عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "يَا غُلَامُ؛ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ. . فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ. . فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ. . لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ. . لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (١).
وَفَي رِوَايَةِ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ: "احْفَظِ اللَّه تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَاَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ: وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرَبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (٢).
(عن) حبر الأمة وبحر العلم أبي الخلفاء وترجمان القرآن (أبي العباس عبد اللَّه بن عباس) عم النبي ﷺ (﵄) ولد قبل الهجرة بثلاث سنين بالشعب وبنو هاشم محصورون فيه قبل خروجهم منه بيسير، وتوفي رسول اللَّه ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: ابن خمس عشرة، وصححه
_________________
(١) سنن الترمذي (٢٥١٦).
(٢) سيأتي تخريجها (ص ٣٧٦).
[ ٣٦٦ ]
أحمد، وقيل: ابن عشر، ويؤيد الأول: ما صح عنه من قوله في حجة الوداع: (وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام) (١).
وصح عنه ﷺ أنه قال: "اللهم؛ فقِّهه في الدين، وعلِّمه التأويل" (٢)، "اللهم؛ علمه الحكمة، وتأويل القرآن" (٣)، "اللهم؛ بارك فيه، وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين" (٤)، "اللهم؛ زده علمًا وفقهًا" (٥).
وثبت عنه أنه قال: (رأيت جبريل مرتين) (٦)، وهذا سبب عماه في آخر عمره؛ فإنه ورد أنه سأل النبي ﷺ عمن رآه معه ولم يعرفه، فقال له: "ذاك جبريل، أما إنه سيفقد بصرك" (٧).
وكان عمر يقول: (ابن عباسٍ فتى الكهول، له لسانٌ سؤول، وقلبٌ عقول) (٨) وكان يحبه ويدنيه من مجلسه، ويدخله مع كبار الصحابة، ويستشيره، ويعُدُّه للمعضلات.
وقال ابن مسعود: (نِعْم ترجمان القرآن ابن عباس، لو أدرك أسناننا. . ما عاشره منَّا أحد) (٩).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٦)، ومسلم (٥٠٤).
(٢) أخرجه ابن حبان (٧٠٥٥)، والحاكم (٣/ ٥٣٤)، والإمام أحمد (١/ ٢٦٦) عن سيدنا ابن عباس ﵄.
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٦٦)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٣٦٥) عن سيدنا ابن عباس ﵄.
(٤) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣١٥)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٨٦) بدون قوله: "واجعله من. . . "، وذكره ابن عبد البر في "الإستيعاب" (٢/ ٣٤٤) هكذا، وأشار لصحته، والحديث عندهم عن سيدنا عبد اللَّه بن عمر ﵄.
(٥) ذكره ابن عبد البر في "الإستيعاب" (٢/ ٣٤٤) وأشار لصحته.
(٦) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٦٤).
(٧) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٤٧٨)، والذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٣/ ٣٤٠) عن سيدنا ابن عباس ﵄.
(٨) أخرجه الحاكم (٣/ ٥٣٩)، والطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٦٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣١٨) بنحوه.
(٩) أخرجه الحاكم (٣/ ٥٣٧)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" وجعله خبرين (٣٢٨٨٣ - ٣٢٨٨٤). وفي هامش (ج): (أي: ما كان أحدٌ منا يصل إلى مرتبته، بل كان منفردًا لم يبلغ قدره أحدٌ منا).
[ ٣٦٧ ]
وقال مسروق: (أدركت خمس مئةٍ من الصحابة إذا خالفوا ابن عباس. . لم يزل يقررهم حتى يرجعوا إلى ما قال، وقال: كنت إذا رأيتَه. . قلتَ: أحلم الناس، وإذا تكلَّم. . قلت: أفصح الناس، وإذا حدَّث. . قلت: أعلم الناس) (١).
وقال عمرو بن دينار: (ما رأيت مجلسًا أجمع لكل خيرٍ من مجلس ابن عباس) (٢).
وروي: أنه لمَّا وُضِع ليُصلَّى عليه. . جاء طائر أبيض، فوقع على أكفانه ثم دخل، فالتُمس فلم يوجد، فلما سُوِّي عليه. . سُمع قائلٌ يقول: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ الآيةَ (٣).
روي له ألف حديثٍ وستُّ مئةٍ وستون، اتفقا منها على خمسةٍ وتسعين، وانفرد البخاري بثمانيةٍ وعشرين، ومسلم بتسعةٍ وأربعين.
مات بالطائف ودفن بها سنة ثمان وستين في خلافة ابن الزبير رضي اللَّه تعالى عنهم، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة سبعين، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وقال: (مات ربانيُّ هذه الأمة) (٤).
