(١) باب ما ورد في فضلها
(١) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن الله ﷿ يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيريها لأحدكم كما يربي
_________________
(١) الأربعة، وعلى ما تحققه فالإجماع وقوعه محال، فإن الأمة المحمدية قد ملأت الآفاق وصارت في كل أرض وتحت كل نجم، فعلماءنا المحققون لا ينحصرون ولا يتم لأحد معرفة أحوالهم، فمن ادعى الإجماع بعد انتشار الدين وكثرة علماء المسلمين فإنها دعوى كاذبة كما قاله أئمة التحقيق أهـ (أما قراءة القرآن) من الزائر عند القبر فقد تقدم الكلام عليها في أحكام باب وصول ثواب القرب المهداة إلى الميت صحيفة ١٠٥ من هذا الجزء، والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبدالله أبي ثنا وكيع قال ثنا عباد منصور واسماعيل عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (١) في حديث عائشة عند البزار "فيتلقاها الرحمن بيده" نحن نؤمن بهذا الحديث وأمثاله من أحاديث الصفات كما نؤمن بذات (*) الزكاة في اللغة النماء يقال زكا الزرع إذا نما، وترد أيضا بمعنى التطهير؛ ويرد شرعا بالاعتبارين معا، أما بالأول فلأن إخراجها سبب للنماء في المال أو بمعنى أن الأجر يكثر بسببها أو بمعنى تعلقها بالأموال ذات النماء كالتجارة والزراعة، ودليل الأول (ما نقص مال من صدقة) لأنها يضاعف ثوابها كما جاء إن الله تعالى يربي الصدقات (وأما الثاني) فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل وطهرة من الذنوب (قال الحافظ) وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها، قال أبو بكر ابن العربي تطلق الزكاة على الدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والعفو والحق، وتعريفها في الشرع إعطاء جزء من النصاب إلى فقير ونحوه غير متصف مانع شرعي يمنع من الصرف إليه، ووجوب الزكاة أمر مقطوع به في الشرع يستغني عن تكليف الاحتجاج له، وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعها فيكفر جاحدها وقد اختلف في الوقت الذي فرضت فيه فالأكثر أنه بعد الهجرة، وقال ابن خزيمة إنها فرضت قبل الهجرة، واختلف الأولون فقال النووي إن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة، وقال ابن الأثير في التاسعة (قال الحافظ) وفيه نظر لأنها ذكرت في حديث ضمام بن ثعلبة، وفي حديث وفد عبد القيس وفي عدة أحاديث وكذا في مخاطبة ابي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة وقال فيها يأمرنا بالزكاة وقد أطال الكلام الحافظ على هذا في أول كتاب الزكاة من فتح الباري، فليرجع إليه والله أعلم.
[ ٨ / ١٨١ ]
أحدكم مهره أو فلوه أو فصيلة حتى إن القمة لتصير مثثل جبل أحد، قال وكيع في حديثه وتصديق ذلك في كتاب الله وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، ويمحق الله الربا ويربي الصدقات.
(٢) وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ قال ما من عبد مؤمن تصدق بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا طيب إلا وهو
_________________
(١) الله ﷿ من غير تشبيه ولا تمثيل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) وقال صاحب اللمعات في تفسير قوله ويأخذها بيمينه، والمراد حسن القبول ووقعها منه ﷿ موقع الرضا، وذكر اليمين للتعظيم والتشريف وكلتا يدي الرحمن أهـ (١) المهر بضم الميم وسكون الهاء، قال في القاموس المهر بالضم ولد الفرس أو أول ما ينتج منه ومن غيره، جمعه أمهار ومهار ومهارة والأنثى مهرة أهـ (والفلو بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو) وهو المهر لأنه يفلي أي يفطم، وقيل هو كل فطيم من ذات حافر، والجمع أفلاء كعد وأعداء، وقال أبو زيد إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا كسرتها سكنت اللام كجرو، وضرب به المثل لأنه يزيد زيادة بينة، ولأنه الصدقة نتاج العمل، وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيما، فإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال، وكذلك عمل ابن آدم لا سيما الصدقة، فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله إليهما يكسبها نعت الكمال حتى ينتهي بالتضعيف إلى نصاب نقع المناسبة بينه وبين ما قدم، نسبة ما بين اللقمة إلى الجبل (والفصيل) هو ما فصل عن لبن أمه، وأكثر ما يطلق فب الإبل وقد يقال في البقر، ووقع عند الترمذي فلوه أو مهره ولعبد الرزاق مهره أو فصيله، وللبزار مهره أو رضيعه أو فصيله، وهذا يشعر بأن أو للشك من الراوي (٢) ليست الآية كذلك، ووقع مثل ذلك عند الترمذي وهو تخليط من بعض الرواة كما قال العراقي، والصواب "ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات" أي يقبلها ويثيب عليها "وقوله يمحق الله الربا" أي ينقصه ويذهب ببركته "ويربي الصدقات" أي يزيدها وينميها ويضاعف ثوابها (تخريجه) (مذ) وصححه، وقد صرح بصحته أيضا المنذري، وروى مسلم نحوه عن عائشة.
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا قتيبة ثنا بكر بن مضر عن ابن عجلان أن سعد بن يسار أبا الحباب أخبره عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (٣) أي من حلال وقوله "ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء
[ ٨ / ١٨٢ ]
يضعها في يد الرحمن أو في كف الرحمن فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى إن التمرة لتكون مثل الجبل العظيم.
(٣) وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ نحوه
(٤) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال مثل البخيل والمتصدق مثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما فكلما هم المتصدق بصدقة اتسمت عليه حتى
_________________
(١) إلا طيب" جملة معترضة ما قبله، وفيه إشارة إلى أن غير الحلال غير مقبول، (قال القرطبي) وإنما لا يقبل الله الصدفة بالحرام لأنه غير مملوك للمتصدق وهو ممنوع من التصرف فيه، والمتصدق به متصرف فيه، فلو قبل منه لزم أن يكون الشيء مأمورا منهيا من وجه واحد وهو محال أهـ (تخريجه) (ق. نس)
(٢) عن عائشة حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الصمد قال ثنا حماد عن ثابت عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال إن الله ليربي لأحدكم الثمرة واللقمة كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يكون مثل أحد (تخريجه) (م)
(٣) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا وهيب ثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة - الحديث" (تخريجه) (١) بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة، كذا في هذه الرواية ومثلها للبخاري، ووقع في رواية لمسلم وكذا النسائي جبتان أو جنتان (قال النووي) أما جبتان أو جنتان (فالأول بالباء) والثاني بالنون (ووقع في بعض الأصول عكسه أهـ. وقال ابن قرقول والنون أصوب بلا شك وهي الدرع، يدل عليه قوله في الحديث نفسه "لزقت كل حلقة" (يعني في رواية البخاري) وفي لفظ فأخذت كل حلقة موضعها، وكذا قوله من حديد أهـ (قال العيني) ورواه حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن طاوس بالنون كما يجيء عن قريب (يعني البخاري) ورجحت هذه الرواية بما قاله ابن قرقول، والجنة هي الحصن في الأصل، وسميت بها الدرع لأنها تجن صاحبها أي تحصنه، والجبة بالباء الموحدة هي الثوب المعين (وقال الزمخشري) في الفائق جنتان بالنون في هذا الموضع بلا شك ولا اختلاف (يعني في رواية أخرى عند مسلم) وقال الطيبي هو الأنسب، لأن الدرع لا يسمي جبة بالباء بل بالنون أهـ (٣) جمع ترقوة
[ ٨ / ١٨٣ ]
تعفى أثره وكلما هم البخيل بصدقة انقبضت عليه كل خلقة منها إلى صاحبتها وتقلصت عليه قال فسمعت رسول الله ﷺ يقول فيجهد أن يوسعها فلا تتسع.
(٥) عن أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا
_________________
(١) ويقال الترائق أيضا على القلب، وقال ثابت في خلق الإنسان الترقوتان هما العظمان المشرقان في أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغره النحر، وهي اللهزمة التي بينهما، نقله العيني (١) تعفى بتشديد الفاء للمبالغة أي تعفو، قال السندري والمعنى أنها تمحو أثر مشيه بسبوغها وكمالها كثوب يجر على الأرض يمحو أثر صاحبه إذا ممشى بمرور الذيل عليه، وفيه إشارة إلى كمال الاتساع والإسباغ، والمراد أن الجواد إذا هم بالنفقة اتسع كذلك بتوفيق الله تعالى صدره وطاوعته يداه فامتدتا بالعطاء والبذل، والبخيل يضيق صدره وتنقبض يده من الإنفاق في المعروف أهـ وإليه أشار بقوله "انقبضت عليه كل حلقة منها إلى صاحبتها وتقلصت عليه" أي اجتمعت، وانضم بعضها إلى بعض فضاقت عليه وعضت كل حلقة مكانها في رواية (٢) أي فيجتهد أن يحاول توسيعها فلا يمكنه ذلك (تخريجه) (ق. نس. وغيرهم) قال الخطابي في معنى الحديث هذا مثل ضربه ﷺ للجواد والبخيل، وشبهها برجلين أراد أن يلبس كل واحد منهما درعا يستجن بها، والدرع أول ما يلبس إنما يقع على موصع الصدر والثديين إلى أن يسلك لابسها يديه في كميه ويرسل ذيلها على أسفل بدنه فيستمر سفلا، فجعل ﷺ مثل المنفق مثل من لبس درعا سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه (وجعل البخيل) كرجل يداه مغلولتان ما بين دون صدره. فإذا أراد لبس الدرع حالت يداه بينها وبين أن أن تمر سفلا على البدن واجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته فكانت ثقلا ووبالا عليه من غير وقاية له وتحصين لبدنه، وحاصله أن الجواد إذا هم بالنفقة اتسع لذلك صدره وطاوعت يداه فامتدتا بالعطاء، وأن البخيل يضيق صدره وتنقبض يده عن الاتفاق؛ وثيل ضرب المثل بهما لأن المنفق يستره الله بنفقته ويستر عوراته في الدنيا والآخرة كستر هذه الجبة لابسها والبخيل كمن لبس جبة إلى ثدييه فيبقى مكشوفا ظاهر العورة مفتضحا في الدارين أهـ
(٢) عن أبي الدرداء (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن ابن مهدي ثنا همام عن قتادة عن خليد العصيري عن أبي الدرداء ﵁- الحديث"
[ ٨ / ١٨٤ ]
الثقلين يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ولا آبت شمس قط إلا بعث بجنتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين، اللهم أعط متفقا خلفا وأعط ممسكا مالا تلفا.
(٦) عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال يقول الله
_________________
(١) (غريبه) (١) أي الأنس والجن "وقوله هلموا" أي أقبلوا إلى ربكم وتصدقوا بفضل ما لكم ولا تبخلوا به رغبة في التكثير؛ فإن ما قل من المال وكفى صاحبه بعد إخراج الصدقة منه خير مما كثر وألهى صاحبه عن التصدق وفعل الخير (٢) أي غربت (٣) أبهم الخلف ليتناول المال والثواب وغيرهما، وكم من منفق مات قبل أن يقع له الخلف المالي فيكون خلفه الثواب المعد له في الآخرة أو يدفع عنه من السوء ما يقابل ذلك (٤) هكذا رواية الإمام أحمد عن أبي الدرداء بزيادة "مالا" وعند الشيخين من حديث أبي هريرة بدون ذكر المال، ولفظهما "اللهم أعط ممسكا تلفا" والتعبير بالعطية في الممسك للمشاكلة لأن التلف ليس بعطبة (ومالا) مفعول للمسك (وتلفا) مفعول لأعط، والدعاء بالخلف أعم من أن يكون لأحوال الدنيا فقط أو لأحوال الآخرة فقط بل يعم الأمرين، وأما الدعاء بالتلف فيحتمل تلف ذلك المال بعينه أو تلف نفس صاحب المال، والمراد به فوات أعمال البر بالتشاغل بغيرها (وقال النووي) الإنفاق الممدوح ما كان في الطاعات وعلى العيال والضيفان والتطوعات (وقال القرطبي) وهو يعم الواجبات والمندوبات، لطن الممسك عن المندوبات لا يستحق هذا الدعاء إلا أن يغلب عليه البخل المذموم بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحق الذي عليه ولو أخرجه (تخريجه) (حب. ك) بنحوه وقال صحيح الإسناد، ورواه البيهقي من طريق الحاكم ولفظه في إحدى رواياته، قال رسول الله ﷺ ما من يوم طلعت شمسه إلا وبجنتيها ملكان يناديان نداء يسمعه ما خلق الله كلهم غير الثقلين؛ اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا، وأنزل الله في ذلك قرآنا في قول الملكين "يا أيها الناس هلموا إلى ربكم" في سورة يونس "والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" وأنزل في قولهما "اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا" (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى) إلى قوله للعسرى.
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا سفيان عن
[ ٨ / ١٨٥ ]
عن وجل يا ابن آدم أنفق أنفق عليك وقال يمين الله ملأى وسحاء لا يغيضها شيء بالليل والنهار.
(٧) وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب ففزع ماءه في حرة فانتهى إلى الحرة فإذا هو أذناب شراج وإذا شرجه من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته
_________________
(١) أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة "الحديث" (غريبه) (١) أي أنفق من مالك في سبل الخير، أنفق عليك أي أزيدك من نعمي وأثيبك وأبارك لك في مالك قال تعالى "لئن شكرتم لأزيدنكم" (٢) قال النووي ضبطوا سحاء بوجهين أحدهما سحا بالتنوين على المصدر وهذا هو الأصح الأشهر، والثاني حكاه القاضي سحاء بالمد على الوصف ووزنه فعلاء صفة لليد. والسح الصب الدائم. والليل والنهار في هذه الرواية منصوبان على الظرف، ومعنى لا يغيضها شيء أي لا ينقصها، يقال غاض الماء وغاضه الله لازم ومتعد (قال القاضي) قال الإمام المازري هذا مما يتأول لأن اليمني إذا كانت بمعنى المناسبة للشمال لا يوصف بها الباري ﷾ لأنها تتضمن إثبات الشمال، وهذا يتضمن التجديد ويتقدس الله ﷾ عن التجسيم والحد، وإنما خاطبهم رسول الله ﷺ بما يفهمونه وأراد الإخبار بأن الله تعالى لا ينقصه الإنفاق، ولا يمسك خشية الإملاق، جل الله عن ذلك، وعبر ﷺ عن توالي النعم بمسح اليمين لأن الباذل منا يفعل ذلك بيمينه، قال ويحتمل أن يريد بذلك أن قدرة الله ﷾ على الأشياء على وجه واحد لا يختلف ضعفا وقوة وأن المقدورات تقع بها على جهة واحدة ولا تختلف قوة وضعفا كما يختلف فعلنا باليمين والشمال تعالى عن صفات المخلوقين ومشابهة المحدثين أهـ (تخريجه) (م. وغيره)
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يزيد أنا عبد العزيز ابن عبدالله بن أبي سلمة الماجشون عن وهب بن كيسان عن عبدالله بن عمير الليثي عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (٣) هي الأرض القفراء التي لا نبات فيها ولا ماء (٤) هي البستان إذا كان عليه حائط (٥) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء؛ الأرض التي بها حجارة سود (٦) الشراج بكسر الشين المعجمة جمع شرجة، والشرجة مسيل الماء.
[ ٨ / ١٨٦ ]
يحول الماء بمسحاته فقال له يا عبد الله ما اسمك؟ قال فلان بالاسم الذي سمع في السحابة، فقال له يا عبد الله لم تسألني عن اسمي؟ قال إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها؟ قال أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما خرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثه وأرد فيها ثلثه.
(٨) عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال أتى رجل من بني تميم رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ فقال رسول الله ﷺ تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك؛ وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار
_________________
(١) من الحرة إلى سهل والشرج جنس لها، وأذئاب الشراج هي نهاية المسيل إلى أسفل الوادي والمعنى أن الرجل وصل إلى الحرة التي وقع فيها ماء السحاب فإذا بالماء قد سال من الحرة في مسايل متعددة، ثم انحصر الماء كله في مسيل واحد حرى في الوادي فتبع الرجل ميل لماء حتى وصل إلى الحديقة فإذا بصاحبها يحول الماء بمسحاته، فقال له يا عبد الله الخ ما في الحديث (١) المسحاة بالسين والحاء المهملتين هي المجرفة من الحديد (تخريجه) (م) وزاد من طريق آخر أنه قال "وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل وفضل أكل الإنسان من كسبه والإنفاق على العيال، وفيه أن الأعمال الصالحة تكون سببا في رضا الله ﷿ وإكرامه لعبده الصالح.
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا هاشم بن القاسم ثنا ليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن أنس بن مالك ﵁ - الحديث" (غريبه) (١) الحاضرة هي الجماعة تنزل على صاحب الماء للاستسقاء والضيافة ونحو ذلك (ومنه حديث) "إني تحضرني من الله حاضرة" اراد جماعة الملائكة الذين يحضرونه، والسائل هو صاحب الماء، ويقال للمناهل المحاضر للاجتماع والحضور عليها (قال الخطابي) ربما جعلوا الحاضر اسما للمكان المحضور، يقال نزلنا حاضر بني فلان فهو فاعل بمعنى مفعول أهـ. والمعنى أن الرجل يسأل النبي ﷺ عن كيفية توزيع ماله الكثير وهو ذو أهل وولد وضيوف
[ ٨ / ١٨٧ ]
والمسكين، فقال يا رسول الله أقلل لي قال فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا، قال حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال رسول الله ﷺ نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها وإثمها على من بدلها.
(٢) باب افتراض الزكاة والحث عليها والتشديد في منعها
(٩) عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى
_________________
(١) تنزل عليه (١) لعله يريد تقليل اللفظ ولذلك أجابه النبي ﷺ بقوله "فآت ذا القربى حقه والمسكين الخ" الآية لكونها قليلة المبنى كثيرة المعنى (٢) أي يكفيني ويسقط عني فرض الزكاة إذا أديتها إلى رسولك؟ (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله رجال صحيح (الأحكام) أحاديث الباب تدل على فضل الصدقة سواء أكانت واجبة أم تطوعا وأن الله تعالي يتقبلها من عبده ويثيبه عليها ويبارك له في ماله فيزداد وينمو إذا أخرجها من حلال بإخلاص وحسن نية مراعيا في ذلك وجه الله تعالى لا لرياء ولا سمعة (وفيها أيضا) ذم البخيل؛ وإن البخل لا يزيد في المال، بل يذهب البركة منه فضلا عن حرمان صاحبه من الثواب، ووقوعه تحت طائلة العذاب، لا سيما إذا بخل بالصدقة الواجبة، قال تعالى "والذين يكنزون الذهب والفضة لا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون" (وفيها أيضا) أنه كلما أنفق الإنسان في طاعة الله أخلفه الله ﷿ وضاعفه له أضعافا كثيرة، لأن خزائنه ملأى لا تنفد بالإنفاق ليلا ونهارا (وفيها أيضا) فضل أكل الإنسان من كسبه والإنفاق على العيال ثم الأقارب المساكين وأبناء السبيل مع عدم التبذير (وفيها) أن من أدى زكاة ماله للإمام القائم بمصالح الرعية أو نائبه فقد بريء منها إلى الله ورسوله، أي سقط عنه فرض الزكاة وأجير عليها (وفيها غير ذلك) تقدم في خلال الشرح (وفي الباب) أحاديث كثيرة ستأتي في أبواب صدقة التطوع.
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا زكريا بن اسحق المكي عن يحيى بن عبدالله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم- الحديث"
[ ٨ / ١٨٨ ]
آله وصحبه وسلم لما بعث معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمين قال إنك تأتي قوما أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله ﷿ افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله
_________________
(١) (غريبه) كان بعثه ﷺ لمعاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبي ﷺ كما ذكره البخاري في أواخر المغازي، وقيل كان آخر سنة تسع عند منصرفه ﷺ من غزوة تبوك، رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك وقد أخرجه ابن سعد في الطبقات عنه ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر، وقيل بعثه عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يزل باليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر ثم توجه إلى الشام فمات بها، واختلف هل كان واليا أو قاضيا، فجزم ابن عبد البر بالثاني، والنسائي بالأول والله أعلم (٢) هذا كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة فلا يكون في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان (٣) إنما وقعت البداءة بالشهادتين لأنهما أصل الدين الذي لا يصح بشيء غيرهما؛ فمن كان منهم غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحدا فالمطالبة له بالجمع بينهما (٤) استدل به على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة حيث دعوا أولا إلى الإيمان فقط، ثم دعوا إلى العمل، ورتب ذلك عليه بالفاء، وتعقب بأن مفهوم الشرك مختلف في الاحتجاج به وبأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب كما أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قدمت احداهما على الأخرى في هذا الحديث ورتبت الأخرى عليها بالفاء (٥) استدل به على أن الوتر ليس بفرض، وكذلك تحية المسجد وصلاة العيد، وتقدم الكلام على ذلك في أبوابه (٦) قال ابن دقيق العيد يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المراد أن هم أطاعوك بالإقرار بوجوبها عليهم والتزامهم بها، والثاني أن يكون المراد الطاعة بالفعل، وقد رجح الأول بأن المذكور هو الإخبار بالفريضة فتعود الإشارة إليها، ويرجح الثاني أنهم لو أخبروا بالفريضة فبادروا بالامتثال لا بالفعل لكفى ولم يشترط التلفظ، بخلاف الشهادتين فالشرط عدم الإنكار والإذعان للوجوب (وقال الحافظ) المراد القدر المشترك بين الأمرين فمن امتثل بالإقرار أو بالفعل كفاه أو بهما فأولى، وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصلاة، فإذا صلوا وبعد ذكر الزكاة، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم
[ ٨ / ١٨٩ ]
افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم وأتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله ﷿ حجاب.
_________________
(١) استدل به على الإمام هو الذي يتولى قض الزكاة وصرفها غما بنفسه وإما بنائبه فمن امتنع منهم أخذت منه قهرا؛ واستدل بقوله "على فقرائهم" لقول مالك وغيره إنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد، وفيه بحث كما قال ابن دقيق العيد لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب في ذلك وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء، وقال الخطابي وقد يستدل به من لا يرى المديون زكاة إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر نصاب لأنه ليس بغني، إذ إخراج ماله مستحق لغرمائه (٢) كرائم منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره والكرائم جمع كريمة أي نفيسة، وفيه دليل على أنه لا يجوز للمصدق أخذ خيار المال لأن الزكاة لمواساة الفقراء، فلا يناسب ذلك الإجحاف بالمالك إلا يرضاه (٣) فيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ كرائم الأموال الإشارة إلى أن أخذها ظلم (٤) أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع، والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيا كما في حديث أبي هريرة مرفوعا عند الإمام وسيأتي في باب الدعوات المستجابة من كتاب الأذكار والدعوات بلفظ "دعوة المظلوم مستجابة. وإن كان فاجرا فتجوره على نفسه" (قال الحافظ) وإسناده حسن، وليس المراد أن الله تعالى حجابا يحجبه عن الناس (تخريجه) (ق. والأربعة. وغيرهم) وقد استشكل عدم ذكر الصوم والحج في الحديث مع أن بعث معاذ كان في آخر الأمر كما تقدم، وأجاب ابن الصلاح أن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية لاحتمال الزيادة والنقصان، وأجاب الكرماني بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كررا في القرآن، فمن ثم لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام، وقيل إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشيء كحديث (بني الإسلام على خمس) فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة الشهادة والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الحج والصوم لقوله تعالى "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة" مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج. والله أعلم.
[ ٨ / ١٩٠ ]
(١٠) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله، وقال فلما قام أبو بكر وارتد من ارتد أراد أبو بكر تنالهم، قال عمر كيف تقاتل هؤلاء القوم وهم يصلون؟ قال
_________________
(١) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا روح ثنا محمد بن أبي حفصة ثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (١) أي مع محمد رسول الله ﷺ كما جاء في رواية أخرى لأبي هريرة أيضا عند الإمام أحمد بلفظ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرم على دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله ﷿" وتقدم هذا الحديث في باب حكم الإقرار بالشهادتين في الجزء الأول من كتاب الإيمان (٢) زاد في رواية ستأتي في الحديث التالي إلا بحقها، أي كلمة الإسلام وهي لا إله إلا الله مع محمد رسول الله كما تقدم، ورواية البخاري "إلا بحقه" أي الإسلام من قتل النفس المحرمة أو ترك الصلاة أو منع الزكاة بتأويل باطل (وحسابهم على الله) فيما يسره فيثيب المؤمن ويعاقب المنافق (٣) أي بالخلافة بعد وفاة النبي ﷺ "وارتد من ارتد" من العرب، بعض بعبادة الأوثان، وبعض بالرجوع إلى إتباع مسيلمة وهم أهل اليمامة وغيرهم، واستمر بعض على الإيمان إلا أنه منع الزكاة بغيا وشحا، ولذلك سموا في لسان الشرع أهل بغي ولم يسموا على الإنفراد كفارا، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، وذلك أن الردة اسم لغوي، فكل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه فقد ارتد عنه، وقد وجد من هؤلاء القوم الإنصراف عن الطاعة ومنع الجق وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقا؛ وقد زعم بعض الرافضة أن مانعي الزكاة كانوا متأولين في منعها وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" خطاب خاص في مواجهة النبي ﷺ دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه، وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما كان النبي ﷺ، ومثل هذه الشبهة إذا وجدت كان ذلك مما يعذر فيه أمثالهم ويرفع السيف عنهم، وزعموا أن قتالهم كان عسفا، وهذا زعم باطل وتأويل عاطل، لأن قوله تعالى "خذ من أموالهم صدقة" غير مختص به ﷺ بل يشاركه فيه الأمة، والفائدة في مواجهة النبي ﷺ بالخطاب
[ ٨ / ١٩١ ]
فقال أبو بكر والله لأقاتلن قوما ارتدوا عن الزكاة، والله لو منعوني عناقا مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم، قال عمر فلما رأيت الله شرح صدر أبي بكر لقتالهم عرفت أنه الحق
(١١) عن عبيد الله بن عبدالله بن عتيبة قال لما ارتد أهل الردة في زمان أبي بكر ﵁ قال عمر كيف تقاتل الناس يا أبا بكر وقد قال
_________________
(١) أ، هـ هو الداعي إلى الله ﷿ والمبين عنه معنى ما أراد فقدم اسمه ليكون سلوك الأمة في شرائع الدين على حسب ما ينهجه لهم، وأما التطهير والتزكية والدعاء منه ﷺ لصاحب الصدقة، فإن الفاعل لها قد ينال ذلك كله بطاعة الله رسلوه ﷺ فيها وكل، ثواب موعود على عمل من كان في زمنه ﷺ فإنه باق غير منقطع، فبهذا ثبت أنهم كانوا بغاة ولذلك أمر ابو بكر ﵁ بقتال أهل الردة جميعا ولم يستن منهم م نعى الزكاة (فقال له عمر كيف تقاتل هؤلاء القوم وهم يصلون) وكأن عمر ﵁ لم يستحضر من هذا الحديث إلا هذا القدر الذي ذكره وإلا فقد وقع في رواية أخرى من حديث أبي هريرة وابن عمر زيادة، وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وتقدم ذلك آنفا (وفي رواية) للعلاء بن عبد الرحمن حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بما جئت به، وهذا يعم الشريعة كلها، ومقتضاه أن من جحد شيئا مما جاء به ﷺ ودعى إليه فامتنع ونصب القتال تجب مقاتلته وقتله إذا أصر، ولذلك قال أبو بكر ﵁ "والله لأقاتلن قومام ارتدوا عن الزكاة" وفي رواية للشيخين والإمام أحمد "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" يعني بأن قال أحدهما واجب دون الآخر. أو انكر وجوب أداء الزكاة إلى الإمام (فإن الزكاة حق المال) كما أن الصلاة حق البدن أي فدخلت في قوله إلا بحقه (١) بفتح العين بعدها نون وهو الأنثى من أولاد المعز، وقد احتج الشافعية وأبو يوسف بقوله عناقا على أن حول النتاج حول الأمهات وإلا لم يجز أحد العناق، وقال أبو حنيفة ومحمد لا تجب الزكاة في المسألة المذكورة، وجمل الحديث على المبالغة (٢) يعني فلما استقر عند عمر صحة قول أبي بكر وبان له صوابه تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله فعرفت أنه الحق، يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي اقامه نصا ودلاله. والله أعلم (تخريجه) (ق. والثلاثة)
(٢) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي
[ ٨ / ١٩٢ ]
رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله فقال أبو بكر ﵁ والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة الزكاة، فإن الزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها، قال عمر ﵁ فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر ﵁ للقتال فعرفت أنه الحق
(١٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال ما من صاحب
_________________
(١) حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة - الحديث" (غريبه) (١) كان هذا من عمر ﵁ تعلقا بظاهر الكلام قبل أن أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر ﵁ إن الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلفة باستيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، فكما لا تتناول العصمة من لم يؤد حق الصلاة كذلك لا تتناول العصمة من لم يؤد حق الزكاة، وإذا لم تتناولهم العصمة بقوا في عموم قوله أمرت أن أقاتل الناس فوجب قتالهم حينئذ، وهذا من لطيف النظر أن يقلب المعترض على المستدل دليله فيكون أحق به، وكذلك فعل أبو بكر فسلم له عمر ﵄ وقاسه على قتال الممتنع من الصلاة، لأنه كان إجماعا من الصحابة فرد المختلف فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذا الاحتجاج من عمر بالعموم ومن أبي بكر بالقياس، وفيه دلالة على أن الصديق والفاروق لم يسمعا من الحديث الصلاة والزكاة كما سمعه غيرهما ولم يستحضراه، إذ لو كان ذلك لم يحتج عمر على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لرد به على عمر ولم يحتج بعموم قوله إلا بحقها، لكن يحتمل أن يكون سمعه واستظهر بهذا الدليل النظري، ويحتمل كما قال الطيبي أن يكون عمر ظن أن المقاتلة إنما كنت لكفرهم لالمنعهم الزكاة فاستشهد بالحديث، وأجابه الصديق بأني ما أقاتلهم لكفرهم بل لمنعهم الزكاة والله أعلم (تخريجه) (أخرجه الشيخان. وغيرهما) من مسند أبي هريرة وهو عند الإمام أحمد من مسند عمر
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا وهيب بن خالد البصري قال ثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ - الحديث"
[ ٨ / ١٩٣ ]
كنز لا يؤدي زكاته إلا جيء به يوم القيامة وبكنزه فيحمى عليه صفائح في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا جيء به يوم القيامة وبإبله كأوفر ما كانت عليه فيبطح لها بقاع قرقر كلما مضى أخراها
_________________
(١) (غريبه) (١) قال الإمام أبو جعفر الطبري الكنز كل شيء مجموع بعضه على بعض سواء كان في بطن الأرض أو في ظهرها (قال صاحب العين) وغيره وكان مخزونا (وقال القاضي عياض) اختلف السلف في المراد بالكنز المذكور في القرآن وفي الحديث، فقال أكثرهم هو كل مال وجبت فيه صدقة الزكاة فلم تؤد، فأما مال أخرجت زكاته فليس بكنز، وقيل الكنز هو المذكور عن أهل اللغة، ولكن الآية منسوخة بوجوب الزكاة، وقيل المراد بالآية أهل الكتاب المذكورون قبل ذلك، وقيل كل ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز وإن أديت زكاته، وقيل هو ما فضل عن الحاجة؛ ولعل هذا كان في أول الإسلام وضيق الحال، واتفق أئمة الفتوى على القول الأول لقوله "لا يؤدي زكاته" وفي صحيح مسلم بدل قوله "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده" الخ (٣) أي يوم القيامة يجعله الله على الكافر مقدار خمسين ألف سنة، وعلى المؤمن دون ذلك حتى جاء في الحديث أنه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا (وقوله ثم يرى سبيله) قال النووي ضبطناه بضم الياء وفتحها وبرفع لام سبيله ونصبها (٤) زاد مسلم "لا يفقد منها فصيلا واحدا" وله في أخرى "أعظم ما كانت" وهذا للزيادة في عقوبته بكثرتها وقوتها وكمال خلقها فتكون أثقل في وطئها، كما أن ذوات القرون تكون بقرونها ليكون أنكى وأصوب لطعنها ونطحها "وقوله فيبطح لها بقاع قرقر" معناه أنه يلقى على وجهه (قال القاضي عياض) قد جاء في رواية للبخاري يخبط وجهه بأخفافها، قال وهذا يقتضي أنه ليس من شرط البطح كونه على الأرض. وإنما هو في اللغة بمعنى البسط والمد فقد يكون على وجهه وقد يكون على ظهره. ومنه سميت بطحاء مكة لانبساطها أهـ "والقاع" المستوى الواسع من الأرض والقرقر المستوى الأملس (قال الهروي) وجمعه
[ ٨ / ١٩٤ ]
رد عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا جيء به وبغنمه يوم القيامة كأوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، قيل يا رسول الله فالخيل، قال الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة، والخيل ثلاثة وهي لرجل أجر، وهي لرجل ستر، وهي على رجل وزر (فأما الذي هي له أجر) الذي يتخذها ويحبسها في سبيل الله فما غيبت في بطونها فهو له أجر، ولو عرض له نهر فسقاها منه كان له بكل قطرة غيبته في بطونها أجر حتى ذكر الأجر في أرواثها وأبوالها (وأما الذي هي له ستر) فرجل يتخذها تعففا وتجملا وتكرما ولا ينسى حقها في ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها
_________________
(١) قيعة وقيعان مثل جيرة وجيران "القرقر" المستوى أيضا من الأرض الواسع وهو بفتح القافين (١) الظلف للبقر والغنم والظباء، وهو المنشق من القوائم، والخف للبعير، والقدم للآدمي. والحافر للفرس والبغل والحمار (٢) يعني الأجر والمغنم كما في رواية صحيحة، وفيه دليل على بقاء الإسلام والجهاد إلى يوم القيامة، والمراد قبيل القيامة بيسير أي حتى تأتي الريح الطيبة من قبل اليمن تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة كما ثبت في الصحيح (٣) أي أعدها للجهاد في سبيل الله "وقوله فما غيبت في بطونها" أي من العلف والماء (٤) معنى استنت أي جرت والشرف بفتح الشين المعجمة والراء، وهو العالي من الأرض، وقيل المراد هنا طلقا أو طلقين (٥) جاء في رواية لمسلم، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات (٦) قيل المراد بحقها الإحسان إليها والقيام بعلفها وسائر مؤنها، والمراد بظهورها اطراق
[ ٨ / ١٩٥ ]
(وأما الذي عليه وزر) فرجل يتخذها أشرا وبطرا ورئاء الناس وبذخا عليه قيل يا رسول الله فالحمر؟ قال ما أنزل على فيها شيء إلا هذه الآية "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره"
(١٣) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر قال ثنا سعيد عن قتادة عن أبي عمر الغداني قال كنت عند أبي هريرة جالسا فمر رجل من بني عامر ابن صعصعة فقيل له هذا أكثر عامري مالا، فقال أبو هريرة ردوه إلي فردوه عليه فقال نبئت أنك ذو مال كثير، فقال العامري إي والله إن لي مائة حمرا ومائة أدما حتى عد من ألوان الإبل وأفنان الرقيق ورباط الخيل، فقال
_________________
(١) فحلها إذا طلبت عاريته وهذا على الندب، وقيل المراد حق الله مما يكسب من مال العدو وعلى ظهورها وهو خمس الغنيمة، وقيل المراد وجوب الزكاة في الخيل (وبه قال أبو حنيفة) ومذهبه أنه كانت الخيل كلها ذكورا فلا زكاة فيها، وإن كانت إناثا أو ذكورا وإناثا وجبت الزكاة وهو بالخيار إن شاء أخرج عن كل فرس دينارا، وإن شاء قومها وأخرج ربع عشر القيمة وقال الأئمة الثلاثة "ليس على المسلم في فرسه صدقة" رواه الشيخان والإمام أحمد وغيرهم، وتأولوا هذا الحديث على أن المراد أن يجاهد بها وقد يجب الجهاد بها إذا تعين (١) قال أهل اللغة الأشر بفتح الهمزة والشين المعجمة وهو المرح واللجاج "وأما البطر" فالطغيان عند الحق "وأما البذخ" فبفتح الباء والذال المعجمة وهو بمعنى الأشر والبطر (٢) جمع حمار أي أخبرنا عن الحمر وما جاء فيها (٣) رواية مسلم "إلا هذه الآية الفاذة الجامعة" ومعنى الفاذة أي قليلة النظير والجامعة أي العامة المتناولة لكل خير ومعروف (قال النووي) وفيه إشارة إلى التمسك بالعموم، ومعنى الحديث لم ينزل على فيها شيء أهـ (تخريجه) (م).
(٢) حدثنا عبدالله (غريبه) (٤) بكسر الهمزة وهي بمعنى نعم إلا أنها تختص بالمجيء مع القسم كما أنها إيجابا لما سبقه من الاستعلام (٥) بضم الهمزة وسكون الدال جمع آدم بمد الهمزة كأحمر وحمر، والأدمة في الإبل البياض مع سواد المقلتين، يقال بعير آدم بين الأدمة وناقة أدماء، وهي في الناس السمرة الشديدة، وقيل هو من أدمة الأرض وه ولونها وبه سمي آدم (٦) أي ضروبها وأنواعها "ورباط الخيل" الخمس فما
[ ٨ / ١٩٦ ]
أبو هريرة إياك وأخفاف الإبل وأظلاف الغنم يردد ذلك عليه حتى جعل لون العامري يتغير أو يتلون، فقال ما ذاك يا أبا هريرة؟ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول من كانت له إبل لا يعطي حقها (فذكر مثل الحديث المتقدم ثم قال) وإذا كانت له بقر لا يعطي حقها (فذكر مثل الحديث المتقدم ثم قال) وإذا كانت له بقر لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأكبره وأسمنه وأسره ثم يبطح لها بقاع قرقر.
_________________
(١) فوق، يريد كثرة الخيل (١) أي احذر أن تطأك الإبل بأخفافها والغنم بأظلافها وكرر ذلك حتى خاف الرجل وتغير لونه من شدة الخوف (٢) النجدة الشدة والرسل بالكسر الهينة والتأني (قال الجوهري) يقال أفعل كذا وكذا على رسلك بالكسر أي اتئدفيه كما يقال على هينتك، قال ومنه الحديث إلا من أعطى في نجدتها ورسلها أي الشدة والرخاء، يقول يعطي وهي سمان حسان يشتد عليه إخراجها فتلك نجدتها، ويعطي في رسلها وهي مهازيل مقاربة (وقال الأزهري) معناه إلا من أعطى في إبله ما يشق عليه عطاؤه فيكون نجدة عليه أي شدة، ويعطي ما يهون عليه إعطاؤه منها مستهينا به على رسله (وقال الأزهري) قال بعضهم في رسلها أي بطيب نفس منه، وقيل ليس للهزال فيه معنى، لأنه ذكر الرسل بعد النجدة على جهة التفخيم فجرى مجرى قولهم إلا من أعطى في سمنها وحسنها ووفور لبنها، وهذا كله يرجع إلى معنى واحد فلا معنى للهزال، لأن من بذل حق الله من المضنون به كان إلى إخراجه مما يهون عليه أسهل، فليس لذكر الهزال بعد السمن معنى (نقله صاحب النهاية) ثم قال والأحسن والله أعلم أن يكون المراد بالنجدة الشدة والجدب؛ وبالرسل الرخاء والخصب، لأن الرسل اللبن، وإنما يكثر في حال الرخاء والخصب، فيكون المعنى أنه يخرج حق الله في حال الضيق والسعة والجدب والخصب، لأنه إذا خرج حقها في سنة الضيق والجدب كان ذلك شاقا عليه فإنه إجحاف به، وإذا أخرجها في حال الرخاء كان ذلك سهلا عليه، ولذلك قيل في الحديث "يا رسول الله وما نجدتها ورسلها؟ قال عسرها ويسرها" فسمي النجدة عسر والرسل يسر، لأن الجدب عسر والخصب يسر؛ فهذا الرجل يعطي حقها في حال الجدب والضيق؛ وهو المراد بالنجدة؛ وفي حال الخصب والسعة، وهو المراد بالرسل والله أعلم أهـ (٣) أي أسرع وأنشط أغذ يعذ إغذاذا، إذا أسرع في السير (٤) بالسين المهملة وتشديد الراء (قال في النهاية) أي كأسمن ما كانت وأوفره من سر كل شيء وهو لبه ومخه، وقيل هو من السرور لأنها إذا سمنت سرت الناظر إليها، قال وروي وآشره بمد الهمزة وشين
[ ٨ / ١٩٧ ]
فتطؤه فيه كل ذات ظلف بظلفها وتنطحه كل ذات قرن بقرنها إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين الناس حتى يرى سبيله، وإذا كانت له غنم (فذكر نحو الحديث المتقدم ثم قال) فقال العامري وما حق الإبل يا ابا هريرة؟ قال أن تعطي الكريمة وتمنح الغزيرة وتفقر الظهر وتسقي اللبن وتطرق الفحل
(١٤) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا محمد بن بكر وعبد الرزاق قالا ثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله (﵄) يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها (فذكر نحو ما تقدم في الإبل والبقر والغنم ثم قال) ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه فاغرًا فاه
_________________
(١) معجمة وتخفيف الراء أي أبطره أو أنشطه (١) كرائم الأموال نفائسها التي تتعلق بها نفس مالكها، واحدها كريمة، والمراد أن يعطها عن طيب خاطر إن كانت في الصدقة الواجبة ولا يجوز إكراهه على إعطائها، فقد ورد النهي عن أخذ كرائم الأموال في الزكاة إلا برضا صاحبها، لأن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك الإجحاف بالمالك (وقوله وتمنح الغزيرة) أي كثيرة اللبن سواء أكانت ناقة أو شاة، والمعنى أن يعطي إنسانا ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه ينتفع بوبرها وصوفها زمانا ثم يردها (٢) أي يعير بعيره لغيره إذا احتاج إليه للركوب، يقال أفقر البعير يفقره افتقارا، أعاره مأخوذ من ركوب فقار الظهر وهو خرزاته الواحدة فقارة، وفي حديث المزارعة أفقرها أخاك أي أعره أرضك للزراعة، استعاره للأرض من الظهر "نه" (٣) اطراق الفحل اعارته للضراب واستطراق الفحل استعارته لذلك (قال القاضي عياض) هذه الألفاظ صريحة في أن هذا الحق غير الزكاة، قال ولعل هذا كان قبل وجوب الزكاة أهـ (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السياق لغير الإمام أحمد وأخرجه الشيخان وغيرهما بسياق آخر.
(٢) حدثنا عبد الله (غريبه) (٤) الشجاع الحية الذكر والأقرع الذي تمعط شعره لكثرة سمه وطول عمره، وقيل الشجاع الذي بواثب الرجل والفارس ويقوم على ذنبه
[ ٨ / ١٩٨ ]
فإذا رآه فر منه فيناديه ربه خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه أغنى منك، فإذا رأى أنه لابد له منه سلك يده في فيه فقضمها قضم الفحل، قال أبو الزبير وسمعت عبيد بن عمير قال يا رسول الله قال عبد الرزاق في حديثه قال رجل يا رسول الله ما حق الإبل، قال حلبها على الماء وإعارة دلوها وإعارة فحلها ومنيحتها. وحمل عليها في سبيل الله، قال عبد الرزاق فيها كلها وقعد لها وقال عبد الرزاق فيه، قال أبو الزبير سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القول ثم سألنا جابر الأنصاري عن ذلك فقال مثل قول عبيد بن عمير
_________________
(١) وربما بلغ رأس الفارس ويكون في الصحاري، وفي رواية مسلم "إلا تحول يوم القيامة شجاعا أقرع" أي صار على صورة الشجاع لعذابه (وقوله فاغرا) أي فاتحا فاه (١) معنى سلك أدخل، وقضمها بقاف وضاد معجمة أي أكلها، ويقال قضمت الدابة شعيرها بكسر الضاد وتقضمه بفتحها إذا أكلته (٢) هو ابن قتادة الليثي أبو عاصم المكي ولد على عهد النبي ﷺ قال مسلم، وعده غيره من كبار التابعين، وكان قاص أهل مكة مجمع على ثقته، مات قبل ابن عمره، والظاهر أن أبا الزبير سمع هذا الحديث من جابر بن عبدالله إلى قوله "قضم الفحل" ثم سمع بقيته من عبيد بن عمير من قول عبد الرزاق "قال رجل يا رسول الله" إلى قوله "وحمل عليها في سبيل الله" (٣) يعني يوم ورودها الماء ففيه رفق بالماشية وبالمساكين لأنه أهون على الماشية وأرفق بها وأوسع عليها من حلبها في المنازل، وهو أسهل على المساكين وأمكنهم في وصولهم إلى موضع الحلب ليواسوا (٤) أي لمن يطلبها من الناس ليستقي بها وبقية هذه الخصال تقدم الكلام عليها في شرح الحديث السابق (٥) يريد أن قوله "وقعد لها" راجع لكل خصلة من الخصال المتقدمة، ومعناه أن صاحب الإبل اقتعدها لذلك، ومنه سمي ذكر الإبل قعودا والأنثى قعودة، لأن صاحبه يقتعده للركوب والحمل، والقعود من الإبل ما أمكن أن يركب، وأدناه أن يكون له سنتان ثم هو قعود إلى أن ينثني فيدخل في السنة السادسة، ثم هو حمل (٦) يعني الخصال الواردة في حق الإبل، ثم سأل أبو الزبير جابرا عنها فأقرها عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالحديث مرفوع من طريق جابر، وقد جاء هذا الحديث عند مسلم بتمامه مرفوعا عن جابر عن النبي ﷺ بنحوه (تخريجه) (م)
[ ٨ / ١٩٩ ]
(١٥) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يأخذ بلهزمتيه يوم القيامة، ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا هذه الآية (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله - الخ الآية)
(١٦) وعنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
_________________
(١) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا حسن ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (١) أي صور أو ضمن (مثل) معنى التصيير أي صير ماله على صورة شجاع، ووقع في رواية لأبي هريرة أيضا وتقدمت رقم ١٢ بلفظ "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا جيء به يوم القيامة وبكنزه فيحمى عليه صفائح في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه- الحديث" ولا تنافي بين الروايتين لاحتمال اجتماع الأمرين معا، فروايته هنا توافق الآية التي ذكرها وهي "سيطوقون - الخ" وروايته هناك توافق قوله تعالى "يوم حمى عليها في نار جهنم" الآية (قال البيضاوي) خص الجبين والظهر لأنه جمع المال ولم يصرفه في حقه ليحصل الجاه والتنعم بالمطاعم والملابس، أو لأنه أعرض عن الفقير وولاه ظهره، أو لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة لاشتمالها على الأعضاء الرئيسية، وقيل المراد بها الجهات الأربع التي هي مقدم البدن ومؤخره وجنباه نسأل الله السلامة (٢) تنبيه زبيبة بفتح الزاي وموحدتين، وهما الزبدتان اللتان في الشدقين، يقال تكلم حتى زبب شدقاه أي خرج الزبد منهما، وقيل هما النكتتان السوداوان فوق عينيه، وقيل نقطتان يكتنفان فاه (٣) بكسر اللام وسكون الهاء بعدها زاي مكسورة، وقد فسر في الحديث عند البخاري بالشدقين، وفي الصحاح هما العظمان الناتئان في اللحيين تحت الأذنين، وفي الجامع هما لحم الخدين الذي يتحرك إذا أكل الإنسان (٤) فائدة هذا القول الحسرة والزيادة في التعذيب حيث لا ينفعه الندم، وفيه نوع من التهكم (٥) في هذا الحديث وحديث ابن مسعود الآتي تقوية لقول من قال المراد بالتطويق في الآية الحقيقية، خلافا لمن قال إن معناه سيطوقون الإثم، وفي تلاوة النبي ﷺ الآية دلالة على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وهو قول أكثر أهل العمل بالتفسير، وقيل إنها نزلت في اليهود الذين كتموا صفة النبي ﷺ؛ وقيل نزلت فيمن له قرابة لا يصلهم. قاله مسروق (تخريجه) (ق. لك. نس)
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا قتيبة حدثنا
[ ٨ / ٢٠٠ ]
قال يكون كنز أحدهم يوم القيامة شجاعا اقرع ذا ربيبتين يتبع صاحبه وهو يتعوذ منه، ولا يزال يتبعه حتى يلقمه إصبعه.
(١٧) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يأتي رجل مولاه فيسأله من فضل هو عنده فيمنعه إلا دعي له يوم القيامة شجاع يتلمظ فضله الذي منعه (وفي رواية) ما من مولى يأتي له فيسأله من فضل من فضل عنده فيمنعه إلا جعله الله تعالى عليه شجاعا ينهسه قبل القضاء
_________________
(١) ليث بن سعد عن ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة - الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الإمام أحمد وسنده جيد، ومعناه في الذي كنز مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يتبعه فيقول من أنت؟ فيقول أنا كنزك الذي خلفت فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها ثم يتبعه سائر جسده - رواه البزار وقال إسناده حسن و(طب. خز. حب) في صحيحيهما.
(٢) عن بهز بن حكيم (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يزيد أنا بهز بن الحكيم- الحديث" (غريبه) (١) جد بهز بن الحكيم هو معاوية بن حيده ﵁ (٢) في رواية عند ابن جرير "ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه" (٣) أي يدير لسانه في فيه ويحركه بعد نهسه يتذوق طعمه "وقوله فضله" بالضم حبر لمبتدأ محذوف تقديره هو فضله الذي منعه. والمعنى أن الله ﷿ يجعل فضل مال البخيل شجاعا أقرع ينهس اصبعه ثم يده ثم سائر جسده كما يستفاد من مجموع الأحاديث ثم يتلمظ (٤) النهس بالسين المهملة أخذ اللحم بأطراف الأسنان. والنهش بالشين المعجمة الأخذ بجميعها "وقوله قبل القضاء" أي قبل القضاء بين الخلائق يوم القيامة (تخريجه) (د. نس مذ) وحسنه وأخرجه أيضا ابن جرير وابن مردويه - ورواه أيضا ابن جرير من طريق أخرى عن أبي قزعة واسمه حجر ابن بيان عن أبي مالك العبدي موقوفا، ورواه من وجه آخر عن أبي قزعة مرسلا. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره والله أعلم.
[ ٨ / ٢٠١ ]
(١٨) عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ لا يمنع عبد زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه يفر منه وهو يتبعه، فيقول أنا كنزك ثم قرأ عبد الله مصداقه في كتاب الله ﷿ (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) قال سفيان مرة يطوقه في عنقه.
(١٩) عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله ﷿ له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ثم يلزمه يطوقه يقول أنا كنزك أنا كنزك.
(٢٠) عن الأحنف بن قيس قال قدمت المدينة وأنا أريد العطاء من عثمان بن عفان ﵁ فجلست إلى حلقة من حلق قريش فجاء رجل عليه أسمال له فدلف ثوبا على رأسه قال بشر الكنازين بكى في الجباه
_________________
(١) عن عبد الله بن مسعود (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان عن جامع عن أبي وائل عن عبد الله "بن مسعود" - الحديث" (غريبه) (١) ظاهر الآية أنه يجعل قدر الزكاة طوقا لأنه الذي يخل به، وظاهر الحديث أنه الكل، ويمكن أن يحمل الحديث على قدر الزكاة أيضا، لا سيما وقد جاء صريحا في الحديث الذي قبله. والله أعلم (٢) هو ابن عيينة أحد رجال السند يعني أنه قال في رواية أخرى يطوقه في عنقه، فبينت هذه الرواية مكان التطويق (تخريجه) (نس. جه. خز) وصححه المنذري.
(٢) عن ابن عمر ﵄ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حجين بن المثنى حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- الحديث" (تخريجه) أورده المنذري وقال رواه النسائي بإسناد صحيح.
(٣) عن الأحنف بن قيس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنا أبو نعامة عن الأحنف بن قيس- الحديث" (غريبه) (٣) الحلقة بإسكان اللام، وحكى الجوهري لغية رديئة في فتحها، وفي رواية لمسلم "فبينما أنا في حلقة فيها ملأ من قريش" الملأ الأشراف، ويقال أيضا للجماعة (٤) الأسمال جمع سمل بفتح أوله
[ ٨ / ٢٠٢ ]
وبكي في الظهور وبكى في الجنوب ثم تنحى إلى سارية فصلى خلفها ركعتين، فقلت من هذا، فقيل هذا أبو ذر (﵁) فقلت ما شيء سمعتك تنادى به؟ قال ما قلت لهم إلا شيئا سمعوه من نبيهم ﷺ فقلت يرحمك الله، إني كنت آخذ العطاء من عمر فما ترى؟ قال خذه فإن فيه اليوم معونة ويوشك أن يكون دينا، فإذا كان دينا فارفضه (وفي لفظ) فإذا كان ثمنا لدينك فدعه.
(٢١) عن أبي ذر ﵁ قال أتيت رسول الله ﷺ وهو في ظل الكعبة، فقال هم الأخسرون، ورب الكعبة، هم الأخسرون ورب الكعبة فأخذني غم وجعلت أتنفس، قال قلت هذا شر حدث في، قال قلت من فداك أبي وأمي؟ قال الأكثرون إلا من قال في عباد الله
_________________
(١) وثانيه، والسمل الخلق من الثياب؛ أي الثياب البالية (١) قال التووي ظاهره أنه أراد الاحتجاج لمذهبه في أن الكنز كل ما فضل عن حاجة الإنسان، هذا هو المعروف من مذهب أبي ذر، وروى عنه غيره، والصحيح الذي عليه الجمهور أن الكنز هو المال الذي لم تؤد زكاته، فأما إذا أديت زكاته فليس بكنز سواء كثر أم قل أهـ (٢) الظاهر أن أبا ذر ﵁ علم احتياج الرجل الصدقة ثمنا لدينه، وهذا عند فساد الأمراء والسلاطين الذين يأخذون لأنفسهم من بيت المال وما بقي لا ينفقونه في وجوهه بل يختصون به أناسا يعانونهم على الظلم والاستبداد وهؤلاء يقبلونه ثمنا لدينهم، ولهذا حذر أبو ذر ﵁ الرجل بقوله "فإذا كان ثمنا لدينك فدعه" يعني وإن كنت محتاجا، نسأل الله السلامة (تخريجه) (م. وغيره)
(٢) عن أبي ذر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن عبيد وابن نمير المعني قال ثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر- الحديث" (غريبه) (٣) أي من شدة ما لحقه من الغم والكرب (٤) في رواية مسلم "قال هم الأكثرون أموالا" وهذه
[ ٨ / ٢٠٣ ]
هكذا وهكذا وهكذا وقليل ما هم، ما من رجل يموت فيترك غنما أو إبلا أو بقرا لم يؤد زكاته إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمن حتى تطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها حتى يقضي بين الناس، ثم تعود أولاها على أخراها (وفي رواية) كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها.
(٢٢) عن سماك بن حرب قال سمعت قبيصة بن هلب يحدث عن أبيه سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال وذكر الصدقة قال لا يجيئن أحدكم بشاة لها يعار يوم القيامة
_________________
(١) الجملة مفسرة لقوله هم الأخسرون، يعني أن الأكثرين أموالا هم الأخسرون "إلا من قال في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا" زاد مسلم "من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله" يعني إلا من تصدق على الناس المستحقين وفي أوجه الخير لا يقتصر على نوع من أنواع البر بل ينفق في كل وجه ومن وجوه الخير يحضر (١) نفدت بالدال المهملة، وكذلك عند مسلم (قال النووي) هكذا ضبطناه نفدت بالدال المهملة، ونفذت بالذال المعجمة وفتح الفاء وكلاهما صحيح (تخريجه) (م. وغيره).
(٢) عن سماك بن حرب (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا أبو موسى محمد بن المثنى ثنا أبو داود عن شعبة أخبرني سماك بن حرب- الحديث" (غريبه) (٢) هو الهلب بضم الهاء وسكون اللام الطائي صحابي، وسبب تسميته بذلك على ما رواه ابن دريد وكان أقرع فصار أفرع، يعني كان أقرع فمسح رأسه فنبت شعره فسمى الهلب، قال ابن دريد وكان أقرع فصار أفرع، يعني كان بالقاف فصار بالفاء، والأهلب الكثير الشعر (قال الحافظ) في الإصابة هو يزيد بن قنافة وقيل ابن يزيد بن قنافة، وكذا قال ابن الكلبي، لكن سماه سلافة (٣) بضم أوله يقال يعرت العنز تيعر بالكسر يعارا بالضم اي صاحت، وكأنها بصياحها هذا تشكو صاحبها لعدم إخراج حقها فحذر النبي ﷺ من ذلك، وقد ورد مثل ذلك في الغلول وهو السرقة من الغنيمة. قال تعالى "ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة" وفي الحديث عند الشيخين والإمام أحمد وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ قال (قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك) وذكر مثل ذلك في الفرس والشاة وغيرها (تخريجه) (نس) من حديث
[ ٨ / ٢٠٤ ]
أبي هريرة مطولا وسنده جيد (زوائد الباب) (عن علي ﵁) قال قال رسول الله ﷺ إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حسابا شديدا أو يعذبهم عذابا أليما، رواه الطبراني في الصغير والأوسط وقال تفرد به ثابت بن محمد الزاهد (قال الهيثمي) ثابت من رجال الصحيح وبقية رجاله وثقوا وفيهم كلام (وعن أنس ﵁) قال قال رسول الله ﷺ ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة يقولون ربنا ظلموا حقوقنا التي فرضت لنا عليهم، فيقول الله تعالى وعزتي وجلالي لأدنينكم ولأباعدنهم، ثم تلا رسول الله ﷺ "والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم" رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه الحارس بن النعمان وهو ضعيف (وعن أبي الدرداء) ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "الزكاة قنطرة الإسلام" رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثقون إلا أن بقية مدلس وهو ثقة (وعن حذيفة بن اليمان) ﵁ عن النبي ﷺ قال "الإسلام ثمانية أسهم، الإسلام سهم. والصلاة سهم. والصيام سهم. والزكاة سهم. وحج البيت سهم. والأمر بالمعروف سهم. والنهي عن المنكر سهم. والجهاد في سبيل الله سهم. وقد خاب من لا سهم له" رواه البزار وفيه يزيد بن عطاء؛ وثقه أحمد وضعفه جماعة (وعن ابن مسعود) ﵁ قال "أمرنا بإقام الصلاة وإيناء الزكاة ومن يزك فلا صلاة له" رواه (طب) وله إسناد صحيح (وعن جابر) ﵁ قال قال رجل من القوم يا رسول الله أرأيت إن أدى الرجل زكاة ماله؟ فقال رسول الله ﷺ من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره (طس) وإسناده حسن وإن كان في بعض رجاله كلام (وعن أبي هريرة) ﵁ قال سمعت من عمر بن الخطاب حديثا عن رسول الله ﷺ ما سمعته منه كنت أكثرهم لزوما لرسول الله ﷺ قال عمر قال رسول الله ﷺ ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة (طس) وفيه عمر بن هارون ضعيف (وعن عبد الله بن مسعود) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة، وأعدوا للبلاء الدعاء (طب. طس) وفيه موسى بن عمير الكوفي وهو متروك) وعن ابن عمر ﵄) قال قال رسول الله ﷺ ظهرت لهم الصلاة فصلوها. وخفيت لهم الزكاة فأكلوها. وأولئك هم المنافقون (بز) وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري وهو ضعيف (وعن ابن عباس ﵄) قال قال رسول الله ﷺ خمس بخمس قيل يا رسول الله وما خمس بخمس؟ قال ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الموت، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر/ ولا طفقوا المكيال إلا حبس عنهم النبات وأخذوا بالسنين
[ ٨ / ٢٠٥ ]
هكذا بالأصل، وهي أربع لا خمس، فالظاهر أن الراوي نسي خامسه (طب) وفيه اسحق ابن عبد الله بن كيسان المروزي لينه الحاكم. وبقية رجاله موثقون وفيهم كلام (وعن بريدة ﵁) قال قال رسول الله ﷺ ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين (طس) ورجاله ثقات (وعن ميمون بن مهران) قال قيل لابن عمر إن زيد بن حارثة قد مات فقال ﵀، فقيل يا أبا عبد الرحمن إنه قد ترك مائة ألف، فقال لكنها لم تتركه (طب) ورجال رجال صحيح، ذكر هذه الأحاديث الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وهذا كلامه عليها جرحا وتعديلا (الأحكام) أحاديث الباب تدل على وجوب الزكاة وأنها فرض على كل من ملك النصاب، وقد ثبت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" وغير ذلك في كتاب الله كثير، وأما السنة فحديث (بني الإسلام على خمس) وفيه قال "وإيتاء الزكاة" وحديث معاذ الأول من أحاديث الباب وفيه فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" وغير ذلك كثير، ما ثبت من الوعيد الشديد لمانع الزكاة في أحاديث الباب (وأما الإجماع) على فرضية الزكاة فقد حكاه ابن المنذر وغيره، وهي أحد أركان الإسلام الخمس (قال ابن بطال) فمن جحد واحدة من هذه الخمس فلا يتم إسلامه، ألا ترى أن أبا بكر ﵁ قال لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، وقال ابن الأثير من منعها منكرا وجوبها فقد كفر إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام ولم يعلم وجوبها، وقال القشيري من جحدها كفر، وأجمع العلماء أن مانعها تؤخذ منه قهرا، وإن نصب الحرب دونها قتل كما فعل أبو بكر ﵁ بأهل الردة ووافق على ذلك جميع الصحابة ﵃ (وفي حديث معاذ) ابن جبل ﵁ دليل على بعث السعاة وتوصية الإمام عامله فيما يحتاج غليه من الأحكام وقبول خبر الواحد، ووجوب العمل به، وأن من ملك نصابا لا يعطي من الزكاة من حيث أنه جعل أن المأخوذ منه غني وقابله بالفقر؛ وإن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة لإضافة الصدقة إلى المال، وقد احتج به أيضا على صرف الزكاة في بلدها واشتراط إسلام الفقير، وأنها تجب في مال المجنون والصبي اليتيم الغني عملا بعمومه (قال الترمذي) وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب فرأى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ في مال اليتيم زكاة منهم عمر وعلي وعائشة وابن عمر، وبه يقول (مالك والشافعي) وأحمد) وإسحق (وقالت طائفة) من أهل العلم ليس في مال اليتيم زكاة، وبه قال سفيان الثوري وعبدالله بن المبارك أهـ (قال العيني) (وبه قال أبو حنيفة وأصحابه) وهو قول أبي وائل وسعيد ن جبير والنخعي والشعبي والحسن البصري، وحكى عنه إجماع الصحابة (وقال
[ ٨ / ٢٠٦ ]
(٣) باب ما جاء في كتاب رسول الله ﷺ الذي جمع فيه فرائض الصدقة
(٢٣) حدثنا عبد الله حدثني ابي حدثنا محمد بن يزيد يعني الواسطي عن سفيان يعني بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه (عبد الله بن عمر ﵄) قال كان رسول الله ﷺ قد كتب الصدقة ولم يخرجها إلى عماله حتى توفى، قال فأخرجها أبو بكر ﵁ من بعده فعمل بها حتى توفى، ثم أخرجها عمر من بعده فعمل بها؛ قال فلقد هلك عمر يوم هلك وإن ذلك لمقرون بوصيته، فقال كان فيها في الإبل في كل خمس شاة حتى تنتهي إلى اربع وعشرين، فإذا بلغت إلى خمس وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمس
_________________
(١) سعيد بن المسيب) لا تجب الزكاة إلا على من تجب عليه الصلاة والصيام، وذكر حميد بن زنجويه النسائي أنه مذهب ابن عباس، وفي المبسوط وهو قول على أيضا. وعن جعفر ابن محمد عن أبيه مثله، وبه قال شريح ذكره النسائي أهـ (وفي أحاديث الباب أيضا) دليل على وجوب الزكاة في الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم (وقد استدل أبو حنيفة) على وجوب الزكاة في الخيل لما وقع في حديث أبي هريرة من قوله "ولا ينسى حقها في ظهورها ولا رقابها" وتأول الجمهور هذا الحديث على أن المراد يجاهد بها، وقيل المراد بالحق في رقابها الإحسان إليها والقيام بعلفها وسائر مؤنها، والمراد بظهورها إطراق فحلها إذا طلبت عاريته، وقيل المراد حق الله مما يكسبه من مال العدو على ظهورها وهي خمس الغنيمة، وسيأتي الكلام على هذه الأطراف التي دل الحديث عليها في أبوابها (وفي أحاديث الباب) غير ذلك تقدم الكلام عليه في خلال الشرح والله ﷾ أعلم.
(٢) حدثنا عبدالله (غريبه) (١) أي جذعة من الضأن وهي مالها سنة (٢) أي من الإبل وهي ما لها سنة ودخلت في الثانية وحملت أمها؛ والماخض الحامل، والمراد أنه قد دخل وقت حملها وإن لم تحمل، وهذا يدل على أن في الخمس والعشرين إلى الخمس والثلاثين بنت مخاض وإليه ذهب الجمهور، وقد روى ابن أبي شيبة وغيره عن علي ﵁ أن في الخمس والعشرين خمس شياة، فإذا صارت ستا وعشرين كان فيها بنت
[ ٨ / ٢٠٧ ]
وثلاثين، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون فإذا زادت على خمس وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون (وفي الغنم) من أربعين شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت ففيها ثلاث إلى ثلاثمائة، فإذا زادت بعد فليس فيها شيء حتى تبليغ أربعمائة؛ فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة وكذلك لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة وما كان من خليطين
_________________
(١) مخاض، وقد روى هذا عنه مرفوعا وموقوفا (قال الحافظ) وإسناد المرفوع ضعيف (١) أي ذكر كما جاء في بعض الروايات، وهو الذي دخل في السنة الثالثة وصارت أمه لبونا بوضع الحمل (٢) زاد البخاري أنثى (٣) الحقة بكسر المهملة وتشديد القاف هي من الإبل ما دخلت في السنة الرابعة لأنها استحقت الركوب والحمل، جمعه حقاق وحقائق (٤) الجذعة بفتح الجيم والذال المعجمة هي التي أتى عليها أربع سنين ودخلت في الخامسة (٥) مقتضاه أنها لا تجب الشاة الرابعة حتى توفى أربعمائة شاة، وهو مذهب الجمهور، وعن بعض الكوفيين والحسن بن صالح ورواية عن الإمام أحمد إذا زادت على الثلاثمائة واحدة وجبت الأربع (٦) قال الحافظ قال مالك معنى هذا "يعني قوله ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة" أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة فيجمعونها حتى لا يجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مائتا شاة واحدة (وقال الشافعي) هو خطاب لرب المال من جهة والساعي من جهة، فأمر كل منهما أن لا يحدث شيئا من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن يكثر الصدقة فيجمع أو يفرق ليقل، والساعي أن يقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر، فمعنى قوله خشية الصدقة أي خشية أن تكثر أو تقل، فلما كان محتملا للأمرين لم يكن الحمل على أحدهما أولى
[ ٨ / ٢٠٨ ]
فهما يتراجعان بالسوية لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب من الغنم
_________________
(١) من الآخر فحمل عليهما معا، لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر، واستدل به على أن من كان عنده دون النصاب من الفضة ودون النصاب من الذهب مثلا أنه لا يجب ضم بعضه إلى بعض حتى يصير نصابا كاملا فيجب عليه فيه الزكاة، خلافا لمن قال بالضم كالمالكية والهادوية والحنفية (واستدل به الأمام أحمد) على أن من كان له ماشية ببلد لا تبلغ النصاب وله ببلد آخر ما يوفيه منها أنها لا تضم، قال ابن منذر وخالفه الجمهور فقالوا تجمع على صاحب المال أمواله، ولو كانت في بلدان شتى ويخرج منها الزكاة (واستدل به أيضا) على إبطال الحيلة والعمل على المقاصد المدلول عليها بالقرائن (١) قال الحافظ اختلف في المراد بالخليطين فعند أبي حنيفة أنهما الشريكان، قال ولا يجب على أحد منهما فيما يملك إلا مثل الذي كان يجب عليهما لولم يكن خليط؛ وتعقبه ابن جرير بأنه لو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم لبطلت فائدة الحديث، وإنما نهى عن أمر لو فعله كان فيه فائدة، ولو كان كما قال لم يكن لتراجع الخليطين بينهما بالسوية معنى، ومثل تفسير أبي حنيفة روى البخاري عن شفيان (وبه قال مالك، وقال الشافعي وأحمد) وأصحاب الحديث إذا بلغت ماشيتها النصاب ومثل ذلك روى سفيان في جامعه عن عمر، والمصير إلى هذا التفسير متعين، ومما يدل على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكا قوله تعالى "وإن كثيرا من الخلطاء" وقد بينه قبل ذلك بقوله "إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة" واعتذر بعضهم عن الحنفية بأن الحديث لم يبلغهم، أو أرادوا أن الأصل ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وحكم الخليط بخالفه، ويرد بأن ذلك مع الانفراد وعدم الخلطة لا إذا انضم ما دون الخمس إلى عدد الخليط يكون به الجميع نصابا فإنه يجب تزكية الجميع لهذا الحديث وما ورد في معناه، ولابد من الجمع بهذا، (ومعنى التراجع) كما قال الخطابي أن يكون بينهما أربعون شاة مثلا لكل واحد منهما عشرون قد عرف كل منهما عين ماله فيأخذ المصدق من أحدهما شاة فيرجع المأخوذ من ماله على خليطه بقيمة نصف شاة وهي تسمى خلطة الجوار أهـ (٢) بفتح الهاء وكسر الراء وهي الكبيرة التي سقطت أسنانها "وقوله ولا ذات عيب" أي معيبة، واختلف في ضبطه، فالأكثر على أنه ما يثبت به الرد في البيع، وقيل ما يمنع الأجزاء في الأضحية، ويدخل في المعيب المريض والذكورة بالنسبة إلى الأنوثة، والصغير سنا بالنسبة إلى سن أكبر منه، قال الحافظ (تخريجه) (د. ق. ك. هق. مذ) وقال حديث حسن
[ ٨ / ٢٠٩ ]
(٢٤) ز عن طارق قال خطبنا على ﵁ فقال ما عندنا شيء من الوحي أو قال كتاب من رسول الله ﷺ إلا من كتاب الله، وهذه الصحيفة المقرونة بسيفي وعليه سيف حليته حديد، وفيها فرائض الصدقات (ز وعنه من طريق ثان) قال سمعت عليا ﵁ يقول ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا في القرآن وما في هذه الصحيفة صحيفة كانت في قراب سيف كان عليه حليته حديد أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيها فرائض الصدقة
_________________
(١) "ز" عن طارق (سنده) حدثنا عبدالله ثنا محمد بن جعفر الوركاني ثنا شريك عن مخارق عن طارق قال خطبنا علي ﵁ - الحديث" (غريبه) (١) هذه الصحيفة هي التي تقدم ذكرها في الحديث السابق "أي حديث عمر" حيث قال كان رسول الله ﷺ قد كتب الصدقة ولم يخرجها إلى عماله حتى توفى قال فأخرجها أبو بكر فعمل بها الخ (وفي رواية للترمذي والإمام أحمد) أن رسول الله ﷺ قرن هذه الصحيفة بسيفه، ثم تداولها الخلفاء بعد النبي ﷺ إلى أن وصلت إلى علي ﵁ (٢) يحتمل أن عليا ﵁ قرنها بسيفه، ويجتمل أن هذا السيف هو سيف النبي ﷺ الذي قرنها به ونسب إلى علي ﵁ لكونه يمتلكه الآن، قيل وفي اقتران الصحيفة بالسيف إشارة إلى أن من منع ما فيها يقاتل بالسيف، وقد وقع المنع والقتال في خلافة الصديق ﵁ وثباته على القتال مع مدافعة بعض الصحابة أولا كما تقدم والله أعلم (٣) (سنده) "ز" حدثنا عبد الله حدثني محمد بن أبان بن عمران الواسطي ثنا شريك عن مخارق عن طارق يعني ابن شهاب قال سمعت عليا الحديث (٤) بكسر القاف وعاء من جلد شبه الجراب يطرح الراكب فيه سيفه بغمده وسوطه، وقد يطرح فيه زاده من تمر وغيره، وكذا في مجمع البحار (٥) أي ورثها عن رسول الله ﷺ لما تقدم من أنه تداولها الخلفاء قبله، وكان رسول الله ﷺ أمر بكتابتها للرجوع إليها بعد وفاته ﷺ ووضعها في المكان الذي وضع فيه سيفه ولم يخرجها إلى العمال استغناء بما كان يشافههم به من الأحكام، فلما توفى رسول الله ﷺ أخرجها أبو بكر وعمل بها خلافته. ثم عمر. ثم عثمان ثم علي (تخريجه) لم أقف عليه لغير الله عبد الله بن الإمام أحمد وسنده جيد
[ ٨ / ٢١٠ ]
(٢٥) حدثنا عبد الله قال حدثني أبي حدثنا ثنا أبو كامل ثنا حماد بن سلمة قال أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبدالله بن أنس عن أنس بن مالك ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب لهم أن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ فمن سئلها من المسلمين التي أمر الله ﷿ بها رسول الله ﷺ فمن سئلها من المسلمين على وجههها فليعطها، ومن سئل فوق ذلك فلا يعطه فيما دون خمس وعشرين من الإبل، ففي كل
_________________
(١) حدثنا عبد الله (غريبه) (١) في لفظ البخاري أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين والتي أمر بها رسوله الخ (٢) معنى قرض هنا أوجب أو شرع يعني بأمره الله تعالى، وقيل معناه قدر لأن إيجابها ثابت بالكتاب فيكون المعنى أن رسول الله ﷺ بين ذلك (قال الحافظ) وقد يرد الفرض بمعنى البيان، كقوله تعالى "قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم" وبمعنى الإنزال كقوله ﷿ "إن الذي فرض عليك القرآن" وبمعنى الحل، كقوله جل شأنه "ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له" وكل ذلك لا يخرج عن معنى التقدير، وقد قال الراغب كل شيء ورد في القرآن فرض على فلان فهو بمعنى الإلزام، وكل شيء ورد فرض له فهو بمعبى لم يحرم عليه، وذكر أن معنى قوله تعالى "إن الذي فرض عليك القرآن" أي أوجب عليك العمل به، وهذا يؤيد قول الجمهور إن الفرض مرادف للوجوب، وتفريق الحنفية بين الفرض والواجب باعتبار ما يثبتان به لا مشاحة فيه، وإنما النزاع في حمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة على ذلك، لأن اللفظ السابق لا يحمل على الاصطلاح الحادث أهـ (٣) أي من سئل زائدا على ذلك في سن أو عدد له المنع، ونقل الرافعي الاتفاق على تجريحه، وقيل معناه فليمنع الساعي وليتول إخراجه بنفسه أو يدفعها إلى ساع آخر، فإن الساعي الذي طلب الزيادة يكون بذلك متعديا وشرطه أن يكون أمينا، (قال الحافظ) لكن محل هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل أهـ (قال الشوكاني) ولعله يشير بهذا إلى الجمع بين هذا الحديث وحديث "سيأتيكم ركب مبغضون، فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبغون
[ ٨ / ٢١١ ]
خمس ذود شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها ابنة مخاض فابن لبون ذكر فإذا بلغت ستة وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستة وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين، فإذا بلغت ستة وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة، فإن زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة، فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات، فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليس عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه ويجعل
_________________
(١) فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليها وارضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم" أخرجه أبو داود من حديث جابر بن عتيك، وفي لفظ للطبراني من حديث سعد بن ابي وقاص "ادفعزا إليهم ما صلوا الخمس" فتكون هذه الأحاديث محمولة على أن للعامل تأويلا في طلب الزائد على الواجب (١) الرواية المشهورة خمس ذود بإضافة ذود إلى خمس، وروى بتنوين خمس ويكون ذود بدلا منه. حكاه ابن عبد البر والقاضي عياض وغيرهما والمعروف الأول، ونقله ابن عبد البر والقاضي عن الجمهور "قال أهل اللغة" الذود من الثلاثة إلى العشر لا واحد له من لفظه، إنما يقال في الواحد بعير وكذلك النفر والرهط والقوم والنساء وأشباه هذه الألفاظ لا واحد لها من لفظها. قالوا وقوله خمس ذود كقوله خمسة أبعرة وخمسة جمال وخمس نوق وخمس نسوة. قال سيبويه تقول ثلاث ذود لأن الذود مؤنث وليس باسم كسر عليه مذكرة. ثم الجمهور على أن الذود من ثلاثة إلى العشرة، وقال أبو عبيد ما بين ثلاث إلى تسع. وهو مختص بالإناث نقله النووي (٢) المراد أنه يجب بعد مجاوزة المائة والعشرين بواحدة في كل أربعين بنت لبون، فيكون الواجب في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وإلى هذا ذهب الجمهور، ولا اعتبار بالمجاوزة بدون واحدة كنصف أو ثلث أو ربع (قال الشوكاني) وإلى ما قاله الجمهور ذهب الناصر والهادي في الأحكام حكى ذلك عنهما المهدي في البحر، وحكى في البحر أيضا عن على وابن مسعود والنخعي وحماد والهادي وأبي طالب والمؤيد بالله وأبي عباس أن الفريضة تستأنف بعد المائة والعشرين، فيجب في الخمس
[ ٨ / ٢١٢ ]
معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده، وعنده بن لبون فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسر له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده إلا الحقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده ابنة لبون وعنده ابنة مخاض فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليس عنده إلا ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه وليس معه شيء، ومن لم يكن
_________________
(١) شاة ثم كذلك، واحتج لهم بقوله ﷺ "وما زاد على ذلك استؤنفت الفريضة، وهذا إن صح كان محمولا على الاستئناف بمعنى الرجوع إلى إيجاب شاة في كل خمس إلى خمس وعشرين على حسب التفصيل المتقدم بأنه متضمن للإيجاب يعني إيجاب شاة مثلا في الخمس الزائدة على مائة وعشرين وحديث الباب وما في معناه متضمن الإسقاط، لأنا نقول هو وهم ناشيء من قوله "وإذا زادت ففي كل أربعين" فظن أن معناه في كل أربعين من الزيادة فقط وليس كذلك، بل معناه في كل أربعين من الزيادة والمزيد، وحكي في الفتح (عن أبي حنيفة) مثل قول علي وابن مسعود ومن تبعهما وقيده في البحر بأنه يقول بذلك إلى مائة وخمس وأربعين، ثم له فيما زاد روايتان كالمذهب الثاني (١) فيه دليل على أنه يجب على المتصدق قبول ما هو أدون ويأخذ التفاوت من جنس غير جنس الواجب، وكذا العكس (وذهبت الهادوية) إلى أن الواجب إنما هو زيادة فضل القيمة من المصدق أو رب المال ويرجع في ذلك إلى التقويم، لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأنه لو كان كذلك لم ينظر إلى ما بين السنين في القيمة وكان العرض يزيد تارة وينقص أخرى لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة، فلما قدر الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في الأصل في مثل ذلك، ولولا تقدير الشارع بذلك
[ ٨ / ٢١٣ ]
عنده إلا ربع من الإبل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها وفي صدقة الغنم في سئامتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإن زادت ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت ففي كل مائة شاة، ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المتصدق ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس
_________________
(١) لتعينت بنت المخاض مثلا ولم يجز أن تبدل بابن لبون مع التفاوت (وذهب أبو حنيفة) غلىأنه يرجع إلى القيمة فقط عند التعذر (وذهب زيد بن علي) إلى أن الفضل بين كل سنين شاة أو عشرة دراهم (١) أي إلا أن يتطوع متبرعا (٢) السائمة من المواشي هي التي ترعى نفسها، والتقييد بالسائمة يخرج المعلوفة فلا زكاة فيها، وإلى ذلك ذهب الأئمة (أبو حنيفة والشافعي وأحمد) سوى المالكية بين السائمة والمعلوفة في وجوب الزكاة (٣) بفتح العين المهملة وضمها وقيل بالفتح فقط وقيل بالفتح العيب العيب وبالضم العور، وتقدم الخلاف في مقدار ذلك في شرح الحديث السابق "وقوله ولا تيس" بتاء فوقية مفتوحة وياء تحتية ساكنة، ثم سين مهملة، وهو فحل الغنم وقيده ابن التين أنه من المعز (٤) أي المالك ورواية البخاري المصدق بدون تاء (قال الحافظ) اختلف في ضبطه، فالأكثر على أنه بالتشديد (يعني تشديد الصاد المهملة) والمراد به المالك، وهذا اختيار أبي عبيد (قلت ويؤيده رواية الإمام أحمد) قال وتقدير الحديث لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلا، ولا يؤخذ التيس وهو فحل الغنم إلا برضا المالك لكونه يحتاج إليه ففي أخذه بغير اختياره إضرار به والله أعلم، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث، ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد وهو الساعي، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل فلا يتصرف بغير المصلحة فيتقيد بما تقتضيه القواعد، وهذا قول الشافعي في البويطي، ولفظه ولا تؤخذ ذات عوار ولا تيس ولا هرمة إلا أن يرى المصدق أن ذلك أفضل للمساكين فيأخذه على النظر أهـ. وهذا أشبه بقاعدة الشافعي في تناول الاستثناء جميع ما ذكر قبله، فلو كانت الغنم كلها معيبة مثلا أو تيوسا أجزاه أن يخرج منها (وعند المالكية) يلتزم المالك أن يشتري شاة مجزئة تمسكا بظاهر هذا الحديث (وفي رواية أخرى) عندهم كالأول أهـ (٥) لفظ شاة الأول منصوب على أنه مميز عدد
[ ٨ / ٢١٤ ]
فيها شيء إلا أن يشاء ربها، وفي الرقة ربع العشور، فإذا لم يكن المال إلا تسعين ومائة درهم فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها.
(٤) باب جامع لأنواع تجب فيها الزكاة وبيان نصاب كل منها
(٢٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ليس فيما دون خمس آواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس
_________________
(١) أربعين، ولفظ شاه الثاني منصوب أيضا على أنه مميز نسبة ناقصة إلى السائمة (١) بكسر الراء وتخفيف القاف، هي الفضة الخالصة سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة (قال الحافظ) قيل أصلها الورق فحذفت الواو وعوضت الهاء، وقيل تطلق على الذهب والفضة بخلاف الورق وعلى هذا قيل أن الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم فضة خالصة وجبت فيه الزكاة وهي ربع العشر، وهذا قول الزهري وخالفه الجمهور وسيأتي البحث عن ذلك في باب زكاة الذهب والفضة إن شاء الله تعالى (تخريجه) (د. نس. خ) وقطعه في عشرة مواضع، رواه الدارقطني كذلك، وله فيه في رواية في صدقة الإبل، فإذا بلغت احدى وعشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقه (قال الدارقطني) هذا إسناد صحيح ورواته كلهم ثقات (الأحكام) تقدم الكلام على أحكام زكاة الإبل والغنم وبيان مذاهب الأئمة في خلال الشرح وسيأتي الكلام على أحكام الأنواع الأخرى كل نوع في بابه المختص به إن شاء الله تعالى.
(٢) عن أبي سعيد الخدري (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا يعقوب ثنا أبي ابن اسحق قال حدثني محمد بن يحيى بن حبان ومحمد بن عبدالله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة وهما رجلان من الأنصار من بني مازن بن النجار وكانا ثقة عن يحيى بن عمارة بن أبي حسن وعباد بن تميم وهما من رهطهما وكانا ثقة عن أبي سعيد الخدري- الحديث" (غريبه) (٢) بالتنوين وحذف الياء التحتية، وكذا في رواية البخاري (وفي رواية) أواقي بإثبات الياء مشددة وكلاهما جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد الياء (قال ابن السكيت) كل ما كان من هذا النوع واحده مشدد إجاز في جمعه التشديد والتخفيف، وحكى وقية بحذف الهمزة وفتح الواو، ويجمع على وقايا مثل ضحية وضحايا، واتفقوا على أن مقدارها أربعون درهما، وهي أوقية الحجاز فتكون الأواقي الخمس مائتي درهم وهو نصاب الفضة بدرهم الوزن المتعارف الذي يبلغ به الرطل المصري مائة وأربعة
[ ٨ / ٢١٥ ]
من الإبل صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة
(٢٧) عن قزعة وقد سأل أبا سعيد الخدري ﵁ عن أشياء قال وسألته عن الزكاة فقال لا أدري أرفعه إلى النبي ﷺ أم لا، في مائتي درهم خمسة دراهم وفي أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإن زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت ففي كل مائة شاه (وفي الإبل في خمس شاة) وفي عشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين
_________________
(١) وأربعين درهما. وهذا هو الدرهم الذي قدر به نصاب الزكاة والديات وغيرها (١) جمع وسق بفتح الواو ويجوز كسرها كما حكاه صاحب المحكم وجمعه حينئذ أوساق كحمل وأحمال، وهو ستون صاعا بالاتفاق. وقد وقع في رواية ابن ماجة من طريق أبي البختري عن أبي سعيد أيضا نحو هذا الحديث، وفيه والوسق ستون صاعا. وأخرجها أبو داود لكن قال ستون مختوما، وللدارقطني من طريق عائشة الوسق ستون صاعا؛ وفيه دليل على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق. وسيأتي البحث عن ذلك في بابه إن شاء الله تعالى (تخريجه) (ق. والأربعة)
(٢) عن قزعة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثني معاوية يعني ابن صالح عن ربيعة بن يزيد قال حدثني قزعة قال أتيت أبا سعيد وهو مكثور عليه فلما تفرق الناس عنه قلت إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه، قلت أسألك عن صلاة رسول الله ﷺ فقال مالك في ذلك من خير، فأعادها عليه؛ فقال كانت صلاة الظهر تقام فينطلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى، قال وسألته عن الزكاة فقال لا أدري أرفعه الخ- الحديث" (غريبه) (٢) هو ابن يحيى البصري، روى عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن عمر، وروى عنه مجاهد وعاصم الأحول. وثقه العجلي، له في البخاري فرد حديث (٣) الظاهر أن القائل لا أدري هو قزعة، يعني الشك هل رفع أبو سعيد الحديث إلى النبي ﷺ أو قاله موقوفا عليه. وقد جاء نحو هذا الحديث عن غير أبي سعيد عند الشيخين والإمام أحمد وغيرهم مرفوعا إلى النبي ﷺ (٤) يعني ربع العشر وتقدم بيان الدرهم
[ ٨ / ٢١٦ ]
ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة فيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون
(٢٨) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده (معاوية بن حيدة ﵁) قال سمعت نبي الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم يقول في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون لا تفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها منه
_________________
(١) الحديث السابق (١) ليس هذا آخر الحديث "وبقيته" وسألته عن الصوم في السفر فذكر حكم الصوم والأفطار في السفر. وقد تضمن هذا الحديث ثلاثة أحكام (الأول) في تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر وتقدم في باب القراءة في الظهر والعصر رقم ٥٧٠ صحيفة ٢٢٣ من الجزء الثالث، وذكرته هنا عقب السند (الثاني) تضمن انواعا تجب فيها الزكاة، وهو المذكور في هذا الباب لمناسبة الترجمة (والثالث) تضمن حكم الصوم والإفطار في السفر، وسيأتي في باب الفطر والصوم في السفر من كتاب الصيام إن شاء الله تعالى، والله الموفق (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السياق لغير الإمام أحمد وسنده جيد وله شواهد صحيحة
(٢) عن بهز بن حكيم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا اسماعيل ابن علية عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت نبي الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (٢) السائمة من الماشية الراعية المرسلة في مرعاها، يقال سامت تسوم سموما واسمتها أنا، ويستفاد منه عدم الزكاة في المعلوفة (٣) أي لا يفرق أحد الخليطين إبله عن إبل صاحبه فرارا من الصدقة، فقوله عن حسابها اي عن مقدارها وعددها الذي تجب فيه الزكاة، كما إذا كان لأحد الخليطين ثلاث من الإبل وللأخر اثنان فإن في مجموعها شاة، ولو فرقاها لا يجب عليهما شيء (٤) أي طالبا للأجر طيبة بها نفسه يبتغي بذلك وجه الله تعالى (٥) استدل به على أنه يجوز للأمام أن يأخذ الزكاة قهرا إذا لم يرض رب المال
[ ٨ / ٢١٧ ]
وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا ﷿، لا يحل لآل محمد منها شيء
_________________
(١) وعلى أنه يكتفى بنية الإمام كما ذهب إلى ذلك الشافعية والهادوية؛ وعلى أن ولاية قبض الزكاة إلى الإمام، وإلى ذلك ذهبت العترة (وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي) في أحد قوليه (١) في بعض الروايات "وشطر ماله" وجمهور المحدثين على أن شطر بالنصب معطوف على الضمير في آخذوها باعتبار محله، وظاهره أن من منع الزكاة أخذت منه الزكاة وأخذ ماله أي نصفه عقوبة له على منع الزكاة "وقال صاحب النهاية" قال الحربي غلط الراوي في لفظ الرواية إنما هو "وشطر ماله" يعني بضم الشين المعجمة وكسر الطاء المهملة مبني للمجهول، أي يجعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق فيأخذ الصدقة من خير النصفين عقوبة لمنعه الزكاة أما مالا تلزمه فلا (وقال الخطابي) في قول الحربي لا أعرف هذا الوجه، وقيل معناه أن الحق مستوفي منه غير متروك عليه وأن تلف شطر ماله، كرجل كان له ألف شاة مثلا فتلفت حتى لم يبق له إلا عشرون فإنه يؤخذ منه عشر شياه بصدقة الألف وهو شطر ماله الباقي. وهذا أيضا بعيد لأنه قال إنا آخذوها ولم يقل أنا آخذوا شطر ماله، وقيل إنه كان في صدر الإسلام يقع بعض العقوبات في الأموال. ثم نسخ لقوله في الثمر المعلق من حرج بشيء منه فعليه غرامة مثلية والعقوبة، وكقوله في ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها، وكان عمر يحكم به فغرم حاطبا ضعف ثمن ناقة المزني لما سرقها رفيقه ونحروها؛ وله في الحديث نظائر، وقد أخذ أحمد بن حنبل بشيء من هذا العمل وعمل به (وقال الشافعي) في القديم من منع زكاة ماله اخذت منه وأخذ منه شطر ماله عقوة على منعه واستدل بهذا الحديث منسوخا وقال كان ذلك حيث كانت العقوبات في المال ثم نسخت، ومذهب عامة الفقهاء أن لا واجب على متلف الشيء أكثر من مثله أو قيمته. والله أعلم أهـ (٢) عزمة منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره عزم الله علينا ذلك عزمة (وقال صاحب البدر المنير) عزمة بالرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره ذلك عزمة؛ وكلا الوجهين جائز من حيث العربية، والعزمة في اللغة الجد في الأمر، والمراد به هنا الحق الواجب، وعزمات الله حقوقه وواجباته، وفيه دليل على أن آخذ ذلك واجب مفروض من الأحكام (٣) يعني أن الزكاة حق من حقوق الله تعالى ليس لآل محمد فيها نصيب (تخريجه) (د. نس. ك. هق) وقال يحيى بن معين اسناده صحيح إذا كان من دون بهز ثقة، وقد اختلف في بهز فقال أبو حاتم لا يحتج به، وروى الحاكم عن الشافعي أنه قال ليس بهز حجة وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولو ثبت لقلنا به كان وكان قال به في القديم ثم رجع
[ ٨ / ٢١٨ ]
(٢٩) عن أبي ذر ﵁ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البر صدقته.
(٣٠) عن معاذ بن جبيل ﵁ قال بعثني ﷺ إلى اليمن وأمرني أت آخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر، وأمرني أن آخذ
_________________
(١) وسئل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال ما أدري وجهه، وسئل عن إسناده فقال صالح الإسناد، وقال ابن سعد لولا هذا الحديث لأدخلت بهزا في الثقات، وقال ابن حزم إنه غير مشهور العدالة وقال ابن الطلاع أنه مجهول، وتعقبا بأنه قد وثقه جماعة من الأئمة، وقال ابن عدي لم أر له حديثا منكرا، وقال الذهبي ما تركه عالم قط، وقد تكلم فيه بأنه كان يلعب الشطرنج، قال ابن القطان وليس ذلك بضائر له فإن استباحته مسألة فقهية مشتهرة (قال الحافظ) وقد استوفيت الكلام فيه في تلخيص التهذيب، وقال البخاري بهز بن حكيم يختلفون فيه، وقال ابن كثير الأكثر لا يحتجون به، وقال الحاكم حديثه صحيح وقد حسن له الترمذي عدة أحاديث ووثقه، واحتج به الإمام أحمد واسحق والبخاري خارج الصحيح وعلق له فيه، وروى عن أبي داود أنه حجة عنده، والله أعلم
(٢) عن أبي ذر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن بكر أنا ابن جريج عن عمران بن أبي أنس بلغه عنه عن مالك بن أوس بن الحدثان النضري عن أبي ذر - الحديث" (غريبه) (١) المعنى أن كل نوع من هذه الأنواع تجب فيه الزكاة زكاته تكون من جنسه أما مقدار ذلك ونصابه فسيأتي في أبوابه إن شاء الله تعالى وقد تقدم بعضه (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وفي إسناده رواه لم يسم.
