيًا جزاء الطاعة، ومن جعل الذبيح اسحاق قال بشر ابراهيم بنبوة اسحاق ورواه عكرمة: وعن ابن عباس قال بشر به مرتين حين ولد وحين نبئ ﴿وباركنا عليه﴾ يعنى على ابراهيم فى أولاده ﴿وعلى اسحاق﴾ يكون أكثر الأنبياء من نسله، قيل أخرج الله من صلبه الف نبى أولهم يعقوب وآخرهم عيسى ﵈ ﴿ومن ذريتهما محسن﴾ مؤمن ﴿وظالم لنفسه﴾ كافر ﴿مبين﴾ ظاهر أو محسن الى الناس وظالم على نفسه بتعديه عن حدود الشرع، وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجرى أمرهما على العرف والعنصر فقد يلد البر الفاجر، والفاجر البر وهذا مما يهدم أمر الطبائع والعناصر، وعلى ان الظلم فى اعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة، وان المرء إنما يعاب بسوء فعله ويعاقب على ما اجترحت يداه لا على ما وجد من أصله وفرعه، والى هنا قد انتهى ما أردنا تفسيره من هذه القصة، ويستفاد منها أن الراجح بل المتعين أن الذبيح اسماعيل، قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره وقد حكى البغوى القول بأنه اسحاق عن عمر وعلى وابن مسعود والعباس ﵃ ومن التابعين عن كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والزهرى والسدى، قال وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وقد ورد فى ذلك حديث لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين ولكن لم يصح سنده اهـ (قلت) وحكى البغوى أيضًا القول بأنه اسماعيل عن عبد الله بن عمر قال وهو قول سعيد بن المسيب والشعبى والحسن البصرى ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظى والكلى، وهى رواية عطاء بن أبى رباح ويوسف بن ماهك عن ابن عباس قال المفدى اسماعيل، وقال القرظى سأل عمر بن عبد العزيز رجلًا كان من علماء اليهود أسلم وحسن اسلامه أىّ ابنى ابراهيم أمر بذبحه؟ فقال اسماعيل: ثم قال يا أمير المؤمنين ان اليهود لتعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذى أمر الله ﵎ بذبحه ويزعمون انه اسحاق بن ابراهيم، ومن الدليل عليه ان قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة فى أيدى بنى اسماعيل الى ان احترق البيت واحترق القرنان فى أيام ابن الزبير والحجاج، قال الشعبى رأيت قرنى الكبش منوطين بالكعبة، وعن ابن عباس قال والذي نفسي
[ ١٨ / ٢٥٧ ]
-[قوله تعالى ﴿اجعل الآلهة الهًا واحدًا﴾ الآيات وتفسيرها]-
(سورة ص) (باب اجعل الآلهة الهًا واحدًا) الآية (من ابن عباس) (١) قال مرض أبو طالب فأتته قريش وأتاه رسول الله ﷺ يعوده وعند رأسه مقعد رجل (٢) فقام أبو جهل فقعد فيه (٣) فقالوا إن ابن أخيك يقع فى الهتنا، قال ما شأن قومك يشكونك؟ قال يا عم أريدهم على كلمة واحدة تدين بها العرب وتؤدى العجم اليهم الجزية: قال ما هى؟ قال لا إله إلا الله، فقاموا فقالوا ﴿اجعل الآلهة الهًا واحدًا﴾ قال ونزل (ص والقرآن ذى الذكر) (٤) فقرأ حتى بلغ ﴿ان هذا لشئ عجاب﴾ (٥) قال عبد الله (يعنى ابن الإمام أحمد) قال أبى وحدثنا ابو أسامة حدثنا الأعمش حدثنا عباد (٦)
_________________
(١) بيده لقد كان اول الاسلام وان راس الكبش؟؟؟؟؟؟ بقرنيه فى ميزاب الكعبة وقد وحش يعنى يبس، قال الأصمعى سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح اسحاق كان أو اسماعيل، فقال يا اصيمع أين ذهب عقلك متى كان اسحاق بمكة؟ انما كان اسماعيل بمكة وهو الذى بنى البيت مع أبيه اهـ هذا وفيما نقلناه عن الحافظ ابن كثير فى أول القصة كفاية لمستزيد والله أعلم (باب) (١) (سنده) حدّثنا يحيى عن سفيان حدثنى سليمان يعنى الأعمش عن يحيى بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (غريبه) (٢) يعنى خاليًا (٣) الظاهر أن أبا جهل فعل ذلك خشية أن يجلس فيه النبى ﷺ فيكون له صدارة المجلس ويؤثر على أبى طالب فيرق له، فوثب فجلس فى ذلك المجلس، زاد فى الحديث التالى فلما دخل رسول الله ﷺ لم يجد مجلسًا إلا عند الباب فجلس (٤) (التفسير) ﴿ص. والقرآن ذى الذكر﴾ أى البيان والشرف وجواب القسم محذوف، أى ما الأمر كما قال فان كفار مكة من تعدد الآلهة (بل الذين كفروا فى عزة) أى حمية وجاهلية وتكبر عن الحق ﴿وشقاق﴾ خلاف وعداوة لمحمد ﷺ ﴿كم اهلكنا من قبلهم من قرن﴾ يعنى من الأمم الخالية ﴿فنادوا﴾ استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة ﴿ولاة حين مناص﴾ اى ليس الحين حين؟؟؟؟؟؟ القول ﴿وعجبوا﴾ يعنى الكفار الذين ذكرهم الله ﷿ فى قوله بل الذين كفروا ﴿أن جاءهم منذر منهم﴾ يعنى رسولًا من انفسهم ينذرهم ﴿وقال الكافرون هذا ساحر كذاب: اجعل الآلهة إلهًا واحدًا﴾ اى كيف يزعم محمد أن المعبود واحد لا إله إلا هو، أنكر المشركون ذلك قبحهم الله بعد ما فارقوا مجلس أبى طالب كما فى الحديث ﴿إن هذا لشئ عجاب﴾ أى عجيب والعجيب والعجاب واحد: كقولهم رجل كريم وكرام وكبير وكبار وطويل وطوال وعريض وعراض (٥) نزلت هذه الآيات بعد قولهم هذا توبيخًا لهم واظهارًا للغضب عليهم ودلالة على أن هذا القول لا يحسر عليه إلا الكافرون المتوغلون فى الكفر المنهمكون فى الغى اذ لا كفر أبلغ من أن يسموا من صدّقه الله كاذبًا ساحرًا ويتعجبوا من التوحيد وهو الحق الابلج ولا يتعجبوا من الشرك وهو باطل لجلج (٦) اختلف الرواة فى اسم هذا الراوى فسماه سفيان الثورى فى روايته عنه (يحيى بن عمارة) كما والسند المذكور أول الحديث وهذا هو الذى جزم به البخارى وابن حبان ويعقوب بن شيبة، وسماه أبو أسامة عن الأعمش (عبادًا) غير منسوب كما فى هذا السند الأخير، وسماه الأشجعى عن العمش (يحيى بن عباد) والمحفوظ المتداول (يحيى بن عمارة) كما فى السند المذكور أول الباب (تخريجه) (نس مذ ك) وابن أبى حاتم وابن جرير كلهم فى تفاسيرهم من حديث سفيان الثورى عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الكوفى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقال الترمذى حديث حسن صحيح (قلت) وصححه أيضًا الحاكم وأقره الذهبي والله اعلم
[ ١٨ / ٢٥٨ ]
-[قوله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون) وكلام العلماء في ذلك]-
فذكر نحوه، وقال أبي قال الأشجعي يحيى بن عباد (وعنه أيضًا) (١) قال لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط (٢) من قريش منهم أبو جهل فقالوا يا أبا طالب ابن أخيك يشتم آلهتنا بقوله ويقول ويفعل ويفعل، فأرسل إليه فانهه: قال فأرسل إليه أبو طالب وكان قرب أبي طالب موضع رجل فخشي إن دخل النبي ﷺ على عمه أن يكون أرق له عليه فوثب فجلس، فلما دخل النبي ﷺ لم يجد مجلسا إلا عند الباب فجلس، فقال أبو طالب يا ابن أخي إن قومك يشكونك يزعمون أنك تشتم آلهتك، تقول وتقول وتفعل: فقال: يا عم إنما أريدهم على كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، قالوا: وما هي؟ نعم وأبيك عشرا (قال لا إله إلا الله) قال: فقاموا وهم ينفضون ثيابهم وهم يقولون (أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب) (٣) قال ثم قرأ حتى بلغ (لما يذوقوا عذاب) (٤) (سورة الزمر) (باب إنك ميت وإنهم ميتون) (عن الزبير بن العوام) (٥) قال لما نزلت هذه السورة على رسول الله ﷺ (إنك ميت وإنهم ميتون (٦) ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) (٧) قال الزبير ﵁ أي رسول الله
_________________
(١) (سنده) حدثنا حماد بن أسامة قال سمعت الأعمش قال حدثنا عباد بن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس الخ (غريبه) (٧) الرهط هم عشيرة الرجل وأهله، والرهط من الرجال ما دون العشرة وقيل إلى الأربعين ولا XXX فيهم امرأة ولا واحد له من لفظه ويجمع على أرهط وأرهاط وأراهط جمع الجمع (٣) تقدم تفسير هذه الآية مع ما قبلها من أول السورة في شرح الحديث السابق (٤) زاد في هذه الرواية قال ثم قرأ حتى بلغ لما يذوقوا عذاب) وإليك تفسير هذه الزيادة وانطلق الملأ منهم وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم وانطلقوا من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب يقول بعضهم لبعض (أن امشوا) وأن بمعنى