ومناقبه رضي اللَّه تعالى عنه أكثر من أن تحصر، وأظهر من أن تشهر؛ لِمَا حفَّه من تلك الدعوات الباهرة، وظهر على غرر فضائله من الخصوصيات الظاهرة، المسبوقة بالتوفيق من الصغر، والمصحوبة بالفقه في الكبر؛ فقد استأذنه ﷺ وهو على يمينه حين شرب فقال: "أتأذن لي أن أُعطي الأشياخ؟ " أي: أبا بكر وعمر وغيرهما، فقال: واللَّه لا أُوثر بنصيبي منك أحدًا، فتلَّ القدح في يده (٥).
(قال: كنت خلف النبي ﷺ [يومًا]) (٦) أي: على دابته؛ كما
_________________
(١) ذكره ابن عبد البر في "الإستيعاب" (٢/ ٣٤٥).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (١٨٥٢).
(٣) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٢٣٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٢٩) عن سعيد بن جبير ﵀.
(٤) أخرجه الحاكم (٣/ ٥٣٥)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٣٦٨).
(٥) أخرجه البخاري (٢٣٦٦)، ومسلم (٢٠٣٠) عن سيدنا سهل بن سعد ﵁، وقوله: (فتَلَّ القدح) أي: وضعه.
(٦) ما بين معكوفين ساقط من النسخ، ومثبت من نسخ المتن، ومن "الترمذي".
[ ٣٦٨ ]
في روايةٍ (١)، ففيه جواز الإرداف على الدابة إن أطاقته.
(فقال: يا غلامُ) بضم الميم؛ لأنه نكرةٌ مقصودةٌ؛ وهو الصبي من حين يفطم إلى تسع سنين، وسنُّه إذ ذاك كان نحو عشر سنين، وفي رواية: "يا غُلَيِّم" (٢) وهو تصغير حُنوٍّ وترفُّقٍ أو تعظيمٍ باعتبار ما يؤول إليه حاله.
(إني أعلمك كلمات) ينفعك اللَّه بهنَّ؛ كما في رواية أخرى؛ أي: تعلَّمْهن وعلِّمْهن، فيه ذكر العالم للمتعلم أنه يريد أن يعلمه وينبهه على ذلك قبل فعله؛ ليكون أوقع في نفسه، فيشتد تشوقه إليه، وتُقبل نفسه عليه، فهو مقدمةٌ استرعى بها سمعه؛ ليفهم ما يسمع، ويقع منه بموقع، وجاء بها بصيغة القلة (٣)؛ ليؤذنه بأنها قليلة اللفظ فيسهل حفظها، وآذنه بعظيم خطرها، ورفعة محلها بتنوينها تنوين التعظيم (٤).
وتأهيلُهُ لهذه الوصايا الخطيرة القدر، الجامعة من الأحكام والحِكَم والمعارف ما يفوق الحصر. . دليلٌ أيُّ دليلٍ على أنه ﷺ عَلِمَ ما سيؤول إليه أمرُ ابن عباسٍ من العلم والمعرفة، وكمال الأخلاق والأحوال الباطنة والظاهرة.
(احفظ اللَّه) بحفظ فرائضه وحدوده، وملازمة تقواه، واجتناب نهيه وما لا يرضاه.
(يحفظك) في نفسك وأهلك ودنياك ودينك، سيما عند الموت؛ إذ الجزاء من جنس العمل، ومنه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾.
وفي "الصحيحين": أنه ﷺ أمر البراء بن عازب أن يقول عند منامه: "رب؛ إن قبضت نفسي. . فارحمها، وإن أرسلتها. . فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" (٥).
_________________
(١) انظر "المستدرك" (٣/ ٥٤١)، و"مسند الإمام أحمد" (١/ ٣٠٣).
(٢) عند الإمام أحمد (١/ ٣٠٧) عن سيدنا ابن عباس ﵄.
(٣) قوله: (وجاء بها) أي: بالكلمات.
(٤) قوله: (بتنوينها) أي: بسبب تنوينها تنوين التعظيم. وفي أكثر النسخ: (فتنوينها) بالفاء، ولعله تحريف من النساخ، كما نبه عليه العلامة المدابغي رحمه اللَّه تعالى.
(٥) انظر "صحيح البخاري" (٦٣٢٠)، و"صحيح مسلم" (٢٧١٤) فالحديث بهذا اللفظ هو عن سيدنا =
[ ٣٦٩ ]
وهذا من أبلغ العبارات وأوجزها، وأجمعها لسائر أحكام الشريعة قليلها وكثيرها، فهو من بدائع جوامع كلمه ﷺ التي اختصَّه اللَّه تعالى بها.
وقد مدح اللَّه تعالى الحافظين لحدوده فقال: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾، وخُصَّت أعمالٌ بالتنصيص على حفظها اعتناءً بشأنها فمنها: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ الآيات، وخبر: "لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (١)، وخبر: "احفظوا أيمانكم" أي: لكثرة الحنث فيها، وخبر: "الاستحياء من اللَّه حق الحياء: أن يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى" (٢).