(٣) عن معاذ بن جبل (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سليمان بن داوود الهاشمي ثنا أبو بكر يعني ابن عياش ثنا عاصم عن أبي وائل عن معاذ- الحديث" (غريبه) (٢) أي محتلم كما فسر بذلك في رواية أبي داود والمعنى أنه ﷺ أمره أن يأخذ من كل بالغ ذكر من أهل الذمة دينارا جزية إذا لم يسلم، وسيأتي الكلام عليه في باب الجزية من كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى (٣) العدل بالكسر والفتح المثل، وقيل بالفتح ما عادله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه، وقيل بالعكس (والمعافر) بالعين المهملة بوزن مساجد ممنوع من الصرف لما فيه من صيغة منتهى الجموع، وهو موضع باليمن أوحى
[ ٨ / ٢١٩ ]
من كل أربعين بقرة مسنة ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا حوليا، وأمرني فيما سقت السماء العشر وما سقى بالدوالي نصف العشر
_________________
(١) من همدان ليمن تنسب إليهم الثياب المعافرية والمعنى أن من لم يتيسر له الدينار فاليدفع ما يساويه من الثياب المعافريقة (١) هكذا في هذه الرواية تقديم الأربعين على الثلاثين، ورواية أبي داود والجمهور تقديم الثلاثين، وسيأتي مثل رواية الجمهور للإمام أحمد في الباب التالي (واسم المسن) بقع على البقرة والشاة إذا مان في السنة الثانية، والاقتصار على المسنة في الحديث يدل على أنه لا يجزئ المسن، ولكنه أخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعا "وفي كل أربعين مسنة أو مسن" ولفظ "بقرة" الذي في حديث الباب منصوب على التمييز "ومسنة" مفعول لآخذ، والمعنى أمرني أن آخذ مسنة من كل أربعين بقرة وكذلك يقال في الآتي بعده (٢) التبيع على مافي القاموس ما كان في أول سنة، وفي النهاية التبيع ولد البقر أول سنة، وفي حديث عمرو بن حزم جذع أو جزعة، والجزع من البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية، وقيل البقر في الثالثة، وفي رواية أبي داود وغيره تبيعا أو تبيعة أي لا فرق هنا بين الذكر والأنثى، قال الحطابي يشبه أن يكون ذلك لقلة هذا النصاب وانحطاط هذا النوع من الحيوان، فيسوغ لهم إخراج الذكر منه ما دام قليلا إلى أن يبلغ كمال النصاب وهو الأربعون أهـ وقوله "حوليا" أي حال عليه الحول (٣) المراد بذلك المطر أو الثلج أو البرد أو الطل، والمعنى أن ما سقى بدون آلة يؤخذ عشرة في الزكاة إذا بلغ النصاب، وسيأتي الكلام عليه في باب زكاة الزرع والثمار إن شاء الله تعالى (تخريجه) (الأربعة. وغيرهم) وليس لابن ماجة فيه حكم الحالم، وأخرجه أيضا (حب. قط. ك) وصححه ابن حبان والحاكم من رواية أبي وائل عن مسروق عن معاذ، ورواه أبو داود والنسائي من رواية ابي وائل عن معاذ، ورجح الترمذي والدارقطني الرواية المرسلة، ويقال إن مسروقا لم يسمع من معاذ، وقد بالغ ابن حزم في تقرير ذلك، وقال ابن القطان هو على الاحتمال، وينبغي أن يحكم لحديثه بالاتصال على رأي الجمهور، وقال ابن عبد البر التمهيد اسناده متصل صحيح ثابت، ووهم عبد الحق فنقل عنه قال مسروق لم يلق معاذا، وتعقبه ابن القطان بأن أبا عمر إنما قال ذلك في رواية مالك عن حميد ابن قيس عن طاوس عن معاذ، وقد قال الشافعي طاوس عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذا، وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافا أهـ (قال الحافظ) في
[ ٨ / ٢٢٠ ]
(٥) باب زكاة البقر وما جاء في الوقصي
(٣١) عن معاذ بن جبل ﵁ قال بعثني رسول الله ﷺ أصدق أهل اليمن وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا، قال هارون والتبيع الجذع أو الجذعة ومن كل أربعين مسنة قال فعرضوا على أن آخذ
_________________
(١) التلخيص، ورواه البزار والدارقطني من طريق ابن عباس بلفظ "لما بعث النبي ﷺ معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا وتبيعة جذعا أو جذعة الحديث، لكنه من الطريق بقية المسعودي وهو ضعيف أهـ (الأحكام) أحاديث الباب تدل على وجوب الزكاة في جملة أنواع (منها الورق) أي الفضة تجب فيها الزكاة إذا بلغت مائتي درهم فأكثر (ومنها الإبل تجب فيها الزكاة إذا كانت خمسا فأكثر (ومنها الغنم) تجب فيها الزكاة إذا كانت أربعين فأكثر (ومنها البقر) تجب فيها الزكاة إذا كانت ثلاثين فأكثر (ومنا الزرع) تجب الزكاة في أنواع منه إذا بلغ خمسة أوسق فأكثر، وجاء في حديث معاذ ﵁ أخذ دينار عن كل مكلف من الكفار الذين لم يريدوا الإسلام وهو المعروف بالجزية وسيأتي تفصيل أحكام هذه الانواع في الأبواب الآتية كل في بابه إن شاء الله تعالى والله الموفق
(٢) عن معاذ بن جبل (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا معاوية عن عمرو وهارون بن معروف قالا ثنا عبد الله بن وهب قال هارون في حديثه قال وقال حيوة عن ابن أبي حبيب، وقال معاوية عن حيوة عن يزيد عن سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم أن معاذا قال بعثني رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) هو ابن معروف أحد رجال السند، وقد فسر التبيع هنا بالجذع أو الجذعة وهو من البقر ما كان له سنة ودخل في الثانية (قال النووي) في شرح المهذب. قال المصنف "يعني صاحب المهذب" والأصحاب التبيع ما استكمل سنة ودخل في الثانية، والمسنة ما استكملت سنتين ودخلت في الثالثة، هذا هو الصواب المعروف (للشافعي والأصحاب) وشذ الجرجاني فقال في كتابه التحرير التبيع ماله دون سنة، وقيل ماله سنة، والمسنة لها سنة وقيل سنتان، وكذا قول صاحب الإبانة التبيغ ما استكمل سنة، وقيل الذي يتبع أمه وإن كان له دون سنة (وقال الرافعي) وحكى جماعة أن التبيع له ستة أشهر والمسنة لها سنة وهذا كله غلط ليس معدودا من المذهب والله تعالى أعلم أهـ (٢) هي ما استكلمت سنتين ودخلت في الثالثة
[ ٨ / ٢٢١ ]
من الأربعين، قال هارون ما بين الأربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين، فأبيت ذاك وقلت لهم حتى اسأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقدمت فأخبرت النبي ﷺ فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعين ومن العشرة والمائة مسنتين وتبيعا، ومن التسعين ثلاثة أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين ومن العشرة والمائة مسنتين وتبيعا، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع، قال وأمرني رسول الله ﷺ أن لا آخذ فيما بين ذلك، وقال هارون فيما بين ذلك شيئا إلا أن يبلغ مسنة أو جذعا وزعم أن الأوقاص
_________________
(١) على الصحيح (١) لم يثبت أن معاذا ﵁ رجع على المدينة بعد ذهابه إلى اليمن إلا بعد وفاة رسول الله وفاة رسول الله ﷺ، ففي الموطأ عن طاوس اليماني أن معاذ بن جبل الأنصاري أخذ من ثلاثين بقرة تبيعا، ومن أربعين بقرة مسنة وأتى بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئا وقال لم أسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئا حتى ألقاه فأسأله، فتوفى رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ (٢) أي فيما بين الفرضين، وتوضيح ذلك أنه يأخذ تبيعا في الثلاثين فأكثر لغاية تسع وثلاثين، فإذا بلغت الأربعين أخذ مسنة لغاية تسع وخمسين، فإذا بلغت الستين أخذ تبيعين، وهكذا في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة (٣) يعني إلا أن يبلغ العدد ما يستحق مسنة أو جذعة بالحساب المتقدم ذكره (٤) الأوقاص جمع وقص بفتح القاف وإسكانها لغتان أشهرها عند أهل اللغة الفتح؛ والمستعمل منها عند الفقهاء الإسكان، واقتصر الجوهري وغيره من أصحاب الكتب المشهورة في اللغة على الفتح، ويجوز ابدال الصاد سينا مع اسكان القاف، وعلى كل حال فهو ما بين الفريضتين، ويقال له أيضا الشنق (قال صاحب الشامل) وغيره الشنق بفتح الشين المعجمة والنون هو أيضا ما بين الفريضتين أهـ (قال النووي) في شرح المهذب. قال القاضي أكثر أهل اللغة يقولون الوقص والشنق سواء لا فرق بينهما (وقال الأصمعي) الشنق يختص بأوقاص الإبل والوقص يختص بالبقر والغنم، واستعمل الشافعي ﵁ في البويطي الشنق في أوقاص الإبل والبقر والغنم جميعا، ويقال أيضا وقس بالسين المهملة، قال (وقال الشافعي في مختصر المزني، الوقس ما لم يبلغ الفريضة؛ وروى البيهقي عن المسعودي قال الأوقاس
[ ٨ / ٢٢٢ ]
لا فريضة فيها
(٣٢) حدثنا عبدالله حدثني أبي حدثنا سفيان عن عمرو (بن دينار) عن طاوس أتى معاذ بن جبل ﵁ بوقص البقر والعسل، فقال لم يأمرني النبي ﷺ فيها بشيء، قال سفيان الأوقاص ما دون الثلاثين
(٣٣) عن أبي عبيدة عن أبيه ﵁ قال كتب رسول الله ﷺ في صدقة البقر إذا بلغ البقر ثلاثين يها تبيع من البقر جذع أو جذعة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة
_________________
(١) ما دون الثلاثين يعني من البقر وما بين الأربعين والستين، فحصل من هذه الجملة أنه يقال وقص بفتح القاف وإسكانها وشنق ووقس بالسين المهملة؛ وأنه يطلق على مالا زكاة فيه سواء كان بين نصابين أو دون النصاب الأول، لكن أكثر استعماله فيما بين النصابين والله تعالى أعلم أهـ (تخريجه) (بز) وفي إسناده عند الإمام أحمد من لم أعرفه، وفي إسناده عند البزار الحسن بن عمارة وهو ضعيف (قال الحافظ) في التلخيص ويدل على ضعفه (يعني الحديث معاذ) ذكره فيه لقدوم معاذ على النبي ﷺ، ولم يقدم إلا بعد موته، وقد أخرج نحو هذه الرواية مالك في الموطأ من طريق طاوس عن معاذ، وليس عنده أن معاذا قدم قبل موت النبي ﷺ بل صرح فيها أن النبي ﷺ مات قبل قدومه أهـ (قلت) رواية مالك تقدمت بلفظها في خلال الشرح، وهي تؤيد حديث الباب في الحكم، ويؤيده ايضا حديث معاذ المتقدم في آخر الباب السابق؛ وله شواهد أيضا تعضده والله أعلم.
(٢) حدثنا عبد الله (غريبه) (١) يعني ما دون الثلاثين بقرة ليس فيه زكاة، وهذا بالاتفاق، وأما ما وقص العسل فربما يكون فيما نقص عن عشر قرب، فإذا بلغ عشر قرب ففيها العشر عند القائلين بذلك كما سيأتي في بابه إن شاء الله (تخريجه) أخرجه أيضا الحميدي وسنده جيد
(٣) عن أبي عبيدة عن أبيه (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا ابن مسعود وابن سعد ثنا خصيف عن أبي عبيدة عن أبيه ﵁ (٣) قال ابن الهمام البقر من بقر الشيء إذا شق سمى به لأنه يشق الأرض "يعني بالحراثة" وهو اسم
[ ٨ / ٢٢٣ ]
فإذا كثرت البقر ففي كل أربعين من البقر بقرة مسنة
_________________
(١) جنس، والتاء في بقرة للوحدة فيقع على الذكر والأنثى لا للتأنيث أهـ (تخريجه) (ش. مذ) من طريق عبد السلام بن حرب عن خصيف عن أبي عبيدة عن عبدالله ابن مسعود، وقال الترمذي هكذا روى عبد السلام بن حرب عن خصيف عن أبي عبيدة عن أبيه عن عبد الله ابن مسعود، وأبو عبيدة بن عبدالله لم يسمع من أبيه أهـ (وقال النووي) رواه الترمذي وغيره من حديث عبدالله بن مسعود، إلا أن إسناد حديث ابن مسعود ضعيف، قال وروى أيضا من حديث عل ﵁ مرفوعا (قال البيهقي) وأما الأثر الذي يرويه معمر عن الزهري عن جابر بن عبدالله ﵄، قال في خمس من البقر شاة وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه (قال الزهري) وإذا كانت خمسا وعشرين ففيها بقرة إلى خمس وسبعين ففيها بقرتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففي كل أربعين بقرة (قال الزهر) وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال وفي كل ثلاثين بقرة تبيع وفي كل أربعين بقرة مسنة، أن ذلك كان تخفيفا لأهل اليمن ثم كان هذا بعد ذلك (قال البيهقي) فهذا حديث موقوف منقطع أهـ ج (زوائد الباب) (عن ابن عباس ﵄) قال لما بعث رسول الله ﷺ معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ في كل ثلاثين من البقر تبيعا أوتبيعة جذعا أو جذعة، ومن كل أربعين بقرة مسنة، قالوا فالأوقاص قال ما أمرني فيها بشيء وسأسأل رسول الله ﷺ إذا قدمت فلما قدم على رسول الله ﷺ سأله، فقال ليس فيها شيء، قال قال المسعودي، والأوقاص ما بين الثلاثين إلى الأربعين والأربعين إلى الستين، وراه البزار وقال لم يتابع بقية أحد على رفعه إلا الحسن بن عمارة والحسن ضعيف (وعنه أيضا) قال قال رسول الله ﷺ ليس في البقر العوامل صدقة، ولكن في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسن أو مسنة، رواه الطبراني في الكبير وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس (وعن أنس بن مالك) ﵁ أن رسول الله ﷺ كتب في صدقة البقر في كل ثلاثين بقرة جذعة وفي كل أربعين بقرة مسنة (طس) من حديث طويل ذكر فيه صدقة الإبل والبقر والغنم، وقد اقتصرنا منه على الجزء الخاص البقر، وأورده الهيثمي وقال رواه الطبراني في الأوسط عن محمد بن إسماعيل بن عبد الله عن أبيه ولم اعرفهما وبقية رجاله ثقات (وقد أورد ابن أبي شيبة) ﵀ في مصنفه من الآثار شيئا كثيرا (فمنها عن علي ﵁) قال إذا بلغت "يعني البقر" ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة حولى، فإذا بلغت اربعين ففيها مسنة ثنية فصاعدا (وعن حماد عن
[ ٨ / ٢٢٤ ]
إبراهيم) قال في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة، وفي أربعين مسنة. وعن الشعبي مثله (وعن عكرمة بن خالد) قال استعملت على صدقات عك فلقيت أشياخا ممن صدق على عهد رسول الله ﷺ فاختلفوا على، فمنهم من قال اجعلها مثل صدقة الإبل ومنهم من قال في ثلاثين تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة، وفي أربعين مسنة (وعن مكحول) قال إذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة، فإذا بلغت اربعين ففيها مسنة (وعن ابن طاوس) عن أبيه مثل ذلك (وعن ابن جريج عن سلمان بن موسى) مثل ذلك (وعن صالح بن دينار) أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عثمان بن محمد أبي سويد أن تأخذ من كل ثلاثين بقرة بقرة، ومن كل أربعين بقرة بقرة، ولم يزد على ذلك (وعن محمد بن يحيى بن حبان) أن نعيم بن سلامة أخبره وهو الذي كان خاتم عمر بن عبد العزيز في يده أن عمر بن عبد العزيز دعا بصحيفة زعموا أن رسول الله ﷺ كتب بها إلى معاذ فقال نعم، فقرئت وأنا حاضر فإذا فيها من كل ثلاثين تبيع جذع أو جذعة، ومن كل أربعين بقرة بقرة مسنة (وعن محمد بن بكر) عن ابن جريج قال أخبرني عمرو قال كان عثمان بن الزبير بن أبي عوف وغره يأخذون من كل خمسين بقرة بقرة (الأحكام) أحاديث الباب تدل على وجوب الزكاة في البقر وعلى أن في كل ثلاثين من البقر تبيعا، وفي كل أربعين مسنة، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء؛ قال الإمام ابن رشد في كتابه بداية المجتهد (وقالت طائفة) في كل عشر من البقر شاة على ثلاثين ففيها تبيع، وقيل إذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بقرة إلى خمس وسبعين، ففيها بقرتان إذا جاوزت ذلك، فإذا بلغت مائة وعشرين ففي كل أربعين بقرة، وهذا عن سعيد بن المسيب، واختلف فقهاء الأمصار فيما بين الأربعين والستين (فذهب مالك والشافعي وأحمد الثوري) وجماعة أن لا شيء فيما زاد على الأربعين حتى تبلغ ستين، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان إلى سبعين، ففيها مسنة وتبيع على ثمانين، ففيها مسنتان إلى تسعين، ففيها ثلاثة أتبعة إلى مائة، ففيها تبيعان ومسنة، ثم هكذا ما زاد ففي كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة، وسبب اختلافهم في النصاب أن حديث معاذ غير متفق على صحته، ولذلك لم يخرجه الشيخان، وسبب (اختلاف فقهاء الأمصار في الوقص) أنه جاء في حديث معاذ هذا أنه توقف ي الأوقاص وقال حتى أسأل فيها النبي ﷺ فلما قدم عليه وجده قد توفى، فلما يرد في ذلك نص طلب حكمه من طريق القياس، فمن قاسها على الإبل والغنم لم ير في الأوقاص شيئا، ومن قال إن الأصل أن في الأوقاص الزكاة غلا ما استثناه الدليل من ذلك وجب ألا يكون عنده في البقر وقص؛ إذ لا دليل هنالك من إجماع ولا غيره أهـ (قلت) الوقص من الأربعين إلى الستين لا زكاة فيه عند جمهور العلماء (وذهبت الحنفية) إلى وجوب الزكاة فيه بقدرها من لمسنة على ظاهر الرواية، ففي الواحدة الزائدة على الأربعين ربع عشر مسنة. وفي الاثنين نصف عشر مسنة، وهكذا إلى
[ ٨ / ٢٢٥ ]
(٦) باب اجتناب كرائم أموال الناس في الزكاة
(وما يجزى من النعم ومن أدى افضل الواجب)
(٣٤) عن عمارة بن عمر بن حزم عن أبي كعب ﵁ قال بعثني رسول الله ﷺ مصدقا على يلي وعذرة وجميع بني سعد بن هذيم ابن قضاعة (وفي رواية من قضاعة) قال فصدقتهم حتى مررت بآخر رجل منهم، وكان منزله وبلده من أقرب منازلهم إلى رسول الله ﷺ بالمدينة قال فلما جمع إلي ماله لم أجد عليه فيها إلا ابنة مخاض بعني فأخبرته أنها صدقته، قال فقال ذاك مالا لبن فيه ولا ظهر وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ﷺ ولا رسول الله قط قبلك وما كنت لأقرض الله تبارك
_________________
(١) الستين، وحكى الحافظ عن عبد الحق أنه قال ليس في زكاة البقر حديث متفق علي صحته يعني في النصب، وحكى أيضا عن ابن جرير الطبري أنه قال صح الإجماع المتيقن المقطوع به الذي لا اختلفا فيه أن في كل خمسين بقرة بقرة، فوجب الأخذ، بهذا وما دون ذلك مختلف فيه ولا نص في إيجابه، وتعقبه صاحب الإمام بحديث عمرو بن حزم الطويل في الديات وغيرها فإن فيه في كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة، وحكى أيضا عن ابن عبد البر أنه قال في الاستذكار لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ وأنه النصاب المجمع عليه فيها أهـ
(٢) عن عمارة بن حزم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني ابي ثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن اسحق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عمارة بن عمرو بن حزم - الحديث" (غريبه) (١) هما قبيلتان معروفتان (٢) أنث الضمير باعتباره الإبل، أي لم اجد واجبا عليه في إبله غلا ابنة مخاض (٣) يعني أن بنت المخاض التي تريد أخذها لا منفعة فيها بلبن ولا ركوب لصغرها، وهي من الإبل ما دخلت في السنة الثانية، وذكر اسم الإشارة العائد على بنت المخاض باعتبار لفظ ما (٤) أيم الله من ألفاظ القسم كقولك لعمر الله وعهد الله وهمزتها وصل وقد تقطع (٥) يريد أنه ما طلبت منه الزكاة قبل هذا الوقت
[ ٨ / ٢٢٦ ]
وتعالى من مالي مالا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية سمينة فخذها، قال فقلت له ما أنا بآخذ ما لم أومر به، فهذا رسول الله ﷺ منك قريب فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل، فإن قبلة منك قبلة، وإن رده عليك رده قال فإني فاعل، قال فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله ﷺ، قال فقال له يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي؛ وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ﷺ ولا رسول له قط قبله، فجمعت له مالي فزعم أن علي فيه ابنة مخاض وذلك مالا لبن فيه ولا زهر وقد عرضت عليه ناقة فتية سمينة ليأخذها فأبى على ذلك وقال ها هي هذه قد جئتك بها يا رسول الله رسول الله خذها، قال فقال له رسول الله ﷺ ذلك الذي عليك فإن تطوعت بخير قبلناه منك وآجرك الله فيه، قال فها هي ده يا رسول الله قد جئتك بها فخذها، قال فأمر رسول الله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بقبضها ودعى له في ماله بالبركة
(٣٥) عن سويد بن غفلة ﵁ قال أتانا مصدق رسول الله رسول الله ﷺ.
_________________
(١) رواية أبي داود (فإن قبله منك قبلته وإن رده عليك رددته) (١) يريد أن ما طلبه الساعي من بنت المخاض هو الواجب عليك فإن تبرعت بأجود منها آجرك الله فيه يعنى أنابك الله عليه،قال فى المصباح أجره الله أجراٌ من باب قتل ومن باب ضرب لغة بنى كعب، وآجره بالمدلغة ثالثة إذا أثابه (تخريجه) (د) وصححه الحاكم،وروى نحوه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على مسند أبيه وزاد فيه قال عمارة وقد وليت صدقاتهم في زمن معاوية فأخذت من ذلك الرجل ثلاثين حقه لألف وخمسمائة بعير عليه (قلت) هذا من بركة دعاء النبي رسول الله ﷺ له في ماله لإخلاصه وسخائه وكرمه.
(٢) عن سويد بن غفلة (سنده) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا هشيم أنبأنا هلال بن خباب قال حدثني ميسرة أبو صالح عن سويد بن غفلة - الحديث"
[ ٨ / ٢٢٧ ]
قال فجلست إليه فسمعته وهو يقول إن في عهدي أن لا آخذ من راضعي لبن ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع وآتاه رجل بناقة كوماء فقال خذها فأبى أن يأخذها.
(٣٦) عن الصنابحي ﵁ قال رأى رسول الله رسول الله ﷺ في إبل
_________________
(١) (غريبه) (١) المراد بالعهد هنا كتاب رسول الله ﷺ الذي بين له فيه أحكام الصدقة، ويؤيد ذلك ما جاء في رواية لأبي داود عن سويد بن غفلة قال أتانا مصدق النبي ﷺ فأخذت بيده وقرأت في عهده لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة (٢) أي صغير يرضع اللبن، أو المراد ذات لبن بتقدير المضاف، أي ذات راضع لبن، والنهي عن الثاني لأنها من خيار المال، وعلى الأول لأن حق الفقراء في الأوساط، وفي الصغار إخلال بحقهم وفي رواية للنسائي (أن ألا تأخذ راضع لبن" بدون من (ومن) زائدة على الاحتمالين، ويحتمل أن المراد لا تعد الصغار في نصاب الزكاة، وعليه يكون الحديث حجة (لأبي حنيفة ومحمد) في أن الصغار من الإبل والغنم والبقر لا زكاة فيها استقلالا، فلو ملك خمسا وعشرين من الإبل وقد وضعت خمسا وعشرين فصيلا ومات الكبار كلها قبل تمام الحول وتم على الصغار فلا زكاة فيها؛ أما لو بقي من الكبار ولو واحدة فإنها تزكى تبعا للأصل لا قصدا (وعند أبي يوسف) يجب في الصغار واحدة منها إذا تم لها حول (٣) تقدم الكلام على هذه الجملة في شرح الحديث الأول من باب ما جاء في كتاب رسول الله ﷺ (٤) بفتح الكاف وسكون الواو هي الناقة العظيمة السنام، وهي نوع جيد من الإبل (٥) رواية أبي داود (فأبى أن يقبلها) وليس آخر الحديث عنده بل زاد (قال إني أحب أنتأخذ خير إبلي، قال فأبى أن يقبلها، قال فخطم له أخرى دونها، فأبى أن يقبلها، ثم خطم له أخرى دنها فقبلها وقال إني آخذها وأخاف أن يجد علي رسول الله رسول الله ﷺ (أي يغضب) يقول لي عمدت إلى رجل فتخيرت عليه إبله" (تخريجه) (د. نس. قط. هق) وفي إسناده هلال بن خباب وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه بعضهم.
(٢) عن الصنابحي (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عتاب بن زياد ثنا عبد الله بن مبارك أنا خالد بن سعيد عن قيس بن أبي حازم عن الصنابحي - الحديث" (غريبه) (٦) بضم الصاد المهملة وفتح النون وكسر الموحدة بعدها حاء مهملة نسبة إلى صنابح بطن من مراد واسمه صنابح بن الأعسر متفق على صحبته. وتقدم
[ ٨ / ٢٢٨ ]
الصدقة ناقة مسنة فغضب وقال ما هذه؟ فقال يا رسول الله إني أرتجعتها بببعيرين من حاشية الصدقة فسكت.
(٣٧) عن قرة بن دعموص النميري ﵁ قال قدمت المدينة فأتيت رسول الله رسول الله ﷺ وحوله الناس فجعلت أريد أدنو منه فلم أستطع، فناديته يا رسول الله استغفر للغلام النميري فقال غفر الله لك، قال وبعث رسول الله رسول الله ﷺ الضحاك بن قيس ساعيا، فلما رجع رجع بإبل جلة فقال له رسول الله
_________________
(١) لنا بحث في الصنابحيين في شرح حديث عبدالله الصنابحي رقم ١٨٧ صحيفة ٣٠٢ في الباب الاول من أبواب الوضوء من الجزء الأول (١) إنما غضب النبي رسول الله ﷺ لكونها من كرائم الأموال فخشي أن يكون المصدق أخذها من بعض الناس في الصدقة، وقد نهى رسول الله رسول الله ﷺ عن أخذ كرائم الأموال في الصدقة، فقال له المصدق إني أخذتها ببعيرين من حاشية الصدقة (يعني من أقل الأبعار قيمة) أبدلتهما به وما أخذتها من أحد في صدقته، فسكت رسول الله رسول الله ﷺ يعني أقره على ذلك، والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه للطبراني في الكبير ولفظه (عن الصنابحي قال أبصر رسول الله رسول الله ﷺ ناقة حسنة في إبل الصدقة فقال قاتل الله صاحب هذه الناقة، فقال يا رسول الله إني ارتجعتها ببعيرين من حاشية الإبل، قال فنعم إذا" (قال الهيثمي) فيه محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي وهو ضعيف (قلت) رواية الإمام أحمد تعضده.
(٢) عن قرة بن دعموص (سنده) حدثنا عبدالله حدثني ابي ثنا عفان ثنا جرير بن حازم قال جلس إلينا شيخ في مكان أيوب فسمع القوم يتحدثون فقال حدثنا مولاي عن رسول الله ﷺ فقلت ما اسمه؟ قلت قرة بن دعموص بن ربيعة بن عوف بن الحارث بن زهير بن قرنع بن الحارث بن نمير بن عامر العامري، ثم النميري، قال البخاري وابن السكن له صحبة، يعد في البصرين، وقال ابن الكلبي بعثه النبي ﷺ إلى بني هلال يدعوهم إلى الإسلام فقتلوه أهـ (٣) أي عظيمة وهي الكبار من الإبل وقيل هي المسان منها، وقيل هو ما بين الثني إلى البازل، والثني من الإبل ما دخل في السنةالسادسة، والبازل
[ ٨ / ٢٢٩ ]
ﷺ أتيت هلال بن عامر وعامر بن ربيعة فأخذت جلة أموالهم، قال يا رسول الله إني سمعتك تذكر الغزو فأحببت أن آتيك بإبل تركبها وتحمل عليها، فقال والله للذي تركت أحب إلي من الذي أخذت، أرددها وخذ من حواشي أموالهم صدقاتهم، قال فسمعت المسلمين يسمون تلك الإبل المسان المجاهدات.
(٣٨) عن مسلم بن شعبة أن علقمة استعمل أباه على عرافة قومه قال مسلم فبعثني إلى مصدقه في طائفة من قومي قال فخرجت حتى آتي شيخا يقال له سعر في شعب من الشعاب، فقلت إن أبي إليك لتعطيني صدقة
_________________
(١) ما دخل في السنة التاسعة (١) حواشي الأموال هي صغار كابن المخاض وابن اللبون واحدها حاشية، وحاشية كل شيء جانبه وطرفه، وإنما أمره النبي ﷺ برد الإبل التي أتى بها لكونها من كرائم الأموال وأنفسها، وفي آخذها في الصدقة عين لأصحابها (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه راو لم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) عن مسلم بن شعبة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا روح ثنا زكريا بن إسحاق قال حدثني عمرو بن أبي سفيان قال حدثني مسلم بن شعبة- الحديث" (غريبه) (٢) لفظ أبي داود "استعمل نافع بن علقمة أبي" ولفظ النسائي "استعمل ابن علقمة أبي" فالظاهر أن لفظ (ابن) في رواية الإمام أحمد سقط من الناسخ والله أعلم، والضمير في أباه يعود على مسلم بن شعبة، والمعنى أن ابن علقمة استعمل أبا مسلم بن شعبة، أي جعله رئيسا على قومه ليتولى مصالحهم ويدبر أمورهم ويجمع صدقاتهم (والعرافة) عمل العريف من تدبير أمور القوم وسياستهم (والعريف) القائم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يتولى أمورهم ويتبين الأمير منه أحوالهم، يقال عرفت على القوم أعرف من باب قتل عرافة بكسر العين فأنا عارف (٣) رواية أبي داود "فبعثني أبي في طائفة منهم" والمعنى أن مسلم بن شعبة يقول أرسلني أبي إلى طائفة منهم" أي من قوم أبيه ونسبهم إلى نفسه في رواية الإمام أحمد باعتبار أن قوم أبيه قومه، وأتى بصبغة المضارع في قوله حتى آتى استحضارا للصورة الماضية (٤) بفتح السين وسكون العين المهملتين آخره راء مهملة كذا في تهذيب التهذيب، ويقال ابن ديسم "كما صرح به في بعض الأصول" العامري
[ ٨ / ٢٣٠ ]
غنمك فقال أي ابن أخي وأي نحو تأخذون فقلت نأخذ أفضل ما نجد فقال الشيخ إني لفي شعب من هذه الشعاب في غنم لي إذ جاءني رجلان مرتدفان بعيرا، فقالا إنا رسولا رسول الله ﷺ بعثنا إليك لتوتينا صدقة غنمك، قلت وما هي؟ قالا شاة، فعمدت إلى شاة قد علمت مكانها ممتلئة مخضا وشجعا، فأخرجتها إليهما؛ فقالا هذه شافع وقد نهانا رسول الله ﷺ أن نأخذ شافعا والشافع التي في بطنها ولدها، قال فقلت فأي شيء تأخذان، قالا عناقا أو
_________________
(١) الكناني ويقال الدؤلي، قدم الشام تاجرا في الجاهلية وأسلم، روى عن مصدقين للنبي ﷺ وعنه ابنه جابر ومسلم بن شعبة؛ قال الدارقطني وابن وابن حبان له صحبة وذكره العسكري في المخضرمين، قاله الحافظ في الإصابة (والشعب) بكسر الشين المعجمة واد بين جبلين، والشعاب بكسر الشين أيضا جمعه (١) أي حرف نداء وابن أخي منادي، وعند أبي داود والنسائي "قال ابن أخي" بحذف حرف نداء وابن أخي منادى، وعند ابي داود والنسائي "قال ابن أخي" بحذف حرف النداء والمعنى يا ابن أخي (٢) يعني أي صنف تأخذون (٣) لفظ أبي داود "قلت نختار حتى أنا نبين ضروع الغنم" ولفظ النسائي "حتى أنا لنشبر ضروع من رديئها، ومعنى قوله نشبر ضروع الغنم أي نقيسها بالشبر ليتبين حالها من سبرت الشيء من باب قتل قسنه بالشبر (٤) أي قصدت إلى شاة سمينة جيدة ممتلئة كثيرة اللبن، والمحض بحاء مهملة وضاد معجمة هو اللبن (٥) أي معها ولدها سميت شافعا لأن ولدها قد شفعها فصارت معه زوحا، وقيل هي الحامل التي يتبعها ولد آخر (٦) العناق بفتح العين المهملة الأنثى من ولد المعز لم يتم له سنة، والجذع بفتحتين ما ألقى مقدم أسنانه وقد يكون ذلك لسنة أو دونها (قال في المصباح) فالعناق تجذع لسنة وربما أجذعت قبل تمامها للخصب فتسمن فيسرع أجذاعها فهي جذعة، ومن الضأن إذا كان من شابين بجذع لستة أشهر إلى سبعة، وإذا كان من هرمين بفتح فكسر أجذع من ثمانية إلى عشرة أشهر وفي النهاية، وأصل الجذع من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شابا فتيا فهو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية، وقيل من البقر ما دخل في الثالثة ومن الضأن ما تمت له سنة، وقيل أقل منها، ومنهم من خالف بعض هذا التقدير أهـ
[ ٨ / ٢٣١ ]
جذعة أو ثنية قال فأخرج لهما عناقا، قال فقالا ادفعها إلينا فتناولاها وجعلاها معهما على بعيرهما
_________________
(١) الثني من الضأن والعز ماله سنة، وفي البقر والجاموس ماله سنتان، ومن الإبل ماله خمس، وهذا مذهب الإمامين أبي حنيفة وأحمد، ووافقهما الإمام مالك في الضأن والمعز والإبل، وقال الثني من البقر والجاموس ما دخل في السنة الرابعة ووافقهما الإمام الشافعي في البقر والإبل، وقال الثنى من الضأن والمعز ما دخل في الثالثة كالبقر، قال في النهاية الثنية من الغنم ما دخلت في السنة الثالثة ومن البقر كذلك، قال في النهاية الثنية من الغنم ما دخلت في السنة الثالثة ومن البقر كذلك، ومن الإبل في السادسة والذكر ثنى، وعلى مذهب الإمام أحمد ما دخل من المعز في الثانية ومن البقر في الثالثة أهـ. (تخريجه) (د. نس) وسنده جيد (زوائد الباب) (وعن عبدالله بن معاوية الغاضري) من غاضرة قيس قال قال رسول الله ﷺ ثلاث من فعلهن طعم طعم الإيمان من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبه بها نفسه رافدة عليه كل عام، ولا يعطى الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره (د. طب) وجود إسناده (الرافدة) من الرفد وهو الإعانة يقال رفدته أرفده إذا أعنته، أي تعينه نفسه على أداء الزكاة (الدرنة) بفتح الدال المهملة مشددة بعدها راء مكسورة ثم نون وهي الجرباء، قاله الخطابي. وأصل الدرن الوسخ كما في القاموس وغيره (الشرط) بفتح الشين المعجمة والراء. قال أبو عبيد هي صغار المال وشراره (واللئيمة) البخيلة باللبن (وعن سفيان بن عبد الله الثقفي) أن عمر بن الخطاب ﵁ قال تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي ولا تأخذها، ولا تأخذ الأكولة ولا الربى ولا الماخض ولا فحل الغنم، وتأخذ الجيدة والثنية وذلك عدل بين غذاء المال وخياره (لك. فع) ورواه أيضا ابن حزم (السخلة) تطلق على الذكر والأنثى من أولاد الضأن والمعز ساعة تولد والجمع سخال (الأكولة) بفتح الهمزة وضم الكاف العاقر من الشياه والشاة تعزل للأكل هكذا في القاموس، وأما الأكولة بضم الهمزة والكاف فهي قبيحة المأكول وليست مرادة هنا لأن السياق في تعداد الخيار (ولا الربى) بضم الراء وتشديد الباء الموحدة، هي الشاة التي تربى في البيت للبنها (ولا فحل الغنم) إنما منعه من أخذه مع كونه لا يعد من الخيار، لأن المالك يحتاج إليه لينزو على الغنم. والمراد (بالجذعة) في هذا الأثر يعني من الضأن (والثنية) يعني من المعز والله أعلم (غذاء المال) بالغين المعجمة المكسورة بعدها ذال معجمة جمع غذى كغنى السخال (وعن سعيد الأعرج) قال
[ ٨ / ٢٣٢ ]
خرجت أريد الجهاد فلقيت عمر بمكة فقال بادر صاحبك فإذا أوقف الرجل عليكم فنمه فاصدعوها صدعين ثم اختاروا من النصف الآخر (ش) (وعن الحكم) قال كان المصدق يصدع الغنم صدعين ثم فيختار صاحب الغنم خير الصدعين (ش) (وعن سفيان بن حسين) عن الزهري قال إذا جاء المصدق قسمت الغنم أثلاثا. ثلث خيار. وثلث شرار. وثلث أوساط. ويأخذ المصدق من الوسط (ش) (وعن إبراهيم بن ميسرة) عن رجل من ثقيف قال سألت أبا هريرة في أي المال صدقة؟ فقال في الثلث الأوسط، فإذا أتاك المصدق فأخرج له الجذعة والثنية "يعني من الضأن والمعز" (ش) (وعن ابن جريج) قال سمعت ابي وغيره يذكرون أن عمر بن عبد العزيز كتب أن تضم الغنم أثلاثا ثم يختار سيدها ثلثا، ويأخذ المصدق من الثلث الأوسط (ش) (الأحكام) اشتملت أحاديث الباب على جملة أحكام (منها) ما يدل على أنه لا يجوز للمصدق أن يأخذ من خيار الماشية وقد أخرج الشيخان والأمام أحمد وتقدم في أول باب افتراض الزكاة رقم ٩ من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن فال له إياك وكرائم أموالهم (ومنها) ما يدل على عدم أخذ الزكاة من الصغار التي ترضع اللبن كما في حديث سويد بن غفلة، أي لا تعد على صاحبها (قال الشوكاني) وطاهره سواء كانت منفردة أو منضمة إلى الكبار، ومن أوجبها فيها عارض هذا بما أخرجه مالك في الموطأ والشافعي وابن حزم أن عمر قال لساعيه سفيان ابن عبد الله الثقفي اعتد عليهم بالسخلة التي يروح بها الراعي على يده ولا تأخذها، قال وهو مبني على جواز التخصيص بمذهب الصحابي والحق خلافه أهـ (قلت) تقدم الخلاف في ذلك في شرح حديث سويد بن غفلة "وقد روى ابن ابي شيبة" في مصنفه عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم؛ وعن يومس عن الحسن قالا يعتد بالسخلة ولا تؤخذ في الصدقة (وعن محمد بن بكر) عن ابن جريج عن عطاء قال قلت له أيعتد بالصغار أولاد الشاء قال نعم (وعن عبد الأعلى) عن معمر عن الزهري قال يعتد بالصغير حتى ما ينتجه أمه (وعن أبي أسامة) عن النهاس بن قهم قال حدثنا الحسن ين قهم قال بعث رسول الله ﷺ سفيان بن عبد الله على الصدقة، فقال خذ ما بين الغذية والهرمة يعني بالغذية السخلة أهـ (قلت) والهرمة هي الكبيرة التي سقطت أسنانها (ومنها) ما يدل على أن ذات العيب لا تجزيء في الزكاة كالهرمة والدرنة والمريضة ونحو ذلك مما تقدم ذكره في الأحاديث، وإنما بؤخذ من أوساط المال لا من خياره ولا من شراره (منها) ما يدل على جواز قبول المصدق أفضل من الواجب على المالك إذا رضى بذلك عن طيب نفس كما دفع الرجل ناقته السمينة إلى رسول الله ﷺ فأمر رسول الله ﷺ بقبضها ودعا له بالبركة.
[ ٨ / ٢٣٣ ]
(٧) باب عدم الزكاة في الرقيق والخيل والحمر
(٣٩) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة
(٤٠) وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر
(٤١) عن عمر بن الخطاب وحذيفة بن اليمان ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لم يأخذ من الخيل والرقيق صدقة.
(٤٢) عن حارثة بن مضرب أنه حج مع عمر بن الخطاب ﵁ فأتاه أشراف أهل الشام فقالوا يا أمير المؤمنين إنا أصبنا رقيقا ودواب
_________________
(١) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عراك عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (١) قال ابن رشيد أراد بذلك الجنس في الفرس والعبد لا الفرد الواحد، إذ لا خلاف في ذلك في العبد المنصرف والفرس المعد للركوب، ولا خلاف أيضا أنها لا تؤخذ من الرقاب، وإنما قال بعض الكوفيين تؤخذ منها بالقيمة (تخريجه) (ق. والأربعة. وغيرهم)
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هارون بن معروف حدثنا ابن وهب ثنا مخرمة بن بكير عن أبيه عن عراك بن مالك قال سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ قال ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر (تخريجه) (م)
(٣) عن عمر بن الخطاب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو اليمان ثنا أبو بكر بن عبد الله عن راشد بن سعد عن عمر بن الخطاب وحذيفة- الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وأورده الهيثمي، وقال رواه أحمد وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف لاختلاطه
(٤) عن حارثة بن مضرب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي قال قرأت على يحيى بن سعيد بن زهير قال ثنا أبو اسحاق عن حارثة بن مضرب- الحديث" (غريبه) (٢) بضم أوله وفتح ثانية الضاد المعجمة مكسورة هو العبدي
[ ٨ / ٢٣٤ ]
فخذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها وتكون لنا زكاة، فقال هذا شيء لم يفعله اللذان قبلي ولكن انتظروا حتى اسأل المسلمين (وعنه من طريق ثان) قال جاء ناس من أهل الشام إلى عمر ﵁ فقالوا إنا قد أصبنا أموالا وخيلا ورقيقا نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور، قال ما فعله صاحباي قبلي فأفعله، واستشار أصحاب محمد ﷺ وفيهم علي ﵁، فقال علي هو حسن إن لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها من بعدك
(٤٣) ز عن علي ﵁ قال سئل رسول الله ﷺ عن الحمير فيها زكاة؟ فقال ما جاء فيها شيء إلا هذه الآية الفاذة
_________________
(١) الكوفي ثقة (١) يعني النبي ﷺ وأبا بكر ﵁ (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي اسحق عن حارثة قال جاء ناس- الحديث" (٣) يؤخذ من ظاهر كلام علي ﵁ أنه لا يقول بجواز أخذ الزكاة من هذين النوعين، وإنما حسن الأخذ من الجماعة المذكورين لكونهم قد طلبوا من عمر ذلك والله أعلم (تخريجه) أورده الهيثم وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات.
(٢) "ز" عن علي ﵁ (سنده) حدثنا عبد الله ثنا أحمد بن محمد بن أيوب ثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي اسحق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ - الحديث" (غريبه) (٤) أي تركت لكم أخذ أركانها وتجاوزت عنه، وهذا لا يقتضي سبق وجوب ثم نسخه (تخريجه) (د. نس. ش) وسنده جيد.
(٣) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو معاوية قال ثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (٥) بالذال المعجمة المشددة، والمراد بالفاذة القليلة النظير والجامعة العامة المتناولة لكل خير ومعروف، ومعنى ذلك أنه لم ينزل على فيها نص بعينها، ولكن نزلت هذه الآية العامة، وقد يحتج بهذا من قال
[ ٨ / ٢٣٥ ]
(فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره)
_________________
(١) لا يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ، ويجاب بأنه لم يظهر له فيها شيء، ومحل ذلك الأصول (تخريجه) لم أقف على من رواه حديثا مستقلا غير الإمام أحمد، وهو طرف من حديث طويل رواه مسلم والإمام أحمد وتقدم في باب افتراض الزكاة رقم ١٢ صحيفة ١٩٣ وهو حديث صحيح (زوائد الباب) (عن ابن عباس) ﵄ عن النبي ﷺ قال قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق وليس فيما دون المائتين زكاة (طب. طس) وفيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام، لكن رواه النسائي بلفظه من حديث علي بسند جيد (وعن عبد الرحمن بن سمرة) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لا صدقة في الكسعة والحبهة والنخة، وفسره أبو عمر قال الكسعة الحمير. والجبهة الخيل. والنخة العبيد (طب) وفيه سليمان بن أرقم متروك (وعن سمرة بن جندب) ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا برقيق الرجال والمرأة الذين هم تلادة (أي نشأوا عنده وهم غلمته لا يريد بيعهم" فكان يأمرنا أن لا نخرج عنهم من الصدقة شيئا، وكان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع (طب) وروى أبو داود منه كان يأمرنا أن نخرج الصدقة عن الذي يعد للبيع (طب) وروى أبو داود منه كان يأمرنا أن نخرج الصدقة عن الذي يعد للبيع (طب) وروى أبو داود منه كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع فقط، وفي إسناده ضعف (وعن جابر بن عبد الله) ﵄ عن رسول الله ﷺ قال في الخيل السائمة في كل فرس دينار (طس) وفيه الليث بن حماد وغورك وكلاهما ضعيف (وعن ابن أبي خالد) عن شيبان بن عوف قال وكان أدرك الجاهلية قال أمر عمر بن الخطاب الناس بالصدقة؛ فقال الناس يا أمير المؤمنين خيل لنا ورقيق افرض علينا عشرة عشرة؛ فقال أما أنا فلا أفرض ذلك عليكم (ش) (وعن ابن جريج) قال أخبرني عبد الله بن أبي حسين أن ابن شهاب أخبره أن عثمان كان يصدق الخيل، وأن السائب عن أخت تمر أخبره أنه كان يأتي عمر بصدقة خيل (ش) (وعن ابن طاوس) عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال ليس في الفرس الغازي في سبيل الله صدقة (ش) (وعن مكحول) قال ليس في الخيل ولا الرقيق صدقة (ش) (وعن مالك) عن عطاء قال ليس في الخيل السائمة صدقة (ش) (وعن عبد الله بن دينار) قال سألت سعيد بن المسيب عن صدقة البراذين فقال أو في الخيل صدقة؟ (ش) (وعن مبارك عن الحسن) قال ليس في الخيل والبراذين والحمر صدقة (ش) (وعن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم) أنه كان لا يرى في الرقيق إذا كانوا للتجارة صدقة؛ ولكن بقومهم فيؤدي عنهم الزكاة (ش) (الأحكام) أحاديث الباب تدل على عدم وجوب الزكاة في الرقيق والخيل مطلقا إن كانت الخيل للركوب
[ ٨ / ٢٣٦ ]
والعبد للخدمة وسواء كانت الخيل إناثا أو ذكورا أو ذكورا وإناثا (وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء) وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عمر والشعبي والنخعي وعطاء والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والحاكم والثوري وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحق وأبي ثور وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة، وحكاه غيره عن عمر بن الخطاب والأوزاعي ومالك والشافعي والليث وداود (وقال حماد بن أبي سبيمان وأبو حنيفة) وزفر زيد بن ثابت تجب الزكاة في الخيل إذا كانت ذكورا وإناثا سائمة وصاحبها بالخيار، إن شاء أعطى عن كل فرس دينارا، وإن شاء قومها وأعطى ربع العشر عن كل مائتي درهم خمسة دراهم، وعن كل عشرين دينارا نصف دينار، ويعتبر فيها الحول دون النصاب، ولا نصاب فيها عند أبي حنيفة في المشهور عنه، وقيل نصابها ثلاثة أو خمسة، وأما المذكور الخلص والإناث، الخلص ففيها روايتان عن أبي حنيفة، والراجح عدم وجوبها في الذكر ووجوبها في الإناث، واحتج بما روى أبو يوسف عن غورك الحضرمي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال في الخيل السائمة في كل فرس دينار (والجواب) عن حديث غورك أنه ضعيف باتفاق المحدثين (قال الدارقطني) تفرد به غورك هو ضعيف جدا، واتفقوا على تضعيف غورك وهو مجهول، واحتجوا أيضا بالأثر المروي عن عمر ﵁ وبما روى عن عمر ﵁ أنه كان يأخذ من الرأس عشرة، ومن الفرس عشرة، ومن البرذون خمسة، ولأنه حيوان يطلب نماؤه من جهة السوم أشبه بالنعم (قال ابن قدامة في المغنى) أما عمر فإنما أخذ منهم شيئا تبرعوا به وسألوه أخذه وعوضهم عنه برزق عبيدهم، فروى الإمام أحمد بإسناده عن حارثة قال جاء ناس من أهل الشام إلى عمر فذكر الأثر المروي عن عمر في أحاديث الباب، ثم قال قال أحمد فكان عمر يأخذ منهم ثم يرزق عبيدهم، فصار حديث عمر حجة عليهم من وجوه (أحدها) قوله ما فعله صاحباي يعني النبي ﷺ وأبا بكر ولو كان واجبا لما تركا فعله (والثاني) أن عمر امتنع من أخذها ولا يجوز أن يمتنع من الواجب (الثالث) قول علي هو حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها من بعدك، فسمي جزية إن أخذوا بها، وجعل مشروطا بعدم أخذها به فيدل على أن أخذهم لذلك غير جائز (الرابع) استشارة عمر أصحابه في أخذه، ولو كان واجبا لما احتاج إلى الاستشارة (الخامس) أنه لم يشر عليه بأخذه أحد سوى علي بهذا الشرط الذي ذكره، ولو كان واجبا لأشاروا به (والسادس) أن عمر عوضهم عنه رزق عبيدهم، والزكاة لا يؤخذ عنها عوض، ولا يصح قياسها على النعم لأنها يكمل نماؤها وينتفع بدرها ولحمها. ويضحي بجنسها، وتكون هدايا وفدية عن محظورات الإحرام. وتجب الزكاة من عينها. ويعتبر كمال نصابها
[ ٨ / ٢٣٧ ]
(٨) باب زكاة الذهب والفضة
(٤٥) عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ قد عفوت لكم عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهما وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم (وعنه من
_________________
(١) ولا يعتبر قيمتها، والخيل بخلاف ذلك أهـ، ومن جملة ما يرد عليهم حديث علي عند أبي داود والإمام أحمد وسنده حسن، وسيأتي في الباب التالي مرفوعا "قد عفوت لكم عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة" فإن كانت الخيل والرقيق للتجارة ففيها الزكاة عند جمهور العلماء (وقالت الظاهرية) لا تجب الزكاة في الخيل والرقيق مطلقا لا لتجارة ولا لغيرها محتجين بظاهر حديث أبي هريرة "ليس على المسلم في فرسه ولا عبده صدقة" وأجيب عن ذلك بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره فيخص به عموم هذا الحديث (قال الشوكاني) ولا يخفى أن الإجماع على وجوب زكاة التجارة في الجملة لا يستلزم وجوبها في كل نوع من أنواع المال، لأن مخالفة الظاهرية في وجوبها في الخيل والرقيق الذي هو محل النزاع مما يبطل الاحتجاج عليهم بالإجماع على وجوبها، فالظاهر ما ذهب إليه أهله "يعني أهل الظاهر" والله أعلم (وفي أحاديث الباب أيضا) دليل على عدم وجوب الزكاة في الحمر إلا إذا كانت للتجارة، لأن النبي ﷺ سئل عن زكاتها فلم يذكر أن فيها الزكاة، والبراءة الأصلية مستصحبة، والأحكام التكليفية لا تثبت إلا بدليل، ولم أقف على أحد من أهل العلم، قال بوجوب الزكاة في الحمر لغير تجارة واستغلال والله أعلم بحقيقة الحال.
(٢) عن علي ﵁ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سريج ابن النعمان ثنا أبو عوانة عن أبي اسحق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ - الحديث" (غريبه) (١) أي تركت لكم أخذ زكاتها وتجاوزت عنه (٢) قال النووي الرقة بتخفيف القاف وكسر الراء هي الورق وهو كل الفضة، وقيل الدراهم خاصة، وأما قول صاحب البيان (قال أصحابنا) الرقة هي الذهب والفضة فغلط فاحش، ولم يقل أصحابنا ولا أهل اللغة ولا غيرهم إن الرقة تطبق على الذهب بل هي الورق، وأصلها ورقة بكسر الواو كالزنة من الوزن (٣) أي إذا بلغ النصاب مائتي درهم فأكثر، أما إذا نقص عن المائتين ولو درهما واحدا فليس فيه زكاة، ولهذا قال وليس في تسعين ومائة شيء، وتقدم مقدار الدرهم في شرح الحديث الأول من باب جامع لأنواع تجب فيها الزكاة رقم ٢٦ صحيفة ٢١٥ وسيأتي
[ ٨ / ٢٣٨ ]
طريق ثان) عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال قد عفوت لكم عن الخيل والرقيق وليس فيما دون مائتين زكاة
(٤٦) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا صدقة فيما دون خمس آواق ولا فيما دون خمسة أوسق ولا فيما دون خمس ذود.
(٤٧) وعن ابن عمر ﵄ عن النبي صلى الله عليه وعلى
_________________
(١) لذلك مزيد بحث في أحكام هذا الباب إن شاء الله (١) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا ابن نمير ثنا الأعمش عن أبي اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ عن النبي ﷺ - الحديث" (٢) أي مائتي درهم من الفضة (تخريجه) أخرج الطريق الأولى منه (د. مذ) وأخرج الطريق الثانية منه (نس) وقال الترمذي روى هذا الحديث الأعمش وأبو عوانة وغيرهما عن أبي اسحاق عن الحارث عن علي، وسألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث الأعمش وأبو عوانة وغيرهما عن أبي اسحق عن الحارث عن علي، وسألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث، فقال كلاهما عندي صحيح أهـ. وقد حسن هذا الحديث الحافظ. وقال الدارقطني الصواب وقفه على على
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرازق أنبأنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله - الحديث" (غريبه) (٣) تقدم معنى الأوقية وضبطها في شرح الحديث الأول من باب جامع لأنواع تجب فيها الزكاة رقم ٢٦ صحيفة ٢١٥ قال الحافظ ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهما بالاتفاق، والمراد بالدرهم الخالص من الفضة سواء كان مضروبا أو غير مضروب (٤) أي من التمر ونحوه كما صرح بذلك في رواية ابي سعيد وسيأتي زيادة إيضاح للوسق في زكاة الزرع والثمار (٥) يعني من الإبل، وتقدم تفسير الذود وشرحه في شرح حديث أنس في باب ما جاء في كتاب رسول الله ﷺ الذي جمع فيه فرائض الصدقة رقم ٢٥ صحيفة ٢١١ (تخريجه) (م) وروى نحوه الشيخان والإمام أحمد من حديث أبي سعيد وسيأتي في هذا الباب.
(٣) وعن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني ابي ثنا أبو النضر ثنا أبو معاوية يعني شيبان عن ليث عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ ليس
[ ٨ / ٢٣٩ ]
آله وصحبه وسلم مثله.
(٤٨) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لا صدقة فيما دون خمس من الإبل.
(٤٩) عن أنس بن مالك ﵁ في كتاب رسول الله ﷺ الذي جمع فيه فرائض الصدقة، قال وفي الرقة ربع العشور، فإذا لم يكن المال إلا تسعين ومائة درهم فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها
_________________
(١) فيما دون خمس من الإبل ولا خمس آواق ولا خمسة أوساق صدقة (تخريجه) أورده الهيثمي، وقال رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة لكنه مدلس.
(٢) عن أبي سعيد (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن اسحق قال حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه سمع يحيى بن عمارة بن أبي حسن وعباد بن تميم يحدثان أنهما سمعا أبا سعيد الخدري- الحديث" (غريبه) (١) هذا الحديث تقدم نحوه لأبي سعيد في أول باب جامع لأنواع تجب فيها الزكاة وتقدم شرحه هناك (تخريجه) (ق. والأربعة. وغيرهم).
(٣) (عن أنس بن مالك) هذا طرف من حديث طويل تقدم بطوله وسنده وشرحه في باب ما جاء في كتاب رسول الله ﷺ الذي جمع فيه فرائض الصدقة (غريبه) (٢) يعني إلا أن يتبرع صاحبها بشيء عن طيب نفس تطوعا لا واجبا عليه (تخريجه) (خ. د. نس) (زوائد الباب) (عن علي بن أبي طالب ﵁) عن النبي ﷺ قال إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا، فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، رواه (د) وصححه (خ) وحسنه الحافظ وفيه الحارث الأعور مختلف فيه (وعن أنس بن مالك) قال فرض محمد ﷺ في أموال المسلمين في كل أربعين درهما درهما، وفي أموال من لا ذمة له في كل عشرة دراهم درهم؛ أورده الهيثمي وقال رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات
[ ٨ / ٢٤٠ ]
إلا أنه قال تفرد به زنبيج، ورواه جماعة ثقات فوقفوه على عمر بن الخطاب (وعن ابي سعيد الخدري) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ليس فيما دون خمس آواق "يعني من فضة" صدقة وكانت تقوم مائتي درهم (ش) (وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال ليس في أقل من مائتي درهم شيء (ش) (وعن عاصم عن الحسن) قال كتب عمر إلى أبي موسى ﵁ فما زاد على المائتين، ففي كل اربعين درهم (وعن مكحول) قال ليس فيما زاد على المائتين شيء حتى يبلغ أربعين درهما (وعن جريج عن عطاء) قال حتى يبلغ أربعين درهما نيفا على المائتين فهي حينئذ ستة دراهم، ثم لا شيء حتى تبلغ ثمانين ومائتي درهم فهي سبعة دراهم، ثم كذلك (ش) (وعن علي ﵁) قال ليس في أقل من مائتي درهم شيء، فما زاد فبالحساب (وعن ابن عمر ﵄) مثله (وعن إبراهيم النخعي وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز) كذلك (ش).
(ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من الآثار في نصاب الذهب وما يؤخذ منه)
قال ﵀ حدثنا أبو بكر قال ثنا وكيع عن سفيان عن أبي اسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال ليس في أقل من عشرين دينارا شيء وفي عشرين دينارا نصف دينار. وفي أربعين دينارا دينارا، فما زاد بالحساب (وعن ابن سيرين) مثله، وعن الحسن مثله (وعن الشعبي) قال في عشرين مثقالا نصف مثقال، وفي أربعين مثقالا مثقال (وعن إبراهيم النخعي) قال ليس في اقل من عشرين مثقالا شيء، وفي عشرين نصف مثقال، وفي أربعين مثقالا مثقال (وعن محمد بن أبي بكر) عن ابن جريج قال قال عطاء لا يكون في مال صدقة حتى يبلغ عشرين دينارا ففيها نصف دينار، وفي كل أربعة وعشرين دينارا نصف دينار ودرهم (وعن زريق) مولى بني فزارة أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه حين استخلف خذ ممن مر بك من تجار المسلمين فيما يديرون من أموالهم كم كل أربعين دينارا دينارا، فما نقص فبحساب ما نقص حتى يبلغ عشرين، فإذا نقصت ثلث دينار فدعها لا تأخذ منها شيئا، واكتب لهم براءة بما تأخذ منهم إلى مثلها من الحول، وخذ ممن مر بك من تجار أهل الذمة فيما يظهرون من أموالهم ويريدون بها التجارات من كل عشرين دينارا دينارا، فما نقص فبحساب ما نقص حتى تبلغ عشرة دنانير، فإذا نقصت ثلث دينار فدعها لا تأخذ منها شيئا، واكتب لهم براءة إلى مثلها من الحول بما تأخذ منهم (وعن عبيدة) قال سألت إبراهيم "يعني النخعي" عن رجل له مائة درهم وعشرة دنانير، قال يزكي من المائة بدرهمين
[ ٨ / ٢٤١ ]
ونصف، ومن الدنانير برع دينار، وقال سألت الشعبي فقال يحمل الأكثر على الأقل أو قال الأقل على الأكثر، فإذا بلغت فيه الزكاة زكى (وعن عبيد الله بن عيد الله) قالت قلت لكمحول يا أبا عبد الله إن لي سيفا فيه خمسون ومائة درهم فهل على فيه زكاة؟ قال أضف إليه ما كان لك من ذهب وفضة، فإذا بلغ مائتي درهم ذهب وفضة فعليك فيه الزكاة (وعن أشعث عن الحسن) أنه كان يقول إذا كانت له ثلاثون دينارا ومائة درهم كان عليه فيها الصدقة، وكان يرى الدراهم والدنانير عينا كله (الاحكام) أحاديث الباب تدل على وجوب الزكاة في الفشة وهو مجمع عليه (وفيها أيضا) دليل على أن زكاتها ربع العشر، ولا أعلم أحدا خالف في ذلك (وفيها أيضا) دليل على اعتبار النصاب الفضة مائتا درهم إلا ابن حبيب الأندلسي فإنه قال إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم، وذكر ابن عبد البر اختلافا في الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلدان، قيل وبعضهم اعتبر النصاب بالعدد لا بالوزن وهو خارق للإجماع (قال الشوكاني) وهذا البعض الذي أشار إليه هو المريسي، وبه قال المغربي من الظاهرية كما في البحر، وقد قوى كلام هذا المغربي الظاهري (الصنعاني في شرح بلوغ المرام) وقال إنه الظاهر إن لم يمنع منه إجماع، وحكى في البحر عن مالك أنه يغتفر نصف الحبة والحبتين، ولابد أن يكون النصاب خالصا عن الغش كما ذهب إليه الجمهور (وقال المؤيد بالله والإمام يحيى) إنه يغتفر ما دون النصف أهـ (وفيما أوردنا في الزوائد) من الأحاديث والآثار دليل على وجوب الزكاة في الذهب أيضا (وفي الصحيحين) من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين الف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وهذا لفظ مسم (وفيها أيضا) دليل على أن نصاب الذهب عشرون دينارا فيها ربع العشر سواء أكان نصابا كاملا أم زاد زيادة قليلة أم كثيرة، فإذا نقص عن العشرين دينارا فلا شيء فيه، وإلى ذلك ذهب الأئمة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم وأحمد وجماعة فقهاء الأمصار) وقد جاء في بعض الأحاديث والآثار تحديد نصاب الذهب بعشرين دينارا، وفي بعضها بعشرين مثقالا، والتحديد واحد في كليهما، فالدينار مثقال في الوزن (قال في القاموس) في فصل الميم من حرف الكاف الدينار مثقال المثقال، درهم وثلاثة أسباع درهم، والدرهم ستة دوانيق، والدانق قيراطان، والقيراط طسوجان، والطسوج حبتان، والحبة سدس ثمن درهم، وهو
[ ٨ / ٢٤٢ ]
جزء من ثمانية وأربعين جزءا من درهم أهـ (وقالت طائفة) منهم الحسن بن أبي الحسن البصري، وأكثر أصحاب داود بن علي ليس في الذهب شيء حتى يبلغ صرفها مائتي درهم أو قيمتها، فإذا بلغت ففيها ربع عشرها كان وزن ذلك من الذهب عشرين دينارا أو أقل من ذلك أو أكثر، هذا فيما كان منها دون الأربعين دينارا، فإذا بلغت أربعين دينارا كان الاعتبار بها نفسها لا بالدراهم لا صرفا ولا قيمة (وسبب اختلافهم) في نصاب الذهب أنه لم يثبت في الصحيح عن النبي ﷺ كما ثبت ذلك في نصاب الفضة، وما روى الحسن بن عمارة من حديث على أنه ﵊ قال "هاتوا زكاة الذهب من كل عشرين دينارا نصف دينار" فليس عند الأكثر مما يجب العمل به لانفراد الحسن بن عمارة به، فمن لم يصح عنده هذا الحديث اعتمد في ذلك على الإجماع وهو اتفاقهم على وجوبها في الأربعين، وأما مالك فاعتمد في ذلك على العمل، ولذلك قال في الموطأ السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة يجب في عشرين دينارا كما تجب في مائتي دينارا كما تجب في مائتي درهم، وأما الذين جعلوا الزكاة فيما دون الأربعين تبعا للدراهم فإنه لما كان عندهم من جنس واحد جعلوا الفضة هي الأصل إذ كان النص قد ثبت فيهافجعلوا الذهب تابعا لها في القيمة لا في الوزن، وذلك فيما دون موضع الإجماع، ولما قيل أيضا إن الرقة اسم يتناول الذهب والفضة، وجاء في بعض الآثار ليس فيما دون خمس أواق من الرقة صدقة (واختلفوا أيضا فيما زاد على النصاب فيها) فذهب الجمهور إلى أن ما زاد على مائتي درهم من الوزن ففيه بحساب ذلك أعني ربع العشر، وممن قال بهذا القول الأئمة (مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وأحمد بن حنبل) وجماعة "وقالت طائفة" من أهل العلم أكثرهم أهل العراق لا شيء فيما زاد على المائتي درهم حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما، فإذا بلغتها كان فيها ربع عشرها وذلك درهم، وبهذا القول قال (أبو حنيفة وزفر) وطائفة من أصحابهما "وظاهر أحاديث الباب" أنه لا يكمل نصاب الدراهم بالذهب ولا عكسه حتى لو ملك مائتين إلا درهما، وعشرين مثقالا إلا نصفا أو غيره فلا زكاة في واحد منهما (وبه قال الشافعية وجمهور العلماء) حكاه ابن المنذر عن ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وشريك وأحمد وأبي ثور وأبي عبيد (قال ابن منذر) وقال الحسن وقتادة والأوزاعي والثوري (ومالك وأبو حنيفة) وسائر أصحاب الرأي يضم أحدهما الآخر (واختلفوا في كيفية الضم) فقال الأوزاعي يخرج ربع عشر كل وحد، فإذا كانت مائة درهم وعشرة دنانير أخرج ربع عشر كل واحد منهما (وقال الثوري) يضم القليل إلى الكثير (ونقل العبدري عن أبي حنيفة) أنه يضم الذهب إلى
[ ٨ / ٢٤٣ ]
الفضة بالقيمة، فإذا كانت له مائة درهم وله ذهب قيمته مائة درهم وجبت الزكاة، قال وقال (مالك وأبو يوسف وأحمد) يضم أحدهما إلى الآخر بالأجزاء، فإذا كان معه مائة درهم وعشرة دنانير أو خمسون درهما وخمسة عشر دينارا ضم أحدهما إلى الآخر، ولو كان له مائة درهم وخمسة دنانير قيمتها مائة درهم فلا ضم، وحجة القائلين بعدم الضم مطلقا قوله ﷺ "ليس فيما دون خمس آواق من الورق صدقة" (وفي حديث على المذكور في الزوائد) دليل على أنه بشترط تمام الحول في زكاة النقدين (قال النووي مذهبنا ومذهب مالك وأحمد) والجمهور أنه يشترط في المال الذي تجب الزكاة في عينه ويعتبر فيه الحول كالذهب والفضة والماشية وجود النصاب في جميع الحول، فإن نقص النصاب في لحظة من الحول انقطع الحول، والماشية وجود النصاب في جميع الحول من حين يكمل النصاب (وقال أبو حنيفة) المعتبر وجود النصاب في أول الحول وآخره، ولا يضر نقصه بينهما حتى لو كان معه مائتا درهم فتلفتت كلها في أثناء الحول إلا درهما أو أربعون شاة فتلفت في أثناء الحول إلا شاة ثم ملك في آخر الحول تمام المائتين وتمام الأربعين وجبت زكاة الجميع والله أعلم ج
(فائدة) نقل الإمام النووي ﵀ في شرح المهذب أقوال بعض من سلف من فطاحل العلماء ومحققيهم في بيان الدرهم والدينار أحببت ذكرها لأهميتها قال ﵀
(فصل في بيان حقيقة الدينار والدرهم ومبدأ أمرهما في الإسلام وضبط مقدارهما)
قال الإمام أبو سليمان الخطابي في معالم السنن في أول كتاب البيع في باب "المكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان أهل مكة" (١) قال معنى الحديث أن الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة وزن أهل مكة، وهي دراهم الإسلام المعدلة منها العشرة بسبعة مثاقيل، لأن الدراهم مختلفة الأوزان في البلدان، فمنها البغلي وهو ثمانية دوانيق، والطبري أربعة دوانيق، ومنها الخوارزمي وغيرها من الأنواع، ودراهم الإسلام في جميع البلدان ستة دوانيق وهو وزن أهل مكة الجاري بينهم، وكان أهل المدينة يتعاملون بالدراهم عددا وقت قدوم النبي ﷺ، ويدل عليه قول عائشة ﵂ في قصة شراها بريرة إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة فعلت، تريد الدراهم، فأرشدهم النبي ﷺ إلى الوزن وجعل العيار وزن أهل مكة، قال واختلفوا في حال الدراهم، فقال بعضهم لم تزل الدراهم على هذا العيار في الجاهلية والإسلام، وإنما غيروا السكك ونقشوها بسكة الإسلام، والأوقية أربعون
_________________
(١) (قال النووي) هذا حديث رواه أبو داود والنسائي بأسانيد صحيحة على شرط البخاري ومسلم من رواية ابن عمر ﵄؛ قال أبو داود وروى من رواية ابن عباس ﵄ ذكره أبو داود في كتاب البيوع والنسائي في الزكاة اهـ ج
[ ٨ / ٢٤٤ ]
درهما، ولهذا قال النبي ﷺ "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" وهي مائتا درهم، قال وهذا قول أبي العباس بن سريج (قال أبو عبيد) حدثني رجل من أهل العلم والعناية بأمر الناس ممن يعني بهذا الشأن أن الدراهم كانت في الجاهلية ضربين البغلية السوداء ثمانية دوانيق، والطبرية اربعة، وكانوا يستعملونها متقاصة مائة بغلية ومائة طبرية، فكان في المائتين منها خمسة دراهم زكاة، فلما كان زمن بني أمية قالوا إن ضربنا البغلية ظن الناس أنها التي تعتبر فيها الزكاة فيضر الفقراء، وإن ضربنا الطبرية ضر ارباب الأموال فجمعوا الدرهم البغلي والطبري وجعلوهما درهمين كل درهم ستة دوانيق "وأما الدينار" فكان يحمل إليهم من بلاد الروم؛ فلما أراد عبد الملك بن مروان ضرب الدنانير والدراهم سأل عن أوزان الجاهلية فأجمعوا له على أن المثقال اثنان وعشرون قيراطا إلا حبة بالشامي، وأن عشرة من الدراهم سبعة مثاقيل فضربها كذلك، هذا آخر كلام الخطابي (وقال الماوردي) في الأحكام السلطانية استقر في الإسلام وزن الدراهم ستة دوانيق كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، واختلف في سبب استقرارها على هذا الوزن، فقيل كانت الفرس ثلاثة أوزان. منها درهم على وزن المثقال عشرون قيراطا. ودرهم اثنا عشر. ودرهم عشرة، فلما احتيج في الإسلام إلى تقديره أخذ الوسط من جميع الأوزان الثلاثة، وهو اثنان وأربعون قيراطا فكان أربعة عشر قيراطا من قراريط المثقال (وقيل) إن عمر بن الخطاب ﵁ رأى الدراهم مختلفة منها البغلي ثمانية دوانيق. والطبري أربعة. والمغربي ثلاثة دوانيق. واليمني دانق واحد، فقال أغلب ما يتعامل الناس به من أعلاها وأدناها. فكان البغلي والطبري، فجمعهما فكانا اثنى عشر دانقا، فأخذ نصفهما فكان ستة دوانيق فجعله دراهم الإسلام (قال واختلف في أول من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان، قال أبو الزياد أمر عبد الملك بضربها في العراق سنة أربع وسبعين، وقال المدائني بل ضربها في آخر سنة خمس وسبعين، ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين (قال) وقيل أول من ضربها مصعب بن الزبير بأمر من أخيه عبد الله بن الزبير سنة سبعين على ضرب الأكاسرة ثم غيرها الحجاج، هذا آخر كلام الماوردي (وقال القاضي عياض) رحمه الله تعالى لا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن رسول الله ﷺ وهو يوجب الزكاة في إعداد منها وتقع بها البياعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة (قال) وهذا يبين أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك بن مروان وأنه جمعها برأي العلماء وجل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل ووزن الدرهم ستة دوانيق قول باطل، وإنما معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام وعلى صفة لا تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس
[ ٨ / ٢٤٥ ]
والروم، وصغارا وكبارا، وقطع فضة غير مضروبة، ولا منقوشة ويمنية ومغربية، فرأو صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه وتصييرها وزنا واحدا لا يختلف، وأحيانا يستغني فيها الموازين فجمعوا اصغرها وأكبرها وضربوه على وزنهم (قال القاضي) ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة وإلا فكيف كانت تعلق بها حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها وحقوق العباد، وهذا كما كانت الأوقية معلومة أربعين درهما، هذا كلام القاضي (وقال الرافعي وغيره) من أصحابنا أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن، وهو أن الدرهم ستة دوانيق، كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا الإسلام، هذا ما ذكره العلماء في ذلك (والصحيح الذي يتعين اعتماده) أن الدراهم المطلقة في زمن رسول الله ﷺ كانت معلومة الوزن معروفة المقدار وهي السابقة إلى الأفهام عند الإطلاق، وبها تتعلق الزكاة وغيرها من الحقوق والمقادير الشرعية، ولا يمنع من هذا كونه كان هناك دراهم أخرى أقل أو أكثر من هذا القدر؛ فإطلاق النبي ﷺ الدراهم محمول على المفهوم عند الإطلاق، وهو كل درهم ستة دوانيق؛ كل عشرة سبعة مثاقيل، وأجمع أهل العصر الاول فمن بعدهم إلى يومنا على هذا؛ ولا يجوز أن يجمعوا على خلاف ما كان في زمن رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين والله تعالى أعلم (وأما مقدار الدرهم والدينار) فقال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي في كتابه الأحكام، قال أبو محمد علي بن أحمد يعني ابن حزم بحثت غاية البحث عن كل من وثقت بتمييزه فكل اتفق على أن دينار الذهب بمكة وزنه ثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة من حب الشعير وعشر عشر حبة (فالرطل) مائة درهم وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم وهو تسعون مثقالا، وقيل مائة وثلاثون درهما، وبه قطع الغزالي والرافعي وهو غريب ضعيف هذا آخر ما نقله الإمام النووي ﵀ في شرح المهذب (وفي رسالة العلامة الشيخ مصطفى الذهبي) التي حرر فيها الدرهم والمثقال ما نصه، وأما الدرهم المتداول فدرهم شرعي كما امتحن بحب الخردل وبدرهم الملك قايتباي المختوم بختمه ومنه يركب الرطل، وهو بالبغدادي مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم، وبالمصري مائة وأربعة واربعون درهما فيزيد عن البغدادي ثلاثة أخماس خمسة، فالقلتان بالبغدادي مائة وثمانية وعشرون درهما واربعة أسباع درهم بالدرهم المعروف في زمانه، وما حرره الذهبي موافق أيضا للدرهم المعلوم في زماننا إذ الرطل المصري زنته الآن بمصر مائة وأربعة وأربعون درهما، ولم يثبت أن الدرهم تغير وزنه بعد زمن النووي بوزن آخر إلى عصرنا هذا، فينتج من ذلك أن الدرهم على حاله، ومما يؤيد ذلك أيضا
[ ٨ / ٢٤٦ ]
قول صاحب لسان العرب، وزنة المثقال هذا المتعامل به الآن درهم واحد وثلاثة أسباع درهم على التحرير يوزن به ما اختير وزنه به، وهو بالنسبة إلى رطل مصر الذي يوزن به عشر عشر رطل أهـ. ويستفاد من كلام صاحب اللسان معرفة زنة المثقال بالدراهم، وأن الرطل المصري يبلغ مائة مثقال، وأن مائة المثقال تبلغ مائة وثلاثة وأربعين درهما إلا سبعا بناء على أن الدرهم سبعة أعشار المثقال، وأن مائة المثقال تبلغ مائة وثلاثة وأربعين درهما إلا سبعا بناء على أن الدرهم سبعة أعشار المثقال، فينتج أن الرطل المصري يبلغ من الدراهم ذلك العدد وهو يعين أن الدرهم الحالي المستعمل هو بعينه الدرهم القديم، ولا يضر اعتبار الرطل المصري مائة وأربعة وأربعين درهما، فإن الفرق بين الاعتبارين قليل يمكن حمله على أن تحديد الرطل بمائة مثقال على التقريب حيث كان الفرق دون مثقال واحد (ومما ذكرنا) يعلم مقدار نصاب الزكاة في النقدين بالوزن كما كان في عصر الصحابة والتابعين (أما مقدار النصاب بالعملة المتداولة الآن) فقد ذكر الشيخ المرصفي في كتابه نخبة المقاصد نقلا عن العلامة الذهبي أنه ضبط النصاب بالنقود الموجودة بمصرنا سنة ١٢٥٦ هـ مع جبر الكسور الدقيقة فبلغ بالبند في خمسه وعشرين ونصفا (وبالمجر) خمسة وعشرين وتمانية اتسعاع (وبالجنيه) المجيدي ثلاثة عشر وربعا (وبالجنيه الإنجليزي) اثنى عشر وثمنا (وبالجنيه المصري) أحد عشر ونصفا وربعا وثمنا (وبالبينتو) الفرنساوي خمسة عشر وخمسي خمس (وبالبريال السنكو) سبعة وعشرين ونصف الثمن (وبالريال أبي مدفع) خمسة وعشرين ونصفا وربعا وقيراطين (وبالريال المجيدي) ثلاثين وثلاثة أخماس (وبالريال أبي مدفع) خمسة وعشرين وثلثين (وبالبشلك) اثنين وثلاثين وربعا أهـ، ورأيت في بعض الكتب الحسابية أن الريال المصري المستعمل الآن وزنة تسعة دراهم وعياره ثلاثة وثلاثون وثمانمائة من ألف فيكون ما فيه من الفضة الخالصة سبعة دراهم ونصف، وحينئذ فالنصاب منه ستة وعشرون وثلثان على ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة الذين يقولون لا زكاة في المغشوش حتى يبلغ خالصه نصابا، ويكون النصاب منه اثنان وعشرون ريالا وجزآن من تسعة أجزاء على ما ذهب إليه الحنفية والمالكية الذين يغتفرون الغش اليسير والله أعلم بحقيقة الحال وإليه المرجع والمآل.
(تتمة في زكاة الأوراق المالية (البنكنوت) الجاري بها التعامل الآن)
جاء في كتاب بهجة المشتاق في بيان حكم زكاة الأوراق للعلامة السيد أحمد بك الحسيني تغمده الله برحمته. أن أوراق البنكنوت هي سندات ديون فما كان منها مصرحا فيه بوجوب دفع مبلغه عند الطلب أو إذا لم يذكر وقت الأداء فهو ورق دين لا يشتبه فيه واحد من الناس، وما كان مكتوبا فيه أن صاحب الورقة أودع في خزينة الحكومة
[ ٨ / ٢٤٧ ]
مبلغا، وكان المعروف أن حامل الورقة متى طلب ذلك المبلغ دفع إليه من غير تأخير فكذلك أيضا، وإن كان مذكورا في الورقة أن مبلغها مدفوع أمانة فلا يخرج ذلك عن كون الورقة سند دين لما لا يختلف فيه أحد أن هذه الأمانات تتصرف فيها الحكومة بانواع التصرفات المغيرة لأعيانها وهذا إتلاف لها، فصارت الجكومة ضامنة لتلك الأمانات، وبهذا صارت دينا عليها وصار سند الأمانة في الحقيقة سند دين يأخذه وقت الطلب من بيده هذا السند، وما كان غير مكتوب عليه شيء وهو القليل جدا فمعروف من القوانين الخاصة بتلك الأوراق أن الجكومة التي أصدرت هذه الأوراق تدفع قيمتها من قدم إليها حامل الورقة وطلب قيمتها، فكل هذه الأوراق يما ذكر هي سندات ديون، ولذلك لو بحثنا عن ماهية كلمة (بنك نوت) لوجدناها من الاصطلاح الفرنسي، وقد نص لاروس وهو أكبر وأشهر قاموس للغة الفرنساوية الآن في تعريف أوراق ال بنك حيث قال "ورقة البنك هي ورقة عملة قابلة لدفع قيمتها عينا لدى الإطلاع لحاملها وهي يتعامل بها كما يتعامل بالعملة المعدنية نفسها. غير أنه ينبغي أن تكون مضمونة ليثق الناس بالتعامل بها" أهـ فقوله قابلة لدفع قيمتها عينا لدى الاطلاع لحاملها لم يجعل شكا في أنها سندات ديون، ولا عبرة بما توهمه عبارته من التعامل بها كما يتعامل بالعملة المعدنية، لأن معنى تلك العبارة الناس يأخذونها بدل العملة، ولكن مع ملاحظة أن قيمتها تدفع لحاملها وأنها مضمونة يدفع قيمتها، وهذا صريح في أن تلك الأوراق هي سندات ديون (ثم قال الحسيني ﵀) بقي أن المعاملة بهذه الأوراق إنما تخرج على قاعدة الحوالة لمن يجيز المعاملة بالمعاطاة من غير اشتراط صيغة، والحوالة كالبيع، فمن يقول بصحة البيع بالمعاطاة يقول بصحة الحوالة بالمعاطاة، وذلك هو مذهب (السادة الحنفية والسادة المالكية والسادة الحنابلة) فإنهم يجيزون المعاملة بالمعاطاة من غير اشتراط صيغة، وهناك قول وجيه في مذهب ÷السادة الشافعية) يجيز المعاملة بالمعاطاة، وأما أسهم الشركات وأوراق الديون المسماة بالبون، فإن المعاملة فيها لا يمكن تخريجها على قاعدة من قواعد الشرع، فإن تعامل أحد فحكمها حكم المقبوض بالعقود الفاسدة على الأصح، ومتى تلف ثمن الأوراق في يد بائعها يكون مثله أو قيمته باقيا على ملك مشتريها على تلك القاعدة وإن كانت من أسهم شركات تجارية ففيها زكاة التجارة وإلا إذا لم تكن أعمالها تجارية كشركة الترمواي والتليفون وما شابههما فلا زكاة إلا على المقبوض من المال منها إن حال عليه الحول، وكذلك يقال في سندات الديون التي يشتريها الأشخاص فمتى اعتبرها الشخص مملوكة له أي أنه مستحق للدين المكتوب في الورقة وجب عليه زكاة الدين كما مر، أما الربا المقبوض فلا يجوز أكله بحال من الأخوال، اللهم إلا أن بكون من مال الحربيين أو كان للشخص حق علىلحكومة بسبب ظلمها وأخذها الأموال
[ ٨ / ٢٤٨ ]
من غير مسوغ شرعي، فيجوز لمن له مثل ذلك الحق أن بأخذ ذلك الربا ويأكله، لكن ليس من حيث أنه ربا، وإنما لأنه من باب الطافر ببعض حقه والله أعلم؛ ثم ذكر ﵀ (حكم الزكاة في الدين الحال بشرطه وتعجيلها قبل قبض الدين على المذاهب الأربعة) مبتدئا بمذهب (السادة الشافعية) فقال، قال في مختصر المزني قال الشافعي وإن كان له دين يقدر على أخذه فعليه تعجيل زكاته كالوديعة، قال شارحه الماوردي في الحاوي الكبير قد مضت هذه المسألة مرتبة وسنذكرها على غير ذاك الترتيب ليكون التكرار مفيداـ قد مضت هذه المسألة مرتبة وسنذكرها على غير ذاك الترتيب ليكون التكرار مفيدا، اعلم أن قوله (له دين) لا يخلو من أحد الأمرين، إما أن يكون حالا أو مؤجلا "فإن كان مؤجلا" فعلى وجهين (أحدهما) وهو قول أبي اسحق يكون مالكا له، وفي زكاته قولان كالمال المغصوب (والقول الثاني) وهو قول أبي على بن أبي هريرة لا يكون مالكا له ولا زكاة فيه حتى يقبضه ويستأنف حوله "وإن كان الدين حالا" (فعلى ضربين- أحدهما) أن يكون على معسر فلا تلزمه زكاته قبل قبضه؛ فإذا قبضه فهل يزكيه لما مضى أو يستأنف حوله؟ على قولين (والضرب الثاني) أن يكون على موسر، فهذا على صربين (أحدهما) أن يكون جاحدا فلا زكاة عليه قبل قبضه، وبعد قبضه على قولين كالدين على المعسر (والضرب الثاني) أن يكون معترفا (فهذا على ضربين أحدهما) أن يكون مماطلا مدافعا، فلا زكاة فيما عليه كالمال الغائب، فإذا قدم فزكاة ما عليه واجبة لما مضى قولا واحدا وإن لم يقبضه، لأنه قادر على قبضه (والضرب الثاني) أن يكون حاضرا فزكاة ما عليه واجبة قبض أو لم يقبض، لأن هذا كالوديعة بل أحسن حالا منها لأنه في الذمة (فأما ما في ذمة العبد) من مال كتابته أو الحراج المضروب على رقبته فلا زكاة فيه على سيده حتى يقبضه ويستأنف حوله، لأنه ليس بدين لازم والله أعلم بالصواب (وأما مذهب السادة الحنفية) فقد ذكر في فتج القدير أن أبا حنيفة قسم الدين إلى ثلاثة أقسام (قوي) وهو بدل القرض ومال التجارة (ومتوسط) وهو بدل مال ليس للتجارة كثمن ثياب البذلة وعبد الخدمة ودار السكنى (وضعيف) وهو يدل ما ليس بمال كالمهر والوصية ويدل الخلع والصلح عن عدم العمد والدية وبدل الكتابة والسعاية، فقي القوى تجب الزكاة إذا حال الحول ويتراخى الأداء إلى أن يقبض أربعين درهما ففيها درهم، وكذا فيما زاد فبحسابه (وفي المتوسط) لا تجب مالم يقبض نصابا ويحول الحول عليه بعد القيض (وأما مذهب السادة المالكية) إذا لم يكن الدين ثمن عرض وكان حالا فيزكيه عن كل سنة ولو قبل قبضه (وأما مذهب السادة الحنابلة) فمن له دين على مليء باذل من قرض أو دين عروض تجارة أو ثمن مبيع وحال عليه الحول فكلما قبض شيئا أخرج زكاته لما مضى (وفي الدين على غير ملئ روايتان) الصحيح من
[ ٨ / ٢٤٩ ]
المذهب أنه كالدين على الملئ فيزكيه إذا قبضه لما مضى، إلى هنا انتهى ما نقله العلامة السيد أحمد بك الحسيني ﵀.
(وفي كتاب التبيان في زكاة الأئمان) لمعاصرنا العلامة الكبير الصالح الورع الجليل الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوي أحد كبار العلماء ووكيل مشيخة الأزهر ومدير المعاهد الدينية سابقا تغمده الله برحمته ما نصه (المطلب الخامس في زكاة الاوراق المالية الجاري يها التعامل الآن) اعلم أنه قد ورد إلينا بتاريخ ١١ ربيع الأول سنة ١٣٢٤ هجرية خطاب من أحد أهالي الفيوم يتضمن السؤال عن حكم زكاتها شرعا "وصورته" إذا وجد عن شخص ورقة بنكنوت قيمتها مائة جنيه مثلا وحال عليها هل تجب فيها الزكاة أو لا؟ فأجبناه إذ ذاك بوجوب الزكاة فيها تخرجا على زكاة الدين عند السادة الشافعية، لأن المزكي في الحقيقة هو المال المضمون بها (وتفصيل الجواب) أن الأوراق المالية الجاري بها التعامل الآن في القطر المصري معتبرة كمستندات ديون على شخص معنوي كما هو الظاهر من التعهد المرقوم عليها وصورته- أتعهد بأن أدفع لدى طلب مبلغ كذا لحامله، تحرر هذا السند بنقتضى الدكريتور المؤرخ في ٢٥ يونيو سنة ١٨٩٩ - عن البنك الأهلي المصري الإمضاء.
(وفي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة) المطبوع على نفقة وزارة الأوقاف بمصر والذي اشترك في تأليفه علماء المذاهب الأربعة ما نصه - أما الأوراق المالية البنكنوت فهي وإن كانت سندات دين إلا أنها يمكن صرفها فضة فورا، وتقوم مقام الذهب في التعامل فتجب فيها الزكاة متى بلغت قيمتها نصابا ووجدت باقي الشروط المعتبرة في وجوب الزكاة، وقد ذيل هذا الحكم في الكتاب المكور بما يلي (الشافعية) قالوا الورق النقدي وهو المسمى البنكنوت التعامل به في صورة حوالة على البنك بقيمة إلا أنها غير صحيحة شرعا لعدم وجود الإيجاب والقبول لفظا بين المعطي والآخذ، وعلى ذلك فلا تجب الزكاة على مالكه إلا إذا قبض قيمته ذهبا أو فضة ومضى على هذه القيمة حول كامل (الحنابلة) قالوا لا تجب زكاة الورق النقدي إلا إذا صرف ذهبا أو فضة ووجد فيه شروط الزكاة السابقة أهـ من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (قلت) يعلم مما أوردنا في هذه التتمة أن الورق المالي المسمى (بالبنكنوت) تجب فيه الزكاة كزكاة الدين الحال على الموسر الذي يمكنه الدفع، وأما تعليل السادة الشافعية عدم صحة الحوالة بعدم وجود الإيجاب والقبول لفظا بين المعطي والآخذ فغير متفق عليه، فإن الإئمة الثلاثة (أبا حنيفة ومالك وأحمد) ﵏ يقولون بصحة الحوالة بالمعاطاة من غير شرط صيغة
[ ٨ / ٢٥٠ ]
وأما قولهم (أعني الشافعية) بعدم وجوب الزكاة في الورق المذكور إلا إذا قبضت قيمته ذهبا أو فضه ومضى على هذه القيمة حول كامل بحجة عدم الإيجاب والقبول بين الآخذوالمعطي، ففي هذا منافاة لما تقتضيه حكمة التشريع وضياع لحق الفقير، لأننا نجد البنوك مكدسة بالأوراق المالية وديعة للموسرين من الناس، وبعضهم يحفظها في خوانة بيته السنين الطوال ولا يصرف منها إلا لحاجته الوقتية، فلو قلنا بعدم الزكاة للعلة التي ذكروها لما وجبت الزكاة على أحد، وهذا غير معقول، فالذي أراه حقا وأدين الله عليه أن حكم الورق المالي كحكم النقدين في الزكاة سواء بسواء، لأنه يتعامل به كالنقدين تماما ولأنه مالكه يمكنه صرفه وقضاء مصالحه به في أي وقت شاء، فمن ملك النصاب من الورق المالي ومكث عنده حولا كاملا وجبت عليه زكاته باعتبار زكاة الفضة، لأن الذهب غير ميسور الآن ولا يمكنه صرف ورقة بقيمتها ذهبا، هذا ما ظهر لي والله أعلم بحقيقة الحال وإليه المرجع والمآل.