أي لأن المنطلقين عن مجلس التفاؤل لا بد من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم فكان انطلاقهم متضمنا معنى القول (واصبروا على آلهتكم) أي اثبتوا على عبادة آلهتكم ولا تستجيبوا لما يدعوكم غليه محمد من التوحيد (إن هذا بشيء يراد) قال ابن جرير إن هذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه (ما سمعنا بهذا) اي بهذا الذي يقوله محمد من التوحيد (في الملة الآخرة) قال ابن عباس والكلبي ومقاتل يعنون النصرانية لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون وهم لا يوحدون بل يقولون ثالث ثلاثة، وقال مجاهد وقتادة يعنون ملة قريش ودينهم الذي هم عليه (إن هذا أي ما هذا (الا اختلاق) أي كذب اختلقه محمد من تلقاء نفسه (أأنزل عليه الذكر) القرآن (من بيننا) وليس بأكبرنا ولا أشرفنا يقوله أهل مكة قال الله ﷿ (بل هم في شك من ذكري) أي وحي وما أنزلت (بل لم يذوقوا عذاب) أي لم يذوقوا عذاب، ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول، والمعنى أنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب فيصدقون حينئذ (تخريجه) تقدم الكلام على من خرجه في الحديث السابق وهو حديث صحيح (باب) (٥) (سنده) حدثنا ابن نمير حدثنا محمد يعني ابن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله ابن الزبير بن العوام الخ (٦) (التفسير) (إنك ميت) أي ستموت (وإنهم ميتون) أي سيموتون، قال الفراء والكسائي الميت بالتشديد من لم يمت وسيموت، والميت بالتخفيف من فارقه الروح ولذلك لم يخفف ما هنا (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) قال الحافظ ابن كثير معنى الآية إنكم
[ ١٨ / ٢٥٩ ]
-[قوله تعالى ﴿قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم﴾]-
أيكرر علينا ما كان فى الدنيا (١) مع خواص الذنوب؟ قال نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى الى كل ذى حق حقه، فقال الزبير والله ان الأمر لشديد (وعنه أيضًا) (٢) قال لما نزلت ﴿ثم انكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾ قال الزبير أى رسول الله مع خصومتنا فى الدنيا؟ قال نعم، ولما نزلت ﴿ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم﴾ قال الزبير أى رسول الله أى نعيم نسأل عنه (٣) وانما يعنى هما الأسودان التمر والماء، قال أما ان ذلك سيكون (٤) (باب قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) الآية (عن ثوبان) (٥) مولى رسول الله ﷺ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما أحب أن لى الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم (٦) لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعًا أنه هو الغفور الرحيم﴾ فقال رجل
_________________
(١) تنتقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله تعالى فى الدار الآخرة وتختصمون فيما أنتم فيه فى الدنيا من التوحيد والشرك بين يدى الله ﷿ فيفصل بينكم ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم، فينجى المؤمنين المخلصين الموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين، ثم ان هذه الآية وان كان سياقها فى المؤمنين والكافرين وذكر الخصومة بينهم فى الدار الآخرة فانها شاملة لكل متنازعين فى الدنيا، فانها تعاد عليهم الخصومة فى الدار الآخرة (١) جاء عند الترمذى بلفظ أتكرر علينا الخصومة بعد الذى كان بيننا فى الدنيا) يعنى من المحبة والاخاء لأنهم كانوا فى حياة رسول الله ﷺ على أثم وفاق ولم يدر الزبير ما سيحصل من الخصومات بعد وفاته ﷺ والحديث عام يشمل عصره ﷺ وما بعده، ولذلك قال أبو سعيد فى هذه الآية كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد ونبينا واحد فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا نعم هو هذا، وعن ابراهيم قال لما نزلت قالوا كيف نختصم ونحن إخوان فلما قتل عثمان قالوا هذه خصومتنا (تخريجه) أورده الحافظ ابن كثير فى تفسيره وعزاه