(احفظ اللَّه) بما مر (تجده تُجاهَك) أصله: وُجاهك بضم واوه وكسرها، ثم قُلِبت تاءً؛ كما في (تراث) وهو بمعنى أمامك كما في الرواية الآتية؛ أي: تجده معك بالحفظ والإحاطة، والتأييد والإعانة حيثما كنت، فتأنس به وتستغني به عن خلقه، فهو تأكيدٌ لما قبله؛ إذ هو بمعناه المستنبط من الآيات السابقة، وهذا من المجاز البليغ؛ لاستحالة الجهة عليه تعالى، فهو على حدِّ: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فالمعية هنا معنويةٌ لا ظرفية (٣).
وخُصَّ الأمام من بين بقية الجهات الست؛ إشعارًا بشرف المقصد، وبأن الإنسان مسافرٌ إلى الآخرة غير قارٍّ في الدنيا (٤)، والمسافر إنما يطلب أمامه لا غير، فكان المعنى: تجده حيثما توجهت وتيممت وقصدت من أمر الدين والدنيا.
(إذا سألت) شيئًا، أي: أردت سؤاله (فاسأل اللَّه) أن يعطيك إياه:
_________________
(١) = أبي هريرة ﵁، وأما حديث سيدنا البراء ﵁. . فلفظه مختلفٌ عن هذا، انظره عند البخاري (٦٣١١)، ومسلم (٢٧١٠)، ولعل الشارح رحمه اللَّه تعالى تبع الحافظ ابن رجب رحمه اللَّه تعالى في "جامع العلوم والحكم" (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩) واللَّه أعلم.
(٢) أخرجه ابن حبان (١٠٣٧)، وابن ماجه (٢٧٧) عن سيدنا ثوبان ﵁.
(٣) تقدم تخريجه والكلام عليه (ص ٣٠٠) في شرح الحديث الثاني عشر.
(٤) كتب بعض السلف إلى أخٍ له: أما بعد؛ فإن كان اللَّه معك. . فمن تخاف؟ وإن كان عليك. . فمن ترجو؟ وقال الحسن رحمه اللَّه تعالى في أهل المعاصي: (هانوا عليه فعصوه، ولو عزُّوا عليه. . لعصمهم).
(٥) في بعض النسخ: (غير ثاوٍ) وهما بمعنًى.
[ ٣٧٠ ]
﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ولا تسأل غيره؛ فإن خزائن الجود بيده، وأزِمَّتها إليه؛ إذ لا قادر ولا معطي ولا متفضِّل غيره، فهو أحق أن يقصد، سيما وقد قسم الرزق وقدَّره لكل أحدٍ بحسب ما أراده له، لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، ولا يزيد ولا ينقص، بحسب علمه القديم الأزلي وإن كان قد يقع في ذلك تبديل في اللوح المحفوظ بحسب تعليق على شرط، ومن ثَمَّ كان للسؤال فائدة؛ لاحتمال أن يكون إعطاءُ المسؤول معلقًا على سؤاله.
وروي: أنه لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾. . قالت الملائكة: هلكت بنو آدم، أغضبوا الرب حتى أقسم لهم على أرزاقهم.
وقال ﷺ: "إن الروح الأمين ألقى في رُوعي: أنه لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها، فاتقوا اللَّه، وأجملوا في الطلب" (١) أي: طلب الحلال، فمع النظر لذلك لا فائدة في سؤال الخلق مع التعويل عليهم؛ فإن قلوبهم كلها بيد اللَّه ﷾ يصرفها على حسب إرادته، فوجب ألَّا يعتمد في أمرٍ من الأمور إلا عليه ﷾؛ فإنه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، له الخلق والأمر، وبيد قدرته النفع والضر، وهو على كل شيءٍ قدير، فبقدر ما يميل القلب إلى مخلوقٍ يبعد عن مولاه؛ لضعف يقينه، ووقوعه في هُوَّة الغفلة عن حقائق الأمور التي تيقظ لها أصحاب التوكل واليقين، فأعرضوا عمَّا سواه، وأنزلوا جميع حوائجهم بباب كرمه وجوده؛ لأنه المتكفل لكل متوكلٍ بما يحبه ويتمناه؛ كما قال عز قائلًا: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ مع علمهم بما طلبه اللَّه تعالى من عباده من سؤاله، والرغبة فيما عنده، مع تبشيرهم بالإجابة في قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ومع ثنائه على مَنْ دعاه بغاية الذِّلة والخضوع والخشوع بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾.
_________________
(١) أخرجه الإمام الشافعي في "مسنده" (٨٩٥)، والبيهقي في "الشعب" (١١٤١) عن سيدنا المطلب بن حنطب ﵁.
[ ٣٧١ ]
وفي الحديث: "من لا يسأل اللَّه يغضب عليه" (١)، "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شِسْعَ نعله إذا انقطع" (٢).
وخرج المحاملي وغيره: "قال اللَّه تعالى: من ذا الذي دعاني فلم أجبه، وسألني فلم أعطه، واستغفرني فلم أغفر له وأنا أرحم الراحمين؟! " (٣).