[ ٨ / ٢٥١ ]
-[رموز واصطلاحات تختص بالشرح]-
بسم الله الرحمن الرحيم
(٩) باب زكاة الزرع والثمار
(٥٠) عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال
_________________
(١) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن (رموز وصطلاحات تختص بالشرح) (خ) للبخارى فى صحيحه (م) لمسلم (ق) لهما (د) لأبى داود (مذ) للترمذى (نس) للنسائى (جه) لابن ماجه (الأربعة) لأصحاب السنن الأربعة، أبى داود. والترمذى. والنسائى وابن ماجه (ك) للحاكم فى المستدرك (حب) لابن حبان فى صحيحه (خز) لابن خزيمة فى صحيحه (بز) للبزار فى سمنده (طب) للطبرانى فى معجمه الكبير (طس) له فى الأوسط (طص) له فى الصغير (ص) اسعيد بن منصور فى سننه (ش) لابن أبى شيبة فى مصنفه (عب) لعبد الرزاق فى الجامع (عل) لأبى يعلى فى مسنده (قط) للدار قطنى فى سننه (حل) لأبى نعيم فى الحلية (هق) للبيهقى فى السنن الكبرى (لك) للأمام مالك فى الموطأ (فع) للأمام الشافعى، فان اتفقا على إخراج حديث قلت أخرجه الأمامان (مى) للدرامى فى مسنده (طح) للطحاوى فى معانى الآثار، وهؤلاء هم أصحاب الأصول والتخريج ﵏، أما الشراح وأصحاب كتب الرجال والغريب ونحوهم فاليك ما يختص بهم (طرح) للحافظ أبى زرعة بن الحافظ العراقى فى كتابه طرح التثريب (نه) للحافظ ابن الأثير فى كتابه النهايا (خلاصة) للحافظ الخزرجى فى كتابه خلاصة تذهيب الكمال فى أسماء الرجال، ثم إذا قلت قال الحافظ وأطلقت فمرادى به الحافظ ابن حجر العسقلانى فى فتح البارى شرح البخارى، فان كان فى غيره بينته (وإذا قلت) قال النووى فالمراد به فى شرح مسلم، فان كان فى المجموع فالرمز له (ج) وإذا قلت قال المنذرى فالمراد به الحافظ زكى الدين عبد العظيم عبد القوى المنذرى فى كتابه الترغيب والترهيب (وإذا قلت) قال الهيثمى فالمراد به الحافظ على بن أبى بكر بن سليمان الهيثمى فى كتابه مجمع الزوائد (وإذا قلت) قال فى التنقيح فالمراد به المحدث (*)
[ ٩ / ٢ ]
-[يؤخذ العشر زكاة الزرع إذا سقى الزرع بالمطر والعيون، ونصف العشر إذا سقى بالآلة]-
فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سقت السَّانية نصف العشر (وعنه من طريقٍ ثانٍ) أنَّ رسول الله ﷺ قال فيما سقت الأنهار
_________________
(١) ثنا ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر- الحديث» (غريبه) (١) يعنى المطر أو الثلج أو البرد أو الطل، تسمية للحال باسم المحل لأنه ينزل من السماء، قال تعالى ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾ (والعيون) جمع عين وهى الشق فى الأرض أو فى الجبل ينبع منه الماء ثم يجرى على وجه الأرض (٢) هو البعير الذى يسقى به الماء من البئر ويقال له الناضج، يقال منه سنًا يسنو سنوًا إذا استقى به (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هارون ثنا ابن وهب حدثنى عمرو بن الحارث حدثنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يذكر أن رسول الله ﷺ قال فيما سقت الأنهار- الحديث» (٤) جمع نهر وهو الماء الجارى المتسع كالنيل والفرات ونحوهما (والغيم) بفتح الغين المعجمة هو المطر، وجاء فى بعض الروايات (الغبل) باللام، قال أبو عبيد هو ما جرى من المياه فى الأنهار وهو سيل دون (*) الشهير أبو الوزير أحمد حسن فى كتابه تنقيح الرواة فى تخريج أحاديث المشكاة (وإذا قلت) قال فى المنتقى فالمراد به الحافظ مجد الدين عبد السلام المعروف بابن تيمية الكبير المتوفى سنة ٦٢١ جد ابن تيمية المشهور شيخ ابن القيم (وإذا قلت) قال الشوكانى فالمراد به المحدث الشهير محمد ابن على بن محمد الشوكانى فى كتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، فان نقلت عن غير هؤلاء ذكرت أسناءهم كتبهم رحمة الله عليهم أجمعين (تنبيه) يجذ القارئ بالاستقراء من أول الكتاب إلى نهاية الجزء السابع أنى أورد فى الشرح فى آخر كل باب قبل الأحكام ما يتيسر لى من الأحاديث الزائدة على ما أخرجه الأمام أحمد فى الباب سواء أكانت فى الصحاح أو السنن أو المعاجم أو الجوامع أو المسانيد وسواء كانت صحيحة أو حسنة أو ضعيفة ضعفًا يقوى بغيرها من طرق أخرى، وهذا الأخير لا أذكره إلا نادرًا معرضًا عن ذكر الأحاديث الشديدة الشعف لأنها لا يعمل بها ولا فائدة فى ذكرها قاصدًا بذلك أن يكون (كتابى هذا أجمع كتاب) فى علم السنة لا يحتاج مقتنيه إلى غيره، ولما كانت هذه الأحاديث الزائدة تزداد فى كل جزء عن سابقه بحسب زيادة المواد التى لم تكن موجودة قبل ذلك وكان لها ارتباط بالأحكام وتكثر الأشارة اليها فى الشرح؛ رأيت أن أترجم لها بعنوان (زوائد الباب) وتكون الأشارة اليها بلفظ الزوائد (فاذا قلت) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على كذا أو حديث عمر مثلًا الذى فى الزوائد (فاذا قلت) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على كذا أو حديث عمر مثًلا الذى فى الزوائد يدل على كذا، فمرادى بلفظ الزوائد ما زدته فى الشرح من الأحاديث التى تناسب الباب لغير الأمام أحمد، فتنبه والله الهادي
[ ٩ / ٣ ]
-[يؤخذ العشر زكاة الزرع إذا سقى الزرع بالمطر والعيون، ونصف العشر إذا سقى بالآلة]-
والغيم العشور وفيما سقت السانية نثف العشور
(٥١) ز حدّثنا عبد الله حدَّثنى عثمان بن أبى شيبة حدَّثنا جريرٌ عن محمَّد بن سالمٍ عن أبى إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فيما سقت السَّماء ففيه العشر وما سقى بالغرب والدَّابَّة ففيه نصف العشر، قال أبو عبد الرَّحمن فحدَّثت أبى بحديث عثمان عن جريرٍ فأنكره جدًا وكان أبى لا يحدِّثنا عن محمَّد بن سالمٍ لضعفه عنده وإنكاره لحديثه
(٥٢) عن أبى هريرة ﵁ عن النبىِّ صلَّى الله عليه وعلى آله
_________________
(١) السبل الكبير (وقال ابن السكيت) هو الماء الجارى على الأرض (والعشور) قال النووى ضبطناه بضم العين جمع عشر (وقال القاضى عياض) ضبطناه عن عامة شيوخنا بفتخ العين وقال وهو اسم للمخرج من ذلك (وقال صاحب المطالع) أكثر الشيوخ يقولونه بالضم وصوابه الفتح (قال النووى) وهذا الذى ادّعاه من الصواب ليس بصحيح، وقد اعترف بأن أكثر الرواة رووه بالضم وهو الصواب جمع عشر، وقد اتفقوا على قولهم عشور أهل الذمة بالضم ولا فرق بين اللفظين (تخريجه) (م. د. نس. قط) باختلاف فى بعض الألفاظ
(٢) «ز» حدّثنا عبد الله (غريبه) (١) الغرب بسكون الراء الدلو العظيمة التى تتخذ من جلد ثور، فاذا فتحت الراء فهو الماء السائل بين البئر والحوض (نه) وقوله والدابة) يعنى البعير الذى يسقى به الماء كما تقدم وهو المعبر عنه بالسانية فى الحديث السابق وتقدم شرحه (٢) هو عب الله بن الأمام أحمد رحمهما الله (تخريجه) لم أقف عليه بهذا لغير عبد الله بن الأمام أحمد، وفى إسناده محمد بن سالم ضعفه الأمام أحمد كما فى متن الحديث، ورواه ابن أبى شيبة بسند جيد موقوفًا على علىّ ﵁ ولفظه «قال فيما سقت السماء وكان سيحًا العشر وما سقى بالدالية فنصف العشر»
(٣) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على بن اسحاق قال أنا عبد الله قال أنا معمر قال حدثنى سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبي هريرة
[ ٩ / ٤ ]
-[أول نصاب الزرع والثمار]-
وصحبه وسلَّم قال ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةٌ، ولا فيما دون خمس آواقٍ صدقةٌ، ولا فيما دون خمس ذودٍ صدقةٌ
(٥٣) عن أبى سعيد الخدرىِّ ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ليس فيما دون خمسة أوساقٍ من تمرٍ ولا حبٍ صدقةٌ
_________________
(١) - الحديث» (غريبه) (١) جمع وسق بفتح الواو وسكون السين، ويجمع أيضًا على وسوق مثل فلس وفلوس، وحكى بعضهم فيه لغة أخرى وهى كسر الواو، ويجمع على أوساق مثل حمل وأحمال (قال الأزهرى) الوسق ستون صاعًا بصاع النبى ﷺ، والصاع خمسة أرطال وثلث، والوسق على هذا الحساب مائة وستون منّا؛ والوسق ثلاثة أقفزة اهـ، وسيأتى فى حديث أبى سعيد أن النبى ﷺ قدّر الوسق بستين صاعًا (قال النووى) والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادى، وفى رطل بغداد أقوال، أظهرها أنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وقيل مائة وثمانية وعشرون بلا أسباع، وقيل مائة وثلاثون، فالأوسق الخمسة ألف وستمائة رطل بالبغدادى، وهل هذا التقدير بالأرطال تقريب أم تحديد؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما تقريب، فاذا نقص عن ذلك يسيرًا وجبت الزكاة، والثانى تحديد فمتى نقص شيئًا وان قل لم تجب الزكاة اهـ (تخريجه) (هق) وسنده جيد
(٢) عن أبى سعيد الخدرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع عن اسماعيل بن أمية عن محمد بن يحيى بن حبان عن يحيى بن عمارة عن أبى سعيد الخدرى- الحديث» (غريبه) (٢) هكذا بالأصل أوساق، وكذا فى رواية عند مسلم (قال النووى) وهو صحيح جمع وسق بكسر الواو كحمل وأحمال، وقد سبق أن الوسق بفتح الواو وبكسره، وقوله ﷺ (من تمر) هو بفتح التاء المثناة واسكان الميم، وفى رواية محمد بن رافع عن عبد الرازق من ثمر بفتح المثلثة وفتح الميم اهـ والمراد به ثمر النخل إذا صار تمرًا، ومثله كرم العنب إذا صار زبيبًا، وهما المعبر عنهما فى الترجمة بالثمار، وإنما وجبت فيهما الزكاة دون غيرهما من الثمار لأنهما من الأقوات والأموال المدخرة المقتاتة فهى كالانعام والمواشى، أما غيرهما كالتين والتفاح والرمان ونحو ذلك فلا زكاة فيه، لأنه ليس من الاموال المقتاتة المدخرة (٣) المراد بالحب هنا كل ما تخرجه الأرض مما يقتات ويدخر كالحنطة والشعير والذرة والدخن والأرز ونحو ذلك، وهذه الأصناف هى المعبرة عنها فى الترجمة بالزرع لأنها مما يزرعه الأنسان للاقتيات به (تخريجه) (م. نس. هق)
[ ٩ / ٥ ]
-[مقدار الوسق بالصاع - وما المراد بالبحرين فى الحديث]-
(٥٤) وعنه أيضًا قال قال رسول الله ﷺ الوسق ستُّون صاعًا (وعنه من طريقٍ ثانٍ) يرفعه إلى النَّبىَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال ليس فيما دون خمسة أو ساقٍ صدقةٌ والوسق ستُّون مختومًا
(٥٥) عن العلاء ءبن الحضرمىِّ ﵁ قال بعثنى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم إلى البحرين أو أهل هجر شكَّ أبو حمزة
_________________
(١) وعنه أيضًا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أحمد بن عبد الملك ثنا شريك عن ابن أبى ليلى عن عمرو بن مرة عن أبى البخترى عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله ﷺ الوسق ستون صاعًا (١) «وعنه من طريق ثان» (سنده) حدّثنا عبد الله أبى ثنا يعلى ثنا إدريس الأودى عن عمرو بن مرة عن أبى البخترى عن أبى سعيد يرفعه إلى النبى ﷺ- الحديث» (غريبه) (٢) أى ستون صاعًا معلمًا بخاتم فى أعلاه، ووصف بكونه مختومًا لأن الأمراء ختمته لئلا يزاد عليه أو ينقص منه (تخريجه) (جه) وأخرجه أيضًا (قط. حب) من طريق عمرو بن أبى يحيى عن أبيه عن أبى سعيد، وأخرجه أيضًا (نس. د. جه) من طريق أبى البخترى عن أبى سعيد، قال أبو داود أبو البخترى لم يسمع من أبى سعيد (قلت) يشير بذلك إلى أنه منقطع، وقال أبو حاتم لم يدركه، وأخرج البيهقى نحوه من حديث ابن عمر، وابن ماجه من حديث جابر واسناده ضعيف، وأخرج الطريق الثانية من حديث الباب أبو داود أيضًا من طريق أبى البخترى عن أبى سعيد وقد علمت ما فيه
(٢) عن أبى العلاء (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى يحيى بن معين قالا ثنا عتاب بن زياد أبو حمزة قال سمعت المغيرة الأزدى عن محمد بن زيد عن حيان الأعرج عن العلاء بن الحضرمى- الحديث» (غريبه) (٣) هو أحد رجال السند يشك هل قال الراوى الذى فوقه «الى البحرين أو إلى أهل هجر» والبحرين اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان قيل هى قصبة هجر (أى عاصمتها) وقيل هجر قصبة البحرين، وقد عدها قوم من اليمن، وجعلها آخرون قصبة برأسها وفيها عيون ومياه وبلاد واسعة، وربما عد بعضهم اليمامة من أعمالها، والصحيح أن اليمامة عمل برأسه فى وسط الطريف بين مكة والبحرين، كذا فى معجم ياقوت، وقال أبو منصور الأزهرى إنما سمو البحرين لأن فى ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء، وقرى هجر بينها وبين البحر الأخضر
[ ٩ / ٦ ]
-[الأصناف التي تؤخذ منها زكاة الزرع والثمار]-
قال كنت آتي الحائط يكون بين الإخوة فيسلم أحدهم فآخذ من المسلم العشر ومن الآخر الخراج
(٥٦) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال أمر رسول الله ﷺ من كلِّ جادٍ عشرة أوسقٍ من تمرٍ بقنوٍ يعلق فى المسجد للمساكين
(٥٧) عن موسى بن طلحة قال عندنا كتاب معاذٍ ﵁ عن النَّبىِّ ﷺ أنَّه إنَّما أخذ الصِّدقة من الحنطة والشَّعير والزَّبيب والتَّمر
_________________
(١) عشرة فراسخ، قال وقدرت هذه البحيرة ثلاثة أميال فى مثلها ولا يغيض ماؤها، وماؤها راكد زعاق (أى ملح) اهـ (١) الحائط هنا البستان من النخيل إذا كان عليه حائط، وهو الجدار (٢) أى فيما زاد عن خمسة أوسق وسقى بالمطر أو كان بعلًا وهو ما شرب من النخيل بعروقه من الأرض من غير مطر ولا غيره (والخراج) هو دينار عن كل مكلف ذكر من غير المسلمين يعطى للمصدق أو قيمته مما يحصل من غلة الأرض، ولذلك أطلق على الجزية (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا احمد ابن عبد الملك ثنا محمد بن مسلمة عن محمد بن اسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان بن عبد الله- الحديث» (غريبه) (٣) جاد بتشديد الدال منونًا ومن زائدة وعشرة مفعول له أى أمر كل قاطع عشرة أوسق من التمر الخ. وتقدم فى حديث أبى سعيد أن الوسق ستون صاعًا ويحتمل أن يكون الجاد بمعنى المجدود أى المقطوع. وحكى الخطابى عن ابراهيم الحربى قال يريد قدرًا من النخل. يجدُّ منه عشرة أوسق اهـ وفى المصباح جده جدًا من باب قتل قطعه فهو حديد، فعيل بمعنى مفعول وهذا زمن الجداد بفتح أوله وكسره وأجد النخل حان جداده وهو قطعه اهـ (٤) القنو بكسر القاف على وزن سدر هو العذق بما عليه من رطب وبسر (٥) قال الخطابى وهذا من صدقة المعروف لا القرض (تخريجه) (د) وفيه محمد بن اسحاق ثقة ولكنه مدلس، والمدلس إذا عنعن لا يوثق بحديثه
(٣) عن موسى بن طلحة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرحمن بن مهدى ثنا سفيان عن عمرو بن عثمان يعنى ابن موهب عن موسى بن طلحة- الحديث» (تخرجيه) (هق. ك) وقال هذا حديث قد احتج بجميع رواته
[ ٩ / ٧ ]
-[زوائد الباب فى زكاة الزرع والثمار]-
_________________
(١) ولم يخرجاه وموسى بن طلحة تابعى كبير لم ينكر له أنه يدرك أيام معاذ ﵁ اهـ (قلت) وأقره الذهبى وقال على شرطهما (زوائد الباب) (عن ابن عمر) ﵄ أن النبى ﷺ قال فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سقى بالنضج نصف العشر (خ. والأربعة) لكن لفظ النسائى وأبى داود وابن ماجه بعلا بدل عثريًا (قلت) المعنى واحد وعثريًا بفتح أوله وثانيه وتشديد التحتانية وهو الذى يشرب بعروقه من غير سقى كأن يغرس فى أرض يكون الماء قريبًا من وجهها فتصل اليه عروق الشجر فيستغنى عن السقى، والبعل كذلك هو بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة (وعن اسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله) عن عمه موسى بن طلحة عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر، وفيما سقى بالنضج نصف العشر، وإنما يكون ذلك فى التمر والحنطة والحبوب، وأما القثّاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه رسول الله ﷺ (رواه الحاكم) وقال هذا حديث صحيح الأسناد ولم يخرجاه وله شاهد با سناد صحيح (قلت) ذكر الحاكم شاهده بسنده عن أبى موسى ومعاذ بن جبل ﵄ حين بعثهما رسول الله ﷺ إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم «لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة، الشعير. والحنطة. والزبيب. والتمر» وصحيح الذهبى الحديث وشاهده (وروى البيهقى) حديث أبى موسى ومعاذ وقال رواته ثقات وهو متصل، وأورده الهيثمى وقال رواه (طب) ورجاله رجال الصحيح (وعن عمر) ﵁ قال إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة فى هذه الأربعة، فذكرها وهو من رواية موسى بن طلحة عن عمر قال أبو زرعة موسى عن عمر مرسل (وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده بلفظ إنما سن رسول الله ﷺ الزكاة فى الحنطة والشعير والتمر والزبيب رواه الدار قطنى وابن ماجه وزاد (والذرة) وفى إسناده محمد بن عبد الله العزيزى وهو متروك (وروى البيهقى) من طريق مجاهد قال لم تكن الصدقة فى عهد النبى ﷺ إلا فى خمسة فذكرها (وأخرج أيضًا) من طريق الحسن فقال لم يفرض الصدقة النبى ﷺ إلا فى عشرة فذكر الخمسة المذكورة والابل والبقر والغنم والذهب والفضة (وحكى أيضًا) عن الشعبى أنه قال كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن انما الصدقة فى الحنطة والشعير والتمر والزبيب (وعن عطاء بن السائب) قال أراد عبد الله بن المغيرة أن يأخذ من أرض موسى ابن طلحة من الخضروات صدقة، فقال له موسى بن طلحة ليس لك ذلك، إن رسول الله ﷺ كان يقول ليس فى ذلك صدقة، رواه الأثرم فى سننه وهو من أقوى المراسيل لاحتجاج من أرسله به، قاله صاحب المنتقى (وعن عائشة) ﵄ قالت جرت
[ ٩ / ٨ ]
-[زوائد الباب - ومذاهب العلماء فى زكاة الزرع]-
_________________
(١) السنة من رسول الله ﷺ فى صداق النضاء اثنا عشر أوقية، والوقية أربعون درهمًا، فذلك ثمانون وأربعمائة، وجرت السنة من رسول الله ﷺ فى الغسل من الجنابة صاع، والوضوء رطلين، والصاع ثمانية أرطال، وجرت السنة فيما أخرجت الأرض من الحنطة والشعير والزبيب والتمر إذا بلغ خمسة أوسق، والوسق ستون صاعًا فذلك ثلاثمائة صاع بهذا الصاع الذى جرت به السنة، وجرت السنة منه يعنى النبى ﷺ أنه ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة، ولوسق ستون صاعًا بهذا الصاع فذلك ثلاثمائة صاع، أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى في الأوسط وفيه صالح أبو موسى الطلحى وهو ضعيف، وروى ابن أبى شيبة في مصنفه قال حدثنا أبو بكر قال حدثنا ابن مبارك عن معمر عن الزهرى في الزيتون قال هو يكال فيه العشر (وعن طاوس عن ابن عباس) ﵄ قال فى الزيتون العشر ﴿وعن رجاء بن أبى سلمة﴾ قال سألت يزيد بن يزيد بن جابر عن الزيتون فقال عشّرة عمر بن الخطاب بالشام ﴿وعن عطاء﴾ الخراسانى قال فيه العشر، روى هذه الآثار ابن أبى شيبة ﴿الأحكام﴾ أحاديث الباب تدل على وجوب الزكاة في الزرع والثمار؛ لكن منها ما هو عام كحديث جابر الأول من أحاديث الباب، وحديث علّى الذى يليه، وحديث ابن عمر المذكور في أول الزوائد، فانها بعمومها ظاهرة في عدم اشتراط النصاب، وفى إيجاب الزكاة في كل ما يسقى بمؤنة وبغير مؤنة، وسواء كان خمسة أوسق أو دونها لا فرق بين الخضروات وغيرها، لكنها عند الجمهور مختصة بالمعنى التي سيقت لأجله وهو التمييز بين ما يجب فيه العشر أو نصف العشر، بخلاف حديث أبى هريرة الثالث من أحاديث الباب فانه مخصص لها، لأن قوله «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» خاص بقدر النصاب، وحديث أبى سعيد الذى يليه مساق لبيان جنس المخرج منه وقدره فأخذ به الجمهور، وأصرح منه في بيان الجنس الذى تجب فيه الزكاة حديث موسى بن طلحة (آخر أحاديث الباب) وحديث أبى موسى ومعاذ المذكور في الزوائد وما ذكر في الزوائد أيضًا من المراسيل (قال البيهقى) هذه المراسيل طرقها مختلفة وهى يؤكد بعضها بعضًا ومعها حديث أبى موسى، ومعها قول عمر وعلّى وعائشة «ليس في الخضروات زكاة» (قال الشوكانى) فلا أقل من انتهاض هذه الأحاديث لتخصيص تلك العمومات التي قد دخلها التخصيص بالأوساق والبقر العوامل وغيرها، فيكون الحق ما ذهب اليه الحسن البصرى والحسن بن صالح والثورى والشعبى من أن الزكاة لا تجب إلا في البر والشعير والتمر والزبيب لا فيما عدا هذه الأربعة مما أخرجت الأرض، وأما زيادة الذرة في حديث عمرو بن شعيب (تقدم في الزوائد) فقد عرفت أن في إسناده متروكًا، ولكنها معتضدة بمرسل مجاهد والحسن اهـ (قلت) مرسل مجاهد
[ ٩ / ٩ ]
-[مذاهب العلماء في زكاة الزرع والثمار]-
_________________
(١) والحسن تقدمًا في الزوائد أيضًا. ومن ذلك يعلم أن الذرة مما وجبت فيها الزكاة، وإلى ذلك ذهبت الأئمة الأربعة، وقال الرافعى قد ثبت أخذ الصدقة من الذرة بأمر النبى ﷺ اهـ فأحاديث الذرة وإن كان في بعضها مقال لكن يقوّى بعضها بعضًا، وأيضًا فالاحتياط لجانب الفقراء وجوب الزكاة فيها (ويستفاد) من حديث جابر وعلىّ ﵄ وهما الأول والثانى من أحاديث الباب؛ ومن حديث ابن عمر المذكور في الزوائد أنه يجب العشر في الزرع إذا سقى بغير آلة ونصف العشر إذا سقى بالنواضح ونحوها مما فيه مشقة، وحكى النووي الاتفاق على ذلك، وإن وجد مما يسقى بالنضج تارة وبالمطر أخرى، فان كان ذلك على جهة الاستواء وجب ثلاثة أرباع العشر وهو قول أهل العلم (قال ابن قدامة) لا نعلم فيه خلافًا، وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الأقل تبعًا للأكثر عند أحمد والثورى وأبى حنيفة وأحد قولى الشافعى، وقيل يؤخذ بالتقسيط، قال الحافظ ويحتمل أن يقال إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه، وعن ابن القاسم صاحب مالك العبرة بما تم به الزرع لول كان أقل (وفى أحاديث الباب أيضًا) ما يدل على أن الوسق ستون صاعًا وهو حديث أبى سعيد وإن كان منقطعًا، فان ابن المنذر نقل الاجماع على ذلك (قال النووي) ﵀ والمعتمد في تقدير الأوسق بهذا الأجماع. وإلا فالحديث ضعيف اهـ (قلت) ولختلفوا في هذا التقدير هل هو تحديد أو تقريب، وبالأول جزم الأمام أحمد، وهو أصح الوجهين للشافعية إلا ان كان نقصًا يسيرًا جدًا مما لا ينضبط فلا يضر، قاله ابن دقيق العيد، وصحح النووى في شرح مسلم أنه تقريب، وقال فى المجموع الأصح أن هذا التقدير تحديد صححه أصحابنا اهـ (وفيها أيضًا) ما يدل على استحباب أخذ قنو من كل جاد عشرة أوسق من التمر يعلق فى المسجد للمساكين، والقنو الغصن، بما عليه من الرطب أو البسر (قال الخطابى) وهذا من صدقة التطوع وليس بواجب (قلت) وإلى ذلك ذهب الجمهور، وذهب بعض الظاهرية إلى وجوبه أخذًا بظاهر الأمر، وردّ بأنه لو كان واجبً لبينة النبى ﷺ وأصحابه فى كتب الزكاة التى كتبوها للعمال، وقد ثبت أنه ليس فيها شئ من ذلك (وحديث موسى بن طلحة) يدل على وجوب الزكاة فى الحنطة والشعير والتمر والزبيب وحصرها فى هذه الأصناف، أما وجوب الزكاة فيها فباتفاق العلماء؛ وقد حكى ابن المنذر وابن عبد البر الاجماع على ذلك، وأما حصرها فى هذه الأصناف فقد ذهب اليه الحسن البصرى والحسن بن صالح والثورى والشعبى والصادق والباقر مستدلين بحديث الباب وحديث أبى موسى ومعاذ المذكور فى الزوائد، وهو قصر للعام على بعض ما يتناوله بلا دليل وخالفهم الجمهور (وذهب أبو حنيفة) وزفر والقاسم والهادى إلى الأخذ بعموم حديث جابر وابن عمر وعلى ﵃ من وجوب العشر فيما سقت السماء والعيون ونصف العشر فيما سقى بالآلة سواء أكان كثيرًا
[ ٩ / ١٠ ]
-[من قال بوجوب الزكاة فى الزيتون - وتعيين الأصناف التى تجب فيها الزكاة على اختلاف المذاهب]-
_________________
(١) أم قليلًا بلا شرط نصاب، لا فرق بين الخضروات وغيرها وقيدوه بما يقصد بزراعته استغلال الأرض ونماؤها عادة الا الطاب والقصب الفارسى (وهو المعروف بالبوص) والحشيش والشجر الذى ليس له ثمر (وحكى القاضى عياض عن داود) أن كل ما يدخله الكيل يراعى فيه النصاب، وما لا يدخل فيه الكيل ففى قليله وكثيره الزكاة وهو نوع من الجمع، وقال ابن العربى أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين قول أبى حنيفة وهو التمسك بالعموم اهـ وذهب الأمامان (مالك والشافعى) الى وجوب الزكاة فيما تخرجه الأرض إذا بلغ خسو أوسق فأكثر، وكان مما يقتات ويدخر مما يستنبته الآدميون كالقمح والشعير والسلت وهو نوع من الشعير لا قشر له والدخن والذرة والأرز ونحو ذلك (قال النووى مذهبنا) أنه لا زكاة فى غير النخل والعنب من الأشجار ولا فى شئ من الحبوب إلا فيما يقتات ويدخر، ولا زكاة فى الخضروات، وبهذا كله قال (مالك وأبو يوسف ومحمد) وأوجب أبو يوسف الزكاة فى الحناء، وقال محمد لا زكاة (وأما الزيتون) فالصحيح عندنا أنه لا زكاة فيه، وبه قال الحسن بن صالح وابن أبى ليلى وأبو عبيد، وقال الزهرى والأوزاعة والليث ومالك والثورى وأبو حنيفة وأبو ثور فيه الزكاة، قال الزهرى والليث والأوزاعى يخرص فتؤخذ زكاته زيتًا (وقال مالك) لا يخرص بل يؤخذ العشر بعد عصره وبلوغه خمسة أوسق اهـ ج (وذهب الأمام أحمد) الى وجوب الزكاة فى كل ما أخرج الله ﷿ من الأرض من الحبوب والثمار مما يبيس ويبقى ويكال وينبته الآدميون ويبلغ خمسة أوسق فصاعدًا سواء كان قوتًا كالحنطة والشعير والسلت والأرز والذرة والدخن، أو من القطنيات كالباقلاء والعدس والماش والحمص، أو من الأبازير كالكسبرة والكمون والكراويا، أو البزور كبزر الكتان والقثاء والخيار، أو حب البقول كالرشاد وحب الفجل والقرطم والترمس والسمسم وسائر الحبوب؛ وتجب أيضًا فيما جمع هذه الأوصاف من الثمار كالتمر والزبيب والمشمش واللوز والفستق والبندق، ولا زكاة فى سائر الفواكه كالخوخ والآجاص والكمثرى والتفاح والمشمش والتين اللذين لا يجففان ولا فى الخضروات كالقثاء والخيار والبطيخ والباذنجان واللفت والجزر، وبهذا قال عطاء فى الحبوب كلها ونحوه قول أبى يوسف ومحمد فانهما قالا لا شئ فيما تخرجه الأرض إلا ما كانت له ثمرة باقية يبلغ مكيلها خمسة أوسق (وذهب الهادى والقاسم) إلى وجوب الزكاة فى الخضروات مستدلين بعموم قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ وبقوله ﷿ «ومما أخرجنا لكم من الأرض» وبقوله «وآثو حقه يوم حصاده» وبعموم حديث «فيما سقت السماء العشر» ونخوه، قالوا وأحاديث عدم الزكاة فى الخضروات ضعيفة لا تصلح لتخصيص هذه العمومات، وأجيب بأن طرقها متعددة يقوى بعضها بعضًا
[ ٩ / ١١ ]
-[معنى خرص النخل والعنب - وفائدة ذلك]-
(١٠) باب ما جاء فى خرص النخل والعنب
(٥٨) عن عروة عن عائشة ﵂ أنَّها قالت وهى تذكر شأن خيبر كان النَّبىِّ ﷺ يبعث ابن رواحة إلى اليهود فيخرص عليهم النَّخل حين يطيب (وفى رواية أوَّل الثَّمر) قبل أن يؤكل منه، ثمَّ يخيِّرون يهود أيأخذونه بذلك الخرص أم يدفعونه إليهم بذلك وإنَّما كان أمر النَّبىِّ ﷺ لكى يحصى الِّزِّكاة قبل أن تؤكل الثَّمرة وتفرًّق
_________________
(١) فتنتهض لتخصيص هذه العمومات، وتقدم بسط الكلام على ذلك فى أول الأحكام والله أعلم
(٢) عن عروة عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج قال اخبرت عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة- الحديث» (غريبه) (١) يعنى ما وقع فى فتحها (٢) معنى التخريص أن يحزر مقدار ما فى النخل أو العنب حين يبدو صلاحه ويأخذ فى النضج قبل أن يؤكل، وذلك باعتبار ما يؤول اليه أمره من التمر اليابس أو الزبيب على حسب جنسه، لأن الزكاة إنما تؤخذ منه تمرًا أو زبيبًا، فان لم يتتمر أو يتزبب كبلح مصر وعنبها خرصها على تقدير التتمر والتزبب، وذلك أن ثمر النخل والأعناب يؤكل رطبًا وعنبًا ويباع ويعطى، فان أبيح ذلك فلا خرص ضربًا لمساكين، وان منع أربابه من ذلك ضرّ بهم، فيخرص على أهله للتوسعة عليهم وعلى المساكين، ولئلا يكون على أحد منهما فى ذلك ضيق فيخرص عليهم، ثم يخلى بينهم وبينه ينتفعون به أكلًا أو بيعًا أو عطاء كيف شاءوا، تم يؤدون منه الزكاة على ما خرص عليهم (٣) أى بذلك الخرص، وسبب ذلك أن النبى ﷺ قد ساقى اليهود بعد فتح خيبر على أن يعملوا فى نخليهم ويكون لهم النصف من الثمار، وأمر ﷺ ابن رواحة أن يخرص نخيلهم ليظهر لصيب اليهود من نصيبه ﷺ وليعلم قدر الزكاة فى نصيبه وأن يخيّرهم فى أخذ الثمر بهذا الخرص، ودفع قيمة ما يخص النبى ﷺ أو دفعه إلى النبى ﷺ وأخذ قيمة ما يخصهم فيه حتى لا يكون هناك ظالم (تخريجه) (د. قط. عب) وفى إسناده بين ابن جريج والزهرى راو لم يسم ولم يعرف، وقد رواه عبد الرزاق والدار قطنى والأمام أحمد فى رواية أخرى عن ابن جريج ع ابن شهاب بدون الواسطة المذكورة هنا، وابن جريج مدلس فلعله تركه تدليسًا، وذكر الدار قطنى الاختلاف فيه، فقال رواه صالح عن أبى الأخضر عن الزهرى عن ابن المسيب عن أبى هريرة، وأرسله معمر ومالك وعقيل ولم يذكروا أبا هريرة.
[ ٩ / ١٢ ]
-[مشروعية خرص ثمر النخل والأعناب عند ابتداء نضجه]-
(٥٩) عن أبي الزُّبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله ﵄ خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسقٍ، وزعم أنَّ اليهود لمَّا خيَّرهم ابن رواحة أخذوا الثَّمر وعليهم عشرون ألف وسقٍ
(٦٠) عن ابن عنر ﵄ أن النَّبىَّ ﷺ بعث ابن رواحة إلى خيبر يخرص عليهم، ثمَّ خيَّرهم أن يأخذوا أو يردُّوا، فقالوا هذا الحقُّ، بهذا قامت السَّماوات والأرض
(٦١) عن سهل بن أبى حثمة ﵁ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليع وعلى آله وصحبه وسلَّم قال إذا خرصتم فجذُّوا ودعوا الثُّلث، فإن لم
_________________
(١) عن أبي الزبير (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق وابن بكر قالا أنا ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر- الحديث» (تخريجه) (د) وسنده جيد
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا العمرى عن نافع ع ابن عمر- الحديث» (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد، وفى إسناده العمرى فيه كلام
(٣) عن سهل بن أبى حثمه (سنده) حدّثنا عبد الله أبى ثنا عفان ثنا شعبة قال أخبرنى حبيب بن عبد الرحمن الأنصارى قال سمعت عبد الرحمن بن مسعود ابن نيار قال جاء سهل بن أبى حثمة إلى مجلسنا فحدث أن رسول الله ﷺ- الحديث» (غريبه) (١) بضم الجيم أى اقطعوا، والأمر فيه للإباحة، يقال جذه يجذه من باب قتل إذا قطعه، والمعنى إذا قدّر العامل الثمار بالحزر والتخمين وعرفتم حق الله فيها فاقطعوا منها ما شئتم (وفى روايه للنسائى والترمذى) إذا خرصتم فخذوا بدل فجذوا، ومعناه فخذوا أيها السعاة زكاة ما خرصتم عند الجذاذ (ودعوا الثلث) أى اتركوه (وقال الطيبى) «فخذوا» جواب للشرط «ودعوا» عطف عليه، أى إذا خرصتم فبينوا مقدار الزكاة، ثم خذوا ثلثى ذلك المقدار واتركوا الثلث لصاحب المال حتى يتصدق به اهـ (وقال القاضى عياض) الخطاب مع المصدقين أمرهم أن يتركوا للمالك ثلث ما خرصوا عليه أو رابعه توسعة عليه حتى يتصدق به هو على جيرانه ومن يمر به يطلب منه فلا يحتاج إلى أن يغرم ذلك من ماله؛ وهذا قول
[ ٩ / ١٣ ]
-[استحباب ترك ثلث الثمر أو ربعه بلا خرص]-
تجذُّوا أو تدعوا فدعوا الرُّبع
_________________
(١) قديم للشافعي ﵀ وعامة أهل الحديث اهـ. وعلى هذا فالأمر فى قوله فجذوا مراد به أصحاب المال، وفى قوله «فدعوا الثلث» مراد به العمال على الصدقة، وقوله «فان لم تجذوا أو تدعوا) يعنى الثلث كما صرح بذلك فى رواية أبى داود أى إن لم يقطع أرباب الأموال من الثمر شيئًا، أو إن لم يترك العمال الثلث فاتركوا الربع، قال ابن قدامة فى المغنى على الخارص أن يترك فى الخرص الثلث أو الربع توسعة على أرباب الأموال لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم ويطعمون جيرانهم وأهلهم وأصدقاءهم وسؤالهم، ويكون فى الثمرة الساقطة وينتابها الطير وتأكل منه المارة، فلو استوفى العامل الكل منهم أضربهم، وبهذا قال اسحاق وأبو عبيد، والمرجع فى تقدير المتروك الى الساعى باجتهاده، فان رأى الاكلة كثيرًا تر الثلث، وإن كانوا قليلًا ترك الربع «وذكر حديث باب» ثم قال وروى أبو عبيد باسناده عن مكحول قال كان رسول الله ﷺ إذا بعث الخراص قال خففوا على الناس فان فى المال العرية والواطئة والأكلة اهـ. والعربية نخلات يهبها رب المال لشخص يجنى ثمارها، والواطئة المارة فى الطريق سموا بذلك لواطئهم بلاد الثمار مجتازين، والأكلة أرباب الثمار وأقاربهم وجيرانهم والله أعلم (تخريجه) (أخرجه الثلاثة) وأخرجه أيضًا (حب ك) وصححاه، وفى إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوى عن ابن أبى حثمة، وقد قال البزار إنه انفرد به، وقال ابن القطان لا يعرف حاله (قال الحاكم) وله شاهد باسناد متفق على صحته أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر به (زوائد الباب) (عن عتاب بن أسيد) أن النبى ﷺ كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم (د. مذ جه. حب) (وعنه أيضًا) قال أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل فتؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ صدقة النخل تمرًا (د. مذ. نس. حب. قط) ومدار هذا الحديث والذى قبله على سعيد بن المسيب عن عتاب، وقد قال أبو داود لم يسمع منه، وقال المنذرى انقطاعه ظاهر، لأن مولد سعيد فى خلافة عمر ومات عتاب يوم مات أبو بكر ﵄، وسبقه إلى ذلك ابن عبد البر والله أعلم (وعن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن حزم) قال إنما خرص ابن رواحة على أهل خيبر عامًا واحدًا فأصيب يوم مؤتة ثم إن جبار بن صخر بن خنسًا كان يبعثه رسول الله ﷺ بعد ابن رواحة فيخرص عليهم أورده الهيثمى، وقال رواه الطبرانى فى الكبير وهو مرسل وإسناده صحيح (وعن رافع ابن خديج) أن النبى ﷺ كان يبعث فروة بن عمرو يخرص النخل فاذا دخل الحائط حسب ما فيه من الأفناء ثم ضرب بعضها على بعض على ما فيها ولا يخطئ (طب) وفي
[ ٩ / ١٤ ]
-[زوائد الباب - ومذاهب العلماء فى خرص النخيل والأعناب]-
_________________
(١) إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة وهو ضعيف، قاله الهيثمى (وعن جابر) ﵁ أن النبى ﷺ كان يبعث رجلًا من الأنصار، يقال له فروة بن عمرو فيخرص تمر أهل المدينة (طب) وفيه حرام بن عثمان وهو متروك، قاله الهيثمى أيضًا (وعن سهل ابن أبى حثمة) أن رسول الله ﷺ بعث أباه أبا حثمة خارصًا رجل فجاءه فقال يا رسول الله إن أبا حثمة زاد علىّ فدعا أبا حثمة فقال يا رسول الله قد تركت عرية أهله وما تطعمه المساكين وما يصيب الريح، فقال قد زادك ابن عمك وأنصف، أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه محمد بن صدقة وهو ضعيف (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية الخرص فى النخل والعنب وإلى استحبابه ذهب الأمامان (الشافعى وأحمد) رحمهما الله تعالى، وذهب (الأمام مالك) وأصحابه إلى وجوبه وهو قول شريح وأبى جعفر وبعض أهل الظاهر وقول للشافعية (قال النووى) ﵀ حرص الرطب والعنب اللذين تجب فيهما الزكاة سنة، هذا هو نص الشافعى ﵁ فى جميع كتبه وقطع به الأصحاب فى طرقهم، وحكى الصميرى وصاحب البيان وجهًا أن الخرص واجب وهذا شاذ ضعيف (قال أصحابنا) ولا مدخل للخرص فى الزرع بلا خلاف لعدم التوقيف فيه ولعدم الأحاطة كالأحاطة بالنخل والعنب، وممن نقل الاتفاق عليه إمام الحرمين (قال أصحابنا) ووقت خرص الثمرة وبدوّ الصلاج، وصفته ان يطوف بالنخلة ويرى جميع عناقيدها ويقول خرصها كذا وكذا، ثم يفعل بالنخلة الأخرى كذلك ثم باقى الحديقة، ولا يجوز الاقتصار على رؤية البعض وقياس الباقى به لأنها تتفاوت، وإنما يخرص رطبًا ثم يقدر تمرًا، لأن الأرطاب تتفاوت، فان اختلف نوع الثمر وجب خرص شجرة شجرة وان اتحد جاز كذلك وهو الأحوط، وجاز أن يطوف بالجميع ثم يخرص الجميع دفعة واحدة رطبًا، ثم يقدر تمرًا هذا الذى ذكرناه هو الصحيح المشهور فى المذهب اهـ ج (وقال ابن قدامة فى المغنى) وينبغى أن يبعث الأمام ساعيه إذا بدا صلاح الثمار ليخرصها ويعرف قدر الزكاة ويعرف المالك ذلك وممن كان يرى الخرص عمر بن الخطاب وسهل بن أبى حثمة ومروان والقاسم بن محمد والحسن وعطاء والزهرى وعمرو بن دينار وعبد الكريم بن أبى المخارق ومالك والشافعى وأبو عبيد وأبو ثور وأكثر أهل العلم، واستدل لهم ابن قدامة بحديث عتّاب بن أسيد المذكور بطريقيه فى الزوائد؛ وبحديث المذكور فى أحاديث الباب ثم قال وقد عمل به النبى ﷺ فخرص على امرأة بوادى القرى، قال وعمل به أبو بكر بعده والخلفاء اهـ (قلت) يشير إلى ما رواه البخارى عن أبى حميد الساعدى قال غزونا مع النبى ﷺ غزوة تبوك، فلما جاء وادى القرى إذا امرأة فى حديقة لها، فقال النبى ﷺ لأصحابه اخرصوا وخرص
[ ٩ / ١٥ ]
-[مذاهب العلماء فى حكم خرص النخيل والأعناب - وكلام الحافظ ابن القيم فى ذلك]-
_________________
(١) رسول الله ﷺ عشرة أوسق، فقال لها احصى ما يخرج منها الحديث، وقال الخرقى من الحنابلة يجزئ خارص واحد لأن النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يبعث ابن رواحة فيخرص ولم يذكر معه غيره، ولأن الخارص يفعل ما يؤديه اجتهاده اليه فهو كالحاكم والقائف، ويعتبر فى الخارص أن يكون أمينًا غير متهم اهـ. وحكى الشوكانى عن أبى حنيفة عدم جواز الخرص لأنه رجم بالغيب، قال والأحاديث تردّ عليه، قال وقد قصر جواز الخرص على مورد النص بعض أهل الظاهر، فقال لا يجوز إلا فى النخل والعنب ووافقه على ذلك شريح وأبو جعفر وابن أبى الفوارس (قلت) والأئمة الثلاثة (مالك والشافعى وأحمد) وقيل يقاس عليه غيره مما يمكن ضبطه بالخرص، واختلف فى خرص الزرع فأجازه للمصحلة الأمام يحيى ومنعته الهادوية والشافعيى اهـ (وحكى الحافظ) عن الخطابى أنه قال أنكر أصحاب الرأى الخرص، وقال بعضهم إنما كان يفعل تخويفًا للمزارعين لئلا يخونوا، لا ليلزم به الحكم لأنه تخمين وغرور، وكان يجوز قبل تحريم الربا والقمار، وتعقبه الخطابى بأن تحريم الربا والميسر متقدم، والخرص عمل به فى حياة النبى ﷺ حتى مات ثم أبو بكر وعمر فمن بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم ولا من التابعين تركه إلا عن الشعبى، قال وأما قولهم إنه تخمين وغرور فليس كذلك؛ بل هو اجتهاد فى معرفة مقدار التمر وإدراكه بالخرص الذى هو نوع من المقادير، قال واعتل الطحاوى بأنه يجوز أن يحصل للثمرة آفة فتتلفها فيكون ما يؤخذ من صاحبها مأخوذًا بدلًا مما لا يسلم له، وأجيب بأن القائلين به لا يضمِّنون أرباب الأموال ما تلف بعد الخرص، وقال ابن المنذر أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان اهـ (وقال الحافظ ابن القيم ﵀) فى كتابه إعلام الموقعين (المثال التاسع والعشرون) رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فى خرص الثمار فى الزكاة والعرايا وغيرها إذا بدا صلاحها، ثم ذكر أحاديث الخرص وقال- ادعى جماعة رد هذه السنن كلها بقوله تعالى ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ قالوا والخرص من باب القمار والميسر فيكون تحريمه ناسخًا لهذه الآثار، وهذا من أبطل الباطل، فان الفرق بين القمار والميسر والخرص المشروع كالفرق بين البيع والربا والميتة والمذكاة، وقد نزه الله ورسوله وأصحابه عن تعاطى القمار وعن شرعه وإدخاله فى الدين، ويالله العجب أكان المسلمون يقامرون إلى زمن خيبر، ثم استمروا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثم انقضى عصر الصحابة وعصر التابعين على القمار ولا يعرفون أن الخرص قمار حتى بينه بعض فقهاء الكوفة؛ هذا والله الباطل حقًا والله الموفق للصواب اهـ ببعض تصرف (قلت) إذا علمت هذا فالراجح فول القائلين بمشروعية الخرص عملًا بأحاديث الباب وفعل الصحابة والتابعين ومن بعدهم والله أعلم
[ ٩ / ١٦ ]
-[حجة من قال بوجوب الزكاة فى العمل]-
(١١) باب ما جاء في زكاة العسل
(٦٢) عن أبى سيَّارة المتعىِّ ﵁ قال قلت يا رسول الله إنَّ لى نحلًا، قال أدِّ العشور قال قلت يا رسول الله احمها لى فحماها لى، قال عبد الرحمن احم لى جبلها، قال فحمي لي جبلها
_________________
(١) عن أبي سيارة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع وعبد الرحمن عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن أبى سيارة قال عبد الرحمن المتعى قال قلت يا رسول الله- الحديث» (وقوله المتعى) بضم الميم وفتح التاء المثناة نسبة أبى سيارة، والمعنى أن عبد الرحمن أحد الراويين اللذين روى عنهما الأمام أحمد هذا الحديث قال فى روايته عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن أبى سيارة المتعى فزاد فى روايته المتعى، أما وكيع وهو الثانى فذكر الحديث بالسند المذكور ولم يقل المتعى بل قال عن أبى سيارة، قال قلت يا رسول الله- الحديث» (غريبه) (١) أى عشر عسل النحل (٢) أى احفظ لى مرعاها من أن يرعاها الناس (قال الخطابى) ﵀ معناه أن النحل إنما ترعى من البقل والنبات أنوارها وما رخص ونعم منها، فاذا حميت مراعيها قامت فيها وأقبلت تعسل فى الخلايا فكثرت منافع أصحابها، وإذا شوركت فى تلك المراعى نفرت عن تلك المواضع وأمعنت فى طلب المرعى فيكون ريعها حينئذ أقل، قال وقد يحتمل رجهًا آخر وهو أن يكون ذلك بأن يحمى لهم الوادى الذى يعمل فيه، فلا يترك أحدًا أن يتعرض للعسل، وذلك أن سبيل العسل سبيل المياه والمعادن والصيود وليس لأحد عليها ملك، وإنما تملك باليد لمن سبق اليها، فاذا حمى له الوادى ومنع الناس منه فلا يجتازه هؤلاء القوم وجب عليهم بحق الحماية إخراج العشر منه، قال ويدل على هذا التأويل قوله فانما هو ذباب غيث يأكله من شاء (يعنى كما فى رواية أبى داود) ومعنى هذا الكلام أن النحل إنما تتبع مواقع الغيث أو حيث يكثر المرعى، وذلك شأن الذباب لأنها تألف الغياض والمكان المعشب اهـ (٣) هو أحد الروايين المتقدم ذكرهما يعنى أنه روى الحديث بلفظ «احم لى جبلها» فزاد جبلها فى روايته، أما وكيع فرواه بلفظ «يا رسول الله احمها لى» والمراد بالجبل هنا الوادى كما صرح بذلك فى رواية أبى داود (تخريجه) قال الحافظ فى التلخيص رواه (د. جه. هق) من رواية سليمان بن موسى عن أبى سيارة وهو منقطع، قال البخارى لم يدرك سليمان أحدًا من الصحابة وليس
[ ٩ / ١٧ ]
-[زوائد الباب - وحجة القائلين بزكاة العسل وردّ المعارضين لهم]-
_________________
(١) في زكاة العسل شئ يصح، وقال أبو عمر (يعنى ابن عبد البر) لا تقوم بهذا حجة اهـ (زوائد الباب) (عن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده قال جاء هلال أحد بنى متعان إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له وكان سأله أن يحمى واديًا يقال له سلبة فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادى، فلما ولّى عمر بن الخطاب ﵁ كتب سفيان بن وهب إلأى عمر بن الخطاب يسأله عن ذلك، فكتب عمر إن أدَّى اليك ما كان يؤدِّى الى رسول الله ﷺ من عشور نحله فاحم له سلبة، وإلا فانما هو ذباب غيث يأكله من يشاء (د. نس) قال الدار قطنى يروى عن عبد الرحمن بن الحارث وابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مسندًا، ورواه يحيى بن سعيد الأنصارى عن عمرو بن شعيب عن عمر مرسلًا اهـ (قال الحافظ) فى التلخيص فهذه علته، وعبد الرحمن وابن لهيعة ليسا من أهل الأتقان لكن تابعهما عمرو بن الحارث أحد الثقات؛ وتابعهما أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عند ابن ماجه وغيره اهـ. ولفظ حديث أسامة بن زيد عند ابن ماجه (عن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو عن النبى ﷺ أنه أخذ من العسل العشر، وروى الطبرانى من طريق أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الله بن وهب أخبرنى أسامة بن زيد (عن عمرو ابن شعيب) عن أبيه عن جده أن بنى شبابة بطن من فهم كانوا يؤدون الى رسول الله ﷺ عن نحل كان لهم العشر من كل عشر قرب قربة، وكان يحمى واديين لهم، فلما كان عمر استعمل على ما هناك سفيان بن عبد الله الثقفى فأبوا أن يؤدوا اليه شيئًا وقالوا إنما كنا نؤديه الى رسول الله ﷺ فكتب سفيان الى عمر، فكتب اليه عمر إنما النحل ذباب غيث يسوقه الله ﷿ رزقًا الى من يشاء، فان أدو اليك ما كانوا يؤدون الى رسول الله ﷺ فاحم لهم أدويتهم وإلا فخل بينه وبين الناس، فأدوا اليه ما كانوا يؤدون الى رسول الله ﷺ وحمى لهم أدويتهم (وعن الحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذباب) عن أبيه عن سعد بن أبى ذباب، قال قدمت على رسول الله ﷺ فأسلمت ثم قلت يا رسول الله اجعل لقومى ما أسلموا عليه من أموالهم، ففعل رسول الله ﷺ واستعملنى عليهم، ثم استعملنى أبو بكر ثم عمر، قال وكان سعد من أهل السراة؛ قال فكلمت قومى فى العسل فقلت لهم زكوة فانه لا خير فى ثمرة لا تزكى، فقالوا كم؟ قال فقلت العشر، فاخذت منهم العشر، فأتيت عمر بن الخطاب ﵁ فأخبرته بما كان، قال فقبضه عمر ﵁ فباعه، ثم جعل ثمنه فى صدقات المسلمين، رواه البيقهى (قال الحافظ) فى التلخيص (قال الشافعى) وسعد بن أبى ذباب يحكى ما يدل على أن النبى ﷺ لم يأمره فيه بشئ وأنه شئ رآه هو فتطوع له به قومه، وقال الزعفرانى عن الشافعى الحديث فى أن فى العسل العشر ضعيف
[ ٩ / ١٨ ]
-[حجة القائلين بعدم وجوب الزكاة فى العسل ومذاهب الأئمة فى ذلك]-
_________________
(١) واختياري أنه لا يؤخذ منه، وقال البخارى لا يصح فيه شئ، وقال ابن المنذر ليس فيه شئ ثابت، وفى الموطأ عن عبد الله بن أبى بكر قال جاء كتاب عمر بن عبد العزيز الى أبى وهو بمنى أن لا تأخذ من الخيل ولا من العسل صدقة (وعن طاوس عن معاذ ابن جبل) ﵁ أتى بوقص البقر والعسل حسبته فقال معاذ ﵁ كلاهما لم يأمرنى فيه رسول الله ﷺ بشئ (هق) قال الحافظ فى التلخيص، رواه أبو داود فى المراسيل والحميدى فى مسنده وابن أبى شيبة والبيهقى من طريق طاوس عنه وفيه انقطاع بين طاوس ومعاذ، لكن قال البيهقى هو قوى لأن طاوسًا كان عارفًا بقضايا معاذ اهـ (وعن أبى هريرة) ﵁ قال كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر (هق. عب) وفى اسناده عبد الله بن محرر (قال البخارى) فى تاريخه عبد الله متروك ولا يصح فى زكاة العسل شئ (وعن نافع عن ابن عمر) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ فى العسل فى كل عشرة أزق زقٌ (مذ. هق) (ولفظ البيهقى) فى كل عشرة أزقاق زق، ثم قال تفرد به هكذا صدقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف، وقد ضعفه أحمد ويحيى بن معين وغيرهما، وقال أبو عيسى الترمذى سألت محمد بن اسماعيل البخارى عن هذا الحديث، فقال هو عن نافع عن النبى ﷺ مرسل (وعن على ﵁) قال ليس فى العسل زكاة، قال يحيى بن آدم وسئل حسون بن صالح عن العسل فلم ير فيه شيئًا، وذكر عن معاذ أنه لم يأخذ من العسل شيئًا (هق) (الأحكام) حديث أبى سيارة المذكور فى الباب يدل على مشروعية زكاة العسل لولا ما فيه من على الانقطاع، والأحاديث والآثار التى ذكرناها فى الزوائد متعارضة فبعضها يثبت الزكاة فى العسل وبعضها ينفيها، لهذا اختلفت أنظار العلماء فى الوجوب وعدمه. وقد ذهب الى وجوب الأئمة (أبو حنيفة وأحمد وإسحاق) قالوا بوجوب العشر فى العسل، وحكاه الترمذى عن أكثر أهل العلم، وروى عن عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وأبى يوسف ومحمد (غير أن أبا حنيفة) أوجب الزكاة فيه إذا كان فى أرض عشرية قل أو أكثر، فان أخذ من أرض الخراج لم يجب فيه شئ عنده، لأن أرض الخراج قد وجب على مالكها الخراج لأجل ثمارها وزرعها فلم يجب فيها حق آخر لأجلها، وأرض العشر لم يجب فى ذمته حق عنها، فلذلك وجب الحق فيما يكون منها (وسوى الأمام أحمد) بين الأرضين فى ذلك وأوجبه فيما أخذ من ملكه فيما يكون منها (وسوّى الأمام أحمد) بين الأرضين فى ذلك وأوجبه فيما أخذ من ملكه أو موات، كانت الأرض عشرية أو خراجية، (ثم اختلف الموجبون له) هل له نصاب أم لا؟ على قولين (أحدهما) أنه يجب فى قليله وكثيره، وهذا قول أبى حنيفة ﵀ (والثانى) أن له نصابًا معينًا، ثم اختلف فى قدره فقال أبو يوسف هو عشرة أرطال، وقال مجدهم خمسة أفراق، والفرق ستة وثلاثون رطلًا بالعراقي
[ ٩ / ١٩ ]
-[حجة القائلين بوجوب زكاة العسل وأدلة المعارضين لهم]-
باب زكاة الحلي
(٦٣) عم عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال أتت النَّبىَّ ﷺ أمرأتان فى أيديهما أساور من ذهبٍ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وعلى
_________________
(١) وقال أحمد والزهري لا زكاة فيه حتى يبلغ عشرة أفراق لما رواه الجوزجانى بسنده إلى عمر أن أناسًا سألوه فقالوا إن رسول الله ﷺ قطع لنا واديًا باليمن في خلايا من نحل وإنا نجد ناسًا يسرقونها، فقال عمر إن أديتم صدقتها من كل عشرة أفراق فرقًا حميناها لكم، ومثل هذا لا يكون الا عن توقيف من النبى ﷺ، والفرق ستة عشر رطلًا، وقيل ستون رطلًا، (واحتج الموجبون) بحديث الباب أيضًا وبما ذكرنا فى الزوائد وإن كانت كلها لا تخلو من مقال، قالوا لكن يقوّى بعضها بعضًا؛ وقد تعددت مخارجها واختلفت طرقها ومرسلها يعضد بمسندها (وقد اختلف أصحاب الأمام أحمد) فى الفرق على ثلاثة أقوال (أحدهما) أنه ستون رطلًا (والثانى) أنه ستة وثلاثون رطلًا (والثالث) ستة عشر رطلًا وهو ظاهر كلام الأمام وهو الراجح (وذهب الأئمة مالك والشافعى) والحسن بن صالح وابن أبى ليلى وابن المنذر والثورى إلى أنه لا زكاة فى العسل مطلقًا قل أو كثر خرج من أرض عشرية أم لا، وهو المروى عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز، وحكى عن علىّ وحكاه ابن عبد البر عن الجمهور، قالوا لأنه مائع خارج من حيوان فأشبه اللبن. واحتجوا بحديث عبد الله بن أبى بكر بن حزم الذى رواه مالك فى الموطأ وتقدم فى الزوائد. وبما أخرجه عبد الرزاق وابن أبى شيبة باسناد صحيح إلى نافع مولى ابن عمر قال بعثنى عمر بن عبد العزيز على اليمن فأردت أن آخذ من العسل العشر فقال المغيرة بن حكيم الصنعانى ليس فيه شئ، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز فقال صدق وهو عدل رضا ليس فيه شئ (وأجابوا) عن حديث هلال أنه تطوع بما دفعه مكافأة على حماية ذلك الوادى له كما يدل عليه ما رواه عبد الرزاق فى مصنفه (عن ابن جريج) قال أخبرنا صالح بن دينار أن عمر بن عبد العزيز كتب الى عامله فى العسل فجمع أهل العسل فشهدوا أن هلال بن سعد جاء إلى رسول الله ﷺ بعسل. فقال ما هذا؟ فقال هدية فأكل النبى ﷺ، ثم جاء مرة أخرى فقال ما هذا؟ فقال صدقة فأمر النبى ﷺ بأخذها ورفعها، ولم يذكر عند ذلك عشورًا الا أنه أخذها، فكتب بذلك الى عمر بن عبد العزيز، قال فكنا نأخذ ما أعطونا من شئ ولا نسأل عشورًا ولا شيئًا فما أعطونا أخذنا. قالوا والأحاديث الدالة على أن العسل فيه زكاة فى جميعها مقال (قال ابن المنذر) ليس فى وجوب الصدقة فى العسل خبر يثبت ولا اجماع فلا زكاة فيه اهـ والله اعلم
(٢) عن عمرو بن شعيب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا
[ ٩ / ٢٠ ]
-[حجة القائلين بوجوب زكاة الحلى]-
آله وصحبه وسلَّم أتحبَّان أن يسوِّركما الله يوم القيامة أساور من نارٍ؟ قالتا لا، قال فأدِّيا حقَّ هذا الَّذى فى أيديكما
(٦٤) عن أسماء بنت يزيد قالت دخلت أنا وخالتى على النَّبىِّ ﷺ وعلينا أسورةٌ من ذهبٍ، فقال لنا أتعطيان زكاته؟ قالت فقلنا لا، قال أما تخافان أن يسوِّركما الله أسورةً من نار؟ أدِّيا زكاته
_________________
(١) أبو معاوية ثنا حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- الحديث» (غريبه) (١) أى يلبسكما الله يوم القيامة أساور من نار بسبب عدم زكاة أساوركما (٢) يعنى بالحق الزكاة والله أعلم (تخريجه) قال الحافظ فى التلخيص، رواه أبو داود والنسائى والترمذى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده واللفظ للترمذى، وقال لا يصد فى الباب شئ (ولفظ الآخرين) أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها وفى يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لهما أتعطيان زكاة هذا؟ قالتا لا. قال أيسرك أن يسوّرك الله بهما يوم القيامة بسوارين من نار، قال فجعلتهما فألقتهما إلى رسول الله ﷺ وقالت هما لله ورسوله، لفظ أبى داود، أخرجه من حديث حسين المعلم وهو ثقة عن عمرو، وفيه رد على الترمذى حيث جزم بأنه لا يعرف إلا من حديث ابن لهيعة والمثنى بن الصباح عن عمرو، وقد تابعهم حجاج بن أرطاة أيضًا (قال البيهقى) وقد انضم الى حديث عمرو بن شعيب بحديث أم سلمة وحديث عائشة وساقهما (قلت سيأتيان فى الزوائد) وحديث عائشة أخرجه أبو داود والحاكم والدار قطنى والبيهقى، وحديث أم سلمة أخرجه أبو ادود والحاكم ومن ذكر معهما أيضًا. وروى أيضًا عن أسماء بنت يزيد، رواه أحمد انتهى ما ذكره الحافظ (قلت) حديث أسماء سيأتى بعد هذا، وحديث الباب سنده جيد عند الأمام أحمد وأبى داود، ولا يؤثر عليه كون الترمذى رواه بسنده فيه ضعف
(٢) عن أسماء بنت يزيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على ابن عاصم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد- الحديث» (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد، وأورده الهيثمى وقال رواه أحمد وإسناده حسن اهـ (قلت) حديث أسماء ذكره الحافظ فى التلخيص وسكت عنه؛ وقال فى الدراية فى اسناده مقال (قال العينى) فى عمدة القارى فان قلت (قال ابن الجوزى) علي بن عاصم
[ ٩ / ٢١ ]
-[زوائد الباب تؤيد القائلين بوجوب زكاة الحلى]-
_________________
(١) رماه يزيد بن هارون بالكذب، وعبد الله بن خثيم قال ابن معين أحاديثه لبست بالقوية، وشهر ابن حوشب (قال ابن عدى) لا يحتج بحديثه «قلت» ذكر فى الكمال وسئل أحمد عن على بن عاصم فقال هو والله عندى ثقة وأنا أحدث عنه، وعبد الله بن خثيم (قال ابن معين) هو ثقة حجة، وشهر بن حوشب قال أحمد ما أحسن حديثه ووثقه، وعن يحيى هو ثقه وقال أبو زرعة هو لا بأس به، فظهر من هذا كله سقوط كلام ابن الجوزى وصحة الحديث انتهى كلام العينى (قلت) الحديث مختلف فيه وفى صحته نظر. لكن لا شك أنه يصلح للاحتجاج. لا سيما وقد حسنه الهيثمى والله أعلم (زوائد الباب) (عن أم سلمة ﵂) قالت كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت يا رسول الله أكنز هو؟ فقال ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكى فليس بكنز، رواه أبو داود والدار قطنى والبيهقى وقال تفرد به ثابت بن عجلان اهـ (قلت) ثابت ابن عجلان وثقه غير واحد، وأخرجه أيضًا الحاكم وصححه بلفظ «إذا أديت زكاته فليس بكنز» والأوضاح جمع وضح بفتحتين، وهو نوع من حلى الفضة سمى بذلك لبياضه، ولكنه هنا مستعمل فيما عمل من الذهب، وقيل إنه الخلاخل، (وعن عبد الله بن شداد بن الهاد) أنه قال دخلنا على عائشة زوج النبى ﷺ فقالت دخل علىّ رسول الله ﷺ فرأى فى يدى فتخات من ورق. فقال لى ما هذا يا عائشة. فقلت صنعتهن أتزين لك يا رسول الله؟ فقال أتؤدين زكاتهن؟ قلت لا أو ما شاء الله، قال هو حسبك من النار. الفتخات جمع فتخة بسكون التاء وفتحها، هى خواتيم من فضة، وقيل هى خاتم كبير أو حلقة من فضة تلبس فى الأيدى وربما وضعت فى أصابع الأرجل. وقيل خاتم لا فص له كانت نساء الجاهلية يتخذنها فى أصابعهن العشر. والورق بفتح الواو وكسر الراء الفضة «وقوله هو حسبك من النار» يريد أنها لو لم تعذب فى النار إلا من أجل عدم زكاته لكفاها- وفيه وعيد شديد لمن لم يؤد زكاة الحلى، وهذا الحديث رواه أبو داود والدار قطنى والبيهقى، ورواه الحاكم بنحو هذا. وفيه أن عائشة قالت فرأى فى يدى سخابًا من ورق بدل فتخات، والسخاب ككتاب خيط ينظم فيه خرز ويلبسه الصبيان والجوارى، وقيل قلادة تتخذ من قرنفل ومحلب وسك (بالضم) نوع من الطيب، وكأنها اتخذت قلادة من ورق تشبه هذه القلادة أو ضمت اليها شيئًا من الورق وهو الفضة (قال الحاكم) هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (وعن ابن مسعود) ﵁ أنه قال وسألته امرأة عن حلى لها أفيه زكاة؟ قال إذا بلغ مائتى درهم فزكيه، قالت ان فى حجرى أيتامًا أفأدفعه اليهم؟ قال نعم، أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فة الكبير ورجاله ثقات ولكن ابراهيم لم يسمع من ابن مسعود (وعن فاطمة بنت قيس) ﵂ قالت
[ ٩ / ٢٢ ]
-[مذاهب الأئمة في حكم زكاة الحلي]-
_________________
(١) أتيت النبي ﷺ بطوق فيه سبعون مثقالًا من ذهب فقلت يا رسول الله خذ منه الفريضة فأخذ منه مثقالًا وثلاثة أرباع مثقال، أخرجه الدارقطنى وفى إسناده أبو بكر الهذلي وهو ضعيف، ونصر بن مزاحم وهو أضعف منه وتابعه عباد بن كثير، أخرجه أبو نعيم فى ترجمة شيبان بن زكريا من تاريخه، كذا فى الدراية (وعن عبد الله بن مسعود) ﵁ قال قلت للنبي ﷺ إن لامرأتى حليًّا من ذهب عشرين مثقالًا، قال فأدّ زكاته نصف مثقال وإسناده ضعيف جدًا؛ أخرجه الدارقطنى كذا فى الدراية (الأحكام) حديث الباب مع الزوائد تدل على وجوب الزكاة فى حلىّ المرأة، وقد روى ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وعبد الله بن شداد وجابر بن زيد وابن سيرين وميمون بن مهران والزهرى والثورى وطاوس (وبه قال أبو حنيفة وأصحاب الرأى) مستدلين بأحاديث الباب وبعموم قوله ﷺ فى الرقة ربع العشر، وبقوله ﷿ ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ فان عموم الآية يتناول الحلىّ فلا يجوز إخراجه بالرأى (وذهب إلى عدم الوجوب) جماعة منهم القاسم والشعبى وقتادة ومحمد بن على وعمرة (ومالك والشافعى وأحمد) وأبو عبيد وإسحاق وأبو ثور وهو المروى عن ابن عمر وجابر وأنس وعائشة وأسماء ﵃ (واحتجوا بما رواه الدارقطنى) عن جابر مرفوعًا «ليس فى الحلى زكاة» وهو مروى من عدة طرق فيها مقال ورواه ابن الجوزى فى التحقيق بسنده عن عافية بن أيوب عن ليث بن سعد عن أبى الزبير عنه (وأجيب) بأنه حديث باطل لا أصل له (قال البيهقي) فى المعرفة وما يروى عن عافية ابن أيوب عن الليث عن أبى الزبير عن جابر مرفوعًا «ليس فى الحلىّ زكاة» فباطل لا أصل له إنما يروى عن جابر من قوله، وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعًا كان مغرورًا بدينه داخلًا فيما يعيب المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين اهـ (وبما رواه مالك فى الموطأ) عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة زوج النبي ﷺ ورضى عنها كانت تلى بنات أخيها يتامى فى حجرها لهن الحلى فلا تخرج من حليّهن الزكاة (وبما رواه أيضًا) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يحلى بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة (وبما رواه البيهقى) من طريق عمرو بن دينار سمعت ابن خالد يسأل جابر بن عبد الله عن الحلى أفيه زكاة؟ قال جابر لا، فقال وإن كان يبلغ ألف دينار، فقال جابر أكثر (وبما رواه الدارقطنى) عن أسماء بنت أبى بكر أنها كانت تحلى بناتها الذهب ولا تزكيه نحوًا من خمسين ألفًا، وهذه الحجج كلها بآثار وردت عن السلف قاضية بعدم وجوبها فى الحلى ولكن بعد صحة الحديث لا أثر للآثار (وذهب جماعة) إلى أن زكاة الحلى عاريته، رواه الدارقطنى عن أنس وأسماء بنت أبى بكر ﵃ (وقال بعضهم) تجب الزكاة في
[ ٩ / ٢٣ ]
-[ترجيح مذهب القائلين بوجوب زكاة الحلى]-
(١٣) باب ما جاء فى الركاز والمعدن
(٦٥) عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فدخل صاحبٌ لنا إلى خربةٍ يقضى حاجته، فتناول لبنةً ليستطيب بها فانهارت عليه تبرًا فأخذها فأتى بها النَّبيَّ ﷺ فأخبره بذلك، قال زنها فوزنها، فإذا مئتا درهمٍ، فقال النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم هذا ركازٌ وفيه الخمس
_________________
(١) الحلي مرة واحدة، رواه البيهقى عن أنس، وأظهر الأقوال دليلًا واقواها ما ذهب اليه الأولون من وجوب الزكاة فى الحلى، قال ابن المنذر وابن حزم الزكاة واجبة بظاهر الكتاب والسنة، حكاه العينى عنهما، وقال الخطابى الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها والأثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب الى النظر ومعه طرف من الأثر والاحتياط أداؤها اهـ (فائدة) ما ذكر من وجوب الزكاة فى الحلى إنما هو فى حلى الذهب والفضة، واما فى غير حلى الذهب والفضة كاللؤلؤ والمرجان والزبرجد والماس ونحو ذلك من الأحجار فلا زكاة فيه بالاتفاق إلا إذا اتخذت للتجارة ففيها الزكاة والله اعلم
(٢) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو عامر ثنا زهير حدثنى عبد الرحمن بن زيد عن أبيه أن أنس بن مالك أخبره قال خرجنا- الحديث» (غريبه) (١) الخربة بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء موضع الخراب جمعه خربات وخرب ككتف وخرائب، قاله فى القاموس، والمراد هنا مكان خرب خال من السكان (٢) اللبنة بفتح اللام وكسر الباء واحدة اللبن التى يبنى بها الجدار «وقوله ليستطيب بها» كناية عن الاستنجاء، سمى بها من الطيب لأنه يطيب جسده بازالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء أى يطهره، يقال منه أطاب واستطاب (نه) (٣) التبر هو الذهب والفضة قبل أن يضربا دنانير ودراهم، فاذا ضربا كانا عينًا، وقد يطلق التبر على غيرهما من المعدنيات كالنحاس والحديد والرصاص وأكثر اختصاصه بالذهب، ومنهم من يجعله فى الذهب أصلًا وفى غيره فرعًا ومجازًا (نه) (٤) الركاز بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاى هو عند أهل الحجاز كموز الجاهلية المدفونة فى الأرض، وعند أهل العراق المعادن، والقولان تحتملهما اللغة لأن كلا منهما مركوز فى الأرض أى ثابت، يقال ركزه يركزه ركزًا إذا دفنه وأركز الرجل
[ ٩ / ٢٤ ]
-[تفسير الركاز ومعنى قوله ﷺ البئر جبار الخ الحديث]-
(٦٦) عن أبي الزُّبير قال سالت جابرًا أقال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فى الرِّكاز الخمس؟ فقال نعم
(٦٧) عن ابن عبَّاس ﵄ قال قضى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فى الرِّكاز الخمس.
(٦٨) عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، البئر جبارٌ والمعدن جبارٌ،
_________________
(١) إذا وجد الركاز، والحديث إنما جاء فى التفسير الأول وهو الكنز الجاهلى، وإنما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه، وقد جاء فى مسند الأمام أحمد فى بعض طرق هذا الحديث «وفى الركائز الخمس» كأنها جمع ركيزة أو ركازة، والركيزة والركزة القطعة من جواهر الأرض المركوزة فيها، وجمع الركزة ركاز (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد والبزار، وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وفيه كلام وقد وثقه ابن عدي
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا أبو الزبير- الحديث» (تخريجه) أخرجه أيضًا البزار وفى اسناده ابن لهيعة ولكن أحاديث الباب تؤيده
(٣) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا عبد الرزاق قال أنا اسرائيل وأبو نعيم ثنا اسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس- الحديث» «وفى آخره أن عبد الله بن الأمام أحمد قال» قال أبي حدثناه أسود حدثنا إسرائيل قال وقضى، وقال أبو نعيم فى حديثه قضى رسول الله ﷺ فى الركاز الخمس (تخريجه) رواه أيضًا ابن أبي شيبة فى مصنفه وسنده جيد
(٤) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبي هشيم ثنا منصور وهشام عن ابن سيرين عن أبى هريرة- الحديث» (غريبه) (١) البئر بهمز ويبدل «وجبار» أى هدر، ومعنى ذلك أن يستأجر الرجل من يحفر له البئر فى ملكه فتنهار عليه فانه لا يلزمه ضمان، أو يحفر الرجل بأرض فلاة بئرًا للمارة فيسقط فيها إنسان فيهلك فانه لا يلزمه شئ من ذلك إن لم يكن الحفر عدوانًا، فان كان ففيه خلاف (٢) بفتح الميم وكسر الدال مكان يستخرج منه شئ من الجواهر والأجساد المعدنية من الذهب
[ ٩ / ٢٥ ]
-[زوائد الباب - وتفسير قوله ﷺ العجماء جبار الخ]-
والعجماء جبارٌ، وفى الرِّكاز الخمس
_________________
(١) والفضة والنحاس وغير ذلك، من عدن بالمكان إذا أقام به، والمعنى أنه إذا استأجر إنسانًا لاستخراج معدن من الأرض فانهارت عليه فهلك فلا ضمان عليه أيضًا (١) أى البهيمة وهى فى الأصل تأنيث الأعجم، وهو الذى لا يقدر على الكلام، سميت بذلك لأنها لا تتكلم وفى بعض الروايات «والعجماء جرحها جبار» أى هدر، والمراد الدابة المرسلة فى رعيها أو المنفلتة من صاحبها إذا جرحت إنسانًا أو أتلفت شيئًا ولم يكن معها قائد ولا سائق وكان نهارًا فلا ضمان على صاحبها، وإن كان معها أحد فهو ضامن، لأن الاتلاف حصل بتقصيره وكذا اذا كان ليلًا، لأن المالك قصر فى ربطها إذ العادة أن تربط الدواب ليلًا وتسرح نهارًا، كذا ذكره الطيبى وابن الملك (٢) أى يخرج منه خمسه لله ﷿، وانما وجب فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه (تخريجه) (ق. والأربعة. وغيرهم) وأخرج نحوه الأمام أحمد أيضًا والبزار والطبرانى فى الاوسط بسند جيد من حديث جابر ابن عبد الله مرفوعًا بلفظ «السائبة جبار والجب جبار والمعدن جبار وفى الزكار الخمس» قال الشعبى الركاز الكنز العادى (قلت) «السائبة» هى الماشية السائمة التى ترعى بدون راع «والجب» بضم الجيم هو البئر التى لم تطو وهو مذكر (وقال الفراء) يذكر ويؤنث، والجمع أجباب وجباب وجببه مثل عنبة (زوائد الباب) (عن زيد بن أرقم) ﵁ قال بعث رسول الله ﷺ عليًا عاملًا على اليمن فأتى بركاز فأخذ منه الخمس ودفع بقيته الى صاحبه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأعجبه (طب) وفيه راو لم يسم (وعن سرَّاء بنت نبهان الغنوية) ﵂ قالت احتفر الحى فى دار كلاب فأصابوا بها كنزًا عاديًا فقالت كلاب دارنا (وقال الحى) احتفرنا، فنافروهم فى ذلك الى رسول الله ﷺ فقضى به للحى وأخذ منهم الخمس فاشترينا بنصيبنا ذلك مائة من النعم فأتينا به الحى فأراد المصدق أن يصدقنا فأبينا عليه وأتينا النبي ﷺ فقال ان كنتم جعلتموها فى غيرها والا فلا شئ عليكم فى هذا العام، وقال ان المصدّق اذا انصرف عن القوم وهو عنهم راض ﵃، واذا انصرف وهو عليهم ساخط سخط الله عليهم (طب) وفيه أحمد بن الحارث الغساني وهو ضعيف (وعن أبى هريرة) ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يظهر معدن فى أرض بنى سليم يقال له فرعون وفرعان وذلك بلسان أبى جهم قريب من السوء يخرج اليه شرار الناس أو يحشر اليه شرار الناس (على) ورجاله ثقات (وعن ابن عمر) ﵄ قال أتي النبي ﷺ بقطعة من ذهب كانت أول صدقة جاءته من
[ ٩ / ٢٦ ]
-[بقية زوائد الباب- ومذاهب الأئمة فى زكاة الركاز]-
_________________
(١) معدن لنا فقال انها ستكون معادن، وسيكون فيها شر الخلق (طس طص) ورجاله رجال الصحيح، أورد هذه الأحاديث الحافظ الهيثمى (وعن ربيعة بن عبد الرحمن) عن غير واحد أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزنى معادن القبليَّة وهى من ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة الى اليوم (لك. د) وقوله القبلية (قال فى النهاية) نسبة إلى قبل بفتح القاف والباء، وهى ناحية من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة أيام، وقيل هى من ناحية الفرع وهو موضع بين نخلة والمدينة؛ هذا هو المحفوظ فى الحديث (والفرع) بضم الفاء والراء كما جزم به السهيلى موضع بين نخلة والمدينة يقال انها أول قرية مارت اسماعيل وأمه التمر بمكة. وفيها عينان يقال لهما الربض والتحف يسقيان عشرين ألف نخلة كانت لحمزة ابن عبد الله بن الزبير والربض منابت الأراك فى الرمل اهـ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا (طب. ك. هق) بدون قوله من ناحية الفرع الخ وهو مرسل عند جميع الرواة؛ ووصله البزار من طريق عبد العزيز الدراوردى عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزنى عن أبيه «وأبو داود» من طريق ثور بن يزيد الديلى عن عكرمة عن ابن عباس (قال الشافعى) بعد أن روى هذا الحديث ليس هذا مما يثبته أهل الحديث ولم يكن فيه رواية عن النبي ﷺ إلا اقطاعه، وأما الزكاة فى المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي ﷺ (قال البيهقى) هو كما قال الشافعى، قال وكذلك أخرجه الحاكم فى المستدرك، وكذا ذكره ابن عبد البر ورواه أبو سبرة المدينى عن مطرّف عن مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن بلال موصولًا، لكن لم يتابع عليه، ورواه أبو أويس عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده وعن ثور بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس، هكذا قال البيهقى وأخرجه من الوجهين الآخرين أبو داود (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أن زكاة الركاز الخمس وأن الواجب فى المعادن ربع العشر كزكاة النقد. وإلى ذلك ذهب الأئمة (مالك والشافعى وأحمد والجمهور) وحملوا الركاز على كنوز الجاهلية المدفونة فى الأرض وقالوا لا خمس فى المعدن بل فيه الزكاة إذا بلغ قدر النصاب، وهو المأثور عن عمر بن عبد العزيز، وصله أبو عبيد فى كتاب الأموال وعلقه البخارى فى صحيحه (وأما الحنفية) فقالوا الركاز يعم المعدن والكنز ففى كل ذلك الخمس. وما ذهب اليه الجمهور من التفرقة بين الركاز والمعدن هو الظاهر. لأن النبي ﷺ قال «المعدن جبار وفى الركاز الخمس» عطف الركاز على المعدن وفرق بينهما فى الحكم فعلم منه أن المعدن ليس بركاز عند النبي ﷺ بل هما شيئان مغايران، ولو كان المعدن ركازًا عنده لقال المعدن جبار وفيه الخمس. ولما لم يقل ذلك ظهر أنه غيره، فالعطف يدل على المغايرة (قال الحافظ) والحجة للجمهور التفرقة من النبي
[ ٩ / ٢٧ ]
-[إتفاق المذاهب على عدم اشتراط الحول فى الركاز- واختلافهم فى اشتراط النصاب]-
(أبواب إخراج الزكاة)
(١) باب المبادرة الى اخراجها وتعجيلها قبل حلولها ودعاء الأمام لمعطيها
(٦٩) عن عقبة بن الحارث ﵁ قال صلَّيت مع رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم العصر فلمَّا سلَّم قام سريعًا، فدخل على بعض نسائه، ثمَّ خرج ورأى ما فى وجوه القوم من تعاجبهم لسرعته قال ذكرت وأنا فى الصَّلاة تبرًا عندنا فكرهت أن يمسى أو يبيت
_________________
(١) ﷺ بين المعدن والركاز بواو العطف فصح انه غيره اهـ. ولأن الركاز فى لغة أهل الحجاز هو ما ذهب اليه الجمهور. ولا شك فى أن النبي ﷺ حجازى تكلم بلغة أهل الحجاز وأراد به ما يريدون منه (وقال ابن دقيق العيد) من قال من الفقهاء ان فى الركاز الخمس إما مطلقًا أو فى أكثر الصور فهو أقرب إلى الحديث اهـ. وظاهره سواء أكان الواجد مسلمًا أم ذميًا (وإلى ذلك ذهب الجمهور) فيخرج الخمس (وعند الشافعى) لا يؤخذ منه شئ يعنى الذمى (واتفقوا) على أنه لا يشترط فيه الحلول بل يجب إخراج الخمس فى الحال، والى ذلك ذهب العترة (قال الحافظ) وأغرب ابن العربى فى شرح الترمذى فحكى عن الشافعى الاشتراط ولا يعرف ذلك فى شئ من كتبه ولا كتب أصحابه، ومصرف هذا الخمس مصرف خمس الفئ عند مالك وأبى حنيفة والجمهور (وعند الشافعى) مصرف الزكاة (وعن أحمد) روايتان، وظاهر الحديث عدم اعتبار النصاب، وإلى ذلك ذهبت العترة (وقال مالك وأحمد واسحاق) يعتبر لقوله ﷺ «ليس فيما دون خمس آواق صدقة» وتقدم هذا الحديث فى زكاة الذهب والورق، وأجيب أن الظاهر من الصدقة الزكاة فلا تتناول الخمس وفيه نظر، أفاده الحافظ والله أعلم
(٢) عن عقبة بن الحارث (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا عمر بن سعيد بن أبى حسين، قال أخبرنى عبد الله بن أبى مليكة عن عقبة بن الحارث- الحديث» (غريبه) (١) لفظ البخارى «ففزع الناس من سرعته» أى خافوا، وكانت تلك عادتهم إذا رأو منه غير ما يعهدونه خشية أن ينزل فيهم شئ يسوءهم (٢) بكسر التاء وسكون الموحدة الذهب الذى لم يصف ولم يضرب (قال الجوهرى) لا يقال إلا للذهب، وقد قاله بعضهم فى الفضة اهـ. وأطلقه بعضهم على جميع جواهر الأرض قبل أن تصاغ وتضرب
[ ٩ / ٢٨ ]
-[حجة القائلين بتعجيل الزكاة قبل حلولها]-
عندنا فأمرت بقسمه
(٧٠) عن علىٍّ ﵁ أنَّ العبَّاس بن عبد المطَّلب سأل النَّبىَّ ﷺ فى تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخَّص له فى ذلك
(٧١) عن أبى هريرة ﵁ قال بعث رسول الله ﷺ عمر على الصَّدقة فقيل منع ابن جميلٍ وخالد بن الوليد والعبَّاس عمُّ النَّبىَّ ﷺ فقال النَّبىَّ ﷺ ما نقم ابن جميلٍ إلَّا أنَّه كان فقيرًا فأغناه الله، وأما خالدٌ
_________________
(١) حكاه ابن الأنباري عن الكسائي، كذا أشار اليه ابن دريد (١) أى كره ﷺ تركه بدون قسمة حتى يدخل عليه الليل (قال ابن بطال) فيه أن الخير ينبغى أن يبادر به، فان الآفات تعرض والموانع تمنع والموت لا يؤمن والتسويف غير محمود، زاد غيره وهو أخلص للذمة وأنفى للحاجة، وأبعد من المطل المذموم وأرضى للرب وأمحى للذنب (تخريجه) (خ. نس)
(٢) عن على ﵁ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سعيد ابن منصور ثنا اسماعيل بن زكريا عن حجاج بن دينار عن الحكم عن حجية بن عدي عن علىّ أن العباس- الحديث» (غريبه) (٢) أى قبل حلول وقتها وهو نهاية الحول «وقوله فرخص له فى ذلك» جاء فى بعض الروايات فاذن له فى ذلك (تخريجه) (د. مذ. جه. ك. هق. قط) وفيه اختلاف ذكره الدارقطنى ورجح إرساله، وكذا رجحه أبو داود (وقال الشافعى) لا أدرى أثبت أم لا يعنى هذا الحديث، ويشهد له ما أخرجه البيهقى عن على أن النبى ﷺ قال كنا احتجنا فأسلفنا العباس صدقة عامين، ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، ويعضده أيضًا حديث أبى هريرة الآتى
(٣) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على بن حفص أنا ورقاء عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة- الحديث» (غريبه) (٣) القائل ذلك عمر ﵁؛ قاله الحافظ، قال وابن جميل لم أقف على اسمه فى كتب الحديث، لكن وقع فى تعليق القاضى الحسين المروزى الشافعى وتبعه الرويانى أن اسمه عبد الله، وذكر الشيخ سراج الدين بن الملقن أن بعضهم سماه حميدًا، ووقع فى رواية ابن جريج أبو جهم ابن حذيفة بدل ابن جميل، وهو خطأ لأطباق الجميع على ابن جميل، وقول الأكثر أنه كان أنصاريًا، وأما أبو جهم بن حذيفة فهو قرشى فافترقا اهـ (٤) أى ما أنكر إعطاء الصدقة إلا
[ ٩ / ٢٩ ]
-[ما يستدل به على فضائل خالد بن الوليد والعباس عم النبى ﷺ]-
فإنَّكم تظلمون خالدًا فقد احتبس أدراعه فى سبيل الله، وأمَّا العبَّاس فهو علي
_________________
(١) لأنه كان فقيرًا فأغناه الله من فضله بما أفاء على رسوله وأباح لأمته من الغنائم ببركته ﷺ فقد جعل نعمة الله سببًا لكفرها، وهذا مما لا ينبغى أن يكون علة لكفران النعمة ومنع الزكاة، فالمراد به المبالغة فى التنفير من المنع (وفى رواية عند البخارى) فأغناه الله ورسوله (قال الحافظ) إنما ذكر رسول الله ﷺ نفسه، لأنه كان سببًا لدخوله فى الاسلام فأصبح غنيًا بعد فقره بما أفاء الله على رسوله، قال وهذا السياق من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، لأنه إذا لم يكن له عذر إلا ما ذكر من أن الله أغناه فلا عذر له، وفيه التعريض بكفران النعم وتقريع بسوء الصنيع فى مقابلة الاحسان اهـ. وقال ابن المهلب كان ابن جميل منافقًا فمنع الزكاة فاستتابه الله تعالى بقوله «وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فان يتوبوا يك خيرًا لهم» فقال استتابنى ربى فتاب وصلح حاله اهـ (١) لفظ مسلم فقد احتبس ادراعه وأعتاده فى سبيل الله ورواية البخارى وأبى داود فقد احتبس (ادراعه وأعتده) والأعتد. والأعتاد جمع عتاد بفتح العين المهملة، وهى آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها؛ ومعنى الحديث أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنًا منهم أنها للتجارة وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم لا زكاة لكم علىّ، فقالوا للنبى ﷺ إن خالدًا منع الزكاة. فقال لهم إنكم تظلمونه لأنه حبسها ووقفها فى سبيل الله قبل الحول عليها فلا زكاة فيها. ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاة لأعطاها ولم يشح بها، لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعًا فكيف يشح بواجب عليه. واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة. وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف خلافًا لداود، وفيه دليل على صحة الوقف وصحة وقف المنقول. وبه قالت الأمة بأسرها إلا أبا حنيفة وبعض الكوفيين، وقال بعضهم هذه الصدقة التى منعها ابن جميل وخالد والعباس لم تكن زكاة إنما كانت صدقة تطوع. حكاه القاضى عياض، قال ويؤيده أن عبد الرزاق روى هذا الحديث وذكر فى روايته أن النبى ﷺ ندب الناس إلى الصدقة وذكر تمام الحديث. قال ابن القصار من المالكية وهذا التأويل اليق بالقصة فلا يظن بالصحابة منع الواجب. وعلى هذا فعذر خالد واضح لأنه أخرج ماله فى سبيل الله فما بقى له مال يحتمل المواساة بصدقة التطوع ويكون ابن جميل شح بصدقة التطوع فعتب عليه. وقال فى العباس هى علىّ ومثلها معها، أى انه لا يمتنع إذا طلبت منه. هذا كلام ابن القصار (وقال القاضى) لكن ظاهر الأحاديث فى الصحيحين أنها فى الزكاة لقوله بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة وإنما كان يبعث فى الفريضة (قال النووى) الصحيح المشهور أن هذا كان فى الزكاة لا فى صدقة التطوع. وعلى هذا قال أصحابنا وغيرهم
[ ٩ / ٣٠ ]
-[إستشارة عمر ﵁ الناس فيما فضل عنده من مال الصدقة]-
ومثلها ثمَّ قال أما علمت أنَّ عمَّ الرَّجل صنو أبيه
(٧٢) عن علىّ ﵁ قال قال عمر بن الخطَّاب ﵁ للنَّاس ما ترون فى فضلٍ فضل عندنا من هذا المال فقال النَّاس يا أمير المؤمنين قد شغلناك عن أهلك وضيعتك وتجارتك فهو لك، فقال لى ما تقول أنت فقلت قد أشاروا عليك، فقال لى قل، فقلت لم تجعل يقينك ظنًّا فقال
_________________
(١) معناه أني تسلفت منه زكاة عامين. وقال الذين لا يجوّزون تعجيل الزكاة معناه أنا أؤديها عنه (قال أبو عبيد وغيره) معناه أن النبى ﷺ أخرها عن العباس الى وقت يساره من أجل حاجته اليها (قال النووى) والصواب أن معناه تعجلتها منه. وقد جاء فى حديث آخر فى غير مسلم إنا تعجلنا منه صدقة عامين اهـ (قلت) لعله يشير إلى ما أخرجه أبو داود الطيالسى من حديث أبى رافع أن النبى ﷺ قال لعمر إنا كنا تعجلنا صدقة مال العباس عام الأول (وأخرج الطبرانى والبزار) من حديث ابن مسعود أنه ﷺ تسلف من العباس صدقة عامين، وفى إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف (ورواه البزار) من حديث موسى ابن طلحة عن أبيه نحوه، وفى إسناده الحسن بن عمارة وهو متروك (ورواه الدارقطنى) من حديث ابن عباس وفى اسناده مندل بن على والعزرمى وهما ضعيفان (قال الشوكانى) والصواب أنه مرسل، قال ومما يرجح أن المراد ذلك أن النبى ﷺ لو أراد أن يتحمل ما عليه لأجل امتناعه لكفاه أن يتحمل مثلها من غير زيادة، وأيضًا الحمل على الامتناع فيه سوء ظن بالعباس اهـ (٢) أى مثله أو شقيقه يريد أن أصله ﷺ وأصل العباس واحد، وأصله أن يقال للنخلتين نبتتا من أصل واحد صنوان ولأحداهما صنو، والمعنى أما علمت أنه عمى وأبى فكيف تتهمه بما ينافى حاله؟ (تخريجه) (ق. د. نس. قط)
(٢) عن على (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وهب بن جرير ثنا أبى سمعت الأعمش أى يحدث عن عمرو بن مرة عن أبي البخترى عن على- الحديث» (غريبه) (٣) أى مال الصدقة (٤) ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك (٥) يعنى عليًا ﵁ (٦) يشير إلى أن عمر تيقن أن النبى ﷺ لم ينشرح صدره إلا بعد تقسيم الدينارين اللذين بقيا عنده من الصدقة وكان ضيّق الصدر بسبب بقائهما كما سيأتى فى آخر الحديث، فكان الأجدر بعمر أن يقتدى بفعل النبى ﷺ ولم يستشر أحدًا
[ ٩ / ٣١ ]
-[إستحباب إنفاق جميع المال فى سبيل الخير الا ما يسد حاجة صاحبه]-
لتخرجنَّ ممَّا قلت فقلت أجل والله لأخرجنَّ منه، أتذكر حين بعثك نبيُّ الله ﷺ ساعيًا فأتيت العبَّاس بن عبد المطَّلب فمنعك صدقته فكان بينكما شئٌ فقلت لى انطلق معى إلى النَّبيَّ ﷺ فوجدناه خائرًا فرجعنا، ثمَّ غدونا عليه فوجدناه طيِّب النَّفس فأخبرته بالَّذى صنع، فقال لك أما علمت أنَّ عم الرَّجل صنو أبيه، وذكرنا له الَّذى رأيناه من خثوره فى اليوم الأوَّل والَّذى رأيناه من طيب نفسه فى اليوم الثَّانى، فقال إنَّكما أتيتمانى اليوم الأوَّل وقد بقى عندى من الصَّدقة ديناران، فكان الَّذى رأيتما من خثوري له وأتيتمانى اليوم وقد وجَّهتهما غدًا فذاك الَّذى رأيتما من طيب نفسي، فقال عمر ﵁ صدقت، والله لأشكرنَّ لك الأولى والآخرة
(٧٣) عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ والَّذى نفس محمَّدٍ بيده لو أنَّ أحدًا عندى ذهبًا لأحببت أن لا يأتى علىَّ ثلاث ليالٍ وعندى منه دينارٌ أجد من يقبله منِّى ليس شيئًا أرصده فى دينٍ علي
_________________
(١) يريد تأييد قوله بالدليل، وقوله «أجل» أى نعم (٢) يعنى من المناقشة وعدم الاتفاق (٣) أى ثقيل النفس غير طيب ولا نشيط (٤) أى لأجل هذا الأمر، وهو بقاء الدينارين عندى هذا اليوم بدون تصريف (٥) أى فى صباح اليوم الى مستحقيهما (٦) يريد بالأولى كون علىّ لم يجار القوم فيما أشاروا به على عمر، ومنعه من قبول قولهم (وبالثانية) كون على أتى بدليل قوله وذكّر عمر بما فعله النبى ﷺ فى الدينارين والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق ابن همام ثنا معمر عن همام بن منبه، قال هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله ﷺ- الحديث» (غريبه) معنى هذا الحديث أن الرسول الأعظم ﷺ يقسم بالله ﷿ لو أنه يملك مثل جبل أحد ذهبًا لأنفقه قبل ثلاث ليال إن وجد من يقبله من المستحقين ولم يبق لنفسه منه إلا ما يعده لسداد دينه إن كان، وفى هذا حث على المبادرة بانفاق المال فى سبل الخير وأعمال البر فضلًا عن تأدية الواجب منه والله أعلم (تخريجه) لم أقف
[ ٩ / ٣٢ ]
-[إستحباب دعاء آخذ الصدقة لرب المال- وما جاء فى الصلاة على غير الأنبياء]-
(٧٤) عن عمرو بن مرَّة قال سمعت عبد الله بن أبى أوفى ﵄ وكان من أصحاب الشَّجرة، قال كان رسول الله ﷺ إذا أتى بصدقةٍ قال اللَّهمَّ صلِّ عليهم وإنَّ أبى أتاه بصدقته، فقل اللَّهمَّ صلِّ على آل أبى أوفى (وعنه من طريقٍ ثانٍ) قال سمعت ابن أبى أوفي يقول كان الرَّجل إذا أتى النَّبىَّ صلَّي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بصدقة ماله صلَّى عليه فأتيته بصدقة مال أبى، فقال اللَّهمَّ صلِّ على آل أبى أوفى
_________________
(١) عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد، وللأمام أحمد وأبى يعلى نحوه بسند جيد عن ابن عباس
(٢) عن عمرو بن مرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة- الحديث» (غريبه) (١) أصل الصلاة الدعاء إلا أنه يختلف بحسب المدعو له، فصلاة النبى ﷺ على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته عليه دعاء له بزيارة القربى والزلفى، ولذلك كان لا يليق بغيره (قال الحافظ) وقد استدل بهذا الحديث على جواز الصلاة على غير الأنبياء وكرهه مالك والجمهور (قال ابن التين) وهذا الحديث يعكر عليه، وقد قال جماعة من العلماء يدعو آخذ الصدقة للمتصدق بهذا الدعاء لهذا الحديث (٢) قال الحافظ يريد أبا أوفى نفسه لأن الآل يطلق على ذات الشئ كقوله فى قصة أبى موسى (لقد أوتى مزمارًا من مزامير آل داود) وقيل لا يقال ذلك إلا في حق الرجل الجليل القدر، واسم أبى أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمى شهد هو وابنه عبد الله بيعة الرضوان تحت الشجرة وعمّر عبد الله إلى أن كان آخر من مات من الصحابة بالكوفة، وذلك سنة سبع وثمانين (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة قال سمعت ابن أبى أوفى- الحديث» (٤) هذه الرواية مصرحة بأن عبد الله بن أبى أوفى هو الذى أتى النبى ﷺ بصدقة والده، والرواية الأولى مصرحة بأن والده هو الذى أتى النبى ﷺ بالصدقة ولا تناف بين الروايتين؛ فيحتمل أنهما أتياه معًا فنسب عبد الله الأتيان فى الرواية الولى لوالده؛ وفى الرواية الثانية لنفسه، أو تكون الواقعة تعددت فمرة أتاه عبد الله ومرة أتاه والده، والله أعلم (تخريجه) (ق. د. جه) (زوائد الباب) (عن عائشة ﵂) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ما خالطت الصدقة مالًا قط إلا أهلكته، رواه الأمام الشافعى والبخارى فى تاريخه والحميدى وزاد «قال يكون قد وجب عليك فى مالك صدقة فلا يخرجها فيهلك الحرام الحلال» (وعن طلحة بن عبيد الله) أن رسول الله ﷺ كان يعجل
[ ٩ / ٣٣ ]
-[زوائد الباب- ومذاهب الأئمة فى تعجيل الزكاة]-
_________________
(١) صدقة العباس بن عبد المطلب سنتين (عل. بز) وفيه الحسن بن عمارة وفيه كلام (وعن عبد الله بن مسعود) ﵁ أن النبى ﷺ تعجل من العباس صدقة سنتين (بز. طب. طس) وزاد الطبراني «ان عم الرجل صنو أبيه» وفيه محمد بن ذكوان وفيه كلام وقد وثق (وعن أبى رافع) ﵁ قال بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ساعيًا على الصدقة فأتى العباس بن عبد المطلب فأغلظ له العباس، فأتى عمر النبى ﷺ فذكر له ذلك، فقال له ﷺ يا عمر أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه، إن العباس كان أسلفنا صدقة العام عام أول (طس) وفيه اسماعيل المكى وفيه كلام كثير، وقد وثق (وروى نحوه ابن أبي شيبة فى مصنفه) قال حدثنا أبو بكر قال ثنا حفص بن غياث عن حجاج عن الحكم أن رسول الله ﷺ بعث ساعيًا على الصدقة فأتى العباس يستسلفه فقال له العباس ﵁ انى أسلفت صدقة مالى سنتين فأتى النبى ﷺ فقال صدق عمى (وعن أبى هريرة) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ أن اعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا اللهم اجعلها مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا، رواه ابن ماجه وفى بعض رجاله مقال (وعن وائل بن حجر) قال قال رسول الله ﷺ فى رجل بعث بناقة حسنة فى الزكاة «اللهم بارك فيه وفى إبله» رواه النسائى وسنده جيد (الأحكام) فى أحاديث الباب مشروعية المبادرة باخراج الزكاة؛ لأن ذلك أبرأ للذمة وأبعد من المطل المذموم (وفيها أيضًا) دليل على جواز تعجيل الزكاة قبل الحول ولو لعامين (قال الشوكانى) ﵀، وإلى ذلك ذهب (الشافعى وأحمد وأبو حنيفة) وبه قال الهادى والقاسم، قال المؤيد بالله وهو أفضل (وقال مالك وربيعة وسفيان الثورى وداود) وأبو عبيد بن الحارث، ومن أهل البيت الناصر إنه لا يجزئ حتى يحول الحول (واستدلوا) بالأحاديث التى فيها تعلق الوجوب بالحول وقد تقدمت، وتسليم ذلك لا يضر من قال بصحة التعجيل، لأن الوجوب متعلق بالحول فلا نزاع؛ وإنما النزاع فى الأجزاء قبله اهـ (قلت) وممن ذهب الى جواز التعجيل عطاء وسعيد بن جبير والحسن والضحاك، وقال حفص بن سليمان سألت الحسن عن رجل أخرج زكاة ثلاث سنين يجزيه قال يجزيه (وعن الزهرى) أنه كان لا يرى بأسًا أن يعجل الرجل زكاته قبل الحول، روى ذلك ابن أبي شيبة فى مصنفه (وفيها أيضًا دليل) على أنه يستحب الدعاء عند أخذ الزكاة لمعطيها وأوجبه بعض أهل الظاهر، وحكاه الحناطى وجهًا لبعض الشافعية، وأجيب بأنه لو كان واجبًا لعلمه النبى ﷺ السعاة، ولأن سائر ما يأخذه الأمام من الكفارات والديون وغيرها لا يجب عليه فيه الدعاء فكذلك الزكاة، وأما الآية الكريمة وهى قوله ﷿ ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك
[ ٩ / ٣٤ ]
-[إذا حسنت نية المتصدق قبلت صدقته وان لم تصادف محلها]-
(٢) باب من دفع صدقته الى من ظنه من أهلها فبان غير ذلك
(٧٥) عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ قال رجلٌ لأتصدَّقنَّ اللَّيلة صدقةً، فأخرج صدقته فوضعها فى يد زانيةٍ فأصبحوا يتحدَّثون تصدَّق الليلة على زانيةٍ، وقال لأتصدَّقنَّ اللَّيلة بصدقةٍ فأخرج صدقته فوضعها فى يد سارقٍ، فأصبحوا يتحدَّثون تصدَّق الليلة على سارقٍ ثمَّ قال لأتصدَّقنَّ اللَّيلة بصدقةٍ، فأخرج الصَّدقة فوضعها فى يد غنىٍّ فأصبحوا يتحدَّثون تصدَّق الليلة على غنىٍّ فقال الحمد لله على سارقٍ وعلى زانيةٍ وعلى غنىٍّ، قال فأتى فقيل له أما صدقتك فقد تقبِّلت، أمَّا الزَّانية فلعلَّها
_________________
(١) سكن لهم﴾ فيحتمل أن يكون الوجوب خاصًا به ﷺ لكون صلاته سكنًا لهم بخلاف غيره، والله أعلم.