للإمام احمد وقال رواه الترمذى من حديث محمد بن عمرو به وقال حسن صحيح (قلت) ورواه أيضًا الحاكم فى المستدرك وصححه وأقره الذهبى (٢) (سنده) حدّثنا سفيان عن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن ابن الزبير عن الزبير قال لما نزلت الخ (غريبه) (٣) معناه لسنا فى نعيم فان معيشتنا التمر والماء (٤) أى سيكون ذلك لأصحاب النعيم (تخريجه) أورد الحافظ ابن كثير الشطر الأول منه فى تفسيره وعزاه لابن أبى حاتم، ثم قال وكذا رواه احمد عن سفيان وعنده زيادة ﴿ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم﴾ فذكر الشطر الثانى الى آخر الحديث: ثم قال وقد روى هذه الزيادة الترمذى وابن ماجه من حديث سفيان به وقال الترمذى حسن اهـ (قلت) هذه الزيادة رواها الترمذى حديثًا مستقلًا فى تفسير سورة ألهاكم التكاثر وقال حديث حسن وروى الشطر الأول منه حديثًا مستقلًا فى تفسير هذه السورة اعنى الزمر وكلاهما بسند حديث الباب، لكنه قال فى الشطر الأول حديث حسن صحيح والله اعلم (باب) (٥) (سنده) حدّثنا حسن وحجاج قالا ثنا ابن لهيعة ثنا أبو قبيل قال سمعت أبا عبد الرحمن المرى يقول، قال حجاج عن أبى قبيل حدثنى أبو عبد الرحمن الجبلانى انه سمع ثوبان مولى رسول الله ﷺ يقول سمعت رسول الله ﷺ الخ (٦) (التفسير) ﴿قل يا عبادى﴾ بسكون الياء بصرى وحمزة وعلى ﴿الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ جنوا عليها بالاسراف فى المعاصى والغلو فيها ﴿لا تقنطوا﴾ لا تيأسوا وبكسر النون على وبصرى ﴿من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ بالعفو عنها إلا الشرك ﴿إنه هو
[ ١٨ / ٢٦٠ ]
-[قوله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته﴾ الخ]-
يا رسول الله فمن أشرك فسكت النبى ﷺ ثم قال إلا (١) من أشرك ثلاث مرات (باب وما قدروا الله حق قدره) الآية (عن ابن عباس) (٢) قال مر يهودى بالنبى ﵌ وهو جالس قال كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماء على ذه (٣) وأشار بالسبابة: والأرض على ذه: والماء على ذه: والجبال على ذه: وسائر الخلق على ذه: كل ذلك يشير بأصابعه (٤) قال فأنزل الله ﷿ ﴿وما قدروا الله حق قدره (٥)
_________________
(١) الغفور﴾ بستر عظائم الذنوب ﴿الرحيم﴾ بكشف فظائع الكروب ﴿وأنيبوا إلى ربكم﴾ توبوا اليه ﴿وأسلموا له﴾ اخلصوا له العمل ﴿من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون﴾ ان لم تتوبوا قبل نزول العذاب (قال الحافظ ابن كثير) هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم الى التوبة والإنابة واخبار بأن الله ﵎ يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها وان كانت مهما كانت وان كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه، ثم ذكر حديث ابن عباس ﵄ أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا واكثروا فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا ان الذى تقول وتدعو اليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل ﴿والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق﴾: الى قوله: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فاؤلئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ الخ: ونزل ﴿قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ أخرجه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى، قال والمراد من الآية الأولى قوله إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا الآية، ثم قال بعد ذكر أحاديث أخرى ما لفظه، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد انه يغفر جميع ذلك مع التوبة، ولا يقنطن عبد من رحمة الله وان عظمت ذنوبه وكثرت فان باب الرحمة والتوبة واسع اهـ (١) هكذا جاء فى الأصل بلفظ إلا اداة الاستثناء وكذلك فى مجمع الزوائد: وجاء فى تفسيرى الحافظ بن كثير والطبرى بلفظ (ألا) بفتح الهمزة التى هى للتنبيه ﴿ومن أشرك﴾ وعلى كلا اللفظين