ومع محبته لإلحاح السائلين كما جاء في الحديث (٤)، والمخلوق يغضب وينفر عند أدنى تكرار السؤال عليه، وقد قال تعالى لموسى صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم: (يا موسى؛ سلني في فى عائك -وجاء: في صلاتك- حتى ملحَ عجينك) (٥).
أللَّه يغضبُ إنْ تركتَ سؤالَهُ وبنيُّ آدم حين يسأل يغضبُ (٦)
فشتان ما بين هذين، وسُحقًا وطردًا لمن عَلِق بالأثر وأعرض عن العين.
(وإذا استعنت) أي: طلبت الإعانة على أمرٍ من أمور الدنيا والآخرة (فاستعن باللَّه) لما علمت أنه القادر على كل شيء، وغيره عاجزٌ عن كل شيء، حتى عن جلب مصالح نفسه، ودفع مضارِّها، والاستعانةُ إنما تكون بقادرٍ على الإعانة، وأما من هو كَلٌّ على مولاه، لا قدرة له على إنفاذ ما يهواه لنفسه فضلًا عن غيره. . فكيف يُؤهَّل للاستعانة به، أو يستمسك بسببه؟! قال ﷾: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قدَّم المعمول؛ ليفيد الحصر والاختصاص، فمن أعانه تعالى. . فهو المعان، ومن خذله. . فهو المخذول، ومن ثَمَّ كانت (لا حول ولا قوة إلا باللَّه) كنزًا
_________________
(١) أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٦٥٨)، والترمذي (٣٣٧٣)، وأبو يعلى (٦٦٥٥) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه ابن حبان (٨٦٦) عن سيدنا أنس ﵁. وفي هامش (ج): (الشِّسْع: الخيط الذي تربط به النعل ليثبت في الرِّجْل).
(٣) ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه اللَّه تعالى في "جامع العلوم والحكم" (١/ ٤٨٠).
(٤) أخرجه القضاعي في "مسند الشهاب" (١٠٦٩)، والبيهقي في "الشعب" (١٠٧٣)، والطبراني في "الدعاء" (٢٠) عن أم المؤمنين سيدتنا عائشة ﵂.
(٥) ذكره الحافظ ابن رجب رحمه اللَّه تعالى في "جامع العلوم والحكم" (٢/ ٣٩).
(٦) البيت من الكامل، وقبله: لا تسألنَّ بُني آدم حاجةً وسلِ الذي أبوابُهُ لا تُحجب
[ ٣٧٢ ]
من كنوز الجنة (١)؛ لتضمُّنها براءةَ النفس من حولها وقوتها إلى حول اللَّه وقوته.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: (لا تستعن بغير اللَّه يكلك اللَّه إليه) (٢).
(واعلم أن الأمة) المراد بها هنا: سائر المخلوقين؛ كما صرَّحتْ به رواية أحمد الآتية، وأما مدلولها وضعًا. . فالجماعة، وأتباع الأنبياء، والرجل الجامع للخير المُقتدَى به، والدين، والملَّة؛ نحو: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ والزمان؛ نحو: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ والرجل المنفرد بدينه الذي لم يَشْرَكه أحدٌ فيه؛ كقوله ﷺ: "يُبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمةً وحده" (٣) والأمُّ؛ كـ (هذه أُمّة زيدٍ) أي: أم زيد.
(لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ. . لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللَّه) تعالى (لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ. . لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه اللَّه) تعالى (عليك) كما يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآيةَ، والمعنى: وحِّد اللَّه تعالى في لحوق الضُّرِّ والنفع؛ فهو الضارُّ النافع، ليس لأحدٍ معه في ذلك شيء؛ لِمَا تقرَّر: أن أَزِمَّة الموجودات بيده منعًا وإطلاقًا، فإذا أراد غيرُك ضرَّك بما لم يُكتَب عليك. . دفعه اللَّه تعالى عنك بصرف ذلك الغير عن مراده بعارضٍ من عوارض القدرة الباهرة مانعٍ من الفعل من أصله: كمرضٍ، أو نسيانٍ، أو صرف قلب، أو من تأثيره: ككسر قوسه، وفساد رميه، وخطأ سهمه.
فعلم أن هذا تقريرٌ وتاكيدٌ لما قبله من الإيمان بالقَدَر خيره وشره، وتوحيده ﷾ في لحوق الضُّرِّ والنفع على أبلغ برهان (٤)، وأوضح بيان، وحثٌّ على التوكل والاعتماد على اللَّه ﷾ في جميع الأمور. وعلى شهود أنه سبحانه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٢٠٥)، ومسلم (٢٧٠٤) عن سيدنا أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه اللَّه تعالى في "جامع العلوم والحكم" (١/ ٤٨٢).
(٣) أخرجه النسائي في "الكبرى" (٨١٣١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٣/ ٦) عن سيدنا عروة بن الزبير ﵁.
(٤) في بعض النسخ: (بأبلغ برهان).
[ ٣٧٣ ]
وتعالى وحده هو المؤثِّر في الوجود، النافع الضار، وغيره ليس له من النفع ولا من الضر شيء.