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على بن حفص أنا ورقاء عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة- الحديث» (غريبه) (١) جاء فى رواية أخرى عند الأمام أحمد من طريق ابن لهيعة عن الأعرج فى هذا الحديث أنه كان من بنى اسرائيل (٢) أى وهو لا يعلم أنه سارق فأصبح الناس يتحدثون بقولهم (تصدق) «بضم أوله على البناء للمجهول» الليلة على زانية، زاد البخارى فقال «اللهم لك الحمد على زانية لأتصدقن الليلة» الخ (٣) زاد البخارى أيضًا فقال «اللهم لك الحمد لأتصدقن بصدقة» الخ (٤) فقال الحمد لله الخ. يعنى لك الحمد على كل حال، فان صدقتى وقعت بيد من لا يستحقها فلك الحمد، حيث كان ذلك بارادتك أى لا بارادتى، فان إرادة الله كلها جميلة، والمعنى أن الرجل فوّض وسلّم ورضى بقضاء الله فحمد الله على تلك الحال، لأنه المحمود على كل حال ولا يحمد على المكروه سواه، وقد ثبت أن النبى ﷺ كان إذا رأى ما لا يعجبه قال «اللهم لك الحمد على كل حال» ذكره الحافظ (٥) فى رواية الطبراني فساءه ذلك فأنى فى منامه، وكذلك أخرجه أبو نعيم والأسماعيلى وفيه تعيين أحد الاحتمالات التى ذكرها ابن التين وغيره (قال الكرمانى) قوله أنى أى أرى فى المنام أو سمع هاتفًا ملكًا أو غيره، أو أخبره نبى أو أفتاه عالم (وقال غيره) أو أتاه ملك فكلمه، فقد كانت الملائكة
[ ٩ / ٣٥ ]
-[من أدّى الزكاة الى المصدق برئت ذمته منها]-
يعني أن تستعفَّ به؛ وأمَّا السَّارق فلعلَّه أن يستغنى به، وأمَّا الغنيُّ فلعلَّه أن يعتبر فينفق ممّا آتاه الله
(٣) باب براءة المال
(بدفع الزكاة الى المصدق وان أساء التصرف فيها)
(٧٦) عن أنس بن مالكٍ ﵁ أنَّه قال أتى رجلٌ من بنى تميمٍ رسول الله ﷺ فقال حسبي يا رسول الله إذا أدَّيت الزَّكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال رسول الله ﷺ نعم، إذا أدَّيتها إلى رسولى فقد برئت منها، فلك أجرها وإثمها على من بدَّلها
_________________
(١) تكلم بعضهم فى بعض الأمور، وقد زهر بالنقل الصحيح أنها كلها لم تقع إلا النقل الأول أفاده الحافظ (تخريجه) (ق. وغيرهم) (الأحكام) قال الحافظ فى الحديث دلالة على أن الصدقة كانت مختصة عندهم بأهل الحاجة من أهل الخير، ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة (وفيه) أن نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع (واختلف الفقهاء) فى الأجزاء إذا كان ذلك فى زكاة الفرض ولا دلالة فى الحديث على الأجزاء ولا على المنع، ومن ثم أورد المصنف (يعنى البخارى) الترجمة بلفظ الاستفهام «فقال باب إذا تصدق على غنى وهو لا يعلم» ولم يجزم بالحكم (فان قيل) إن الخبر إنما تضمن قصة خاصة وقع الاطلاع فيها على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفاقية، فمن أين يقع تعميم الحكم (فالجواب) أن التنصيص فى هذا الخبر على رجاء الاستعفاف هو الدال على تعدية الحكم فيقتضى ارتباط القبول بهذه الأسباب (وفيه) فضل صدقة السر وفضل الأخلاص واستحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع، وأن الحكم للظاهر حتى يتبين سواه، وبركة التسليم والرضا وذم التضجر بالقضاء كما قال بعض السلف لا تقطع الخدمة ولو ظهر لك عدم القبول اهـ
(٢) (عن أنس بن مالك) هذا طرف من حديث طويل تقدم بسنده وشرحه فى أول كتاب الزكاة فى باب ما ورد فى فضلها رقم ٨ صحيفة ١٨٧ فى الجزء الثامن، وقد ذكرت هذا الطرف منه لمناسبة الترجمة، وهو حديث صحيح أورده الهيثمى وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح اهـ. قال صاحب المنتقى احتج بعمومه من يرى
[ ٩ / ٣٦ ]
-[الأمر بدفع الزكاة الى الامام وان كان جائرًا]-
(٧٧) عن عبد الله (بن مسعودٍ) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إنَّه سيكون عليكم أمراء وترون أثرةً قال قالوا يا رسول الله فما يصنع من أدرك ذاك منَّا؟ قال أدُّوا الحقَّ الَّذى عليكم وسلوا الله الَّذى لكم، قال عبد الله سمعت أبى قال سمعت يحيى قال سمعت سليمان قال سمعت زيد بن وهبٍ قال سمعت عبد الله قال قال لنا رسول الله ﷺ إنَّكم سترون بعدى أثرةً وأمورًا تنكرونها قال قلنا ما تأمرنا؟ قال أدُّوا إليهم حقَّهم وسلوا الله حقكم
_________________
(١) المعجلة إلى الإمام إذا هلكت عنده من ضمان الفقراء دون الملاك اهـ
(٢) عن عبد الله بن مسعود (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله- الحديث» (غريبه) (١) بفتح الهمزة والثاء المثلثة هى اسم لاستئثار الرجل على أصحابه كتقريب من يستحق الاقصاء، واقصاء من يستحق التقريب واحترام ذوى الجاه الأغنياء، وإن كانوا أغبياء واحتقار الفقراء وإن كانوا من أفاضل العلماء ونحو ذلك (١) يعنى ابن الأمام أحمد رحمهما الله يقول إنه سمع هذا الحديث من أبيه من طريق آخر غير الطريق الأول (٣) كتأخيرهم الصلاة عن وقتها وضرب الضرائب والمكوس وظلم العباد والعمل للدنيا وإهمال أمور الآخرة ونحو ذلك مما يطول ذكره، نسأل الله السلامة (تخريجه) (ق. وغيرهما) (زوائد الباب) (عن وائل بن حجر) ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ ورجل يسأله، فقال أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم، فقال اسمعوا وأطيعوا فأنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم، رواه مسلم والترمذى وصححه (وعن جابر ابن عتيك) مرفوعًا عند أبى داود بلفظ «سيأتيكم ركب مبغضون فاذا أتوكم فرحبوا بهم وخلّوا بينهم وبين ما يبتغون، فان عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليها وأرضوهم فان تمام زكاتكم رضاهم» (وعن سعد بن أبي وقاص) عند الطبرانى فى الأوسط مرفوعًا «ادفعوا اليهم ما صلوا الخمس» (وعن ابن عمر) وسعد بن أبى وقاص وأبى هريرة وأبي سعيد عند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة: أن رجلًا سألهم عن الدفع إلى السلطان فقالوا ادفعها الى السلطان (وفى رواية) أنه قال لهم هذا السلطان يفعل ما ترون فأدفع اليه زكاتى؟ قالوا نعم، ورواه البيهقى عنهم وعن غيرهم أيضًا (وروى ابن أبي شيبة) من طريق قزعة قال قلت لابن عمر ان لى مالًا فالى من ادفع زكاته؟ قال ادفعها إلى هؤلاء القوم يعني الأمراء
[ ٩ / ٣٧ ]
-[مذاهب الأئمة في حكم دفع الزكاة الى أئمة الجور]-
(٤) باب الرفق برب المال وأمر المصدق بالذهاب اليه وعدم التعدى عليه
(٧٨) عن عبد الله بن عمرو (بن العاص) ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم
_________________
(١) قلت إذًا يتخذون بها ثيابًا وطيبًا قال وان (وفى رواية) أنه قال ادفعوا صدقة أموالكم إلى من ولّاه الله أمركم فمن برّ فلنفسه ومن أثم فعليها (وعند البيهقى) عن أبى بكر الصديق والمغيرة بن شعبة وعائشة (وأخرج البيهقى أيضًا) عن ابن عمر باسناد صحيح أنه قال ادفعوها اليهم وإن شربوا الخمور (وأخرج أيضًا) من حديث أبى هريرة إذا أتاك المصدق فأعطه صدقتك، فان اعتدى عليك فولّه ظهرك ولا تلعنه وقل اللهم انى أحتسب عندك ما أخذ منى (الأحكام) حديثا الباب مع الزوائد تدل على جواز دفع الزكاة إلى سلاطين الجور وإجزائها وبراءة رب المال بالدفع إلى السلطان، وإلى ذلك ذهب الجمهور (قال الشوكانى) وحكى المهدى فى البحر عن العترة وأحد قولى الشافعى أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الظلمة ولا يجزئ، واستدلوا بقوله تعالى ﴿لا ينال عهدى الظالمين﴾ ويجاب أن هذه الآية على تسليم صحة الاستدلال بها على محل النزاع عمومها مخصَّص بالأحاديث المذكورة فى الباب، وقد زعم بعض المتأخرين أن الأدلة المذكورة لا تدل على مطلوب المجوزين لأنها فى المصدّق والنزاع فى الوالى وهو غفلة عن حديث بن مسعود (أى المذكور فى الزوائد) وحديث وائل ابن حجر (أى المذكور فى الزوائد أيضًا) وقد حكى فى التقرير عن أحمد بن عيسى والباقر مثل قول الجمهور؛ وكذلك عن المنصور وأبى مضر، وقد استدل للمانعين أيضًا بما رواه ابن أبي شيبة عن خثيمة قال سألت ابن عمر عن الزكاة، فقال ادفعها اليهم، ثم سألته بعد ذلك فقال لا تدفعها إليهم فانهم قد أضاعوا الصلاة، وهذا مع كونه قول صحابى ولا حجة فيه ضعيف الأسناد، لأنه من رواية جابر الجعفى (ومن جملة ما احتج به صاحب البحر) للقائلين بالجواز لأنها لم تزل تؤخذ كذلك ولا تعاد، وبأن عليًا لم يئن على من أعطى الخوارج وأجاب عن الأول بأنه ليس بأجماع، وعن الثانى بأن ذلك كان لعذر أو مصلحة إذ لا تصريح بالأجزاء ولا يخفى ضعف هذا الجواب، والحق ما ذهب اليه الجمهور من الجواز والأجزاء انتهى، والله أعلم
(٢) عن عبد الله بن عمرو (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الصمد عن عبد الله بن المبارك ثنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو- الحديث» (غريبه) (١) يعنى أن المصدق وهو الساهى لتحصيل الزكاة
[ ٩ / ٣٨ ]
-[إستحباب ذهاب الساعي الى محل أرباب الأموال لأخذ زكاتهم]-
(٧٩) وعنه أيضًا عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال لا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا فى ديارهم
(٨٠) عن أنِّ سلمة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ فى بيتى فجاء رجلٌ فقال يا رسول الله ما صدقة كذا وكذا؟ قال كذا وكذا؛ قال فإنَّ فلانًا تعدَّى علىَّ، قال فنظروه فوجدوه قد تعدَّى عليه بصاعٍ فقال النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فكيف بكم إذا سعى من يتعدَّى
_________________
(١) مكلف بالذهاب الى مكان رب المال لأخذ الصدقة منه، لأن ذلك أيسر لأرباب الأموال وأسهل لهم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد، وأخرج نحوه الطبرانى فى الأوسط من حديث عائشة وسنده حسن
(٢) وعنه أيضًا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا محمد بن اسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو- الحديث» (غريبه) (١) بفتح الجيم واللام (ولا جنب) بفتح الجيم والنون، قال ابن اسحاق معنى لا جلب أن تصدق الماشية فى موضعها ولا تجلب إلى المصدق ومعنى (لا جنب) أن يكون المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصدقة فتجنب اليه فنهوا عن ذلك، وفسر مالك الجلب بأن تجلب الفرس فى السباق فيحرك وراءه الشئ يستحثه به فيسبق (والجنب) أن يجنب مع الفرس الذى سابق به فرسًا آخر حتى إذا دنا تحول الراكب عن الفرس المجنوب فسبق (قال ابن الأثير) له تفسيران فذكرهما، وتبعه المنذرى فى حاشيته (تخريجه) (د) وسكت عنه أبو داود والمنذرى والحافظ فى التلخيص، وفى إسناده محمد بن اسحاق وقد عنعن، ورواه الأمام أحمد من حديث عمران بن حصين وأبى داود والنسائى والترمذى وابن حبان وصححاه بمثل حديث الباب، وسيأتي فى موضع أخر، وحديث الباب هذا طرف من حديث طويل سيأتى بتمامه فى باب خطب النبى ﷺ من كتاب الخطب
(٣) عن أم سلمة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا زكريا بن عدى قال أنا عبد الله بن عمرو عن زيد بن أبى أنيسة عن القاسم بن عوف الشيبانى عن على بن حسين قال حدثتنا أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم- الحديث» (غريبه) (٢) يريد أن الساعى أخذ منه صاعًا فى الصدقة زيادة عن
[ ٩ / ٣٩ ]
-[الأمر بإرضاء المصدق وإن تعدى فوزره على نفسه]-
عليكم أشدَّ من هذا التَّعدِّى
(فصل منه فى ارضاء المصدق)
(٨١) عن عبد الرحمن بن هلال العبسىِّ عن جرير بن عبد الله ﵁ قال أتى رسول الله ﷺ ناسٌ من الأعراب، فقالوا يا نبيَّ الله يأتينا ناسٌ من مصدقيك يظلمونا، قال أرضوا مصدِّقكم قالوا وإن ظلم؟ قال أرضوا مصدِّقكم، قال جريرٌ فما صدر عنِّى مصدِّقٌ منذ سمعتها من نبيِّ الله ﷺ إلا وهو عنِّي راضٍ، قال وقال النَّبيُّ ﷺ من يحرم الرِّفق يحرم الخير
(٨٢) عن جرير بن عبد الله ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ليصدر المصدِّق وهو عنكم راضٍ (وفى لفظٍ) ليصدر المصدق من عندكم وهو راضٍ
_________________
(١) استحقاقه (١) ليس فى هذا تقرير من النبى ﷺ للساعى على ظلمه، وإنما يشير ﷺ إلى ما سيكون بعد عصره ﷺ وعصر الخلفاء الراشدين من ظلم الأمراء وتعدى السعاة بأكثر من ذلك؟ وربما ثبت عنده ﷺ أن ساعيه لم يقصد التعدى بل ربما غلط فى الكيل أو نحو ذلك، لأن الصاع شئ قليل لا يستحق التعدى ولا يطمع فى مثله، والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد
(٢) عن عبد الرحمن بن هلال (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن محمد بن أبي اسماعيل ثنا عبد الرحمن بن هلال العبسى- الحديث» (غريبه) (١) معناه أرضوه ببذل الواجب وملاطفته، وهذا محمول على ظلم لا يفسق به الساعى إذ لو فسق لانعزل ولم يجب الدفع اليه بل لا يجزئ (٢) أى ما رجع عنى (٣) يشير ﷺ إلى رفق المصدق برب المال (تخريجه) (م. د. نس)
(٣) عن جرير بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد ابن هارون أنا داود عن عامر عن جرير بن عبد الله- الحديث» (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد من حديث جرير بهذا اللفظ، وروى نحوه الطبرانى فى الأوسط من حديث أبى هريرة ﵁ بلفظ «لا يصدر المصدق إلا وهو عنكم راض» ورجاله ثقات
[ ٩ / ٤٠ ]
-[زوائد الباب- وإرضاء المصدق وعدم كتم شئ من الأموال عنه]-
(٥) باب كراهة تيمم الخبيث ودفعه فى الصدقة وفضل الصدقة بالطبيب
(٨٣) عن كثير بن مرَّة الحضرمىِّ عن عوف بن مالكٍ الأشجعىِّ قال خرج علينا رسول الله ﷺ ومعه العصا وفى المسجد أقناءٌ معلَّقةٌ فيها فنوٌ فيه حشفٌ
_________________
(١) (زوائد الباب) (عن بشيربن الخصاصية) ﵁ قال قلنا يا رسول الله إن قومًا من أصحاب الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال لا (د. عب) وسكت عنه أبو داود والمنذرى (وعن هنيد مولى المغيرة بن شعبة) وكان على أمواله بالطائف، قال قال المغيرة بن شعبة كيف تصنع فى صدقة أموالى؟ قال منها ما أدفعه إلى السلطان ومها ما أتصدق بها، فقال مالك وما لذلك؟ قال إنهم يشترون بها البزوز ويتزوجون بها النساء ويشترون بها الأرضين، قال فادفعها اليهم فان النبى ﷺ أمرنا أن ندفعها اليهم وعليهم حسابهم (هق) (وعن نافع عن ابن عمر) قال ادفعوا صدقات أموالكم إلى من ولّاه الله أمركم فمن برَّ فلنفسه، ومن أثم فعليها (هق) (وعن عائشة ﵂) قالت قال رسول الله ﷺ تؤخذ صدقات أهل البادية على مياههم وبأفنيتهم، أورده الهيثمى، وقال رواه الطبرانى فى الاوسط وإسناده حسن (قلت) ورواه أيضًا البيهقى (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية ذهاب المصدّق إلى محل أرباب الأموال وأخذ صدقاتهم، لأن ذلك أرفق بحالهم ولا يجوز تكليفهم بالذهاب إلى المصدق لما فى ذلك من المشقة (وفيها أيضًا) دليل على إرضاء المصدق باعطائه الواجب من غير مطل، ولا غش ولا خيانة ولا كتم شئ من الأموال وإن كان ظالمًا فوزره على نفسه، قال ابن الملك وإنما لم يرخص فى ذلك لأن كتمان بعض المال خيانة ومكر، ولأنه لو رخص لربما كتم بعضهم على عامل غير ظالم، وقال ابن رسلان لعل المراد بالمنع من الكتم ان ما أخذه الساعى ظلمًا يكون فى ذمته لرب المال، فان قدر المالك على استرجاعه منه وإلا استقر فى ذمته اهـ. وفيها غير ذلك، والله أعلم
(٢) عن كثير بن مرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الحميد ابن جعفر عن صالح بن أبى غريب عن كثير بن مرة الحضرمى- الحديث» (غريبه) (١) جمع قنو بكسر القاف أو ضمها وسكون النون، هو العذق بما فيه من الرطب (٢) الحشف بفتح الحاء والشين المعجمة هو اليابس الردئ من التمر، وكان الناس يعلقون الأقناء فى المسجد زمن الجداد ليأكل منه المحتاجون، فقد روى ابن ماجه بسند صحيح عن البراء بن عازب ﵁ فى قوله تعالى ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه
[ ٩ / ٤١ ]
-[كراهة تعمد الخبيث ودفعه فى الصدقة- وما جاء فى خراب المدينة]-
فغمز القنو بالعصا الَّتى فى يده قال لو شاء ربُّ هذه الصَّدقة تصدَّق بأطيب منها، إنَّ ربَّ هذه الصَّدقة ليأكل الحشفة يوم القيامة قال ثم أقبل علينا، فقال أما والله يا أهل المدينة لتدعنَّها أربعين عامًا للعوافي قال
_________________
(١) تنفقون﴾ قال نزلت فى الأنصار، كانت الأنصار تخرج إذا كان جداد النخل من حيطانها أقناء البسر فيعلقونه على حبل بين اسطوانتين فى مسجد رسول الله ﷺ فيأكل منه فقراء المهاجرين، فيعمد أحدهم فيدخل قنوًا فيه الحشف يظن انه جائز فى كثرة ما يوضع من الأقناء، فنزل فيمن فعل ذلك ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ يقول لا تعمدوا للحشف منه تنفقون ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ يقول لو أهدى لكم ما قبلتموه إلا على استحياء من صاحبه غيظًا أنه بعث اليكم ما لم يكن لكم فيه حاجة ﴿واعلموا أن الله غنى﴾ عن صدقاتكم (١) لفظ ابن ماجه «فجعل يطعن يدقدق فى ذلك القنو» أى يضربه بالعصا يشير إلى حقارة ذلك القنو، وأن صاحبه لم يؤد ما طلب منه على الوجه الأكمل (٢) يعنى يجازى على فعله السيئ، وأطلق الأكل على الجزاء مشاكلة، ويحتمل أن يكون جزاؤه أكل الحشف حقيقة بأن يخلق الله له شهوة أكله جراء صنعه (٣) الظاهر والله أعلم أن ذلك فى آخر الزمان عند خراب المدينه كما فى رواية عند الأمام أحمد عن أبى هريرة، وستأتى فى أبواب فضائل المدينة، قال قال رسول الله ﷺ ليدعن أهل المدينة المدينة وهى خير ما يكون مرطبة مونعة، فقيل من يأكلها؟ قال الطير والسباع (وروى مسلم عن أبى هريرة أيضًا) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافى يعنى السباع والطير ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشًا «أى خلاء لا ساكن بها» حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرَّا على وجوههما، وفى رواية عن حذيفة ﵁ قال أخبرنى رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى قيام الساعة، فما منه شئ إلا وقد سألته عنه إلا أنى لم أسأله عما يخرج أهل المدينة من المدينة، زاد فى رواية لابن أبي شيبة عن أبى هريرة مرفوعًا يخرجهم أمراء السوء (وفى رواية أخرى) يخرج أهل المدينة من المدينة ثم يعودون اليها فيعمرونها حتى تملأ ثم يخرجون منها فلا يعودون اليها أبدًا، قيل فمن يأكل رطبها وبسرها؟ قال الطير والسباع «وقد فسر بعض العلماء» هذه الأحاديث بما وقع لأهل المدينة فى خلافة يزيد بن معاوية (قال الأمام القرطبى فى التذكرة) وقد وقع ما أخبر به النبى ﷺ من خراب المدينة لما ارتحل أهلها منها وتحولت الخلافة الى الشام، وكانت معقل الخلافة، فوجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة فى جيش عظيم من أهل الشام، فنزل
[ ٩ / ٤٢ ]
-[كلام العلماء فى خراب المدينة مرتين]-
فقلت الله أعلم قال يعنى الطير والسِّباع قال وكنَّا نقول إنَّ هذا الَّذى تسمِّيه العجم هى الكراكىُّ
(٨٤) عن قتادة قال سمعت أبا المليح يحدِّث عن أبيه أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ فى بيت يقول إنَّ الله ﷿ لا يقبل صلاةً بغير طهورٍ ولا صدقةً من غلولٍ
(٨٥) وعن ابن عمر ﵁ عن النَّبىِّ ﷺ نحوه
_________________
(١) بالمدينة وقاتل أهلها حتى هزمهم وقتلهم بحرّة المدينة قتلًا ذريعًا، واستباح المدينة ثلاثة أيام فسميت وقعت الحرّة، قال وذكر أهل الأخبار أنها خلت من أهلها وبقيت ثمارها للطير والسباع كما أخبر رسول الله ﷺ، ثم تراجع الناس اليها؛ وفى حال خلائها عدت الكلاب على سوارى المسجد اهـ (وحمله آخرون) على خراب المدينة آخر الزمان مستدلين بحديث أبى هريرة عند ابن أبي شيبة وفيه ثم يخرجون منها فلا يعودون اليها أبدًا (قلت) ويمكن الجمع بخراب المدينة مرتين، المرة الأولى وقعت فى خلافة يزيد، والثانية ستكون فى آخر الزمان كما يستفاد ذلك من حديث أبى هريرة المتقدم بلفظ «يخرج أهل المدينة من المدينة، ثم يعودون اليها فيعمرونها حتى تملأ، ثم يخرجون منها فلا يعودون اليها أبدًا» فالخروج الأول فى زمن يزيد، والثانى فى آخر الزمان والله أعلم، ويستفاد من قوله أربعين عامًا أن نخل المدينة يبقى أربعين عامًا بعد خرابها يثمر كل عام فلا يوجد من يأكل ثمره إلا الطير والسباع، والظاهر أن هذا لا يكون إلا فى آخر الزمان والله أعلم (١) معنى هذا أن الراوى يتردد فى سماع تفسير العوافى بالطير والسباع ممن هو أعلى منه «والكراكىّ» جمع كركىّ طائر معروف له خواص، ذكره فى القاموس (تخريجه) (د. نس. جه) وسنده جيد
(٢) عن قتادة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة وحجاج حدثنى شعبة عن قتادة- الحديث» (غريبه) (٢) بضم الغين المعجمة الخيانة وأصله السرقة من الغنائم قبل القسمة، قاله النووى (تخريجه) (الأربعة. وغيرهم) وسكت عنه أبو داود والمنذرى
(٣) عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن شعبة حدثنى سماك بن حرب عن مصعب بن سعد أن ناسًا دخلوا على ابن عامر فى مرضه فجعلوا يثنون عليه، فقال ابن عمر أما أنى لست بأغشهم لك، سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله ﵎ لا يقبل صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور (تخريجه) (م
[ ٩ / ٤٣ ]
-[فضل الصدقة من كسب حلال- وان الله يضاعفها لصاحبها]-
(٨٦) عنَّ أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إنَّ العبد إذا تصدَّق من طيِّبٍ تقبَّلها الله منه وأخذها بيمينه وربَّاها كما يربِّى أحدكم مهره أو فصيله، وإنَّ الرَّجل ليتصدَّق باللُّقمة فتربوا فى يد الله، أو قال فى كفِّ الله حتَّى تكون مثل الجبل فتصدَّقوا (وعنه من طريقٍ ثانٍ) أنَّ رسول الله ﷺ قال ما من عبدٍ مؤمنٍ تصدَّق بصدقةٍ من طيِّبٍ ولا يقبل الله إلا طيِّبًا ولا يصعد السَّماء إلَّا طيِّبٌ إلَّا وهو يضعها فى يد الرحمن أو فى كف الرَّحمن فيربِّيها له كما يربِّى أحدكم فلوَّه أو فصيله حتَّى إنَّ التَّمرة لتكون مثل الجبل العظيم
(٨٧) وعنه أيضًا قال قال رسول الله ﷺ من تصدَّق بعدل تمرةٍ من كسبٍ طيِّبٍ ولا يصعد إلى الله إلَّا الطَّيِّب فإنَّ الله يقبلها بيمينه ثمَّ يربِّيها لصاحبها كما يربِّى أحدكم فلوَّه حتَّى تكون مثل الجبل
_________________
(١) (والأربعة. وغيرهم)
(٢) عن أبى هريرة ﵁ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب عن القاسم بن محمد عن أبى هريرة- الحديث» (غريبه) (١) أى من كسب حلال، وتقدم شرح هذا الحديث بطريقيه فى شرح حديثين آخرين لأبى هريرة أيضًا ذكرًا فى أول كتاب الزكاة فى باب ما ورد فى فضلها من الجزء الثامن فارجع اليه (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا قتيبة ثنا بكر بن مضر عن ابن عجلان أن سعيد بن يسار أبا الحباب أخبره عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ- الحديث» (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٣) وعنه أيضًا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو النضر وحسن بن موسى قالا ثنا ورقاء عن عبد الله بن دينار عن سعيد بن يسار عن أبى هريرة- الحديث» (غريبه) (٣) بكسر العين المهملة وفتحها بمعنى المثل، وقيل هو بالفتح ما عادله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه، وقيل بالعكس (نه) (تخريجه) (ق. وغيرهما) (زوائد الباب) (عن أبى أمامة) بن سهل عن
[ ٩ / ٤٤ ]
-[تفسير قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم- الآية) وسبب نزولها]-
_________________
(١) أبيه قال نهى رسول الله ﷺ عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذ فى الصدقة (قال الزهرى) لونين من تمر المدينة، رواه أبو داود (والجعرور) بضم الجيم وسكون العين المهملة بوزن عصفور نوع ردئ من التمر لا خير فيه (ولون الحبيق) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة تمر صغير ردئ أغبر فيه طول منسوب الى ابن حبيق اسم رجل (ورواه أيضًا الحاكم والدارقطنى) بأتم من هذا عن سهل قال أمر رسول الله ﷺ بصدقة فجاء رجل من هذا السُّخُّل بكبائس، قال سفيان يعنى الشيص، فقال رسول الله ﷺ من جاء بهذا؟ وكان لا يجئ أحد بشئ الا نسب الى الذى جاء به، فنزلت ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ قال ونهى رسول الله ﷺ عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذا فى الصدقة (قال الزهرى) لونين من تمر المدينة (والسُّخّل) بضم السين المهملة وتشديد الخاء المعجمة المفتوحة الشيص كما ذكره سفيان (والكبائس) جمع كباسة بكسر الكاف العذق وهو من التمر كالعنقود من العنب (الأحكام) دلت أحاديث الباب على أنه لا يجوز لرب المال أن يقصد الردئ من أمواله ويدفعه فى الزكاة، وأقوى دليل على ذلك قوله ﷿ ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، واعلموا أن الله غنى حميد﴾ وتفسير ذلك أن الله ﷿ يأمر عباده المؤمنين بالنفاق، والمراد به ههنا الصدقة من طيبات ما رزقهم من الأموال التى اكتسبوها، قاله بن عباس؛ وقال مجاهد يعنى التجارة بتيسيره إياها لهم، وقال على والسدى ﴿من طيبات ما كسبتم﴾ يعنى الذهب والفضة ومن الثمار والزرع التى أنبتها لهم من الأرض (قال ابن عباس) ﵄ أمرهم بالأنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه، فان الله تعالى طيب لا يقبل الا طيبًا ولهذا قال ﴿ولا تيمموا الخبيث﴾ أى تقصدوا الخبيث ﴿منه تنفقون ولستم بآخذيه﴾ أى لو أعطيتموه ما أخذتموه إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم فلا تجعلوا لله ما تكرهون (وسبب نزول هذه الآية) على ما رواه ابن أبى حاتم بسنده عن البراء بن عازب ﵁ قال نزلت فينا، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته فيأتى الرجل بالقنو فيعلقه فى المسجد وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع جاء فضرب بعصاه فسقط منه البسر والتمر فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغبون فى الخير يأتي بالقنو والحشف والشيص فيأتى بالقنو قد انكسر فيعلقه فنزلت ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ قال لو أن أحدكم أهدى له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجئ الرجل منا بصالح ما عنده ﴿واعلموا
[ ٩ / ٤٥ ]
-[أدلة القائلين بوجوب تفرقة الزكاة فى بلدها]-
_________________
(١) أن الله غني حميد﴾ أى وإن امركم بالصدقات وبالطيب منها فهو غنى عنها، وما ذاك إلا أن يساوى الغنى الفقير كقوله تعالى ﴿لم ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾ وهو غنى عن جميع خلقه، وجميع خلقه فقراء اليه وهو واسع الفضل لا ينفد ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب فليعلم أن الله غنى واسع العطاء كريم جواد وسيجزيه بها ويضاعفها له أضعافًا كثيرة وهو (الحميد) أى المحمود فى جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره لا إله غيره ولا رب سواه (وفى حديث أمامة بن سهل) المذكور فى الزوائد دلالة على أنه لا يجوز لرب المال أن يدفع زكاة التمر الردئ بدلًا من الجيد الذى وجبت فيه الزكاة وهو نص فى التمر، وتقدم النهى عن أخذ الردئ فى كل الأموال فى زوائد باب اجتناب كرائم أموال الناس فى الزكاة وما يجزى من النعم صحيفة ٢٣٢ فى الجزء الثامن، والذى ينبغى لرب المال أن يعطى الصدقة سواء أكانت واجبة أن تطوعًا من أفضل ماله كسبًا ونوعًا، فان ذلك أقرب إلى القبول وأجدر بالثواب العظيم قال تعالى ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا﴾ فان أعطى من أوساط ماله فلا بأس بذلك، أما من دنيئه فلا والله أعلم (تتمة فى تفرقة الزكاة فى بلدها ومراعاة المنصوص عليه لا القيمة) (عن أبى جحيفة) ﵁ قال قدم علينا مصدّق رسول الله ﷺ فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها فى فقرائنا، فكنت غلامًا يتيمًا فأعطانى منها قلوصًا «أى ناقة شابة وتجمع على قلائص وقلاص وقلص» رواه الترمذى وقال حديث حسن (وعن عمران ابن حصين) ﵁ أنه استعمل على الصدقة، فلما رجع قيل له أين المال؟ قالوا وللمال أرسلتنى؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله ﷺ ووضعناه حيث كنا نضعه (د. جه) وسكت عنه أبو داود والمنذرى ورجال اسناده رجال الصحيح إلا ابراهيم بن عطاء وهو صدوق (وعن طاوس) قال كان فى كتاب معاذ من خرج من مخلاف الى مخلاف «أى من عشيرة الى عشيرة أخرى أو من بلد الى بلد آخر» فان صدقته وعشره فى مخلاف عشيرته؛ رواه الأثرم فى سننه، وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور بأسناد صحيح الى طاوس بلفظ «من انتقل من مخلاف عشيرته فصدقته وعشره فى مخلاف عشيرته» (وعن معاذ ابن جبل ﵁) أن رسول الله ﷺ بعثه الى اليمن، فقال خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الأبل والبقر من البقر (د. جه. ك) وصححه على شرط البخارى ومسلم، وفى اسناده عطاء عن معاذ ولم يسمع منه لأنه ولد بعد موته أول سنة موته أو بعد موته بسنة، وقال البزار لا نعلم أن عطاء سمع من معاذ (أحكام التتمة) استدل بهذه الأحاديث على مشروعية صرف الزكاة كل بلد فى فقراء أهله وكراهية صرفها في غيرهم
[ ٩ / ٤٦ ]
-[مذاهب الأئمة فى حكم نقل الزكاة من بلدها- وهل تجزئ القيمة؟]-
_________________
(١) وقد روى عن الأئمة (مالك والشافعى والثورى) أنه لا يجوز صرفها فى غير فقراء البلد (وقالت الحنفية) إنه لا يجوز مع كراهة لما علم بالضرورة أن النبى ﷺ كان يستدعى الصدقات من الأعراب الى المدينة ويصرفها فى فراء المهاجرين والأنصار كما أخرج النسائى من حديث (عبد الله بن هلال) الثقفى قال جاء رجل الى رسول الله ﷺ فقال كدت أن أقتل بعدك فى عناق أو شاة من الصدقة، فقال ﷺ لولا أنها تعطى فقراء المهاجرين ما اخذتها (وقالت الحنابلة) يستحب تفرقتها فى بلدها ثم الأقرب فالأٌرب من القرى والبلدان فان نقلها إلى البعيد لقرابة أو لمن كان أشد حاجة جاز ما لم يبلغ مسافة القصر، فان بلغها فلا يجوز (قال ابن قدامة) فان استغنى عنها فقراء أهل بلدها جاز نقلها، نص عليه أحمد فقال قد تحمل الصدقة إلى الأمام إذا لم يكن فقراء، أو كان فيها فضل عن حاجتهم اهـ (وحديث طاوس) يدل على أن من انتقل من بلد الى بلد كان زكاة ماله لأهل البلد الذى انتقل منه مهما أمكن ايصال ذلك اليهم (وحديث معاذ) يدل على أن الزكاة تجب من العين ولا يعدل عنها إلى القيمة الا عند عدمها وعدم الجنس (وبذلك قالت الشافعية والحنابلة) والهادى والقاسم والأمام يحيى، واستدلوا أيضًا بما جاء فى حديث أنس فى باب ما جاء فى كتاب رسول الله ﷺ الذى جمع فيه فرائض الصدقة رقم ٢٥ صحيفة ٢١٢ من الجزء الثامن «فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليس عنده جذعة وعنده حقة فانها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهمًا» فان ذلك ونحوه يدل على أن الزكاة واجبة فى العين، ولو كانت القيمة هى الواجبة لكان ذكر ذلك عبثًا لأنها تختلف باختلاف الأزمنة والمكنة (وللمالكية) فى هذه المسألة أقوال، جواز القيمة مطلقًا؛ وعدم الجواز مطلقًا، وجواز إخراج الذهب والفضة عن الحرث والماشية فقط مع الكراهة، وعدم الجواز فيما عدا ذلك (وذهب أبو حنيفة) والمؤيد بالله والناصر والمنصور بالله وأبو العباس وزيد ابن على إلى جواز إخراج القيمة، واستدلوا بما أخرجه البيهقى وعلقه البخارى عن معاذ أنه قال لأهل اليمن ائتونى بعرضٍ ثيابٍ خميص أو لبيس فى الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب رسول الله ﷺ، والخميص ثوب من خز له علمان، قالوا وهذا الخبر رواه البخارى معلقًا بصيغة الجزم الدالة على صحته عنده، والخميص واللبيس ليس إلا قيمة عن الأعيام التى تجب فيها الزكاة، لكن قال الشوكانى فيه انقطاع، قال وقال الاسماعيلى إنه مرسل فلا حجة فيه ولا سيما مع معارضته لحديثه المتفق عليه «وهو أن النبى ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال خذها من أغنيائهم وضعها فى فقرائهم» أو يحمل على أنه بعد كفاية من فى اليمن، وإلا فما كان معاذ ليخالف رسول الله ﷺ، فالحق أن الزكاة واجبة من العين لا يعدل عنها الى القيمة إلا لعذر اهـ. والله أعلم
[ ٩ / ٤٧ ]
-[نبذة من ترجمة عدي بن حاتم الطائي ﵁]-
أبواب تقسيم الصدقة وبيان الاصناف الثمانية
(١) باب جواز اعطاء قوم وحرمان آخرين لمصلحة يراها لأمام
(٨٨) عن عمر بن الخطَّاب ﵁ قال قسم رسول الله ﷺ قسمةً نقلت يا رسول الله لغير هؤلاء أحقُّ منهم، قال فقال النَّبيُّ ﷺ إنَّهم خيَّرونى بين أن يسألونى بالفحش أو يبخِّلونى فلست بباخلٍ
(٨٩) عن عديِّ بن حاتمٍ ﵁ قال أتيت عمر بن الخطَّاب ﵁ فى أناسٍ من قومى فجعل يفرض للرَّجل من طيِّئٍ في ألفين ويعرض عنِّى، قال فاستقبلته فأعرض عنِّي، ثمَّ أتيته من حيال وجهه فأعرض
_________________
(١) عن عمر بن الخطاب ﵁ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنبأنا سفيان عن الأعمش عن شقيق بن سلمة عن سلمان بن ربيعة عن عمر ﵁- الحديث» (غريبه) (١) معنى هذا الحديث أنهم ألحوا فى المسألة لضعف إيمانهم وألجأوه ﷺ بمقتضى حالهم إلى السؤال بالفحش أى الكلام الذى لا ينبغى أن يقال لمثله ﷺ أو نسبته الى البخل وهو ﷺ ليس ببخيل ولا ينبغى احتمال واحد من الأمرين، ففيه مداراة أهل الجهالة والقسوة وتألفهم إذا كان فيه مصلحة وجواز دفع المال اليهم لهذه المصلحة، والله أعلم
(٢) عن عدى بن حاتم (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا بكر بن عيسى ثنا أبو عوانه عن المغيرة عن الشعبى عن عدى بن حاتم- الحديث» (غريبه (٢) هو عدى بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدى الطائى أبوه حاتم الطائى الجواد المشهور الذى يضرب به المثل فى الكرم، أسلم عدى فى سنة تسع وقيل سنة عشر وكان نصرانيًا قبل ذلك، وثبت على إسلامه فى الردة وأحضر صدقة قومه إلى أبى بكر وشهد فتوح العراق ثم سكن الكوفة وشهد صفين مع على ومات بعد الستين وقد أسن، قال خليفة بلغ عشرين ومائة سنة، وقال أبو حاتم السجستانى بلغ مائة وثمانين، قال خليفة عن عدى بن حاتم ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء؛ وجزم خليفة بأنه مات سنة ثمان وستين ﵁ أفاده الحافظ فى الأصابة (٣) اسم قبيلة عدي بن حاتم الطائي
[ ٩ / ٤٨ ]
-[جواز إعطاء قوم من الصدقة وحرمان آخرين لمصلحة يراها الإمام]-
عنيَّ، قال فقلت يا أمير المؤمنين أتعرفني؟ قال فضحك حتى استلقى لقفاه ثم قال نعم والله إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، واقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وإن أول صدقةٍ بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة عدي جئت بها إلى رسول الله ﷺ (١) ثم أخذ يعتذر، ثم قال إنما فرضت لقومٍ أجحفت (٢) بهم الفاقة وهم سادة عشائرهم لما ينوبهم من الحقوق (٣)
(٩٠) عن عامر بن سعد بن أبي وقاصٍ عن أبيه ﵁ قال أعطى النبي ﷺ رجالًا ولم يعط رجلًا منهم شيئًا، فقال سعدٌ يا نبي الله أعطيت فلانًا وفلانًا ولم تعط فلانًا شيئًا وهو مؤمن؟ فقال النبي ﷺ أو مسلمٌ (٤) حتى أعادها سعد ثلاثًا والنبي ﷺ يقول أو مسلمٌ، ثم قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إني لأعطي رجالًا وأدع من هو أحب إليَّ منهم فلا أعطيه شيئًا مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم (٥)
_________________
(١) هذه الخصال حصلت من عدي بن حاتم ﵁. وهي تدل على فضله، وغنما أعرض عنه عمر ﵁ ولم يعطه من الصدقة لما يعلمه فيه من العفة ورسوخ الأيمان، ولذلك اعتذر إليه وبين وجهه نظره في حرمانه وإعطاء غيره (٢) أي أفقرتهم الحاجة وأذهبت أموالهم (٣) أي لما ينزل بهم من المهمات والحوادث، ولأن الناس يقصدونهم في حوائجهم ومهماتهم لكونهم سادة عشائرهم، وقد نابه ينوبه نوبًا، وانتابه إذا قصده مرة بعد أخرى (تخريجه) أخرجه ابن سعد وغيره وبعضه في مسلم
(٢) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه - الحديث" (غريبه) (٤) بإسكان الواو على الأضراب عن قوله والحكم بالظاهر؛ كأنه قال بل مسلم ولا نقطع بأيمانه، فإن الباطن لا يطلع عليه إلا الله، فالأولى أن يعبر بالإسلام، وليس ح كمًا بعدم إيمانه بل نهى عن الحكم بالقطع به، والله أعلم (٥) قال النووي معنى هذا الحديث أن سعدًا رأى رسول الله ﷺ يعطي ناسًا ويترك من هو أفضل منهم في الدين
[ ٩ / ٤٩ ]
-[التعريف بالمسكين]-
(٢) باب ما جاء في الفقير المسكين
(٩١) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ليس المسكين هذا الطوَّاف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة
_________________
(١) وظن أن العطاء يكون بحسب الفضائل في الدين، وظن أن النبي ﷺ لم يعلم حال هذا الإنسان المتروك فأعلمه به وحلف أنه يعلمه مؤمنًا، فقال له النبي ﷺ أو مسلمًا فلم يفهم منه النهي عن الشفاعة فيه مرة أخرى فسكت، ثم رآه يعطي من هو دونه بكثير فغلبه ما يعلم من حسن حال ذلك الإنسان، فقال يا رسول الله مالك عن فلان (كذا في رواية مسلم) تذكيرًا وجوّز أن يكون النبي ﷺ همَّ بعطائه من المرة الأورى ثم نسيه فأراد تذكيره، وهكذا المرة الثالثة إلى أن أعلمه النبي ﷺ أن العطاء ليس هو على حسب الفضائل في الدين فقال ﷺ "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار" هكذا في رواية مسلم، والمعنى أني أعطي ناسًا مؤلفة. في إيمانهم ضعف. لو لم أعطهم كفروا فيكبهم الله في النار، وأترك أقوامًا هم أحب إلي من الذين أعطيتهم، ولا أتركهم احتقارًا لهم ولا لنقص دينهم ولا إهمالًا لجانبهم، بل أكلهم إلى ما جعل الله في قلوبهم من النور والإيمان التام وأثق بأنهم لا يتزلزل إ يمانهم لكماله؛ وقد ثبت هذا المعنى في صحيح البخاري (قلت والإمام أحمد أيضًا وسيأتي) عن عمرو بن تغلب أن رسول الله ﷺ أُتي بمال أو سبي فقسمه فأعطى رجالًا وترك رجالًا، فبلغه أن الذين ترك عتبوا فحمد الله تعالى ثم أثنى عليه، ثم قال أما بعد فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل والذي أدع أحب إليّ من الذي أعطي ولكني أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع وأكل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير اهـ (تخريجه) (ق. وغيرهما) (وفي الباب) أحاديث أخرى ستأتي في باب قسم الغنائم من كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أنه يجوز للإمام أو لمن يتولى قسم الزكاة أن يتصرف في القسمة على حسب المصلحة، فيعطي هذا ويمنع هذا، وله أن يفضل بعض الناس على بعض في العطية مراعيًا في ذلك المصلحة العامة التي تعود على الأمة بالخير مخلصًا لوجه الله تعالى، فإن توجه إليه لوم ممن لا يعرفون مقصده بين لهم السبب برفق وردّ جميل كما رد النبي ﷺ على سعد بن أبي وقاص، وكما اعتذر عمر بن الخطاب ﵁ لعدي بن حاتم، وبمثل هذا تساس الأمم وتصلح الرعية، وسيأتي لذلك مزيد بحث في باب ما جاء في المؤلفة قلوبهم والله الموفق
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق بن
[ ٩ / ٥٠ ]
-[التعريف بالمسكين - وكلام العلماء في ذلك]-
والتمرتان (١) إنما المسكين الذين لا يجد غنى يغنيه ويستحي (٢) أن يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه (وعنه من طريق ثان) (٣) قال قال رسول الله ﷺ ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان (٤) أو التمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل شيئًا ولا يفطن بمكانه فيعطى (وعنه من طريقٍ ثالث بنحوه وفيه) (٥) قالوا فمن المسكين يا رسول الله؟ قال الذي لا يجد غنىً ولا يعلم الناس بحاجته فيتصدق عليه، قال الزهري وذلك هو المحروم (٦)
_________________
(١) همام ثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال - الحديث" (غريبه) (١) أي عند طوافه على الناس للسؤال لأنه قادر على تحصيل قوته وربما يقع له زيادة عليه، وليس المراد نفي المسكنة عن الطوّاف بل نفى كمالها لأنهم أجمعوا على أن السائل الطوّاف المحتاج مسكين (وقوله إنما المسكين) أي الكامل (الذي ليس له غنى) بكسر الغين المعجمة مقصورًا أي يسار (ويغنيه) صفة له وهو قدر زائد على اليسار، إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغني به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، واللفظ محتمل لأن يكون المراد نفي أصل اليسار، ولأن يكون المراد نفي اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار، وعلى الاحتمال الثاني ففيه أن المسكين هو الذي يقدر على مال أو كسب يقع موقعًا من حاجته ولا يكفيه كثمانية من عشرة، وهو حينئذ أحسن حالًا من الفقير فإنه الذي لا مال له أصلًا أو يملك مالًا يقع موقعًا من كفايته كثلاثة من عشرة، واحتجوا بقوله تعالى ﴿أما السفينة فكانت لمساكين﴾ فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة لكنها لا تقوم بجميع حاجتهم (٢) بياء واحدة ويجوز بياءين (وقوله) فيتصدق منصوب بفاء السببية (٣) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو نعيم قال ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ ليس المسكين - الحديث" (٤) بالضم فيهما (قال أهل اللغة) الأكلة بالضم اللقمة، وبالفتح المرة من الغداء والعشاء، تقول أكلت أكلة واحدة أي لقمة، وأما بالفتح فالأكل مرة واحدة حتى يشبع (٥) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان والأكلة والأكلتان، قالوا فمن المسكين؟ الخ (٦) المذكور في قوله تعالى ﴿وفي أموالهم حق
[ ٩ / ٥١ ]
-[تفسير المحروم من هو؟ وكراهة الإلحاف في السؤال]-
وعنه من طريقٍ رابعٍ) (١) أن النبي ﷺ قال ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان أو اللقمة واللقمتان، إنما المسكين المتعفف، اقرءوا إن شئتم ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾ (١) (وعنه من طريق خامس) (٢) عن النبي ﷺ قال ليس المسكين بالطوَّاف عليكم أن تطعموه لقمةً لقمةً، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافًا
(٩٢) قر وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نحوه
_________________
(١) للسائل والمحروم﴾ وهو قول الزهري وقتادة، وقال ابن عباس ومجاهد وهو المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم، يعني لا سهم له في بيت المال ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها، وقالت عائشة ﵂ هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه، وقيل غير ذلك والله أعلم (١) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سليمان بن داود أنبأنا إسماعيل يعني ابن جعفر قال أخبرني شريك يعني ابن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة - الحديث" (٢) أي إلحاحًا وهو أن يلازم المسئول حتى يعطيه من قولهم لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده، ومعناه أنهم لا يسألون الناس وإن سألوا عن ضرورة لم يلحو، وقيل هو نفي للسؤال والإلحاح، ولا ريب أن نفي السؤال والإلحاح أدخل في التعفف (٣) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد أنا ابن أبي ذئب عن أبي الوليد عن أبي هريرة - الحديث" (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) "قر" وعن عبد الله بن مسعود (سنده) حدثنا عبد الله قال قرأت على أبي حدثك عمرو بن مجمع ثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ إن المسكين ليس بالطوّاف الذي ترده اللقمة واللقمتان أو التمرة والتمرتان، قلت يا رسول الله فمن المسكين؟ قال الذي لا يسأل الناس ولا يجد ما يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه (تخريجه) لم أقف عليه من حديث ابن مسعود لغير الإمام أحمد، وفي إسناده إبراهيم الهجري "بفتح الهاء والجيم" ليين الحديث ويعضده ما قبله، وهذا الحديث من الأحاديث التي قرأها عبد الله على أبيه ولم يسمعها منه، ولذلك رمزنا له في أوله بقاف وراء هكذا "قر" كما ذكرنا في مقدمة الكتاب
[ ٩ / ٥٢ ]
-[تقبيح السؤال والعمل على ما يغني عنه بكل وسيلة - ومن يجوز له السؤال]-
(٩٣) عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا من الأنصار أتى النبي ﷺ فشكا إليه الحاجة، فقال له النبي ﷺ ما ع ندم شيءٌ؟ فأتاه بحلسٍ (١) وقدحٍ وقال النبي ﷺ من يشتري هذا؟ فقال رجلٌ أنا آخذهما بدرهمٍ، قال من يزيد على درهمٍ؟ فسكت القوم، فقال من يزيد على درهمٍ؟ فقال رجلٌ أنا آخذهما بدرهمين، فقال هما لكن ثم قال إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثٍ، ذي دمٍ موجعٍ (٢) أو غرمٍ (٣) مفظعٍ، أو فقرٍ مدقعٍ (٤)
_________________
(١) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد عن الأخضر بن عجلان حدثني أبو بكر الحنفي عن أنس بن مالك - الحديث" (غريبه) (١) بكسر الحاء وسكون اللام هو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب (والقدح) إناء يشرب فيه الماء كما جاء مصرحًا بذلك في رواية أبي داود بلفظ "وقُعب نشرب فيه من الماء (٢) هو الذين يتحمل دية عن قريبه أو حميمه أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول وإن لم يدفعها قتل قريبه أو حميمه الذي يتوجع لقتله وإراقة دمه (٣) الغرم بضم الغين المعجمة وسكون الراء هو ما يلزم أداؤه تكلفًا لا في مقابلة عوض (والمفظع) بضم الميم وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة وبالعين المهملة، وهو الشديد الشنيع الذي جاوز الحد (٤) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر القاف، وهو الفقر الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء، وهي الأرض التي لا نبات بها (تخريجه) أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي بنحو حديث الباب، وأخرجه أبو داود والبيهقي بأطول منه، وفيه بعد قوله "فقال رجل أنا آخذهما بدرهمين" فأعطا هما إياه وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري (يعني صاحب الحلس والقدح) وقال اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فأتني به، فأتاه به فشد فيه رسول الله ﷺ عودًا بيده، ثم قال له اذهب فاحتطب وبع ولا أريّنك خمسة عشر يومًا، فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشتري ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال رسول الله ﷺ هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة، لذي فقر مدقع. أو لذي غرم مفظع. أو لذي دم موجع (الأحكام) في أحاديث الباب دلالة على أن المسكين هو الجامع بين عدم الغنى وعدم تفطن الناس له لما يظن به لأجل تعففه وتظهره بصورة الغنى من عدم الحاجة، ومع هذا فهو
[ ٩ / ٥٣ ]
-[مذاهب العلماء في تعريف الفقير والمسكين - وبيان المقدار الذي يصير به الرجل غنيا]-
_________________
(١) المستعف عن السؤال، وقد استدل به من يقول أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وأن المسكين الذين له شيء لكنه لا يكفيه، والفقير الذي لا شيء له، ويؤيده قوله تعالى ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها وإلى هذا ذهب (الشافعي والجمهور) كما قال الحافظ (وذهب أبو حنيفة والعترة) إلى أن المسكين دون الفقير، واستدلوا بقوله تعالى أو مسكينًا ذا متربة، قالوا لأن المراد أنه يلصق بالتراب للعري (وقال ابن القاسم) وأصحاب مالك إنهما سواء؛ وروي عن أبي يوسف ورجحه الجلال، قال لأن المسكنة لازمة للفقر، إذ معناها الذل والهوان، فإنه ربما كان يغني النفس أعز من الملوك الأكابر، بل معناها العجز عن إدراك المطالب الدنيوية والعاجز ساكن عن الانتهاض إلى مطالبة اهـ (قال الشوكاني) ومن جملة حجج القول الأول قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم "اللهم أحيني مسكينًا مع تعوذه ﷺ من الفقر" قال والذي ينبغي أن يعوّل عليه أن يقال المسكين من اجتمعت له الأوصاف المذكورة في الحديث، والفقير من كان ضد الغنى كما في الصحاح والقاموس وغيرهما من كتب اللغة، (وسيأتي تحقيق الغنى) فيقال لمن عدم الغنى فقير، ولمن عدمه مع التعفف عن السؤال وعدم تفطن الناس له مسكين، وقيل إن الفقير من يجد القوت. والمسكين من لا شيء له، وقيل الفقير المحتاج. والمسكين من أذلة الفقر. حكى هذين صاحب القاموس اهـ. والله أعلم (وفي أحاديث الباب أيضًا) دلالة على جواز المسألة "لذي دم موجع. أو غرم مفظع. أو فقر مدقع" (وقد اختلف المذاهب) في المقدار الذي يصير به الرجل غنيًا (فذهبت الهادوية والحنيفة) إلى أن الغنى من ملك النصاب زائدًا عن حاجته فيحرم عليه أخذ الزكاة، واحتجوا بما في حديث معاذ من قوله ﷺ "تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" قالوا فوصف من تؤخذ منه الزكاة بالغني، وقد قال ولا تحل الصدقة لغني، وقال بعضهم هو من وجد ما يغديه ويعشيه، حكاه الخطابي، واستدل بما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان وصححه (وسيأتي في أبواب النهي عن السؤال) عن سهل بن الحنظلية ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار، قالوا يا رسول الله وما يغنيه؟ قال قدر ما يغديه ويعشيه (وقال الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق وجماعة) من أهل العلم هو من كان عنده خمسون درهمًا أو قيمتها، واستدلوا بحديث ابن مسعود عند الترمذي وغيره مرفوعًا "من يسأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو كدوش، قيل يا رسول الله وما يغنيه؟ قال خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب (وقال الشافعي وجماعة) إذا كان عنده خمسون درهمًا أو أكثر وهو محتاج فله أن يأخذ من الزكاة
[ ٩ / ٥٤ ]
-[جواز أخذ العامل المتبرع من الصدقة وإن كان غير محتاج]-
(٣) باب العاملين عليها
(٩٤) عن ابن الساعدي (١) المالكي أنه قال استعملني عمر بن الخطاب على الصدقة فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعمالةٍ (٢) فقلت له إنما عملت لله وأجري على الله، قال خذ ما أُعطيت فإني قد عملت على عهد رسول الله ﷺ فعملني (٣) فقلت مثل ذلك، فقال لي رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم إذا أعطيت شيئًا من أن تسأل فكُل (٤) وتصدق
_________________
(١) (وروي عن الشافعي) أن الرجل قد يكون غنيًا بالدرهم مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله، وقال أبو عبيد بن سلام هو من وجد أربعين درهمًا، واستدل بحديث أبي سعيد مرفوعًا "من سأله وله قيمة أوقية فقد ألحف" رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وسيأتي، لأن الأربعين درهمًا قيمة الأوقية (وذهبت المالكية) إلى أن الفقير هو من يملك من المال أقل من الكفاية العام فيعطى من الزكاة ولو ملك نصابًا، وتجب عليه زكاة هذا النصاب. فإن كان عنده ما يكفيه مدة العام فهو غني لا يجوز له أخذ الزكاة والله أعلم
(٢) عن ابن الساعدي (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حجاج ثنا ليث حدثني بكير بن عبد الله عن بسر بن سعيد عن ابن الساعدي المالكي - الحديث" (غريبه) (١) هكذا وقع في رواية الإمام أحمد وأبي داود "ابن الساعدي" ويقال ابن السعدي، وهو أبو محمد عبد الله بن وقدان بن عبد الله بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نضر بن مالك بن حنبل بن عامر بن لؤي بن غالب، وإنما قيل له السعدي، لأن أباه استرضع في بني سعد بن بكر بن هوازن، وقد صحب رسول الله ﷺ قديمًا، وقال وفدت في نفر من بني سعد بن بكر إلى رسول الله ﷺ (والمالكي) نسبه إلى مالك بن حنبل (٢) بتشديد الميم أي أعطاني العمالة أي أجرة عملي (قال الخطابي) فيه بيان جواز أخذ العامل الأجرة بقدر مثل عمله فيما يتولاه من الأمر، وقد سمى الله تعالى للعاملين سهمًا في الصدقة فقال "والعاملين عليها" فرأى العلماء أن يعطوا على قدر غنائهم وسعيهم اهـ (٤) فيه دليل على أنه لا يحل أكل ما حصل من المال عن مسألة لغير حاجة (تخريجه) (ق. د. نس) قال المنذري أخرجه البخاري ومسلم والنسائي أتم منه (يعني أتم من رواية أبي داود)
[ ٩ / ٥٥ ]
-[جواز أخذ عامل الصدقة من أجرته ما يلزمه من مسكن وداية ونحو ذلك]-
(٩٥) عن المستورد بن شدادٍ ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول من وليَ لنا عملًا وليس له منزلٌ فيتخذ منزلًا (١) أوليست له زوجةٌ فيلتزوج؛ أوليس له خادمٌ فليتخذ خادمًا، أوليست له دابةٌ فليتخذ دابةً، ومن أصاب شيئًا سوى ذلك فهو غالٌ (٢) (وعنه من طريقٍ ثانٍ بنحوه (٣) وفيه) فهو غالٌ أو سارقٌ
_________________
(١) قال وهو أحد الأحاديث التي اجتمع في إسنادها أربعة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض
(٢) عن المستورد بن شداد (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا موسى بن داود ثنا ابن لهيعة عن ابن هبيرة والحارث بن يزيد عن عبد الرحمن بن جبير قال سمعت المستورد بن شداد يقول سمعت النبي ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) أي يحل له أن يأخذ مما في تصرفه من المال قدر ما ينفقه في اتخاذ مسكن بقدر حاجته، وكذلك إذا لم يكن له زوجة فيأخذ قيمة مهر الزوجة ونفقتها وكسوتها، وكذا ما لابد منه من خادم وداية من غير إسراف وتنعم، فإن أخذ أكثر مما يحتاج إليه ضرورة فهو حرام وقال الخطابي، هذا يتأول على وجهين (أحدهما) أنه إنما أباح اكتساب الخادم والمسكن من عمالته التي هي أجرة مثله، وليس له أن يرتفق بشيء سواها (والوجه الآخر) أن للعامل السكنى والخدمة فإن لم يكن له مسكن ولا خادم استؤجر له من يخدمه فيكفيه مهنة مثله، ويكترى له مسكنًا يسكنه مدة مقامة في عمله اهـ (٢) بتشديد اللام أي خائن (٣) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا حسن بن موسى قال ثنا ابن لهيعة قال ثنا الحارث بن يزيد الحضرمي عن عبد الرحمن بن جبير أنه كان في مجلس فيه المستورد ابن شداد وعمرو بن غيلان بن سلمة فسمع المستورد يقول سمعت رسول الله ﷺ - الحديث" بنحو ما تقدم (تخريجه) (د) وفي إسناده عند الإمام أحمد بن لهيعة وفيه مقال، لكن أخرجه أبو داود بسند آخر فقال حدثنا موسى بن مروان الرقي نا المعافى بنا الأوزاعي عن الحارث بن يزيد عن جبير بن نفير عن المستورد بن شداد قال سمعت النبي ﷺ يقول من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا، قال أبو بكر أخبرت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال من اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق" وسكت عنه أبو داود والمنذري
[ ٩ / ٥٦ ]
-[الخازن الأمين له مثل أجر المتصدق بشروط]-
(٩٦) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن الخازن الأمين (١) الذي يعطى ما أمر به كاملًا موفرًا (٢) طيبةً به نفسه حتى يدفعه إلى الذي أُمر له به (٣) أحد المتصدقين (٤)
(٩٧) عن عقبة بن عامرٍ ﵁ قال بعثني رسول الله ﷺ ساعيًا فاستأذنته أن نأكل من الصدقة فأذن لنا (٥)
(٩٨) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله صلى الله عليه وعلى
_________________
(١) عن أبي موسى الأشعري (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حماد بن أسامة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى - الحديث" (غريبه) (١) في رواية للبخاري الخازن المسلم الأمين بزيادة المسلم، وهي شروط لاستحقاق الخازن ثوابًا كاملًا كثواب المتصدق صاحب المال، فخرج بالمسلم الكافر لأنه لا تصح منه نية التقرب، وخرج بقوله الأمين الخائن لأنه مأزور لا مأجور لخيانته، ومن الخيانة الأنقاص في الأعطاء عما أمر به (٢) هما حالان من مفعول يعطي أي يعطي المحتاج ما أمر به المتصدق كاملًا وافرًا وقيل غير ذلك (وقوله طيبة بها نفسه) قيد خرج به من أعطى كارهًا فإنه لا يؤجر (٣) أي حتى يدفع الخازن المال إلى الفقير الذي أمر رب المال بدفعه إليه، فإن دفع الخازن إلى غيره كان غير أمين لمخالفته أمر رب المال فلا ثواب له (٤) بالتثنية خبر إن في قوله إن الخازن (قال القرطبي) لم نروه بالتثنية، ومعناه أن الخازن بما فعل متصدق، وصاحب المال متصدق آخر، فهما متصدقان، قال ويصح أن يقال على الجميع فتكسر القاف؟ ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين اهـ (تخريجه) (ق. د. نس. ش)
(٢) عن عقبة بن عامر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عتاب بن زياد قال ثنا عبد الله قال ثنا ابن لهيعة أخبرني يزيد بن عمرو المعافري عمن سمع عقبة بن عامر يقول بعثني رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (٥) لعله يريد نفسه ومن كان معه من المساعدين له (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وفيه راو لم يسم
(٣) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد لله حدثني أبي حدثنا حسن حدثنا عبد الله بن لهيعة حدثنا أبو يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة أنه سمع أبا هريرة
[ ٩ / ٥٧ ]
-[زوائد الباب - وفضل العامل في الصدقة بالحق]-
آله وصحبه وسلم أعطوا العامل من عمله فإن عامل الله لا يخيب (١)
(٩٩) عن رافع بن خديجٍ ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول العامل في الصدقة بالحق لوجه الله (٢) ﷿ كالغازي في سبيل الله ﷿ حتى يرجع إلى أهله
_________________
(١) يقول ما رأيت أحدًا أسرع في مشيته من رسول الله ﷺ كأنما الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وأنه لغير مكترث، وعنه ﷺ أعطوا العامل - الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه بهذا السياق لغير الإمام أحمد وفي إسناده ابن لهيعة
(٢) عن رافع بن خديج (سنده) تحدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعلي بن عبد الله ثنا محمد يعني ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن رافع بن خديج - الحديث" (غريبه) (٢) المعنى أن من تطوع للعمل في جمع الصدقة غير ناظر لأجرة ولا خيانة فيها بل يقصد بذلك وجه الله تعالى كان له مثل أجر المجاهد في سبيل الله تعالى حتى يرجع إلى أهله، فإن أعطي منها بدون سؤال ولا إشراف نفس فليقبله ولا ينقص ذلك من ثوابه والله أعلم (تخريجه) (ش) وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس وقد ععنعن وبقية رجاله رجال الصحيح (زوائد الباب) (عن عبد الرحمن بن عوف ﵁) قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم العامل إذا استعمل فأخذ الحق وأعطى الحق لم يزل كالمجاهد في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته (طب) وفيه دويب بن عمامة تكلم فيه، لكن يعتضد بحديث رافع بن خديج (وعن بريدة) ﵁ عن النبي ﷺ قال من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا فما أخذ بعد فهو غلول (د) ورجاله إسناده ثقات (الاحكام) في أحاديث الباب دلالة على أن علم الساعي سبب لاستحقاقه الأجرة كما أن وصف الفقر والمسكنة هو السبب في ذلك، وإذا كان العمل هو السبب اقتضى قياس الشرع أن المأخوذ في مقابلته أجرة، ولهذا قالت الشافعية تبعًا لإمامهم إنه يستحق أجرة المثل (وفيها أيضًا) دلالة على أن من نوى التبرع يجوز له أخذ الأجرة بعد ذلك (قال صاحب المنتقى) وفيه دلالة على أن نصيب العامل يطيب له وإن نوى التبرع أو لم يكن مشروطًا اهـ (وفيها أيضًا) أن العامل على الصدقة إذا لم يكن له مسكن أو زوجة أو خادم أو دابة فله اتخاذ ذلك من أجرته أو يكترى له ذلك مدة عمله زائدًا على أجرته كما يستفاد من كلام الخطابي (وقد ذهب الجمهور) إلى
[ ٩ / ٥٨ ]
-[مذاهب الأئمة في صفة العامل وحكم ما يأخذه من الزكاة]-
_________________
(١) أن ما يأخذه العامل من الزكاة هو عن عمله (وقالت المالكية والشافعية) هو من الزكاة لا عن عمله (وذهب الجمهور) أيضًا إلى أنه لا يجوز أن يكون عامل الزكاة عبدًا. ولا من ذوي القربى ولا كافرًا، وخالف في ذلك الإمام أحمد فقال بالجواز. ووجهه أن العامل أجير فلا يشترط فيه الكمال بالحرية والإسلام، قال وإنما منع رسول الله ﷺ ولدعمه العباس أن يكون عاملًا وقال لم أكن لأستعملك على غسالة ذنوب الناس تشريفًا له على وجه البدل لا والوجوب. ووجه الجمهور أن العبد يكتفي بنفقة سيده عليه وذوي القربى أشراف فيمنعون من أن يكون أحدهم عاملًا تشريفًا لهم كما يمنعون من قبول الزكاة المفروضة، والكافر لا يصلح أن يكون له حكم على المسلمين، ولذلك أفتى العلماء بتحريم جعل الكافر جابيًا للمظالم أو للخراج أو كاتبًا أو حاسبًا والله أعلم (وفيها أيضًا) أن الخازن الأمين يشارك رب المال في أجر الصدقة إذا أعطى ما أمر به بدون تتحيز لأحد، ومعنى المشاركة أن له أجرًا كما أن لصاحبه أجرًا، وليس معناه أنه يزاحمه في أجره بل المراد المشاركة في الطاعة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء، بل قد يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون عكسه، فإذا أعطى المالك خازنه مائة درهم أو نحوها ليوصلها إلى مستحق للصدقة على باب داره، فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رمانة أو رغيفًا أو نحوهما حيث ليس له كثير قيمة ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة بحيث يقابل ذهاب الماشي إليه أكثر من الرمانة ونحوها، فأجر الخازن أكثر، وقد يكون الذهاب مقدار الرمانة فيكون الأجر سواء، قال ابن رسلان ويدخل في الخازن من يتخذه الرجل على عياله من وكيل وعبد وامرأته وغلام ومن يقوم على طعام الضيفان، أفاده الشوكاني (وفيها أيضًا) دلالة على جواز أكل العامل من الصدقة وإعطائه منها إذا لم يفرض له أجر معين، فإن فرض له أجر فلا يحل له زيادة على ما فرض له، وأن ما أخذه بعد ذلك فهو من الغلول، وذلك بناء على أنها إجارة ولكنها فاسدة يلزم فيها أجرة المثل، ولهذا ذهب البعض إلى أن الأجرة المفروضة من المستعمل للعامل تؤخذ على حسب العمل، فلا يأخذ زيادة على ما يستحقه، وقيل يأخذ ويكون من باب الصرف (وفيها أيضًا) أنه يجوز للعامل أن يأخذ حقه من تحت يده أي يقبض من نفسه لنفسه بدون زيادة عما يستحق، فإن زاد شيئًا فهو غلول، أي خيانة وسرقة، فيجب على من وكل إليه أمر للتصرف فيه أن يراقب مولاه وليعلم أنه إن خفي على الناس لا يخفى على الله "إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾ (وفيها) أن العامل إذا أخذ الحق وأعطى الحق كان كالمجاهد في سبيل الله في الأجر، كما يستفاد من حديث رافع بن خديج، وظاهره سواء أكان متبرعًا أم بأجرة، فإن كان متبرعًا فثوابه أكثر وفضله أكبر
[ ٩ / ٥٩ ]
-[ما كان عليه النبي ﷺ من الكرم وحسن السياسة]-
(٤) باب ما جاء في المؤلفة قلوبهم
(١٠٠) عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال كان الرجل يأتي النبي ﷺ فيسلم لشيءٍ يعطاه من الدنيا (١) فلا يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه وأعز عليه من الدنيا وما فيها
(١٠١) وعنه أيضًا أن رسول الله ﷺ لم يكن يسئل شيئًا عن الإسلام إلا أعطاه، قال فأتاه رجلٌ فسأله فأمر له بشاءٍ (٢) كثيرٍ بين جبلين من شاء الصدقة، قال فرجع إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يعطي عطاءً ما يخشى الفاقة (١)
(١٠٢) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا جرير بن حازمٍ قال سمعت الحسن ثنا عمرو بن تغلب (٤) ﵁ أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس - الحديث" (غريبه) (١) يعي أنه يظهر الإسلام أو لا للدنيا لا بقصد صحيح بقلبه، ثم ببركة النبي ﷺ ونور الإسلام لم يلبث إلا قليلًا حتى ينشرح صدره بحقيقة الإيمان ويتمكن من قلبه فيكون حينئذ أحب إليه من الدنيا وما فيها، وهذا هو السر في ترغيبه ﷺ بعض الكفار بالمال لاعتناق دين الإسلام ممن يتوسم فيهم الخير والاستعداد لذلك، لأنه من الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة، وقد كان ﷺ حكيمًا في صنعه، سديدًا في رأيه، يضع الشيء في محله، جزاه الله عن الإسلام خيرًا (تخريجه) (م) وهو من ثلاثيات الإمام أحمد، أعني أنه ليس بينه وبين النبي ﷺ إلا ثلاثة رجال
(٢) وعنه أيضًا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا ابن أبي عدي عن حميد عن موسى بن أنس عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (٢) الشاء جمع شاة، والشاة من الغنم يقع على الذكر والأنثى "وقوله بين جبلين" أي كثيرة كأنها تملأ ما بين جبلين (٣) أي الفقر (تخريجه) (م)
(٣) حدثنا عبد لله (غريبه) (٤) بفتح المثناة وسكون الغين المعجمة وكسر اللام في آخره باء موحدة هو العبدي التميمي البصري صحابي جليل معروف نزل
[ ٩ / ٦٠ ]
-[جواز إعطاء قوم من الصدقة وترك آخرين لحكمة يراها الإمام]-
أتاه شيءٌ (١) فأعطاه ناسًا وترك ناسًا، وقال جريرٌ أعطى رجالًا وترك رجالًا قال فبلغه عن الذين ترك (٢) أنهم عتبوا وقال، قال فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال (٣) إني أعطي ناسًا وأدع ناسًا، وأعُطي رجالًا وأدع رجالًا، قال عفَّان قال ذي وذي (٤) والذين أدع أحب إلي من الذين أعطي، أُعطي لما في قلوبهم (٥) من الجزع والهلع، وأكل قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير (٦) ومنهم عمرو بن تغلب، قال وكنت جالسًا تلقاء وجه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقال ما أحب أن لي بكلمة (٧) رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حُمْرَ النعم
_________________
(١) البصرة وعاش إلى خلافة معاوية (١) في رواية للبخاري أتى بمال أوسي بسين مهملة بعدها باء موحدة ساكنة ثم باء تحتية (وفي رواية له أيضًا) بشين معجمة ثم ياء تحتية ساكنة بعدها همزة، وفي رواية الإسماعيلي "أتى بمال من البحرين (٢) أي الذين تركهم رسول الله ﷺ ولم يعطهم (أنهم عتبوا وقالوا) أي تكلموا في هذا الشأن كلام عتاب لا سخط حيث حرموا عن العطاء (٣) رواية البخاري ثم قال أما بعد فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل - الحديث" (٤) يعني أن النبي ﷺ قال الجملتين من قوله إني أعطي ناسًا إلى قوله وأدع رجالًا (٥) رواية البخاري "لما أرى في قلوبهم من الجزع" أي لما أرى من نظر القلب لا من نظر العين (والجزع) بالتحريك ضد الصبر يقال جزع جزعًا وجزوعًا فهو جزع وجازع، وقال يعقوب الجزع الفزع (والهلع) بالتحريك أيضًا وهو أفحش الفزع، وقال محمد بن عبد الله بن طاهر لأحمد بن يحيى ما الهلوع؟ فقال قد فسره الله تعالى حيث قال "إن الإنسان خلق هلوعا" بقوله ﴿إذا مسه الشر جزوعًا وإذا مسه الخير منوعا﴾ ويقال الهلع والهلاع والهلعان الجبن عند اللقاء والله أعلم (٦) أي تركهم لما وهب الله تعالى لهم من غنى النفس، فصبروا وتعففوا عن المسألة والشره (٧) مثل هذه الباء في قوله (بكلمة) تسمى بالباء البدلية وبالمقابلة نحو اعتضت بهذا الثوب خيرًا منه أي ما أحب حمر النعم لي بدل كلمة رسول الله ﷺ يعني الكلمة التي قالها النبي ﷺ في حقه (وهي كونه من أهل الخير والغنى) أحب إليه من أن يعطي حمر النعم وهي الإبل الحمراء بدلها، وكانت هذه
[ ٩ / ٦١ ]
-[إختلاف المذاهب في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة]-
_________________
(١) الإبل محبوبة عند العرب (تخريجه) (خ) وهذا الحديث من أفراد البخاري وأخرجه في الجمعة عن محمد بن معمر، وفي الخمس عن موسى بن إسماعيل، وفي التوحيد عن أبي النعمان (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جواز المؤلفة قلوبهم من الصدقة سواء أكانوا كفارًا أم مسلمين، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها إعطاؤه ﷺ أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس وعباس بن مرداس كل إنسان منهم مائة من الإبل، وروي أيضًا أنه ﷺ أعطى علقمة بن علاقة مائة؛ ثم قال للأنصار لما عتبوا عليه ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والأبل وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم، ثم قال لما بلغه أنهم قالوا يعطي صناديد نجد ويدعنا - إنما فعلت ذلك لأتألفهم - كما في صحيح مسلم وغيره (واعلم أن المؤلفة قلوبهم) صنفان، صنف كفار كان النبي ﷺ يعطيهم ترغيبًا لهم ولقومهم في الإسلام وصنف أسلموا على ضعف كان النبي ﷺ يتألفهم ليثبتوا على الإسلام، وقد اتفق العلماء على جواز ذلك في المؤلفة قلوبهم من المسلمين، واختلفوا في الكفار، فقال الإمام الشافعي لا تتألف كافرًا، فأما الفاسق فيعطى من سهم التأليف (وقال الإمام أبو حنيفة) وأصحابه قد سقط بانتشار الإسلام وغلبته، واستدلوا على ذلك بامتناع أبي بكر من إعطاء أبي سفيان وعيينة والأقرع بن حابس وعباس بن مرداس (قال في روح المعاني) إن هذا الصنف يعني المؤلفة قلوبهم من الأصناع الثمانية قد سقط وانعقد إجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصدّيق ﵁، روي أن عيينة بن حصن والأقرع جاءا يطلبان أرضًا من أبي بكر فكتب بذلك خطّا فمزقه عمر ﵁ وقال هذا شيء كان يعطيكموه رسول الله ﷺ تأليفًا لكم، فأما اليوم فقد أعز الله تعالى الإسلام وأغنى غنكم، فإن ثبتّم في الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا أنت الخليفة أم عمر؟ بذلت لنا الخط ومزقه عمر، فقال ﵁ هو إن شاء، ووافقه ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ﵃ اهـ (واختلف المالكية) في المؤلف الكافر فقيل تدفع إليه ترغيبًا له في الإسلام لإنقاذه من النار لا لإعانته للمسلمين، فلا يسقط حقه بفشو الإسلام (وقيل) لا يعطى بناء على أن العلة في إعطائه إعانته للمسلمين، وقد استغنى عنه بعزة الإسلام، أما المؤلف المسلم فلا خلاف في إعطائه عندهم (وذهب الحسن والزهري وأبو جعفر محمد بن علي والعترة والبلخي والإمام أحمد) إلى جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم؟ من الصدقة كافرهم ومسلمهم (قال ابن قدامة) ولنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإن الله تعالى سمى المؤلفة في الأصناف الذين سمى الصدقة لهم والنبي ﷺ قال إن الله تعالى حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء، وكان يعطي المؤلفة كثيرًا
[ ٩ / ٦٢ ]
-[ما ذهب إليه الحنابلة من إعطاء المؤلفة قلوبهم]-
(٥) باب الصدقة في الرقاب
(١٠٣) عن البراء بن عازبٍ ﵁ قال جاء أعرابيٌ إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله علِّمني عملًا يدخلني الجنة (١) فقال لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة (٢) أعتق النسمة (٣) وفُك الرقبة، فقال يا رسول الله
_________________
(١) في أخبار مشهورة، ولم يزل كذلك حتى مات، ولا يجوز ترك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إلا بنسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ثم إن النسخ إنما يكون في حياة النبي ﷺ، لأن النسخ إنما يكون بنص، ولا يكون النص بعد موت النبي ﷺ وانقراض زمن الوحي، ثم إن القرآن لا ينسخ إلا بقرآن، وليس في القرآن نسخ كذلك ولا في السنة، فكيف يترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم أو بقول صحابي أو غيره، على أنهم لا يرون قول الصحابي حجة يترك بها قياس، فكيف يتركون به الكتاب والسنة، (قال الزهري) لا أعلم شيئًا نسخ حكم المؤلفة، على أن ما ذكروه من المعنى لا خلاف بينه وبين الكتاب والسنة، فإن الغنى عنهم لا يوجب، رفع حكمهم؛ وإنما يمنع عطيتهم حال الغنى عنهم، فمتى دعت الحاجة إلى إعطائهم أعطوا، فكذلك جمع الأصناع إذا عدم منها صنف في بعض الزمان سقط حكمه في ذلك الزمن خاصة، فإذا وجد عاد حكمه كذا ههنا اهـ (قال الشوكاني) والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه، فإذا كان في زمن الإمام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والغلب فله أن يتألفهم، ولا يكون لفشو الإسلام تأثير لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة، وقد عد ابن الجوزي أسماء المؤلفة قلوبهم في جزء مفرد فبلغوا نحو الخمسين نفسًا اهـ. والله أعلم
(٢) عن البراء بن عازب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن آدم وأبو أحمد قالا ثنا عيسى بن عبد الرحمن البجلي من بني بجيلة من بني سليم عن طلحة قال أبو أحمد ثنا طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب - الحديث" (غريبه) (١) في رواية أخرى قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال دلني على عمل يقربني إلى الجنة ويبعدني من النار، فقال أعتق النسمة - الحديث" (٢) يريد أن الرجل عبّر عن سؤاله بلفظ "قصير وجيز" ولكن المسألة واسعة، لأن الأعمال التي تقرب إلى الجنة كثيرة الشعب، والظاهر أنه ﷺ أجاب الرجل بهذه الخصال واختارها له لأنه توسم فيه أن حاجته إليها أمس من غيرها، على أن هذا الجواب من جوامع الكلم ينتفع به كل إنسان (٣) النسمة النفس والروح، أي أعتق ذات الروح، وكل دابة فيها روح فهي
[ ٩ / ٦٣ ]
-[جواز عتق الرقبة وفكها من الرق بمال الصدقة]-
أوليستا بواحدةٍ؟ (١) قال لا، إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الوكوف (٢) والفيء على ذي الرحم الظالم (٣) فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير
(١٠٤) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال ثلاث كلهم حقٌ على الله، عون المجاهد في سبيل الله (٤) والناكح المستعفف (٥) والمكاتب يريد الأداء (٦)
_________________
(١) نسمة، وإنما يريد بني آدم (وعتق النسمة) أن ينفرد بعتقها "وفك الرقبة" أن يعين في عتقها كما فسر بذلك في الحديث، وذلك أن يكاتب السيد عبده على قدر معلوم من المال في نظير عتقه، وليس مع العبد شيء فيستحب لأهل الخير أن يعينوه على أداء ما فرض عليه ولو من الزكاة لتخليصه من الرق (١) يعني أو ليس عتق النسمة وفك الرقبة بمعنى واحد؟ قال لا - الحديث (٢) المنحة العطية، والمراد هنا منحة اللبن وهو أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويردها "والوكوف" أي غزيرة اللبن، وقيل التي لا ينقطع لبنا سنتها جميعها، وهو من وكف البيت والدمع إذا تقاطر (نه) يعني ومنحة الناقة أو الشاة الوكوف تقرب من الجنة (٣) أي الرجوع إليه والعطف عليه مقرب إلى الجنة، وإنما كان ذلك كذلك لأن الظلم من شأنه قطع حبل المودة والعطف، فإذا عطف عليه لكونه ذا رحم مراعيًا بذلك وجه الله تعالى غير ناظر إلى ظلمه كان ذلك سببًا في دخوله الجنة (تخريجه) (قط) ورجاله ثقات
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى عن ابن عجلان حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (٤) أي الذي يريد الجهاد بنفسه وليس له فرس أو سيف أو مال ينفق منه ونحو ذلك (٥) أي الذي يريد الزواج بقصد التعفف عن الزنا لا بقصد التلذذ والترف ولم يجد ما يتزوج به (٦) هو العبد يكاتبه سيده على قدر معلوم من الدراهم ونحوها؛ فإن أدّى ذلك أخلى سبيله من الرق (تخريجه) (نس. مذ. جه) وحسنه الترمذي (الأحكام) حديثا الباب يدلان على جواز عتق الرقبة من مال الصدقة، وتفسير ذلك أن يشتري من زكاة ماله عبدًا ويعتقه أو يدفع للمكاتب شيئًا من مال الصدقة إعانة له على ما طلب منه (وقد اختلف العلماء)
[ ٩ / ٦٤ ]
-[مذاهب العلماء في حكم عتق الرقبة وإعانة المكاتب بمال الصدقة]-
(٦) باب ما جاء في الغارمين
(١٠٥) عن كنانة بن نعيمٍ عن قبيصة بن المخارق (الهلالي) ﵁ قال حملت حمالةٍ) (١) فأتيت النبي ﷺ فسألته فيها، فقال أقيم حتى تأتينا الصدقة، فإما أن نحملها وإما أن نعينك فيها، وقال إن المسألة لا تحل إلا لثلاثةٍ، لرجلٍ تحمَّل حماية قومٍ فيسأل فيها
_________________
(١) في المراد بقوله تعالى "وفي الرقاب" فروى عن علي بن أبي طالب ﵁ وسعيد بن جبير والليث والثوري والعترة والحنفية والشافعية وأكثر أهل العلم أن المراد به المكاتبون يعانون من الزكاة على الكتابة، وروي عن ابن عباس والحسن البصري والأئمة (مالك وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد) وإليه مال البخاري وابن المنذر أن المراد بذلك أنها تشتري رقاب لتعتق، واحتجوا بأنها لو اختصت بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين لأنه غارم وبأن شراء الرقبة لتعتق أولى من إعانة المكاتب، لأنه قد يعان ولا يعتق، لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولأن الشراء يتيسر في كل وقت بخلاف الكتابة (وقال الزهري) إنه يجمع بين الأمرين وهو الظاهر لأن الآية تحتمل الأمرين (وحديث البراء المذكور) في دليل على أن فك الرقاب غير عتقها؛ وعلى أن العتق وإعانة المكاتبين على مال الكتابة من الأعمال المقربة من الجنة والمبعدة من النار (وفي حديث أبي هريرة) دلالة على أن الله ﷿ يتولى إعانة المجاهد في سبيل الله. والناكح المتعفف. والمكاتب الذي يريد الأداء ويتفضل عليهم بأن لا يحوجهم، لكن بشرط أن يكون المجاهد يقصد بغزوه وجه الله تعالى وإعلاء كلمة الإسلام لا بقصد الغنيمة أو الفخر، والناكح يريد التعفف عن الزنا، والمكاتب يريد الأداء حقيقة (قال الشوكاني) وقد اختلف في المكاتب إذا كان فاسقًا هل يعان على الكتابة أم لا؟ فذهبت الهادوية إلى أنه لا يعان. قالوا لأنه لا قربة في إعانته (وقال الشافعي) والإمام يحيى والمؤيد بالله إنه يعان وهو الظاهر اهـ. وقد ورد في ثواب الإعتاق وفك الرقبة أحاديث كثيرة أن الله يعتق بكل عضو منها عضوًا من معتقها حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلا لأن الجزاء من جنس العمل، وسيأتي ذلك في كتاب العتق إن شاء الله تعالى
(٢) عن كنانة بن نعيم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا إسماعيل أنا أيوب عن هارون بن رئاب عن كنانة بن نعيم - الحديث" (غريبه) (١) بفتح الحاء وهي المال الذي يتحمله الإنسان أي يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين
[ ٩ / ٦٥ ]
-[ما ورد في أصناف الغارمين وبيان حالهم]-
حتى يؤدِّيها ثم يمسك، ورجلٌ أصابته جائحةٌ (١) أجاحت ماله فيسأل فيها حتى يصيب قوامًا (٢) من عيشٍ أو سدادًا (٣) من عيشٍ ثم يمسك، ورجلٌ أصابته فاقةٌ (٤) فيسأل حتى يصيب قوامًا من عيشٍ أو سدادًا من عيشٍ ثم يمسك، وما سوى ذلك من المسائل سحتًا (٥) يا قبيصة يأكله صاحبه سحتًا (وعنه من طريق ثانٍ بنحوه (٦) وفيه) ورجلٌ أصابته فاقةٌ أو حاجةٌ حتى يشهد له ثلاثةٌ من ذوي الحِجَا (٧) من قومه أنه قد أصابته حاجةٌ أو فاقةٌ
_________________
(١) كالإصلاح بين قبيلتين ونحو ذلك، وإنما تحل له المسألة ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية (١) هي ما اجتاح المال وأتلفه إتلافًا ظاهرًا ك السيل والحريق ونحو ذلك كالآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة وفتنة مبيرة جائحة والجمع جوائح وجاحهم إذا غشيهم بالجوائح وأهلكهم (٢) بكسر القاف وهو ما تقوم به حاجته ويستغنى به وهو بفتح القاف الاعتدال (٣) هو بكسر السين ما تسد به الحاجة والخلل، وأما السداد بالفتح، فقال الأزهري هو الإصابة في النطق والتدبير والرأي، ومنه سداد من عوز (وقال النووي) القوام والسداد بكسر القاف والسين هما بمعنى واحد، وهو ما يغني من الشيء وما تسد به الحاجة، وكل شيء سددت به شيئًا فهو سداد بالكسر ومنه سداد الثغر والقارورة، وقولهم سداد من عوز اهـ (٤) قال الجوهري الفاقة الفقر والحاجة (٥) بضم السين وسكون الحاء المهملتين، وروي بضم الحاء وهو الحرام، وسمي سحتًا لأنه يسحت أي يمحق، وقد وقعت هذه الكلمة بالنصف في رواية الإمام أحمد، وكذا في رواية مسلم (قال النووي) هكذا هو في جميع النسخ سحتًا، ورواية غير مسلم سحت، وهذا واضح، ورواية مسلم صحيحة وفيه إضمار، أي اعتقده سحتًا أو يؤكل سحتًا اهـ (قلت) وهكذا فُسر في رواية الإمام أحمد، والله أعلم (٦) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان بن عيينة عن هارون بن رئاب عن كنانة بن نعيم - الحديث" (٧) بكسر الحاء المهملة مقصور العقل، وإنما جعل العقل معتبرًا، لأن من لا عقل له لا تحصل الثقة بقوله، وإنما قال من قومه لأنهم أخبر بحاله وأعلم بباطن أمره، والمال مما يخفى في العادة ولا يعلمه إلا من كان خبيرًا لحاله، وظاهره اعتبار شهادة ثلاثة على الإعسار (تخريجه) (م. د. نس)
[ ٩ / ٦٦ ]
-[بيان الأصناف التي يجوز لهم المسألة ويعطون من الزكاة]-
(١٠٦) عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثٍ؛ ذي دمٍ موجعٍ، أو غُرمٍ مفظعٍ، أو فقرٍ مدقعٍ
(١٠٧) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده (معاوية بن حيدة) (١) ﵁ قال قلت يا رسول الله إنا قومٌ نتساءل أموالنا (٢) قال يتساءل الرجل في الجائحة والفتق (٣) ليصلح به بين قومه، فإذ بلغ أو كرب (٤) استعف
(١٠٨) عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال أصيب (٥) رجلٌ على عهد رسول الله ﷺ في ثمارٍ ابتاعها فكثر دينه، قال فقال رسول الله ﷺ تصدقوا عليه، قال فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه
_________________
(١) (عن أنس بن مالك) هذا طرف من حديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه في باب ما جاء في الفقير والمسكين رقم ٩٣ - وإنما ذكرت هذا الطرف منه هنا لقوله فيه أو غرم مفظع وهو يناسب الترجمة، وهو ما يلزم أداؤه تكلفًا لا في مقابلة عوض، وتقدم تفسيره هناك، والله أعلم
(٢) عن بهز بن حكيم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده - الحديث" (غريبه) (١) هو معاوية بن حيدة بن معاوية بن كعب القشيري صحابي نزل البصرة ومات بخراسان وهو جد بهز بن حكيم قاله الحافظ في التقريب (٢) أي يسأل بعضنا بعضا في الأموال (والجائحة) تقدم تفسيرها في شرح الحديث الأول من أحاديث الباب (٣) أي الحرب تكون بين القوم تقع فيها الجراحات والدماء، وأصله الشق والفتح، وقد يراد بالفتق نقص العهد (نه) (٤) أي فإذا بلغ مقصده بالسؤال أو قارب ذلك استعف. أي امتنع عن السؤال (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله ثقات
(٣) عن أبي سعيد الخدري (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو كامل ثنا ليث بن سعد عن بكير عن عبد الله بن الأشج عن عياض بن عبد الله بن سعد عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه - الحديث" (غريبه) (٥) أي أصيب بأي نوع من أنواع الجائحة المتقدم ذكرها في شرح الحديث الأول من أحاديث الباب
[ ٩ / ٦٧ ]
-[مذاهب العلماء في إعطاء الغارمين - ومن شرط لذلك شروطًا]-
فقال النبي ﷺ خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك (١)
(٧) باب الصدقة في سبيل الله وابن السبيل وما جاء في استيعاب الأصناف
(١٠٩) عن أبي سعيدً الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا تحل الصدقة لغنيٍ (٢) إلا لثلاثةٍ. في سبيل الله (٣) وابن السبيل
_________________
(١) وجه الاستدلال بهذا الحديث ومناسبته للترجمة قوله ﷺ "تصدقوا عليه" لأنه أصيب في ماله فهو من الغارمين الذين يباح لهم أخذ الصدقة سواء أكانت صدقة تطوع أم واجبة، وفيه أن أصحاب الدين ليس لهم على المدين إلا ما تيسر له (تخريجه) (م وغيره) (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية إعطاء الغارمين من الزكاة وهم أقسام، فمنهم من تحمّل حمالة أو ضمن دينًا فلزمه فأجحف بماله أو غرم في أداء دينه أو في معصية ثم تاب، فهؤلاء يدفع إليهم وتحل لهم المسألة لذلك، واشترط بعضهم أن يستدين لغير معصية (قال الشوكاني) وإلى هذا الشرط ذهب الحسن البصر والباقر والهادي وأبو العباس وأبو طالب (وروي عن الفقهاء الأربعة) والمؤيد بالله أن يعان، لأن الآية لم تفصّل، وشرط بعضهم أن الحمالة لابد أن تكون لتسكين فتنة، وقد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق، وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمل حمالة بادروا إلى معونته وأعطوه ما تبرأ به ذمته؛ وإذا سأل لذلك لم يعد نقصًا في قدره بل فخرًا اهـ (وفي الطريق الثاني) من حديث قبيصة دلالة على اعتبار شهادة ثلاثة من الإعسار وقد ذهب إلى ذلك ابن خزيمة وبعض الشافعية (قال النووي ﵀) وأما اشتراط الثلاثة فقال بعض أصحابنا هو شرط في بينة الإعسار فلا يقبل إلا من ثلاثة لظاهر هذا الحديث (وقال الجمهور) تقبل من عدلين كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب وهذا محمول على من عرف له مال فلا يقبل قوله في تلفه والإعسار إلا ببينة، وأما من لم يعرف له مال فالقول قوله في عدم المال اهـ (وفي أحاديث الباب أيضًا) تحريم المسألة لغير حاجة، وأن من سأل لغير حاجة إنما يأكل سحتًا أي حرامًا، وفيها غير ذلك والله أعلم
(٢) عن أبي سعيد الخدري (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا XXX ص ٦٨ ابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد الخدري - الحديث" (غريبه) (٢) تقدم تعريف الغنى في أحكام باب ما جاء في الفقير والمسكين (٣) أي للغازي في سبيل الله
[ ٩ / ٦٨ ]
-[حجة من قال بأن الحج من سبيل الله - وفضل العمرة في رمضان]-
ورجل (١) كان له جارٌ فتصدق عليه فأهدى له
(١١٠) عن أم معقلٍ الأسدية ﵂ أن زوجها جعل بكرًا لها في سبيل الله وأنها أرادت العمرة فسألت زوجها البكر فأبى (٢) فأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فأمره أن يعطيها، وقال النبي ﷺ الحج والعمرة من سبيل الله، وقال عمرةٌ في رمضان تعدل حجةً أو تجزئ حجةً (٣) وقال حجاجٌ (٤) تعدل بحجةٍ أو تجزئ بحجةٍ
_________________
(١) كما في حديثه الآتي بعد حديث (وقوله وابن السبيل) قال المفسرون هو المسافر المنقطع يأخذ من الصدقة وإن كان غنيًا في بلده، وقال مجاهد هو الذي قطع عليه الطريق (وقال الإمام الشافعي) ابن السبيل المستحق للصدقة هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلى بمعونة (١) بالجر بدل من ثلاثة أي فقير كان له جار غني (فتصدق) بضم التاء والصاد المهملة مبني للمجهول، أي فتصدق الناس على الفقير فأهدى لجاره الغني مما أخذه من الزكاة، فيجوز للغني قبول هدية الفقير، لأن صفة الزكاة قد زالت عنها (تخريجه) (د. وغيره) وفي إسناده عطية بن سعيد بن جنادة العوفي بفتح العين المهملة وإسكان الواو، ضعفه الثوري وهشيم وابن عدي وحسّن له الترمذي أحاديث
(٢) عن أم معقل الأسدية (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا ثنا شعبة عن إبراهيم بن مهاجر عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث قال أرسل مروان إلى أم معقل الأسدية يسألها عن هذا الحديث فحدثته أن زوجها جعل بكرًا لها في سبيل الله - الحديث" (غريبه) (٢) أي لم يجب طلبها لاعتقاده أن جعل البكر في سبيل الله يمنع من استخدامه في الحج، فأمره النبي ﷺ بإعطائها وقال الحج والعمرة في سبيل الله (٣) أي تقوم مقامها في الثواب لا أنها تعدلها في كل شيء، فإنه لو كان عليه حجة فاعتمر في رمضان لا تجزئه عن الحجة (٤) هو ابن محمد أحد رجال السند قال في روايته تعدل بحجة أو تجزئ بحجة والمعنى واحد (تخريجه) أخرجه الأربعة وفي إسناده إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي تكلم فيه غير واحد، وقد اختلف على أبي بكر بن عبد الرحمن فيه؛ فروي عنه عن رسول مروان الذي أرسله إلى أم معقل عنها، وروي عنه عن أم معقل بغير واسطة، وروي عنه عن أبي معقل والله أعلم
[ ٩ / ٦٩ ]
-[من تحل لهم الصدقة من الأغنياء - وزوائد الباب]-
(١١١) عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا تحل الصدقة لغنيٍ إلا لخمسةٍ، لعاملٍ عليها (١) أو رجلٍ اشتراها بماله (٢) أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيل الله. أو مسكينٍ تُصُدِّق عليه منها فأهدى منها لغنيٍ
_________________
(١) عن أبي سعيد الخدري (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري - الحديث) (غريبه) (١) قال ابن عباس يدخل في العامل الساعي والكاتب والقاسم والحاشر الذي يجمع الأموال وحافظ المال والعريف وهو كالنقيب للقبيلة وكلهم عمال؛ لكن أشهرهم الساعي، والباقي أعوان له، وظاهر هذا أنه يجوز الصرف من الزكاة إلى العامل عليها سواء أكان هاشميًا أم غير هاشمي، لكن هذا مخصص بحديث المطلب بن ربيعة الآتي في باب تحريم الصدقة على بني هاشم، فإنه يدل على تحريم الصدقة على العامل الهاشمي، ويؤيده حديث أبي رافع الآتي في الباب المذكور، فإن النبي ﷺ لم يجوّز له أن يصحب من بعثه رسول الله ﷺ على الصدقة لكونه من موالي بني هاشم (٢) فيه أنه يجوز لغير دافع الزكاة شراؤها ويجوز لآخذها بيعها ولا كراهة في ذلك (وفيه دلالة) على أن الزكاة والصدقة إذا ملكها الآخذ ت غيرت صفتها وزال عنها اسم الزكاة وتغيرت الأحكام المتعلقة بها، والغارم وما بعده تقدم تفسيره والله أعلم (تخريجه) (لك. د. جه. بر. هق. عل. ك) وصححه الحاكم، وقد أعل بالإرسال لأنه رواه بعضهم عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ ولكنه رواه الأكثر عنه عن أبي سعيد كما هنا، والرفع زيادة يتعين الأخذ بها. والله أعلم (زوائد الباب) (عن يوسف بن عبد الله بن سلام) عن جدته أم معقل ﵂ قالت لما حج رسول الله ﷺ حجه الوداع وكان لنا فجعله أبو معقل في سبيل الله وأصابنا مرض وهلك أبو معقل وخرج النبي ﷺ - فلما فرغ من حجته جئته فقال يا أم معقل ما منعك أن تخرجي؟ قالت لقد تهيأنا فهلك أبو معقل وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه فأوصى به أو معقل في سبيل الله، قال فهلا خرجت عليه؟ فإن الحج من سبيل الله رواه أبو داود (وعن زياد بن الحارث الصُّدائي) ﵁ قال أتيت رسول الله ﷺ فبايعته فأتى رجل فقال أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله ﷺ إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك؛ رواه أبو داود، وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وقد
[ ٩ / ٧٠ ]
-[مذاهب العلماء في دفع الزكاة في سبيل الله وابن السبيل - وكلامهم في العمرة في رمضان]-
_________________
(١) تكلم فيه غير واحد (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية إعطاء الزكاة في سبيل الله وهو صنف من الأصناف الثمانية التي ذكرها الله ﷿ في قوله ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين- الآية﴾، ومن سبيل الله الغزاة فلهم سهم في الصدقة يعطون إذا أردوا الخروج إلى الغزو وما يستعينون به على أمر الغزو من النفقة والكسوة والسلاح والحمولة وإن كانوا أغنياء، ولا يعطى شيء منه في الحج عند أكثر أهل العلم؛ وقال قوم يجوز أن يصرف سهم في سبيل الله، ويروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن (والإمام أحمد وإسحاق) وحجتهم ما جاء من ذلك في أحاديث الباب (وفيها أيضًا) مشروعية إعطاء الزكاة لابن السبيل وهو أحد الأصناف الثمانية أيضًا، فكل من يريد سفرًا مباحًا ولم يكن له ما يقطع به المسافة يعطى من الصدقة بقدر ما يقطع به تلك المسافة سواء كان له في البلد المنتقل إليه مال أو لم يكن (وقال قتادة) ابن السبيل هو الضيف، وقال فقهاء العراق ابن السبيل الحاج المنقطع (وقال الإمام الشافعي ﵀) ابن السبيل المستحق للصدقة هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة (وفيها أيضًا) جواز إهداء الفقير الذي صرفت إليه الزكاة بعضًا منها إلى الأغنياء، لأن صفة الزكاة قد زالت عنها (وفيها أيضًا) دلالة على جواز قبول هدية الفقير للغني (وفيها أيضًا) مشروعية إعطاءها لعامل عليها أو غارم، وتقدم الكلام على ذلك (وفيها أيضًا) أنه يجوز لغير دافع الزكاة شراؤها ويجوز لآخذها بيعها بدون كراهة (وفيها أيضًا) دلالة على أنه لا تحل الصدقة لغير هؤلاء الخمسة من الأغنياء، وما ورد بدليل خاص كان مخصصًا لهذا العموم (وفيها أيضًا) دلالة على أن العمرة في رمضان تعدل حجة في الثواب (قال ابن خزيمة) في هذا الحديث أن الشيء يشبه الشيء ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها؛ لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر (قال الحافظ) والحاصل أن العمرة في رمضان تعدل الحجة في الثواب لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن فرض الحج. ونقل الترمذي عن استحقاق بن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن (وقال ابن العربي) حديث العمرة هذا صحيح وهو فضل من الله ونعمة. فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها (وقال ابن الجوزي) فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد (وقال غيره) يحتمل أن يكون المراد عمرة فريضة في رمضان كحجة فريضة وعمرة نافلة (وقال ابن التين) قوله لحجة يحتمل أن يكون على بابه. ويحتمل أن يكون لبركة رمضان، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بهذه المرأة (قال الحافظ) الثالث قال به بعض المتقدمين
[ ٩ / ٧١ ]
-[مذاهب العلماء في حكم تقسيم الصدقة في الأصناف الثمانية]-
_________________
(١) ففي رواية أحمد بن منيع المذكورة قال سعيد بن جبير ولا نعلم هذه إلا لهذه المرأة وحدها، ووقع عند أبي داود من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام عن أم معقل في آخر حديثها قال فكانت تقول الحج حجة والعمرة عمرة. وقد قال هذا رسول الله ﷺ لي فما أدري أليَ خاصة تعني أو للناس عامة اهـ. والظاهر حمله على العموم كما تقدم. والسبب في التوقف استشكال ظاهره وقد صح جوابه. والله أعلم أفاده الحافظ (خاتمة في مذاهب الأئمة) في كيفية تقسيم الصدقة على الأصناف الثمانية المذكورة في كتاب الله ﷿ اختلف أهل العلم والفقهاء في كيفية قسم الصدقات وفي جواز صرفها إلى بعض الأصناف فذهب جماعة إلى أنه لابد من صرف الزكاة للأصناف الثمانية لقوله ﷺ في حديث زياد بن الحارث الصدائي المذكور في الزوائد "فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك" أي نصيبك منها. وإلى هذا ذهب (عكرمة وعمرو بن عبد العزيز والزهري وداود والشافعي) (وقال إبراهيم النخعي) إذا كان مال الزكاة كثير أعممت الأصناف لزومًا. وإن كان قليلًا جاز أن يوضع في صنف واحد (وقال مالك) يقدم الأحوج ولا يلزم التعميم (وقال أبو ثور) أن قسمة الإمام لزم تعميم الأصناف، وأن قسمة رب المال جاز صرفه في صنف واحد. والمعتمد عند الشافعية لزوم التعميم أن قسم الإمام، وكذا أن قسم المالك وكانوا محصورين (وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد) والنخعي وعطاء والثوري وأبو عبيد إلى استحباب تعميم الأصناف إن أمكن، وجواز صرفها إلى بعض ولو شخصًا واحدًا. وهو قول عمر وعلي وابن عباس ومعاذ وحذيفة وكثيرين من الصحابة. ومن التابعين سعيد بن جبير والحسن والضحاك. واستدلوا بما روى الطبري في التفسير عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿إنما الصدقات للفقراء - الآية﴾ أنه قال في أي صنف وضعته أجزأك وروى نحوه ابن أبي شيبة عن عمر وحذيفة وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وابي العالية وميمون بن مهران (والظاهر ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك) ومن وافقهما لما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال أنه ﷺ أتاه مال فجعله في صنف المؤلفة قلوبهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاقة وزيد الخيل قسم فيهم الذهبية التي بعث بها معاذ من اليمن. ثم أتاه مال آخر فجعله في صنف آخر وهم الغارمون. فقال لقبيصة بن المخارق حين أتاه وقد تحمل حمالة يا قبيصة أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. وقد أمر النبي ﷺ بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر البياض، ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لما صرفها ﷺ إلى واحد، والآية ليس فيها تعميم جميع الأصناف وإنما سمى الله تعالى
[ ٩ / ٧٢ ]
-[تحريم الصدقة على النبي ﷺ وآل بيته]-
(٨) تحريم الصدقة على بني هاشم وأزواجهم ومواليهم لا الهدية
(١١٢) حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا محمد بن جعفرٍ ثنا شعبة قال سمعت بريد (١) بن أبي مريم يحدث عن أبي الحوراء (٢) قال قلت للحسن بن عليٍ ﵄ ما تذكر من رسول الله ﷺ؟ قال أذكر من رسول الله ﷺ أني أخذت تمرةً من تمر الصدقة فجعلتها في فيَّ، قال فنزعها رسول الله ﷺ بلعابها (٣) فجعلها في التمر، فقيل يا رسول الله (٤) ما كان عليك من هذه التمرة لهذا الصبي؟ قال وإنا آل محمدٍ لا تحل لنا الصدقة، قال وكان يقول دع
_________________
(١) هذه الأصناف الثمانية إعلامًا منه أن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف لا إيجابًا لقسمها بينهم جميعًا. ولأن في التعميم حرج ومشقة؛ والله تعالى يقول ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ والمراد من حديث زياد بن الحارث الصدائي بيان أن الآية تكفلت ببيان الأصناف الذين يجوز الدفع إليهم. ولذا اختار بعض محققي الشافعية قول الجمهور وهو عدم وجوب التعميم (قال البيضاوي) في تفسير الآية بعد أن ذكر قول الجمهور. واختاره بعض أصحابنا. وبه كان يفتي شيخي وولدي رحمهما الله تعالى على أن الآية لبيان أن الصدقة لا تخرج عنهم لا لإيجاب قسمها عليهم والله أعلم اهـ
(٢) حدثنا عبد الله (غريبه) (١) بضم الباء الموحدة وفتح الراء مصغرًا (قال الحافظ) في التقريب يريد بن أبي مريم مالك بن أبي ربيعة السلولي بفتح المهملة البصري ثقة من الرابعة مات سنة أربع وأربعين (٢) اسمه ربيعة بن شيبان بمعجمة السعدي أبو الحوراء بمهملتين البصري عن الحسن بن علي، وعنه بريد بن أبي مريم وثقه الترمذي وقال النسائي ثقة (٣) مبالغة في عدم إيصال شيء من أثرها إلى جوفه لأنها أوساخ الناس كما في رواية (٤) لم أقف على اسم القائل، والمعنى أن بعض الحاضرين فهم أن أخذ تمرة واحدة من تمر الصدقة لا يضر بمصلحتها ولا يعد سرقة لا سيما والذي أخذها صبي صغير لا تكليف عليه، فقال للنبي ﷺ ما كان عليك. أي ما الذي يغضبك أو ما الذي يصيبك يا رسول الله من قبول هذه التمرة وتركها لهذا الصبي؟ فأخبره النبي ﷺ أن الأمر ليس كما فهم، بل السرف في ذلك أن الصدقة لا تحل لرسول الله ﷺ ولا لأحد من آل بيته كما في
[ ٩ / ٧٣ ]
-[ترك ما فيه ريبة - ومدح الصدق - وذم الكذب]-
ما يريبك (١) إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة (٢) وإن الكذب ريبةٌ، قال وكان يعلمنا هذا الدعاء (٣) اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذر ما واليت، قال شعبة وأظنه قد قال هذه أيضًا تباركت ربنا وتعاليت (٤)
(١١٣) عن ربيعة بن شيبان (٥) أنه قال للحسن بن عليٍ ﵄ ما تذكر من رسول الله ﷺ؟ قال أدخلني غرفة الصدقة فأخذت منها تمرةً فألقتيها في فمي، فقال رسول الله ﷺ ألقها فإنها لا تحل لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ولا لأحدٍ من أهل بيته
(١١٤) عن أبي الحوراء قال كنا عند حسن بن عليٍ ﵄
_________________
(١) رواية ستأتي والله أعلم (١) أي اترك ما تشك في كونه حسنًا أو قبيحًا أو حلالًا أو حرامًا "إلى ما لا يريبك" أي إلى ما لا تشك فيه أي ما تتيقن من حسنه وحِله (٢) أي يطمئن إليه القلب ويسكن (وإن الكذب ريبة) أي يقلق له القلب ويضطرب (٣) تقدم شرح هذا الدعاء في "باب القنوت في الوتر وألفاظه" صحيفة ٣١٠ في الجزء الثالث (٤) في الأصل بعد هذه الجملة قال شعبة وقد حدثني من سمع هذا منه ثم إني سمعته حدث بهذا الحديث مخرجه إلى المهدي بعد موت أبيه فلم يشك في تباركت وتعاليت، فقلت لشعبة إنك تشك فيه، فقال ليس فيه شك (تخريجه) لم اقف على هذا الحديث بهذا السياق لغير الإمام أحمد، وأخرج الترمذي وابن حبان منه حديث (دع ما يربك الخ) وأخرج الأربعة منه دعاء القنوت ورجاله رجال الصحيح
(٢) عن ربيعة بن شيبان (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن بكر ثنا ثابت بن عمارة ثنا ربيعة بن شيبان - الحديث" (غريبه) (٥) هو أبو الحوراء المتقدم ذكره في الحديث السابق فذكره هناك بكنيته وذكره هنا باسمه (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد، وأورده الهيثمي، وقال رواه أحمد ورجاله ثقات
(٣) عن أبي الحوراء (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو أحمد
[ ٩ / ٧٤ ]
-[تحريم الصدقة على النبي ﷺ وآل بيته ولو تمرة]-
فسئل ما عقلت من رسول الله ﷺ أو عن رسول الله ﷺ قال كنت أمشي معه فمر على جرينٍ (١) من تمرٍ للصدقة فأخذت تمرة فألقيتها في فمي فأخذها بلعابها، فقال بعض القوم وما عليك لو تركتها، قال إنا آل محمدٍ لا تحل لنا الصدقة، قال وعلقت منه الصوات الخمس
(١١٥) عن أبي هريرة ﵁ قال كنا عند رسول الله ﷺ وهو يقسم تمرًا من تمر الصدقة والحسن بن علي ﵄ في حجره، فلما فرغ حمله النبي ﷺ على عاتقه فسال لعابه على النبي ﷺ فرفع النبي ﷺ رأسه فإذا تمرة في فيه، فأدخل النبي ﷺ يده فانتزعها منه، ثم قال أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمدٍ ﷺ
(١١٦) وعنه أيضًا أن النبي ﷺ رأى الحسن بن عليٍ ﵄ أخذ تمرة من تمر الصدقة فلاكها في فيه، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كِخ كِخ (٣) ثلاثًا لا تحل لنا الصدقة
_________________
(١) هو الزبيري حدثنا العلاء بن صالح ثنا يزيد بن أبي مريم عن أبي الحوراء - الحديث" (غريبه) (١) هو موضع تجفيف التمر وهو له كالبيدر للحنطة؛ ويجمع على جُرُن بضمتين (يخرجه) (عل. طب) وقال الهيثمي رجال أحمد ثقات
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا معمر أخبرني محمد بن زياد أنه سمع أبا هريرة يقول كنا عند رسول الله ﷺ - الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الإمام أحمد ورجاله من رجال الصحيحين، ومعناه في الصحيحين
(٣) وعنه أيضًا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (٣) بفتح الكاف وكسرها وسكون المعجمة مثقلًا مخففًا وبكسرها منونة وغير منونة فيخرج من ذلك ست لغات، والثانية والثالثة تأكيد للأولى، وهي كلمة تقال لردع الصبي عند مناولة ما يستقذر
[ ٩ / ٧٥ ]
-[جواز أكل النبي ﷺ وآل بيته من الهدية لا الصدقة]-
(١١٧) عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كان نائمًا فوجده تمرةً تحت جنبه فأخذها فأكلها، ثم جعل يتضور (١) من آخر الليل وفزع لذلك بعض أزواجه، فقال إني وجدت تمرةً تحت جنبي فأكلتها فخشيت أن تكون من تمر الصدقة (وعنه من طريقٍ ثانٍ (٢) بنحوه وفيه) فأكلها فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه يا رسول الله أرقت البارحة، قال إني وجدت تحت جنبي تمرةً فأكلتها وكان عندنا تمرٌ من تمر الصدقة فخشيت أن تكون منه
(١١٨) عن أبي هريرة ﵁ قال كان النبي ﷺ إذا أتى بطعامٍ من غير أهله سأل عنه، فإن قيل هديةٌ أكل، وإن قيل صدقةٌ قال كلوا ولم يأكل (٣)
_________________
(١) قيل إنها عربية وقيل أعجمية وزعم الداودي أنها معربة، وقد أوردها البخاري في باب من تكلم بالفارسية، وقد زاد عند البخاري بعد قوله كخ كخ (ارم بها) وفي رواية للإمام أحمد (ألقها يا بني) وكأنه كلمه أولًا بهذا فلما تمادى قال له كخ كخ إشارة إلى استقذار ذلك ويحتمل العكس والله أعلم (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن عمرو بن شعيب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو بكر الحنفي ثنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب - الحديث" (غريبه) (١) أي يتلوى ويتقلب ظهرًا لبطن من الأرق والتفكير بسبب أكل هذه التمرة، وما ذلك إلا لأن أكل شيء من الصدقة محرم عليه وعلى آل بيته (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنا أبي ثنا وكيع ثنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله علهي وسلم وجد تحت جنبه تمرة من الليل فأكرها فلم ينم - الحديث" (تخريجه) لم اقف عليه لغير الإمام أحمد، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله ثقات
(٣) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن زياد قال سمعت أبا هريرة يقول كان النبي ﷺ - الحديث" (غريبه) (٣) فيه استعمال الورع والفحص عن أصل المآكل والمشارب (تخريجه) (م. مذ. وغيرهما)
[ ٩ / ٧٦ ]
-[عدم جواز استعمال آل بيت النبي ﷺ في الصدقة]-
(١١٩) وعن بهز بن حكيمٍ عن أبيه عن جده (١) ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نحوه
(١٢٠) عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ﵁ أنه اجتمع ربيعة بن الحارث وعباس بن عبد المطلب ﵄ فقالا والله لو بعثنا هذين الغلامين، فقالا لي وللفضل بن عباسٍ (٢) إلى رسول الله ﷺ فأمرهما على هذه الصدقات فأديا ما يؤدي الناس وأصابا ما يصيب الناس ما المنفعة، فبينا هما في ذلك جاء علي بن أبي طالبٍ ﵁ فقال ماذا تريدان؟ فأخبراه بالذي أرادا، قال فلا تفعلا. فوالله ما هو بفاعل، فقالا لم تصنع هذا؟ فما هذا منك إلا نفاسةً (٣) علينا، لقد صحبت رسول الله ﷺ ونلت صهره فما نفسنا (٤) ذلك عليك، قال فقال أنا أبو حسنٍ (٥) أرسلوهما
_________________
(١) وعن بهز بن حكيم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا مكي بن إبراهيم أنا بهز بن حكيم عن ابيه عن جده قال كان النبي ﷺ إذا أتى بالشيء سأل عنه هدية أم صدقة؟ فإن قالوا هدية بسط يده، وإن قالوا صدقة قال لأصحابه خذوا (غريبه) (١) هو معاوية بن حيدة ﵁ صحابي جليل تقدم ذكره آنفًا رقم ١٠٧ صحيفة ٦٧ (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد
(٢) عن عبد المطلب بن ربيعة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعقوب وسعد قالا ثنا أبي عن صالح عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أخبره أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أخبره أنه اجتمع ربيعة بن الحارث وعباس بن عبد المطلب الحديث، وبسند آخر قال حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال ثنا الزهري عن محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث قال اجتمع العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث في المسجد فذكر الحديث (غريبه) (٢) أي فأشار إليّ وإلى الفضل بن عباس، فالقول هنا بمعنى الإشارة (وقوله إلى رسول الله ﷺ) متعلق ببعثنا (٣) أي حسدًا منك (٤) هو بكسر الفاء أي ما حسدناك ذلك (٥) في رواية
[ ٩ / ٧٧ ]
-[عدم جواز استعمال آل بيت النبي ﷺ في الصدقة]-
ثم اضطجع قال فلما صلى الظهر (يعني النبي ﷺ) سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها حتى مر بنا فأخذ بأيدينا، ثم قال أخرجا ما تصرران (١) ودخل فدخلنا معه وهو حينئذ في بيت زينب بنت جحش، قال فكلمناه فقلنا يا رسول الله جئناك لتؤمِّرنا على هذه الصدقات فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة ونؤدي إليك ما يؤدي الناس، قال فسكت رسول الله ﷺ ورفع رأسه إلى سقف البيت حتى أردنا أن نكلمه، فأشارت إلينا زينب من وراء حجابها كأنها تنهانا عن كلامه، وأقبل فقال ألا إن الصدقة لا تبتغى لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ (٢) إنما هي أوساخ الناس ادعوا لي محمية بن جزءٍ (٣) وكان على العشر (٤) وأبا سفيان
_________________
(١) لمسلم أنا أبو حسن القرم بتنوين حسن، والقرم بفتح القاف وسكون الراء بعدها ميم مضمومة وهو السيد، وأصله فحل الإبل (قال الخطابي) معناه المقدم في المعرفة بالأمور والرأي كالفحل، هذا أصح الأوجه في ضبطه (١) بضم التاء وفتح الصادق المهملة وكسر الراء وبعدها راء أخرى، ومعناه تجمعانه في صدوركما من الكلام وكل شيء جمعته فقد صررته (٢) في هذا دليل على أن الصدقة محرمة على النبي ﷺ وآل بيته سواء أكانت بسبب العمل أم لسبب الفقر والمسكنة وغيرهما من الأسباب الثمانية (قال النووي) وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وجوز بعض أصحابنا لبني هاشم وبني المطلب العمل عليها بسهم العامل لأنه إجارة، وهذا ضعيف أو باطل، وهذا الحديث صريح في رده، وفي قوله ﷺ "إنما هي أوساخ الناس" تنبيه على العلة في تحريمها على بني هاشم وبني المطلب. وأنها لكرامتهم وتنزيههم عن الأوساخ، ومعنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم كما قال تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ فهي كغسالة الأوساخ (٣) أما محمية بميم مفتوحة ثم حاء مهملة ساكنة ثم ميم أخرى مكسورة ثم ياء مخففة (وأما جزء) فجيم مفتوحة ثم زاي ساكنة ثم همزة هذا هو الأصح (قال القاضي عياض) هكذا تقوله عامة الحفاظ وأهل الإتقان ومعظم الرواة، وقال عبد الغني بن سعيد (جزى) بكسر الزاي يعني وبالباء (التحتية) وكذا وقع في بعض النسخ في بلادنا (قال القاضي) وقال أبو عبيد هو عندنا جز مشدد الزاي أفاده النووي (٤) في رواية لمسلم ادعوا لي محمية بن جزء وهو رجل من بني أسد كان
[ ٩ / ٧٨ ]
-[قصة زواج الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة ﵃]-
ابن الحارث فأتيا فقال لمحمية أصدق عنهما من الخمس (١) (وعنه من طريقٍ ثان (٢» أنه هو والفضل أتيا رسول الله ﷺ ليزوجهما ويستعملهما على الصدقة فيصيبان من ذلك، فقال لهما رسول الله ﷺ إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمدٍ، ثم إن رسول الله ﷺ قال لمحمية الزبيدي زوِّج الفضل، وقال لنوفل بن الحارث بن عبد المطلب زوج عبد المطلب بن ربيعة وقال لمحمية بن جزءٍ الزبيدي وكان رسول الله ﷺ يستعمله على الأخماس، فأمره رسول الله ﷺ يصدق عنهما من الخمس شيئًا (٣) لم يسمعه عبد الله بن الحارث
_________________
(١) رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس (قال القاضي عياض) كذا وقع (يعني في رواية مسلم) قال والمحفوظ أنه من بني زبيد لا من بني أسد والله أعلم (١) أي أدِّ صداق زواجهما من الخمس لأنهما كانا طلبا منه الزواج أيضًا كما في الطريق الثانية (وقوله الخمس) يحتمل أن يريد من سهم ذوي القربى من الخمس لأنهما من ذوي القربى، ويحتمل أن يريد من سهم النبي ﷺ من الخمس (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن آدم ثنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه هو والفضل أتيا رسول الله ﷺ - الحديث" (٣) شيئًا مفعول قال في قوله. وقال لمحمية بن جزء الزبيدي. "وقوله وكان رسول الله ﷺ يستعمله إلى قوله من الخمس" جملة معترضة بين القول ومقوله، أي وقال لمحمية بن جزء الزبيدي شيئًا لم يسمعه عبد الله بن الحارث، وليس هذا آخر الحديث. بل بعده هذه الجملة "وفي أول هذا الحديث أن عليًا لقيهما فقال أن رسول الله ﷺ لا يستعلكما، فقالا هذا حسدك، فقال أنا أبو حسن القوم لا أربح حتى أنظر ما يردّ عليكما، فلما كلماه سكت فجعلت زينب تلوح بثوبها إنه في حاجتكما" ومعنى هذه الجملة أن الراوي يقول "وفي أول هذا الحديث" يعني الطريق الثانية من حديث الباب "أن عليًا لقيهما" أي قبل مقابلتهما النبي ﷺ "فقال إن رسول الله ﷺ لا يسعلكما في الصدقة" وإنما قال ذلك لكونه يعلم أن الصدقة لا تحل لذوي القربى "فقالا هذا حسدك" أي هذا حسد منك (فقال أنا أبو حسن القوم) بالواو وبإضافة حسن إلى القوم، ومعناه عالم القوم وذو رأيهم "فلما كلماه" أي فلما كلّما النبي ﷺ في أمرهما "سكت" فأرادا أن يكلماه مرة أخرى، فأشارت إليهما زينب بنت جحش زوج
[ ٩ / ٧٩ ]
-[دليل من قال بتحريم الصدقة على موالي آل البيت]-
(١٢١) عن عطاء بن السائب قال أتيت أم كلثومٍ ابنة عليٍ (١) بشيءٍ من الصدقة فردتها وقالت حدثني مولىً للنبي ﷺ يقال له مهران ﵁ أن رسول الله ﷺ قال إنا آل محمدٍ لا تحل لنا الصدقة ومولى القوم منهم (٢) (وعنه من طريقٍ ثانٍ (٣) بنحوه وفيه) أنها قالت أخبرني مهران أبو ميمون مولى النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال له يا ميمون أو يا مهران إنا أهل بيتٍ نُهينا عن الصدقة، وإن موالينا من أنفسنا ولا نأكل الصدقة
(١٢٢) عن أبي رافعٍ (مولى رسول الله ﷺ ورضي عنه) قال مر عليَّ الأرقم الزهري (٤) أو ابن أبي الأرقم واستعمل على الصدقات قال
_________________
(١) النبي ﷺ بثوبها لا تتكلما "إنه في حاجتكما" اي ينظر في أمركما، وقد أمضى لهما النبي ﷺ مسألة الزواج ومنع عنهما استعمالهما في الصدقة كما قال علي ﵁ (تخريجه) (مد. نس. وغيرهم)
(٢) عن عطاء بن السائب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا سفيان عن عطاء بن السائب - الحديث" (غريبه) (١) هي الصغرى ولعليّ ﵁ بنت أخرى يقال لها أم كلثوم وهي الكبرى، أمها فاطنة بنت النبي ﷺ وتزوجها عمر فولدت له، والصغرى عمّرت وسمع منها عطاء بن السائب؛ وأمها أم ولد، ذكرها ابن سعيد، أفاده الحافظ في تعجيل المنفعة (٢) فيه أن الصدقة تحرم على موالي أهل البيت كما تحرم عليهم (٣) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق ثنا سفيان عن عطاء بن السائب بنحو الطريق الأولى وفيه أنها قالت أخبرني مهران الخ (تخريجه) (طب. عب. ش) وأورده الهيثمي وقال أم كلثوم لم أر من روى عنها غير عطاء بن السائب وفيه كلام.