لابد من التوبة فان كان مشركًا وأسلم تائبًا أو مسلمًا عاصيًا ثم تاب غفر الله له بالتوبة والانابة اليه (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الأوسط واحمد بنحوه وقال إلا من أشرك ثلاث مرات وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وحديثه حسن اهـ (قلت) وحديثه هنا حسن لنه صرح بالتحديث، ورواه أيضًا الطبرى فى تفسيره (باب) (٢) (سنده) حدّثنا حسين بن حسن الأشقر حدثنا أبو كدينة عن عطاء عن أبى الضحى عن ابن عباس الخ (غريبه) (٣) يعنى يوم القيامة (وذه) بكسر المعجمة وسكون الهاء وبكسرها باختلاس وباشباع اسم اشارة للمؤنث ومثلها (ته) (٤) جاء فى هذا الحديث عند الترمذى من طريق محمد بن الصلت عن أبى كدينة بسند حديث الباب بعد قوله وسائر الخلق على ذه ما لفظه (وأشار محمد بن الصلت أبو جعفر بخنصره أولًا ثم تابع حتى بلغ الابهام) (٥) (التفسير) ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ وما عظموه حتى عظمته حين أشركوا به غيره وهو العظيم الذى لا أعظم منه، القادر على كل شئ المالك لكل شئ وكل شئ تحت قهره وقدرته، ثم نبههم على عظمته وجلالة شانه بقوله ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ هذه الآية من آيات الصفات التى نؤمن بها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه كما هو مذهب السلف ﵃، قال الإمام
[ ١٨ / ٢٦١ ]
-[كلام العلماء فى قوله تعالى ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة﴾ الخ]-
(عن عبد الله) (١) قال جاء رجل الى النبى ﷺ من أهل الكتاب (٢) فقال يا أبا القاسم أبلغك أن الله ﷿ يحمل الخلائق على إصبع، والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع (٣) فضحك النبى ﵌ حتى بدت نواجذه (٤) فأنزل الله ﷿ ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ (٥) الآية
_________________
(١) النسفي في تفسيره والمراد بهذا الكلام اذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين الى جهة حقيقة أو جهة مجاز، والمراد بالأرض الأرضون السبع يشهد لذلك قوله (جميعًا) وقوله (السماوات) ولأن الموضع موضع تعظيم فهو مقتضى للمبالغة، والأرض مبتدأ وقبضته الخبر منصوب على الحال أى والأرض إذا كانت مجتمعة قبضته يوم القيامة، والقبضة المرة من القبض، والقبضة المقدار المقبوض بالكف ويقال أعطنى قبضة من كذا تريد معنى القبضة تسمية بالمصدر وكلا المعنيين محتمل، والمعنى والأرضون جميعًا قبضته أى ذوات قبضته بقبضهن قبضة واحدة يعنى أن الأرضين مع عظمهن وبسطهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته كأنه يقبضها قبضة بكف واحد اهـ (والمطويات) من الطيى الذى هو ضد النشر كما قال ﴿يوم تطوى السماء كطى السجل للكتب﴾ وعادة طاوى السجل أن يطويه بيمينه ﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ أى ما أبعد من هذه قدرته وعظمته وما أعلاها عما يضاف اليه من الشركاء (تخريجه) (مذ) عن الدارمى عن محمد بن الصلت عن أبى كدينة بسند حديث الباب: وقال الترمذى حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو كدينة اسمه يحيى بن المهلب ورأيت محمد بن اسماعيل روى هذا الحديث عن الحسن بن شجاع عن محمد بن الصلت اهـ (قلت) وفى اسناده عند الامام احمد حسين بن حسن الأشقر قال ابن أبى حاتم ليس بقوى وقال البخارى فيه نظر، وقال الحافظ فى التقريب صدوق يهم ويغلو فى التشبع (قلت) يعضده رواية الترمذى فليس فى اسنادها حسين المذكور ويعضده أيضًا حديث ابن مسعود الآتى (١) (سنده) حدّثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله (يعنى ابن مسعود) الخ (٢) فى رواية الترمذى جاء يهودى إلى النبى ﷺ وفى رواية للشيخين (جاء حبر من الأحبار الى رسول الله ﷺ الحبر بفتح الحاء المهملة عالم من علماء اليهود قال الحافظ لم أقف على اسمه (فقال يا محمد إنا نجد) أى فى التوراة (أن الله يجعل السماوات على اصبع الحديث (٣) لفظ الإصبع الوارد فى هذا الحديث من المتشابه