وعلى الإعراض عما سواه (١)؛ إذ من تيقَّن ذلك. . لم يشهد ضره ونفعه إلا من مولاه، ولم ينزل حاجته إلا به ﷾، كما وقع لإبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام لمَّا أُلقي في المنجنيق ليُلقى في النار؛ فإن جبريل جاءه حينئذٍ وقال له: ألك حاجة؟ فقال: (أما إليك. . فلا) (٢).
ونعوذ باللَّه من اعتقاد نفعٍ أو ضرٍّ في غيره تعالى؛ فإن ذلك هو عين الشرك الأصغر بل الأكبر كما لا يخفى.
وقوله: "كتبه اللَّه لك" و: "كتبه عليك" موافقٌ لما مر من قوله ﷺ: "فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد" (٣).
(رفعت الأقلام) أي: تركت الكتابة بها؛ لفراغ الأمر وانبرامه كما سيأتي.
(وجفت) بالجيم (الصحف) أي: التي فيها مقادير الكائنات، كاللوح المحفوظ؛ أي: فرغ من الأمر، وجفت كتابته؛ لأن الصحيفة حالَ كتابتها لا بد أن تكون رطبةَ المداد أو بعضه، فلم يمكن بعد ذلك أن يكتب فيها تبديلٌ (٤) أو نسخٌ لما كتب من ذلك واستقر؛ لمَا أنها أمور ثابتةٌ لا تبدَّل ولا تغيَّر عما هي عليه، فذلك كناية عن تقدُّم كتابة المقادير كلها، والفراغ منها من أمدٍ بعيدٍ، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها.
وقد دل الكتاب والسُّنة على ذلك، فمن علم ذلك وشهده بعين بصيرته. . هان عليه التوكل على خالقه، والإعراض عما سواه، ويشهد لذلك الرفعِ والجفافِ: ما رواه ابن العربي بسنده: أنه ﷺ قال: "أول ما خلق اللَّه القلم، ثم خلق النون -وهي الدواة- وذلك قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ ثم قال له: اكتب، قال:
_________________
(١) أي: وحث على الإعراض عما سواه.
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢٤٦٦٥) عن معتمر بن سليمان التيمي ﵀ عن بعض أصحابه.
(٣) انظر ما تقدم (ص ١٩٧) وهو قطعة من الحديث الرابع من أحاديث المتن.
(٤) في بعض النسخ: (أن يقع فيها تبديل).
[ ٣٧٤ ]
وما أكتب؛ قال: ما كان وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة؛ من عملٍ، أو أجلٍ، أو رزقٍ، أو أثرٍ، فجرى القلم بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، ثم ختم العمل، فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل، فقال الجبار: ما خلقت خلقًا أعجب إليَّ منك، وعزتي؛ لأكملنك فيمن أحببتُ، ولأنقصنك فيمن أبغضتُ، ثم قال ﷺ: أكمل الناس عقلًا أطوعهم للَّه ﷾ وأعملهم بطاعته" (١).
وروى مسلم: "إن اللَّه ﷾ كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة" (٢).
وفيه أيضًا: يا رسول اللَّه؛ فيم العمل اليوم، أفيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: "بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير" قال: ففيم العمل؟ قال: "اعملوا؛ فكلٌّ ميسرٌ لِمَا خُلِق له" (٣).
وأخرج أحمد وأبو داوود والترمذي: "أول ما خلق اللَّه تعالى القلم، ثم قال له: اكتب، [فجرى] في تلك الساعة بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة" (٤).
قيل: وأول من كتب العربي وغيره آدم، وقيل: إسماعيل هو أول من كتب العربي، وقيل: غيرهما، ولم يصح في ذلك شيءٌ، وقولُ الكلبي: أول من وضع الخط نفرٌ من طيئ. . مردودٌ؛ لأنه لا يوثق بنقله.
(رواه) جماعةٌ من عدة طرقٍ عن ابن عباس، وجاء: أنه ﷺ وصاه بذلك عن علي، وأبي سعيد، وسهل بن سعد (٥)، وعبد اللَّه بن جعفر، وفي أسانيدها كلها ضعفٌ، قال ابن منده وغيره: وأصح الطرق كلها الطريق التي أخرجها (الترمذي، وقال: حسن صحيح).
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" (٥٦/ ٢٠٨)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٦٩) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٢) صحيح مسلم (٢٦٥٣) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
(٣) صحيح مسلم (٢٦٤٨) عن سيدنا جابر بن عبد اللَّه ﵄.
(٤) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣١٧)، وسنن أبي داوود (٤٧٠٠)، وسنن الترمذي (٣٣١٩) عن سيدنا عبادة بن الصامت ﵁.
(٥) في جميع النسخ إلا (و): (وسهل بن سعيد) والصواب ما أثبت، انظر "جامع العلوم والحكم" (١/ ٤٦١).