(٣) عن أبي رافع (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن ابن أبي رافع عن أبي رافع - الحديث" (غريبه) (٤) أي اذهب معي لتعطي من الزكاة فلم يقبل حتى استأذن النبي ﷺ فلم يأذن له تنزيهًا له عن أوساخ الناس وإلحاقًا له بمولاه وهو النبي ﷺ؛ لأن مولى القوم من أنفسهم كما صرح بذلك في الحديث، وكان النبي ﷺ يمونه فكان مستغنيًا
[ ٩ / ٨٠ ]
-[تحريم الصدقة على موالي النبي ﷺ وآل بيته - وجواز الإهداء إليه وأكله من الهدية]-
فاستتبعني (وفي روايةٍ قال أصحبني كيما تصيب منها (١» قال فأتيت النبي ﷺ فسألته عن ذلك، فقال يا أبا رافعٍ إن الصدقة حرامٌ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، وإن مولى القوم من أنفسهم
(١٢٣) عن سلمان (الفارسي ﵁) قال أتيت النبي ﷺ بطعامٍ وأنا مملوكٌ فقلت هذه صدقةٌ، فأمر أصحابه فأكلوا ولم يأكل، ثم أتيته بطعامٍ فقلت هذه هديةٌ أهديتها لك أ: رمك الله بها فإني رأيتك لا تأكل الصدقة، فأمر أصحابه فأكلوا وأكل معهم
_________________
(١) بذلك عن قبول أوساخ الناس، وقد روى البيهقي، والحاكم عن ابن عمر مرفوعًا "الولاء لحمة كلحمة النسب" (١) رواية أبي داود والترمذي عن أبي رافع أن النبي ﷺ بعث رجلًا على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع اصحبني الحديث (قال المنذري) وهذا الرجل الذي بعث رسول الله ﷺ هو الأرقم بن الأرقم القرشي المخزومي بيّن ذلك الخطيب والنسائي، وكان من المهاجرين الأولين وكنيته أبو عبد الله، وهذا الذي استخفى رسول الله ﷺ في داره بمكة في أسفل الصفا حتى كملوا الأربعين رجلًا آخرهم عمر بن الخطاب، وهي التي تعرف بالخيزران، وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ اسمه إبراهيم. وقيل أسلم. وقيل ثابت. وقيل هرمز اهـ
(٢) عن سلمان الفارسي (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عباس قال حدثني سلمان قال أتيت النبي ﷺ - الحديث" (تخريجه) (طب) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه الن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح (زوائد الباب) (عن أنس) أن النبي ﷺ كان يمر بالتمرة العائرة ثم يمنعه من أخذها إلا مخافة أن تكون صدقة، رواه أبو داود والطحاوي وسنده جيد (وقوله العائرة) بالهمزة أي الساقطة التي لا يعرف لها مالك من عار الفرس يعير إذا انطلق من مرابطه هائمًا "وعنه بلفظ آخر" أن النبي ﷺ وجد تمرة فقال لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها (ش) (وعن ابن أبي مليكة) أن خالد بن سعيد بعث إلى عائشة ببقرة من الصدقة فردّتها وقالت إنا آل محمد ﷺ لا تحل لنا الصدقة (ش) (وعن
[ ٩ / ٨١ ]
-[مذاهب الأئمة فيمن تحرم عليهم الصدقة من آل البيت]-
_________________
(١) زيد بن أرقم ﵁) وقد سأله حصين عن آل البيت الذين تحرم عليهم الصدقة من هم؟ قال هم آل عباس وآلا علي وآل جعفر وآل عقيل، فقال له حصين على هؤلاء تحرم الصدقة قال نعم (ش) (وعن ثابت بن الحجاج) قال بلغني أن رجلين من بني عبد المطلب أتيا النبي ﷺ يسألانه من الصدقة؟ فقال لا، ولكن إذا رأيتما عندي شيئًا الخمس فأتياني (وعن مجاهد) قال كان آل محمد ﷺ لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس (ش) (وعن حفصة بنت طلق) قالت حدثني جدي رشيد بن مالك عن النبي ﷺ قال إنا لا تحل لنا الصدقة (ش) (الأحكام) أحاديث الباب تدل على تحريم الصدقة على النبي ﷺ وآل بيته، وكذلك تحرم على مواليهم أيضًا تبعًا لهم، أما النبي ﷺ فلا خلاف بين المسلمين أن الصدقة لا تحل له، وقد اختلف في المراد بالآل هنا (فذهب الإمام الشافعي) وجماعة من العلماء إلى أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، واستدل الإمام الشافعي على ذلك بأن النبي ﷺ أشرك بني المطلب مع بني هاشم في سهم ذوب القربى ولم يعط أحدًا من قبائل قريش وغيرهم، وتلك العطية عوض عوضوه بدلًا عما حرموه من الصدقة كما أخرج البخاري والإمام أحمد، وسيأتي من حديث جبير بن مطعم قال "مضيت أنا وعثمان ابن عفان إلى النبي ﷺ فقلنا يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد" وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا عوضًا عن الصدقة (وقال الإمامان أبو حنيفة ومالك) هم بنو هاشم فقط (وعن الإمام أحمد) في بني المطلب روايتان (وعن المالكية) فيما بين هاشم وغالب بن فهر قولان، فعن أصبغ منهم هم بنو قصي، وعن غيره بن غالب بن فهر، كذا قال الحافظ، والمراد ببني هاشم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس وآل الحارث ولم يدخل في ذلك آل أبي لهب لما قيل من أنه لم يسلم أحد منهم في حياته ﷺ ويرده ما في جامع الأصول أنه أسلم عتبة ومعتب ابنا أبي لهب عام الفتح وسر ﷺ بإسلامهما ودعا لهما وشهدا مه حنينًا والطائف ولهما عقب عند أهل النسب (قال ابن قدامة) لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة، وكذا قال أبو طالب من أهل البيت حكي ذلك عنه في البحر، وكذا حكى الإجماع ابن رسلان، وقد نقل الطبري الجواز (عن أبي حنيفة) وقيل عنه تجوز لهم إذا حرموا سهم ذوي القربى حكاه الطحاوي، ونقله بعض المالكية عن الأبهري منهم، قال الحافظ وهو وجه لبعض الشافعية، وحكى أيضًا عن (أبي يوسف) أنها تحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم، وحكاه صاحب البحر عن زيد بن علي والمرتضى وأبي العباس والإمامية
[ ٩ / ٨٢ ]
-[تحقيق تحريم الصدقة على آل البيت ولو من بعضهم لبعض ودحض حجج المجوزين لذلك]-
_________________
(١) (قال الحافظ) وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة. الجواز. المنع. جواز التطوع دون الفرض. عكسه. والأحاديث الدالة على التحريم على العموم تردّ على الجميع، وقد قيل إنها متواترة تواترًا معنويًا، ويؤيد ذلك قوله تعالى ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾ وقوله ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر﴾ ولو أحلها لآله أو شك أن يطعنوا فيه. ولقوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ وثبت عنه ﷺ أن الصدقة أوساخ الناس كما تقدم عند الإمام أحمد ومسلم (قال الشوكاني) وأما ما استدل به القائلون بحلها للهاشمي من الهاشمي من حديث العباس الذي أخرجه الحاكم في النوع السابع والثلاثين من علوم الحديث بإسناد كله من بني هاشم أن العباس بن عبد المطلب قال قلت يا رسول الله إنك حرّمت علينا صدقات الناس هل تحل علينا صدقات بعضنا لبعض؟ قال نعم فهذا الحديث قد اتهم بعض رواته وأطال صاحب الميزان الكلام في ذلك فليس بصالح لتخصيص تلك العمومات الصحيحة (وأما قول العلامة) محمد بن إبراهيم الوزير بعد أن ساق الحديث ما لفظه "واحسب له متابعًا لشهرة القول به قال والقول قول جماعة وافرة من أئمة العترة وأولادهم وأتباعهم، بل ادعى بعضهم أنه إجماعهم، ولعل توارث هذا بينهم يقوي الحديث اهـ" فكلام ليس على قانون الاستدلال، لأن مجرد الحسبان أن له متابعًا وذهاب جماعة من أهل البيت إليه لا يدل على صحته (وأما) دعوى أنهم أجمعوا عليه فباطل باطل ومطولات مؤلفاتهم مختصراتها شاهدة لذلك (وأما قول الأمير) في المنحة أنها سكنت نفسه إلى هذا الحديث بعد وجدان سنده وما عضده من دعوى الإجماع فقد عرفت بطلان دعوى الإجماع، وكيف يصح إجماع لأهل البيت والقاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله وجماعة من أكابر بل جمهورهم خارجون عنه (وأما) مجرد وجدان السند للحديث بدون كشف عنه فليس مما يوجب سكون النفس (والحاصل) أن تحريم الزكاة على بني هاشم معلوم من غير فرق بين أن يكون المزكي هاشميًا أو غيره فلا ينفق (أي يروج) من المعاذير عن هذا المحرم المعلوم إلا ما صح عن الشارع لا ما لفقه الواقعون في هذه الورطة من الأعذار الواهية التي لا تخلّصن ولا ما لم يصح من الأحاديث المروية من التخصيص، ولكثرة أكلة الزكاة من بني هاشم في بلاد اليمن خصوصًا أرباب الرياسة قالم بعض العلماء منهم في الذب عنهم وتحليل ما حرم الله عليهم مقامًا لا يرضاه الله ولا نُقَّاد العلماء فألف في ذلك رسالة هي في الحقيقة كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وصار يتسلى بها أرباب النباهة منهم، وقد يتعلق بعضهم بما قاله البعض منهم إن أرض اليمن خراجية، وهو لا يشعر أن هذه المقالة مع كونها من أبطل الباطلات ليست مما يجوز التقليد فيه على مقتضى أصولهم
[ ٩ / ٨٣ ]
-[إتفاق العلماء على تحريم صدقة التطوع على النبي ﷺ واختلافهم فيها لآل بيته ومواليهم]-
_________________
(١) فالله المستعان ما أسرع الناس إلى متابعة الهوى وإن خالف ما هو معلوم من الشرعية المطهرة اهـ كلام الشوكاني (وفي حديث سلمان ﵁) دلالة واضحة على تحريم صدقة التطوع على النبي ﷺ (ويؤيده عموم) قوله ﷺ في حديث أبي هريرة وغيره "لا تحل لنا الصدقة" فإنه يفيد تحريمها مطلقًا سواء أكانت فرضًا أم تطوعًا، وقد نقل جماعة منهم الخطابي الإجماع على تحريمها عليه ﷺ، وتعقب بأنه قد حكى غير واحد عن الإمام الشافعي في التطوع قولًا وكذا في رواية عن الإمام أحمد (وقال ابن قدامة) ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة (وأما آل النبي ﷺ) فقال أكثر الحنفية وهو المصحح عند الشافعية والحنابلة وكثير من الزيدية أنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض، قالوا لأن المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع (وقال صاحب البحر) إنه خصص صدقة التطوع القياس على الهبة والوقف (وقال أبو يوسف وأبو العباس) إنها تحرم عليهم كصدقة الفرض لأن الدليل لم يفصّل (قلت) وهو الظاهر والله أعلم ٠ وفي حديث أبي رافع) دلالة على تحريم الصدقة على موالي بني هاشم، ولو كان الأخذ على جهة العمالة (وبه قال أبو حنيفة) وهو مروي أيضًا (والشافعي) وأصحابه، وإليه ذهب المؤيد بالله وأبو طالب وهو مروي عن الناصر وابن الماجشون (ومال الخطابي) إلى عدم تحريم الصدقة على موالي بني هاشم، قال لأنه لا حظ لهم في سهم ذوي القربى فلا يجوز أن يحرموا الصدقة، قال ويشبه أن يكون إنما نهاه (يعني أبا رافع) عن ذلك تنزيهًا له، وقال مولى القوم على سبيل التشبيه للاستنان بهم والاقتداء بسيرتهم في اجتناب مال الصدقة التي هي أوساخ الناس ويشبه أن يكون ﷺ يكفيه المؤنة إذ كان أبو رافع مولاه وكان يتصرف له في الحاجة والخدمة. فقال له على هذا المعنى أو كنت تستغني بما أعطيت فلا تطلب أوساخ الناس فإنك مولانا ومنا اهـ. وإلى عدم تحريم الصدقة على موالي بني هاشم (ذهب مالك) ويحيى وهو مروي أيضًا عن الناصر (والشافعي) في قوله له أنها تحل لهم (قال صاحب البحر) لأن علة التحريم مفقودة وهي الشرف اهـ (قال الشوكاني) نصب هذه العلة في مقابل هذا الدليل الصحيح من الغرائب التي يعتبر بها المتيقظ اهـ (قلت) وقصارى القول أن المعتمد عند المالكية والشافعية والحنابلة أنه يجوز للآل ومواليهم الأخذ من صدقة التطوع قياسًا على الهبة والهدية والوقف. وإذا منعت الآل من حقهم في سهم ذوي القربى لم يعطوا من الزكاة (عند الإمام أحمد) وهو الصحيح من مذهب الشافعي لعموم الأدلة المانعة ولأن منعهم من الزكاة لشرفهم لقرابة النبي ﷺ وهو باقي فيبقى المنع (وذهب الإمام مالك) والاصطخري والشافعية والطحاوي من الحنفية إلى جواز دفعها إليهم حينئذ والله أعلم.
[ ٩ / ٨٤ ]
-[التشديد في الغلول في الصدقة ووعيد فاعله]-
(٩) باب الغلول في الصدقة ووعيد من فعله
(١٢٤) عن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري أن عبد الله بن أنيسٍ ﵁ حدثه أنهم تذاكروا هو وعمر بن الخطاب ﵁ يومًا الصدقة، فقال عمر ﵁ ألم تسمع رسول الله ﷺ حين ذكر غلول الصدقة (١) أنه من غل فيها بعيرًا أو شاةً (٢) أتى به يحمله يوم القيامة؟ قال عبد الله بن أنيس بلى
(١٢٥) عن أبي حميدٍ الساعدي ﵁ قال استعمل النبي ﷺ رجلًا من الأزد (٣) يقال له ابن اللتبية (٤) على صدقةٍ فجاء فقال هذا لكم وهذا أهدي إلي، فقام رسول الله ﷺ على المنبر فقال ما بال العامل نبعثه
_________________
(١) عن عبد الرحمن بن الحباب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هارون بن معروف قال عبد الله وسمعته أنا من هارون قال ثنا ابن وهب قال ثنا عمرو بن الحارث أن موسى بن جبير حدثه أن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه أن عبد الله ابن أنيس ﵁ - الحديث) (غريبه) (١) أن السرقة منها (٢) أي أو بقرة أو نحو ذلك كما في بعض الروايات، والمعنى أن من سرق شيئًا من مال زكاة أو غنيمة سواء كان حيوانًا أو غيره أتى به يحمله يوم القيامة، وإنما خص الحيوان الذكر لكونه يصوّت فيزيد افتضاحه، الغلول حرام مطلقًا أي ولو لغير الحيوان من نحو مال أو متاه، لكن غلول الحيوان أشد في الإثم والافتضاح (وقوله بلى) يعني نعم يريد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ذلك (تخريجه) رواه أيضًا المقدسي في المختارة وسنده جيد
(٢) عن أبي حميد الساعي (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان عن الزهري سمع عروة يقول أنا أبو حميد الساعدي قال استعمل النبي ﷺ رجلًا - الحديث" (غريبه) (٣) بفتح الهمزة وإسكان الزاي، ويقال له الأزدي من أزدشنوءة، ويقال لهم الأزد والأسد بالسين بدل الزاي. وقد جاء بهما في روايتين عند مسلم (٤) بضم اللام وإسكان التاء المثناة فوق نسبة إلى بني لتب قبيلة معروفة. واسم ابن اللتبية
[ ٩ / ٨٥ ]
-[هدايا العمال من حق بيت المال وإلا كانت غلولًا]-
فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي إليَّ، افلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر يهدى إليه أم لا، والذي نفس محمدٍ بيده لا يأتي أحدٌ منكم منها بشيءٍ (١) إلا جاء به يوم القيامة على رقبته إن كان بعيرًا له رغاءٌ (٢) أو بقرةً لها خوارٌ أو شاةً تبعر (٣) ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة (٤) يديه؛ ثم قال اللهم هل بلغت ثلاثًا، وزاد هشام بن عروة (٤) قال أبو حميدٍ سمع أذني وابصر عيني (٥) وسلوا زيد بن ثابتٍ (٦)
(١٢٦) وعنه أيضًا أن رسول الله ﷺ قال هدايا العمال غلولٌ (٧)
_________________
(١) هذا عبد الله، قاله النووي (١) أي من الصدقة بشيء مسروق (٢) الرغاء بضم الراء صوت البعير (والخوار) بضم الخاء المعجمة صوت البقر (٣) هو بمثناة فوق مفتوحة ثم ياء تحتية ساكنة ثم عين مهملة مكسورة ومفتوحة، ومعناه تصيع واليعار صوت الشاة (٤) رواية مسلم "ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه" (والعفرة) بضم العين المهملة وفتحها والفاء ساكنة فيهما، وممن ذكر اللغتين في العين القاضي عياض في شرح مسلم وفي المشارق وصاحب المطالع (قال النووي) والأشهر الضم، قال الأصمعي وآخرون عفرة الإبط هي البياض ليس بالناصع بل فيه شيء كلون الأرض، قالوا وهو مأخوذ من عفر الأرض بفتح العين والفاء وهو وجهها اهـ (٥) يعني ابن الزبير في رواية أخرى، وفي رواية لمسلم قال عروة فقلت لأبي حميد أسمعته من رسول الله ﷺ فقال من فيه إلى أذني (٦) زاد مسلم فإنه كان حاضرًا معي، وفيه استشهاد الراوي والقائل بقول من يوافقه ليكون أوقع في نفس السامع وأبلغ في طمأنينته (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) وعنه أيضًا (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا إسحاق بن عيسى ثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن عروة بن الزبير عن أبي حميد الساعدي أن رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (٧) لفظ العمال هنا يشمل السلطان ونوابه من أهل الولايات "وقوله غلول" أي خيانة إن استأثر بها أحد منهم لنفسه لأنها من حق بيت مال المسلمين (تخريجه) (هق) وفي إسناده إسماعيل بن عياش فيه مقال، وله شاهد عند أبي يعلي عن حذيفة بلفظ "هدايا العمال حرام كلها" أي على الإمام
[ ٩ / ٨٦ ]
-[تغليظ الغلول في الصدقة ووعيد فاعله]-
(١٢٧) عن أبي رافع ﵁ (مولى رسول الله ﷺ) قال كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث حتى ينحدر (١) للمغرب، قال فقال أبو رافعٍ فبينا رسول الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب إذ مر بالبقيع (٢) فقال أُفٍ لك (٣) أفٍ لك مرتين فكبر في ذرعي (٤) وتأخرت وظننت أنه يريدني، فقال مالك؟؟؟؟؟، قال قلت أحدثت حدثًا يا رسول الله؟ (٥) قال وما ذاك؟ قلت أففت بي، قال لا، ولكن هذا قبر فلانٍ بعثته ساعيًا على بني فلانٍ فغل تمرةً (٦) فدُرِّع الآن مثلها من نارٍ
(١٢٨) عن مصعب (٧) بن سعدٍ قال دخل عبد الله بن عمر على عبد الله بن عامرٍ
_________________
(١) ونوابه إن لم توضع في بيت المال والله أعلم
(٢) عن أبي رافع (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو معاوية قال أبو إسحاق الفزاري عن ابن جريج قال حدثني منبوذ رجل من آل أبي رافع عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع قال كان رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) أي يسرع والمعنى أنه ﷺ كان يمكث عندهم طويلًا حتى لم يبق إلا زمن يسير لوقت المغرب فيسرع ذاهبًا إلى المسجد (٢) أي بقيع الغرقد وهو مقبرة أهل المدينة (٣) هي صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر متكره يقال أفّفت بفلان تأففًا وأففت به إذا قلت له أف لكن وفيها لغات هذه أصحها وأكثرها استعمالًا (٤) الذرع الوسع والطاقة، والمعنى أنه ضاق صدره ولم يطق سماع هذا الكلام من النبي ﷺ لفهمه أنه يعنيه بذلك (٥) أي أذنبت ذنبًا يا رسول الله استحق به تضجرك مني (٦) النمرة بكسر الميم كساء من صوف مخطط، أي سرق نمرة من الصدقة فعذبه الله في قبره بأن ألبسه مثلها من نار والجزاء من جنس العمل، وقد أطلع الله نبيه ﷺ على ذلك فتأفف لهذا المنظر الفظيع وأخبر به أبا رافع ليعتبر الناس بذلك والله أعلم (تخريجه) (نس خز في صحيحه) وسنده جيد
(٣) عن مصعب بن سعد (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا أبو عوانة ثنا سماك بن حرب عن مصعب بن سعد - الحديث" (غريبه) (٧) بضم الميم وفتح العين المهملة بينهما صاد مهملة ساكنة هو ابن سعد بن أبي وقاص الزهري أبو زرارة
[ ٩ / ٨٧ ]
-[تحذير العمال من الغلول في الصدقة]-
يعوده فقال مالك لا تدعو لي (١) قال فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله ﷿ لا يقبل صلاةً بغير طهورٍ ولا صدقةً من غلولٍ وقد كنت على البصرة يعني عاملًا
(١٢٩) عن سعيد بن المسيب عن سعيد بن عبادة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال له قم على صدقة بني فلان (٢) وانظر لا تأتي يوم القيامة ببكرٍ تحمله على عاتقك أو على كاهلك له رغاءٌ يوم (٣) القيامة، قال
_________________
(١) المدني قال ابن سعد ثقة كثير الحديث توفي سنة ثلاث ومائة (١) سبب قول عبد الله بن عامر ذلك لابن عمر أن ابن عمر ﵁ دخل عليه مع آخرين فجعلوا يثنون عليه ويدعون له إلا ابن عمر فقال عبد الله ما لك لا تدعو لي؟ فقال ابن عمر لست بأغشهم لك فذكر الحديث، وما ذكره يستفاد من حديث لمصعب أيضًا تقدم في أول أبواب الوضوء رقم ١٨٢ صحيفة ٢٩٩ من كتاب الطهارة في الجزء الأول، وتعليل ابن عمر ﵄ عدم الدعاء بذكر الحديث معقبًا بقوله "وقد كنت على البصرة يعني عاملًا" معناه أنك لست بسالم من الغلول فقد كنت واليًا على البصرة وتعلقت بك تبعات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، ولا يقبل الدعاء لمن هذه صفته كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلا ممن صان نفسه مما يخل بهما، والظاهر والله أعلم أن ابن عمر قصد زجر ابن عامر وحثه على التوبة وتحريضه على الإقلاع عن المخالفات ولم يرد القطع حقيقة بأن الدعاء للفساق لا ينفع. فلم يزل النبي ﷺ والسف والخلف يدعون للكفار وأصحاب المعاصي بالهداية والتوبة والله أعلم (تخريجه) (م. مذ. طب)
(٢) عن سعيد بن المسيب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ثنا سليمان بن المغيرة ثنا حميد بن هلال عن سعيد بن المسيب - الحديث" (غريبه) (٢) أي محصلًا لزكاتهم، ثم حذره النبي ﷺ من أن يغل منها شيئًا فإنه لو فعل ذلك يأت بما غل يوم القيامة يحمله على عاتقه سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا خفيفًا أم ثقيلًا يقدر على حمله أم لا، وخص البكر بالذكر لأنه أعظم أموال الصدقة كالبطر بفتح الباء الموحدة وإسكان الكاف وهو الفتى من الإبل والأنثى بكرة، فالله ﷾ يوجد له قوة على حمله (٣) الرغاء بضم الراء وبالغين المعجمة والمد صوت البعير
[ ٩ / ٨٨ ]
-[إفتضاح من غل في الصدقة يوم القيامة]-
يا رسول الله اصرفها عني فصرفها عنه (١)
(١٣٠) عن سماك (بن حربٍ) قال سمعت قبيصة بن هلبٍ يحث عن أبيه أن رسول الله ﷺ ذكر الصدقة فقال لا يجيئن أحدكم بشاةٍ لها يعارٌ (٢)
_________________
(١) يعني أن سعدًا ﵁ طلب من النبي ﷺ إقالته من هذه العمالة خوفًا من الوقوع فيما حذره النبي ﷺ منه فأقاله والله أعلم (تخريجه) أورده المنذري وقال رواه أحمد والبزار والطبراني ورواة أحمد ثقات إلا أن سعيد بن المسيب لم يدرك سعدًا، ورواه البزار عن ابن عمر قال بعث رسول الله ﷺ سعد بن عبادة فذكر نحوه، ورواته محتج بهم في الصحيح.
(٢) عن سماك بن حرب (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سليمان بان داود وهو أبو داود الطيالسي ثنا شعبة عن سماك قال سمعت قبيصة بن هلب - الحديث" (غريبه) (٢) اليعار بضم الياء التحتية صوت الشاة، والمعنى أن النبي ﷺ يحذر عمال الصدقة من الخيانة فيها والسرقة، فإن من سرق منها شيئًا سواء كان شاة أو بقرة أو بعيرًا أتى به يحمله يوم القيامة ولن صياح يسمعه جميع الخلائق فيعرفون أن هذا سارق فيفضح أمامهم. نعوذ بالله من ذلك (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد (زوائد الباب) (عن عبادة بن الصامت) ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه على الصدقة، فقال يا أبا الوليد اتق الله لا تأتي يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثغاء، قال يا رسول الله إن ذلك لكذلك؟ قال إي والذي نفسي بيده، قال فو الذي بعثك بالحق لا أعمل لك على شيء أبدًا، أورده المنذري وقال رواه الطبراني في الكبير وإسناده صحيح (الرغاء) تقدم تفسيره وكذلك الخوار (والثغاء) بضم الثاء المثلثة وبالغين العجمة ممدودًا هو صوت الغنم (وعن أبي مسعود) الأنصاري ﵁ قال بعثني رسول الله ﷺ ساعيًا، ثم قال انطلق أبا مسعود لا ألفينك تجيء يوم القيامة على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته، قال فقلت إذًا لا أنطلق قال إذًا لا أكرهك رواه أبو داود (عن ابن عباس) ﵄ أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا يصدق يقال له ابن اللتبية فصدق، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله ما تعديت ولا تركت لهم حقًا، ولقد أهدي إلي فقبلت الهدية، فجلس رسول الله ﷺ على المنبر فقال إني أبعث رجالًا على الصدقة فيأتي أحدهم فيقول والله ما تعديت ولا تركت لهم حقًا ولقد
[ ٩ / ٨٩ ]
-[مذاهب العلماء في تحريم الغلول وعقاب فاعله]-
أبواب النهي عن السؤال وما يتعلق به
(١) باب نهي الغني عن السؤال وحدُّ الغنى - ومن لا تحل له الصدقة
(١٣١) عن عبد الله (بن مسعودٍ) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من سأل وله ما يغنيه جاءت (١) يوم القيامة خدوشًا أو كدوشًا في وجهه
_________________
(١) أهدي إلي فقبلت الهدية؛ ألا جلس في حفش (*) أمه فينظر ما هذا الذي يهدى إليه إياكم أن يأتي أحدكم على عنقه بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثغاء ثم رفع يديه حتى نظر إلى بياض إبطيه ثم قال اللهم هل بلغت، رواه الطبراني في الكبير وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حنيفة وهو ضعيف (الأحكام) أحاديث الباب تدل على تحريم الغلول سواء كان في الصدقة أو الغنيمة (قال النووي) ﵀ أجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغلول وأنه من الكبائر وأجمعوا على أن عليه رد ما غله فإن تفرق الجيش (إن كان الغلول في الغنيمة) وتعذر إيصال حل كل واحد إليه ففيه خلاف للعلماء (قال الشافعي وطائفة) يجب تسليمه إلى الإمام أو الحاكم كسائر الأموال الضائعة (وقال ابن مسعود) وابن عباس ومعاوية والحسن والزهري والأوزاعي (ومالك والثوري والليث وأحمد والجمهور) يدفع خمسه إلى الإمام ويتصدق بالباقي (واختلفوا) في صفة عقوبة الغال، فقال جمهور العلماء وأئمة الأمصار يعزز على حسب ما يراه الإمام ولا يحرق متاعه، وهذا قول (مالك والشافعي وأب حنيفة) ومن لا يحصى من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (وقال مكحول والحسن والأوزاعي) يحرق رحله ومتاعه كله (قال الأوزاعي) إلا سلاحه وثيابه التي عليه (وقال الحسن) إلا الحيوان والمصحف (واحتجوا) بحديث عبد الله بن عمر في تحريق رحله (قال الجمهور) وهذا حديث ضعي لأنه مما انفرد به صالح بن محمد عن سالم وهو ضعيف (قال الطحاوي) ولو صح يحمل على أنه كان إذا كانت العقوبة بالأموال كأخذ شطر المال من مانع الزكاة وضالة الإبل وسارق التمر. وكل ذلك منسوخ والله أعلم اهـ
(٢) عن ابن مسعود (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا سفيان عن حكم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله - الحديث" (غريبه) (١) يعني المسألة "وقوع خدوشًا" بضم الخطاء المعجمة جمع خدش وهو ----- (*) الحفش بكسر الحاء المهملة هو البيت الصغير القريب السمك، وأصل الحفش الدرج، شبه به بيت أمه في صغره (نه)
[ ٩ / ٩٠ ]
-[بيان من لا تحل له الصدقة]-
قالوا يا رسول الله وما غناه؟ قال خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب (١)
(١٣٢) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إن الصدقة لا تحل لغني (٢) ولا لذي مرةٍ (٣) سوى
(١٣٣) وعن عبد الله بن عمرو (بن العاص) ﵄ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مثله
_________________
(١) خمش الوجه بظفر أو حديدة أو نحوهما "وقوله أو كدوشًا" بضم الكاف والدال المهملة وبعد الواو شين معجمة، جمع كدش وهو الخدش (١) يعنى قيمتها من الذهب وقدر ذلك بخمسة دنانير (تخريجه) (الأربعة. وغيرهم) وحسنه الترمذي
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى ابن إسحاق أخبرني أبو بكر بن عياش أنبأنا أبو حصين عن سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة -الحديث" (غريبه) (٢) الغنىّ هو من ملك النصاب عند قوم، وعند آخرين من ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب، وقال أبو عبيد بن سلام هو من وجد أربعين درهمًا أو أوقية، وقال آخرون هو من وجد ما يغديه ويعشيه، وتقدم خلاف المذاهب في ذلك في أحكام باب ما جاء في الفقير والمسكين صحيفة ٥٤ (٣) المرة بكسر الميم وتشديد الراء (قال الجوهري) المرة القوة وشدة العقل ورجل مرّ برّ أي قوى ذو مرة، وقال غيره المرة القوة على الكسب والعمل، وإطلاق المرة هنا وهي القوة مقيد بما سيأتي في حديث عبد الله ابن عدى من قوله "ولا لقوى مكتسب" فيؤخذ من الحديثين أن مجرد القوة لا يقتضي عدم الاستحقاق إلا إذا قرن بها الكسب "وقوله سوى" أي مستوى الخلق. قاله الجوهري والمراد استواء الأعضاء وسلامتها (تخريجه) (نس. جه. حب. قط) من طريق سالم بن أبى الجعد عن أبي هريرة كما هنا، قال في التنقيح رواته ثقات، لكن قال أحمد سالم ابن أبى الجعد لم يسمع من أبى هريرة، وأخرجه الحاكم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي
(٣) عن عبد الله بن عمرو (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا سفيان عن سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد العامري عن عبد الله بن عمرو قال قال النبي ﷺ لا تحل الصدقة لغنى ولا لذى مرة سوى (تخريجه) (د. مذ. ك) وحسنه الترمذي، وذكر أن شعبة لم يرفعه، وفي إسناده ريحان بن يزيد وثقه يحيى بن معين
[ ٩ / ٩١ ]
-[حجة القائلين بأن من ملك أربعين درهمًا لا تحل له الصدقة]-
(١٣٤) عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد قال قال رسول الله ﷺ من سأل وله أوقيةٌ (١) أو عدلها فقد سأل إلحافًا.
(١٣٥) عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ﵁ قال سرحتني (٢) أمي إلى رسول الله ﷺ أسأله فأتيته فقعدت، قال فاستقبلني فقال من استغنى أغناه الله. ومن استعف أعفه الله. ومن استكفى كفاه الله (٣) ومن سأل وله قيمة أوقيةٍ فقد ألحف (٤) قال فقلت ناقتي الياقوتة (٥)
_________________
(١) وقال أبو حاتم الرازي شيخ مجهول، وقال بعضهم لم يصح إسناد هذا الحديث، وإنما هو موقوف على عبد الله بن عمرو (قلت) يعضده حديث أبي هريرة رضى الله تعالى عنه السابق وقد علمت صحته.
(٢) عن عطاء بن يسار (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد- الحديث" (غريبه) (١) يعنى من الفضة وهي أربعون درهمًا "وقوله أو عدلها" بكسر العين وفتحها أي مثلها من الذهب، وقيمتها من الذهب أربعة دنانير، لأن نصاب الزكاة من الفضة خمسة آواق ومن الذهب عشرون دينارًا وقوله (إلحافًا) أي إلحاحًا بدون حق، يقال ألحف السائل إلحافًا أي ألح في المسألة ولازم المسئول حتى يعطيه (تخريجه) لم أقف عليه من حديث هذا الصحابي المجهول لغير الأمام أحمد وسنده جيد وجهالة الصحابي لا تضر، ويقويه أيضًا حديث أبي سعيد الآتي بعده
(٣) عن عبد الرحمن بن أبي سعيد (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا قتيبة بن سعيد ثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال عن عمارة بن غزية عن عبد الرحمن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه- الحديث" وله سند آخر حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا الحكم بن موسى ثنا ابن أبي الرجال نحوه (غريبه) (٢) أي أرسلتني (٣) يعني أن من استغنى عن السؤال واستعف عنه واكتفى وقنع بما أعطاه الله من رزق يسير مع الأخذ بأسباب الكسب الحلال أغناه الله وأعفه وكفاه مؤنة السؤال (٤) أي فقد تعدى في السؤال وألح فيه إلحاحًا (٥) أي المسماة بهذا الاسم، وفيه جواز تسمية البهائم، وقد سمي النبي ﷺ بعض الدواب بأسماء، فقد كان له حمار اسمه يعفور، وناقة اسمها العضباء. وغير ذلك
[ ٩ / ٩٢ ]
-[تحريم الصدقة على الغني القوي المكتسب]-
معي خيرٌ من أوقيةٍ (١) فرجعت ولم أسأله
(١٣٦) عن عبيد الله بن عديٍ (٢) قال أخبرني رجلان (٣) أنهما أتيا النبي ﷺ في حجة الوداع يسألانه الصدقة، قال فرفع فيهما رسول الله ﷺ البصر وخفضه فرآهما رجلين جلدين (٤) فقال إن شئتما أعطيتكما (٥) منها ولا حظ فيها لغنيٍ ولا لقويٍ مكتسبٍ
(١٣٧) ز عن علي ﵁ قال قال رسول الله صلى الله تعالى
_________________
(١) زاد أبو داود بعد قوله خير من أوقية (قال هشام) خير من أربعين درهمًا فرجعت فلم أساله، زاد هشام في حديثه وكانت الأوقية على عهد رسول الله ﷺ أربعين درهمًا (تخريجه) (نس) مطولًا كحديث الباب وأخرجه (د. قط. طح) مختصرًا ورجال إسناده ثقات، وسكت عنه أبو داود والمنذري، وابن أبي الرجال المذكور في إسناده اسمه عبد الرحمن بن محمد أبي الرجال قد وثقه الأمام أحمد والدارقطني وابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ
(٢) عن عبيد الله بن عدي (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الله بن نمير عن هشام عن أبيه عن عبيد الله بن عدي - الحديث" (غريبه) (٢) هو عبيد الله بن عدي بن الخيار بكسر الخاء المعجمة وفتح الياء التحتية مخففة ولد في عهد النبي ﷺ قال العجلي ثقة من كبار التابعين، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وقيل كان عام الفتح صغيرًا مميزًا فعده بعضهم من الصحابة لذلك، وكان ثقة قليل الحديث، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي (٣) هما رجلان من الصحابة ﵃ لم أقف لهما على اسم وجهالة الصحابة لا تضر لأنهم كلهم عدول (٤) بإسكان اللام أي قويين شديدين (قال الجوهري) الجلد بفتح اللام هو الصلابة والجلادة، تقول منه جلُد الرجل بالضم فهو جلد يعني بإسكان اللام وجليد بين الجلد والجلادة (٥) أي من الزكاة ووكلت الأمر إلى ما تعلمناه من حالكما ويكون عليكما إثم الأخذ إن كنتما غنيين أو قادرين على الكسب "وقوله ولا حظ فيها" أي في الصدقة أو في سؤالها لذي مال يصير به غنيًا أو قادر على كسب كفايته (تخريجه) (د. نس. قط) وروى عن الأمام أحمد أنه قال ما أجوده من حديث
(٣) "ز" عن على ﵁ (سنده) حدثنا عبد الله حدثني محمد
[ ٩ / ٩٣ ]
-[حجة القائلين بأن الصدقة لا تحل لمن عنده عشاء ليلة]-
عليه وعلى آله وصحبه وسلم من سأل مسألة عن ظهر غنى (١) استكثر بها من رضف (٢) جهنم، قالوا ما ظهر غنى؟ قال عشاء ليلةٍ (٣)
(١٣٨) عن حبشي بن جنادة ﵁ قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الجمر
(١٣٩) عن سهل بن الحنظلية (٤) الأنصاري ﵁ صاحب رسول الله ﷺ أن عيينة والأقرع (٥) سألا رسول الله ﷺ شيئًا فأمر معاوية
_________________
(١) ابن يحيى بن أبي سمينة ثنا عبد الصمد حدثني أبي ثنا حسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن على -الحديث" (غريبه) (١) أي وعنده ما يغنيه عن السؤال وقد فسر في الحديث بعشاء ليلة (٢) الرضف الحجارة المحماة على النار واحدتها رضفة، والمعنى أنه يعذب بالحجارة المحماة في جهنم بقدر سؤاله كثرة وقلة، نعوذ بالله من ذلك (٣) يعني أنه لا يجوز لمن عنده عشاء ليلته أن يسأل الناس لغذاء اليوم التالي، فإن هذا ينافي التوكل، والأجل غير معلوم، فإن سأل استحق العقاب المذكور في الحديث، والله أعلم (تخريجه) أورده المنذري وقال رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند والطبراني في الأوسط وسنده جيد
(٢) عن حبشي بن جنادة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن آدم ويحيى بن أبي بكير قالا ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حبشي بن جنادة -الحديث" (تخريجه) (طب) ورجاله رجال الصحيح وللطبراني رواية أخرى بلفظ "سمعت رسول الله ﷺ يقول من سأل الناس في غير مصيبة حاجته فكأنما يلقم الرضفة وفي إسنادها جابر الجعفي وفيه كلام، وقد وثقه الثوري وشعبة
(٣) عن سهل بن الحنظلية (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا علي بن عبد الله حدثني الوليد بن مسلم حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال حدثني ربيعة ابن يزيد حدثني أبو كبشة السلوني أنه سمع سهل بن الحنظلية الأنصاري- الحديث" (غريبه) (٤) هو اسم أمه، واسم أبيه الربيع أو عمرو؛ ويقال الربيع بن عمرو ابن عدي بن زيد بن جشم الخزرجي، روى عن النبي ﷺ شهد بيعة الرضوان، وكان متعبدًا متوحدًا لا يخالط الناس سكن دمشق وكانت داره بها، مات في خلافة معاوية، روى له الإمام أحمد وأبو داود والنسائي (٥) أما عيينة فهو ابن حذيفة الفزاري أبو مالك كان من
[ ٩ / ٩٤ ]
-[وعيد من سأل وعنده ما يغنيه]-
أن يكتب به (١) لهما ففعل وختمها رسول الله ﷺ وأمر بدفعه إليهما، فأما عيينة فقال ما فيه؟ قال فيه الذي أمرت به فقبله وعقده في عمامته وكان أحكم الرجلين (٢)، وأما الأقرع فقال أحمل صحيفةً لا أدري ما فيها كصحيفة المتلمس (٣) فأخبر معاوية رسول الله ﷺ بقولهما، وخرج رسول الله ﷺ في حاجةٍ فمر ببعيرٍ مناخٍ على باب المسجد من أول النهار، ثم مر به آخر النهار وهو على حاله، فقال أين صاحب هذا البعير؟ فابتغى (٤) فلم يوجد، فقال رسول الله ﷺ اتقوا الله في هذه البهائم (٥) ثم اركبوها صحاحًا واركبوها سمانًا كالمتسخط أنفًا (٦)، إنه من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من نار
_________________
(١) المؤلفة قلوبهم أسلم بعد الفتح وشهد حنينًا والطائف وارتد في عهد أبي بكر وبايع طليحة الأسدي ثم عاد إلى الإسلام، وصفه النبي ﷺ بالأحمق المطاع (وأما الأقرع) فهو لقب واسمه فراس، وقدم في أشرف بني تميم على رسول الله ﷺ بعد فتح مكة، وكان من المؤلفة قلوبهم وقد حسن إسلامه قتل باليرموك في عشرة من بيته (١) المعنى أن النبي ﷺ أمر كاتبه معاوية بن أبي سفيان ﵁ أن يكتب لعامل جهتهما أن يعطيهما ما سألاه (٢) أي أعقلهما لأنه لم يتهم النبي ﷺ (٣) هذا المثل وهو قوله "كصحيفة المتلمس" له حكاية مشهورة عند العرب، وذلك أن المتلمس كان شاعرًا في زمن الجاهلية هجا عمرو بن هند الملك فكتب له كتابًا إلى عامله أوهمه أنه أمر له فيه بعطية، وقد كتب يأمر بقتله فارتاب المتلمس ففكه وقرئ له؛ فلما علم ما فيه رماه ونجا فضربت العرب المثل بصحيفته بعد، وقد أعطاهما رسول الله ﷺ من سهم المؤلفة قلوبهم لأنهما لم يكونا فقيرين بل كانا سيدي قومهما، وقيل إنه أعطى كل واحد مائة ناقة من غنائم حنين لا من الزكاة والله أعلم (٤) أي أمر ﷺ بالبحث عنه فلم يوجد (٥) الظاهر أنه ﷺ علم أن هذا البعير لم يأكل ولم يشرب من أول النهار إلى آخره لعدم وجود صاحبه فقال "اتقوا الله في هذه البهائم" أي في أكلها وشربها بأن تعطوها من العلف ما يجعلها صحيحة سمينة تصلح للركوب وحمل الأثقال والنحر ولا تعذبوها بإهمالكم علفها فإنكم مسئولون عنها (٦) أي قال ﷺ "اتقوا الله في هذه البهائم إلخ" وهو ساخط كاره لما رآه من إهمال البعير، يقال أنف من الشيء يأنف أنفًا إذا
[ ٩ / ٩٥ ]
-[وعيد من سأل وعنده ما يغديه أو يعشيه]-
جهنم (١) قالوا يا رسول الله وما يغنيه؟ قال ما يغديه أو يعشيه (٢)
(١٤٠) عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ قال من سأل مسألة وهو عنها غنيٌ كانت شيئًا (٣) في وجهه يوم القيامة
(١٤١) عن عمران بن حصينٍ ﵁ قال قال رسول الله ﷺ مسألة الغني شينٌ في وجهه يوم القيامة.
_________________
(١) كرهه وشرفت نفسه عنه، والمراد هنا أنه ﷺ أخذته الحمية والغيرة والغضب رحمة بهذا البعير، ويحتمل ﷺ علم أن صاحب البعير جاء بالسؤال فغضب لإهماله البعير ولأنه لا حق له في السؤال لأنه يملك بعيرًا، ولذا قال ﷺ "أنه من سأل الخ الحديث" والله أعلم (١) أي يطلب لنفسه ما يستحق به دخول النار من جمع أموال الناس وأخذها بلا ضرورة (٢) الظاهر أن (أو) في قوله أو يعشيه بمعنى الواو لأنه ورد في رواية أبي داود بلفظ "قدر ما يغديه ويعشيه" وفي رواية أخرى لأبي داود أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم. والله أعلم (تخريحه) أخرجه أبو داود بنحو حديث الباب وليس فيه قصة البعير، ورواه الطحاوي مختصرًا باختلاف في بعض الألفاظ، وأورده الهيثمي وقال رواه أبو داود باختصار، وجعل أن الذي قال أحمل صحيفة كصحيفة المتلمس هو عيينة على العكس من هذا؛ ورواه أحمد ورجال رجال الصحيح اهـ
(٢) عن ثوبان (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا على بن عبد الله ابن جعفر ثنا عبد الملك بن عبد الله بن عثمان ثنا يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان - الحديث" (غريبه) (١) أي عيبًا يعرفه به الناس فينفضح أمامهم يوم القيامة. نسأل الله السلامة (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح
(٣) عن عمران بن حصين (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا أبو الأشهب عن الحسن عن عمران بن حصين- الحديث" وفي آخره (قال عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله) قال أبي لم أعلم أحدًا أسنده غير وكيع (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والبزار وزاد "ومسألة الغني نار إن أعطى قليلًا فقليل وإن أعطى كثيرًا فكثير" والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح
[ ٩ / ٩٦ ]
-[وعيد من سأل الناس تكثرا]-
(١٤٢) عن عائذ بن عمرو المزني ﵁ قال بينما نحن مع نبينا ﷺ إذ أعرابيٌ قد ألح عليه في المسألة يقول يا رسول الله أطعمني يا رسول الله أعطني، قال فقام رسول الله ﷺ فدخل المنزل وأخذ بعضادتي (١) الحجرة وأقبل علينا بوجهه وقال والذي نفس محمدٍ بيده لو تعلمون ما أعلم في المسألة (٢) ما سأل رجلٌ رجلًا وهو يجد ليلةً تبيته (٣) فأمر له بطعامٍ
(١٤٣) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من سأل الناس أموالهم تكثرًا (٤) فإنما يسأل جمرًا (٢) فليستقل منه أو ليستكثر
_________________
(١) عن عائذ بن عمرو (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا روح ابن عبادة ثنا بسطام بن مسلم قال سمعت خليفة بن عبد الله الغبري يقول سمعت عائذ بن عمرو المزني- الحديث" (غريبه) (١) تثنية عضادة بكسر العين وهي جانب العتبة من الباب (٢) أي من الوعيد الشديد لمن يسأل وعنده ما يكفيه ليلته (٣) أي وهو يجد طعام ليلة تكفيه شر التفكير في الطعام وألم الجوع بالليل (تخريجه) أورده المنذري وسكت عنه فهو صالح، وقال رواه النسائي، ورواه الطبراني في الكبير من طريق قابوس عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ: "لو يعلم صاحب المسألة ما له فيها لم يسأل" اهـ
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن فضيل ثنا عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه) (٤) أي طلبًا للزيادة عن حاجته الضرورية في يومه أو ليلته (٥) قال القاضي عياض معناه أنه يعاقب بالنار، ويحتمل أن يكون على ظاهره وأن الذي يأخذه يصير جمرًا يكوى به كما ثبت في مانع الزكاة (تخريجه) (م. جه) (زوائد الباب) (عن سمرة ابن جندب) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا تصلح المسألة لغني إلا من ذي رحم أو سلطان، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن خراش وثقه ابن حبان وضعفه جماعة، وله عند أبي داود والترمذي والنسائي والإمام أحمد وسيأتي من رواية زيد بن عقبة عنه "أن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانًا أو في أمر لابد منه" ذكره الهيثمي (قلت) وقوله "كد يكد بها الرجل وجهه" معنى الكد الأتعاب يقال كد يكد في عمله كدًا (من باب رد) إذا استعجل وتعب وأراد بالوجه ماءه ورونقه (نه) (وعن
[ ٩ / ٩٧ ]
-[زوائد الباب- ومذاهب الأئمة فيمن يجوز له السؤال]-
_________________
(١) جابر بن عبد الله ﵄) أن رسول الله ﷺ قال من سأل وهو غني عن المسألة يخشر يوم القيامة وهي خموش في وجهه؛ رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون (وعن مسعود بن عمرو) أن النبي ﷺ قال لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يخلق وجهه فما يكون له عند الله وجه؛ أورده المنذري وقال رواه البزار والطبراني في الكبير وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى "وقوله حتى يخلق وجهه" أي يضيع ماء وجهه ورونقه بالسؤال في الدنيا ثم يعذب في الآخرة في وجهه حتى يسقط لحمه كما صرف بالسؤال ماء وجهه فيكون الجزاء من جنس العمل والله أعلم (وعن ابن عباس) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من سأل الناس في غير فاقة نزلت به أو عيال لا يطيقهم جاء يوم القيامة بوجه ليس عليه لحم، وقال رسول الله ﷺ من فتح على نفسه باب مسألة من غير فاقة نزلت به أو عيال لا يطيقهم فتح الله عليه باب فاقة من حيث لا يحتسب، أورده المنذري وقال رواه البيهقي وهو حديث جيد في الشواهد (الأحكام) أحاديث الباب تدل على عدم جواز السؤال لغير حاجة وعلى الوعيد الشديد لمن وجد ما يكفيه وسأل الناس، وقد جاء في بعض الأحاديث أن الذي يكفيه خمسون درهمًا، وفي بعضها أوقية من فضة وهي أربعون درهمًا؛ وفي بعضها أن من وجد ما يغديه ويعشيه (بالجمع) كما في رواية أبي داود، أو يغديه أو يعشيه (بالتخيير) كما في رواية الإمام أحمد يحرم عليه سؤال صدقة التطوع، فعلى رواية التخيير يكون المعنى أن الإنسان إذا حصل له أكلة واحدة في النهار غداء أو عشاء كفته واستغنى بها، وعلى رواية الجمع يكون المعنى أنه إذا حصل في يومه أكلتان كفتاه، وقيل إن (أو) في رواية الإمام أحمد بمعنى الواو جمعًا بينها وبين رواية أبي داود، وإلى ذلك ذهب الجمهور. واستدلوا بحديث ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئًا، رواه ابن عبد البر عن عطية السعدي (قال الطيبي) من كان له قوت هذين الوقتين لا يجوز له أن يسأل في ذلك اليوم من صدقة التطوع، وأما في الزكاة المفروضة فيجوز للمستحق أن يسألها بقدر ما يتم به نفقة سنة له ولعياله وكسوتهم، لأن تفريقها في السنة مرة واحدة اهـ (قلت) هذا يتجه إذا لم يمكنه التكسب طول العام لمرض يعتريه أحيانًا أو كبر أو نحو ذلك وإلا فلا (وقال الخطابي) قد أختلف العلماء في تأويل ذلك، فقال بعضهم من وجد غداء يومه وعشائه لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث. وقال بعضهم إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة حرمت عليه المسألة. وقال آخرون هذا منسوخ بالأحاديث التي تقدم ذكرها اهـ (قلت) يعني الأحاديث التي فيها تقدير الغني بملك خمسين درهمًا أو قيمتها أو بملك أوقية أو قيمتها؛ ودعوى النسخ مردودة
[ ٩ / ٩٨ ]
-[مذاهب العلماء فيمن يجوز له السؤال وبعض مناقب حكيم بن حزام ﵁]-
(٢) باب ما جاء في اليد العليا واليد السفى
(١٤٤) عن حكيم بن حزامٍ (١) ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني؛ ثم قال إن هذا المال خضرةٌ حلوةٌ (٢) فمن أخذه بحقه (٣) بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف
_________________
(١) بأنه لا تعارض بين الأحاديث حتى يدعى النسخ، ويمكن الجمع بينها بأن النبي ﷺ كان يعلم ما يغني كل واحد فخاطبه بما يناسبه فإن الناس مختلفون في قدر كفايتهم فمنهم من لا يكفيه أقل من خمسين درهمًا، ومنهم من لا يكفيه أقل من أربعين، ومنهم من يكون له كسب في كل يوم يقوم بكفايته أوّلا فأوّلا فيكون به غنيًا فلا يسأل والله أعلم (قال المنذري) ﵀ كان الشافعي ﵀ يقول قد يكون الرجل بالدرهم غنيًا مع كسبه ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله، وقد ذهب سفيان الثوري وابن المبارك والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى أن من له خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب لا يدفع إليه شيء من الزكاة، وكان الحسن البصري وأبو عبيد يقولان من له أربعون درهمًا فهو غني، وقال أصحاب الرأي (ومنهم أبو حنيفة ﵀) يجوز دفعها إلى من يملك دون النصاب وإن كان صحيحًا مكتسبًا مع قولهم من كان له قوت يومه لا يحل له السؤال استدلالًا بهذا الحديث وغيره اهـ (قلت) يعني حديث سهل بن الحنظلية وما جاء في معناه، وقد جمع الشوكاني بين مختلف الأحاديث في هذا الباب بأن القدر الذي يحرم السؤال عنده هو أكثرها وهو الخمسون عملًا بالزيادة. والله أعلم.
(٢) عن حكيم بن حزام (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان عن الزهري سمع عروة وسعيد بن المسيب يقولان سمعنا حكيم بن حزام يقول سألت النبي ﷺ- الحديث" (غريبه) (١) حكيم بفتح الحاء المهملة بن حزام بكسر الحاء المهملة وتخفيف الزاي الأسدي المكي ولد في باطن الكعبة عاش في الجاهلية سنتين وفي الإسلام أيضًا سنتين، وأعتق مائة رقبة وحمل على مائة بعير في الجاهلية، وحج في الإسلام ومعه مائة بدنة، ووقف بعرفة بمائة رقبة في أعناقهم أطواق الفضة منقوش فيها عتقاء الله عن حكيم بن حزام، وأهدى ألف شاة، ومات بالمدينة سنة ستين أو أربع وخمسين (٢) شبهه في الرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذة فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده والحلو كذلك على انفراده فاجتماعهما أشد، وفيه إشارة إلى عدم بقائه لأن الخضروات لا تبقى ولا تراد للبقاء، والله أعلم (٣) حقه هو أن
[ ٩ / ٩٩ ]
-[التنفير من السؤال وأن ما يأخذه السائل أوساخ الناس]-
نفس (١) لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع (٢) واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى (٣) (وعنه من طريقٍ ثانٍ) (٤) قال سألت رسول الله ﷺ من المال فألحفت (٥) فقال يا حكيم ما أكثر مسألتك، يا حكيم إن هذا المال خضرةٌ حلوةٌ وإنه مع ذلك أوساخ أيدي للناس، ويد الله فوق يد المعطى (٦)
_________________
(١) يأخذه بطيب نفس كما صرح بذلك في رواية مسلم ولفظه "فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه" وذكر القاضي عياض في معنى طيب النفس احتمالين، أظهرتما أنه عائد على الآخذ، ومعناه من أخذ بغير سؤال ولا إشراف وتطلع بورك له فيه (والثاني) أنه عائد إلى الدافع، ومعناه من أخذه ممن يدفع منشرحًا. يدفعه إليه طيب النفس لا بسؤال اضطره إليه أو نحوه مما لا تطيب مع نفس الدافع اهـ (١) إشراف النفس تطلعها إلى الشيء وتعرضها إليه وطعمها فيه وقد علمت معنى طيب النفس (٢) قيل هو الذي به داء لا يشبع بسببه، وقيل يحتمل أن المراد التشبيه بالبهائم الراعية والله أعلم (٣) اليد العليا هي المنفقة، واليد السفلى السائلة كما فسر بذلك في حديث ابن عمر الآتي في الباب، وكذلك وقع في صحيحي البخاري ومسلم العليا المنفقة من الإنفاق، وكذا ذكره أبو داود عن أكثر الرواة، قال ورواه عبد الوارث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر العليا المتعففة بالعين من العفة، ورجح الخطابي هذه الرواية، قال لأن السياق في ذكر المسألة والتعفف عنها (قال النووي) والصحيح الرواية الأولى، قال ويحتمل صحة الروايتين. فالمنفقة أعلى من السائلة، والمتعففة أعلى من السائلة اهـ (٤) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد أنا ابن أبي ذئب عن مسلم بن جندب عن حكيم بن حزام قال سألت رسول الله ﷺ- الحديث" (غريبه) (٥) أي ألحت وأكثرت في السؤال، وتقدم في الطريق الأولى أنه سأله ثلاث مرات وكل مرة يعطيه، والسبب في إلحاحه على ما رواه الطبراني في الكبير أنه أعان بفرسين يوم حنين فأصيبتا، فأتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إن فرسي أصيبتا فعوضني، فأعطاه فاستزاده. والله أعلم (٦) أي لأنه معطى الجميع وإليه يرجع الفضل كله (قال الخطابي) قد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا هو أن يد المعطى مستعلية فوق يد الآخذ، يجعلونه من علو الشيء إلى فوق، قال وليس ذلك عندي بالوجه، وإنما هو من علاء المجد والكرم، يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها قال وأنشدني أبو عمرو قال أنشدنا أبو العباس قال أنشدنا ابن الأعرابي في معناه إذا كان باب الذل من جانب الغنى سموت إلى العلياء من جانب الفقر
[ ٩ / ١٠٠ ]
-["حديث" اليد العليا خير من اليد السفلى - ومدح التعفف عن المسألة]-
ويد المعطي فوق يد المعطي وأسفل الأيدي يدا المعطي
(١٤٥) عن هشام (١) عن حكيم بن حزام ﵁ قال سمعت رسول الله (ﷺ) يقول اليد العليا خير من اليد السفلى، وليبدأ أحدكم بمن يعول (٢) وخير الصدقة ما كان عن ظهر (٣) ومن يستغن يغنه الله (٤) ومن يستعف يعفه الله، فقلت ومنك يا رسول الله؟ (٥) قال ومني، قال حكيم لا تكون يدي تحت يد رجل من العرب أبدًا
_________________
(١) يريد به التعزز بترك المسألة والتنزه عنها أهـ (تخريجه) (أخرج الطريق الأولى منه الشيخان، وغيرهما) وأخرج الطريق الثانية منه الطبراني في الكبير بسند صحيح
(٢) عن هشام (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى قال ثنا ابن نمير أنا هشام عن حكيم بن حزام قال سمعت رسول الله (ﷺ) الحديث (غريبة)
(٣) هو ابن عروة بن الزبير بن العوام (٣) لفظ البخاري وأبدًا بمن تعول، أي بمن يجب عليك نفقته، ومال الرجل أهله إذا ماتهم أي قام بما يحتاجون إليه من القوت والكسورة وغيرهما؛ وقد روي النسائي من طريق طارق المحاربي ولفظه "قدمنا المدينة فإذا رسول الله (ﷺ) قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول "يد المعطي العليا وأبدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك" أي الأقرب فالأقرب وقد بينت هذه الرواية مراتب المستحقين، وفيها تقديم نفقة نفسه وعياله لأنها منحصرة فيه بخلاف نفقه غيرهم، وفيها الابتداء بالأهم في الأمور الشرعية (٣) معناه أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنيًا بما بقي معه، وتقديره أفضل الصدقة بالنسبة إلى من تصدق بجميع ماله، لأن من تصدق بالجميع يندم غالبًا، أو قد يندم إذا احتاج ويود أنه لم يتصدق، بخلاف من بقي بعدها مستغنيًا فإنه لا يندم عليها بل يسر بها (٤) هذه الجملة شرط وجزاء، ولعامة الجزم حذف الياء، أي من يطلب الغني من الله "ومن يستعف" من الاستعفاف وهو طلب العفة وهي الكف عن الحرام والسؤال من الناس، وقيل الاستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء "وقوله يعفه الله" بضم الياء التحتية من الأعفاف ومعناه يصّبره عفيفًا (٥) أي وطالب الصدقة منك يا رسول الله يكون كذلك؟ فقال ومني (تخريجه) (ق. وغيرها) وللشيخين "فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحد بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا" الرزء الأخذ
[ ٩ / ١٠١ ]
-[حديث عبد الله بن مسعود ﵁ (الأيدي ثلاثة)]-
(١٤٦) قر عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله (ﷺ) الأيدي ثلاثة (١) فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلي (٢)
(١٤٧) وعن مالك بن نضلة، عن النبي (ﷺ) مثله وزاد فأعط الفضل (٣)
_________________
(١) والنقص، يقال ما رزأنا من مالك شيئًا، أي ما أخذنا ولا نقصنا، وفي صحيح البخاري أن أبا بكر (﵁) كان يدعو حكيمًا ليعطيه الماء فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم دعاه عمر ليعطيه فأبى أن يقبله فقال يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم أحدًا من الناس بعد النبي (ﷺ) شيئًا حتى توفي ﵁.
(٢) "قر" عن عبدا لله بن مسعود (سنده) حدّثنا عبد الله قال قرأت على أبى حدثكم القاسم بن أبى الأحوص عند عبد الله - الحديث" (غريبة) (١) أي بالنسبة للإعطاء والأخذ، وذلك أن المعطي قسمان، معط حقيقة وهو الله ﷿ لكونه مالك كل شيء وإليه يرجع أمر كل شيء، ومعط ظاهرًا وهو من أجرى الله ﷿ الإعطاء على يديه وجعلت يده وإليه يد الله تعالى لأنه ﷿ جعله مظهرًا للخير "وقوله فيد الله العليا" أي نعمته الكاملة وعطاؤه العام على ما ذهب إليه الخلف من تأويل المتشابه لتنزيهه ﷿ عن الجارحة، ومذهب السلف "وهو مذهبي" إمراره على ظاهر وتفويض المراد منه إلى الله تعالى مع اعتقد تنزيهه جل شأنه عن الجارحة "ليس كمثله شيء" (٢) لما يترتب على السؤال من الذل والأهانة وإراقة ماء الوجه وهذا إذا كان السؤال لغير حاجة، وإلا فيده لا تتصل بذلك (تخريجه) (هق. عل ك) وأورد المنذري، وقال رواه أبو يعلي، والغالب على رواته التوثيق، رواه الحاكم وصحيح إسناده أهـ.
(٣) عن مالك بن فضله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا عبيدة ابن حميد أبو عبد الرحمن التيمي قال ثنا أبو الزعراء عن أبى الأحوث عن أبيه مالك بن فضله قال قال رسول الله (ﷺ) الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلي فأعط الفضل ولا تعجز عن نفسك (غريبة) (٣) أي ما فضل عنك وعمن تلزمك نفقته من الزوجة والأولاد والأقارب "وقوله ولا تعجز عن نفسك" أي ولا تترك نفسه بدون شيء تبقيه لمهامتك فتعجز عن القيام بشأن من تعول عن نفسك" أي ولا تترك فسك بدون شيء تبقيه لمهامتك فتعجز عن القيام بشأن من تعول فتحتاج إلى السؤال
[ ٩ / ١٠٢ ]
-[كلام العلماء في تفسير اليد العليا واليد السفلى]-
ولا تعجز عن نفسك
(١٤٨) عن أبن عمر ﵄ قال قال رسول الله (ﷺ) اليد العليا خير من اليد السفلي، اليد العليا المنفقة، واليد السفلي السائلة
(١٤٩) عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله (ﷺ) لا صدقه
_________________
(١) وقد علمت ما فيه، فما في يدك أقرب مما في أيد الناس (تخريجه) (د. خز. ك) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي.
(٢) عن ابن عمر ٠ سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا عتاب ثنا عبد الله أنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر - الحديث" (غريبة) (١) هذه الجملة وهي قوله: "اليد العليا المنفقة واليد السفلي المعطية" تفسير من النبي (ﷺ) وليس مدرجة في الحديث كما قال بعض العلماء، ويؤيد ذلك ما رواه البيهقي والأمام أحمد من حديث ابن مسعود وتقدم بلفظ "الأيدي ثلاثة، فيد الله العلاي، ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلي، وما رواه النسائي من حديث طارق المحاربي قال قدمنا المدين فإذا رسول الله (ﷺ) قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول "يد المعطي العليا" وما رواه الطبراني والإمام أحمد من حديث أبى رمنه بلفظ "يد المعطي العليا" وسيأتي في هذا الباب (قال الحافظ) أدعي أبو العباس الداني في أطراف الموطأ أن التفسير المذكور مدرج في الحديث ولم يذكر مستندًا لذلك، ثم وجدت في كتاب العسكري في الصحابة بإسناد له: فيه انقطاع عن ابن عمر أنه كتب إلى بشير بن مروان إلى سمعت النبي (ﷺ) يقول: "اليد العليا خير من اليد السفلي" ولا أحسب اليد السفلي إلا السائلة ولا العليا إلا المعطية، فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر، ويؤيده ما رواه ابن أبى شيبة من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال كنا نتحدث أن العليا هي المنفقة (وحكي الحافظ) أقوالًا كثيرة لبعض العلماء في تأويل هذا الحديث ثم قال، وكل هذه التأويلات المتعسفة تضمحل عند الأحاديث المتقدمة المصرحة بالمراد، فأوى ما فسر الحديث بالحديث، ومحصل ما في الآثار المتقدمة أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعففة عن الأخذ ثم الآخذة بغير سؤال، وأسفل الأيدي الحائلة والمانعة، والله أعلم أهـ (تخريجه) (ق. ر، وغيرهم).
(٣) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا يعلى بن
[ ٩ / ١٠٣ ]
-[تقديم الوالدين بالبر ثم الأقرب فالأقرب]-
إلا عن ظهر غنين واليد العليا خير من اليد السفلي، وأبدأ بمن تمول
(١٥٠) عن أبى رمثه ﵁ عن النبي (ﷺ) قال يد المعطي العليا أمك (١) وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك فقال رجل (٢) يا رسول الله هؤلاء بنو يربوع قتله فلان (٣) قال ألا لا تجني نفس على أخرى، وقال أبى (٤) قال أبو النضر في حديثه دخلت المسجد فإذا رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يخطب ويقول يد المعطي العليا
_________________
(١) عبيد ثنا عبد الملك عن عطاء عن أبى هريرة - الحديث" (تخريجه) (خ. نس) وروي الشيخان وأبو داود مثله من حديث حكيم بن حزام وتقدم
(٢) عن أبى رمثه (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا عمرو بن الهيثم أبو قطن وأبو النضر قالا حدثنا المسعودي عن إياد بن لقيط عن أبى رمثه - الحديث" (غريبة) (١) مفعول لفعل محذوف تقديره أعط أمك وأباك الخ، أي قدمهما في العطية على غيرهما وكذا ما بعده على هذ الترتيب " وقول ثم أدناك أدناك" أي الأقرب فالأقرب (٢) يعني من الحاضرين لم يعلم اسمه وكان من الأنصار كما في رواية أخرى (٣) أي أقارب القائل: وكأن القال يحث النبي (ﷺ) على القصاص منهم فقال (ﷺ) "ألا لا تجني نفس على أخرى" أي لا يؤاخذ أحد بذنب أحد في عقوبة ولا ضمان، ولكنه مخصص بأحاديث ضمان العاقلة، وسيأتي البحث عن ذلك في باب لا يؤاخذ المرء بجريره غيره من كتاب القتل والجنايات إن شاء الله تعالى (٤) القائل ذلك هو عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله، يريد أن الإمام أحمد روي عن أبى النضر بسنده إلى أبى رمثه أن أبار منه قال في أول الحديث "دخلت المسجد فإذا رسول الله (ﷺ) يخطب ويقول " يد المعطي العليا فذكر الحديث) (تخريجه) (نس) ورجاله ورجال الصحيح (الأحكام) أحاديث الباب في الحث على الإنفاق في وجوه الخير والطاعات بعد كفاية المتصدق فيقدم نفسه وعياله ثم أقاربه الأقرب فالأقرب بحيث لا يصير المتصدق محتاجًا بعد صدقته إلى أحد، فمعني الغني من قوله في حديث حكيم بن حزام "وخير الصدقة ما كان عن ظهر غني" وفي قوله في حديث أبى هريرة "لا صدقة إلا عن ظهر غني" حصول ما تدفع به الحاجة الضرورية كالأكل عند الجوع المشوش الذي لا صبر عليه وستر العورة والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى وما هذا
[ ٩ / ١٠٤ ]
-[مذاهب الأئمة في أحكام الباب]-
_________________
(١) سبيله؛ فلا يجوز الإيثار به بل يحرم، وذلك أنه إذا آثر غيره به أدي إلا إهلاك نفسه أو الأضرار بها أو كشف عورته، فمراعاة حقه أولى على كل حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صح الإيثار، وكانت صدقته على الأفضل لأجل ما يحتمله من مضض الفقر وشدة مشقته (قال النووي) ﵀ وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، فمذهبنا أنه مستحب لمن لا دين له ولا له عيال لا يصبرون بشرط أن يكون ممن يصبر على الإضافة والفقر، فإن لم تجتمع هذه الشروط فهو مكروه (قال القاضي عياض) جوز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ما له وقيل يرد جميعها، وهو مروي عن عمر بن الخطاب ﵁، وقيل ينفذ في الثلث (وهو مذهب أهل الشام) وقيل أن زاد على النصف ردت الزيادة، وهو محكي عن مكحول: قال أبو جعفر الطبري ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله وأن يقتصر على الثلث أهـ (وفيه أيضًا) الحث على التعفف والقناعة والرضا بما تيسر في عفاف وإن كان قليلًا، والإجمال في الكسب، وأنه لا يغتر الإنسان بكثرة ما يحصل له بإشراف ونحوه فإنه لا يبارك له فيه، وهو قريب من قول الله تعالى "يمحق الله الربا ويربي الصدقات" (وفيها أيضً) دليل لمذهب الجمهور أن اليد العليا هي المنفقة (وقال الخطابي) المتعففة كما سبق، وقد علمت ما فيه، وأن اليد السفلي هي الآخذه (وفي حديث حكيم بن حزام) فوائد كثيرة، قال ابن أبى جمرة (منها) أنه قد يقع الزهد مع الأخذ فإن سخاوة النفس هو زهدها، تقول سخت بكذا أي جادت، وسخت عن كذا أي لم تلتفت إليه (ومنها) أن الأخذ مع سخاوة النفس يحصل أجر الزهد والبركة في الرزق، فتبين أن الزهد يحصل خيري الدنيا والآخرة (وفيه) ضرب المثل لما يعقله السامع من الأمثلة "يعني قوله وكان كالذي يأكل ولا يشبع" لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير، فبين بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق الله تعالى وضرب لهم المثل بما يعهدون، فالآكل إنما يأكل ليشبع فإذا أكل ولم يشبع كان غناه في حقه بغير فائدة، وكذلك المال ليست الفائدة في عينة وإنما هي لما يتحصل به من المنافع، فإذا كثر عن المرء بغير تحصيل منفعة كان وجوده كالعدم (وفيه) أنه ينبغي للإمام أن لا يبني للطالب ما في مسألته من المفسدة غلا بعد قضاء حاجته لنقع موعظته له المواقع لئلا يتخيل أن ذلك سبب لمنعه من حاجته (وفيه) جواز تكرار السؤال ثلاثًا وجواز المنع في الرابع والله أعلم (وفي الحديث أيضًا) أن سؤال الأعلى ليس بعار وأن رد السائل بعد ثلاث ليس بمكروه وأن الإجمال في الطلب مقرون بالبركة، وقد زاد إسحاق بن راهويه في سنده من طريق معمر عن الزهري في آخره فمات حين مات "يعني حكيمًا" وإنه لمن أكثر قريش مالًا (وفيها أيضًا) سبب ذلك وهو أن النبي (ﷺ) أعطي حكيم بن حزام دون ما أعطي الصحابة، فقال حكيم يا رسول الله ما كنت
[ ٩ / ١٠٥ ]
-[الحث على التكسب وتقبيح السؤال]-
(٣) باب ما جاء في ترك التكسب اتكالًا على السؤال ووعيد فاعد
(١٥١) عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله (ﷺ) والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب إلى الجبل فيحتطب (١) ثم يأتي به يحمله على ظهره فيبيعه فيأكل خير له (٢) من أن يسأل الناس، ولأن يأخذ ترابًا فيجعله في خير له من أن يجعل في فيه ما حرم الله (٣) (وعن من طريق ثان) (٤) عن النبي (ﷺ) والله لأن يأخذ أحدكم حبلا ًفيحتطب فيحمله على هره فيأكل أو يتصدق خير له من أن يأتي رجلًا أغناه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه (٥) ذلك بأن اليد العليا خير من اليد السفلى (وعنه من طريق ثالث) (٦) أن رسول الله (ﷺ) قال لا يفتح الإنسان على نفسه باب مسألة إلا فتح الله
_________________
(١) أظن أن تقصر بي دون أحد من الناس فزاده ثم استزاده فزاده حتى رضي فذكر نحو الحديث أفاده الحافظ
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا يزيد أنا محمد بن إسحاق عن سعيد بن يسار مولى الحسن بن على رضي الله عن أبى هريرة - الحديث" (غريبة) (١) أي يجمع الحطب (٢) قال الحافظ "قوله خير له" ليست بمعني أفعل التفضيل إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، والأصح عند الشافعية أن سؤال من هذا حاله حرام، ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسميته الذي يعطاه خيرًا وهو في الحقيقة شر والله أعلم أهـ (٣) أي مما أخذه بالسؤال أمما اكتسبه ن حرام مطلقًا ليعم السؤال وغيره (٤) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا سفيان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة - الحديث" (٥) أي لأن حال المسئول منه إما العطاء، ففيه المنة وذل السؤال "وإما لمنع" ففيه الذل والخيبة والحرمان، وكان السلف إذا سقط من أحدهم سوطه لا يسأل من يناوله إياه، ولذا أشار إليه بقوله " وذلك بأن اليد العليا خير من اليد السفلى" (٦) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا قتيبة ثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء يعني ابن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله (ﷺ) الحديث (غريبه)
[ ٩ / ١٠٦ ]
-[تقبيح المسألة وأن السائل يلقي الله تعالى وليس في وجهه قطعة لحم]-
عليه باب فقر (١) يأخذ الرجل خبله فيعمد إلى الجبل فيحتطب على ظهره فيأكل به خير له من أن يسأل الناس معطي أو ممنوعًا (٢).