الذى نؤمن به كما جاء ونكل علمه إلى الله ﷿ من غير تكييف ولا تمثيل، وقد ثبت فى الصحيح (ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن) رواه مسلم والامام احمد وغيرهما (٤) بالجيم والذال المعجمة أى أنيابه وهى الضواحك التى تبدو عند الضحك وقد جاء عند البخارى فضحك النبى ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، وجاء عند مسلم (تعجبًا بما قال الحبر وتصديقًا له) (٥) جاء عند البخارى ثم قرأ رسول الله ﷺ- وما قدروا الله حق قدره- وقراءته ﷺ هذه الآية تدل على صحة قول الحبر كضحكة (قال النووى) ظاهر الحديث أن النبى ﷺ صدق الحبر فى قوله ان الله تعالى يقبض السماوات والأرضين والمخلوقات بالأصابع ثم قرأ الآية التى فيها الإشارة الى نحو ما يقول، قال القاضى وقال بعض المتكلمين ليس ضحكه ﷺ وتعجبه وتلاوته للآية تصديقًا للحبر بل هو رد لقوله وانكار وتعجب من سوء اعتقاده، فان مذهب اليهود التجسيم ففهم منه ذلك: وقوله تصديقًا له إنما هو من
[ ١٨ / ٢٦٢ ]
-[الأسلم عدم تأويل آيات الصفات المتشابهة والإيمان من غير تشبيه]-
(عن ابن عمر) (١) أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) (٢) ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده ويحركها يقبل ويدبر (٣) يمجد الرب نفسه، أنا الجبار (٤) أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز أنا الكريم، فرجف برسول الله ﷺ المنبر (٥) حتى قلنا ليخزن به
_________________
(١) (سورة فصلت) (باب وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم الخ) (عن عبد الله) قال كنت مستترًا بستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وختناه ثقفيان أو ثقفي كلام الرواي على ما فهم والأول أظهر اهـ وقال التميمي XXX فيه وأتى في معناه ما لم يأت به السلف، والصحابة كانوا أعلم بما رووه وقالوا إنه ضحك تصديقًا له، في السنة الصحيحة (ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن اهـ وقد اشتد إنكار ابن خزيمة على من ادعى أن الضحك المذكور كان على سبيل الإنكار فقال بعد أن آووه هذا الحديث في كتاب التوحيد من صحيحه بطريقه قد أجل الله تعالى نبيه ﷺ عن أن يوصف به بحضرته بما ليس هو من صفاته فيجعل بدل الغنكار والغضب على الواصف ضحكًا بل لا يوصف النبي ﷺ بهذا الوصف من يؤمن بنبوته اهـ إذا تقرر هذا فهو من المتشابه كغيره XXX واليدين والقدم والرجل والجنب في قوله تعالى أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله والأسلم أننا نفرض معناه المراد إلى الله ﷿ على أن جهلنا بتفصيله لا يقدح في اعتقادنا المراد XXX والتفويض مذهب السلف والله أعلم (يخريجه) (ق مذ نس) (١) (سنده) حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا إسحاق بن عبد الله يعني ابن أبي طلحة عن عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر الخ (غريبه) (٢) تقدم تفسير هذه الآية في شرح الحديث الأول من أحاديث الباب (٣) جاء عند مسلم (ويقبض) أصابعه ويبسطها) قال القاضي عياض وقبض النبي ﷺ أصابعه وبسطها تمثيل لقبض هذه المخلوقات وجمعها بعد بسطها وحكاية المبسوط والمقبوض وهو السماوات والأرضون: لا إشارة إلى القبض والبسط الذي هو صفة القابض والباسط ﷾، ولا تمثيل لصفة الله تعالى السمعية المسماة باليد التي ليست بجارحة (٤) أنا الجبار الخ قال الأبي يحتمل أن يخاطب بذلك الملائكة ﵈ أو يخاطب به ذاته كقوله تعالى: (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) (٥) جاء عند مسلم (حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول XXX هو برسول الله ﷺ (قال النووي) وقوله في المنبر (يتحرك من أسفل شيء منه) أي من أسفله إلى أعلاه لأن بحركة الأسفل يتحرك الأعلى، ويحتمل أن تحركه بحركة النبي ﷺ بهذه الإشارة (قال القاضي عياض) ويحتمل أن يكون بنفسه هيبة لسمعه كما حن الجذع: ثم قال والله أعلم بمراد نبيه ﷺ فيما ورد في هذه الأحاديث من مشكل: ونحن نؤمن بالله تعالى وصفاته ولا نشبه شيئا به ولا نشبهه بشيء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وما قاله رسول الله ﷺ وثبت عنه فهو حق وصدق، فما أدركنا علمه فبفضل الله تعالى، وما خفي علينا آمنا به ووكلنا علمه إليه ﷾، وحملنا لفظه على ما احتمل في لسان العرب الذي خوطبنا به، ولم نقطع على أحد معنييه بعد تنزيهه، سبحانه عن ظاهره الذي لا يليق به ﷾ وبالله التوفيق (تخريجه) (ق نس جه جه بز) (باب) (٦) (سنده) حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن
[ ١٨ / ٢٦٣ ]
-[قوله ﷿ ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة فى القربى﴾]-
وختناه (١) قرشيان كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم (٢) فتكلموا بكلام لم أسمعه فقال أحدهم أترون (٣) الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الاخر أرانا (٤) اذا رفعنا أصواتنا سمعه واذا لم نرفعها لم يسمع، فقال الآخر ان سمع منه شيئًا سمعه كله (٥) قال فذكرت ذلك للنبى ﷺ فأنزل الله ﷿ ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم﴾ (٦) الى قوله ﴿ذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين﴾ (سورة الشورى) (باب قل لا أسألكم عليه أجرًا الا المودة فى القربى) (عن ابن عباس) (٧) وقد سئل عن معنى قوله ﷿ ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا الا المودة فى القربى﴾ فقال سعيد بن جبير قرابة محمد رسول الله ﷺ (٨) قال ابن عباس عجلت ان رسول الله ﷺ لم يكن بطن من قريش الا لرسول الله ﷺ فيهم قرابة فنزلت
_________________
(١) عبد الله (يعني ابن مسعود) الخ (غريبه) (١) بفتح الخاء المعجمة والفوقية بعدها نون كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ وهم الاختان بفتح الهمزة، وأو للشك من الراوى واخرجه عبد الرزاق من طريق وهب بن ربيعة عن ابن مسعود بلفظ ثقفى وختناه قرشيان فلم يشك (قال البغوى) قيل الثقفى عبد يا ليل وختناه قرشيان ربيعة وصفوان بن أمية (٢) فيه اشارة الى أن الفطنة قلما تكون مع البطنة قال الشافعى ما رأيت سمينًا عاقلًا إلا محمد بن الحسن (٣) بضم التاء الفوقية أى أتظنون (٤) بضم الهمزة أى أظننا الخ (٥) قال الحافظ فيه اشعار بأن هذا الثالث افطن أصحابه، واخلق به أن يكون صفوان بن أمية أو الاخنس بن شريف لانهما أسلما بعد ذلك (٦) (التفسير) ﴿وما كنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم﴾ معناه انكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم لانكم تنكرون البعث والقيامة (ولكن) ذلك الاستنار لاجل انكم ﴿ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما كنتم تعملون﴾ من الاعمال التى تخفونها فلذلك اجترأتم على ما فعلتم، وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغى أن يتحقق انه لا يمر عليه حال إلا وعليه رقيب ﴿وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم أرداكم﴾ أى ذلك الظن هو الذى اهلككم ﴿فأصبحتم من الخاسرين﴾ أى فى مواقف القيامة: وهذا آخر الحديث، ثم قال ﷿ ﴿فان تصبروا﴾ على العذاب لم ينفعهم الصبر ولم ينفكوا به من الثواء فى النار ﴿وان يستعتبوا فما هم من المعتبين﴾ أى وان يطلبوا الرضا فماهم من المرضيين وإن يسألوا العتبى وهى الرجوع جزمًا مما هم فيه لم يعتبوا أى لم يعطوا العتبى ولم يجابوا اليها (تخريجه) (ق مذ نس طل) والبغوى (باب) (٧) (سنده) حدّثنا يحيى عن شعبة حدثنى عبد الملك بن ميسرة عن طاوس قال أتى ابن عباس رجل فسأله: وسليمان بن داود قال أخبرنا شعبة أنبأنى عبد الملك قال سمعت طاوسًا يقول سأل رجل ابن عباس المعنى عن قوله ﷿ قلا لا أسألكم الخ (غريبه) (٨) لفظ البخارى فقال سعيد بن جبير قربى آل محمد ﷺ فحمل الآية على أمر المخاطبين بأن يودوا أقاربه ﷺ وهو عام لجميع المكلفين (قال ابن عباس عجلت) بفتح العين المهملة وكسر الجيم وسكون اللام أى أسرعت فى تفسيرها: ثم قال ان رسول الله ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله ﷺ فيهم قرابة، وقال فى آخر الحديث إلا أن تصلوا قرابة ما بينى وبينكم، فحمل الآية على ان توادوا النبى ﷺ واهل قرابته الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم ولم يقل الا المودة للقربى لأنهم جعلوا مكانًا للمودة ومقرًا لها