[ ٣٧٥ ]
وهو باعتبار طريقيه حديثٌ عظيم الموقع، وأصلٌ كبيرٌ في رعاية حقوق اللَّه تعالى، والتفويض لأمره، والتوكل عليه، وشهود توحيده وتفرده، وعجز الخلق وافتقارهم إليه، وبهذا التقرير يصح أن يدعى في مثل هذا الحديث أنه نصف الإسلام، بل كله؛ لأن التكاليف إما أن تتعلق باللَّه ﷾ أو بغيره، وهذا فيه بيانٌ لجميع ما يتعلق به تعالى صريحًا، وبغيره استلزامًا، على أن ذلك كله مفهومٌ من أول جملةٍ فيه، وهي: "احفظ اللَّه يحفظك".
وفيه أيضًا: التصريح بجملٍ مستكثرةٍ مما يتعلق بحقوق الآدميين، أشير إليها بذكر الصبر وما بعده، ولذلك أفرد الكلام عليه بتصنيفٍ مستقلٍّ.
(وفي رواية غير الترمذي) وهو عبد بن حُمَيْد في "مسنده" لكن بإسناد ضعيف (١)، ورواه أحمد، لكن بإسنادين منقطعين، ولفظه: "يا غلام، أو يا غُليم؛ ألا أعلمك كلماتٍ ينفعك اللَّه بهنَّ؟ " فقلت: بلى، فقال: "احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده أمامك، تعرَّف إلى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت. . فاسأل اللَّه، وإذا استعنت. . فاستعن باللَّه، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيءٍ لم يقضه اللَّه. . لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيءٍ لم يكتبه اللَّه عليك. . لم يقدروا عليه، واعلم أن [في] الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا" (٢).
وهذا أتم من حديث عبد بن حميد الذي ذكره المصنف بقوله: (احفظ اللَّه تجده أمامك) ومر الكلام على ذلك.
(تعرف) بتشديد الراء؛ أي: تحبَّب (إلى اللَّه في الرخاء) بالدأب في الطاعات، والإنفاق في وجوه القُرب والمثوبات؛ حتى تكون متصفًا عنده بذلك، معروفًا به.
(يعرفك في الشدة) بتفريجها عنك، وجعله لك من كل ضيقٍ فرجًا، ومن كل همٍّ مخرجًا، بواسطة ما سلف منك من ذلك التعرف؛ كما وقع للثلاثة الذين أصابهم المطر، فأووا إلى غارٍ، فانحدرت صخرةٌ فانطبقت عليهم، فقالوا: انظروا ماذا
_________________
(١) مسند عبد بن حميد (٦٣٦) عن سيدنا ابن عباس ﵄.
(٢) مسند الإمام أحمد (١/ ٣٠٧) عن سيدنا ابن عباس ﵄.
[ ٣٧٦ ]
عملتم من الأعمال الصالحة، فاسألوا اللَّه ﷾ بها فإنه ينجيكم، فذكر كلٌّ منهم سابقةَ عملٍ صالحٍ سبق له مع ربه، فانحدرت الصخرة وخرجوا يمشون. رواه البخاري وغيره (١).
وقيل: يجوز أن يكون على حذف مضاف؛ أي: تعرف لملائكته في الرخاء بالتزامك لطاعته، وإظهار عبادته يعرفك في الشدة بواسطة شفاعتهم عنده في تفريج كربك وغمك، ويدل لذلك ما في الحديث: (أن من له دعاء حال الرخاء إذا دعا به حال الشدة. . قالت الملائكة: ربنا؛ هذا صوتٌ نعرفه، وإذا لم يدعُ حال الرخاء ودعا حال الشدة. . قالوا: ربنا؛ هذا صوتٌ لم نعرفه) اهـ (٢)
وهذا تكلفٌ، والحديث بتقدير صحته لا يؤيده كما هو ظاهر، فالأَولى: ما تقرر أولًا.
ثم كلٌّ من معرفة العبد وربه عامة وخاصة؛ فمعرفة العبد العامة: هي الإقرار بوحدانية اللَّه تعالى وربوبيته، والإيمان به، والخاصة: هي الانقطاع إليه، والأُنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، وشهوده في كل حال.
ومعرفته ﷾ العامة: هي علمه بعباده، واطلاعه على ما أسَرُّوه وأعلنوه، والخاصة: هي محبته لعبده، وتقريبه إليه ﷾، وإجابة دعائه، وإنجاؤه من الشدائد، فلا يظفر بهذه الخاصة إلا من تحلَّى بتلك الخاصة.
(واعلم أن ما أخطأك) من المقادير فلم يصل إليك (لم يكن) مقدرًا عليك (ليصيبك) لأنه بان بكونه أخطأك أنه مقدَّرٌ على غيرك.