(١٥٢) عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵄ قال قال رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلغي الله ﵎ وليس في وجهه مزعة (٣) لحم.
(١٥٣) وعنه أيضًا قال سمعت رسول الله (ﷺ) يقول المسألة كدوح (٤) في وجه صاحبها يوم القيامة، فمن شاء فليستبق على وجهه (٥) وأهون المسائل مسألة ذوي الرحم (٦) تسأله في حاجة، وخير المسألة (٧) المسألة عن
_________________
(١) هذا إذا كان يمكنه التكسب أو عنده ما يكفيه وسأل مختارًا إلا مضطرًا، وإليه الإشارة بقوله: "لا يفتح الإنسان على نفسه باب مسألة" أي باختياره (٢) المعني أن ما يلحق الأنمان من الاحتطاب وحمل الحطب على ظهره من التعب الدنيوي خير له مما يلحقه بالسؤال من التعب والعذاب الأخروي بسبب السؤال، فعند الحاجة ينبغي له أن يختار الأول ويترك الثاني (تخريجه) (ق. لك. نس. مذ. جه)
(٢) عن حمزة بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى أنا معمر عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال قال رسول الله (ﷺ) - الحديث (غريبة) (٣) بضم الميم وسكون الزاي فعين مهملة أي قطعة يسيرة، وهذا يدل على قبح كثرة السؤال وأن كل مسألة تذهب من وجهه قطعة لحم حتى لا يبقي فيه شيء لقوله لا تزال (تخريجه) (ق. نس. وغيرهم).
(٣) وعنه أيضًا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا أبو النضر ثنا اسحاق بن سعيد عن أبيه عن ابن عمر - الحديث" (غريبة) (٤) بضم الكاف مثل خموش وخدوش وزنا ومعني، وكل أثر من خداش أو عض فهو كدح (٥) أي فليقلل من المسائل؛ لأن كل مسألة تترك أثرًا وفي وجهه، أو يترك السؤال أصلًا ليبقي وجهة بلا أثر (٦) يعني فإن كان ولا بد من السؤال فليسأل ذوي رحمه لأن له حقا عليهم ولأنهم أبعد عن المن من الأجنبي (٧) هكذا بالأصل "وخير المسألة المسألة عن ظهر غني" ولعل
[ ٩ / ١٠٧ ]
-[تقبيح السؤال وأنه يذهب بنضارة الوجه ورونقه]-
ظهر غنى، وأبدأ بمن تعول
(١٥٤) عن يزيد بن عقبة الفراري قال دخلت على الحجاح بن يوسف (١) فقلت أصلح الله الأمير، ألا أحدثك حديثًا حدثنيه سمرة بن جندب ﵁ عن رسول الله (ﷺ)؟ قال بلى، قال سمعته يقول قال رسول الله (ﷺ) المسائل كد يكد (٣) بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقي على وجهه ومن شاء ترك إلا أن يسأل رجل ذا سلطان (٣) أو يسأل في أمر لا بد منه
(١٥٥) عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال قال عمر يا رسول الله لقد سمعت فلانًا وفلانًا يحسنان الثناء يذكران أنك أعطيتهما دينارين، فقال النبي (ﷺ) لكن والله فلانًا ما هو كذلك، لقد أعطيته من عشرة إلى مائة فما
_________________
(١) المراد بالمسألة هنا الصدقة أخذا من حديثي أبى هريرة وحكيم بن حزام المتقدمين في الباب السابق، ويكون المعني وخير صدقه تعطي للسائل صدقة تكون عن ظهر غني أي يكون معطيها مستغنيًا عنها، وتقدم تفسير ذلك في الباب السابق والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه من حديث ابن عمر لغير الإمام أحمد، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (قلت) وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان نحوه من حديث سمرة بن جندب وهو الآتي بعده.
(٢) عن يزيد بن عقبة الفزاري (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا حسن بن موسي ثنا شيبان بن عبد الرحمن عن عبد الملك عن زيد بن عقبة الفزاري الحديث" (غريبة) (١) هو الحجاج بن يوسف الثقفي الأمير والظالم المبير (قال النسائي) ليس بثقة ولا مأمون مات سنة خمس وتسعين (٢) الكد الأتعاب يقال كد يكد في عمله كدا إذا استعمل وتعب وأراد بالوجه ماءه ورونقه (نه) (٣) أي إلا أن يسأل رجل رجلًا صاحب حكم في حقه من بيت المال، أو لاحتياج شديد لكونه لا يمكن التكسب ولا شيء عنده يغنيه عن السؤال (تخريجه) (د. نس. جب. مذ) وصححه الترمذي.
(٣) عن أبى سعيد الخدري (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا أسود بن عامر ثنا أبو بكر عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد الخدري- الحديث"
[ ٩ / ١٠٨ ]
-[من سأل لغير حاجة لم يبارك له فيما يأخذه وكان نارًا يكوي بها]-
يقول ذاك (١) أما والله إن أحدكم ليخرج مسألته (٢) من عندي يتأبطها يعني تسكون تحت إبطه يعني نارًا (٣) قال قال عمر يا رسول الله لم تعطيها إياهم؟ قال فما أصنع يأبون إلا ذاك (١) ويأبى الله لي البخل
(١٥٦) عن معاوية (بن أبى سفيان ﵄) سمعت رسول الله (ﷺ) يقول لا تلحقوا في المسألة (٥) فو الله لا يسألني أحد شيئًا (٦) فتخرج له مسألته (٧) فيبارك له فيها.
(١٥٧) وعنه أيضًا قال سمعت رسول الله (ﷺ) يقول إنما أنا خازن (٨)
_________________
(١) (غريبه) (١) أي ما يبدي ثناء، والظاهر أن هذا الرجل كان من المنافقين أو من الذين أسلموا طعمًا في المال ولم تستضي قلوبهم بنور الإيمان (٢) أي الشيء الذي أخذه بسبب السؤال (٣) أي لأنه سأل لغير حاجة (٤) يعني إلا السؤال، ولو منعوا العطاء بسطوا ألسنتهم بالسوء ووصفوه (ﷺ) بالبخل، والله ﷿ قد جيله على الجود والكرم (تخريجه) أورده الهيثمي بلفظه كما هناثم قال (وفي رواية) لقد أعطيته ما بني العشرة إلى المائة أو قال المائتين، رواه أحمد وأبو يعلي والبزار بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح أهـ (قلت) لعل هذه الرواية الأخيرة من مسند أبى يعلي أو البزار، والله أعلم.
(٢) عن معاوية (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا سفيان عن عمرو عن ابن منبه عن أخيه عن معاوية - الحديث) (غريبة) (٥) قال النووي هكذا في بعض الأصول "في المسألة" بالفاء وفي بعضها بالباء وكلاهما صحيح؛ والألحاف الألحاح (٦) أي من غير ضرورة الجأته لذلك (٧) أي فيعطي ما سأل بغير طيب نس مني "ولفظ مسلم، فو الله لا يسألني أحد منكم شيئًا فتخرج له مسألته مني شيئًا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته" أي لا يبارك له فيه، لأن سأل تكثرا لا لحاجة (تخريجه) إم. نس. ك) وقال صحيح على شرطهما.
(٣) وعنه أيضًا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا يحيي بن إسحاق أن أبا لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن ربعية بن يزيد عن عبد الله بن عامر اليحصبي قال سمعت معاوية بن أبى سفيان يقول سمعت رسول الله (ﷺ) - الحديث" (غريبة) (٨) في رواية أخرى للإمام أحمد "إنما أنا قاسم" ومثلهما عند مسلم أيضًا (قال النووي) معناه أن
[ ٩ / ١٠٩ ]
-[من أعطي شيئًا بطيب نفس فإنه يبارك له فيه والعكس بالعكس]-
وإنما يعطى الله ﷿، فمن أعطيته عطاء بطيب نفس فإنه يبارك له فيه، ومن أعطيته عطاء بشره (١) نفس وشره مسألة فهو كالذي يأكل فلا يشبع
(١٥٨) عن أبى هريرة ﵁ عن رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبة وسلم) قال والله ما أوتيكم من شيء ولا أمتعكموه (٣) إن أنا إلا خازن أصنع حيث أمرت.
(١٥٩) عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله (ﷺ) هذه الدنيا خضرة حلوة، فمن آتيناه منها شيئًا بطيب نفس منا وطيب طعمه (٣) ولا إشراه بورك له فيه، ومن اتيناه منها شيئًا بغير طيب نفس منا وغير طيب طعمه وإشراه منه لم يبارك له فيه.
_________________
(١) المعطى حقيقة هو الله تعالى؛ ولست أنا معطيًا وإنما أنا خازن على ما عندي ثم أقسم ما أمرت بقسمته على حسب ما أمرت به، فالأمور كلها بمشيئة الله تعالى وتقديره والإنسان مصرف مربوب أهـ (١) الشرة شده الحرص على الشيء (تخريجه) (م. وغيره)
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا عبد الرازق ابن همام ثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله (ﷺ) - الحديث" (غريبة) (٢) المعني أن رسول الله (ﷺ) يقسم بالله لطالبي الصدقة أنه لا يملك شيئًا منها فيعطيهم إياه ويمتعهم به، إنما هو خازن من قبل الله ﷿ يصنع فيها حيث أمره الله، وقد بين الله له المستحقين فلا يعطيها لغيرهم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد.
(٣) عن عائشة ﵂ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا أسود ثنا شريك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة الحديث" (غريبة) (٣) بضم الطاء وسكون العين المهملتين أي عطية زائدة على استحقاقه، يقال هذا الشيء طعمه إذا أعطاه زيادة على حظه أو أعطاه ما لا يعطي غيره "وقوله ولا إشراء" يعني من السائل وتقدم معني الشره وهو الحرص الشديد (تخريجه) (حب. بز) وسنده جيد
[ ٩ / ١١٠ ]
-[منقبة عظيمة لأبي سعيد الخدري ﵁ في العفة]-
(فصل منه في التعفف عن المسألة وفضل ذلك)
(١٦٠) عن هلال بن حصن قال نزلت على أبى سعيد الخدري فضمني وإياه المجسن قال فحدث أنه أصبح ذات يوم وقد عصب على بطنه حجرًا من الجوع، فقالت له امرأته وأمه أئت رسول الله (ﷺ) فأسأله فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه وأتاه فلان فسأله فأعطاه، قال فقلت حتى التمس شيئًا، قال فالتمست (١) فمل أجد شيئًا فأتيته وهو يخطب فأدركت من قوله وهو يقول، من أسعف يعفه الله، ومن أستغني يغنه الله، ومن سألنا إما أن نبدل له وإما أن نواسيه (٣) ومن يستعف عنا أو يستغني أحب إلينا ممن يسألنا، قال فرجعت فما سألته شيئًا، فما زال الله ﷿ يرزقنا حتى ما أعلم في الأنصار أهل بيت أكثر أموالًا منا (٣).
(١٦١) وعنه أيضًا قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) يقول من يتصبر بصبره الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يستعف يعفه
_________________
(١) عن هلال بن حصن (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا محمد ابن جعفر وحجاج قالا ثنا شعبة قال سمعت أبا حمزة يحدث عن هلال بن حص - الحديث" (غريبة) (١) رواية محمد بن جعفر (فالتمست فأتيته الخ) ورواية حجاج "فالتمست فلم أجد شيئًا فأتيته" وهي التي أثبتناها لأنها أثم، والمعني أنه طلب شيئًا من أنواع المكاسب يغنيه عن السؤال فلم يتيسير له، فأتى النبي (ﷺ) كما في الحديث (٢) شك أبو حمزة أحد الرواه هل قال نبذل له، أو قال نواسيه، والمعني واحد (٣) هذا إنما حصل له ببركة التعفف عن المسألة والرضا بالفقر والصبر على الجوع، وهكذا يكون الإيمان رضي الله عنك يا أبا سعيد (تخريجه) (ش) وفيه هلال بن حصن لم أقف على من ترجمة وبقية رجال ثقات (١٦١) وعنه أيضًا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا شعيب بن حرب ثنا هشام بن سعد ثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدري - الحديث"
[ ٩ / ١١١ ]
-[منقبة عظيمة لحبان بن بج الصدائي الصحابي ﵁]-
الله، وما أجد لكم رزقًا أوسع من الصبر (١).
(١٦٢) عن حبان (٢) بن بج الصدائي ﵁ صاحب رسول الله (ﷺ) أنه قال إن قومي كفروا (٣) فأخبرت أن النبي (ﷺ) جهز لهم جيشًا فأتيته فقلت إن قومي على الإسلام، فقال أكذلك؟ فقلت نعم، قال فاتبعته ليلتي إلى الصباح فأذنت بالصلاة لما أصبحت وأعطاني إنه توضأت منه
_________________
(١) (غريبه) (١) في بعض الروايات وما أعطي الله أحدًا من عطاء أوسع من الصبر ومعني أوسع من الصبر أي أكثر وأفضل؛ لأن مقامه أعلى المقامات ولأنه جامع لمكارم الصفات والحالات، ولذا قدم على الصلاة في قوله تعالى " واستعينوا بالصبر والصلاة" وقد ورد الحث عليه في كثير من الآيات والأحاديث، وقد جعلنا له كتابًا مخصوصًا من كتابنا هذا، وسيأتي إن شاء الله تعالى في قسم الترغيب (تخريجه) (ق. عل. حب. هق. والثلاثة).
(٢) عن حبان بن بج الصدائي (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا بكر بن سوادة عن زياد بن نعيم عن حبان بن بج - الحديث" (غريبة) (٢) حبان بحاء مهملة مكسورة على المشهور، وقيل بفتحها بعدها باء موحدة وقيل ياء تحتانية مشددة "ابن يح" بضم الموحدة بعدها مهملة ثقيلة (قال الحافظ) في الإصابة ذكر ابن الأثير أنه شهد فتح مصر ولم أر ذلك في أصوله، وإنما قال ابن عبد البر يعد فمين نزل مصر أهـ (٣) يحتمل أن يراد بذلك البض القليل منهم بدليل قوله بعد ذلك إن قومي على الإسلام يعني أكثرهم، والظاهر من السياق أنهم أسلموا ثم أرتد منهم أناس قليلون فبلغه أن النبي (صلى الله عليه ولسم) جهز لهم جيشًا فخشي أن يكون قد بلغ النبي (ﷺ) ارتدادهم جميعًا، ولذا جهز لهم جيشًا، فأتى النبي (ﷺ) ليخبره بحقيقة الأمر (ويحتمل) أن المراد جميعًا، ولذا جهز لهم جيشًا، فأتي النبي (صلى الله عليه ولسم) ليخبره بحقيقة الأمر (ويحتمل) أن المراد بقوله: إن قومي كفروا" أي كانوا كفارًا ثم أسلموا لما بلغهم سماحة الدين الإسلامي ولم يعلم النبي (ﷺ) بإسلامهم فجهز لهم جيشًا فأتاه حبان ﵁ ليخبره بإسلامهم، وقد جاء في رواية أخرى عند غير الإمام أحمد عن حبان أيضًا أنه قال "أسلم قومي فأخبرت أن رسول الله (ﷺ) جهز لهم جيشًا - الحديث كما هنا "وقوله إن قومي على الإسلام" معناه على الاحتمال الأول إن أكثر قومي على الإسلام، وعلى الاحتمال الثاني معناه إن قومي
[ ٩ / ١١٢ ]
-[معجزة للنبي (ﷺ) ومنقبه لحبان بن بح الصدائي (﵁)]-
فجعل النبي (ﷺ) أصابعه في الإناء فانفجر عيونًا (١) فقال من أراد منكم أن يتوضأ فليتوضأن فتوضأت وصليت وأمرني عليهم وأعطاني صدقتهم، فقام رجل إلى النبي (ﷺ) فقال النبي (ﷺ) لا خير في الإمرة لمسلم، ثم جاء رجل يسأل صدقه، فقال له رسول الله (ﷺ) وعلى آله وصحبه وسلم إن الصدقة صداع في الرأس وحريق في البطن أو داء (٣) فأعطيته صحيفتي أو صحيفة إمرتي وصدقتي (٤) فقال ما شأنك؟ فقلت كيف أقبلها وقد سمعت منك ما سمعت، فقال هو ما سمعت
(فصل منه في البيعة على عدم السؤال)
(١٦٣) عن أبى اليمان وأبى المثني أنا أبا ذكر ﵁ قال بايعني
_________________
(١) كلهم على الإسلام الآن، والله أعلم (١) فيه معجزة للنبي (ﷺ)، وقد تقدم نحوه في الوضوء من كتاب الطهارة وسيأتي أيضًا في كتاب المعجزات، وقد روي من طرق متعددة (٢) الظاهر أنه كان يتظلم من رجل أمره النبي (ﷺ) على الصدقة (٣) أي لمن يطلبها بلا استحقاق كما تقدم (٤) معناه أن النبي (ﷺ) جعله أميرًا على قومه في جمع الصدقة وجعل له أجرًا يأخذه منها وكتب له صحيفة بذلك، فلما سمع قول النبي (ﷺ) "لا خير في الأمرة مسلم" وقوله (ﷺ) (إن الصدقة صداع في الرأي الخ) تعفف عن ذلك واستقال فأقاله النبي (ﷺ) (تخريجه) قال الحافظ في الإصابة في ترجمة حبان بن بج المذكور روى حديثه البغوي وأبن أبى شيبة والبارودي والطبراني من طريق ابن لهيعة عن بكر ابن سوادة عن زياد بن نعيم عن حبان بن بج صاحب رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) قال أسلم قومي فأخبرت أن رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) جهز إليه جيشًا فاتيته فقلت إن قومي على الإسلام فذكر الحديث، قال وأخرج الطبراني من هذا الوجه له حديثصا آخر أهـ.
(٢) عن أبى اليمان (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا أبو المغيرة ثنا صفوان عن أبى اليمان وأبى المثني أن أبا ذر ﵁ - الحديث) (غريبه)
[ ٩ / ١١٣ ]
-[إهتمام النبي (ﷺ) بالسؤال ومبايعة الصحابة على عدمه]-
رسول الله (ﷺ) خمسًا، وأوثقني سبعًا، وأشهد الله على تسعًا (١) أن لا أخاف في الله لومه لائم، ثم قال أبو المثني قال أبو ذرك فدعاني رسول الله (ﷺ) فقال هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟ قلت نعم، قال وبسطت يدي، فقال رسول الله (ﷺ) وهو يشترط على أن لا تسأل الناس شيئًا (٢) قلت نعم، قال ولا سوطك إن يسقك منك حتى تنزل إليه فتأخذه.
_________________
(١) تكررت البيعة والموثق والشهادة هذه المرات كلها لأهمية هذه الخصلة لكونها أهم الخصال ولا يقدر على القيام بها إلا فحول الرجال، فإن من خشي الله تعالى ولم يبال بالخلق كان أحرص الناس على حقوق الله تعالى وانتشال أو أوامره واجتناب نواهية مع المراقبة والإخلاص، وهذا سبيل النجاح وعين الفلاح، قد وردت أحاديث عدة بأن النبي (ﷺ) بايع أبا ذكر على صال من الخبر كثيرة منها ما بلغ عدده حمسًا وما بلغ سبعًا، وهكذا، وسيأتي في باب الخماسيات من كتاب الأدب والمواعظ والحكم أن رسول الله (ﷺ) قال ستة أيام، ثم أعقل يا أبا ذر ما أقل لك بعد، فلما كان اليوم السابع قال أصويك بتقوي الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن، ولا تسألن أحد شيئًا وإن سقط سوطك، ولا تقبض أمانة "وفي لفظ ولا تؤوينّ أمانة" ولا تقض بين اثنين، فلعل هذه الخصال الخمس مراده هنا والله أعلم، وقد جاء في حديث آخر عن أبى ذر سيأتي في باب السباعيات من كتاب المواعظ والحكم أيضًا قال أمرني خليلي بسبع، أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فرقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وإمرتي أن أكثر نم قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنهم من كنز تحت العرش، فلعل هذه الخصال السبع مراده هنا أيضًا، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا والله أعلم بالمراد، نسأله الهداية إلى سبيل الرشاد آمين (٣) النص على عدم السؤال في البيعة يدل على الاهتمام بشأنه وأن السؤال من أقبح الأعمال، وقد بالغ النبي (ﷺ) في النهي عن بقوله لأبى ذر (ولا سوطك أن يسقط منك حتى تنزل إلي فتأخذه) لما في ذلك من المذلة والاستعانة بالمخلوق، نسأل الله ﷿ أن يغنينا عن خلقه وأن يلحظنا بعنايته وعطفه وكرمه ولطفه آمين (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد.
[ ٩ / ١١٤ ]
-[إهتمام النبي (ﷺ) بالسؤال ومبايعة الصحابة على عدمه]-
(١٦٤) عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال دخلت على النبي (ﷺ) في ستة نفر أو سبعة أو ثمانية، فقال لنا بايعوني (١) فقلت يا نبي الله قد بايعناك، قال بايعوني، فبايعناه، فأخذ علينا فيما أخذ على الناس (٢) تم أتبع ذلك كلمة خفية فقال (٣) فقال لا تسألوا الناس شيئًا.
(١٦٥) عن عبد الرحمن بن يزيد عن ثوبان (مولي رسول الله (ﷺ) ورضي عنه) قال قال رسول الله (ﷺ) من يتقبل (٥٩) (وفي رواية من يتكفل)
_________________
(١) عن عوف بن مالك الأشجعي (سنده) حّدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا قتيبة بن سعيد قال ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن ابى حبيب عن ربيعة بن لقيط عن عوف بن مالك الأشجعي - الحديث (غريبة) (١) أي عاهدوني على ما أذكره لكم من أركان الإيمان (لفظ مسلم وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا يا رسول الله قد بايعناك، ثم قال إلا تبايعون رسول الله؟ ذكر ثلاثًا وهم يقولون قد بايعناك، وفي الثالثة قالوا قد بايعناك يا رسول الله؛ فعلام نبايعك؟ قال على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا والصلوات الخمس وتطيعوا وأسر كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئًا، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه) والمعني أن النبي (ﷺ) طلب منهم البيعة وكان قد بايعهم قبل ذلك ففهموا أنه نسي البيعة الأولى فذكروه بقوله قد بايعناك ولكنه (ﷺ) لم ينس وإنما أراد مبايعتهم مرة أخرى، فلما علموا ذلك بسطوا أيديهم للبيعة كما في رواية أبى داود "قال فبسطنا أيدينا فبايعاه" (٣) أي ما ذكرناه من رواية مسلم وهو قوله (ﷺ) "أن تعبدوا الخ" وفي رواية أبى داود وتسمعوا وتطيعوا (٣) يعني أنه قال بعد ذلك كلمة خافضًا به صوته لم يسمعها كل الحاضرين، وهي قوله (ولا تسألوا الناس شيئًا) والظاهر أن الحكمة في الأسرار بهذه الجملة أراده تخصيص بعضهم بها، لأن من الناس من لا بد له من السؤال لحاجة، ومنهم الغني عنه بماله أو بالتعفف والله أعلم (تخريجه) (م. د. نس. جه).
(٢) عن عبد الرحمن بن يزيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا وكيع ثنا أبن أبى ذئب عن محمد بن قيس عن عبد الرحمن بن يزيد عن ثوبان - الحديث" (غريبة) (٤) من القبالة بالفتح أي الكفالة وهي في الأصل مصدر قبل إذا كفل
[ ٩ / ١١٥ ]
-[تكفل النبي (ﷺ) بالجنة لمن لا يسأل الناس شيئًا - ومنقبة لنوبان]-
لي بواحدة وأتقبل (وفي رواية وأتكفل) له بالجنة، قال قلت أنا (١) قال لا تسأل الناس شيئًا، فكان ثوبان يقع سوطه وهو راكب فلا يقول لأحد ناولنيه حتى ينزل فيتناوله
_________________
(١) وقيل بالضم إذا صار قبيلًا أي كفيلًا، والمعني من يلتزم أن لا يسأل الناس شيئًا وأنا أضمن له الجنه (١) فيه نمقبه عظيمه لثوبان حيث كان أول من لبي طلب النبي (ﷺ) ووفي بما التزم ﵁ (تخريجه) (د. نس. ك) وسنده جيد (زوائد الباب) (عن أبى أمامة) ﵁ قال قال رسول الله (ﷺ) من يبايع؟ فقال ثوبان مولى رسول الله (ﷺ) بايعنا يا رسول الله، قال على أن لا تسألوا أحدًا شيئًا، فقال ثوبان فما له به يا رسول الله؟ قال الجنة؛ فبايعه ثوبان، فقال أبو أمامة فلقد رأيته بمكة في أجمع ما يكون من الناس يسقط سوطه وهو راكب فربما وقع على عاتق رجل فيأخذه الرجل فيناوله فما يأخذه منه حتى يكون هو ينزل فيأخذه (وفي رواية عن أبى إمامة) قال جلس رسول الله (ﷺ) يومًا في نفر من أصحابه فرفع رسول الله (ﷺ) يده فقال من يبايعني ثلاث مرات فلم يقم غليه أحد إلا ثوبان، رواهما الطبراني في الكبير، وفيه على بن يزيد وهو ضعيف ولهما شواهد صحيحة (وعن أم سنان الاسلمية) ﵂ وكانت من المبايعات قالت جئت رسول الله (ﷺ) فقلت يا رسول الله إني جئتك على حياء وما جئتك حتى ألجئت من الحاجة، فقال لو استغنيت لكان خيرًا لك؛ رواه الطبراني في الكبير وفيه محمد بن عمر بن صالح وهو ضعيف (وعن ابن عباس) ﵄ قال قال رسول الله (ﷺ) "استغنوا عن الناس ولو يشوص السواك" أي بغسالته، وقيل بما يتفتت من هـ عند التسوك؛ رواه البزار والطبراني في الكبير ورجاله ثقات (وعن أبى هريرة) ﵁ أن رجلين أتيا رسول الله (ﷺ) فسألاه فقال اذهبا إلى هذه الشعوب فاحتطبا فبيعاه فذهبا فاحتطبا، ثم جاءا فباعا فأصابا طعامًا، ثم ذهبا فاحتيطا أيضًا فجاءا فلم يزالا حتى ابتاعا ثوبين، ثم ابتاعا حمارين، فقال قد بارك لنا في أمر رسول الله (ﷺ)، رواه البزار وفيه بشر بن حرب وفيه كلام وقد وثق (وعن أبى سلمة بن عبد الرحمن) عن أبية ﵁ قال كانت لي عند رسول الله (ﷺ) عدة، فلما فتحت قريظة جئت لينجز لي ما وعدني فسمعته يقول من يستغن يغنه الله، ومن يقنع يقنعه الله، فقلت في نفسي لا جرم لا أسأله شيئًا (رواه البزار) وأبو سلمة قبل أنه لم يسمع من أبيه (وعن أم الدرداء) عن أبى الدرداء ﵁
[ ٩ / ١١٦ ]
-[كلام العلماء في حكم السؤال والتعفف عن المسألة]-
(٤) باب جواز قبول العطاء إذا كان من غير مسألة - وسؤال الصالحين إن كان ولا بد من السؤال
(١٦٦) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال كان النبي (ﷺ) يعطيني العطاء (١)
_________________
(١) قال قلت له مالك لا تطلبه كما يطلب فلان وفلان؟ قال أني سمعت رسول الله (ﷺ) يقول" إن وراءكم عقبة كؤودا لا يجوزها المنقلون" فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة، رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وذكر هذه الأحاديث الحافظ الهيثمي وتكلم عليها جرحًا وتعديلًا (الأحكام) أحاديث الباب تدل على تغليظ العقاب على من أمكنه التكسب وتركه اتكالًا على السؤال (وفيه) تقبيح السؤال وإن خف أمره كمناولة السوط (وفيه أيضًا) تنفير الناس منه واهتمام النبي (ﷺ) بأمره، ولقد بلغ من اهتمام النبي (ﷺ) به أنه كان يبايع الناس على تركه (وفيها أيضًا) الحث على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولوامتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذلك ومن ذلك الرد إذا لم يعط، ولم يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن أعطي كل سائل (قال الإمام النووي) ﵀ مقصود الباب وأحاديثه النهي عن السؤال، واتفق العلماء عليه إذ لم تكن ضرورة، واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين، أصحهما أنه حرام لظاهر الأحاديث، والثاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط، أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسئول، فإن فقد أحد هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق والله أعلم أهـ.
(٢) عن عمر بن الخطاب (سنده) حدّثنا عبدا لله حدثني أبى ثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرنا السائب بن يزيد بن أخت نمر أن حويطب بن عبد العزي أخبره أن عبد الله بن السعدي أخبره أنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته فقال له عمر ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ قال فقلت بلى، فقال عمر ﵁ فما تريد إلى ذلك؟ قال قلت أن لي أفراسًا وأعبدا وأنا بخير وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين؛ فقال عمر ﵁ فلا تفعل فإني قد كنت أردت الذي أردت، فكان النبي (ﷺ) لعمر كانت سبب العمالة كما في حديث ابن الساعدي وتقدم في باب العاملين على الزكاة رقم (٩٤ صحيفة ٥٥ وفيه أن عمر ﵁ قال" فإني قد عملت على عهد رسول الله فعلمني" ولهذا قال الطحاوي ليس معني هذا الحديث في الصدقات وإنما هو في الأموال وليست هي من جهة الفقراء ولكن شيء من الحقوق، فلما
[ ٩ / ١١٧ ]
-[جواز قبول العطية إذا كانت بغير سؤال ولا تطلع]-
فأقول أعطه أفقر مني (١) حتى أعطاني مرة مالًا فقلت أعطه أفقر مني، قال فقال له النبي (ﷺ) خذه فتموله (٢) وتصدق به، فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف (٣) ولا سئل فخذه ومالًا (٤) فلا تتبعه نفسك
(١٦٧) عن المطلب بن حنطب أن عبد الله بن عامر بعث إلى عائشة ﵂ بنفقة وكسوة، فقالت للرسول إني يا بني لا أقبل من أحد شيئًا، فلما خرج قالت ردوه على فردوه، فقالت إني ذكرت شيئًا قاله لي رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) قال يا عائشة من أعطاك عطاء بغير مسألة فاقبليه فإنما هو رزق عرض الله لك.
(١٨٦) عن القعقعاء بن حكيم أن عبد العزيز بن مروان كتب إلى
_________________
(١) قال عمر أعطه من هو أفقر مني لم يرض بذلك لأنه إنما أعطاه لمعني غير الفقير، قال ويؤيده في رواية شعيب (خذه فتمول) فل على أنه ليس من الصدقات (١) ظاهرة أن عمر ﵁ لم يكن غنيًا، لأن صيغة أفعل تدل على الاشتراك في الأصل وهو الافتقار إلى المال، ولكن ظاهر أمره (صلى الله عليه) له بالأخذ إذا لم يكن مستشرفًا ولا سائلًا أنه لا فرق بني كونه غنيًا أو فقيرًا، وهكذا في قبول المال من غير السلطان لا فرق فيه بين الغني والفقير على ظاهر حديث خالد بن عدي الآتي آخر الباب (٢) أي تملكه لتصير ذا مال، يقال مال الرجل وتمول إذا صار ذا مال "وقوله وتصدق به" أي إذا كان زائدًا عن كفايتك (٣) من الأشراف بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة، وهو التعرض للشيء والحرص عليه، ومن قولهم أشرف على كذا إذا تطاول له، ومنه قيل للمكان المتطاول شرف (٤) أي وما لا يكون كذلك بأن لا يجيء إليك وتميل نفسك إليك فلا تتبعه نفسك في الطلب واتركه (تخريجه) (ق. نس).
(٢) عن المطلب بن حنطب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا منصور بن سلمة قال ثنا ليث عن يزيد بن الهاد عن عمرو عن المطلب بن حنطب- الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد ورجاله ثقات إلا أن المطلب مدلس واختلف في سماعه من عائشة.
(٣) عن القعقاع بن حكيم (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا
[ ٩ / ١١٨ ]
-[إستحباب سؤال الصالحين إن كان ولا بد من السؤال]-
عبد الله بن عمر أن أرفع إلى حاجتك، قل فكتب إليه عبد الله بن عمر إني سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: أبدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلي وإني لأحسب اليد العليا المعطية واليد السفلي السائلة (١) وإني غير سائلك شيئًا، ولا راد رزقًا ساقه الله إلى منك.
(١٦٩) عن ابن الفراسي أن الفراسي (٢) ﵁ قال لرسول الله (ﷺ) أسأل؟ (٣) قال النبي (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا، وإن
_________________
(١) حماد بن مسعدة عن ابن عجلان وصفوان قال أنا ابن عجلان المعني عن القعقاع بن حكيم - الحديث) (غريبة) (١) احتج بهذه الجملة وهي قوله "وإني لأحسب اليد العليا المعطية والسفلي السائلة) من قال بأن ما جاء في حديث ابن عمر المتقدم في باب ما جاء في "اليد العليا واليد السفلي" رقم ١٤٨ صحيفة ١٠٣ من قوله "اليد العليا المنفقة اليد السائلة" مدرج من الراوي وقد حققنا هناك أنه من قول رسول الله (صلى الله علية وسلم)،ولا ينافيه قول ابن عمر هنا لاحتمال أنه قال قبل وقوفه على بيان النبي (ﷺ)، والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد.
(٢) عن ابن الفراسي (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا قتيبة ابن سعيد قال أبو عبد الرحمن وكتب به إلى قتيبة بن سعيد كتبت إليك بخطي وختمت الكتاب بخاتمي ونقشه (الله ولي سعيد ﵀) وهو خاتم أبى ثنا ليث بن سعد عن جعفر ابن ربعية عن بكر بن سوادة عن مسلم بن مخشي عن ابن الفراسي- الحديث" (غريبة) (٢) الفراسي بكسر الفاء وفتح الراء وكسر السين المهملة وتشديد الياء التحتية من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة روي عن النبي (ﷺ) هذا الحديث (قال النذري) وله في حديث آخر في ماء البحر" هو الطهور ماؤه الحل ميتته" كلاهما يرويه الليث ابن سعد، روي له أبو داود والنسائي وابن ماجه (٣) بحذف همزة الاستفهام يعني أأسال الناس، فقال له النبي (ﷺ) لا، أي لا تسأل الناس شيئًا من المال وتوكل على الله في كل حال "وإن كنت سائلًا لا بد" أي لا بد لك من السؤال ولا غني لك عنه "فاسأل الصالحين" أي القادرين على قضاء الحاجة القائمين بحقوق الله وحقوق العباد لأنهم أرحم الناس بعباد الله، وإذا أعطوا لا يمنوا وإذا سئلوا لا يردون السائل خائبًا وإن كان محتاجين إلى ما يعطونه
[ ٩ / ١١٩ ]
-[كلام العلماء في حكم من جاءه مال أو نحوه من غير مسألة ولا إشراف نفس]-
كنت سائلًا لا بد فأسال الصالحين
(١٧٠) عن خالد بن عدي الجهني ﵁ قال سمعت رسول الله (ﷺ) يقول من بلغه معروف عن أخيه من غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله ﷿ إليه
_________________
(١) للسائل ويعطون ما يعطون عن طيب نفس ولأن الصالح لا يعطي إلا من الحلال، فإذا لم يجد ما يعطيه مطلقًا رد السائل بالحسي داعيًا له ودعاؤه مستجاب وهو إرشاد إلى ما هو الأولى وإلا فسؤال غير الصالحين جائز (تخريجه) (د. نس) وسنده جيد.
(٢) عن خالد بن عدي الجهني (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا يزيد ثنا سعيد بن أبى أيوب حدثني أبو الأسود عن بكير بن عبد الله عن بسر بن سعيد عن خالد بن عدي الجهني - الحديث) (غريبة) (١) كهبة أو هدية أو نحو ذلك وقوله "عن أخيه" هكذا في رواية الإمام أحمد، وعند أبى يعلي والطبراني في الكبير "من أخيه" (تخريجه) (عل. طب) وقال الهيثمي رجال أحمد رجال الصحيح، وله شاهد من حديث أبى هريرة رضي اله عنه عند الإمام أحمد أيضًا بلفظ "سمعت رسول الله (ﷺ) قال من آتاه الله شيئًا من هذا المال من غير أن يسأله فليقبله فإنما هو رزق ساقه الله إليه) ورجاله رجال الصحيح (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية قبول العطية من المعطي إذا كانت من غي سؤال ولا إشراف نفس سواء أكانت العطية ما لا أم غيره (وقد اختلف العلماء) في حكم القبول هل هو واجب أو مندوب على ثلاثة مذاهب، حكاها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀ بعد إجماعهم على أنه مندوب (قال النووي) الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه مستحب في غير عطية السلطان، وأما عطية السلطان يعني الجائر فحرمها قوم وأباحها آخرون وكرهها قوم، والصحيح أنه أن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أعطي من لا يستحق، وإن لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ (وقالت طائفة) الأخذ واجب من السلطان وغيره (وقال آخرون) هو مندوب في عطية السلطان دون غيره أهـ، وحديث خالد بن عدي يرده (قال الحافظ) ويؤيده حديث سمرة في السنن (قلت وفي المسند أيضًا) "إلا أن يسأل ذا سلطان" قال والتحقيق في المسألة أن من علم كونه ماله حلالًا فلا ترد عطيته، ومن علم كون ماله حرامًا فتحرم عطيته ومن شك فيه فالاحتياط رده وهو الورع، ومن أباحه
[ ٩ / ١٢٠ ]
-[ترجمة فاطمة بنت الحسين وتاريخ ميلاد الحسين بن على ﵄]-
(٥) باب البر بالسائل وتحسين الظن به وإعطائه وإن جاء على فرس
(١٧١) حدّثنا عبد الله حدثني أبى حدثنا وكيع وعبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن مصعب بن محمد بن يعلي بن أبى يحيي عن فاطمة بنت حسين (١) عن ابيها، قال عبد الرحمن حسين بن علي (٢) ﵄ قال قال رسول الله
_________________
(١) أخذ بالأصل أهـ (قال ابن المنذر) واحتج من رخص بأن الله تعالى قال في اليهود "سماعون للكذب أكالون للسحت" وقد رهن الشارع (ﷺ)، درعه عنه يهودي مع علمه بذلك، وكذا أخذ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر الخنزير والمعاملات الفاسدة (قال الحافظ) وفي حديث الباب (يعني حديث عمر) أن للإمام أن يعطي بعض رعيته إذا رأي لذلك وجهًا وإن كان غيره أحوج إليه منه، وأن رد عطية الأمام ليس من الأدب ولا سيما من الرسول (ﷺ) لقوله تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه" (وفي الحديث الفراسي) ﵁ دلاله على التنفير من السؤال مطلقًا، وعلى جوازه عند الحاجة الشديدة، وعلى فضل الصالحين بطلب سؤالهم عند الحاجة لأنهم أسرع الناس إلى البر إلخ ولمزايا أخرى تقدم ذكرها في شرح الحديث، وهذا إرشاد إلى ما هو الأولى وإلا فسؤال غير الصالحين جائز، والله أعلم.
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبة) (١) هي بنت الإمام الحسين بن علي ابن أبى طالب الهاشمية المدنية روت عن أبيها وأخيها زين العابدين وابن عباس وأسماء بنت عميس وغيرهم، وعنها أولادها عبد الله وإبراهيم وحسين ومحمد بن عبد الله بن عمر، ذكرها ابن حبان في الثقات (وقال الحافظ) في التقريب ثقة من الرابعة، روي لها أبو داود والترمذي وابن ماجه (٢) يعني أن عبد الرحمن بن مهدي أحمد الراويين اللذين روي عنهما الإمام أحمد هذا الحديث، قال في روايته "عن أبيها حسين بن علي قال قال رسول الله (ﷺ) الخ أما وكيع فقال في روايه "عن أبيها قال قال رسول الله (ﷺ) - الحديث" وكنية الحسين ابن علي ﵄ أبو عبد الله، وهو سبط رسول الله (ﷺ) ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ﷺ) ورضي عنها، وهو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة كما جاء في الأحاديث الصحيحة (قال الحافظ في الإصابة) قال الزبير (يعني ابن بكار) وغيره ولد في شعبان سنة أربع وقيل سنة ست، وقيل سبع وليس بشيء، قال جعفر بن محمد لم يكن بين الحمل بالحسين بعد ولادة الحسن إلا طهر واحد (قلت) فإذا كان الحسن ولد في رمضان وولد الحسين في
[ ٩ / ١٢١ ]
-[تاريخ وفاة الحسين بن علي ﵄ - وبيان درجة حديث للسائل حق الخ]-
(صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم للسائل حق وإن جاء على فرس (١)
(١٧٢) عن عبد الرحمن بن بجيد عن جدته أم بجيد ﵂
_________________
(١) شعبان احتمل أن يكون ولدته لتسعة أشهر ولم تطهر من النفاس إلا بعد شهرين، وقد حفظ الحسين أيضًا عن النبي (ﷺ) وروي عنه، أخرج له أصحاب السنن أحاديث يسيرة، وروي عن أبيه وأمه وخالد هند بن ابى هالة وعن عمر، وروي عنه أخوه الحسن وبنوه على زين العابدين وفاطمة وسكينة وحفيدة الباقر والشعبي وعكرمة وشيبان الدؤلي وكرز التيمي وآخرون أهـ قال الزبير بن بكار قتل الحسين يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وكذا قال الجمهور، وشذ من قال غير ذلك " وقد اختلف في سماعه من جده" (ﷺ) فقال أبو عبد الله محمد بن يحيي أبن الحذاء سمع النبي (ﷺ) وقال أبو على سعيد بن عثمان بن السكن قد روي من وجوه صحاح حضور حسين عند النبي (ﷺ) ولعبه بين يديه وتقبيله إياه، فأما ما يرويه عنه فكلمة من المراسيل، وقال أبو القاسم البغوي نحوه، وللإمام الحسين مناقب لا تحصي سيأتي كثير منها في مناقب آل البيت من كتاب مناقب الصحابة إن شاء الله تعالى (١) لطالب العطاء حق في إعطائه وإن كان ظاهره الغني تحسينا للظن بالمسلم الذي امتهن نفسه بذل السؤال فلا يقابله بسوء الظن، وبه واحتقاره بل يكرمه بإظهار السرور له ويقدر أن الفرس التي تحته عارية أو أنه ممن يجوز له أخذ الزكاة مع الغني كمن تحمل حمالة أو غرم غرمًا لإصلاح ذات البين، أو يكون مسافرًا احتاج في الطريق، إلى غير ذلك، وعلى هذا فلا ينافي ما تقدم في باب نهي الغني عن السؤال رقم ١٣٢ صحيفة ٩١ من قوله (ﷺ) "إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي" (تخريجه) (د. عل) والضياء المقدسي في المختارة، (قال الحافظ العراقي) إسناده جيد ورجاله ثقات، وكذا جزم بصحته غير واحد، لكن قال ابن عبد البر إنه ليس بقوي أهـ (قلت) وفي إسناده مصعب بن محمد، وثقة ابن معين وغيره، وقال أبو حاتم صالح لا يحتج به واختلف فيه، قال أبو حاتم مجهول ووثقه ابن حيان، وقد اختلف أيضًا في إرسال الحديث ووصله وهذا لا يضر في الاحتياج به، وقد روي من عدة طرق، فقد أخرجه الحافظ السيوطي في الهاشميات بلفظ (للسائل حق وإن جاء على فرس لا تردوا السائل" ورواه ابن عدي من حيث أبى هريرة مرفوعًا "أعطوه السائل وإن كان على فرس" وقد رواه أبو داود من طريق آخر وسكت على الطريقين فهو صالح عنده، إذا علمت هذا فالحديث لا ينحط عن رتبة الحسن والله أعلم
(٢) عن عبد الرحمن بن بجيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا
[ ٩ / ١٢٢ ]
-[إستحباب إعطاء السائل ولو شيئًا حقيرًا وعدم رده خائبًا]-
أنها قلت كان رسول الله (ﷺ) يأتينا في بني عمرو بن عوف فأتخذ له سويقه (١) في قبة لي فإذا جاء سقيتها إياه، قالت قلت يا رسول الله إنه يأتيني السائل فأتزهد له بعض ما عندي (٣) (وفي رواية فلا أجد في بيت ما أرفع في يده) فقال ضعي في يد المسكين ولو ظلقًا (٣) محرقًا (وعنه من طريق ثان) (٤) أنه حدثته جدته وهي أم بجيد وكانت ممن بايع رسول الله (ﷺ) قلت لرسول الله (ﷺ) والله إن المسكين ليقومعلى بابي فما أجد له شيئًا أعطيه إياه؛ فقال لها رسول الله (ﷺ) إن لم تجدي له شيئًا تعطينه إياه إلا ظلفًا محرقًا فادفعيه إليه في يده.
(١٧٣) عن عمرو بن معاذ الأنصاري قال إن سائلًا وقف على بابهم فقالت له جدته حواء (٥) أطعموه تمرًا، قالوا ليس عندنا، قالت فاسقوه سويقًا،
_________________
(١) عفان قال ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبى سعيد المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد - الحديث" (غريبة) (١) السويق ما يتخذ من الشعير أو القمح بعد قلبه أو دقه وخطله بماء أو عسل أو لبن (والقعبة) ويقال له القعب أيضًا بفتح القاف وسكون العين المهملة قدح من خشب يستعمل للأكل والشرب، جمعه قعاب مثل سهم وسهام (٢) أي احتقره لكونه قليلًا لا يكفي السائل (٣) الظلف بكسر الظاء المعجمة وسكون اللام هو للبقر والغنم كالحافر للفرس والبغل، والخف للبعير، والقدم للإنسان، أي إن لم تجدي إلا شيئًا يسيرًا تعطينه فأعطيه إياه، فهو مبالغة في قلة ما يعطي السائل، وقيل إن المراد حقيقة الظلف المحرق فإنهم كانوا ينتفعون به ولا سيما عند الحاجة والله أعلم (٤) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا هاشم بن القاسم ثنا الليث حدثني سعيد يعني المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد أخي بني حارثة أنه حدثته جدته وهي أم بجيد - الحديث) (تخريجه) (لك. د. نس. ك. مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح
(٢) عن عمر بن معاذ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا عبد الملك ابن عمرو ثنا زهير بن محمد عن زيد عن عمرو بن معاذ الأنصاري - الحديث" (غرية) (٥) هي بنت يزيد بن سنان بن كرز بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصارية ذكرها
[ ٩ / ١٢٣ ]
-[ترجمة حواء بنت يزيد جدة عمرو بن معاذ - وكراهة إحصاء الصدقة]-
قالوا العجب لك نستطيع أن تطعمه ما ليس عندنا؟ قالت إني سمعت رسول الله (ﷺ) يول لا تردوا السائل ولو بظلف محرق
(١٧٤) عن عروة عن عائشة ﵂ أن سائلًا سال قالت فأمرت الخادم فأخرج له شيئا (وفي رواية فأمرت بريرة أن تأتينها (١) فتنظر
_________________
(١) أبو عمر فقال قال مصعب الزبيري أسلمت وكانت تكتم زوجها قيس بن الحطيم الشاعر إسلامها، فلما قدم قيس مكة حين خرجوا يطلبون الحلف من قريش عرض عليه رسول الله (ﷺ) الإسلام فاستنظره قيس حتى يقدم المدينة، فقال له رسول الله (ﷺ) أن يجتذب زوجته حواء بنت يزيد وأوصاه بها خيرًا وقال له أنها قد أسلمت، فقبل قيس وصية رسول الله (ﷺ) (قال الحافظ في الإصابة) ووقع لابن منده وهم فإنه قال حواء بنت زيد بن السكن الأشهلية امرأة قيس بن الطيم، يقال لها أم بجيد (قال الحافظ) وفيه تخليط، فإن أم بجيد اسم والدها زيد بغير ياء قبل الزاي وجدها السكن، وأما امرأة قيس فأسلم والدها يزيد بزيادة الياء واسم جدها سنان أهـ (تخريجه) رواه مالك في الموطأ عن عمرو بن معاذ عن جدته حواء عن النبي (ﷺ) بلفظ " لا تحتقرن جاره لجارتها ولو بفرسن شاة"
(٢) عن عروة عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا عبد الله بن محمد بن أباشيبة قال أبو عبد الرحمن وسمعته أنا من ابن أبى شيبة قال ثنا ابن إدريس عن الأعمش عن الحكم عن عروة عن عائشة - الحديث" وفي آخره قال أبو عبد الرحمن وسمعته أنا من ابن ابى شيبة، وأبو عبد الرحمن كنية عبد الله بن الإمام أحمد يعني أنه سمعه مرة من أبن أبى شيبة بدون واسطة أبيه (غريبة) (١) أي لتر بها مقدار ما أخرجته للصدقة، والظاهر أنها أرادت النظر إلى مقداره لتعلم هل يكفي السائل أو يزيد لتخرج الصدقة على قدر حاله "وفي رواية النسائي" عن عائشة ﵂ قالت دخل علينا سائل مرة وعندي رسول الله (ﷺ) فأمرت له بشيء ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله (ﷺ) أما تريدين أن لا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك؟ قلت نعم؛ قال مهلا يا عائشة لا تحصي فيحصي الله ﷿ عليك "وفي رواية أبى داود "قال حدثنا مسددنا إسماعيل أنا أيوب عن عبد الله أبن أبى مليكة عن عائشة أنها ذكرت عدة من مساكين، قال أبو داود وقال غيره (يعني غير مسدد) أو عدة من صدقة، فقال لها رسول الله (ﷺ) أعطي ولا تحصي فيحصي عليك، والمعني أنها ذكرت للنبي (ﷺ) عددًا من المساكين الذين تصدقت عليهم أو عددًا من الصدقات
[ ٩ / ١٢٤ ]
-[سخاء النبي (ﷺ) وكرمه وتلطفه بالسائل- وفضل التعفف عن المسألة والصبر]-
إليه) قالت فقال النبي (ﷺ) لها يا عائشة لا تحصي فيحصي الله عليك
(١٧٥) عن أبى سعيد الخدري ﵁ عن النبي (ﷺ) قال جاء ناس من الأنصار فسألوه فأعطاهم (١) قال فجعل لا يسأله أحد منهم إلا أعطاه حتى نفد (٢) ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده وما يكون عندنا من خير فلن ندخره عنكم (٣) وإنه من يستعفف يعفه الله (٤) ومن يستغن (٥) ليغنه الله ومن يتصبر (٦) يصبره الله، ولن تعطوا عطاء خيرًا أوسع من الصبر (٧).
_________________
(١) التي أخرجتها، فقال لها رسول الله (ﷺ) لا تحصي من الإحصاء وهو العد والحفظ، أي لا تعدي ما صدقت به من المال (فيحصي الله عليك) أي يمنع عنك الرزق ويقتر عليك، وقيل المعني لا تعدي ما أنفقته فتسكتثر به فيكون ذلك سببًا لانقطاع إنفاقك فيقطع الله عنك الرزق والله أعلم (تخريجه) (د. نس) وسنده جيد.
(٢) عن أبى سعيد الخدري (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبى ثنا عبد الرازق أخبرني معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبى سعيد الخدري - الحديث" (غريبة) (١) عند مسلم وأبى داود فسألوه فأعداهم ثم سألوه فأعطاهم حتى إذانفد ما عنده قال ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم- الحديث (٢) بكسر الفاء أي فرغ وفني المال الذي عنده (٣) أي فلن أضن به عليكم وأحبسه، وفيه ما كان عليه (الصلاة والسلام) من السخاء وإنفاذ امر الله، وفيه إعطاء السائل مرتين والاعتذار إلى السائل والحض على التعفف، وفيه جواز السؤال للحاجة وإن كان لأولى تركه والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة (٤) أي من يطلب من نفسه العفة عن السؤال (قال الطبي) أو يطلب العفة من الله فليس السين لمجرد التأكيد "يعفه الله) أي يجعله عفيفًا من الأعفاف وهو إعطاء العفة وهي الحفظ عن المناهي، يعني من قنع بأدنى قوت وترك السؤال تسهل عليه القناعة وهي كنز لا يفني (٥) أي يظهر الغني بالاستغناء عن أمواله الناس والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنيًا من التعفف "يغنه الله" أي يجعله غنيًا أي بالقلب لأن الغني ليس بكثرة العرض، إنما الغني غني النفس كما في الحديث الصحيح (٦) أي تطلب توفيق الصبر من الله أو يأمر نفسه بالصبر ويتحمل مشاقه (يصبره الله) بالتشديد أي يسهل عليه الصبر (٧) أي أشرح للصدق من الصبر، وذلك لأن مقامه أعلى المقامات لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات نسألة تعالى أن يمن علينا بالصبر الجميل وأن يهدينا إلى سؤال السبيل (تخريجه) (ق. د. نس. مذ)
[ ٩ / ١٢٥ ]
-[إعطاء من سأل بالله - وإجابة الداعي - ومكافأة صانع المعروف]-
(فصل منه في السؤال يوجه الله ﷿)
(١٧٦) عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلي آله وصحبه وسلم من استعاذ بالله فأعيذوه (١) ومن سألكم بوجه الله فأعطوه (٢).
(١٧٧) عن أبن عمر ﵄ عن النبي ﷺ من أستعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم (وفي رواية ومن سألكم بوجه الله) فأعطوه (٣) ومن دعاكم فأجيبوه (٤) ومن أتي معروفًا (٥) فكافئوه فإن لم تجدوا
_________________
(١) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا على بن عبد الله ثنا خالد بن الحارث ثنا سعيد عن قتادة عن أبي نهيك عن ابن عباس- الحديث" (غريبة) (١٩ أي من سأل منكم الإعادة مستغيثًا بالله فأعيذوه (قال الطيي) أي من استعاذ بكم وطلب منكم دفع شركم أو شر غيركم قائلًا بالله عليك أن تدفع عني شرك فأجيبوه وادفعوا عنه الشر تعظيمًا لاسم الله تعالى، فالتقدير من استعاذ منكم متوسلًا بالله مستعطفًا به (٢) أي من طلب منكم شيئًا من خيري الدنيا والآخرة متوسلًا بالله تعالى فأعطوه ما سأله قدرم اجلالا لمن سألكم به، ومحله إذا كان السائل طائعًا صادقًا في مسألته، أما إذا كان فاسقًا يسأل ليستكثر ويستعين بذلك على المعاصي فلا يعطي مطلقًا (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد من حديث ابن عباس. ويؤيده حديث ابن عمر الآتي بعده.
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عفاف ثنا أبو عوانة ثنا سليمان الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر- الحديث" (غريبة) (٣) هذه الجملة والتي قبلها تقدم شرحهما في شرح الحديث السابق (٤) أي وجوبًا إن كانت الدعوة لوليمة عرس أو لمعونة متعينة أن لم يكن ثم مانع شرعي أو منكر، وندبًا في غير ذلك (٥) لفظ أبي داود "ومن صنع إليكم معروفًا" أي أحسن إليكم أحسانًا قوليًا أو فعليًا "فكافئوه" من المكافأة أي أحسنوا إليه مثل ما أحسن إليكم، لقوله تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ وقوله عز من قائل ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾
[ ٩ / ١٢٦ ]
-[مكافأة صانع المعروف بالدعاء- وقصة الخضر ﵇ مع السائل]-
ما تكافئونه (١) فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه
_________________
(١) أي من المال ونحوه (فادعوا له) أي فكافئوه بالدعاء له وكرروا الدعاء حتى تعلموا أنكم قد أديتم حقه، وقد جاء في حديث عن أسامة بن زيد مرفوعًا "من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء" رواه النسائي والترمذي وابن حبان وصححه الحافظ السيوطي، فينبغي لمن صنع إليه معروف من مال أو نحوه وعجز عن مكافأته بمثله فليقل له جزاك الله خيرًا عملًا بهذا الحديث، فإن قال ذلك وزاد أدعية أخرى فقد زاد في عمل الخير، وكانت عائشة ﵂ إذا دعا لها السائل تجيبه بمثل دعائه ثم تعطيه الصدقة، فقيل لها تعطين المال وتدعين؟ فقالت لو لم أدع له لكان حقه بالدعاء لى على أكثر من حقي عليه بالصدقة فأدعوا له له بمثل دعائه لي حتى أكافئ دعاءه وتخلص لي الصدقة ﵂ (تخريجه) (د. نس. حب. ك) وقال حديث صحيح على شرط الشيخين (قلت) وأقره الذهبي، وقال النووي حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي بإسناد الصحيحين، وفي رواية للبيهقي فأثنوا عليه بدل فادعوا له (زوائد الباب) (عن أبي أمامة) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ألا أحدئكم عن الخضر ﵇، قالوا لي يا رسول الله؛ قال بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل أبصره رجل مكاتب فقال تصدق على بارك الله فيك، فقال الخضر ﵇ آمنت بالله ما شاء الله من أمر يكون، ما عندي شيء أعطيكم، فقال المسكين أسألك بوجه الله لما تصدقت على فأني نظرت السماحة في وجهك ورجوت البركة عندك، فقال الخضر آمنت بالله ما عندي شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني، فقال المسكين وهل تستطيع هذا؟ قال نعم. أقول لقد سألنني بأمر عظيم، أما أني لا أخيبك بوجه ربي. يعني قال فقدمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشترى زمانًا لا يستعمله في شيء، فقال له إنك إنما اشتريتني التماس خير عندي فأوصني بعمل، قال أكره أن أشق عليك أنك شيخ كبير ضعيف، قال ليس تشق على، قال قم فانقل هذه الحجارة وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم، فخرج في بعض حاجته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة، قال أحسنت وأجملت وأطلقت ما لم أرك تطيقه، قال ثم عرض للرجل سفر، قال إني أحسبك أمينًا فاخلفني في أهلي خلافة حسنة، قال وأوصني بعمل، قال إني أكره أن أشق عليك، قال ليس تشق على، قال فاضرب من اللبن لبيتي حتى أقدم عليك، قال فمر الرجل لسفره قال فرجع الجل وقد شيد بناؤه، قال أسألك بوجه الله ما سببك وما أمرك. قال سألني بوجه الله ووجه الله أوقعني في العبودية، فقال الخضر
[ ٩ / ١٢٧ ]
-[بقية قصة الخضر- وكلام العلماء في أحكام أحاديث الباب]-
_________________
(١) ﵇ سأخبرك من أناة أنا الخضر الذي سعت به سألني مسكين صدقة فلم يكن عندي شيء أعطيه فسألني بوجه الله فأمكنته من رقبتي فباعني. وأخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو يقدر وقف يوم القيامة جلدة لا لحم له ولا عظم يقعقع "أي يضطرب ويتحرك" فقال الرجل آمنت بالله شققت عليك يا نبي الله ولم أعلم. قال لا بأس أحسنت واتقيت، فقال الرجل يأبي أنت وأمي يا نبي الله أحكم في أهلي ومالي بما شئت أو اختر فأخلى سبيلك، قال أحب أن تخلي سبيلي فاعبد ربي. فاخلى سبيله، فقال الخضر الحمد لله الذي أوثقني في العبودية ثم نجاني منها، أورده الهيثمي وقال رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون، إلا أن فيه بقية بن الوليد وهو مدلس. ولكنه ثقة (وعنه أيضًا ﵁) أن رسول الله ﷺ قال لو أن المساكين صدقوا ما أفلح من ردهم، رواه الطبراني في الكبير وفيه جعفر بن الزبير وهو ضعيف (الأحكام) أحاديث الباب تدل على تحسين الظن بالمسلمين ومساعدتهم والعطف على السائل بإجابة طلبه بقدر الإمكان وعدم رده خائبًا (وفيها أيضًا) دلالة على أن المتصدق لا يمنع من الصدقة لقلة ما يتصدق به وحقارته، فإن قليل الخير كثير عند الله وما قبله الله تعالى وبارك فيه فليس هو بقليل. قال تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره﴾ فإن لم يجد شيئًا أصلًا فليرد السائل بكلمة طيبة، فعند البخاري ومسلم والأمام أحمد. وسيأتي في فضل صدقة التطوع من حديث عدى بن حاتم الطائي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من استطاع منكم أن يتقى النار فليتصدق ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة" وعند الأمام أحمد أيضًا في الباب المذكور من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها يا عائشة استترى من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان، وفي المسألة أحاديث كثيرة صحيحة مشهورة (وفي أحاديث الباب أيضًا) دلالة على أنه ينبغي للمتصدق أن لا يحصى ما تصدق به أو على كم مسكين تصدق اليوم أو أمس مثلًا فإنه لو فعل ذلك ربما استكثر ما تصدق به فيمسك عن الصدقة فيقتر الله عليه رزقه (وفي حديثي ابن عباس وابن عمر) ﵃ دلال على أن من سأل بالله أو توسل به لحاجة تقضي حاجته اجلالا لله ﷿، وتقدم الكلام على ذلك في الشرح (وفيها أيضًا) مشروعية إجابة الداعي ومكافأة صاحب المعروف ولو بالدعاء إن لم يجد ما يكافئه به، وفيها غير ذلك. والله أعلم (تنبيه) ما ذكرناه من العطف على السائل واعطائه وعدم رده خائبًا محله إذا كان محتاجًا وصادقًا في سؤاله ولم يسأل إلا لضرورة كما كان عليه الناس الفقراء في مدة السلف أو كان مستور الحال لا يعلم حاله للمتصدق، أما الشحاذون الآن فينذر فيهم جدًا الذي يسأل لحاجة وكلهم إلا النزر اليسير اتخذوا السؤال
[ ٩ / ١٢٨ ]
-[حيل المتسولين الذين يسألون الناس إلحافًا في هذا العصر]-
(٦) باب نهي المتصدق عن مشترى ما تصدق به
(١٧٨) عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر ﵁ حمل على فرس (١)
_________________
(١) مهنة يتعيشون منها ويدخرون منها الأموال فتراهم يبتزون أموال الناس بأساليب غريب، وحيل عجيبة. ترى منهم الكهل والشاب والصبي والفتاة والمرضع والعجوز، فمنهم من يعصب عينيه ويمشي بعصاه على غير هدى ليفهم الناس أنه أعمى أو بعينيه رمد. ومنهم من يربط ساقه بفخذه ليوهم الناس أنه مقطوع الساق ويمشي على رجل واحدة مستندًا على عكازتين، ومنهم من يدعي إليكم والخرس فلا ينطق ويشير بيديه عند السؤال. وتراه في مكان آخر زلق اللسان أقوى من الشيطان. ولهم رؤساء وعرفاء ونحو ذلك، وهم جميعًا من أفسق الفساق لا يصلون ولا يصومون ولا يذكرون الله إلا عند السؤال لسلب الأموال. فهؤلاء مرتكبون لا يجوز لهم السؤال. ويحرم على الناس إعطاؤهم على كل حال؛ وأقوى دليل على كذب هذه الطائفة ما قامت به حكومتنا المصرية من إعداد دار فسيحة واسعة. فيها كل سبل الراحة جعلتها ملجأ لهؤلاء المتسولين الذين يدعون الفقر وطلب القوت الضروري. وخصصت جانبًا من المال ينفق على طعامهم وكسوتهم. وأدخلت عددًا كثيرًا منهم هذه الدار فلم ترق في نظرهم حتى أصحاب العاهات الحقيقي منهم وطلبوا الخروج منها فلم تجبهم الحكومة إلى طلبهم، ولما يئسوا من ذلك اتفقوا على أن يضرب بعضهم بعضًا وعلى أحداث غوغاء واضطراب في هذه الدار لتسرحهم الحكومة، وما ذلك إلا لكونهم يرون أن في خروجهم ربحًا من ابتزاز أموال الناس وإدخارها. أما دار الحكومة فليس فيها إل القوت والكسوة وهم لا يكتفون بذلك هداهم الله، فهذا دليل واضح على أنهم اتخذوا السؤال حرفة لجمع المال لا لفقر أو عاهة، نسأل الله السلامة.
(٢) عن زيد بن أسلم (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان عن زيد بن أسلم- الحديث" (غريبة) (١) أي حمل عليه رجلًا في سبيل الله والمعنى أنه ملكه له، ولذلك ساغ له بيعه، ومنهم من قال كان عمر حبسه أي جعله وفقًا في سبيل الله لكل من احتاجه. وإنما ساغ للرحل بيعه لأنه حصل فيه هزال عجز بسببه عن اللحاق بالخيل وضعف عن ذلك وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به، وأجاز ذلك ابن القاسم، لكن يرجح الأول قوله "لا تعد في صدقتك" ولو كان حبسًا لعلله به "والفرس يقع على الذكر والأنثى" فيقال هو الفرس وهي الفرس وتصغير الذكر فريس والأنثى فريسة على القياس وجمعت الفرس على غير لفظها فقيل خيل. وعلى لفظها فقيل ثلاثة أفراس بالهاء للذكور وثلاث
[ ٩ / ١٢٩ ]
-[كراهة مشترى المتصدق ما تصدق به]-
في سبيل الله ﷿ فرآها أو (١) بعض نتاجها يباع فأراد شراءه، فسأل النبي ﷺ فقال أتركها توافك (٢) أو تلقها جميعًا وقال مرتين، فنهاه وقال لا تشتره (٣) ولا تعد في صدقتك (وعنه أيضًا من طريق) (٤) عن أبيه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال حملت على فرس في سبيل الله فأضعه (٥) صاحبه فأردت أن أتباعه وظننت أنه بائعه برخص (٦) فقلت حتى أسأل رسول الله ﷺ فقال لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم (٧) فإن الذي يعود
_________________
(١) أفراس بحذفها للأناث. ويقع على التركي والعربي (قال ابن الأنباري) وربما بنوا الأنثى على الذكر فقالوا فيها فرسة، وحكاه يونس سماعًا عن أيوب. كذا في المصباح (١) أو للشك من الراوي يعني أن الراوي يشك هل رأى عمر ﵁ الفرس نفسها التي تصدق بها أو رأى بعض ما أنتجته من الأفراس، وقد جاء في الطريق الثانية في حديث ابن عمر الآتي بعد هذا أنها هي التي تصدق بها من غير شك (٢) أي أتركها بلا شراء يوافك أجرها يوم القيامة أو تلقى أجرها وأجر ما أنتجته يوم القيامة (٣) بلا ياء قبل الهاء مجزوم بلا الناهية. وفي قوله "ولا تعد في صدقتك" دلالة على أنه تمليك، ولو كان لقال في رفقك أو حبسك؛ وسمى الشراء عودا في الصدقة لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشترى فأطلق على القدر الذي يسامح به رجوعًا. والله أعلم (٤) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ابن الخطاب الخ (٥) أي لم يحسن القيام عليه وقصر في مؤنته وخدمته، وقيل لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته، وقيل معناه استعمله في غير ما جعل له والأول أظهر ويدل له رواية مسلم من طريق روح بن القاسم عن زيد بن أسلم "فوجده قد أضاعه وكان قليل المال" فأشار إلى علة ذلك وإلى عذره في إرادة بيعه، وقال الباجي أي لم يحسن القيام عليه، وهذا يبعد في حق الصحابة إلا لعذر، أو صبره ضائعًا من الهزال لفرط مباشرة الجهاد والأتعاب له فيه. والله أعلم (٦) بضم الراء مصدر رخص السع وأرخصه الله فهو رخيص (٧) هذه مبالغة في رخصة وهو الحامل له على شرائه، ويستفاد منه أيضًا أن البائع ملكه ولو كان وقفًا كما قيل وجاز له بيعه لأنه لا ينفع فيما حبس عليه لما كان له بيعه إلا بالقيمة الوافرة. ولا كان له أن يسامح منها بشيء، ولو كان المشترى هو المحبس
[ ٩ / ١٣٠ ]
-[كراهة مشترى المتصدق ما تصدق به والنهي عن ذلك]-
في صدقته فكالكلب يعود في قيئه (٨).
(١٧٩) عن ابن عمر ﵄ أن عمر حمل على فرس في سبيل الله ثم رآها تباع فأراد أن يشتريها، فقال له رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم لا تعد في صدقنك.
(١٨٠) عن الزبير بن العوام ﵁ أن رجلًا (١) حمل على فرس يقال لها غمرة أو غمراء، وقال فوجد فرسًا أو مهرًا يباع فنسب إلى تلك الفر (٣) فنهي عنها.
_________________
(١) الفاء في قوله فإن الذي يعود إلخ للتعليل أي كما يقبح أن يقيئ ثم يأكل كذلك يقبح أن يتصدق بشيء ثم يجره إلى نفسه بوجه من الوجوه. فشبه بأبخس الحيوان في أخس أحواله تصوير للتهجين وتنفيرًا منه، وبه استدل على حرمة ذلك، لأن إلقئ حرام (قال القرطبي وغيره) وهو الظاهر من سياق الحديث. وذهب الجمهور إلى الكراهة لأن فعل الكلب لا يوصف بتحريم لعدم تكليفه فالتشبيه للتنقير خاصة لكون القئ مما يستقذر. وهو قول الأكثر، ويلحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القربات (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر- الحديث" (تخريجه) (ق. لك. نس) وهذا الحديث من مسند عبد الله بن عمر. والحديث الأول بطريقته من مسند عمر ﵁
(٣) عن الزبير بن العوام (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد ابن هارون أنبأنا سليمان يعني التيمي عن أبي عثمان عن عبد الله بن عامر عن الزبير بن العوام -الحديث" (غريبة) (١) لم يسم الرجل في هذه الرواية، فيحتمل أنه عمر بن الخطاب ﵁ كما في الروايات، ويحتمل أنه غيره. والظاهر الأول والله أعلم (٢) يعني أن الفرس أو المهر الذي يباع من نتاج الفرس الذي تصدق به "وقوله فنهى عنه" أي عن شراء ذلك الفرس أو المهر الذي من نتاج فرسه الذي تصدق به. والحكمة في النهي عن شرائه هو ما تقدم من مسامحة البائع في مثل ذلك للمشترى؛ لأنه يعلم أنه من نتائج فرسه الذي تصدق به عليه والله أعلم (تخريجه) (ش) وسنده جيد.
[ ٩ / ١٣١ ]
-[جواز أخذ المتصدق ما تصدق به إذا آل إليه بالميراث]-
(١٨١) عن أبي عريف بن سريعٍ أن رجلًا سأل بن عمرو بن العاص ﵄ فقال يتيم كان في حجري تصدقت عليه بجاريةٍ ثم مات وأنا وارثه، فقال له عبد الله بن عمرٍ وسأخبرك بما سمعت رسول الله ﷺ، حمل عمر بن الخطاب ﵁ على فرسٍ في سبيل الله، ثم وجد صاحبه قد أوقفه يبيعه؟ فأراد أن يشتريه فسأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم فنهاه عنه وقال إذا تصدقت بصدقةٍ فامضها (١).