[ ١٨ / ٢٦٤ ]
-[قوله ﷿ ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ الآية وتفسيرها]-
﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا الا المودة فى القربى﴾ (١) إلا أن تصلوا قرابة ما بينى وبينكم (باب وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم الخ) (عن أبى سخيلة) (٢) قال قال علىّ ﵁ ألا أخبركم بأفضل آية فى كتاب الله تعالى (٣) حدثنا بها رسول الله ﷺ ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم (٤) ويعفو عن كثير﴾ (٥) وسأفسرها لك يا على: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء فى الدنيا فبما كسبت أيديكم والله تعالى أكرم من أن يثنى عليهم العقوبة فى الآخرة: وما عفا الله تعالى عنه فى الدنيا فالله تعالى أحلم من أن يعود بعد عفوه (٦)
_________________
(١) (التفسير) ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا الا المودة فى القربى﴾ القربى مصدر كالزلفى والبشرى بمعنى القرابة والمراد فى أهل القربى، قال الحافظ ابن كثير أى قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه، وانما اطلب منكم ان تكفوا شركم عنى وتذرونى أبلغ رسالات ربى ان لم تنصرونى فلا تؤذونى بما بينى وبينكم من القرابة، ثم ذكر حديث الباب وعزاه للبخارى والامام احمد، وهو يفيد انهم يوادون النبى ﷺ من أجل القرابة التى بينه وبينهم فهو خاص بقريش ويؤيده أن السورة مكية، قال وهكذا روى عامر الشعبى والضحاك وعلى بن أبى طلحة والعوفى ويوسف ابن مهران وغير واحد عن ابن عباس ﵄ مثله، وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدى وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم اهـ وروى ابن أبى حاتم أنه لما نزلت قيل يا رسول الله من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال فاطمة وولدها، قال الحافظ ابن كثير إسناده ضعيف فيه مبهم لا يعرف عن شيخ شيعى مخرف وهو حسين الأشقر ولا يقبل خبره فى هذا المحل، وذكر نزول الآية فى المدينة بعيد فانها مكية، ولم يكن إذ ذاك لفاطمة ﵂ أولاد بالكلية فانها لم تتزوج بعلى ﵁ إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة (قال) والحق تفسير هذه الآية بما فسرها به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما رواه عنه البخارى (يعنى حديث الباب) قال ولا ننكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم فانهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وذريته ﵃ أجمعين (تخريجه) الحديث رواه الامام أحمد باسنادين أحدهما عن يحيى القطان عن شعبة والثانى عن أبى داود الطيالسى وكلاهما صحيح وأخرجه أيضًا البخارى والبغوى (باب) (٢) (سنده) حدّثنا مروان بن معاوية الفزازى أنبأنا الأزهر ابن راشد الكاهلى عن الخضر بن الفواس عن أبى سخيلة الخ (غريبه) (٣) أى أرجى آية يفرح بها المسلم (٤) أى مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فانما هى سيئات تقدمت لكم (٥) ﴿ويعفو عن كثير﴾ أى من السيئات فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها أو عن كثير من الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة قال تعالى: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ وفى الحديث الصحيح (والذى نفس محمد بيده ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن إلا كفر الله عنه بها من خطاياه حتى الشوكة يشاكها) وقال عكرمة ما من نكبة أصابت عبدًا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بها أو درجة لم يكن الله ليبلغه إلا بها (٦) هذا تفسير النبى ﷺ وليس بعد تفسيره تفسير (تخريجه) أورده الهيثمي
[ ١٨ / ٢٦٥ ]