(وما أصابك) منها (لم يكن) مقدَّرًا على غيرك (ليخطئك) وإنما هو مقدرٌ عليك؛ إذ لا يصيب الإنسان إلا ما قدر عليه، ومعنى ذلك: أنه قد فرغ مما أصابك أو أخطأك من خيرٍ أو شرٍ، فما إصابتُه لك محتومةٌ. . لا يمكن أن يخطئك، وما أخطأك. . فسلامتك منه محتومة، فلا يمكن أن يصيبك؛ لأنها سهامٌ صائبةٌ
_________________
(١) صحيح البخاري (٢٢٧٢) عن سيدنا ابن عمر ﵄.
(٢) ذكر نحوًا منه الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه اللَّه تعالى في "جامع العلوم والحكم" (١/ ٤٧٥) وجعله من كلام سيدنا سلمان الفارسي ﵁. وفي هامش (١): (بلغ مقابلة على نسخة المؤلف بمكة المشرفة).
[ ٣٧٧ ]
وُجِّهت من الأزل، فلا بد أن تقع مواقعها، ومن ثم قال ﷺ: "إن لكل شيءٍ حقيقة، وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه" رواه أحمد (١).
ففي ذلك تقريرٌ وحضٌّ على تفويض الأمور كلها إلى اللَّه ﷾، مع شهود أنه الفاعل لما يشاء، وأن ما قضاه وأبرمه لا يمكن أن يتعدَّى حده المقدر له، وهذا راجعٌ لقوله ﷾: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ الآيةَ، ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾.
واستفيد من ذلك أن كل أمرٍ بالنسبة إلى كل إنسانٍ هو لذاته جائزٌ أن يصيبه وأن يخطئه على جهة الإمكان الخاص، وإنما يتعيَّن أحدهما بتعلق الإرادة والعلم الأزليين به.
واختلف المتكلمون فيما إذا تعلق علم اللَّه ﷾ بوقوع ممكنٍ أو عدمه؛ هل يبقى خلاف ما تعلق به مقدورًا؟ قيل: نعم، وقيل: لا.
ثم مدار هذه الوصية كلها على هذا الأصل؛ إذ ما قبله وما بعده مفرَّعٌ عليه، وراجعٌ إليه؛ فإن من علم أنه لن يصيبه إلا ما كُتب له من خيرٍ وشرٍّ، ونفع وضرٍّ، وأن اجتهاد الخلق كلهم بخلاف المقدور لا يفيد شيئًا ألبتة. . عَلِم أن اللَّه ﷾ وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأفْرَدَهُ بالطاعة، وحفظ حدوده، وخافه، ورجاه، وأحبه، وقدَّم طاعته على طاعة خلقه كلهم، وأفرَدَهُ بالاستعانة به، والسؤال له، والتضرع إليه، والرضا بقضائه في حال الشدة والرخاء.
وفي رواية: "فإن استطعت أن تعمل للَّه ﷾ بالرضا في اليقين. . فافعل، وإن لم تستطع. . فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا" (٢).
وفي أخرى بعد هذا: قلت: يا رسول اللَّه؛ كيف أصنع باليقين؟ قال: "أن
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٦/ ٤٤١) عن سيدنا أبي الدرداء ﵁.
(٢) أخرجها هناد في "الزهد" (٥٣٦) عن سيدنا ابن عباس ﵄.
[ ٣٧٨ ]
تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك" فإذا أنت أحكمت باب اليقين؛ أي: إنَّ تيقُّن القلب بالقضاء المبرم يُعينه على الرضا بما أصابه، وهذا هو الكمال المطلق، فمن لم يصل إليه. . فليتجرَّعِ الصبر؛ فإن فيه خيرًا كثيرًا.
وأخرج الترمذي: "أن اللَّه ﷾ إذا أحبَّ قومًا. . ابتلاهم، فمن رضي. . فله الرضا، ومن سخط. . فله السخط" (١).
(واعلم) تنبيهٌ على أن الإنسان في هذه الدار ولا سيما الصالحون معرَّضون للمحن والمصائب، وطروق المنغصات والمتاعب؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الآيات، فينبغي للإنسان أن يصبر ويحتسب، ويرضى بالقضاء والقدر، وينتظر وعد اللَّه تعالى له بأن عليه صلوات من ربه ورحمة، وبأنه المهتدي.
(أن النصر) من اللَّه ﷾ للعبد على جميع أعداء دينه ودنياه إنما يوجد (مع الصبر) على طاعته وعن معصيته، فهو سببٌ للنصر؛ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ومن خيريَّته لهم كونه سببًا لنصرهم على أعدائهم ونفوسهم، ومن ثَمَّ كان الغالب على مَنِ انتصر لنفسه عدمَ النصر والظفر، وعلى مَنْ صبر ورضي بعلم اللَّه تعالى وحكمِه تعجيلَهما له كما هو المعهود من مزيد كرمه وإحسانه، وجاء في حديثٍ ضعيفٍ: "قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: "مجاهدة العبد لهواه" (٢).