(١٨٢) عن سليمان بن بريدة عن أبيه (بريدة الأسلمي) ﵁ أن امرأةً أتت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجاريةٍ فماتت وإنها رجعت إلى في الميراث، قال قد آجرك الله (٢) ورد عليك في الميراث، قالت فإن أمي ماتت ولم تحج فيجزئها أن أحج عنها؟ قال نعم، قالت فإن
_________________
(١) عن أبي عريف بن سريع (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيي بن غيلان ثنا رشيدين حدثني عمرو بن الحارث أن توبة بن نمر حدثه أن أبا عريف بن سريع حدثه أن رجلًا سأل ابن عمرو بن العاص - الحديث" (غريبه) (١) استدلال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ بقصة عمر يدل على أنه كان يرى عدم تملك الشيء المتصدق به للمتصدق مطلقا حتى لو آل إليه بالميراث لم يقبله، وهذا يعارض ما ثبت عند الأمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن من حديث بريدة الأسلمي ﵁ وسيأتي بعد هذا، والظاهر أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال ما قال حين لم يبلغه حديث بريدة؛ ويجمع بين قصة عمر وحديث بريدة بجواز تملك الشيء المتصدق به بالميراث، لأن ذلك ليس مشبها بالرجوع عن الصدقة دون سائر المعارضات (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وفيه رجل لم يسم وفيه أيضا رشدين بن سعد فيه كلام. ولكنه يعضد بما قبله
(٢) عن سليمان بن بريدة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا إسحاق ابن يوسف عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عبد الله بن عطاء المكي عن سليمان بن بريدة عن أبيه - الحديث" (غريبه) (٢) أي أعطاك الله أجر الصدقة بها وردها عليك
[ ٩ / ١٣٢ ]
-[مذاهب الأئمة في أحكام الباب]-
أمي كان عليها صوم شهرٍ فيجزئها أن أصوم عنها؟ قال نعم
_________________
(١) في الميراث. ففيه دلالة على أن ملك قريبا له عينا من الأعيان صدقة أو هبة أو بيعا ثم مات القريب بعد ذلك فللمتصدق أو الواهب أن يتملك تلك العين بطريق الميراث إن كان وارثا. وسيأتي الكلام على بقيته في الأحكام (تخريجه) (م. والأربعة) (الأحكام) أحاديث الباب فيها دليل على كراهة الرجوع عن الصدقة وأن شراءها برخص نوع من الرجوع فيكون مكروها (قال ابن بطال) كره أكثر العلماء شراء الرجل صدقته لحديث عمر ﵁ (وهو قول مالك والكوفيين والشافعي) وسواء كانت الصدقة فرضا أو تطوعا؛ فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخ بيعه وأولى به التنزه عنها، وكذا قولهم فيما يخرجه المكفر في كفارة اليمين (وقال النووي) في النهي الوارد في حديثي عمر وابنه، هذا نهى تنزيه لاتحريم فيكره لمن تصدق بشيء أو أخرجه في زكاة أو كفارة نذر ونحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إليه أو يهبه أو يتملكه باختياره، فأما إذا ورثه منه فلا كراهة فيه، قال وكذا لو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور أهـ (قلت) لكن كرهه الأمام مالك، قال يحيي سئل مالك عن رجل تصدق بصدقة فوجدها مع غير الذي تصدق بها عليه تباع أيشتريها؟ فقال تركها أحب إلي، قال الزرقاني إذ لا فرق بين اشترائها من نفس من تصدق بها عليه أو من غيره في المعنى لرجوعه فيما تركه لله تعالى كما حرم الله على المهاجرين سكنى مكة بعد هجرتهم منها لله ﷿. ولا يفسخ البيع إن وقع مع من أن النهي يقتضى الفساد للأجماع على ثبوت البيع كما قال ابن المنذر (قال ابن عبد البر) لاحتمال أن أحاديث الباب على التنزيه وقطع الذريعة أهـ (وقال ابن المنذر) رخص في شراء الصدقة الحسن وعكرمة وربيعة والأوزاعي، قال ابن القصار قال قوم لا يجوز لأحد أن يشترى صدقته ويفسخ البيع ولم يذكر قائل ذلك. وكأنه يريد به أهل الظاهر، وأجمعوا أن من تصدق بصدقة ثم ورثها أنها حلال له، والدليل على ذلك حديث بريدة المذكور في الباب (قال ابن التين) وشذت فرقة من أهل الظاهر فكرهت أخذها بالميراث ورأوه من باب الرجوع في الصدقة وهو سهو لأنها تدخل قهرًا، وإنما كره شراؤها لئلا يحابيه المصدق بها عليه فيصير عائدا في بعض صدقته (وقال جماعة من العلماء) كان عمر ﵁ لا يكره أن يشترى الرجل صدقته إذا خرجت من يد صاحبها إلى غيره، رواه الحسن عنه وقال به هو وابن سيرين (وفي حديث بريدة) دليل على أنه من رجعت إليه صدقته بالميراث لا كراهة في تملكها (وفيه أيضا) دلالة على أنه يجزئ عن الميت صيان وليه عنه إذا مات وعليه صوم واجب وإن لم
[ ٩ / ١٣٣ ]
-[تاريخ مشروعية زكاة الفطر]-
(أبواب زكاة الفطر (*»
(١) باب مشروعيتها وحكمها وعلى من تجب
(١٨٣) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم فرض زكاة (١) الفطر من رمضان صاعًا من تمرٍ أو صاعًا (٢) من شعيرٍ على كل حرٍ أو عبدٍ (٣) ذكرٍ أو أنثى من المسلمين (وعنه من طريق
_________________
(١) يوص بذلك (وفيه أيضا) دلالة على أنه يجوز للابن أن يحج عن أمه أو أبيه. وإن لم يوص وكذلك الابنة. والله أعلم
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سليمان بن داود الهاشمي ثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر - الحديث" (غريبه) (١) قال النووي ﵀ اختلف الناس في معنى فرض هنا فقال جمهورهم من السلف والخلف معناه ألزم وأوجب. فزكاه الفطر فرض واجب عندهم لدخولها في عموم قوله تعالى "وآتوا الزكاة" ولقوله فرض وهو غالب في استعمال الشرع بهذا المعنى. وقال إسحاق بن راهويه إيجاب زكاة الفطر كالأجماع، وقال بعض أهل العراق وبعض أصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي وداود في آخر أمره إنها سنة ليست واجبة قالوا ومعنى فرض قدر على سبيل الندب (وقال أبو حنيفة) هي واجبة ليست فرضا بناء على مذهبه في الفرق بين الواجب والفرض (قال القاضي) وقال بعضهم الفطرة منسوخة بالزكاة (قلت) هذا غلط صريح والصواب أنها فرض واجب أهـ "وقوله زكاة الفطر" أضيفت الزكاة إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان وهو صريح في ذلك، ويرد قول ابن قتيبة أن المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس مأخوذ من الفطرة التي هي أصل الخلقة (٢) صاعا منصوب على التمييز أو أنه مفعول ثان لفرض (٢) لفظ كل يدخل فيه الكبير والصغير، وقد صرح (*) أي هذه أبواب زكاة الفطر وإضافة الزكاة إلى الفطر من إضافة الشيء إلى شرطة كحجة الإسلام، وقيل أضيفت الزكاة إلى الفطر لكونها يجب الفطر من رمضان، وترجم لها البخاري (بأبواب صدقة الفطر) والمعنى واحد (قال ابن قتيبة) المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس مأخوذ من الفطرة التي هي أصل الخلقة والأول أظهر، ويؤيده قوله ﷺ في بعض طرق الحديث زكاة الفطر من رمضان. وتسمية أول يوم من شوال بيوم الفطر تسمية شرعية لم تعرف قبل الأسلام وفرضت زكاة الفطر في السنة الثانية من الهجرة وهي في الشرع اسم لما يعطي من المال لمن يستحق الزكاة على وجه مخصوص سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى
[ ٩ / ١٣٤ ]
-[وجوب صدقة الفطر على كل مسلم ومسلمة]-
ثان) (١) فرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صدقة الفطر على الصغير (٢) والكبير والحر والمملوك صاعًا من تمرٍ أو شعيرٍ
_________________
(١) بذلك في الرواية الثانية فقال على الصغير والكبير، وظاهره يدل على أن العبد يخرج عن نفسه ولم يقل به إلا داود، فقال يجب على السيد أن يمكن عبده من الاكتساب لها كما يمكنه من صلاة الفرض، ويدل على ما ذهب إليه الجمهور من كون الوجوب على السيد حديث ليس على المرء في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر، ولفظ مسلم ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر "وقوله ذكر أو أنثى" ظاهره وجوبها على المرأة سواء أكان لها زوج أم لا، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر (وقال مالك والشافعي والليث وأحمد) وإسحاق تجب على زوجها تبعًا للنفقة (قال الحافظ) وفيه نظر لأنهم قالوا إن أعسر وكانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على السيد بخلاف النفقة فافترقا، واتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزم، وإنما احتج الشافعي بما رواه من طريق محمد بن علي الباقر مرسلا أدوا صدقة الفطر عمن تمونون، وأخرجه البيهقي من هذا الوجه فزاد في إسناده ذكر علي وهو منقطع؛ وأخرجه من حديث ابن عمر وإسناده ضعيف وأخرجه أيضا عنه الدراقطني "وقوله من المسلمين" فيه دليل على اشتراط الإسلام في وجوب الفطرة فلا تجب على الكافر (قال الحافظ) وهو أمر متفق عليه، وهل يخرجها عن غيره كمستولدته المسلمة؟ نقل ابن المنذر فيه الأجماع على عدم الوجوب. لكن فيه وجه للشافعية ورواية عن أحمد أهـ (١) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيي عن عبيد الله قال أخبرني نافع عن ابن عمر قال فرض رسول الله ﷺ - الحديث" وله طرق أخرى متعددة عند الأمام أحمد لا يزيد معناها ولا مبناها عن هذين الطريقين (٢) وجوب فطرة الصغير على من تلزمه نفقته إن لم يكن للصغير مال. فإن كان له مال فتكون في ماله والمخاطب بها وليه، وإلى هذا ذهب الجمهور (وقال محمد بن الحسن) هي على الأب مطلقا فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه (وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري) لا تجب إلا على من صام، واستدل لهما بحديث ابن عباس ﵄ قال فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه (قال الحافظ) وأجيب بأن ذكر التطهير خرج مخرج الغالب كما أنها تجب على من لا يذنب كمتحقق الصلاح أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة، قال ونقل ابن المنذر الأجماع على أنها لا تجب على الجنين وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه أهـ (تخريجه) (ق والأربعة. وغيرهم)
[ ٩ / ١٣٥ ]
-[حجة القائلين بنسخ فرضية زكاة الفطر والصواب عدم النسخ]-
(١٨٤) عن أبي عمار قال سألت قيس بن سعدٍ ﵁ عن صدقة الفطر فقال أمرنا رسول الله ﷺ قبل أن تنزل الزكاة (١) ثم نزلت الزكاة فلم ننه عنها ولم نؤمر بها ونحن نفعله، وسألته عن صوم عاشوراء، فقال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قبل أن ينزل رمضان (٢) ثم نزل رمضان فلم نؤمر به ولم ننه عنه ونحن نفعله
_________________
(١) عن أبي عمار (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد بن هارون أنبأنا سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن القاسم بن مخيمرة عن أبي عمار - الحديث" وروى الشق الأول منه الأمام أحمد أيضا من طريق وكيع عن سفيان بهذا السند (غريبه) (١) أي قبل نزول فرضيتها (٢) أي قبل أن ينزل افتراض صوم رمضان (تخريجه) (تس) وسنده جيد، ورواه النسائي من طريقين أحدهما عن وكيع عن سفيان بسند حديث الباب، والثاني من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة عن عمرو بن شرحبيل عن قيس بن سعد بن عبادة - الحديث" وفي كلا الطريقين اقتصر على الشق الأول الخاص بصدقة الفطر، ثم قال في آخره أبو عمار اسمه عريب بن حميد، وعمرو بن شرحبيل يكنى أبا ميسرة، وسلمة بن كهيل خالف الحكم في إسناده، والحكم أثبت من سلمة بن كهيل (الأحكام) في حديث ابن عمر دلالة على أن صدقة الفطر من الفرائض وقد نقل ابن المنذر وغيره الأجماع على ذلك، ولكن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرضية على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب. قالوا إذ لا دليل قاطع تثبت به الفرضية (قال الحافظ) وفي نقل الاجماع مع ذلك نظر لأن إبراهيم بن علية وأبا بكر بن كيسان الأصم قالا إن وجوبها نسخ. واستدل لهما بما روى النسائي وغيره (قلت والأمام أحمد وهو الحديث الثاني من أحاديث الباب) عن قيس بن سعد بن عبادة قال أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله، وتعقب بأن في إسناده مجهولا "هكذا قال الحافظ" ولست أدرى من المجهول فكل رجاله عند الأمام أحمد والنسائي معلومون ثقات، قال وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه على النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر (ونقل المالكية) عن أشهب أنها سنة مؤكدة وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية وأولو قوله فرض في الحديث بمعنى قدر (قال ابن دقيق العيد) هو أصله في اللغة
[ ٩ / ١٣٦ ]
-[مذاهب الأئمة في وجوب زكاة الفطر وعلى من تجب]-
_________________
(١) لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب فالحمل عليه أولى، ويؤيده تسميتها زكاة وقوله في الحديث "على كل حر وعبد" والتصريح بالأمر بها في حديث قيس بن سعد وغيره ولدخولها في عموم قوله تعالى" وأتوا الزكاة" فبين ﷺ تفاصيل ذلك وجملتها. ومن جملتها زكاة الفطر، وقال الله ﷾ "قد أفلح من تزكى" وثبت أنها نزلت في زكاة الفطر أهـ (قلت) ثبت ذلك في صحيح ابن خزيمة. وظاهر قوله "على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين" وجوبها على الغنى والفقير، أي الذي لم يملك النصاب، بل ورد ذلك صريحا في حديث أبي هريرة الآتي في الباب التالي، وفي حديث ثعلبة بن أبي صعير عند الدراقطني. وإلى ذلك ذهب الأئمة الثلاثة (مالك والشافعي وأحمد والجمهور) بشرط أن يكون ذلك فاضلا عن قوته وقوت من تلزمه نفقته يوم العيد وليلته (وخالف الحنفية) فقالوا لا تجب إلا على من ملك نصابا، ومقتضاه أنها لا تجب على الفقير على قاعدتهم في الفرق بين الغنى والفقير، واستدل لهم بحديث أبي هريرة المتقدم في باب ما جاء في اليد العليا واليد السفلى رقم ١٤٩ صحيفة ١٠٣ وقال ابن بزيزة لم يدل دليل على اعتبار النصاب فيها، لأنها زكاة بدنية لا مالية "وفي قوله ذكر أو أنثى" حجة لأبي حنيفة والكوفيين في أنها تجب على الزوجة في نفسها ويلزمها إخراجها من مالها، وعند الأئمة (مالك والشافعي وأحمد والجمهور) يلزم الزوج فطرة زوجته لأنها تابعة للنفقة "وفي قوله من المسلمين" دلالة على أنها لا تخرج إلا عن مسلم، فلا يلزمه من عبده وزوجته وولده ووالده الكفار وإن وجبت عليه نفقتهم، وهذا مذهب الأئمة (مالك والشافعي وأحمد والجمهور) وقال الإمام أبو حنيفة والكوفيون وإسحاق وبعض السلف تجب عن العبد الكافر، وتأول الطحاوي قوله من المسلمين على أن المراد بقوله من المسلمين السادة دون العبيد، وهذا يرده ظاهر الحديث، واستدلوا بقوله ﷺ ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر. وأجاب الجمهور بأنه يبني عموم قوله في عبده على خصوص قوله من المسلمين في حديث البا، ولا يخفى أن قوله من المسلمين أعم من قوله في عبده من وجه. وأخص من وجه. فتخصيص أحدهما بالآخر تحكم، ولكنه يؤيد اعتبار الإسلام ما عند مسلم بلفظ "على كل نفس من المسلمين حر أو عبد" وظاهر الحديث عدم الفرق بين أهل البادية وغيرهم وإليه ذهب الجمهور؛ وقال الزهري وربيعة والليث إن زكاة الفطر تختص بالأمصار والقرى ولا تجب على أهل البادية، وفي قوله "صدقة الفطرة على الصغير والكبير" دلالة على وجوب إخراجها عن الصبي، وقد اختلف العلماء في ذاك، فحكى النووي ﵀ عن الجمهور أنه يجب إخراجها لقوله في الحديث "صغير أو كبير" وتعلق من لم يوجبها بأنها تطهير والصبي ليس محتاجا إلى التطهير لعدم الآثم. قال وأجاب الجمهور عن هذا بأن التعليل بالتطهير لغالب الناس ولا يمتنع
[ ٩ / ١٣٧ ]
-[الأصناف التي كانوا يخرجون منها زكاة الفطر على عهد رسول الله ﷺ]-
(٢) باب ما جاء في مقدارها وأصنافها
(١٨٥) عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال كنا نؤدي صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من شعيرٍ (١) صاعًا من تمرٍ. صاعًا من زبيبٍ. صاعًا من أقطٍ (٢). فلما جاء معاوية (٣) جاءت السمراء فرأى أن مدًا يعدل مدين (٤) (وعنه من طريقٍ ثانٍ) (٥) قال كنا نخرج صدقة الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ صاعًا من طعامٍ (٦) أو صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من
_________________
(١) أن لا يوجد التطهير من الذنب كما أنها تجب على من لا ذنب له كصالح محقق الصلاح وككافر أسلم قبل غروب الشمس بلحظة فإنها تجب عليه مع عدم الأثم. وكما أن الفطر في السفر جوز للمشقة، فلو وجد من لا مشقة عليه فله القصر أهـ (وذهب جماعة) منهم إبراهيم بن علية وأبو بكر بن كيسان الأصم إلى أن وجوب زكاة الفطر منسوخ. واحتجوا بحديث قيس ابن سعد المذكور في الباب. وتقدم الكلام عليه في شرحه وجواب الحافظ عن ذلك (ونقل المالكية) عن أشهب أنها سنة مؤكدة وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية وتقدم الجواب عن ذلك في الشرح أيضا والله أ'لم
(٢) عن أبي سعيد (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق إنا سفيان عن زيد بن أسلم عياض بن عبد الله بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري - الحديث (غريبه) (١) الصاع أربعة إمداد والمد حفنة بكفى رجل معتدل الكفين (وقله صاعا من تمر) بحذف حرف العطف يعني أو صاعا من تمر. وهكذا كما في الطريق الثانية (٢) بفتح الهمزة وكسر القاف وهو لبن يابس غير منزوع الزبد، وقال الأزهري يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى ينصل (٣) زاد مسلم "حاجا أو معتمرا وكلم الناس على المنبر" وزاد بن خزيمة "وهو يومئذ خليفة" (والسمراء) بفتح السين المهملة وإسكان الميم وبالمد هي القمح الشامي (٤) أي مدا من القمح يعدل مدين من الأصناف الأخرى وقد احتج بقول معاوية ﵁ من رأى أجزاء المدين من القمح عن الشخص الواحد، وسيأتى الكلام على ذلك في الأحكام (٥) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا داود بن قيس الفراء عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال كنا نخرج صدقة الفطر - الحديث" (٦) ظاهره المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر قبله في الطريق الأولى، وقد حكى الخطابي أن المراد
[ ٩ / ١٣٨ ]
-[رأي معاوية في أن نصف صاع من قمح يجزئ ومخالفة أبي سعيد له]-
شعيرٍ، أو صاعًا من زبيبٍ، أو صاعًا من أقطٍ، فلم نزل كذلك حتى قدم علينا معاوية
(١٨٦) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا إسماعيل أنا أيوب عن نافعٍ عن ابن عمر ﵄ قال فرض رسول الله ﷺ صدقة رمضان على الذكر والأنثي والحر والمملوك صاع تمرٍ أو صاع شعيرٍ، قال فعدل الناس (١) به بعد
_________________
(١) بالطعام هنا الحنطة وأنه اسم خاص له، قال هو وغيره قد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الأطلاق، حتى إذا قيل ذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق القمح، وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه، لأنه لما غلب استعمال اللفظ فيه كان خطوره عند الأطلاق أغلب (قال الحافظ) وقد رد ذلك ابن المنذر وقال ظن بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد صاعا من طعام حجة لمن قال صاع من حنطة وهذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره، ثم أورد طريق حفص بن ميسرة عند البخاري وغيره أن أبا سعيد قال كنا نخرج في عهد النبي ﷺ يوم الفطر صاعا من طعام (قال أبو سعيد) وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر وهي ظاهرة فيما قال. وأخرج الطحاوي نحوه من طريق أخرى؛ وأخرج ابن خزيمة والحاكم في صحيحهيما أن أبا سعيد قال لما ذكروا عنده صدقة رمضان لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط، فقال له رجل من القوم أو مدين من قمح فقال لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها، قال ابن خزيمة ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد هذا غير محفوظ ولا أدرى ممن الوهم، ويدل على أنه خطأ قوله فقال رجل إلخ، إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يخرجون منها صاعا لما قال الرجل أو مدين من قمح، وقد أشار أيضا أبو داود إلى أن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ (تخريجه) (ق. والأربعة) وفي رواية لمسلم، فلم نزل تخريجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجا أو معتمرا فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال إني أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد فأما أنا فلا أزل أخرجه كما كنت أخرجه أبدا ما عشت
(٢) حدثنا عبد الله (غريبه) (١) يحتمل أنه يشير بذلك إلى معاوية وأصحابه من أهل الشام لما تقدم في حديث أبي سعيد، ويحتمل أن المراد بذلك أهل المدينة بعد ما جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من غيره من الأصناف الأخرى، فقد روى أبو داود بسنده عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال كان الناس يخرجون صدقة
[ ٩ / ١٣٩ ]
-[حجة القائلين بأن نصف صاع من القمح يجزء في زكاة الفطر]-
نصف صاعٍ برٍ، قال أيوب وقال نافع كان ابن عمر يعطي التمر (١) إلا عامًا واحدًا أعوز (٢) التمر فأعطى الشعير
(فصل منه فيمن روى نصف صاع من قمح)
(١٨٧) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري وكان ممر يقول عن أبي هريرة (٣) ثم قال بعد عن الأعرج عن أبي هريرة في زكاة الفطر على كل حرٍ وعبدٍ ذكرٍ وأنثى صغيرٍ أو كبيرٍ فقيرٍ أو غنيٍ (٤) صاع من تمرٍ أو نصف صاعٍ من قمحٍ، قال معمر وبلغني أن الزهري كان
_________________
(١) الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعا من شعير أو تمر أو سلت أو زبيب، قال قال عبد الله (يعني ابن عمر) فلما كان عمر ﵀ وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء (ومعنى قوله عدل) بالتخفيف أي سوى الناس نصف الصاع من القمح بالصاع من غيره لما رأوا من استوائهما في المنفعة والقيمة، ولعلهم قاسوا لعدم وقوفهم على نص من النبي ﷺ في الاكتفاء بنصف صاع من قمح وإلا لما احتاجوا إلى القياس، لكن جاءت أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ تفيد أن نصف الصاع من الحنطة كان في حياة النبي ﷺ ستأتي بعد هذا الحديث، والظاهر أن من أنكر نصف الصاع من البر لم يبلغه عن النبي ﷺ فيه شيء والله أعلم (١) في رواية مالك في الموطأ عن نافع كان ابن عمر لا يخرج إلا التمر في زكاة الفطر إلا مرة واحدة فإنه أخرج شعيرا، ولابن خزيمة من طريق عبد الوارث عن أيوب كان ابن عمر إذا أعطى أعطى التمر إلا عاما واحدا (٢) أي أعجزهم الحصول عليه يقال أعوزني المطلوب مثل اعجزني لفظا ومعنى، ويقال أعوزني الشيء إذا احتجت إليه فلم أقدر عليه؛ وفيه دلالة على أنه يستحب إخراج أجود الأصناف، كل جهة بحسبها، لأن التمر كان أجود الأصناف عندهم (تخريجه) (ق. نس)
(٢) حدثنا عبد الله (غريبه) (٣) يعني أن معمرا كان يروى هذا الحديث أولا عن الزهري عن أبي هريرة بدون واسطة الأعرج، ثم رواه بعد ذلك عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة موقوفا عليه (٤) احتج الجمهور بقوله فقير أو غنى على وجوب زكاة الفطر على الفقير إذا كان يملك قوت يوم العبد وليلته ولو لم يملك النصاب
[ ٩ / ١٤٠ ]
-[ترجمة الحسن البصري التابعي ﵀ وتاريخ ميلاده]-
يرويه إلى النبي ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم (١)
(١٨٨) عن ابن عباس ﵄ قال فرض رسول الله ﷺ هذه الصدقة كذا وكذا (٢) ونصف صاعٍ برًا
(١٨٩) عن الحسن (٣) قال خطب ابن عباسٍ ﵄ في آخر
_________________
(١) يعني مرفوعا إلى النبي ﷺ غير موقوف على أبي هريرة (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد، وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد وهو موقوف صحيح، ورفعه لا يصح
(٢) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيي ثنا حميد عن الحسن عن ابن عباس قال فرض رسول الله ﷺ - الحديث" (٢) يعني صاعا من شعير أو صاعا من تمر كما في حديثه الآتي بعد هذا "وقوله ونصف صاع برًا" احتج به القائلون بأن البر وهو القمح يجزئ منه نصف صاع عن الشخص بخلاف غيره من الأصناف فإنه لا يجزئ منها أقل من صاع وسيأتي ذكرهم في الأحكام (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد، وأخرج نحوه الدارقطني عن الواقدي حدثنا عبد الله بن عمران ابن أبي أنس عن أبيه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن ابن عباس أن النبي ﷺ أمر بزكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير ومدين من قمح، وأعله بالواقدي وله طريق آخر أخرجه الدارقطني أيضا عن سلام الطويل عن زيد العمي عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ صدقه الفطر عن كل صغير وكبير ذكر وأنثى نصف صاع من بر الحديث وأعله بسلام
(٣) عن الحسن (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد قال أنا حميد عن الحسن - الحديث" (غريبه) (٣) هو ابن أبي الحسن البصري (قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات) هو الأمام المشهور المجمع على جلالته في كل فن أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار التابعي البصري بفتح الباء وكسرها الأنصاري مولاهم، مولى زيد بن ثابت، وقيل مولى جميل بن قطبة؛ وأمه اسمها خيرة مولاة لأم سلمة أم المؤمنين ﵂، ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁، قالوا فربما خرجت أمه في شغل فيبكى فتعطيه أم سلمة ﵂ ثديها فيدر عليه، فيرون أن تلك الفصاحة والحكم من ذلك، ونشأ الحسن بوادي القرى وكان فصيحا رأى طلحة بن عبيد الله وعائشة ﵂، ولم يصح له سماع منها، وقيل إنه لقى علي ابن أبي طالب ﵁ ولم يصح، وسمع ابن عمر وأنسا وسمرة وأبا بكرة وقيس بن عاصم وجندب بن عبد الله ومعقل
[ ٩ / ١٤١ ]
-[كلام المحدثين في الحسن البصري وتاريخ وفاته]-
رمضان، فقال يا أهل البصرة أدوا زكاة صومكم، قال فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض (١) فقال من ههنا من أهل المدينة؟ (٢) قوموا فعلموا إخوانكم فإنهم لا يعلمون إن رسول الله ﷺ فرض صدقة رمضان نصف صاعٍ من برٍ أو صاعًا من شعيرٍ أو صاعًا من تمرٍ على العبد والحر والذكر والأنثى
_________________
(١) ابن يسار وعمرو بن تغلب بالمثناة والغين المعجمة وعبد الرحمن بن سمرة وأيا برذة الأسلمي وعمران بن الحصين وعبد الله بن مغفل وأحمر بن جزء وعائذ بن عمرو المزني الصحابيين ﵃، وسمع خلائق من كبار التابعين وغيرهم، وروينا عن الفضيل بن عياض ﵀ قال سألت هشام بن حسان كم أدرك الحسن من أصحاب رسول الله ﷺ قال مائة وثلاثين قلت فابن سيرين قال ثلاثين أهـ (وفي الخلاصة) أرسل عن خلق من الصحابة، وروى عنه أيوب وحميد ويونس وقتادة ومطر الوراق وخلائق (قال ابن سعد) كان عالما جامعا رفيعا ثقة مأمونا عابدا ناسكا كثير العلم فصيحا جميلا وسيما، ما أرسله فليس بحجة (قال أب زرعة) كل شيء قال الحسن قال رسول الله ﷺ وجدت له أصلا مليا خلا أربعة أحاديث أهـ وقال محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي سمعت علي بن المديني يقول مرسلات يحيي بن أبي كثير شبه الريح، ومرسلات الحسن البصري التي رواها عن الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها، (وقال يونس بن عبيد) سألت الحسن قلت يا أبا سعيد إنك تقول قال رسول الله ﷺ وإنك لم تدركه، قال يا ابن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني في زمان كما ترى وكان في عمل الحجاج كل شيء سمعتني أقول قال رسول الله ﷺ فهو عن علي بن أبي طالب غير أني في زمن لا أستطيع أن أذكر عليا أهـ. تهذيب وقال الذهبي كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديث عن فلان ضعف احتجاجه ولاسيما عمن قيل أنه لم يسمع منهم كأبي هريرة ﵁ ونحوه أهـ. ميزان، وفي الخلاصة قال ابن علية مات سنة عشر ومائة، وفي التهذيب في رجب ﵀ (١) أي لكونهم لم يعلموا حكم زكاة الفطر من قبل (٢) إنما سأل عن أهل المدينة لكونهم أعرف الناس بزكاة الفطر لأنها شرعت ببلدهم (تخريجه) (نس. قط. مذ) وقال حسن غريب وقال النسائي والأمام أحمد وعلي بن المديني وأبو حاتم. الحسن لم يسمع من ابن عباس، وقال صاحب التنقيح الحديث رواته ثقات مشهورون، لكن فيه إرسال، فإن الحسن لم يسمع من ابن عباس على ما قيل، وقد جاء في مسند أبي يعلي الموصلي في حديث عن الحسن قال أخبرني ابن عباس
[ ٩ / ١٤٢ ]
-[جواز إخراج زكاة الفطر قبل العيد بيومين عن كل نفس]-
(١٩٠) عن عبد الله بن ثعلبة بن صعيرٍ (١) العذري ﵁ قال خطب رسول الله ﷺ الناس قبل الفطر بيومين فقال أدوا صاعًا من برٍ أو قمح بين اثنين (٢) (وفي روايةٍ عن كل اثنين) أو صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من شعيرٍ على كل حرٍ وعبدٍ وصغيرٍ وكبيرٍ (وعنه من طريقٍ ثانٍ) (٣) عن النبي ﷺ قال أدوا صاعًا من قمحٍ أو صاعًا من برٍ وشك حماد (٤) عن كل اثنين صغيرٍ
_________________
(١) وهذا إن ثبت دل على سماعه منه، وقال البزار في مسنده بعد أن رواه لا يعلم روى الحسن عن ابن عباس غير هذا الحديث ولم يسمع الحسن من ابن عباس "وقوله خطب" أي خطب أهل البصيرة ولم يكن الحسن شاهد الخطبة ولا دخل البصرة بعد، لأن ابن عباس خطب يوم الجمل والحسن دخل أيام صفين - كذا في غاية المقصود
(٢) عن عبد الله بن ثعلبة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج قال وقال ابن شهاب قال عبد الله بن صعير العذري خطب رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) بمهملتين مصغرًا (العذري) بضم المهملة وسكون المعجمة، ويقال ثعلبة بن عبد الله بن صغير، ويقال ثعلبة بن أبي صعير مختلف في صحبته، كذا في التقريب، وقال في حرف العين عبد الله بن ثعلبة بن صعير كما هنا، ويقال ابن أبي صعير، له رواية ولم يثبت له سماع أهـ. وفي الطريق الثانية للأمام أحمد عن ابن ثعلبة ابن أبي صعير عن أبيه، ولأبي داود نحوه وصوبه الدارقطني، وعليه فهو أبو محمد المدني الشاعر مسح رسول الله ﷺ وجهه ورأسه زمن الفتح ودعا له روى عن النبي ﷺ وعن أبيه ثعلبة وعمر وعلي وسعد بن أبي وقاص وجابر وأبي هريرة، وعنه الزهري وسعد بن إبراهيم وعبد الله بن مسلم وغيرهم (قال البخاري) في التاريخ عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن النبي ﷺ مرسلا إلا أن يكون عن أبيه فهو أشبه أهـ (وقال الحافظ) في التقريب له رؤية ولم يثبت له سماع، توفي سنة سبع أو تسع وثمانين، وأبوه ثعلبة بن أبي صعير بن عمرو ابن زيد بن سنان العذري حليف بني زهرة، روى عن النبي ﷺ هذا الحديث فقط، وعنه ابنه عبد الله (٢) أي عن كل اثنين كما في الرواية الثانية، وكذا في رواية أبي داود أيضا عن كل اثنين (٣) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان قال سألت حماد بن زيد عن صدقة الفطر فحدثني عن نعمان بن راشد عن الزهري عن ابن ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه الخ (٤) يعني أن حمادا أحد رجال السند شك هل قال أدوا صاعا من قمح أو قال صاعا من بر (بدل قمح)
[ ٩ / ١٤٣ ]
-[وجوب زكاة الفطر على الكبير والصغير والذكر والأنثى والحر والعبد والغنى والفقير]-
أو كبيرٍ ذكرٍ أو أنثى حرٍ أو مملوكٍ غنيٍ أو فقيرٍ، أما غنيكم (١) فيزكيه الله وأما فقيركم (٢) فيرد عليه أكثر مما يعطي
(١٩١) عن أسماء بنت أبي بكرٍ ﵄ قالت كنا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله ﷺ (٣) مدين من قمحٍ بالمد الذي تقتاتون به
_________________
(١) والمعنى واحد (١) هو من يملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب فأكثر "فيزكيه الله" أي يطهره من دنس الذنوب ويزيده بركة في ماله وعمله (٢) هو الذي يملك الزكاة زيادة عن قوته وقوت من تلزمه نفقته يوم العيد وليلته "فيرد الله عليه أكثر مما يعطي" في الدنيا والآخرة (أما في الدنيا) فلأنه سيأتيه أضعاف ما أنفق في هذا اليوم من الأغنياء أو ممن هم مثله (وأما في الآخرة) فيضاعف الله له الثواب أضعافا كثيرة إلى سبعمائة ضعف حسب إخلاصه، قال تعالى "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرًا" وفي قوله ﷺ "فيرد عليه أكثر مما يعطي" تسلية لمن يكون فقير الحال بوعد العوض والخلف في المال والله أعلم (تخريجه) (د. طح. قط. عب. طب) وقد أعلت الطريق الأولى بالأرسال، لأن عبد الله بن ثعلبة مختلف في صحبته، وأعلت الطريق الثانية بالنعمان بن راشد لأنه فيه كلام
(٢) عن أسماء بنت أبي بكر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عتاب بن زياد قال حدثنا عبد الله يعني ابن المبارك قال ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر - الحديث" (غريبه) (٣) أي في حياته ﷺ (تخريجه) (طب) وفي إسناده ابن لهيعة فيه كلام، وأورده الهيثمي كما هنا ثم قال (وفي رواية عنها) أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر على عهد رسول الله ﷺ بالمد الذي يقتات به أهل المدينة يفعل ذلك أهل المدينة كلهم؛ روى أحمد الرواية الأولى فقط، ورواه كله الطبراني في الكبير (وفي الأوسط بعضه) وإسناده له طريق رجالها رجال الصحيح أهـ (قلت) الرواية الثانية التي ذكرها الهيثمي زائدة عن حديث الباب رواها ابن خزيمة والحاكم من طريق هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن أمه أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها حدثته أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر في عهد رسول الله ﷺ بالمد الذي يقتانون به يفعل ذلك أهل المدينة كلهم (قال الحاكم) وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي (زوائد الباب) (عن ابن
[ ٩ / ١٤٤ ]
-[زوائد الباب]-
_________________
(١) عباس) ﵄ أن النبي ﷺ أمر صارخا يصرخ في بطن مكة فأمر بصدقة الفطر ويقول هي حق واجب على كل مسلم ذكر أو أنثى صغير أو كبير حر أو عبد حاضر أو باد مدان من قمح أو صاع مما سوى ذلك من الطعام، ألا وإن الولد للفراش وللعاهر الحجر (وفي رواية) أو نصف صاع من بر، من أتى بدقيق قبل منه، ومن أتى بسويق قبل منه، أورده الهيثمي وقال رواه كله البزار وفيه يحيي بن عباد السعدي وفيه كلام (وقوله) من أتى بدقيق قبل منه من رواية الحسن عن ابن عباس والحسن مدلس ولكنه ثقة (قلت) ورواه أيضا الدارقطني والبيهقي وتكلما في يحيي بن عباد، ورواه الحاكم وقال هذا حديث صحيح الأسناد ولم يخرجاه بهذه الألفاظ (قلت) قال الذهبي بل خبر منكر جدا، قال العقيلي يحيي بن عباد عن ابن جريج حديثه يدل على الكذب، وقال الدارقطني ضعيف أهـ (وعن جابر ابن عبد الله) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ صدقة الفطر على كل إنسان مدان من دقيق أو قمح، ومن الشعير صاع ومن الحلواء زبيب أو تمر صاع صاع، رواه الطبراني في الأوسط وفيه الليث بن حماد وهو ضعيف (وعن ابن مسعود) ﵁ في زكاة الفطر قال مدان من قمح أو صاع من تمر أو شعير، رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد الكريم أبو أمية وهو ضعيف، أوردهما الهيثمي وهذا كلامه فيهما (وعن ابن عيينة) عن ابن عجلان عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال ما أخرجنا على عهد رسول الله ﷺ إلا صاعا من دقيق أو صاعا من تمر أو صاعا من سلت أو صاعا من زبيب أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط، فقال ابن المديني يا أبا محمد أن أحدا لا يذكر في هذا الدقيق، قال بلى هو فيه، رواه الدارقطني (والسلت) بضم السين المهملة وسكون اللام بعدها مثناة فوقية نوع من الشعير، وهو كالحنطة في ملامسته وكالشعير في برودته وطبعه، قال صاحب المنتقى واحتج به أحمد على أجزاء الدقيق أهـ (قلت) وروى الحاكم في المستدرك أحاديث تدل على وجوب صاع من القمح على كل شخص كسائر الأصناف الأخرى (منها) ما رواه من طريق بكر ابن الأسود ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب (عن أبي هريرة) أن النبي ﷺ حض على صدقة رمضان على كل إنسان صاعًا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من قمح (قال الحاكم) هذا حديث صحيح، وقال الذهبي بكر ليس بحجة أهـ ورواه أيضا الدارقطني وقال فيه بكر بن الأسود ليس بالقوى (قلت) بكر بن الأسود وإن تكلم فيه الدارقطني والذهبي فقد قال ابن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال صدوق، وأما سفيان بن حسين فالأكثر على تضعيفه في روايته عن الزهرى، قال النسائي ليس به بأس إلا في الزهري، وقال ابن عدى هو في غير الزهري صالح الحديث، وفي الزهري يروى أشياء خالف
[ ٩ / ١٤٥ ]
-[بقية الزوائد وقصة أبي إسحاق الرازي مع الأمام مالك]-
_________________
(١) فيها الناس، وقد استشهد به البخاري في الصحيح، وروى له في الأدب، وفي القراءة خلف الأمام، وروى له مسلم في مقدمة كتابه (ومنها) ما رواه مسندا (عن نافع عن ابن عمر) ﵄ أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من بر على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين وصححه الحاكم وأقره الذهبي (ومنها) ما رواه بعنده عن الحارث (عن علي بن أبي طالب) ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في صدقة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو عبد صاع من بر أو صاع من تمر، قال الحاكم هكذا السند عن علي ووقفه غيره (قلت) وأقر الذهبي وقفه (ومنها) ما رواه عن أبي الوليد العنزي ثنا عباد بن زكريا أنا سليمان بن أرقم عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب (عن زيد بن ثابت) قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال من كان عنده طعام فليتصدق بصاع من بر أو صاع من شعير أو صاع من تمر أو صاع من دقيق أو صاع من زبيب أو صاع من سلت (قال الحاكم) وهذا إسناد يخرج مثله في الشواهد (قلت) وسكت عليه الذهبي (ومنها) ما رواه بسنده عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سريج قال (قال أبو سعيد) وذكر عنده صدقة الفطر فقال لا أخرج إلا ما كنت أخرجه على عهد رسول الله ﷺ صاعا من تمر أو صاعا من حنطة أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط، فقال له رجل من القوم أو مدين من قمح، فقال لا. تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها، وصحح الحاكم إسناده وأقره الذهبي. لكن قال ابن خزيمة ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد هذا غير محفوظ ولا أدرى ممن الوهم، ويدل على أنه خطأ قوله فقال رجل إلخ. إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يخرجون منها صاعا لما قال الرجل ومدين من قمح، وقد أشار أيضا أبو داود إلى أن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ والله أعلم (وعن أبي إسحاق) بن سليمان الرازي قال قلت لمالك بن أنس أبا عبد الله كم قدر صاع النبي ﷺ قال خمسة أرطال وثلث بالعراقي أنا حزرته، فقلت أبا عبد الله خالفنا شيخ القوم، قال من هو؟ قلت أبا حنيفة يقول ثمانية أرطال، فغضب غضبا شديدًا ثم قل لجلسائنا يا فلان هات صاع جدك؛ يا فلان هات صاع عمك، يا فلان هات صاع جدتك، قال إسحاق فاجتمعت آصع، فقال ما تحفظون في هذا؟ فقال هذا حدثني أبي عن أبيه أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى النبي ﷺ، وقال الآخر حدثني أبي عن أخيه أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى النبي ﷺ وقال الآخر حدثني أبي عن أمه أنها أدت بها الصاع إلى النبي ﷺ فقال مالك أنا حزرت هذه فوجدتها خمسة أرطال وثلثا، رواه الدارقطني وسكت عليه وهذه القصة مشهورة أخرجها أيضا البيهقي بإسناد جيد (الأحكام) أعلم أن أحاديث هذا الباب تدور على ثلاثة أمور (الأول) معرفة الأصناف التي تجزئ في زكاة الفطر (الثاني) مقدار ما يجب على الشخص الواحد منها (الثالث) تحرير المكيال الذي يكال به
[ ٩ / ١٤٦ ]
-[مذاهب العلماء في الأصناف التي تجزئ في زكاة الفطر - ومن قال بجواز إخراج القيمة]-
_________________
(١) (أما الأمر الأول) وهو معرفة أصنافها فقد جاء في أحاديث الباب مع ما أوردناه من الزوائد ثمانية أصناف، القمح. والشعير. والتمر. والزبيب. والأقط. والسلت. والدقيق. والسويق وقد اتفق الأئمة على جواز إخراجها من ستة أصناف، منها وهي القمح والشعير والتمر والزبيب والأقط والسلت، واختلفوا في الدقيق والسويق فذهب الأمامان (مالك وأصحابه والشافعي) وأكثر العلماء إلى عدم جواز إخراجها منهما لحديث ابن عمر ولأنهما لم يذكرا في الأحاديث الصحيحة، ولأن منافعهما قد نقصت، والنص ورد في الحب وهو يصلح لما لا يصلح له الدقيق، قالوا والأحاديث التي فيها ذكر الدقيق لا تصلح للاحتجاج بها، وقال الأمامان (أبو حنيفة وأحمد) يجزآن أصلا بأنفسهما، وبه قال الأنماطي من أئمة الشافعية عملا بالأحاديث الواردة فيها، وهي وإن كانت فيها مقال إلا أنها لكثرة طرقها يعضد بعضها بعضًا (واعلم) أن النص على هذه الأصناف لا ينافي جواز إخراج غيرها إذا تعين قوتا بل قالت (الشافعية) كل ما يجب فيه العشر فهو صالح لإخراج الفطرة منه كالارز والذرة والدخن والحمص والعدس والفول وغير ذلك (وقالت الحنابلة) من كل حبة وثمرة تقتات، فإن توفرت هذه الأصناف جميعها وكانت قوتا فالمنصوص عليه أفضل (وقالت الحنابلة أيضا) من قدر على التمر أو الزبيب أو البر أو الشعير أو الاقط فأخرج غيره لم يجزه. وقاس المالكية على الأصناف المنصوص عليها كل ما هو عيش أهل كل بلد من القطاني وغيرها (وعن مالك) قول آخر أنه لا يجزئ غير المنصوص في الحديث وما في معناه * (ولا يجوز إخراج القيمة) * إلا عند أبي حنيفة وقول للمالكية مع الكراهة. وإخراج التمر في الفطرة أفضل عند الأمامين * (مالك وأحمد، وقال الأمام الشافعي) * البر أفضل * (وقال الأمام أبو حنيفة) * أفضل ذلك أكثره قيمة (الأمر الثاني) وهو مقدار ما يجب على الشخص الواحد. اعلم أرشدني الله وإياك إن أحاديث الباب الصحيحة المرفوعة قد دلت على أن الواجب من هذه الأصناف المتقدمة في الفطرة صاع لا فرق بين القمح والزبيب وغيرهما، وبه قال الأئمة * (مالك والشافعي) * وأحمد والهادي والقاسم والناصر والجمهور. وهو قول أبي سعيد وأبي العالية وأبي الشعناء والحسن البصري وجابر بن زيد (وقال أبو حنيفة) وأصحابه وزيد بن علي يجزئ نصف صاع من بر وصاع من غيره وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وابن عباس وابن الزبير، واستدلوا بالأحاديث التي ورد فيها نصف صاع من أحاديث الباب وزوائده * (وروى عن أبي حنيفة) * أنه قال يكفي من الزبيب نصف صاع كالحنطة لكنه مردود بأحاديث الباب ونحوها الدالة على أن الزبيب لا يكفي منه إلا صاع، ولذا اختاره أبو يوسف ومحمد به ويفتى عندهم، وهو رواية عن أبي حنيفة أيضا
[ ٩ / ١٤٧ ]
-[الخلاف بين أبي حنيفة والجمهور في مقدار ما يجزئ من القمح]-
_________________
(١) (وحجة الجمهور) حديث أبي سعيد الأول من أحاديث الباب لقوله فيه صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط (قال النووي ﵀) والدلالة فيه من وجهين (أحدهما) أن الطعام في عرف أهل الحجاز اسم للحنطة خاصة لاسيما وقد قرنه بباقي المذكورات (والثاني) أنه ذكر أشياء قيمتها مختلفة وأوجب في كل نوع منها صاعا، فدل على أن المعتبر صاع ولا نظر إلى قيمته، ووقع في رواية لأبي داود صاعا من حنطة قال وليس بمحفوظ، وليس للقائلين بنصف صاع حجة إلا حديث معاوية وهو الذي يعتمده أبو حنيفة وموافقوه في جواز نصف صاع حنطة، والجمهور يجيبون عنه بأنه قول صحابي وقد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة وأعلم بأحوال النبي ﷺ، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم بأولى من بعض فنرجع إلى دليل آخر، وجدنا ظاهر الأحاديث والقياس متفقا على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأى رآه لا أنه سمعه من النبي ﷺ ولو كان عند أحد من حاضرى مجلسه مع كثرتهم في تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن النبي ﷺ لذكره كما جرى لهم في غير هذه القصة أهـ (وحكى الحافظ) عن ابن المنذر أنه قال لا نعلم في القمح خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ يعتمد عليه ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطرة نصف صاع من قمح أهـ (قال الحافظ) وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية، لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر فلا إجماع في المسألة خلافا للطحاوي أهـ (قلت) ورجح الشوكاني ما ذهب إليه الجمهور، قال لأن النبي ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم فرض صدقة الفطر صاعا من طعام والبر مما يطلق عليه اسم الطعام إن لم يكن معهودا عندهم غالبًا فيه كما تقدم، وتفسيره بغير البر إنما هو لكونه لم يكن معهودا عندهم الصاع منه، ويمكن أن يقال إن البر على تسليم دخوله تحت لفظ الطعام مخصص بما أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا بلفظ "صدقة الفطر ميدان من قمح" وأخرج نحوه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا أيضا وأخرج نحوه الدارقطني من حديث عصمة بن مالك وفي إسناده الفضل بن المختار وهو ضعيف، وأخرج أبو داود والنسائي عن الحسن مرسلا بلفظ "فرض رسول الله ﷺ هذه الصدقة صاعا من تمر أو من شعير أو نصف صاع من قمح، وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صغير بلفظ قال رسول الله ﷺ "صدقة الفطر صاع
[ ٩ / ١٤٨ ]
-[مذاهب الأئمة في مقدار ما يجزئ بالكل والوزن - وما جاء في الصاع]-
_________________
(١) من برأ وقمح عن كل اثنين" وأخرج سفيان الثوري في جامعه عن علي ﵇ موقوفا بلفظ "نصف صاع بر" وهذه تنتهض بمجموعها للتخصيص. والله أعلم * (الأمر الثالث) * تحرير المكيال الذي يكال به؛ وقد جاء ذلك مبينا بالوزن في قصة إسحاق بن سليمان الرازي مع الأمام مالك رحمهما الله. وتقدمت في الزوائد، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر في عهد رسول الله ﷺ بالمد الذي يقتات به أهل المدينة، رواه الحاكم وابن خزيمة (قال الشوكاني) وللبخاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يعطي زكاة رمضان عند النبي ﷺ بالمد الأول ولم يختلف أهل المدينة في الصاع وقدره من لدن الصحابة إلى يومنا هذا أنه كما قال أهل الحجاز خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وقال العراقيون منهم أبو حنيفة إنه ثمانية أرطال؛ وهو قول مردود لدفعه هذه القصة المسندة إلى صيعان الصحابة التي قررها النبي ﷺ "يعني قصة مال مع إسحاق بن سليمان" وقد رجع أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب أبي حنيفة بعد هذه الواقعة إلى قول مالك وترك قول أبي حنيفة أهـ (قال ابن قدامة) في المغنى وقد روى جماعة عن أحمد أنه قال الصاع وزنته فوجدته خمسة أرطال وثلثا حنطة، وقال حنبل قال أحمد أخذت الصاع من أبي النضر، وقال أبو النضر أخذته من ابن أبي ذؤيب وقال هذا صاع النبي ﷺ الذي يعرف بالمدينة (قال أبو عبد الله فأخذنا العدس فعيرنا به وهو أصلح ما وقفنا عليه يكال به، لأنه لا يتجافى عن موضعه فكلنا به ثم وزناه فإذا هو خمسة أرطال وثلث، وقال هذا أصلح ما وقفنا عليه وما تبين لنا من صاع النبي ﷺ، وإذا كان الصاع خمسة أرطال وثلثا من البر والعدس وهما من أثقل الحبوب فما عداهما من أجناس الفطرة أخف منهما؛ فإذا أخرج منهما خمسة أرطال وثلثا فهي أكثر من صاع أهـ (وقال النووي ﵀) اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن الواجب في الفطرة عن كل إنسان صاع بصاع رسول الله ﷺ وهو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي من أي جنس أخرجه سواء الحنطة وغيرها، ورطل بغداد مائة وثمانية وعشرون درهما على الأصح. قال صاحب الشامل وغيره الأصل فيه الكيل، وإنما قدره العلماء بالوزن استظهارًا (قلت) قد يستشكل ضبط الصاع بالأرطال فإن الصاع المخرج به في زمان رسول الله مكيال معروف، ويختلف قدره وزنا باختلاف ما يوضع فيه كالذرة والحمص وغيرهما، فإن أوزان هذه مختلفة. وقد تكلم جماعات من العلماء في هذه المسألة، فأحسنهم فيها كلاما الأمام أبو الفرج الدارمي من أصحابنا فإنه صنف فيها مسألة مستقلة، وكان كثير الاعتناء بتحقيق أمثال هذه، ومختصر كلامه أن الصواب أن الاعتماد في ذلك على الكيل دون الوزن، وأن الواجب إخراج صاع معاير بالصاع الذي
[ ٩ / ١٤٩ ]
-[مقدار الصاع بالكيل المصري واعتماد الكيل بمد النبي ﷺ]-
(٢) باب وقت إخراجها
(١٩٢) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة (١) (وعنه من طريقٍ ثانٍ (٢» مثله إلا أنه قال قبل خروج الناس إلى المصلى (٣) وقال مرًة إلى الصلاة، وقد تقدم في حديث عبد الله بن ثعلبة أن رسول الله ﷺ خطب الناس قبل
_________________
(١) كان يخرج به في زمن رسول الله ﷺ، وذلك الصاع موجود، ومن لم يجده وجب عليه الاستظهار بأن يخرج ما يتيقن أنه لا ينقص عنه. وعلى هذا فالتقدير بخمسة أرطال وثلث تقريب. هذا كلام الدارمي، وذكر البندنيجي نحوه (وقال جماعة من العلماء) الصاع أربع حفنات بكفى رجل معتدل الكفين. ونقل الحافظ عبد الحق في كتابة الأحكام عن أبي محمد علي بن حزم أنه قال وجدنا أهل المدينة لا يختلف منهم اثنان في أن مد رسول الله ﷺ الذي يؤدي به الصدقات ليس بأكثر من رطل ونصف ولا دون رطل وربع. وقال بعضهم هو رطل وثلث. قال وليس هذا اختلافا ولكنه على حسب رزانة المكيل من البر والتمر والشعير. قال وصاع ابن أبي ذؤيب خمسة أرطال وثلث وهو صاع رسول الله ﷺ أهـ ج (قلت) والصاع عند الحنفية بالكيل المصري قد حان وثلث. وعند الشافعية قد حان. وعند المالكية قدح وثلث، والصواب عندي أن يعتبر الكيل فيما يكال وإن زاد أو نقص في الوزن، ومعلوم أن الصاع النبوي أربعة إمداد بلا خلاف. والمد حفنة بكفي الرجل المعتدل الكفين بالاتفاق. فمن أراد الخروج من الخلاف والاحتياط لدينه فليخرج أربعة أمداد كما وصفنا عن كل نفس، وليزد شيئا يدفع عن نفسه الشك في النقص، وهذه الطريقة صالحة إن شاء الله تعالى لكل زمان ومكان، هذا ما ظهر لي والله أعلم.
(٢) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عتاب ثنا عبد الله أنا أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر - الحديث" (غريبه) (١) قال البن التين أي قبل خروج الناس إلى صلاة العيد وبعد صلاة الفجر (٢) (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أنه حدث أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى المصلى. وقال مرة إلى الصلاة (٣) أي المكان المعد لصلاة العيد غير المسجد. وتقدم الكلام عليه في أحكام باب صلاة العيد ركعتين صحيفة ١٣٩ في الجزء السادس "وقال
[ ٩ / ١٥٠ ]
-[وقت وجوب زكاة الفطر - ومذاهب العلماء في ذلك]-
الفطر بيومين، فقال أدوا صاعًا من برٍ أو قمحٍ بين اثنين، وتقدم أيضًا في حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان
_________________
(١) مرة إلى الصلاة" أي قبل خروج الناس إلى الصلاة والمعنى واحد (تخريجه) (ق والثلاثة) هذا وحديث عبد الله بن ثعلبة يستفاد منه جواز إخراج زكاة الفطر قبل العيد بيومين وسياتي الكلام عليه في الأحكام (زوائد الباب) (عن ابن عباس ﵄) قال فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات (د. جه. قط. ك) وصححه (وعن عمين بن عوف) عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلى صلاة العيد ويتلو هذه الآية "قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى" أورده الهيثمي وقال رواه البزار وفيه كثير بن عبد الله وهو ضعيف (وعن ابن عباس ﵄) قال كنا نأكل ونشرب ونخرج صدقة الفطر ثم نخرج إلى المصلى، أورده الهيثمي وقال رواه الطبراني في الأوسط وفيه إبراهيم بن يزيد الجوزي وهو ضعيف (وعن عمر بن مساور) عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا أن يعجل الرجل صدقة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين * (وعن نافع عن ابن عمر) * ﵄ أنه كان إذا حبس من يقبض زكاة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين لا يرى بذلك بأسًا، رواهما ابن أبي شيبة في مصنفه (الأحكام) يستفاد من أحاديث الباب ثلاثة أحكام (أحدها) وقت وجوب زكاة الفطر (والثاني) وقت إخراجها (والثالث) جواز تقديمها عن وقت الوجوب * (أما وقت وجوبها) * فدليله حديث ابن عمر المتقدم في الباب الأول من أبواب زكاة الفطر رقم ١٨٣ صحيفة ١٢٤ (أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان) والفطر من رمضان لا يكون إلا بغروب الشمس من ليلة العيد ولأن الفطرة جعلت طهرة للصائم لحديث ابن عباس المذكور في الزوائد، فاستفيد أن وقت الوجوب بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان وإلى ذلك ذهب الأئمة (أحمد وإسحاق والثوري والشافعي) على القول الصحيح الراجح ورواية عن مالك وذهبت الأئمة (أبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وداود) وهو قول للشافعي ورواية عن مالك، تجب بطلوع الفجر، وقال بعض المالكية تجب بطلوع الشمس (واتفقوا) على أنها لا تسقط بالتأخير بعد الوجوب بل تصير دينا حتى تؤدي، ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد بالاتفاق إلا ما نقل عن ابن سيرين والنخعي أنهما قالا يجوز تأخيرها عن يوم العيد، وقال الأمام أحمد أرجو أن لا يكون به بأس (وقال ابن رسلان) إنه حرام بالاتفاق لأنها زكاة، فوجب أن يكون في تأخيرها اثم كما في إخراج الصلاة عن وقتها، وحكى صاحب البحر
[ ٩ / ١٥١ ]
-[مذاهب الأئمة فى وقت اخراج زكاة الفطر وتقديمها عن وقتها]-
(أبواب صدقة التطوع)
(١) باب الحث عليها وفضلها
(١٩٣) عن المنذر بن جرير بن عبد الله البجلىِّ ﵁ عن
_________________
(١) عن المنصور بالله أن وقتها إلى آخر اليوم الثالث من شهر شوال (وأما وقت اخراجها) فهو بعد صلاة الفجر قبل الخروج إلى المصلى لصلاة العيد، دل على ذلك حديث ابن عمر وحديث ابن عباس المذكور فى الزوائد، والى استحباب ذلك ذهب الجمهور (قال ابن عيينة) فى تفسيره عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدى صلاته فان الله تعالى يقول ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾ ولابن خزيمة من طريق كثير ابن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ سئل عن هذه الآية فقال نزلت فى زكاة الفطر، وحمل الجمهور التقييد بقبل صلاة العيد على الاستحباب لصدق اليوم على جميع النهار، وقد رواه أبو معشر عن نافع عن ابن عمر بلفظ "كان يأمرنا أن نخرجها قبل أن نصلى فاذا انصرف قسمه بينهم وقال أغنوهم عن الطلب" أخرجه سعيد بن منصور ولكن أبو معشر ضعيف، وقد استدل بالحديث على كراهة تأخيرها، وحمله ابن حزم على التحريم، وظاهر قوله فى حديث ابن عباس ﵄ المذكور فى الزوائد بلفظ "من أداها قبل الصلاة فهى زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهى صدقة" أن من أداها بعد صلاة العيد لا تعتبر زكاة بل صدقة من الصدقات التى يتصدق بها فى سائر الأوقات، وأمر القبول فيها موقوف إلى مشيئة الله تعالى * (وقال الجمهور) * انها تجزاء إلى آخر يوم الفطر. والله اعلم (واما تقديمها عن وقت الوجوب) فدليله حديث عبد الله بن ثعلبة المتقدم فى الباب السابق ان رسول الله ﷺ خطب الناس قبل الفطر بيومين "فقال ادوا صاعا من بر او قمح بين اثنين. وبه قال كافة العلماء * (واختلفوا) * فيما زاد على اليومين فقال الأمام ابو حنيفة يجوز تقديمها على شهر رمضان * (وقال الأمام الشافعى) * يجوز التقديم من اول الشهر وقال الامامان (مالك واحمد) * لا يجوز التقديم عن يومين قبل العيد (واتفقوا) على جواز دفعها إلى جنس واحد من الأجناس الثمانية المذكورة فى قوله تعالى ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية﴾ إلا الشافعية فانهم قالوا لا بد من الاستيعاب للأصناف الثمانية إن قسم الأمام وهناك عامل. وإلا فالقسمة على سبعة، فان فقد بعض الأصناف قسمت الصدقات على الموجودين وكذا يستوعب المالك الأصناف ان انحصر المستحقون فى البلد ووفى بهم المال؛ وإلا فيعطى الثلاثة لا اقل فلو عدم الأصناف من البلد وجب النقل، او بعضهم رد على الباقين والله اعلم
(٢) عن المنذر بن جرير (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا
[ ٩ / ١٥٢ ]
-[فضل صدقة التطوع واهتمام النبى ﷺ بأمر الفقراء]-
أبيه (١) قال كنا عند رسول الله ﷺ فى صدر النَّهار قال فجاءه قومٌ حفاةٌ عراةٌ مجتابى النِّمار (٢) أو العباء متقلِّدى السُّيوف عامتهم من مضر، بل كلُّهم من مضر، فتغيَّر وجه رسول الله ﷺ لما رأي بهم من الفاقة، قال فدخل ثمَّ خرج فأمر بلالًا فأذَّن وأقام فصلَّى ثمَّ خطب (٣) فقال يا أيُّها النَّاس اتَّقوا ربَّكم الَّذى خلقكم من نفسٍ واحدةٍ الخ- الآية. إن الله كان عليكم رقيبًا (٤) وقرأ الآية الَّتى فى آخر الحشر ﴿ولتنظر نفسٌ ما قدَّمت لغدٍ﴾ تصدَّق رجلٌ من ديناره. من درهمه. من ثوبه. من صاع برِّه. من صاع تمره. حتَّى قال ولو بشقِّ تمرةٍ، قال فجاء رجلٌ من الأنصار بصرَّةٍ كادت كفُّه تعجز عنها بل قد عجزت، ثمَّ تتابع النَّاس حتَّى رأيت كومين (٥) من طعامٍ وثيابٍ حتَّى رأيت رسول الله ﷺ
_________________
(١) محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عون بن أبى جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه- الحديث" (غريبه) (١) هو جرير بن عبد الله الصحابى ابن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة البجلى الأحمسى بالمهملتين الكوفى (قال ابن قتيبة) قدم جرير على النبى ﷺ سنة عشر من الهجرة فى شهر رمضان فبايعه وأسلم، قال وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول جرير يوسف هذه الأمة لحسنه، قال وكان طويلا يصل الى سنام البعير. وكانت نعله ذراعا ويخضب لحيته بزعفران بالليل ويغسلها إذا أصبح. واعتزل عليا ومعاوية. وأقام بالجزيرة ونواحيها حتى توفى سنة أربع وخمسين ﵁ (٢) النمار بكسر النون جمع نمرة بفتحها، وهى ثياب صوف فيها تنمير (والعباء) بالمد وبفتح العين جمع عباءة وعباية لغتان "وقوله مجتابى النمار" أى خرقوها وقوّروا وسطها "وقوله فتغير وجه رسول الله ﷺ" أى من التأثر رحمة بهؤلاء المساكين (٣) فيه استحباب جمع الناس للأمور المهمة ووعظهم وحثهم على الخير وأعمال البر وتحذيرهم من القسوة والبخل والأعمال السيئة (٤) انما اختار ﷺ هذه الآية فى خطبته لانها أبلغ فى الحث على الصدقة عليهم، ولما فيها من تأكيد الحق لكونهم إخوة (٥) هو بفتح الكاف وضمها (قال القاضى عياض) ضبطه بعضهم بالفتح وبعضهم بالضم (قال ابن سراج) هو بالضم اسم لما كوّمه وبالفتح المرة الواحدة. قال والكومة بالضم الصبرة والكوم العظيم من كل شاء. والكوم المكان المرتفع كالرابية (قال القاضي)
[ ٩ / ١٥٣ ]
-[حديث من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها الخ]-
يتهلَّل (١) وجهه يعنى كأنَّه مذهبةٌ، فقال رسول الله ﷺ من سنَّ فى الإسلام سنَّةً حسنةً (٢) فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينتقص من أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ فى الإسلام سنَّةً سيِّئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل بها
_________________
(١) فالفتح هنا أولى لأن مقصوده الكثرة والتشبيه بالرابية (١) أى يستنير فرحا وسرورًا "وقوله مذهبة" قال النووى ضبطوه بوجهين أحدهما وهو المشهور. وبه جزم القاضى والجمهور مذهبة بذال معجمة وفتح الهاء وبعدها باء موحدة (والثانى) ولم يذكر الحميدى فى الجمع بين الصحيحين غيره "مدهنة" بدال مهملة وضم الهاء وبعدها نون، وشرحه الحميدى فى كتاب غريب الجمع بين الصحيحين فقال هو وغيره ممن فسر هذه الرواية ان صحت المدهن الاناء الذى يدهن فيه؛ وهو أيضا اسم للنقرة فى الجبل التى يستجمع فيها ماء المطر فشبه صفاء وجهه الكريم بصفاء هذا الماء وبصفاء الدهن والمدهن (وقال القاضى عياض) فى المشارق وغيره من الأئمة هذا تصحيف وهو بالذال المعجمة والباء الموحدة، وهو المعروف فى الروايات، وعلى هذا ذكر القاضى وجهين فى تفسيره (أحدهما) معناه فضة مذهبة فهو أبلغ فى حسن الوجه وإشراقه (والثانى) شبهه فى حسنه ونوره بالمذهبة من الجلود وجمعها مذاهب، وهى شاء كانت العرب تضعه من جلود وتجعل فيه خطوطا مذهبة يرى بعضها أثر بعض. وأما سبب سروره ﷺ ففرحا بمبادرة المسلمين الى طاعة الله تعالى وبذل أموالهم لله وامتثال أمر رسول الله ﷺ ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين وشفقة المسلمين بعضهم على بعض وتعاونهم على البر والتقوى. وينبغى للأنسان اذا رأى شيئا من هذا القبيل أن يفرح ويظهر سروره ويكون فرحه لما ذكرناه اهـ. (٢) هى كل عمل صالح فعله الأنسان واقتدى به غيره ففعل مثل فعله فيكون للفاعل الأول مثل أجور من اقتدوا به فى هذا العمل الصالح مهما كثر عددهم ما دام العمل مستمرا من غير أن ينقص من أجورهم شاء "ويقال مثل ذلك فيمن سن سنة سيئة" وهى كل عمل قبيح لا يرضى الله ويخالف أوامر الدين فانّ على الفاعل الأول مثل أوزار من قلده فى هذا العمل وعمل به ما دام العمل مستمرا قال الله تعالى ﴿وليحملنَّ أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألنّ يوم القيامة عما كانوا يفترون﴾ ففيه الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات والتحذير من اختراع الاباطيل والمستقبحات، وسبب هذا الكلام فى هذا الحديث أنه قال فى أوله فجاء رجل من الانصار بصرّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت. ثم تتابع الناس الخ. وكان الفضل العظيم
[ ٩ / ١٥٤ ]
-[الصدقة تلجم الشياطين وتكفهم عن الوسوسة]-
بعده من غير أن ينتقص من أوزارهم شاءٌ
(١٩٤) عن ابن بريدة عن أبيه (بريدة الأسلمىِّ) ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ما يخرج رجلٌ شيئًا من الصَّدقة (١) حتَّى يفكَّ عنها لحي (٢) سبعين شيطانًا
(١٩٥) عن عديِّ بن حاتم الطَّائىِّ ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما منكم من أحدٍ إلَّا سيكلِّمه ربُّه ﷿ ليس بينه وبينه ترجمان (٣) فينظر عمَّن أيمن منه (٤) فلا يرى إلَّا شيئًا قدَّمه، وينظر عمَّن أشأم منه (٥)
_________________
(١) للباديء بهذا الخير والفاتح لباب هذا الأحسان ﵁ (تخريجه) (م. نس. وغيرهما)
(٢) عن ابن بريدة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن ابن بريدة عن أبيه قال أبو معاوية ولا اراه سمعه منه قال قال رسول الله ﷺ ما يخرج رجل- الحديث" (غريبه) (١) أى يبتغى بذلك وجه الله تعالى (٢) اللحى بفتح اللام وسكون الحاء المهملة عظم الحنك، وهو الذى عليه الأسنان، وهو من الأنسان حيث ينبت الشعر وهو أعلى وأسفل، وجمعه ألحٍ ولحىٌّ "وقوله سبعين شيطانا" المراد من السبعين التكثير، والمعنى أن كل إنسان له شياطين كثيرة تمنعه عن سبل الخير وتوسوس له بتحسين ذلك؛ لأن الشيطان عدو الأنسان بنص القرآن لا يريد له الخير، والصدقة من الأعمال الخيرية التى تقرب العبد من ربه؛ فاذا تفطن الأنسان لهذا وخالف الشياطين وتصدق فكأنه أمسك لحاهم وفسخها فلا يقدرون على الكلام والوسوسة؛ فهو كناية عن قهرهم وغلبتهم والله أعلم (تخريجه) أورده المنذرى وقال رواه أحمد والبزار والطبرانى وابن خزيمة فى صحيحه وتردد فى سماع الأعمش من بريدة، رواه الحاكم والبيهقى. وقال الحاكم صحيح على شرطهما، ورواه البيهقى أيضا عن أبى ذر موقوفا عليه "قال ما خرجت صدقة حتى يفك عنها لحى سبعين شيطانا كلهم ينهى عنها
(٣) عن عدى بن حاتم (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع وأبو معاوية المعنى قالا ثنا الأعمش عن خيثمة عن عدى بن حاتم الطائى- الحديث" (غريبه) (٣) هو بفتح التاء وضمها وهو المعبر عن لسان بلسان (٤) أى فينظر ليرى أحدا عن يمينه يستعين به فى هذا الموقف الحرج (٥) أى ينظر ليرى أحدا عن شماله
[ ٩ / ١٥٥ ]
-[الصدقة تنجي صاحبها من النار ولو بشق تمرة]-
فلا يرى إلَّا شيئًا قدَّمه، وينظر أمامه فتستقبله النَّار، فمن استطاع منكم أن يتَّقى النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ (١) فليفعل (وعنه من طريقٍ ثانٍ) (٢) عن النبَّيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من استطاع منكم أن يتَّقى النَّار فليتصدَّق ولو بشقِّ تمرةٍ، فمن لم يجد فبكلمةٍ طيِّبةٍ (٣)
(١٩٦) عن يزيد بن حبيبٍ أنَّ أبا الخير (٤) حدَّثه أنَّه سمع عقبة بن عامرٍ ﵁ يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول كلُّ امراءٍ فى ظلِّ صدقته (٥) حتَّى يفصل بين النَّاس أو قال يحكم بين النَّاس، قال يزيد وكان أبو الخير لا يخطئه يومٌ إلَّا تصدَّق فيه (٦) بشاءٍ ولو كعكةً (٧) أو بصلةً أو كذا
_________________
(١) كذلك (١) شق التمرة بكسر الشين نصفها وجانبها وفيه الحث على الصدقة وانه لا يمتنع منها لقلتها، وأن قليلها سبب للنجاة من النار (٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا سعدان الجهنى عن ابن خليفة الطائى عن عدى بن حاتم عن النبى ﷺ- الحديث" (٣) الكلمة الطيبة هى التى فيها تطييب قلب انسان اذا كانت مباحة أو طاعة تكون سببا للنجاة من النار وفضل الله واسع (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن يزيد بن حبيب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على ابن اسحاق أنا عبد الله بن مبارك أنا حرملة بن عمران أنه سمع يزيد بن أبى حبيب يحدث أن أبا الخير حدثه- الحديث" (غريبه) (٤) اسمه مرثد بن عبد الله كما فى الطريق الثانية وأبو الخير كنيته (٥) كناية عن اكرام الله ﷿ لعبده المتصدق فى الموقف إلى أن يفصل بين الناس، ويحتمل أن يجسم الله تعالى الصدقة ويجعل لها ظلا يستظل به صاحبها من حر الشمس فى الموقف حتى يفصل بين الناس. والله أعلم (٦) يريد أنه كان محافظا على الصدقة كل يوم لا يتركها يوما واحدا (٧) الكعك قال فى القاموس خبز معروف فارسى معرّب اهـ (قلت) ربما كانت الكعكة فى زمانهم تعد من الشاء الحقير بدليل قوله "أو بصلة أو كذا" يعنى من الشاء الحقير، أما فى زماننا فالكعك يعتنى بشأنه فى الأدام ويكون من أجود الدقيق، لهذا تجد قيمة الكعكة الواحدة تزيد عن قيمة الرغيف الذى يشبع الرجل وهذا فى القطر المصرى، ولا نعلم قيمة الكعكة فى الأقطار الأخرى فربما كانت زهيدة
[ ٩ / ١٥٦ ]
-[المؤمن يستظل بصدقته يوم القيامة]-
(وعنه من طريقٍ ثانٍ) (١) قال كان مرثد بن عبد الله لا يجاء إلى المسجد إلَّا ومعه شيءٌ يتصدَّق به. قال فجاء ذات يومٍ إلى المسجد ومعه بصلٌ؟ فقلت له أبا الخير ما تريد إلى هذا؟ ينتن عليك ثوبك، قال يا ابن أخى إنَّه والله ما كان فى منزلى شاءٌ أتصدَّق به غيره؛ إنَّه حدَّثنى رجلٌ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ عن النَّبيِّ ﷺ قال ظلُّ المؤمن يوم القيامة صدقته
(١٩٧) عن مرثد بن عبد الله اليزنىِّ حدَّثنى بعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ (٢) أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول إنَّ ظلَّ المؤمن يوم القيامة صدقته (٣)
(١٩٨) عن أبى أمامة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يا ابن آدم إنَّك أن تبذل (٤) الخير خيرٌ لك وأن تمسكه شرٌّ لك، ولا تلام
_________________
(١) والله أعلم، والمعنى أن الرجل إذا لم يجد ما يتصدق به إلا الشاء الحقير فليتصدق به فانه يكون كبيرا عند الله ﷿ وينفعه الله به يوم القيامة ويكون فوق رأسه كالظلة فى الموقف إلى أن يقضى بين العباد، والعبرة بالأخلاص فى العمل لا بالكثرة والقلة (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسماعيل ثنا محمد بن اسحاق عن يزيد بن أبى حبيب قال كان مرثد ابن عبد الله- الحديث" (تخريجه) (خز. حب. ك) وقال صحيح على شرط مسلم
(٢) عن مرثد بن عبد الله اليزنى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثما يزيد بن هارون أنا محمد بن اسحاق عن يزيد بن أبى حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزنى- الحديث" (غريبه) (٢) الظاهر أن هذا الصحابى المبهم هو عقبة بن عامر ﵁ كما يستفاد ذلك من الحديث السابق على أن جهالة الصحابى لا تضر (٣) أى الظل الذى يستظل به المؤمن يوم القيامة صدقته (تخريجه) (خز. حب. ك) وقال صحيح على شرط مسلم
(٣) عن أبى أمامة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو نوح قراد قال أبو عبد الرحمن سمعت أبى غير مرة يقول أبو نوح قراد ثنا عكرمة بن عمار عن شداد بن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ- الحديث" (غريبه) (٤) قال النووى هو بفتح همزة أن ومعناه ان بذلت الفاضل عن حاجتك
[ ٩ / ١٥٧ ]
-[دعاء الملائكة بالخلف للمنفق وبالتلف للممسك]-
على الكفاف وابدأ بمن تعول واليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى
(١٩٩) وعن أبى هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ مثله
(٢٠٠) وعنه أيضًا أنَّ رسول الله ﷺ قال إنَّ ملكًا ببابٍ من أبواب السَّماء يقول من يقرض اليوم يجزى غدًا (١) وملكا ببابٍ آخر يقول اللَّهمَّ أعط منفقًا خلفًا (٢) وعجِّل لممسكٍ تلفًا
_________________
(١) وحاجة عيالك فهو خير لك لبقاء ثوابه، وإن أمسكته فهو شر لك لأنه إن أمسك عن الواجب استحق العقاب عليه، وإن أمسك عن المندوب فقد نقص ثوابه وفوت مصلحة نفسه فى آخرته وهذا كله شر "ومعنى لا تلام على الكفاف" أنّ قدر الحاجة لا لوم على صاحبه، وهذا اذا لم يتوجه فى الكفاف حق شرعى كمن كان له نصاب زكوى ووجبت الزكاة بشروطها وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفافه وجب عليه إخراج الزكاة، ويحصّل كفايته من جهة مباحة "ومعنى ابدأ بمن تعول" أن العيال والقرابة أحق من الأجانب اهـ (تخريجه) (م. مذ. هق)
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا زيد بن يحيى الدمشقى ثنا عبد الله بن العلاء بن زبر قال سمعت القاسم مولى يزيد يقول حدثنى أبو هريرة أنه سمع النبى ﷺ قال ان الله ﷿ يقول يا ابن آدم ان تعط الفضل فهو خير لك، وإن تمسكه فهو شر لك، وابدأ بمن تعول ولا يلوم الله على الكفاف واليد العليا خير من اليد السفلى (تخريجه) لم أقف عليه من حديث أبى هريرة لغير الأمام أحمد ويؤيده حديث أبى أمامة المذكور قبله فهو بمعناه
(٣) وعنه أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبي قال حدثنا بهز وعفان قالا ثنا حماد بن سلمة عن اسحاق بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمرة عن أبى هريرة- الحديث" (غريبه) (١) يعنى من ينفق من ماله اليوم فى سبل الخير وأعمال البر يكافئه الله يوم القيامة ويجازيه بأكثر مما أنفق. قال تعالى ﴿من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾ وقال أيضا ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا﴾ (٢) قال العلماء هذا فى الأنفاق فى الطاعات ومكارم الأخلاق وعلى العيال والضيفان والصدقات ونحو ذلك، بحيث لا يذم ولا يسمى سرفا، والأمساك المذموم فى قوله "وعجل لممسك تلفا" هو الأمساك عن هذا. والله أعلم (تخريجه) أخرجه مسلم، ولفظه عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ
[ ٩ / ١٥٨ ]
-[حديث "ليتق أحدكم وجهه من النار ولو بشق تمرة"]-
(٢٠١) عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال لها يا عائشة استترى من النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ، فإنَّها تسدُّ من الجائع مسدَّها من الشَّبعان
(٢٠٢) قر عن عبد الله (بن مسعود) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ليتَّق أحدكم وجهه من النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ
(٢٠٣) عن حارثة بن وهب ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول تصدَّقوا فيوشك الرَّجل يمشى بصدقته، فيقول الَّذى أعطيها (١)
_________________
(١) ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول احدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا"
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن عبد الله ثنا كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله عن عائشة- الحديث" (تخريجه) (بز) وحسّن المنذرى اسناد الأمام أحمد
(٣) "قر" عن عبد الله (بن مسعود) (سنده) حدثنا عبد الله قال قرأت على أبى ثنا على بنى عاصم انا إبراهيم بن مسلم الهجرى عن أبى الأحوص عن عبد الله- الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام احمد، وأورده الهيثمى وقال رواها أحمد ورجاله رجال الصحيح اهـ. واعلم ان هذا الحديث روى من عدة طرق عن كثير من الصحابة، فرواه أيضا الأمام أحمد من حديث عائشة وعدى بن حاتم وتقدما، ورواه أبو يعلى والبزار من حديث أبى بكر الصديق، وأبو يعلى والطبرانى فى الكبير من حديث ابن عباس، والبزار والطبرانى فى الأوسط من حديث أنس، والبزار والطبرانى فى الكبير من حديث النعمان بن بشير، والبزار من حديث أبى هريرة، والطبرانى فى الكبير والأوسط من حديث أبى أمامة، والطبرانى فى الكبير من حديث فضالة بن عبيد
(٤) عن حارثة بن وهب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن جعفر ثنا شعبة عن معبد بن خالد قال سمعت حارثة بن وهب قال سمعت رسول الله ﷺ- الحديث" (غريبه) (١) أى الذى عرضت عليه ليأخذها، وإنما يقول ذلك لكثرة الأموال وظهور كنوز الأرض ووضع البركات فيها، وذلك فى آخر الزمان بعد هلاك يأجوج ومأجوج كما ثبت فى الصحيحين وعند الأمام أحمد، وذلك قرب قيام الساعة
[ ٩ / ١٥٩ ]
-[هلاك أصحاب الأموال إن لم يتصدقوا منها]-
لو جئت بها بالأمس قبلتها، وأمَّا الآن فلا حاجة لى فيها فلا يجد من يقبلها (١)
(٢٠٤) عن أبى هريرة ﵁ قال كنت أمشى مع رسول الله ﷺ فى نخل بعض أهل المدينة، فقال يا أبا هريرة هلك المكثرون (٢) إلَّا من قال هكذا وهكذا وهكذا ثلاث مرَّاتٍ حثى بكفِّه عن يمينه وعن يساره وبين يديه، وقليلٌ ما هم
(٢٠٥) عن عبد الله (بن مسعود) ﵁ قال قال رسول الله
_________________
(١) فيه الحث على الصدقة والمبادرة بها واغتنام إمكانها قبل تعذرها، وهذا مستفاد من قوله ﷺ تصدقوا فيوشك الرجل الخ (تخريجه) (ق. نس. طب)
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق انا معمر عن أبى اسحاق عن كميل بن زياد عن أبي هريرة- الحديث" (غريبه) (٢) هم أصحاب الأموال الزائدة على حاجاتهم ولا ينفقون منها فى سبل الخير فهؤلاء من الهالكين؛ أما من كان ذا مال ينفق منه فى سبل الخير. هذا لفقير. وهذا لبناء مسجد. وهذا لأعانة مجاهد فى سبيل الله ونحو ذلك. واليه الأشارة بقوله ﷺ هكذا وهكذا وهكذا يعنى ينفق ماله فى أمور متعددة من أنواع الخير. فهؤلاء عند الله ناجون مأجورون ولكنهم قليلون (تخريجه) (جه. عل) وسنده جيد، ورواه الطبرانى فى الكبير عن عبد الرحمن ابن أبزى، وعبد بن حميد عن أبى سعيد. وليس هذا آخر الحديث عند الأمام أحمد بل فيه بعد قوله "وقليل ما هم" ثم مشى ساعة فقال يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ فقلت بلى يا رسول الله، قال قل لا حول ولا قوة إلا بالله ولا ملجأ من الله إلا اليه، ثم مشى ساعة فقال يا أبا هريرة هل تدرى ما حق الناس على الله وما حق الله على الناس؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال فان حق الله على الناس أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، فاذا فعلوا ذلك فحق عليه أن لا يعذبهم" وقد تقدم هذا القسم الخاص بحق الله على الناس فى الباب الأول من كتاب التوحيد رقم ٦ صحيفة ٣٧ من الجزء الأول، وسيأتى القسم الخاص بلا حول ولا قوة الا بالله فى كتاب الأذكار ان شاء الله تعالى
(٣) عن عبد الله بن مسعود (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن ابراهيم التيمى عن الحارث بن سويد عن عبد الله- الحديث"
[ ٩ / ١٦٠ ]
-[بيان أن ما تصدق به الإنسان هو الباقي له - وأن ما بخل به لا حظ له فيه]-
ﷺ أيُّكم مال وارثه أحبُّ إليه من ماله؟ (١) قال قالوا يا رسول الله ما منَّا أحدٌ إلَّا ماله أحبُّ إليه من مال وارثه، قال اعلموا أنَّه ليس منكم أحدٌ إلَّا مال وارثه أحبُّ إليه من ماله (٢) ما لك من مالك إلَّا ما قدَّمت، ومال وارثك ما أخَّرت
(٢٠٦) عن عائشة ﵂ أنَّهم ذبحوا شاةً، قلت يا رسول الله ما بقى إلَّا كتفها (٣) قال كلُّها قد بقى إلَّا كتفها؟
(٢٠٧) وعنها أيضًا أنَّها سألت النَّبيَّ ﷺ عن شاءٍ من أمر الصَّدقة
_________________
(١) (غريبه) (١) معناه أن الذى يخلفه الأنسان من المال وإن كان هو فى الحال منسوبا اليه فهو باعتبار انتقاله الى وارثه يكون منسوبا للوارث، فنسبته للمالك فى حياته حقيقية، ونسبته للوارث فى حياة الموروث مجازية ومن بعد موته حقيقية (٢) أى باعتبار ما جبل عليه الأنسان من حب المال وبخله بانفاقه، فكأنه بفعله هذا يصير مال وارثه أحب اليه من ماله، وذلك لجهله بفائدة ما يقدمه من ماله فى سبل الخير، وقد بين ذلك ﷺ بقوله "ما لك من مالك" أى لا ينفعك من مالك ولا ينسب اليك حقيقة "إلا ما قدمت" أى الا الذى أنفقته مدة حياتك فى سبل الخير "ومال وارثك" هو الذى بخلت به على نفسك وتركته للوارث فصار ملكا له، وفى هذا الحث على تقديم ما يمكن تقديمه من المال فى وجوه المبرات وأنواع القربات فى هذه الدار الفانية لينتفع به فى الدار الباقية (تخريجه) (خ. نس)
(٢) عن عائشة ﵂ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن سفيان عن أبى اسحاق عن أبى ميسرة عن عائشة (غريبه) (٣) رواية الترمذى "أنهم ذبحوا شاة فقال النبى ﷺ ما بقى منها؟ " بصيغة الاستفهام توطئه لما سيذكره بعد، وذلك أنه ﷺ تصدق بالشاة بعد ذبحها ولم يبق منها لأهل بيته إلا كتفها، وهو مقدم الشاة مع الرأس والعنق، وهذا قليل بالنسبة لما تصدق به، فقال لعائشة ﵂ "ما بقى منها؟ " فقالت "ما بقى إلا كتفها" فقال ﷺ "كلها قد بقى إلا كتفها" يعنى أن ما خرج للصدقة هو الباقى حقيقة يثاب عليه الأنسان ويكتسب بسببه جزيل الأجر قال تعالى ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ (تخريجه) (مذ) وقال حديث حسن صحيح
(٣) وعنها أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو أحمد الزبيري
[ ٩ / ١٦١ ]
-[الحث على الصدقة ولو بالقليل من القليل - ومواساة ابن السبيل]-
فذكرت شيئًا قليلًا (١) فقال لها النبيُّ ﷺ أعطى ولا توعى (٢) فيوعى عليك
(٢٠٨) عن أبى سعيد الخدرىِّ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ نظر إلى رجلٍ يصرف راحلته فى نواحى القوم (٣) فقال النَّبيُّ ﷺ من كان عنده فضلٌ من ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ من زادٍ (٤) فليعد به على من لا زاد له حتَّى رأينا أن لا حقَّ لأحد منَّا في فضل (٥)
_________________
(١) ثنا محمد بن شريك عن ابن أبى مليكة عن عائشة- الحديث" (غريبه) (١) يعنى أن الموجود عندها شيء قليل لا يتحمل أن تتصدق منه (٢) أى لا تجمعى وتشحى بالصدقة فيشح عليك وتجازى بتضييق رزقك (تخريجه) (د. نس) بألفاظ مختلفة وسنده جيد، وله شاهد عند الشيخين والأمام أحمد والنسائى من حديث أسماء بنت أبى بكر ﵂ "أنها جاءت النبى ﷺ فقالت يا نبى الله ليس لى شاء إلا ما أدخل علىّ الزبير فهل علىّ جناح أن أرضخ مما يدخل على؟ فقال ارضخى ما استطعت ولا توعى فيوعى الله عليك" وقوله "ارضخى ما استطعت" أى أعطى القليل الذى جرت العادة بأعطائه
(٢) عن أبى سعيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا أبو الأشهب عن ابي نضرة عن أبي سعيد- الحديث" (غريبه) (٣) لفظ مسلم يصرف بصره يمينا وشمالا، ولفظ أبى داود يصرف راحلته كما هنا ولا منافاة فى ذلك، لأن الجمع ممكن بأنه كان يصرف راحلته فى نواحى القوم؛ ثم ينظر يمينا وشمالا أى متعرضا لشاء يدفع به حاجته، فأدرك النبى ﷺ ذلك منه وعلم أنه من أبناء السبيل، فقال للناس على سبيل التعريض "من كان عنده فضل من ظهر" يعنى بعيرا أو فرسًا أو نحو ذلك فاضلا عن حاجته "فليعد به على من لا ظهر له" أى فليعطه إياه (٤) يعنى شيئا من الزاد فاضلا عن حاجته فليعطه من لا زاد له (٥) يريد أن كلامه ﷺ أثر فيهم حتى ظنوا أنهم جميعا شركاء فيما يملكون لا فضل لأحد منهم دون الآخر (تخريجه) (م. د وغيرهما) (الأحكام) أحاديث الباب فيها الحث على الصدقة والأنفاق فى سبل الخير وأن الباداء بالصدقة إذا اقتدى به غيره وفعل مثل فعله كان للباداء مثل أجر من اقتدى به لا ينقص من أجره شاء (وفيها) أن الصدقة تنفع صاحبها وإن قلَّت وإن كانت بشق تمرة (وفيها) أن المؤمن يستظل يوم القيامة بظل صدقته (وفيها) أن الملائكة تدعو للمتصدق بالخلف على الممسك بالتلف، ودعاء الملائكة مستجاب لا شك فى ذلك (وفيها) التحذير من
[ ٩ / ١٦٢ ]
-[كلام العلماء فى أحكام الباب]-
(٢) باب أفضل الصدقة
(٢٠٩) عن أبى هريرة ﵁ قال قال رجلٌ (١) يا رسول الله أىُّ الصَّدقة أفضل؟ قال أن تصدَّق (٢) وأنت شحيحٌ (٣) صحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تمهل (٤) حتَّى إذا كانت بالحلقوم قلت لفلانٍ كذا ولفلانٍ
_________________
(١) التسويف بالصدقة لما فى المسارعة إليها من تحصيل النمو وكثرة البركة، ولأن التسويف بها قد يكون ذريعة الى عدم القابل لها، إذ لا يتم مقصود الصدقة إلا بمصادقة المحتاج اليها، وقد أخبر الصادق ﷺ أنه سيقع فقد الفقراء المحتاجين الى الصدقة بأن يخرج الغنى صدقته فلا يجد من يقبلها (فان قيل) ان من أخرج صدقته مثاب على نيته ولو لم يجد من يقبلها (فالجواب) أن الواجد يثاب ثواب المجازاة والفضل، والناوى يثاب ثواب الفضل فقط والأول أربح (وفيها) أن أصحاب الأموال الذين لا يتصدقون بفضل أموالهم من الهالكين (وفيها) أنه ليس يبقى للأنسان الا ما قدمه فى حياته وأنه ينفعه بعد مماته، أما ما تركه للورثة فلا ينفع إلا الورثة (وفى حديث أبى سعيد) الأخير من أحاديث الباب الحث على الصدقة أيضا والجود والمواساة والأحسان الى الرفقة والأصحاب والاعتناء بمصالحهم وأمر كبير القوم بمواساة المحتاج وأنه يكتفى فى حاجة المحتاج بتعرضه للعطاء وتعريضه من غير سؤال (وفيه) مواساة ابن السبيل والصدقة عليه إذا كان محتاجا وان كان له راحلة وعليه ثياب أو كان موسرا فى وطنه، ولهذا يعطى من الزكاة فى هذه الحال، وفى أحاديث الباب غير ذلك كثير تقدم فى خلال الشرح والله أعلم
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع عن سفيان عن عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة عن أبى هريرة- الحديث" (غريبه) (١) قال الحافظ لم أقف عن اسمه، قيل يحتمل أن يكون أبا ذر لأنه ورد فى مسند أحمد أنه سأل أى الصدقة أفضل، وكذا عند الطبرانى، لكنه أجيب جهد من مقل (٢) بتخفيف الصاد وحذف إحدى التاءين، أو بأبدال إحدى التاءين صادا وإدغامها فى الصاد، وهى فى موضع رفع خبر المبتدأ المحذوف تقديره أفضل الصدقة أن تصدق أى بأن تصدق (٣) صفة مشبهة من الشح وهو بخل مع حرص (والصحيح) الذى لم يعتره مرض مخوف ينقطع عنده أمله من الحياة، وإنما كانت صدقة الشحيح الصحيح أفضل من غيرها، لأن فى ذلك مجاهدة النفس على إخراج المال الذى هو شقيق الروح خوفا من هجوم الأجل مع قيام المانع وهو الشح، وليس هذا إلا من قوة الرغبة فى القربة وصحة العقيدة "وقوله تأمل العيش" تفسير لقوله وأنت صحيح وقوله "وتخشى الفقر" تفسير لقوله شحيح" (٤) بالجزم على النهي
[ ٩ / ١٦٣ ]
-[(حديث) خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى]-
كذا وقد كان (وفى لفظٍ) ألا وقد كان لفلانٍ
(٢١٠) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى ثنا عبد الرَّزَّاق ثنا معمرٌ عن أيُّوب عن ابن سيرين عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ خير الصَّدقة ما كان عن ظهر غنًى (١) وابدأ بمن تعول، واليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى (قلت) لأيُّوب (٢) ما عن ظهر غنًى، قال عن فضل غناك (ومن طريقٍ ثانٍ) (٣) عن أبى صالحٍ عن أبى هريرة ﵁ عن النَّبىِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال خير الصَّدقة ما كان عن ظهر غنًى، واليد العليا خيرٌ
_________________
(١) أو بالنصب عطفًا على أن تصدق، أو بالرفع على الاستئناف، أى لا تمهل الصدقة وتسوف فى إعطائها (حتى إذا كانت) الروح (بالحلقوم) بضم الحاء المهملة مجرى النفس عند الغرغرة "قلت لفلان كذا ولفلان كذا" كناية عن الموصى له والموصى به فيهما "وقد كان" أى لفلان كما فى لفظ آخر للأمام أحمد "ألا وقد كان لفلان" أى وقد صار ما أوصى به للوارث فيبطله ان شاء إذا زاد على الثلث أو أوصى به لوارث آخر (والمعنى) أن أفضل الصدقة أن تتصدق فى حال حياتك وصحتك مع احتياجك اليه واختصاصك به، لا فى حال سقمك وسياق موتك، لأن المال حينئذ خرج عنك وتعلق بغيرك (وقال الخطابي) فيه دليل على أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه؛ وأن سخاوته بالمال فى مرضه لا تمحوا عنه سمة البخل، ولذلك شرط أن يكون صحيح البدن شحيحا بالمال يجد له وقعا فى قلبه لما يأمله من طول العمر ويخاف من حدوث الفقر، قال والاسمان الأولان كناية عن الموصى له والموصى به والثالث عن الوارث يريد أنه إذا صار للوارث، فانه ان شاء أبطله ولم يجزه. اهـ (تخريجه) (ق. نس)
(٢) حدّثنا عبد الله (غريبه) (١) أى أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال بحيث لا يصير المتصدق محتاجا بعد صدقته إلى أحد، وهذا معنى قوله "وابدأ بمن تعول" يعنى بمن تلزمك نفقته شرعا (٢) القائل هو معمر الراوى عن أيوب "ما عن ظهر غنى" يعنى ما معنى عن ظهر غنى؟ فقال "عن فضل غناك" يعنى مما فضل عن ما يغنيك (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الملك بن عمرو ثنا هشام
[ ٩ / ١٦٤ ]
-[الصدقة القليلة من الفقير أكثر ثوابا من الكثيرة من الغنى]-
من اليد السُّفلي، وابدأ بمن تعول، قال سئل أبو هريرة ما من تعول؟ قال امرأتك تقول أطعمنى أو أنفق علىَّ شكَّ أبو عامرٍ أو طلِّقنى، وخادمك يقول أطعمنى واستعملنى، وابنتك تقول إلى من تذرنى (١)
(٢١١) وعن حكيم بن حزامٍ ﵁ عن النَّبىِّ ﷺ نحوه
(٢١٢) عن أبى هريرة ﵁ أنَّه قال يا رسول الله أىُّ الصَّدقة أفضل؟ قال جهد (٢) المقلِّ، وابدأ بمن تعول (فصل منه فى المنيحة)
(٢١٣) عن عبد الله (بن مسعودٍ) ﵁ عن النَّبىِّ ﷺ قال أتدرون
_________________
(١) عن زيد عن أبي صالح عن أبى هريرة- الحديث" (١) يريد أن هؤلاء وأمثالهم ممن تجب نفقتهم على الرجل يقولون هذا القول إذا لم يترك لهم شيئا ينفقه عليهم، فالواجب أن يبدأ بهؤلاء وأمثالهم ثم يتصدق بما فضل عنهم (تخريجه) (خ. نس) وليس فيه عندهما سؤال أبى هريرة ﵁
(٢) (عن حكيم بن حزام) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه فى باب ما جاء فى اليد العليا واليد السفلى صحيفة ١٠١ رقم ١٤٥ فارجع اليه ان شئت
(٣) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حجين ثنا الليث بن سعد عن أبى الزبير عن يحيى بن جعدة عن أبي هريرة- الحديث" (غريبه) (٢) بضم الجيم وفتحها الوسع والطاقة، وقيل بالضم الوسع والطاقة، وبالفتح المشقة، والمقلّ الفقير قليل المال، والمعنى أفضل الصدقات صدقة الفقير بما فى وسعه وطاقته، وهذا محمول على فقير رزق القناعة والرضا فصدقته ولو قليلة أكثر ثوابا من صدقة الغنى كثير المال ولو كثيرة، كما جاء فى حديث أبى هريرة مرفوعا "سبق درهم مائة الف درهم، قالوا وكيف؟ قال لرجل درهمان تصدق بأحدهما وانطلق رجل إلى عرض ماله فأخذ منه مائة الف درهم فتصدق به" رواه النسائى وابن حبان والحاكم وصححه (تخريجه) (د. خز حب. ك) وصححوه وسكت عنه أبو داود والمنذرى
(٤) عن عبد الله (بن مسعود) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا شعبة عن ابراهيم الهجرى قال سمعت أبا الأحوص عن عبد الله- الحديث"
[ ٩ / ١٦٥ ]
-[فضل المنيحة - وتفسير لفظها]-
أي الصَّدقة أفضل، قالوا الله ورسوله أعلم، قال المنيحة (١) أن يمنح أحدكم أخاه الدِّرهم أو ظهر الدَّابَّة أو لبن الشَّاة أو لبن البقرة
(٢١٤) عن أبى هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال خير الصَّدقة المنيحة تغدوا (٢) بأجرٍ وتروح بأجرٍ، منيحة النَّاقة كعتاقة الأحمر (٣) ومنيحة الشَّاة كعتاقة الأسود
_________________
(١) (غريبه) (١) بفتح الميم وكسر النون، وفى بعض الروايات منحة بكسر الميم وسكون النون، والمنيحة بفتحها مع زيادة الياء التحتية هى العطية ينتفع بها ثم ترد، كأن يمنح الرجل دابة لشرب لبنها أو شجرة لأكل ثمرها او أرضا لزرعها أو نقودا قرضا، ويكون فى الحيوان وفى الثمار وغيرهما، وفى الصحيح أن النبى ﷺ منح أم أيمن عذاقا أى نخيلا؛ ثم قد تكون المنيحة عطية للرقبة بمنافعها وهى الهبة، والمراد فى الحديث القرض أو ظهر الدابة أو اللبن؛ وهى منحة المنفعة لمدة، ثم ترد العين لصاحبها، ومنه حديث (المنحة مردودة والناس على شروطهم ما وافق الحق) رواه البزار عن أنس فهو يدل على أنها تمليك منفعة لا رقبة (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد من حديث ابن مسعود وفى إسناده ابراهيم بن مسلم الهجرى تكلم فيه بعضهم
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سريج قال ثنا فليح عن محمد بن عبد الله بن حصين الأسلمى عن عبد الله بن صبيحة عن أبى هريرة- الحديث" (غريبه) (٢) الغدو السير من أول النهار الى الزوال، والرواح منه الى الغروب، والمراد بالأجر هنا ما تحلبه من اللبن فى الصباح وفى المساء لأن كل حلبة فيها منفعة للمعطى بفتح الطاء وفيها ثواب وأجر عظيم للمعطى بكسر الطاء، ويؤيد ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة أيضا مرفوعا "ألا رجل يمنح أهل بيت ناقة تغدوا بعس وتروح بعس إن أجرها لعظيم" والعس بضم العين وتشديد السين المهملة هو القدح الكبير أى تحلب إناء بالغداة وإناء بالعشى (٣) يعنى أن من منح ناقة كان كمن أعتق عبدا أحمر، ومن منح شاة كان كمن أعتق عبدا أسود، لأن العبيد الحمر أرفع قيمة من العبيد السود، فيستفاد أن منيحة الناقة أفضل من منيحة الشاة (تخريجه) (م) وتقدم لفظه ورواه بلفظ آخر عن أبى هريرة أيضا عن النبى ﷺ أنه نهى فذكر خصالا وقال "من منح منيحة غدت بصدقة وراحت بصدقة صبوحها وغبوقها" رواه أيضا البخارى ومالك في الموطأ
[ ٩ / ١٦٦ ]
-[كلام العلماء في أحكام الباب]-
(٢١٥) عن عبد الله بن عمرو (بن العاص) ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال أربعون حسنةً (١) أعلاهنَّ منيحة العنز (٢) لا يعمل العبد بحسنةٍ منها رجاء ثوابها وتصديق (٣) موعودها إلَّا أدخله الله بها الجنة (٤)
_________________
(١) وقوله صبوحها وغبوقها، الصبوح بفتح الصاد الشرب أول النهار، والغبوق بفتح الغين المعجمة أول الليل، والصبوح والغبوق فى الحديث منصوبان على الظرف ويجوز جرهما على البدل. والله أعلم
(٢) عن عبد الله بن عمرو (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا الأوزاعى عن حسان بن عطية عن أبى كبشة السلولى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄- الحديث (غريبه) (١) عند أبى داود والبخارى أربعون خصلة (٢) العنز بفتح المهملة وسكون النون أنثى المعز، والمراد بها فى الحديث ذات اللبن من المعز تعار ليؤخذ لبنها ثم ترد على صاحبها ولم يذكر النبى ﷺ الأربعين ترغيبا فى كل أعمال الخير، إذ لو عينها لوقف بعض الناس عندها وتركوا غيرها، ونظيره اخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة، ويقاس على منيحة العنز منيحة الأبل والبقر بالأولى إذ هى أكثر نفعًا وأجرا (٣) منصوب على التعليل عطفًا على رجاء أى لا يعمل أحد من اهل الأسلام بخصلة منها راجيا ثوابها ومصدقا بما وعد به فاعلها من الثواب إلا كان ذلك سببا لدخوله الجنة (٤) زاد البخارى وأبو داود قال حسان (يعنى ابن عطية أحد الرواة عندهما) فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة (تخريجه) (د) ورواه البخارى فى باب فضل المنيحة من كتاب الهبة، ورواه أيضا الحاكم، ولعله لم يقف على تخريج البخارى له فأخرجه فى المستدرك. والله اعلم (الاحكام) احاديث الباب فيها الحث على المبادرة بالصدقة قبل هجوم الموت حيث لا تنفع الصدقة فى ذلك الوقت (وفيها) ان افضل الصدقة ما كان بعد كفاية الرجل ومن تلزمة نفقتة (وفيها) ان الصدقة من الفقير وإن كانت قليلة تفضل صدقة الغنى وإن كانت كثيرة (وفيها) ان المنيحة من افضل الصدقات ومن اعظم القربات وأنها فوق اربعين خصلة، الواحدة منها تدخل صاحبها الجنة؛ ولم يذكر فى حديث الباب شاء من هذه الخصال، وتقدم أن حسان بن عطية راوى الحديث عند البخارى ومسلم قال فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه فما استطعنا ان نبلغ خمس عشرة خصلة، وحكى الحافظ عن ابن بطال انه قال ما ملخصه
[ ٩ / ١٦٧ ]
-[أربعون خصلة من عمل بواحدة منها دخل الجنة]-
(٣) باب فضل الصدقة فى سبيل الله
(٢١٦) عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من أنفق زوجين (١) من ماله في سبيل الله دعي من أبواب الجنَّة (٢) وللجنَّة أبوابٌ، فمن
_________________
(١) ليس في قول حسان ما يمنع من وجدان ذلك، وقد حض ﷺ على أبواب من أبواب الخير والبر لا تحصى كثرة، ومعلوم أنه ﷺ كان عالما بالأربعين المذكورة، وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها، وذلك خشية أن يكون التعيين لها مزهدا فى غيرها من أبواب البر قال وقد بلغنى أن بعضهم تطلبها فوجدها تزيد على الأربعين، فما زاده إعانة الصانع والصفقة للأخرق وإعطاء شسع النعل والستر على المسلم والذب عن عرضه وإدخال السرور عليه والتفسح فى المجلس والدلالة على الخير والكلام الطيب والغرس والزرع والشفاعة وعيادة المريض والمصافحة والمحبة فى الله والبغض لأجله والمجالسة لله والتزاور والنصح والرحمة وكلها فى الأحاديث الصحيحة، وفيها ما قد ينازع فى كونه دون منيحة العنز، وحذفت مما ذكره أشياء قد تعقب ابن المنير بعضها، وقال الأولى أن لا يعتنى بعدّها لما تقدم (وقال الكرمانى) جميع ما ذكره رجم بالغيب، ثم أنَّى عرف أنها أدنى من المنيحة * (قلت) * وإنما أردت بما ذكرته منها تقريب الخمس عشرة التى عدها حسان بن عطية، وهى ان شاء الله تعالى لا تخرج عما ذكرته، ومع ذلك فأنا موافق لابن بطال فى إمكان تتبع أربعين خصلة من خصال الخير، أعلاها منيحة العنز؛ وموافق لابن المنير فى رد كثير مما ذكره ابن بطال مما هو ظاهر انه فوق المنيحة والله اعلم اهـ كلام الحافظ
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة- الحديث" (غريبه) (١) يعنى اثنين أى صنفين من اى صنف كان من أصناف المال (وقال الداودى) والزوج هنا الفرد، يقال للواحد زوج وللاثنين قال تعالى ﴿فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى﴾ وصوابه أن الاثنين زوجان يدل عليه الآية، وقد جاء مفسرا مرفوعا فى حديث أبى ذر الآتى، وفيه قلت وكيف ذاك؟ قال إن كانت رجالا فرجلين، وإن كانت إبلا فبعيرين وإن كانت بقرًا فبقرتين "وقوله فى سبيل الله" يحتمل أن يكون عاما فى أنواع الخير ويحتمل أن يكون خاصًا بالجهاد (٢) قال العلماء المراد من هذه الأبواب غير الأبواب الثمانية وقال أبو عمر فى التمهيد كذا قال من أبواب الجنة، وذكره أبو داود وأبو عبد الرحمن
[ ٩ / ١٦٨ ]
-[أبواب الجنة التى يدعى منها أهل الأعمال الصالحة]-