(وأن الفَرَج) يحصل سريعًا (مع الكرب) فلا دوام للكرب، وحينئذٍ فيحسن لمن نزل به أن يكون صابرًا محتسبًا، راجيًا سرعة الفرج مما نزل به، حسَنَ الظن بمولاه في جميع أموره؛ فإنه ﷾ أرحم به من كل راحمٍ حتى من أمه وأبيه؛ إذ هو ﷾ أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.
(وأن مع العسر يسرًا) كما نطق به قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
_________________
(١) سنن الترمذي (٢٣٩٦) عن سيدنا أنس ﵁.
(٢) أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٤٩٨) عن سيدنا جابر ﵁.
[ ٣٧٩ ]
يُسْرًا﴾، ومن ثم ورد عن جمعٍ من الصحابة وعنه ﷺ: "لن يغلب عسرٌ يسرين" (١) أي: لأن النكرة إذا أُعيدت. . كانت غير الأُولى، والمعرفة إذا أُعيدت. . كانت عين الأُولى غالبًا فيهما، وفهم بعضهم أن الآية من غير الغالب، أو نظر إلى مقابل الأصح الذي تقرر (٢)، فقال: هما عسران أيضًا: عسر الدنيا ومعه يسر، وعسر الآخرة ومعه يسر، وأخرج البزار وابن أبي حاتم واللفظ له: "لو جاء العسر فدخل هذا الحجر. . لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه" فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٣).
ولا ينافي وقوع العسر لنا كما صرحت به هذه الآية عدمَ وقوعه كما صرح به قوله تعالى في آية الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ لاختلاف المراد بالعسرين، فالمثبت هو العسر في العوارض الدنيوية التي تطرق العبد مما لا يلائم النفس؛ كضيق الأرزاق، وتوالي المحن والفتن، وأخذ الأموال ظلمًا وجورًا، والمنفي هو العسر بالتكليف بالأحكام الشاقة؛ كما قال ﷾: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
وما تقرر في (مع) في محالِّها الثلاثة من أنها على بابها. . هو الظاهر؛ إذ أواخر أوقات الصبر والكرب والعسر هي أول أوقات النصر والفرج واليسر، فقد تحققت المقارنة بينهما، وتكلَّف بعضهم فقال: إن نظرنا إلى العلم الأزلي. . كانت (مع) على أصلها؛ لاقتران النصر والصبر مثلًا في تعلُّق العلم الأزلي بهما؛ لاستحالة تعلقه بأحدهما قبل الآخر؛ لأنه لا ترتُّب فيه، لكنه يتعلق بان أحدهما سيقع بعد الآخر، وإن نظرنا إلى الوجود الحقيقي؛ يعني وقوع النصر والصبر مثلًا. . كانت (مع) بمعنى (بعد) لأن بينهما تضادًا أو نحوه، فلا تتصور المقارنة بينهما. اهـ
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٥٢٨)، والبيهقي في "الشعب" (٩٥٤١) عن الحسن البصري رحمه اللَّه تعالى مرسلًا.
(٢) قوله: (أو نظر إلى مقابل الأصح) يعني: أن من قال: هما عُسران أيضًا -أي: كما أن في الآية يسرين- إما لأنه فهم أن الآية من غير القاعدة الأغلبية، أو أنه نظر إلى مقابل الأصح: من أن المعرفة كالنكرة إذا أعيدت. . فهي غير الأول، تأمل. اهـ "مدابغي"
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٣٩٥) عن سيدنا أنس ﵁، وانظر "الدر المثور" (٨/ ٥٥٠) فقد عزاه الحافظ السيوطي رحمه اللَّه تعالى للبزار وغيره.
[ ٣٨٠ ]
ويرد ما قاله مع ما فيه من التكلف والتمحُّل بأن النظر لتعلق العلم لا يحسن هنا؛ لأنه لا خصوصية لهذه الثلاثة (١)، بل تعلقه بجميع الموجودات تعلقٌ واحدٌ لا تقدم فيه لبعضها على بعضٍ، وعند النظر لهذا لا يكون في تخصيصه ﷺ المعية بهذه الثلاثة كبيرُ معنًى، وكلامه الشريف البالغ أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة بعد القرآن يجِلُّ عن ذلك.
وأما النظر للوجود الحقيقي، وزعم أن (مع) حينئذٍ بمعنى (بعد) وأن المقارنة متعذرة؛ لما بينهما من التضاد أو شبهه. . فجميعه في محل المنع؛ لأنه مجرد دعوى لا دليل عليها؛ لما تُلِيَ عليك قبلُ من صحة كونها على بابها، وبيان وقوع المقارنة بينهما بالاعتبار السابق الدافع لدعوى تضادٍّ أو شبهةٍ بينهما.
ومن لطائف اقتران الفرج بالكرب وأليسر بالعسر: أن الكرب إذا اشتد وتناهى. . أَيِس العبد من جميع المخلوقين، وتعلَّق قلبه باللَّه ﷾ وحده، وهذا هو حقيقة التوكل، وقد قال ﷾: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
* * *
_________________
(١) في أكثر النسخ: (لهذه به).
[ ٣٨١ ]