كان من أهل الصَّلاة (١) دعى من باب الصَّلاة، ومن كان من أهل الصَّدقة (٢) دعى من باب الصَّدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصِّيام دعي من باب الرَّيَّان (٣) فقال أبو بكرٍ والله يا رسول الله
_________________
(١) ابن سنجر "فتحت له أبواب الجنة الثمانية" وليس فيها ذكر "من" (وقال ابن بطال) لا يصح دخول المؤمن إلا من باب واحد، ونداؤه منها كلها إنما هو على سبيل الأكرام والتخيير له فى دخوله من أيها شاء "وقوله وللجنة أبواب" أى متعددة أو أبواب غير الثمانية المعلومة والله أعلم (١) أى المؤدين للفرائض المكثرين من النوافل، لأن الواجبات لا بد منها لجميع المسلمين (٢) أى من الغالب عليه ذلك، وإلا فكل المؤمنين أهل للكل، وكذا يقال فى الباقى (٣) مشتق من الرى فخص بذلك لما فى الصوم من الصبر على ألم العطش والظمأ فى الهواجر. قاله الباجى (قال الحافظ) وقد ذكر فى هذا الحديث أربعة أبواب من أبواب الجنة وهى ثمانية، وبقى الحج فله باب بلا شك، والثلاثة باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، رواه أحمد عن الحسن مرسلا "إن لله بابا فى الجنة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة" والباب الأيمن الذى يدخل منه من لا حساب عليه ولا عذاب، والثامن لعله باب الذكر، ففى الترمذى ما يومى اليه، ويحتمل أنه باب العلم. ويحتمل أن المراد بالأبواب التى يدعى منها أبواب من داخل أبواب الجنة الأصلية، لأن الأعمال الصالحة أكثر عددا من ثمانية اهـ (وفى نوادر الأصول) للحكيم الترمذى من أبواب الجنة باب محمد ﷺ وهو باب الرحمة. وهو باب التوبة. وهو منذ خلقه الله مفتوح لا يغلق، فاذا طلعت الشمس من مغربها أغلق فلم يفتح إلى يوم القيامة. وسائر الأبواب مقسومة على أعمال البر. باب الزكاة. باب الحج. باب العمرة. وعند القاضى عياض باب الكاظمين الغيظ. باب الراضين. الباب الأيمن الذى يدخل منه من لا حساب عليه (وفى كتاب الآجرّى) عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال "إن فى الجنة بابا يقال له الضحى فاذا كان يوم القيامة ينادى مناد أين الذين كانوا يديمون على صلاة الضحى هذا بابكم فادخلوه" (وفى مسند الفردوس) عن ابن عباس يرفعه "للجنة باب يقال له الفرح لا يدخل منه إلا مفرح الصبيان" (وعند الترمذى) باب الذكر (وعند ابن بطال) باب الصابرين (وذكر البرقى) فى كتاب الروضة عن الأمام أحمد حدثنا روح حدثنا أشعث عن الحسن قال إن لله باب فى الجنة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة (وفى كتاب التخيير للقشيرى) عن النبى ﷺ الخلق الحسن طوق من رضوان الله فى عنق صاحبه، والطوق مشدود الى سلسلة من الرحمة، والسلسلة مشدودة الى حلقة من باب الجنة حيث
[ ٩ / ١٦٩ ]
-[منقبة لأبي بكر الصديق ﵁ - وفضل من أنفق زوجين فى سبيل الله]-
ما على أحد من ضرورةٍ من أيِّها دعي (١) فهل يدعي منها كلِّها أحدٌ يا رسول الله؟ قال نعم وإنِّى أرجوا (٢) أن تكون منهم
(٢١٧) وعنه أيضًا قال قال رسول الله ﷺ من أنفق زوجًا أو (٣) زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنَّة يا مسلم هذا خيرٌ هلمَّ (٤) إليه
_________________
(١) ما ذهب صاحب الخلق الحسن جرّته السلسلة الى نفسها حتى يدخل من ذاك الباب، فيحتمل أن كل هذه الأبواب داخلة فى داخل الأبواب الثمانية الكبار التى ما بين مصراعى كل باب منها خمسمائة عام كما اشار إلى ذلك الحافظ والله أعلم (١) معناه ما على أحد من ضرر إذا كان من أهل خصلة واحدة من هذه الخصال ودعى من بابها، لأن الغاية المطلوبة دخول الجنة "وفى شرح المشكاة" لما خص كل باب بمن أكثر نوعا من العبادة وسمع الصديق ﵁ رغب فى أن يدعى من كل باب، وقال ليس على من دعى من تلك الأبواب ضرر بل شرف وإكرام، ثم سأل فقال فهل يدعى أحد من تلك الأبواب ويختص بهذه الكرامة كلها، فقال النبى ﷺ (نعم) يعنى يدعى منها كلها على سبيل التخيير فى الدخول من أيها شاء لاستحالة الدخول من الكل معًا (٢) قال العلماء الرجا منه ﷺ واقع، وبه صرح فى حديث ابن عباس عند ابن حبان ولفظه "فقال أجل وأنت هو يا أبا بكر وفى الحديث اشعار بقلة من يدعى من تلك الأبواب كلها واشارة الى أن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة لا واجباتها لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات بخلاف التطوعات فقلّ من يجتمع له العمل بجميع أنواعها. والله أعلم (تخريجه) (ق. نس. مذ. لك. حب)
(٢) وعنه أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا معاوية قال ثنا أبو اسحاق يعنى الفزارى عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة ﵁- الحديث" (غريبه) (٣) أو للشك من الراوى، وقد جاء فى الحديث السابق عند الشيخين والأمام أحمد أيضا زوجين بغير شك (٣) اسم فعل أمر أى أقبل، وليس هذا آخر الحديث، وإنما اقتصرنا على هذا الطرف منه لمناسبة الترجمة (وبقيته) فقال أبو بكر هذا رجل لا توى عليه "أى لا ضياع ولا خسارة" فقال رسول الله ﷺ ما نفعنى مال قط إلا مال أبى بكر، قال فبكى أبو بكر وقال وهل نفعنى الله إلا بك، وهل نفعنى الله إلا بك. وهل نفعنى الله إلا بك" وسيأتى هذا الحديث بتمامه فى باب مناقب أبى بكر فى خلافته ﵁ (تخريجه) (م) بلفظ "من أنفق زوجين في سبيل الله
[ ٩ / ١٧٠ ]
-[تسابق أصحاب رسول الله ﷺ إلى الصدقة وفرح النبى ﷺ بذلك]-
(٢١٨) عن صعصعة بن معاوية عن أبى ذرٍّ ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما من مسلمٍ ينفق من كلِّ مالٍ له (١) زوجين في سبيل الله ﷿ إلَّا استقبلته حجبة الجنَّة كلُّهم يدعوه إلى ما عنده، قلت وكيف ذاك؟ قال إن كانت رجالًا فرجلين وإن كانت إبلًا فبعيرين، وإن كانت بقرًا فبقرتين
(٢١٩) عن جرير بن عبد الله (البجلىِّ) ﵁ أنَّ رجلًا من الأنصار جاء إلى النَّبيِّ ﷺ بصرَّةٍ من ذهبٍ تملأ ما بين أصابعه، فقال هذه فى سبيل الله ﷿، ثمَّ قام أبو بكرٍ ﵁ فأعطى، ثمَّ قام عمر ﵁ فأعطي، ثمَّ قام المهاجرون فأعطوا، قال فأشرق وجه (٢) رسول الله ﷺ حتَّى
_________________
(١) دعاء خزنة الجنة كل خزنة بابٍ اى فل (يعنى يا فلان هلم) فقال أبو بكر يا رسول الله ذلك الذى لا ترى عليه، قال رسول الله ﷺ إنى لأرجو أن تكون منهم"
(٢) عن صعصعة بن معاوية (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسماعيل عن يونس عن الحسن عن صعصعة بن معاوية قال أتيت أبا ذر قلت ما بالك قال لى عملى، قلت حدثنى قال نعم. قال رسول الله ﷺ ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة من أولادهما لم يبلغوا الحنث إلا غفر الله لهما، قلت حدثنى، قال نعم قال رسول الله ﷺ ما من مسلم ينفق من كل مال له زوجين- الحديث، وسيأتى الشطر الأول منه فى باب الصبر على موت الأولاد من كتاب الصبر ان شاء الله تعالى (غريبه) (١) أى إن كان ماله أصنافا متعددة كأبل وبقر وغنم مثلا، فان لم يوجد الا صنف واحد وأنفق منه اثنين فقط كفى فى الفضل، والظاهر أنه ما حث الشارع صاحب الأصناف المتعددة على انفاق اثنين من كل صنف إلا ليلحق النماء والبركة كل صنف منها. وباقى الحديث تقدم شرحه آنفًا فى شرح حديث أبى هريرة (تخريجه) (نس. حب. ك) مختصرا ومطولا. ويؤيده حديث أبى هريرة المتقدم
(٣) عن جرير بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن قتادة عن حميد بن هلال عن جرير بن عبد الله- الحديث" (غريبه) (٢) أى احمرّ وجه رسول الله ﷺ حتى رؤى الاحمرار فى وجنتيه سرورًا بما حصل؛ وباقى الحديث تقدم شرحه فى شرح الحديث الاول من الباب الاول من أبواب
[ ٩ / ١٧١ ]
-[تسابق أصحاب رسول الله ﷺ إلى الصدقه - وفرح النبى ﷺ بذلك]-
رأيت الإشراق في وجنتيه، ثمَّ قال من سنَّ سنَّةً صالحة في الإسلام فعمل بها بعده كان له مثل أجورهم من غير أن ينتقص من أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ في الإسلام سنَّةً سيِّئةً فعمل بها بعده كان عليه مثل أوزارهم من غير أن ينتقص من أوزارهم شاءٌ (وعنه من طريقٍ ثانٍ) (١) قال خطبنا رسول الله ﷺ فحثَّنا على الصَّدقة فأبطأ النَّاس حتَّي رؤي في وجهه الغضب (وقال مرَّةً بان) ثمَّ إنَّ رجلًا من الأنصار جاء بصرَّةٍ فأعطاها إيَّاه، ثمَّ تتابع النَّاس فأعطوا حتَّى رؤي فى وجهه السُّرور فقال من سن َّ سنَّة حسنةً فذكر نحو الحديث المتقدِّم
(٢٢٠) خط عن أبى أمامة ﵁ أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ أيُّ الصَّدقة أفضل قال ظلُّ فسطاطٍ (٢) فى سبيل الله، أو خدمة خادمٍ (٣)
_________________
(١) صدقة التطوع رقم ١٩٣ صحيفة ١٥٢ من هذا الجزء (١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن مسلم يعنى ابن صبيح عن عبد الرحمن بن هلال العبسى عن جرير بن عبد الله قال خطبنا رسول الله ﷺ- الحديث" (تخريجه) (م. نس. وغيرهما)
(٢) "خط" عن أبى أمامة (سنده) حدّثنا عبد الله قال وجدت فى كتاب أبى بخط يده واظن أنى قد سمعته أنا من الحكم ثنا الحكم بن موسى ثنا اسماعيل بن عياش ابن مطرح بن يزيد الكنانى عن عبيد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة- الحديث" (غريبه) (٢) بضم الفاء وقد تكسر أى منيحة فسطاط بدليل ما بعده، لأنه جاء عند الترمذى بلفظ "ظل فسطاط فى سبيل الله ومنيحة خادم" وعبر بظل اشارة الى أن المقصود من منحة الخيمة الاستظلال (قال فى المصباح) الفسطاط بضم الفاء وكسرها بيت من الشعر والجمع فساطيط، والفسطاط بالوجهين مدينة مصر قديما، وقال بعضهم كل مدينة جامعة فسطاط ووزنه فعلال وبابه الكسر اهـ، والمعنى أن ينصب خباء للغزاة يستظلون فيه، والاشهر فيه ضم الفاء وحكى كسرها (٣) معناه أن يعطى الغازى خادما يخدمه مدة الجهاد وهو عند الترمذى "منيحة خادم بدل خدمة" ولفظ منيحة يحتمل أن يكون هبة أو عارية
[ ٩ / ١٧٢ ]
-[فضل الصدقة فى سبيل الله وأنها تضاعف إلى سبعمائة ضعف]-
في سبيل الله أو طروقة (١) فحلٍ في سبيل الله
(٢٢١) عن أبى مسعود الأنصاريِّ ﵁ أنَّ رجلًا تصدَّق بناقةٍ مخطومةٍ (٢) فى سبيل الله، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ليأتينَّ أو لتأتينَّ بسبعمائة ناقةٍ مخطومة (٣)
_________________
(١) وقد بينت رواية الأمام أحمد أنها عارية (١) بفتح الطاء فعولة بمعنى مفعولة، أى مطروقة وهو بالجر عطف على خادم أو الرفع عطف على خدمة، والمراد إعطاء دابة مطروقة أى بلغت أوان طروق الفحل، لأن هذا الوقت هو وقت كمال الانتفاع بها، فان أعطى أحد هذه الأمور الثلاثة على سبيل التمليك أو الحبس أعنى الوقف إن كان فى غنى عن ذلك فالفضل أعظم. والله أعلم (تخريجه) (مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح غريب، وله رواية أخرى عن عدى بن حاتم من طريق معاوية بن صالح. قال الترمذى وهو (يعنى حديث الباب) أصح عندى من حديث معاوية بن صالح
(٢) عن أبى مسعود (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وهب ابن جرير ثنا شعبة عن الأعمش عن أبى عمرو الشيبانى عن أبى مسعود- الحديث" (غريبه) (٢) خطام البعير أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان فيجعل فى أحد طرفيه حلقة ثم يشد فيه الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة، ثم يقلد البعير ثم يثنَّى على مخطَّمه، وأما الذى يجعل فى الأنف دقيقا فهو الزمام (نه) والخطام عادة لا يكون إلا للبعير أو الناقة الكبيرة الجيدة التى تحمل الأثقال، ففى وصفها بكونها مخطومة بيان لجودتها وكثرة نفعها (٣) قيل يحتمل أن المراد له أجر سبعمائة ناقة، ويحتمل أن يكون على ظاهره ويكون له فى الجنة بها سبعمائة كل واحدة منهن مخطومة يركبهن حيث شاء للتنزه كما جاء فى خيل الجنة ونجبها، وهذا الاحتمال أظهر. قاله النووى والله أعلم (تخريجه) (م. نس) (الأحكام) أحاديث الباب فيها الحث على النفقة فى سبيل الله ﷿ وإعانة الغازى بما يلزمه من سلاح أو خيل أو إبل أو طعام أو ملابس أو غير ذلك وأنها من أعظم ما يتقرب به الى الله ﷿؛ وأن أجرها عظيم وثوابها جسيم يضاعفه الله ﷿ الى سبعمائة ضعف وفيها غير ذلك تقدم فى خلال الشرح والله أعلم
[ ٩ / ١٧٣ ]
-[فضل الكلام اللين والخطى إلى المساجد. وطلاقة الوجه. وسقى الماء]-
(٤) باب خصال تعد من الصدقة وما جاء فى صدقة الجسد
(٢٢٢) عن أبى هريرة ﵁ عن النَّبىِّ ﷺ قال الكلمة اللَّيِّنة صدقةٌ (١) وكلُّ خطوةٍ يمشها إلى الصَّلاة أو قال إلى المسجد صدقةٌ (٣)
(٢٢٣) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم كلُّ معروفٍ صدقةٌ (٣) ومن المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طلقٍ (٤) وأن تفرغ من دلوك في إنائه (٥)
_________________
(١) عن أبي هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن آدم ثنا ابن مبارك عن معمر عن همّام بن منبه عن أبى هريرة- الحديث" (غريبه) (١) لفظ مسلم الكلمة الطيبة بدل اللينة والمعنى واحد، وأصل الطيب ما تستلذه الحواس ويختلف باختلاف متعلقه (قال ابن بطال) طيب الكلام من جليل عمل البر لقوله تعالى ﴿ادفع بالتى هى أحسن- الآية﴾ والدفع قد يكون بالقول كما يكون بالفعل، قال ووجه كون الكلمة الطيبة صدقة إن إعطاء المال يفرح به قلب الذى يعطاه ويذهب ما فى قلبه، وكذلك الكلام الطيب فاشتبها من هذه الحيثية (٢) قال القاضى عياض) يحتمل تسميتها صدقة أن لها أجرًا كما للصدقة اجر، وأن هذه الطاعات تماثل الصدقات فى الأجور، وسماها صدقة على طريق المقابلة وتجنيس الكلام، وقيل معناه أنها صدقة على نفسه اهـ (قلت) ويقال مثل ذلك فيما سيأتى من خصال الخير المعبر عنها بالصدقة (تخريجه) (م. وغيره)
(٢) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا اسحاق بن عيسى ثنا المنكدر بن محمد بن المنكدر عن ابيه عن جابر بن عبد الله- الحديث" (غريبه) (٣) المعروف هو كل ما يفعل من انواع البر والخير. ومعنى كونه صدقة ان ثوابه كثواب من تصدق بالمال (وقال الراغب) المعروف اسم كل فعل يعرف حسنه بالشرع والعقل معًا، ويطلق على الاقتصاد لثبوت النهى عن السرف اهـ (وقال ابن ابى جمرة) يطلق اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع أنه من أعمال البر سواء جرت به العادة ام لا، قال والمراد بالصدقة الثواب. فان قارنته النية اجر صاحبها جزما وإلا ففيه احتمال. قال وفى هذا الكلام اشارة الى ان الصدقة لا تنحصر فى الأمر المحسوس منه فلا تختص بأهل اليسار مثلا بل كل واحد قادر على ان يفعلها فى اكثر الأحوال بغير مشقة اهـ (٤) اى منبسط الوجه متهلله غير غاضب (٥) يعنى إعطاء الماء لمن لم يكن عنده لا سيما اذا كان محتاجا اليه لشرب آدمى أو حيوان فهو من أعظم الصدقات وانواع المبرات (تخريجه) (ك
[ ٩ / ١٧٤ ]
-[الحث على العمل باليد. وإغاثة الملهوف. والأمر بالمعروف]-
(٢٢٤) عن عبد الله بن يزيد الخطميِّ (١) ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم كلُّ معروفٍ صدقةٌ
(٢٢٥) عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه (٢) عن جدِّه أنَّ رسول الله ﷺ قال على كلِّ مسلمٍ صدقة (٣) قال أفرأيت إن لم يجد، قال يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدَّق، قال أفرأيت إن لم يستطع أن يفعل، قال يعين ذا الحاجة الملهوف (٤) قال أرأيت إن لم يفعل (٥) قال يأمر بالخير أو بالعدل، قال
_________________
(١) مذ) وقال حسن صحيح وأخرج صدره الشيخان
(٢) عن عبد الله بن يزيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن بشير حدثنى عبد الجبار بن عباس عن عدى بن ثابت عن عبد الله بن يزيد- الحديث" (غريبه) (١) بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة نسبة الى خطمة فخذ من الأوس. الأنصارى الصحابى ﵁ (تخريجه) (ق. د. مذ. ك)
(٣) عن سعيد بن أبى برده (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرحمن ثنا شعبة عن سعيد بن أبى بردة- الحديث" (غريبه) (٢) هو أبو بردة بن أبى موسى الأشعرى، قيل اسمه عامر، وقيل الحارث ثقة. مات سنة أربع ومائة. وقيل غير ذلك "وقوله عن جده" هو أبو موسى الأشعرى الصحابى المشهور راوى الحديث ﵁ (٣) أى فى مكارم الأخلاق وليس ذلك بفرض إجماعا (قال ابن بطال) وأصل الصدقة ما يخرجه المرء من ماله تطوعا به، وقد يطلق على الواجب لتحرى صاحبه الصدق بفعله، ويقال لكل ما يحابى به المرء من حقه صدقة لأنه تصدق بذلك على نفسه "وقوله قال أفرأيت الخ" هكذا رواية الأمام أحمد (بلفظ قال)، وعند مسلم قيل، وعند البخارى قالوا. وعلى كل حال القائل "إن لم يجد الخ" هو بعض من حضر مجلس النبى ﷺ يعنى إن لم يجد ما يتصدق به (قال يعمل بيده) قال ابن بطال فيه التنبيه على العمل والتكسب ليجد المرء ما ينفق على نفسه ويتصدق به ويغنيه عن ذل السؤال. وفيه الحث على فعل الخير مهما أمكن. وأن من قصد شيئا منها فتعسر فلينتقل الى غيره (٤) الملهوف عند أهل اللغة يطلق على المتحسر وعلى المضطر وعلى المظلوم، وقولهم يا لهف نفسى على كذا كلمة يتحسر بها على ما فات. ويقال لهف بكسر الهاء من باب علم أى حزن وتحسر وكذلك التلهف (٥) أي عجزا
[ ٩ / ١٧٥ ]
-[عدد مفاصل الإنسان وأن على كل مفصل منها صدقة كل يوم]-
أفرأيت إن لم يستطع أن يفعل، قال يمسك عن الشَّرِّ فإنَّه له صدقةً (١)
(٢٢٦) عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم المعروف كلُّه صدقةٌ
(فصل منه فى صدقة الجسد)
(٢٢٧) عن بريدة الأسلمىِّ ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول فى الإنسان ستُّون وثلاثمائةٍ مفصلٍ فعليه أن يتصدَّق عن كلِّ مفصلٍ منها صدقةً (٢) قالوا فمن الَّذى يطيق ذلك يا رسول الله (٣) قال النُّخاعة فى المسجد
_________________
(١) أو كسلا (١) معناه صدقة على نفسه كما سيأتى فى حديث أبى ذر، والمراد أنه إذا أمسك عن الشر لله كان له أجر على ذلك كما أن للمتصدق بالمال أجرًا (تخريجه) (ق. نس. وغيرهم)
(٢) عن حذيفة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا أبو مالك الأشجعى عن ربعى بن خراش عن حذيفة- الحديث" (تخريجه) (ق. د. مذ. ك)
(٣) عن بريدة الأسلمى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا زيد حدثنى حسين حدثنى عبد الله بن بريدة قال سمعت أبى بريدة يقول سمعت رسول الله ﷺ- الحديث" (غريبه) (٢) قال العلماء المراد صدقة ندب وترغيب لا إيجاب وإلزام والمعنى على كل مسلم مكلف أن يتصدق بعدد كل مفصل من عظامه صدقة لله تعالى على سبيل الشكر له بأن جعل عظامه مفاصل يتمكن بها من القبض والبسط، وخصت بالذكر لما فى التصرف بها من دقائق الصنائع التى اختص بها الآدمى (٣) أى لفهمهم أن الصدقة لا تكون إلا بالمال، وإذا كان كل مفصل عليه صدقة فهم لا يطيقون ذلك ولا يقدرون عليه فبين لهم النبى ﷺ أن الصدقة ليست محصورة فى المال بقوله ﷺ "النخاعة فى المسجد تدفنها الخ" أى يكتب لك بها ثواب المتصدق، وكذا يقال فيما بعده. والنخاعة هى الخارجة من أسفل الحلق الخارجة من الصدر كمخرج الحاء المهملة "والنخاعة" هى الخارجة من مخرج الخاء المعجمة النازلة من الدماغ "وقوله ندفنها" يعنى إن كانت ظاهرة فى أرض المسجد وكانت أرضه ترابا أو حصى فيواريها فيه بحيث لا تكون ظاهرة، وان كانت بالحائط أو بأرض المسجد وكانت الأرض بلاطًا فيزيلها
[ ٩ / ١٧٦ ]
-[صلاة الضحى تجزاء عن الصدقة المطلوبة من الرجل عن جسده فى يومه]-
تدفنها والشَّيء تنحِّيه عن الطَّريق (١) فإن لم تقدر فركعتا الضُّحى تجزيء عنك
(٢٢٨) عن أبى هريرة ﵁ قال لا أعلمه إلَّا عن النَّبيِّ ﷺ قال كلُّ سلامى (٢) من ابن آدم عليه صدقةٌ حين يصبح، فشقَّ ذلك على المسلمين، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم إنَّ سلامك على عباد الله صدقةٌ، وإماطتك الأذي عن الطَّريق صدقةٌ، وإنَّ أمرك بالمعروف صدقةٌ، ونهيك عن المنكر صدقةٌ (٣) وحدَّث بأشياء من نحو هذا لم أحفظها
(٢٢٩) وعنه أيضًا عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال كلُّ نفسٍ كتب عليها الصَّدقة كلَّ يومٍ طلعت فيه الشَّمس، فمن ذلك أن يعدل بين الاثنين (٤) صدقةٌ وأن يعين الرَّجل على دابَّته فيحمله عليها (٥) صدقةٌ ويرفع متاعه عليها صدقةٌ
_________________
(١) أي الشيء المؤذى كشوك أو حجر أو نحوه يزيله من طريق المارة "وقوله فان لم تقدر" أى لم يتيسر لك ذلك فتصلى ركعتين سنة الضحى تجزى عنك صدقة اليوم. والله أعلم (تخريجه) (د. حب) وسنده جيد
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو النضر ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن عن أبى هريرة- الحديث" (غريبه) (٢) بضم أوله وفتح الميم، فى الأصل عظام الأصابع ثم استعمل فى سائر عظام الجسد ومفاصله (٣) الثواب فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أكثر منه فى السلام وإماطة الأذى عن الطريق، لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض كفاية وقد يتعين، ولا يتصور وقوعه نفلا، والسلام وإماطة الاذى من النوافل. ومعلوم أن أجر الفرض أكثر من أجر النوافل لقوله ﷿ فى الحديث القدسى "وما تقرب إلىّ عبدى بشاء أحب إلىّ من أداء ما افترضت عليه" رواه البخارى من رواية أبى هريرة (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٣) وعنه أيضا (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا حسن حدثنا عبد الله بن لهيعة حدثنا أبو يونس سليم بن جبير مولى أبى هريرة عن أبى هريرة- الحديث" (غريبه) (٤) أى تصلح بين اثنين متخاصمين أو متهاجرين بالعدل قاصدا بذلك وجه الله تعالى لا لمصلحة دنيوية بل رجاء الثواب من عند الله عز جل (٥) معناه أن يكون الراكب ضعيفا أو مريضا لا يقدر على الركوب مستقلا فيعاونه على الركوب
[ ٩ / ١٧٧ ]
-[التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار والتكبير يقوم مقام الصدقة عن الفقير]-
ويميط الأذى عن الطَّريق صدقةٌ، والكلمة الطَّيِّبة صدقةٌ، وكلُّ خطوةٍ (١) يمشى إلى الصَّلاة صدقةٌ
(٢٣٠) عن زيد بن سلَّامٍ عن أبى سلَّامٍ قال أبو ذرٍّ على كلِّ نفسٍ فى كلِّ يومٍ طلعت فيه الشَّمس صدقةٌ منه على نفسه (٢) قلت يا رسول الله من أين أتصدَّق وليس لنا أموالٌ؟ قال لأنَّ من أبواب الصَّدقة التَّكبير، وسبحان الله. والحمد لله. ولا إله إلَّا الله. وأستغفر الله (٣) وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وتعزل الشَّوك عن طريق النَّاس والعظم والحجر وتهدى الأعمى (٤) وتسمع الأصمَّ (٥) والأبكم حتَّى يفقه، وتدلُّ المستدلَّ على حاجةٍ له قد علمت مكانها (٦) وتسعى بشدَّة ساقيك إلى اللَّهفان المستغيث (٧) وترفع بشدَّة
_________________
(١) بإمساك الدابة إن كانت صعبة أو باستناد إليه او بحمله ووضعه على الدابة، ومثل ذلك معاونته فى رفع متاعه على الدابة ونحوها (وإماطة الأذى عن الطريق والكلمة الطيبة) تقدم شرحهما (١) بفتح الخاء المعجمة المرة الواحدة، وبضمها ما بين القدمين "وقوله صدقة" أى ثوابها كثواب الصدقة فى الجميع (تخريجه) (ق. وغيرهما)
(٢) عن زيد بن سلام (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الملك ابن عمرو ثنا على يعنى ابن مبارك عن يحيى عن زيد بن سلام- الحديث" (غريبه) (٢) فى قوله منه على نفسه إشارة إلى أن للصدقة حالتين، فقد تكون من الشخص إلى غيره، وقد تكون منه إلى نفسه وتكون، بالمال أحيانا، وبغيره أحيانا، فما فى هذا الباب من القسم الثاني (٣) يعنى أن كل نوع من هذا الذكر صدقة لما فى رواية مسلم (وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة) وتقدم قول القاضى عياض أن تسميتها بالصدقة يحتمل أن لها أجرا كما للصدقة أجر، وأن هذه الطاعات تماثل الصدقات فى الأجور وسماها صدقة على طريق المقابلة وتجنيس الكلام. وقيل معناه أنها صدقة على نفسه (٤) أى تدله على الطريق إذا ضل عنه (٥) الأصم هو الذى لا يسمع لعلة فى أذنيه أبطلت سمعهما (والأبكم) هو الأخرس، وقيل الأخرس الذى خلق ولا نطق له. والأبكم. الذى له نطق ولا يعقل الجواب "وقوله حتى يفقه" أى يعلم ما يريد وما يراد منه (٦) أى كما إذا كان يسأل عن ضالة أو صاحب لا يعرف مكانه أو نحو ذلك (٧) أى كمن سطا عليه لصوص
[ ٩ / ١٧٨ ]
-[الرجل إذا جامع زوجته قاصدًا الولد أو إعفاف نفسه أو زوجته يكتب له صدقة]-
ذراعيك مع الضَّعيف، كلُّ ذلك من أبواب الصَّدقة منك على نفسك، ولك فى جماع زوجتك أجرٌ، قال أبو ذرٍّ كيف يكون لى أجرٌ فى شهوتى؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أرأيت لو كان لك ولدٌ فأدرك (١) ورجوت خيره فمات أكنت تحتسب به؟ (٢) قلت نعم، قال فأنت خلقته؟ قال بل الله خلقه، قال فأنت هديته؟ قال بل الله هداه، قال فأنت ترزقه؟ قال بل الله كان يرزقه، قال كذلك فضعه فى حلاله وجنِّبه حرامه، فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته ولك أجرٌ
(٢٣١) ز عن (عبادة) بن الصَّامت ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من تصدَّق عن جسده بشاءٍ (٣) كفَّر الله تعالى عنه بقدر ذنوبه (٤)
_________________
(١) أو قطاع طريق أو عدو يريد قتله فتغيثه بأن تسعى اليه مسرعا بكل ما أعطاك الله من قوة ولا تتوان فى إغاثته (١) اى بلغ الحلم (٢) أى تطلب الأجر والثواب من الله ﷿ فقال أبو ذر نعم، فقال له النبى ﷺ "أفأنت خلقته الخ ما قال" يعنى أنك لم تخلقه ولم ترزقه فلم تطلب الثواب من الله، وكأن أبا ذر قال اطلب أجره لأنى السبب فى وجوده فقال النبى ﷺ (كذلك) أى كما تثاب عند موته باحتسابك تثاب أيضا عند وطئك راجيا بذلك الولد بشرط أن تضع النطفة فى حلال أى فى زوجة شرعية، أما إذا جاء الولد من زنا فلا ثواب لوالده فيه، بل عليه الوزر لأنه ارتكب كبيرة من أعظم الكبائر، نعوذ بالله من ذلك (تخريجه) (م. د. هق) بألفاظ مختلفة (فى رواية مسلم) قالوا يا رسول الله أيأتى أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال أرأيتم لو وضعها فى حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها فى الحلال كان له أجر "وعند أبى داود" بمعناه
(٢) "ز" عن عبادة بن الصامت (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى اسماعيل أبو معمر الهذلى ثنا جرير عن مغيرة عن الشعبى عن ابن الصامت- الحديث" (غريبه) (٣) يحتمل أن المراد جنى عليه إنسان فقطع أصبعه مثلا فعفا عنه، ويحتمل أنه أزال شيئا من طريق المارة يؤذى من مر. أو فعل شيئا من الأمور المتقدمة فى أحاديث الباب والله أعلم (٤) هكذا فى المسند (بقدر ذنوبه) والظاهر أن المراد كفر الله عنه من ذنوبه بقدر صدقته والله أعلم (تخريجه) لم اقف عليه بهذا اللفظ لغير الإمام أحمد
[ ٩ / ١٧٩ ]
-[زوائد الباب - وكلام العلماء فى حكم صدقة الجسد]-
_________________
(١) ورواه الطبراني عن عبادة أيضا بلفظ "من تصدق بشاء من جسده أعطى بقدر ما تصدق" وحسّن الحافظ السيوطى رواية الطبرانى وفى إسناد رواية الأمام احمد من لم اعرفه (زوائد الباب) (عن عائشة ﵂) أن رسول الله ﷺ قال انه خلق كل إنسان من بنى آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرًا عن طريق الناس أو شوكة أو عظما عن طريق الناس وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى فانه يمشى يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار، رواه مسلم، وفى رواية له "فانه يمسى يومئذ" بالسين المهملة بدل يمشى بالشين المعجمة (قال النووى) وكلاهما صحيح (وعن ابن عباس) ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يصبح على كل مسلم من الأنسان صلاة؛ فقال رجل من القوم ومن يطيق هذا؟ فقال أمر بالمعروف صلاة، ونهى عن المنكر صلاة. وإن حملًا عن الضعيف صلاة. وان كل خطوة يخطوها أحدكم إلى الصلاة صلاة (وفى رواية) يصبح على كل مسلم من ابن آدم كل يوم صدقة بدل صلاة، أورده الهيثمى وقال رواه أبو يعلى والبزار والطيرانى فى الكبير والصغير وزاد فيها (ويجزاء من ذلك كله ركعتا الضحى) ورجال أبى يعلى رجال الصحيح (وعن أبى هريرة) ﵁ بنحو حديثيه المتقدمين فى أحاديث الباب وزاد "وعيادتك المريض صدقة، واتباعك الجنازة صدقة، ورد المسلم على المسلم السلام صدقة" أورده الهيثمى وقال هو فى الصحيح باختصار - ورواه كله البزار ورجاله رجال الصحيح (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية الصدقة على كل مسلم فى كل يوم. وقد حمله العلماء على الاستحباب المتأكد ويصح حمله على ما هو أعم من ذلك والعبارة صالحة للأيجاب والاستحباب والأصل فى الصدقة أن تكون بالمال، ولذا لما قال ﷺ فى حديث بريدة على كل مسلم صدقة قالوا أفرأيت ان لم يجد. وفى حديث أبى ذر "قلت يا رسول الله من أين أتصدق وليس لنا أموال" كأنهم فهموا من لفظ الصدقة العطية فسألوا عمن ليس عنده شاء، فبين لهم أن المراد بالصدقة ما هو أعم من ذلك ولو بأغاثة الملهوف والأمر بالمعروف (وفيه) أن من أمسك عن الشر يكتب له ثواب المتصدق (وقال الزين بن المنير) ﵀ إنما يحصل ذلك للممسك عن الشر إذا نوى بالأمساك القربة بخلاف محض الترك، والأمساك أعم من أن يكون عن غيره. فكأنه تصدق عليه بالسلامة منه. فان كان شره لا يتعدى ننفسه فقد تصدق على نفسه بأن منعها من الأثم. قال وليس ما تضمنه الخبر من قوله فان لم يجد ترتيبًا وإنما هو للأيضاح لما يفعله من عجز عن خصلة من الخصال المذكورة فانه يمكنه خصلة أخرى، فمن أمكنه أن يعمل بيده فيتصدق وأن يغيث الملهوف وأن يأمر بالمعروف وينهى
[ ٩ / ١٨٠ ]
-[كلام العلماء في مراتب صدقة الجسد]-
_________________
(١) عن المنكر ويمسك عن الشر فليفعل الجميع، ومقصود هذا الباب أن أعمال الخير تنزل منزلة الصدقات فى الأجر. ولا سيما فى حق من لا يقدر عليها، ويفهم منه أن الصدقة فى حق القادر عليها أفضل من الأعمال القاصرة. ومحصل ما ذكر فى حديث الباب (يعنى حديث بريدة) أنه لا بد من الشفقة على خلق الله وهى إما بالمال أو غيره، والمال إما حاصل أو مكتسب، وغير المال إما فعل وهو الأغاثة. واما ترك وهو الأمساك اهـ (وقال الشيخ ابو محمد بن أبى جمرة) ﵀ ترتيب هذا الحديث أنه ندب إلى الصدقة، وعند العجز عنها ندب إلى ما يقرب منها أو يقوم مقامها وهو العمل والانتفاع، وعند العجز عن ذلك ندب إلى ما يقوم مقامه وهو الأغاثة، وعند عدم ذلك ندب إلى الصلاة، فان لم يطق فترك الشر، وذلك آخر المراتب، قال ومعنى الشر هنا ما منعه الشرع، ففيه تسلية للعاجز عن فعل المندوب إذا كان عجزه عن ذلك عن غير اختيار اهـ (قال الحافظ) وأشار بالصلاة إلى ما وقع فى آخر حديث أبى ذر عند مسلم (قلت والأمام أحمد أيضا من حديث بريدة الأسلمى) "ويجزاء عن ذلك كله ركعتا الضحى" وهو يؤيد أن هذه الصدقة لا يكمّل منها ما يختل من الفرض، لأن الزكاة لا تكمل الصلاة ولا العكس، فدل على افتراق الصدقتين، واستشكل الحديث مع ما تقدم ذكر الأمر بالمعروف وهو من فروض الكفاية فكيف تجزاء عنه صلاة الضحى وهى من التطوعات (وأجيب) بحمل الأمر هنا على ما إذا حصل من غيره فسقط به الفرض، وكأن فى كلامه هو زيادة فى تأكيد ذلك. فلو تركه أجزأت عنه صلاة الضحى كذا قيل (وفيه نظر) والذى يظهر أن المراد أن صلاة الضحى تقوم مقام الثلاثمائة وستين حسنة التى يستحب للمرء أن يسعى فى تحصيلها كل يوم ليعتق مفاصله التى هى بعددها، لا أن المراد أن صلاة الضحى تغنى عن الأمر بالمعروف وما ذكر معه؛ وإنما كان ذلك لأن الصلاة عمل بجميع الجسد فتتحرك المفاصل كلها فيها بالعبادة، ويحتمل أن يكون ذلك لكون الركعتين يشتملان على ثلاثمائة وستين ما بين قول وفعل إذا جعلت كل حرف من القراءة مثلا صدقة، وكأن صلاة الضحى خصت بالذكر لكونها أول تطوعات النهار بعد الفرض وراتبته، وقد أشار فى حديث أبى ذر إلى أن صدقة السلامى نهارية لقوله يصبح على كل سلامى من أحدكم (قلت يعنى رواية مسلم وقد روى هذا اللفظ الأمام أحمد من حديث أبى هريره المذكور فى الباب) قال وفى حديث أبى هريرة كل يوم تطلع فيه الشمس، وفى حديث عائشة فيمسى وقد زحزح نفسه عن النار (قلت حديث عائشة تقدم فى الزوائد من رواية مسلم) قال وفى الحديث "يعنى حديث أبى موسى الرابع من أحاديث الباب" أن الأحكام تجرى على الغالب لأن في
[ ٩ / ١٨١ ]
-[كلام العلماء فى جواز العمل بالقياس وعدد ما ذكر فى هذا الباب من الخصال]-
_________________
(١) المسلمين من يأخذ الصدقة المأمور بصرفها. وقد قال "على كل مسلم صدقة" وفيه مراجعة العالم فى تفسير المجمل وتخصيص العام. وفيه فضل التكسب لما فيه من الأعانة وتقديم النفس على الغير، والمراد بالنفس ذات الشخص وما يلزمه والله أعلم اهـ، وفى قوله فى رواية مسلم من حديث أبى ذر وقد ذكرتها فى الشرح (قالوا يا رسول الله أيأتى أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال أرأيتم لو وضعها فى حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها فى الحلال كان له أجر) فى هذه الرواية جواز القياس (قال النووى) وهو مذهب العلماء كافة ولم يخالف فيه إلا أهل الظاهر ولا يعتد بهم، وأما المنقول عن التابعين ونحوهم من ذم القياس فليس المراد به القياس الذى يعتمده الفقهاء المجتهدون، وهذا القياس المذكور فى الحديث هو من قياس العكس، واختلف الأصوليون فى العمل به، وهذا الحديث دليل لمن عمل به وهو الأصح والله أعلم اهـ (وفى حديث أبى ذر ﵁) المذكور فى الباب دليل على أن كل مباح يصير طاعة بالنية الصالحة، فالجماع يكون عيادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذى أمر الله تعالى به أو طلب ولد صالح أو إعفاف نفسه أو اعفاف الزوجة ومنعهما جميعًا من النظر الى حرام أو الفكر فيه أو الهم به أو غير ذلك من المقاصد الصالحة (وفيه أيضا) فضيلة التسبيح وسائر الأذكار والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإحضار النية فى المباحات. وذكر العالم دليلا لبعض المسائل وتنبيه المفتى على مختصر الأدلة. وجواز سؤال المستفتى عن بعض ما يخفى من الدليل اذا علم من حال المسئول أنه لا يكره ذلك ولم يكن فيه سوء ادب، وفيه غير ذلك والله اعلم (تنبيه) تلخص من أحاديث الباب وزوائدة ثمانية وعشرون خصلة من اعمال البر نصّ على ان كل واحدة منها صدقة وهى- الكلمة اللينة أو الطيبة كما فى رواية. الخطا الى المساجد. طلاقة الوجه. سقى الماء. العمل باليد للتكسب. اعانة ذوى الحاجات. اغاثة الملهوف. الأمر بالمعروف. النهى عن المنكر. اصلاح ذات البين بالعدل. دفن النخاعة يجدها فى المسجد. تنحية الاذى عن الطريق. ركعتا الضحى. اعانة الرجل على دابته. رفع متاع الرجل على دابته. التسبيح التكبير. التحميد. التهليل. الاستغفار. هداية الأعمى الى الطريق. إسماع الأصم والأبكم. ارشاد المستدل على حاجته. اعانة الضعيف. جماع الزوجة الشرعية. عيادة المريض. اتباع الجنازة. رد السلام. كل معروف صدقة. وهذا الأخير يجمع كل هذه الخصال التى نص عليها وما لم ينص عليه من أعمال البر والله أعلم
[ ٩ / ١٨٢ ]
-[صدقة الفقير وإن قلَّت - تساوى صدقة الغنى وإن جلّت]-
(٤) باب من تصدق بعشر ماله ومن تصدق بثلثه ومن تصدق بناقة
(٢٣٢) عن علىٍّ ﵁ قال جاء ثلاثة نفرٍ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال أحدهم يا رسول الله كانت لى مائة دينارٍ فتصدَّقت منها بعشرة دنانير، وقال الآخر يا رسول الله كانت لى عشرة دنانير فتصدَّقت منها بدينارٍ، وقال الآخر كان لى دينارٌ فتصدَّقت بعشره؛ قال فقال رسول الله ﷺ كلُّكم فى الأجر سواءٌ، كلُّكم تصدَّق بعشر ماله
(٢٣٣) عن الحسين بن السَّائب بن أبى لبابة أخبر أنَّ أبا لبابة (١) ابن عبد المنذر لمَّا تاب الله عليه (٢) قال يا رسول الله إنَّ من توبتي أن
_________________
(١) عن علي (سنده) حدّثنا عبدالله حدثنى ابى ثنا وكيع ثنا سفيان عن أبى اسحاق عن الحارث عن على ﵁- الحديث" (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد والبزار وفيه الحارث وفيه كلام كثير
(٢) عن الحسين بن السائب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح قال ثنا ابن جريج قال أخبرنى ابن شهاب أن الحسين بن السائب بن ابى لبابة- الحديث" (غريبه) (١) اسمه بشير، وقيل رفاعة بن عبد المنذر الأنصارى المدنى الأوسى أحد النقباء عاش الى خلافة على ﵁، وكان أحد الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ونزل فيهم قوله تعالى ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ان الله غفور رحيم، خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ (٢) اختلف العلماء فى ذلك فقال مجاهد فى تفسير قوله تعالى ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم- الآية﴾ نزلت فى أبى لبابة حين استشاره بنو قريظة وكانوا حلفاء الأوس فقالوا أترى أن ننزل على حكم محمد ﷺ؛ قال نعم إنه الذبح وأشار بيده الى حلقه؛ وذكر ابن اسحاق وغيره أن بنى قريظة بعثوا الى النبى ﷺ أن ابعث لنا أبا لبابة فبعثه، فقام اليه الرجال وجهش اليه النساء والصبيان (يعنى من بنى قريظة) يبكون فرقَّ لهم، فقالوا أترى أن ننزل على حكم محمد ﷺ، قال نعم وأشار بيده الى حلقه أنه الذبح، قال فوالله ما زالت قدماى من مكانها حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله، فندمت واسترجعت فنزلت
[ ٩ / ١٨٣ ]
-[إستحباب التصدق بثلث المال لمن عنده فضل]-
أهجر دار قومى وأساكنك وإنِّى أنخلع من مالى صدقةً لله ولرسوله؛ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يجزاء عنك الثُّلث
(٢٣٤) عن أبى السَّليل قال وقف علينا رجلٌ فى مجلسنا بالبقيع فقال حدَّثنى أبى أو عمِّى أنَّه رأى رسول الله ﷺ بالبقيع وهو يقول من يتصدَّق
_________________
(١) وإن لحيتي لمبتلة من الدموع والناس ينتظرون رجوعى اليهم حتى أخذت من وراء الحصن طريقا أخرى حتى جئت المسجد وارتبطت بالاسطوانة وقلت لا أبرح حتى أموت أو يتوب الله على مما صنعت، وعاهدت الله أن لا أطأ بنى قريظة أبدا ولا ارى فى بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا، فلما بلغه ﷺ خبره وكان قد استبطأه، قال أما لو جاءنى لاستغفرت له وأما إذ فعل ما فعل، فما أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه (، وروى ابن مردويه) عن أم سلمة أن توبة أبي لبابة نزلت على النبى ﷺ فى بيتها قالت فسمعته من السحر يضحك، فقلت يا رسول الله لم تضحك؟ أضحك الله سنك، قال تيب على أبى لبابة، قلت أفلا أبشره؟ قال ما شئت، فقمت على باب الحجرة وذلك قبل أن يضرب الحجاب؛ فقلت يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك، فثار الناس اليه ليطلقوه، فقال لا والله حتى يطلقنى رسول الله ﷺ بيده، فلما خرج الى الصبح أطلقه ونزلت ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم- الآية﴾ وقال الزهرى نزلت فى تخلفه عن غزوة تبوك فربط نفسه بسارية وقال والله لا أحل نفسى ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله على، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقيل له قد تيب عليك، فقال والله لا أحل نفسى حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذى يحلنى، فجاء النبى ﷺ فحله بيده، ثم قال أبو لبابة يا رسول الله إن من توبتى أن أهجر دار قومى التى أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالى كله صدقة الى الله والى رسوله، قال يجزئك يا أبا لبابة الثلث، قالوا جميعًا. فأخذ رسول الله ﷺ ثلث أموالهم وترك الثلثين، لأن الله قال خذ من أموالهم ولم يقل خذ أموالهم. قال الحسن وقتادة هؤلاء سوى الثلاثة الذين خلِّفوا، رواه البغوى فى تفسيره (قلت) حديث أم سلمة المتقدم يؤيد أن القصة كانت بسبب بنى قريظة لقولها فيه "وذلك قبل أن يضرب الحجاب" لأن غزوة تبوك كانت بعد نزول آية الحجاب، وكان نزول آية الحجاب سنة خمس من الهجرة، وكانت غزوة تبوك سنة تسع، وقد جمع بعض العلماء بين القصتين بتعدد ربطه فيهما وتعدد النزول. والله أعلم (تخريجه) (لك. د) وسنده جيد
(٢) عن أبى السليل (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا يزيد ثنا
[ ٩ / ١٨٤ ]
-[فضل الرجل الذى تصدق بناقة - وذم أصحاب الأموال البخلاء]-
بصدقةٍ أشهد له بها يوم القيامة، قال فحللت من عمامتى لوثًا أو لوثين (١) وأنا أريد أن أتصدَّق بهما فأدركنى ما يدرك بنى آدم (٢) فعقدت على عمامتى، فجاء رجلٌ ولم أر بالبقيع رجلًا أشدَّ سوادًا اصفر منه (٣) ولا آدم يعير بناقةٍ لم أر بالبقيع ناقةً أحسن منها، فقال يا رسول الله أصدقةً؟ (٤) قال نعم، قال دونك هذه النَّاقة، قال فلمزه رجلٌ فقال هذا يتصدَّق بهذه؟ فوالله لهى خيرٌ منه، قال فسمعها رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فقال كذبت، بل هو خيرٌ منك ومنها ثلاث مرارٍ، ثمَّ قال ويلٌ (٥) لأصحاب المئين من الإبل ثلاثًا، قالوا إلَّا من يا رسول الله؟ قال إلَّا من قال بالمال هكذا (٦) وهكذا وجمع بين كفَّيه عن يمينه وعن شماله، ثمَّ قال قد أفلح المزهد المجهد (٧)
_________________
(١) الجريري عن أبى السليل- الحديث" (غريبه) (١) أى لفة أو لفتين يريد التصدق بهما لما حصل له من التأثر من كلام رسول الله ﷺ (٢) أى من الحرص ورآى أن جزءا من عمامته لا يغنى شيئا فعدل عن ذلك وعقد عمامته بعد أن هم بالتصدق بجزء منها (٣) أى اسود منه. والعرب تطلق الأصفر على الأسود أحيانا. ومنه قوله تعالى ﴿كأنه جمالة صفر﴾ أى سود. قال الشاعر: تلك خيلى منه وتلك ركابي هن صفر أولادهن كالزبيب أى هن سود، وإنما سميت السود من الأبل صفرا لأنه يشوب سوادها شاء من صفرة كما قيل لبيض الظباء آدم، لأن بياضها تعلوه كدرة "وقوله ولا آدم يعير بناقة الخ" أى ولا رأيت رجلا آدم أى أبيض بكدرة "يعير بناقة" أى يتصدق بناقة لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها (٤) أى أتريد صدقة "وقوله فلمزه أى عابه" (٥) الويل شدة الهلاك والعذاب وجاء عند الأمام احمد (مذ. حب. ك) عن أبى سعيد مرفوعا ويل واد فى جهنم يهوى فيه الكافر أربعين خريفا "اى عاما قبل أن يبلغ قعره" قال المناوى معناه أن فيها موضع سوء فيه من جعل له الويل فسماه بذلك مجازا اهـ (٦) أى فرّقه على من عن يمينه وشماله من الفقراء والمساكين والمحتاجين (٧) المزهد القليل الشاء. وقد أزهد إزهادا وشيء
[ ٩ / ١٨٥ ]
-[كلام العلماء فى أحكام أحاديث الباب وزوائده]-
ثلاثًا المزهد فى العيش المجهد فى العبادة
(٥) باب من تصدق عليه بثوبين فألقى أحدهما يريد التصدق به
(٢٣٥) عن أبى سعيدٍ الخدرىِّ ﵁ قال دخل رجلٌ المسجد
_________________
(١) زهيد قليل، والمجهد هو الذى أجهد نفسه وأتعبها فى العبادة، وهو من أجهد فهو مجهد بالكسر أى ذو جهد ومشقة (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وفى إسناده رجل لم يسم (زوائد الباب) (عن جابر بن عبد الله الأنصارى) ﵄ قال كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب فقال يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهى صدقة ما أملك غيرها؛ فأعرض عنه رسول الله ﷺ ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن "أى جانبه الأيمن" فقال مثل ذلك فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر. فأعرض عنه، ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله ﷺ فحذفه بها فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يأتى احدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" رواه أبو داود والحاكم. وفى اسناده محمد بن اسحاق ثقة لكنه مدلس وقد عنعن (الاحكام) أحاديث الباب تدل على أن الفقر لا يمنع صاحبه الصدقة وإن كانت قليلة، فان ثوابها عند الله ﷿ يكون بمنزلة ثواب صدقة الغنى مهما كثرت، لأن كل واحد منهما قد أنفق ما يناسب حاله؛ وفى هذا تسلية للفقير وحثه على الصدقة لكى لا يحرم من ثوابها. قال تعالى ﴿ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ (وفيها) أن الأفضل للمتصدق أن يتصدق بثلث ماله إن كان ما بقى بعد الصدقة يكفى لحاجته وحاجة من تلزمه نفقته، وللعلماء كلام فى ذلك تقدم فى غير هذا الباب (وفيها أيضًا) عدم جواز تصدق الرجل بكل ماله خوفا من احتياجه، فاذا تحقق الاحتياج بحيث يكون عالة على الناس حرم عليه ذلك (وفيها) أن رسول الله ﷺ يشهد للمتصدقين يوم القيامة بصدقاتهم (وفيها) ذم الأغنياء الذين لا يتصدقون بفضل أموالهم ووعيدهم بشدة العذاب (وفيها) مدح الزاهدين فى الدنيا المجتهدين فى عبادة الله ﷿ وأنهم هم المفلحون جعلنا الله منهم آمين
(٢) عن ابى سعيد الخدرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا يحيى بن سعيد عن ابن عجلان ثنا عياض عن ابى سعيد الخدرى ﵁- الحديث"
[ ٩ / ١٨٦ ]
-[قصة الرجل صاحب الثوبين وتصدقه بأحدهما]-
يوم الجمعة والنَّبيُّ ﷺ على المنبر، فدعاه فأمره أن يصلِّى ركعتين (١) ثمَّ دخل الجمعة الثَّانية ورسول الله ﷺ على المنبر فدعاه فأمره (٢) ثمَّ دخل الجمعة الثَّالثة فأمره أن يصلِّى ركعتين، ثمَّ قال تصدَّقوا ففعلوا (٣) فأعطاه ثوبين ممَّا تصدَّقوا، ثمَّ قال تصدَّقوا (٤) فألقى أحد ثوبيه فانتهره رسول الله ﷺ وكره ما صنع، ثمَّ قال انظروا إلى هذا فإنَّه دخل فى المسجد فى هيئة بذَّةٍ (٥) فدعوته فرجوت أن تعطوا له فتصَّدَّقوا عليه وتكسوه فلم تفعلوا فقلت تصدَّقوا فتصدَّقوا، فأعطيته ثوبين ممَّا تصدَّقوا، ثمَّ قلت تصدَّقوا فألقى أحد ثوبيه، خذ ثوبك وانتهره
_________________
(١) (غريبه) (١) لفظ الترمذى "أن رجلا جاء يوم الجمعة فى هيئة بذة والنبى ﷺ يخطب الخ" (٢) فيه حجة للقائلين بمشروعية صلاة ركعتين لداخل المسجد وإن كان الأمام على المنبر (٣) يعنى أمره أن يصلى ركعتين كما فى رواية النسائى بلفظ "ثم جاء الجمعة الثانية والنبى ﷺ يخطب فقال صل ركعتين" (٤) لفظ أبى داود "فأمر النبى ﷺ الناس أن يطرحوا ثيابا فطرحوا فأمر له منها بثوبين" (٥) أى بعد أن أعطى الرجل الثوبين، ففهم الرجل أنه يملك ثوبين فرمى بأحدهما يريد التصدق به، فزجره النبى ﷺ وكره ما صنع لأنه يعلم أنه فى احتياج اليهما وأمره بأخذ الثوب (تخريجه) (رواه الأربعة. والحاكم وصححه. وصححه أيضا الترمذى) (الأحكام) حديث الباب يدل على ما كان عليه النبى ﷺ من الحكمة والرأفة بالفقير والحرص على مصلحته، فانه لما رأى الرجل فقيرًا ذا هيئة بذة تدل على احتياجه الى الملابس حث الناس على الصدقة بالثياب ففعلوا فأعطاه ثوبين لعلمه باحتياجه اليهما، ثم حثهم بعد ذلك على الصدقة لعلهم يتصدقون بشاء من المال يعطيه إياه، فتصدق الرجل بأحد ثوبيه فزجره النبى ﷺ لعلمه باحتياجه اليه، فيستفاد منه أنه يكره للشخص أن يتصدق بما هو محتاج اليه، وعلى أنه ينبغى للأمام إذا رأى من يتصدق بما يحتاج اليه أن يرده عليه (وفيه أيضا) الحث على التعاون وإعانة الفقير بقدر ما يمكن، وفيه غير ذلك. والله أعلم
[ ٩ / ١٨٧ ]
-[النساء ناقصات عقل ودين، وانهن أكثر أهل النار]-
(٦) باب الصدقة على الزوج والأقارب وتقديمهم على غيرهم ومراتب المستحقين
(٢٣٦) عن عمرو بن الحارث عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود (١) ﵄ أنَّها قالت قال رسول الله ﷺ للنِّساء تصدَّقن ولو من حليِّكنَّ (وفى روايةٍ قالت خطبنا رسول الله ﷺ فقال يا معشر النِّساء تصدَّقن ولو من حليِّكنَّ فإنَّكنَّ أكثر أهل جهنَّم يوم القيامة) (٢) قالت فكان عبد الله خفيف
_________________
(١) عن عمرو بن الحارث (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن جعفر قال ثنا شعبة عن سليمان عن أبى وائل عن عمرو بن الحارث- الحديث" (غريبه) (١) قال الطحاوى زينب هذه هى رائطة. قال ولا نعلم عبد الله تزوج غيرها فى زمن رسول الله ﷺ (وقال الكلاباذى) رائطة هى المعروفة بزينب (وقال ابن طاهر) وغيره امرأة ابن مسعود زينب، ويقال اسمها رائطه (وأما ابن سعد) وأبو أحمد العسكرى وأبو القاسم الطبرانى وأبو بكر البيهقى وأبو عمر بن عبد البر وأبو نعيم الحافظ وأبو عبد الله ابن منده وأبو حاتم بن حبان، فجعلوهما ثنتين والله أعلم (قلت) جاء فى المسند حديث زينب تحت ترجمة مستقلة. قال فيها "حديث زينب امرأة عبد الله" (وحديث رائطة) جاء تحت ترجمة أخرى قال فيها "حديث رائطة امرأة عبد الله" وهذا الصنيع يشير إلى أنهما ثنتين وسيأتى حديث رائطة بعد هذا (٢) كان ذلك فى خطبة العيد كما جاء فى صحيح البخارى عن أبى سعيد الخدرى ﵁ خرج رسول الله ﷺ فى أضحى أو فطر الى المصلى ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة، فقال أيها الناس تصدقوا، فمر على النساء فقال يا معشر الناس تصدقن، فانى رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن وبم ذلك يا رسول الله؟ قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير (يعنى الزوج) ما رأيت من ناقصات عقل ودين اذهب للب الرجل الحازم من احداكن يا معشر النساء، ثم انصرف، فلما صار الى منزله جاءت زينب امراة ابن مسعود تستأذن عليه، فقيل يا رسول الله هذه زينب. فقال أى الزيانب، فقيل امرأة ابن مسعود قال نعم. ائذنوا لها. فأذن لها قالت يا نبى الله انك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندى حلىّ لى فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبى ﷺ صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم، زاد فى رواية أخرى عند البخارى أيضا "قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال أليس شهادة
[ ٩ / ١٨٨ ]
-[قصة زينب امرأة عبد الله بن مسعود وإنفاقها على زوجها وولدها]-
ذات اليد (١) فقالت له أيسعنى ان أضع صدقتى فيك (٢) وفى بنى أخي أو بنى أخٍ لى يتامى، فقال عبد الله سلى عن ذلك النَّبيَّ ﷺ قالت فأتيت النَّبيَّ ﷺ فإذا على بابه امرأةٌ من الأنصار يقال لها زينب تسأل عمَّا أسأل عنه، فخرج إلينا بلالٌ ﵁ فقلنا انطلق إلى رسول الله ﷺ فسله عن ذلك ولا تخبر من نحن، فانطلق إلى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فقال من هما، فقال زينب، فقال أىُّ الزَّيانب، فقال زينب امرأة عبد الله وزينب الأنصاريَّة، فقال نعم. لهما أجران. أجر القرابة وأجر الصَّدقة
(٢٣٧) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن رائطة (٣) امرأة عبد الله ابن مسعودٍ وأمِّ ولده؟ وكانت امرأةٌ صناع اليد (٤) قال فكانت تنفق عليه وعلى ولده من صنعتها، قالت فقلت لعبد الله بن مسعودٍ لقد شغلتنى أنت وولدك عن الصَّدقة فما أستطيع أن أتصدَّق معكم بشاءٍ، فقال لها عبد الله والله ما أحبُّ إن لم يكن فى ذلك أجرٌ أن تفعلى، فأتت رسول الله ﷺ
_________________
(١) المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن بلى، قال فذاك من نقصان عقلها، اليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم؟ قلن بلى، قال فذاك من نقصان دينها (١) أى فقيرا لا يملك شيئا يقوم بشأنه كله (٢) قيل صدقة الزكاة، وقيل صدقة التطوع. وسيأتى تحقيق ذلك فى الأحكام (تخريجه) (ق. نس. جه)
(٢) عن عبيد الله بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب حدثنا أبى عن ابن اسحاق قال حدثنى بن عروة عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة- الحديث" (غريبه) (٣) هذا يشعر بأن رائطة غير زينب، ولكن قوله هنا (وأم ولده) وقوله فى حديث زينب عند البخارى وتقدم لفظه فى شرح الحديث السابق "زوجك وولدك أحق بمن تصدقت به عليهم" واتحاد القصة، كل ذلك يشعر بأنها واحدة، وربما كانت تسمى بزينب ورائطة كما ثبت لبعض الصحابيات أسماء متعددة كأم أنس وغيرها والله أعلم (٤) أى لها صنعة تكتسب بها وتعملها بيدها
[ ٩ / ١٨٩ ]
-[النفقة الواجبة إذا احتسبها الرجل تكون له صدقة]-
فقالت يا رسول الله إنِّى امرأةٌ ذات صنعةٍ أبيع منها وليس لى ولا لولدى ولا لزوجي نفقةٌ غيرها، وقد شغلونى عن الصَّدقة فما أستطيع أن أتصدَّق بشاءٍ، فهل لى من أجرٍ فيما أنفقت؟ قال فقال لها يا رسول الله صلَّي الله عليه وسلَّم أنفقى عليهم فإنَّ لك في ذلك أجر (١) ما أنفقت عليهم
(٢٣٨) عن المقدام بن معد يكرب (الكندىِّ أبى كريمة) ﵁ قال قال رسول الله صلَّي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ما أطعمت نفسك فهو لك صدقةٌ، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقةٌ، وما أطعمت زوجك فهو لك صدقةٌ، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقةٌ
(٢٣٩) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ
_________________
(١) رواه الأكثر بالأضافة على أن تكون ما موصولة (قال الحافظ) وجوز أبو جعفر الغرناطى نزيل حلب تنوين أجر على أن تكون ما ظرفية، ذكر ذلك لنا عن الشيخ برهان الدين المحدث بحلب اهـ. والمراد أن لها ثواب المتصدق بما أنفقت عليهم (تخريجه) (ق. نس. مذ. جه)
(٢) عن المقدام بن معد يكرب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابراهيم بن أبى العباس قال ثنا بقية قال ثنا بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن المقدام ابن معد يكرب- الحديث" (غريبه) (٢) معناه أن الانسان يثاب على النفقة الواجبة عليه كثواب الصدقة حيث نوى بها التقرب الى الله وامتثال الأمر فقد جاء مقيدا بذلك فى صحيح مسلم عن أبى مسعود البدرى عن النبى ﷺ قال "ان المسلم إذا أنفق على اهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة" ففيه بيان ان المراد بالصدقة والنفقة المطلقة فى باقى الأحاديث إذا احتسبها، ومعناه اراد بها وجه الله تعالى فلا يدخل فيه من انفقها ذاهلا ولكن يدخل المحتسب وطريقه فى الاحتساب ان يتذكر انه يجب عليه الأنفاق على الزوجة واولاده القصر والمملوك وغيرهم ممن تجب نفقته على حسب احوالهم واختلاف العلماء فيهم، وأن غيرهم ممن ينفق عليه مندوب الى الانفاق عليهم فينفق بنية اداء ما امر به، وقد امر بالأحسان اليهم. والله اعلم (تخريجه) (طب) وسنده جيد
(٣) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا
[ ٩ / ١٩٠ ]
-[تقديم الأقرب فالأقرب فى الصدقة]-
إذا كان أحدكم فقيرًا (١) فليبدأ بنفسه، وإن كان فضلٌ فعلى عياله، وإن كان فضلٌ فعلى ذوى قرابته أو قال (٢) على ذوي رحمه، وإن كان فضلٌ فها هنا وههنا (٣)
(٢٤٠) عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ تصدَّقوا، قال رجلٌ عندى دينارٌ، قال تصدَّق به على نفسك، قال عندى دينارٌ آخر، قال تصدَّق به على زوجتك، قال عندي دينارٌ آخر، قال تصدَّق به على ولدك قال عندي دينارٌ آخر، قال تصدَّق به على خادمك، قال عندي دينارٌ آخر، قال أنت أبصر (٤)
(٢٤١) عن سلمان بن عامرٍ الضَّبِّيِّ ﵁ قال قال رسول الله
_________________
(١) إسماعيل أنا ايوب عن ابى الزبير عن جابر ان رجلا من الأنصار يقال له ابو مذكور اعتق غلاما له يقال له يعقوب عن دبر لم يكن له مال غيره، فدعا به رسول الله ﷺ فقال من يشتريه؟ من يشتريه؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله النحام بثمانمائة درهم فدفعها اليه وقال اذا كان احدكم فقيرا- الحديث" (غريبه) (١) لا مفهوم له والمطلوب ان يبدأ الشخص بنفسه مطلقا غنيا كان أو فقيرا، يعنى فليقدم نفسه بالأنفاق عليها مما آتاه الله "وان كان فضل" بسكون الضاد يعنى فان فضل بعد كفايته فضلة "فعلى عياله" أى الذين يعولهم وتلزمه نفقتهم (٢) أو للشك من الراوى يعنى أن الراوى يشك هل قال فعلى ذوى قرابته أو على ذوى رحمه، والمعنى واحد وهم الأقارب (٣) أى فيرده على من عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه من الفقراء فيقدم الأحوج فالأحوج (تخريجه) (م. د. نس)
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن ابن عجلان عن سعيد عن أبى هريرة- الحديث" (غريبه) (٤) يعنى أنت أدرى بذوى قرباك فقدم الأحوج منهم، أو أنت أدرى بأنواع البر التى تحيط بك فقدم الأكثر منفعة أو نحو ذلك. والله أعلم (تخريجه) (د نس ك) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبى
(٣) عن سلمان بن عامر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع قال ثنا ابن عون عن حفصة بنت سيرين عن الرباب بنت صليع عن سلمان بن عامر الضبي
[ ٩ / ١٩١ ]
-[الصدقة على القريب يكتب للمتصدق بها أجران]-
صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم الصَّدقة على المسكين صدقةٌ (١) وعلى ذي القرابة اثنتان صلةٌ وصدقةٌ (٢)
_________________
(١) - الحديث" (غريبه) (١) أى لها أجر واحد وهو أجر الصدقة (٢) أى ففيها أجران أجر صلة الرحم وأجر الصدقة، وهو يفيد الحث على التصدق على ذوى الأرحام والاهتمام بأمرهم وتقديمهم على غيرهم (تخريجه) (نس. مذ) وحسنه (خز. حب ك) وقال صحيح الأسناد، ولفظ ابن خزيمة قال "الصدقة على المسكين صدقة وعلى القريب صدقتان، صدقة وصلة" (زوائد الباب) (عن أم كلثوم بنت عقبة) ﵂ أن النبى ﷺ قال أفضل الصدقة الصدقة على ذى الرحم الكاشح، أورده المنذرى وقال رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله رجال الصحيح وابن خزيمة فى صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، قال والكاشح بالشين المعجمة هو الذى يضمر عداوته فى كشحه وهو خصره، يعنى أن أفضل الصدقة على ذى الرحم المضمر العداوة فى باطنه اهـ (قلت) وروى الأمام أحمد مثله عن حكيم بن حزم وسيأتى فى باب صلة الرحم من كتاب البر والصلة ان شاء الله تعالى (وعن أبى أمامة) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ان الصدقة على ذى قرابة يضعف أجرها مرتين، رواه الطبرانى فى الكبير وفيه عبد الله بن زحر وهو ضعيف (وعن أبى طلحة) ﵁ أن رسول الله ﷺ "قال الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذى الرحم صدقة وصلة" اورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط وفيه من لم أعرفه (وعن جمرة بنت قحافة) ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول فى حجة الوداع يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن فانكن أكثر أهل النار؛ فأتت زينب "أى امرأة عبد الله بن مسعود" فقالت يا رسول الله زوجى محتاج فهل يجوز لى أن أعود عليه، قال نعم لك أجران، أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الكبير وفيه الحسن ابن عازب ولم أجد من ترجمه (وعن معاذ بن جبل) ﵁ قال أقبل رجل الى النبى ﷺ فقال يا رسول الله من اعطى من فضل ما خولنى الله، قال ابدأ بأمك وأبيك، وأختك وأخيك، والأدنى فالأدنى، ولا تنس الجيران وذا الحاجة، رواه الطبرانى فى الكبير وفيه عباد بن أحمد العزرمى وهو ضعيف، قاله الهيثمى (وعن صعصعة بن ناجية) ﵁ قال دخلت على النبى ﷺ فقلت يا رسول الله ربما فضلت لى الفضلة خبأتها للنائبة وابن السبيل، فقال رسول الله ﷺ أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الكبير وفيه من لم أعرفه (وعن أبى أمامة) ﵁
[ ٩ / ١٩٢ ]
-[زوائد الباب واستحباب دفع الصدقة الى الأقرب فالأقرب من الأقارب]-
_________________
(١) قال قال رسول الله ﷺ "من انفق على نفسه يستعف بها فهى صدقة. ومن أنفق على امرأته وولده وأهل بيته فهى صدقة" رواه الطبرانى فى الأوسط والكبير باسنادين أحدهما حسن (وعن أبى قلابة) عن أبى أسماء عن توبان قال قال رسول الله ﷺ أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله. ودينار ينفقه الرجل على دابته فى سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه فى سبيل الله، قال أبو قلابة وبدأ بالعيال، ثم قال أبو قلابة وأى رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم (وعن أبى هريرة ﵁) قال قال رسول الله ﷺ دينار أنفقته فى سبيل الله، ودينار أنفقته فى رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمهما أجرا الذى أنفقته على أهلك (وعن خيثمة) قال كنا جلوسًا مع عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان له فدخل فقال أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال ق، قال فانطلق فأعطهم، قال قال رسول الله ﷺ كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته، روى هذه الأحاديث الثلاثة مسلم فى صحيحه (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جواز صدقة المرأة على زوجها إن كان فقيرا بل يتأكد ذلك ويكون لها أجران. أجر الصدقة وأجر القرابة (وفيها) أن نفقة الرجل على نفسه وأولاده ومن يعول يكتب له بها صدقة وان كانت واجبة عليه إذا قصد بذلك احتسابها وامتثال أمر الله ﷿ (وفيها أيضا) الحث على تقديم الأقارب الأقرب فالأقرب فى الصدقة حتى الجيران (قال النووى) ﵀ أجمعت الأمة على أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب، والأحاديث فى المسألة كثيرة مشهورة (قال أصحابنا) ولا فرق فى استحباب صدقة التطوع على القريب وتقديمه على الأجنبى بين أن يكون القريب ممن يلزمه نفقته أو غيره (قال البغوى) دفعها الى قريب يلزمه نفقته أفضل من دفعها الى الأجنبى، قال وقال أصحابنا يستحب فى صدقة التطوع وفى الزكاة والكفارة صرفها إلى الأقارب إذا كانوا بصفة الاستحقاق، وهم أفضل من الأجانب (قال أصحابنا) والأفضل أن يبدأ بذى الرحم المحرم كالأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات، ويقدم الأقرب فالأقرب، وألحق بعض أصحابنا الزوج والزوجة بهؤلاء لحديث زينب امرأة ابن مسعود أن رشول الله ﷺ قال زوجك وولدك أحق من تصدقت عليه "رواه مسلم" ثم بذى الرحم غير المحرم كأولاد العم وأولاد الخال ثم المحرم بالرضاع ثم بالمصاهرة ثم الموالى من أعلى وأسفل ثم الجار، فان كان القريب بعيد الدار فى البلد قدم على الجار الأجنبى (قال اصحابنا) ويستحب تخصيص الأقارب على الأجانب بالزكاة حيث يجوز دفعها اليهم كما قلنا فى صدقة التطوع ولا فرق بينهما، وهكذا الكفارات والنذور والوصايا والأوقاف وسائر جهات البر يستحب
[ ٩ / ١٩٣ ]
-[مذاهب الأئمة فى دفع زكاة المرأة إلى زوجها]-
_________________
(١) تقديم الأقارب فيها حيث يكونون بصفة الاستحقاق والله تعالى أعلم اهـ ج. وقال فى شرح مسلم مقصود الباب الحث على النفقة على العيال وبيان عظم الثواب فيه لأن منهم من تجب نفقته بالقرابة، ومنهم من تكون مندوبة وتكون صدقة وصلة، ومنهم من تكون واجبة بملك النكاح أو ملك اليمين، وهذا كله فاضل محثوث عليه، وهو أفضل من صدقة التطوع، ولهذا قال ﷺ فى رواية ابن أبي شيبة "اعظمها اجرا الذى انفقته على اهلك" (قلت يشير بذلك الى حديث ابى هريرة المذكور فى الزوائد ففقد رواه مسلم عن ابن ابى شيبة) قال مع انه ذكر قبله النفقة فى سبيل الله وفى العتق والصدقة، ورجح النفقة على العيال على هذا كله "يعنى فى حديث ابى قلابة المذكور فى الزوائد" قال وزاده تأكيدا بقوله ﷺ فى الحديث الآخر (يعنى حديث خيثمة المتقدم فى الزوائد) "كفى بالمرء إثما ان يحبس عمن يملك قوته" اهـ. وقد احتج بحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود الائمة (الشافعى وأحمد) فى رواية، وأبو ثور وأبو عبيد وأشهب من المالكية وابن منذر وأبو يوسف ومحمد واهل الظاهر على أنه يجوز للمرأة أن تعطى زكاتها الى زوجها الفقير، وقال القرافى كرهه الشافعى وأشهب، واحتجوا أيضا بما رواه الجوزجاني عن عطاء قال أتت النبى ﷺ امرأة فقالت يا رسول الله إن على نذرا أن أتصدق بعشرين درهما وإنّ لى زوجا فقيرا أفيجزئ عنى أن أعطيه؟ قال نعم كفلان من الأجر (وقال الائمة الحسن البصرى والثورى وأبو حنيفة ومالك وأحمد) فى رواية وأبو بكر من الحنابلة لا يجوز للمرأة ان تعطى زوجها من زكاة مالها، ويروى ذلك عن عمر ﵁، وأجابوا عن حديث زينب بأن الصدقه المذكورة فيه إنما هى من غير الزكاة، واستدلوا بحديث رائطه على أن تلك الصدقة مما لم يكن فيه زكاة، إنما كانت تطوعا لقولها إنى امرأة ذات صنعة أبيع منها وليس لى ولا لولدى ولا لزوجى نفقة غيرها، وبقوله ﷺ فى حديث زينب "زوجك وولدك احق من تصدقت به عليهم" كما فى رواية البخارى، وتأولوا قولها فى رواية البخارى "أيجزئ عنى" اى فى الوقاية من النار كانها خافت ان صدقتها على زوجها لا تحصّل لها المقصود، وبكون هذه الصدقة كانت تطوعا جزم النووى وصاحب المنتقى (وفى حديث) زينب المذكور فى الباب الحث على صلة الرحم وجواز تبرع المرأة بما لها بغير إذن زوجها (وفيه) عظة النساء وترغيب ولى الأمر فى افعال الخير للرجال والنساء والتحدث مع النساء الاجانب عند أمن الفتنة، والتخويف من المؤاخذة بالذنوب وما يتوفع بسببها من العذاب (وفيه) فتيا العالم مع وجود من هو اعلم منه وطلب الترقى فى تحمل العلم (قال القرطبى) ليس إخبار بلال باسم المرأتين بعد ان استكتمتاه باذاعة ولا كشف امانة لوجهين (احدهما) انهما لم تلزماه بذلك
[ ٩ / ١٩٤ ]
-[كلام العلماء فيمن أحق بالصدقة - وقصة االرجل الذى سقى الكلب]-
(٧) باب استحباب اعطاء الصدقة للصالحين - وكراهة اعطائها للقلقلين
(٢٤٢) عن أبى سعيدٍ الخدرى ﵁ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس فى آخيَّته (١) يجول ثمَّ يرجع إلى آخيَّته، وإنَّ المؤمن يسهوا ثمَّ يرجع إلى الإيمان، فأطعموا اطعامكم الأتقياء (٢) وأولوا معروفكم (٣) المؤمنين
(٢٤٣) عن عبد الله بن عمرو (بن العاص) ﵄ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال من أخرج صدقةً فلم يجد
_________________
(١) وإنما علم انهما رأتا أن لا ضرورة تحوج إلى كتمانهما (ثانيهما) أنه أخبر بذلك جوابا لسؤال النبى ﷺ لكون إجابته أوجب من التمسك بما أمرتا به من الكتمان؛ وهذا كله بناء على انه التزم لهما بذلك، ويحتمل ان تكونا سألتاه ولا يجب اسعاف كل سائل اهـ. والله أعلم
(٢) عن أبى سعيد الخدرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعمر بن بشر أنا عبد الله أنا سعيد بن أبى أيوب ثنا عبد الله بن الوليد عن أبي سليمان الليثى عن أبى سعيد الخدرى "الحديث" وفى آخره قال عبد الله "يعنى ابن الأمام أحمد رحمهما الله) قال أبى ثناه أبو عبد الرحمن المقرى وهذا أتم (غريبه) (١) بفتح الهمزة ممدودة وكسر الخاء المعجمة وفتح الياء التحتية مشددة حبيل أو عود يعرض فى الحائط ويدفن طرفاه فيه ويصير وسطه كالعروة وتشد فيه الدابة، وجمعها الأواخى مشددًا والأخايا على غير قياس، يعنى أنه يبعد عن ربه بالذنوب وأصل إيمانه ثابت (نه) قال الطيبى وأراد بالأيمان شعبه فكما أن الفرس يبعد عن آخيّته ثم يعود اليها، فكذلك المؤمن قد يترك بعض الشعب ثم يتداركه ويندم (٢) أى بالهدية والصدقة ونحو ذلك لأنهم أولى الناس بالبر ولأن دعاءهم مستجاب (٣) المعروف يشمل كل أنواع البر ومنه الصدقة (تخريجه) الحديث سنده جيد وأخرجه أيضا الضياء المقدسى فى المختارة وحسنه الحافظ السيوطى
(٣) عن عبد الله بن عمرو (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا قتيبة بن سعيد ثنا ابن لهيعة عن القاسم بن عبد الله المعافرى عن أبى عبد الرحمن الحبلى عن القاسم بن البرجى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ - الحديث"
[ ٩ / ١٩٥ ]
-[إستحباب إعطاء الصدقة للصالحين وكراهة إعطائها للفاسقين]-
إلَّا بربريًّا (٤) فليردَّها
_________________
(١) (غريبه) (٤) هكذا فى المسند بباءين موحدتين وراء بن ثم ياء تحتية آخرها ألف نسبة الى بربر (قال فى القاموس) وبربرٌ جيلٌ جمعه البرابرة وهم بالمغرب وأمة أخرى بين الحبوش والزَّنج. يقطعون مذاكير الرجال ويجعلونها مهور نسائهم، وكلهم من ولد قيس عيلان أوهم بطنان من حمير صنهاجة وكتامة صاروا الى البربر أيام فتح أفريقش الملك افريقيَّة اهـ (وقال شارح القاموس) قوله وكلهم من ولد قيس عيلان قال ابو منصور ولا أدرى كيف هذا (وقال البلاذرى) حدثدنى بكر بن الهيثم قال سألت عبد الله بن صالح عن البربر فقال هم يزعمون أنهم من ولد برّ بن قيس عيلان وما جعل الله لقيس من ولد اسمه برّ، وقال أبو المنذر هم من ولد فاران بن عمليق بن يلمع بن عابر بن سليخ بن لوذ بن سام بن نوح؛ والأكثر الأشهر من بقية قوم جالوت وكانت منازلهم فلسطين، فلما قتل جالوت تفرقوا إلى المغرب اهـ، والظاهر والله أعلم ان المراد بالبرابرة فى هذا الحديث المتوحشون الذين لا دين لهم، أما البرابرة المسلمون المتحضرون فلا مانع من إعطائهم الصدقه. بل يستحب لأن معظمهم متصف بالصلاح (تخريجه) لم اقف عليه لغير الأمام احمد وفى اسناده ابن لهيعة ضعيف (الأحكام) حديث ابى سعيد يدل على انه يستحب ان يخص الرجل بصدقته الصلحاء واهل الخير واهل المروءات والحاجات، لان هؤلاء ممن ترجى بركاتهم وتستجاب دعواتهم، وفى إعطائهم الصدقة إعانة لهم على طاعة الله (وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄) يدل على كراهة اعطاء الصدقة لفاسق، وذلك اذا علم انه يستعين بها على فعل مكروه، ويحرم إعطاؤه اذا علم أنه يستعين بها على ارتكاب محرم، اما اذا لم يعلم شيئا أو علم أنه يستعين بها على القوت فله اعطاؤها بدون كراهة ويثاب على ذلك ولو لكافر، قال تعالى "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا" ومعلوم ان الأسير حربى، وقد ثبت عند البخارى ومسلم والأمام أحمد وغيرهم، وتقدم فى "باب من دفع صدقته إلى من ظنه من اهلها فبان غير ذلك" من حديث ابي هريرة فى قصة الرجل الذى تصدق على سارق وزانية وغنى انه قيل له أمَّا صدقتك على سارق فلعله ان يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها تستعف عن زناها، وأمَّا الغنى فلعله يعتبر وينفق مما آتاه الله تعالى (وعن ابى هريرة أيضا) أن رسول الله ﷺ قال بينما رجل يمشى بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فاذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذى كان قد بلغ منى. فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم امسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا يا رسول الله ان لنا فى البهائم أجرًا؟ فقال فى كل كبد رطبة أجر، رواه الشيخان والأمام احمد وغيرهم (وفى رواية) للشيخين "بينما كلب
[ ٩ / ١٩٦ ]
-[جواز تصدق المرأة من بيت زوجها]-
(٨) باب صدقة المرأة من بيت زوجها
(٢٤٤) عن أسماء بنت أبى بكرٍ ﵄ أنَّها سألت النَّبيَّ ﷺ فقالت إنَّ الزُّبير رجلٌ شديدٌ ويأتينى المسكين فأتصدَّق عليه من بيته بغير إذنه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ارضخى (١) ولا توعى فيوعى الله عليك (٢) (وعناه من طريقٍ ثانٍ) (٣) قالت قلت للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ليس لى إلّا ما أدخل الزُّبير بيتي (٤) قال أنفقى ولا توكى فيوكى عليك (٥) (وعنها من طريقٍ ثالثٍ (٦) بنحوه وفيه)
_________________
(١) يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغى من بغايا بنى اسرائيل فنزعت موقها (أى خفها) فاستقت له به فسقته فغفر لها به، وذلك لان الله ﷿ رحيم يحب من عباده الرحماء. نسأله تعالى ان يجعلنا من الراحمين المرحومين برحمته الواسعة آمين
(٢) عن أسماء بنت أبي بكر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى ابي ثنا وكيع ثنا محمد بن سليمان وعبد الجبار بن ورد، رجلان من أهل مكة سمعاه من ابن أبى مليكة عن أسماء بنت أبى بكر - الحديث (غريبه) (١) براء ثم ضاد معجمة مفتوحة ومعنى الرضخ العطية القليلة أى أعط شيئا قليلا مما جرت العادة باعطاء مثله للمحتاج فان الزبير لا يكره ذلك (٢) معناه الحث على النفقة فى الطاعة والنهى عن الأمساك والبخل وعن ادخار المال فى الوعاء، قاله النووى (٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان بن عيينة عن أيوب عن ابن أبى مليكة عن أسماء قالت قلت للنبى ﷺ الحديث (٤) لفظ أبى داود "قلت يا رسول الله ما لى شئ إلا ما أدخل على الزبير بيته أفأعطى منه قال أعطى ولا توكى فيوكى عليك" ومعناه ليس لى شئ من المال إلا ما أدخله زوجى الزبير فى بيته أفيجوز لى أن أتصدق منه (٥) معناه أعطى منه ولا تمسكى فيضيق الله عليك" وأصل الأيكاء شد فم القربة بالحبل (وقال الخطابى) معناه أعطى من نصيبك منه ولا توكى أى لا تدخرى. والأيكاء شد رأس الوعاء بالوكاء وهو الرباط الذي يربط به. يقول لا تمنعى ما فى يدك فتنقطع مادة بركة الرزق عنك اهـ (٦) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية قال أنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر
[ ٩ / ١٩٧ ]
-[زوائد الباب فى إنفاق المرأة من بيت زوجها]-
انفحي (١) أو ارضخى أو أنفقي ولا توعى فيوعي الله عليك ولا تحصى فيحصي (٢) الله عليك
_________________
(١) قالت قال لي رسول الله ﷺ انفحى الخ (غريبه) (١) بفتح الفاء وبحاء مهملة زاد مسلم أو انضحى بنون ثم ضاد مكسورة ثم حاء مهملة مكسورة أيضا، والنقح والتضح معناهما واحد وهو الأعطاء، ويطلق النضح أيضًا على الصب، فلعله المراد هنا ويكون أبلغ من النفح (٢) قال النووى هو من باب مقابلة اللفظ باللفظ للتجنيس كما قال تعالى ﴿ومكروا ومكر الله﴾ ومعناه يمنعك كما منعت. ويقتر عليك كما قترت. ويمسك فضله عنك كما أمسكته. (وقيل) يعنى لا تحصى أى لا تعدّيه فتستكثريه فيكون سببا لانقطاع انفاقك اهـ (تخريجه) (ق. د. نس) (زوائد الباب) (عن عائشة ﵂) قالت قال رسول الله ﷺ "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها" (وفى رواية من بيت زوجها) غير مفسدة كان لها اجرها بما انفقت ولزوجها اجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم اجر بعض شيئا) رواه البخارى ومسلم واللفظ له وابو داود وابن ماجه والترمذى والنسائى وابن حبان فى صحيحه، وعند بعضهم إذا تصدقت بدل انفقت (وعن ابى هريرة) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا باذنه، ولا تأذن فى بيته وهو شاهد إلا باذنه، وما انفقت من كسبه من غير أمره فان نصف اجره له، رواه البخارى ومسلم واللفظ له (وفى رواية لأبى داود) أن ابا هريرة سئل عن المرأة هل تتصدق من بيت زوجها؟ قال لا إلا من قوتها والأجر بينهما، ولا يحل لها ان تصدق من مال زوجها إلا باذنه (وعن عمرو بن شعيب) عن ابيه عن جده عن النبى ﷺ قال اذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كان لها اجر ولزوجها مثل ذلك لا ينقص كل واحد منهما من اجر صاحبه شيئا، له بما كسب ولها بما انفقت، رواه الترمذى وقال حديث حسن (وعن ابى امامة) ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول فى خطبة عام حجة الوداع لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا باذن زوجها، قيل يا رسول الله ولا الطعام؟ قال ذلك افضل اموالنا، رواه الترمذى وقال حديث حسن (وعن عبد الله بن عمرو) بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لا يجوز لامراة عطية إلا باذن زوجها، رواه ابو داود والنسائى من طريق عمرو بن شعيب (وعن ابن عباس) ﵄ قال قال رسول الله ﷺ لا تصدق المرأة من بيت زوجها إلا باذنه، رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه رشدين بن كريب ضعفه أحمد وجماعة (وقال ابن عدى ممن يكتب حديثه على
[ ٩ / ١٩٨ ]
-[بقية الزوائد وكلام العلماء فى تصدق المرأة من بيت زوجها والمملوك من مال سيده]-
_________________
(١) ضعفه (وعن أم سعد) قالت دخلت على عائشة فقلت يا أم المؤمنين المرأة تعطى الشئ من بيت زوجها صدقة فهو لها أو لزوجها؟ قالت هو بينهما حدثنى به رسول الله ﷺ أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه من لم أعرفه (وعن عمير مولى آبى اللحم) قال أمرنى مولاى أن أقدد لحما فجاءنى مسكين فأطعمته منه فعلم بذلك مولاى فضربنى، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال لم ضربته؟ فقال يعطى طعامى بغير أن آمره، فقال الأجر بينكما (وعنه فى رواية أخرى) قال سألت رسول الله ﷺ أأتصدق من مال موالى بشئ؟ قال نعم، والأجر بينكما نصفان (الأحكام) حديث الباب مع ما أوردنا من الزوائد تدل على جواز تصدق المرأة من بيت زوجها بغير إذنه فى الشئ القليل التى جرت العادة بالتصدق بمثله، وهى وزوجها فى الأجر سواء. وكذلك المملوك إذا تصدق من مال سيده يكون شريكا لسيده فى الأجر (قال النووى ﵀) معنى هذه الأحاديث أن المشارك فى الطاعة مشارك فى الأجر، ومعنى المشاركة أن له أجرا كما لصاحبه أجر، وليس معناه أن يزاحمه فى أجره، والمراد المشاركة فى أصل الثواب فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب وإن كان أحدهما أكثر ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء، بل قد يكون ثواب هذا أكثر وقد يكون عكسه، فاذا أعطى المالك لخازنه أو امرأته أو غيرهما مائة درهم أو نحوها ليوصلها الى مستحق الصدقة على باب داره أو نحوه فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رمانة أو رغيفًا ونحوهما مما ليس له كثير قيمة ليذهب به إلى محتاج فى مسافة بعيدة بحيث يقابل مشى الذاهب اليه بأجرة تزيد على الرمانة والرغيف فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلا فيكون مقدار الأجر سواء. وأما قوله ﷺ "الأجر بينكما نصفان" فمعناه قسمان وإن كان أخدهما أكثر كما قال الشاعر "اذا مت كان الناس نصفان بيننا" وأشار القاضى إلى أنه يحتمل أيضا أن يكون سواء، لأن الأجر فضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء ولا يدرك بقياس ولا هو بحسب الأعمال، بل ذلك فضل يؤتيه من يشاء. والمختار الأول "وقوله ﷺ الأجر بينكما" ليس معناه أن الأجر الذى لأحدهما يزدحمان فيه بل معناه أن هذه النفقة والصدقة التى أخرجها الخازن أو المرأة أو المملوك ونحوهم باذن المالك يترتب على جملتها ثواب على قدر المال والعمل فيكون ذلك مقسوما بينهما لهذا نصيب بماله ولهذا نصيب بعمله، فلا بزاحم صاحب المال العامل فى نصيب عمله، ولا يزاحم العامل صاحب المال فى نصيب ماله، واعلم أنه لا بد للعامل وهو الخازن والزوجة والمملوك من إذن المالك فى ذلك، فان لم يكن إذن أصلا فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة بل عليهم وزر بتصرفهم فى مال غيرهم بغير إذنه، والأذن ضربان (أحدهما) الأذن الصريح في النفقة
[ ٩ / ١٩٩ ]
-[حديث سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله]-
(٩) باب ما جاء فى صدقة السر
(٢٤٥) عن أبى هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال سبعةٌ يظلُّهم الله فى ظلِّه (١) يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه، الإمام العادل، وشابٌّ نشأ بعبادة الله، ورجلٌ قلبه متعلِّقٌ بالمساجد، ورجلان تحابَّا فى الله ﷿ اجتمعا عليه وتفرَّقا
_________________
(١) والصدقة (والثاني) الأذن المفهوم من اطراد العرف والعادة، كأعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به واطَّرد العرف فيه، وعلم بالعرف رضاء الزوج والمالك به، فأذنه فى ذلك حاصل وإن لم يتكلم، وهذا إذا علم رضاه لاطراد العرف وعلم أن نفسه كنفوس غالب الناس فى السماحة بذلك والرضا به، فان اضطرب العرف وشك فى رضاه أو كان شخصا يشح بذلك وعلم من حاله ذلك أو شك فيه لم يجز للمرأة أو غيرها التصدق من ماله إلا بصريح إذنه، وأما قوله ﷺ (وما أنفقت من كسبه من غير أمره فان نصف أجره له) فمعناه من غير، أمره الصريح فى ذلك القدر المعين ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره وذلك الأذن الذى قد بيناه سابقا، إما بالصريح وإما بالعرف، ولابد من هذا التأويل لأنه ﷺ جعل الأجر مناصفة، وفى رواية أبى داود "فلها نصف أجره" ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن صريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها بل عليها وزر، فتعين تأويله (واعلم) أن هذا كله مفروض فى قدر يسير يعلم رضا المالك به فى العادة، فان زاد على المتعارف لم يجز. وهذا معنى قوله ﷺ "وإذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة" فأشار ﷺ إلى أنه قدر يعلم رضا الزوج به فى العادة، ونبه بالطعام أيضا على ذلك لأنه يسمح به فى العادة، بخلاف الدراهم والدنانير فى حق أكثر الناس وفى كثير من الأحوال، واعلم أن المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال وغلمانه ومصالحه وقاصديه من ضيف وابن سبيل ونحوهما، وكذلك صدقتهم المأذون فيها بالصريح أو العرف والله أعلم اهـ كلام النووى
(٢) عن أبي هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن عبيد الله قال حدثنى خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبى هريرة عن النبى ﷺ "الحديث" (غريبه) (١) قال القاضى عياض ﵀ اضافة الظل الى الله تعالى اضافة ملك وكل ظل فهو لله وملكه وخلقه وسلطانه، والمراد هنا ظل العرش كما جاء فى حديث آخر مبينا، والمراد يوم القيامة إذا قام الناس لرب العالمين، ودنت منهم الشمس
[ ٩ / ٢٠٠ ]
-[من تصدق بصدقة فأخفاها يكون فى ظل الله تعالى يوم القيامة]-
عليه، ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ أخفاها لا تعلم شماله ما تنفق يمينه (١) ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجلٌ دعته ذات منصبٍ وجمالٍ إلى نفسها فقال أنا أخاف الله ﷿
(٢٤٦) عن أبى ذرٍّ ﵁ وقد سأل رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم عن أشياء منها الصَّدقة قال (قلت) يا رسول الله فالصَّدقة؟ قال أضعافٌ مضاعفةٌ (٢) قلت يا رسول الله فأيُّها أفضل؟ قال جهدٌ من مقلٍّ (٣)
_________________
(١) واشتد عليهم حرّها وأخذهم العرق ولا ظل هناك لشئ إلا للعرش، وقد يراد به هنا ظل الجنة وهو نعيمها والكون فيها كما قال تعالى ﴿وندخلهم ظلا ظليلا﴾ قال القاضى وقال ابن دينار المراد بالظل هنا الكرامة واكنف والكف عن المكاره فى ذلك الموقف، قال وليس المراد ظل الشمس (قال القاضى) وما قاله معلوم فى اللسان؛ يقال فلان فى ظل فلان أى فى كنفه وحمايته، قال وهذا أولى الأقول، وتكون اضافته الى العرش لأنه مكان التقريب والكرامة، والا فالشمس وسائر العالم تحت العرش وفى ظله اهـ (١) قال العلماء ذكر اليمين والشمال مبالغة فى الأخفاء والاستتار بالصدقة، وضرب المثل بهما لقرب اليمين من الشمال وملازمتها لها، ومعناه لو قدرت الشمال رجلا متيقظا لما علم صدقة اليمين لمبالغته فى الأخفاء، ونقل القاضى عياض عن بعضهم أن المراد من عن يمينه وشماله من الناس، وصوّب النووى الأول والله أعلم، وقد اقتصرت فى شرح الحديث على هذا المقدار لضرورته هنا، وسيأتي الحديث بشرحه مستوفى فى الباب السابع من السباعيات من كتاب الأدب والمواعظ والحكم ان شاء الله تعالى (تخريجه) (ق) عن أبى هريرة. ورواه (لك. مذ) عن أبى هريرة وأبي سعيد على الشك
(٢) عن أبى ذر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا المسعودى أنبأني أبو عمر الدمشقى عن عبيد بن الخشخاش عن أبى ذر - الحديث" (غريبه) (٢) يعنى أن الله ﷿ يضاعفها من عشرة أضعاف الى سبعمائة ضعف حسب اخلاص المتصدق ونيته، وقد يضاعفها الله ﷿ أكثر من ذلك كما قال تعالى ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾ (٣) المقل الفقير قليل المال يعنى أن أفضل الصدقة صدقة الفقير
[ ٩ / ٢٠١ ]
-[زوائد الباب - وفضل صدقة السر]-
أو سرٌّ إلى فقيرٍ الحديث
(٢٤٧) عن عقبة بن عامرٍ ﵁ قال قال رسول الله ﷺ الجاهز بالقرآن (١) كالجاهر بالصَّدقة والمسرُّ بالقرآن كالمسرِّ بالصَّدقة
_________________
(١) بما في وسعه وطاقته؛ وهذا محمول على فقير رزق القناعة والرضا "وقوله أو سر الى فقير" يعنى أن إعطاء الصدقة فى السر الى الفقير من أفضل الصدقة لكونه أقرب الى الأخلاص وأبعد عن الرياء، وخصه العلماء بصدقة التطوع، وسيأتى توضيح ذلك فى الأحكام قريبًا (تخريجه) لم اقف عليه لغير الأمام أحمد وفيه ابو عمر، ويقال ابو عمرو الدمشقى ضعيف
(٢) عن عقبة بن عامر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا حماد ابن خالد ثنا معاوية بن صالح عن بحير عن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن عقبة بن عامر الحديث، وفى آخره قال ابو عبد الرحمن (يعنى ابن الامام أحمد رحمهما الله) قال ابى كان حماد بن خالد حافظا وكان يحدثنا وكان يحفظ، كتبت عنه انا ويحيى بن معين (غريبه) (١) أى بقراءته (كالجاهر بالصدقة) يعنى كالذى يتصدق جهارا، وكذلك المسر بتلاوة القرآن كالذى يتصدق سرًا، وقد جاءت الاحاديث بفضيلة الأسرار والجهر (قال النووى) والجمع بينهما أن الأسرار أبعد من الرياء فهو افضل فى حق من يخاف ذلك، فان لم يخف فالجهر افضل بشرط ان لا يؤذى غيره من مصلّ او نائم او غيرهما اهـ (قلت) وانما كان الجهر افضل اذا أمن من الرياء ولم يؤذ احدا لأنه يترتب عليه اقتداء غيره به فى الصدقة، ووعظ الغير وانزجاره بالقرآن والله أعلم (تخريجه) أخرجه الثلاثة. وقال الترمذى هذا حديث حسن غريب (زوائد الباب) (عن معاوية بن حيدة) ﵁ عن النبى ﷺ قال ان صدقة السر تطفئ غضب الرب ﵎، أورده المنذرى وقال رواه الطبرانى فى الكبير وفيه صدقة بن عبد الله السمين ولا بأس به فى الشواهد (وعن أبى أمامة) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ صنائع المعروف تقى مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد فى العمر، رواه الطبرانى فى الكبير باسناد حسن (وعن ام سلمة) ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ صنائع المعروف تقى مصارع السوء، والصدقة خفيا تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد فى العمر، وكل معروف صدقة؛ وأهل المعروف فى الدنيا هم أهل المعروف فى الآخرة، وأهل المنكر فى الدنيا هم أهل المنكر فى الآخرة، وأول من يدخل الجنة اهل المعروف، أورده المنذرى بصيغة التمريض، وقال رواه الطبرانى فى الأوسط (وعن ابى جعفر محمد بن على) قال قلت لعبد الله بن جعفر حدِّثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ فقال سمعت رسول الله
[ ٩ / ٢٠٢ ]
-[تسابق أبي بكر وعمر ﵄ فى الصدقة - وكلام العلماء فى فضل صدقة السر]-
_________________
(١) ﷺ يقول صدقة السر تطفئ غضب الرب، اورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الصغير والأوسط وفيه أصرم بن حوشب وهو ضعيف (قلت) يقويه حديث ابى امامة المتقدم (الأحكام) احاديث الباب مع الزوائد تدل على ان صدقة السر افضل من صدقة الجهر. وفى التنزيل ﴿ان تبدوا الصدقات فنعمَّا هى، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير﴾ وحكى الحافظ ابن كثير فى تفسيره عن ابن أبى حاتم أنه قال أنزلت فى أبى بكر وعمر ﵄، أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبى ﷺ، فقال له النبى ﷺ ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟ قال خلفت لهم نصف مالى (وأما أبو بكر) فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه حتى دفعه الى النبى ﷺ فقال له النبى ﷺ ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟ فقال عدة الله وعدة رسوله "يعنى ما وعد الله ورسوله المتصدقين من الخلف والبركة والثواب الجزيل" فبكى عمر ﵁ وقال بأبى أنت وأمى يا أبا بكر والله ما استبقنا الى باب خير قط إلا كنت سابقا (قال الحافظ ابن كثير) ﵀ وهذا الحديث روى من وجه آخر عن عمر ﵁، وإنما أوردناه ها هنا لقول الشعبى إن الآية نزلت فى ذلك، ثم إن الآية عامة فى أن اخفاء الصدقة أفضل سواء كانت مفروضة أو مندوبة، لكن روى ابن جريج من طريق على ابن أبى طلحة عن ابن عباس فى تفسير هذه الآية قال جعل الله صدقة السر فى التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفًا "وقوله ويكفر عنكم من سيئاتكم" أى بدل الصدقات ولا سيما إذا كانت سرًا يحصل لكم الخير فى رفع الدرجات ويكفر عنكم السيئات، وقد قرئ ويكفر بالجزم عطفا على محل جواب الشرط وهى قوله فنعما هى كقوله ﴿فأصّدق وأكون وأكن﴾ وقوله ﴿والله بما تعملون خبير﴾ أى لا يخفى عليه من ذلك شئ وسيجزيكم عليه اهـ (وقال جمهور العلماء) صدقة السر أفضل فى التطوع لأنه أقرب الى الأخلاص وأبعد من الرياء، وأما الزكاة الواجبة فأعلانها أفضل، وهكذا حكم الصلاة فأعلان فرائضها أفضل واسرار نوافلها أفضل لقوله ﷺ "أفضل الصلاة صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة" (وقال الترمذى) عقب إيراد حديث عقبة بن عامر المذكور آخر احاديث الباب، ومعنى هذا الحديث أن الذى يسر بقراءة القرآن افضل من الذي يجهر بقراءة القرآن، لأن صدقة السر افضل عند اهل العلم من صدقة العلانية، وإنما معنى هذا عند اهل العلم لكى يأمن الرجل يعنى من العجب، لان الذى يسر العمل لا يخاف عليه العجب ما يخاف عليه من علانيته اهـ. وقال الأمام ابو بكر بن العربى لا شك فى أن العلانية افضل إلا انها اخطر لما يدخلها من العجب والرياء وتخليصها يصعب
[ ٩ / ٢٠٣ ]
-[الخصال التي تنفع صاحبها بعد الموت]-
(٩) باب ما جاء فى الصدقة الجارية
(٢٤٨) عن أبى هريرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال إذا مات الإنسان (١) انقطع عنه عمله إلَّا من ثلاثةٍ (٣) إلَّا من صدقةٍ جاريةٍ أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعوا له
(٢٤٩) عن أبى أمامة الباهلى ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول أربعٌ تجرى عليهم أجورهم بعد الموت، رجلٌ مات مرابطًا (٢) فى سبيل الله، ورجلٌ علَّم علمًا فأجره يجرى عليه ما عمل به، ورجلٌ أجري صدقةً فأجرها
_________________
(١) فإذا أخلصت فهى أفضل، وقد كشف الله القناع بالبيان عن ذلك على لسان رسوله ﷺ فقال قال الله (﷿) من ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، ومن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير من ملئه اهـ (قلت) وما ذهب اليه الجمهور هو الأسلم والله أعلم
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سليمان ابن داود حدثنا اسماعيل أنبأنا العلاء عن أبيه عن أبى هريرة - الحديث" (غريبه) (١) فى بعض الروايات إذا مات ابن آدم "وقوله انقطع عمله" أى فائدة عمله وتجديد ثوابه (٢) أى الا ثلاثة خصال (أحدها) صدقة جارية وفى رواية دارَّة أى متصلة كوقف أو بناء مسجد أو مشفى ونحو لك "أو علم ينتفع به" كتعليم وتصنيف (قال التاج السبكى) ﵀ والتصنيف أقوى لطول بقائه على ممر الزمان وارتضاه الحافظ السيوطى "أو ولد صالح يدعو له" لأنه السبب فى وجوده، وفائدة تقييده بالولد مع أن دعاء غيره ينفعه تحريض الولد على الدعاء لأصله، وليست الصدقة الجارية محصورة فى هذه الثلاثة، بل ورد زيادة عن الثلاثة فى أحاديث أخر سيأتى بعضها فى هذا الباب وجاءت كلها فى المسند فى أبواب متفرقة (تخريجه) (م. والثلاثة)
(٣) عن أبى أمامة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن اسحاق ثنا ابن المبارك أنا ابن لهيعة عن خالد بن أبى عمران عمن حدثه عن أبى أمامة - الحديث" (غريبه) (٣) الرباط بكسر الراء وبالموحدة الخفيفة هو ملازمة المحل الذى بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين، فمن مات وهذا حاله، فظاهر الحديث أن
[ ٩ / ٢٠٤ ]
-[دعاء الولد الصالح ينفع والديه بعد موتهما - وغرس الشجر ينفع صاحبه بعد موته]-
يجري عليه ما جرت عليه (١) ورجلٌ ترك ولدًا صالحًا يدعوا له
(٢٥٠) عن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إنَّ الله ﷿ ليرفع الدَّرجة للعبد الصَّالح فى الجنَّة فيقول ياربُّ أنَّى لى (٢) هذه؟ فيقول باستغفار ولدك لك (٣)
(٢٥١) عن سهل بن معاذٍ عن أبيه (٤) ﵁ عن رسول الله ﷺ قال من بنى بنيانًا من غير ظلمٍ (٥) ولا اعتداءٍ أو غرس غرسًا فى غير ظلمٍ ولا اعتداءٍ كان له أجرٌ جارٍ ما انتفع به من خلق الله ﵎
_________________
(١) يكتب له كل يوم بعد موته ثواب المرابط الى يوم القيامة، ويحتمل إلى أن يأمن المسلمون من جهة العدو بأخذ بلاده أو اجراء صلح بينهم وبينه والله أعلم، وإنما كان للمرابط هذا الأجر العظيم لأنه فى كل لحظة مهدد بالقتل ولا يصبر على هذا إلا قوى الأيمان (١) أى مدة بقائها جارية (تخريجه) (طب) وفى إسناده ابن لهيعة ورجل لم يسمّ، لكن حسَّنه الحافظ السيوطى، ويعضده حديث أبى هريرة المتقدم
(٢) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا حماد بن سلمة عن عاصم بن أبى النجود عن أبى صالح عن أبى هريرة - الحديث" (غريبه) (٢) يعنى من أين لى هذه الكرامة ولم أعمل عملا يستوجبها (٣) فيه أن دعاء الولد لوالديه ينفعهما بعد موتهما، فمن لم يدرك والديه وأراد برّهما أو أدركهما وقصَّر فى برهما فليكثر من الدعاء لهما بعد موتهما، فهو من أعظم أنواع البر بالوالدين، ويكون للولد أجر عظيم فى ذلك (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد ورجاله رجال الصحيحين
(٣) عن سهل بن معاذ (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ثنا لهيعة ثنا زبَّان عن سهل بن معاذ عن أبيه - الحديث" (غريبه) (٤) هو معاذ ابن أنس الجهنى الصحابى ﵁ (٥) كأن يظلم البنائين أو الشغالين فى العمل أو فى الأجر (والاعتداء) كأن يغتصب الأرض من أصحابها بدون ثمن لكونهم أضعف منه مثلا، ويقال مصل ذلك فى الغرس، (٣) أى مدة انتفاع الناس بالبناء ان كان مسجدا أو نحوه مما ينتفع به، وبالغرس مدة انتفاع الناس بظله أو ثمره والله أعلم (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وفى اسناده ابن لهيعة
[ ٩ / ٢٠٥ ]
-[نظم خصال الصدقة الجارية للحافظ السيوطى]-
(٢٥٢) عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ما من رجلٍ ينعش لسانه حقًّا يعمل به بعده إلَّا أجرى الله عليه أجره إلى يوم القيامة، ثمَّ وفَّاه الله ﷿ ثوابه يوم القيامة
_________________
(١) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على ابن اسحاق ثنا عبد الله قال أنا عبيد الله بن موهب عن مالك بن محمد بن حارثة الأنصارى أن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ - الحديث" (غريبه) (١) بفتح أوله ثم نون ساكنة ثم عين مهملة مفتوحة، من باب منع يقال نعشه الله رفعه وانتعش العاثر اذا نهض من عثرته، والمعنى ما مان رجل يرفع لسانه حقا ويقيمه من كبوته كسنة أميتت وتناساها الناس وبدَّلوا مكانها بدعة فجاءهم هذا الرجل وقبَّح لهم البدعة وحسَّن لهم السنة وبينها لهم بأقامة الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ حتى أقنعهم فتركوا البدعة وعملاو بالسنة من بعده جيلا بعد جيل فهذا يجرى الله تعالى أجره مستمرا إلى يوم القيامة وهناك الجزاء الأوفى والثواب الجزيل، والله نسأل أن يجعلنا من المتبعين لسنة نبيه ﷺ علما وعملا وتعلمًا وتعليما فأفادوا واستفادوا آمين (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام أحمد وفى اسناده ابن لهيعة ومعناه فى الصحيحين (فائدة) تتبع الحافظ السيوطى ماورد من خصال الصدقة الجارية فبلغت عشر خصال نظمها فى قوله إذا مات ابن آدم ليس يجرى عليه من فعال غير عشر علوم بثها ودعاء نجل وغرس النخل والصدقات تجرى وراثة مصحف ورباط ثغر وحفر البئر أو اجراء نهر وبيت للغريب بناه يأوى اليه أو بناء محل ذكر وتعليم لقرآن كريم فخذها من أحاديث بحصر (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أن من فعل خصلة من الخصال المذكورة فيها جعل الله أجره مستمرًا بعد موته ما دامت مستمرة، وقد ذكر فى أحاديث هذا الباب سبع خصال وهى - الوقف فى سبل الخير، تعليم العلم وتأليفه، الولد الصالح، الرباط فى سبيل الله، بنيان المساجد ونحوها، غرس الشجر، إقامة الحق. وباقى الخصال التى ذكرها الحافظ السيوطى مذكورة فى المسند فى غير هذا الباب عدا وراثة المصحف فانى لا أتذكرها فيه الا اذا دخلت فى الوقف، والحكمة فى بقاء ثواب هذه الأعمال لصاحبها بعد موته أنه
[ ٩ / ٢٠٦ ]
-[كلام العلماء فى فوائد الصدقة الجارية - والحكمة فى جعل كتاب الصيام بعد الزكاة]-