عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ. . فَهُوَ رَدٌّ" رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (١)، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا. . فَهُوَ رَدٌّ" (٢).
(عن أم المؤمنين) أي: في الاحترام والتعظيم وحرمة النكاح، دون نحو النظر والخلوة، وكذا سائر أمهات المؤمنين، وهو ﷺ أبو المؤمنين في الرأفة والرحمة، ونفي أبوته في الآية أُريد به نفي أُبوَّةِ النسب والتبنِّي.
(أم عبد اللَّه) كناها ﷺ بابن أختها أسماء عبد اللَّه بن الزبير رضي اللَّه تعالى عنهم، وأبعدَ مَنْ قال: بِسِقْط لها.
(عائشة) الصديقة بنت الصديق، الحبيبة بنت الحبيب (﵂) تزوجها ﷺ بمكة وهي بنت ستٍّ، بعد تزوجه بسَوْدة بشهرٍ، وقبل الهجرة بثلاث سنين، ودخل بها في المدينة في شوال منصَرفَهُ من بدر، سنة اثنتين من الهجرة وهي بنت تسع سنين (٣)، وتوفي ﷺ وهي بنت ثمان عشرة سنة.
_________________
(١) صحيح البخاري (٢٦٩٧)، وصحيح مسلم (١٧١٨/ ١٧).
(٢) صحيح مسلم (١٧١٨/ ١٨).
(٣) قوله: (وهي بنت تسع سنين) مشكلٌ مع ما قبله؛ فإنه يقتضي أن تكون حين الدخول بنت إحدى عشرة سنة، وعليه يكون سنها عند وفاته ﷺ تسع عشرة لا ثمان عشرة سنة كما ذكره، قال شيخنا الشهاب ابن الفقيه عليه الرحمة: ويمكن الجمع بأن يقال: المراد بالست: خمس ونصف لكنها جُبرت فصارت ستًا، وبالثلاث: اثنان ونصف، وجبر ذلك النصف فصارت ثلاثًا، وإذا ضُمَّتِ الخمس ونصف إلى الاثنين ونصف. . =
[ ٢٢٠ ]
وعاشت بعده أربعين سنة؛ فإنها توفيت سنة سبع أو ثمان وخمسين، لثلاث عشرة بقيت من رمضان بعد الوتر، وصلَّى عليها أبو هريرة؛ لإمارته على المدينة حينئذٍ من قِبَل مروان.
روى لها ألفًا حديث ومئتان وعشرة، وقيل: ألف وعشرة، اتفقا منها على مئة وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري بأربعة وسبعين (١)، ومسلم بثمانية وستين.
(قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: من أحدث) أي: أنشأ واخترع من قِبَل نفسه (في أمرنا) أي: شأننا الذي نحن عليه؛ وهو ما شرعه اللَّه تعالى ورسوله ﷺ، واستمر العمل به، ومن ثَمَّ جاء في رواية: "ديننا"، ويطلق ويراد به مصدر (أمَرَ) لكن هذا يجمع على أوامر (٢).
(هذا) إشارة لجلالته، ومزيد رفعته وتعظيمه، على حد: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ وإن اختلفا في أداة الإشارة؛ إذ تلك أدل على ذلك من هذا، وقد تأتي الإشارة به للتحقير.
(ما ليس منه) مما ينافيه، أو لا يشهد له شيءٌ من قواعده وأدلته العامة (فهو رَدٌّ) أي: مردودٌ على فاعله؛ لبطلانه وعدم الاعتداد به، سواء كانت منافاته لما ذكر لعدم مشروعيته بالكلية، كنذر القيام وعدم الاستظلال، ومن ثَمَّ أبطل ﷺ نذر ذلك (٣)، أو للإخلال بشرطه أو ركنه، عبادةً كانت أو عقدًا، فلا ينقل الملك مطلقًا على الأصح (٤) من خلافٍ طويلٍ فيه للعلماء (٥)، أو للزيادة على المشروع
_________________
(١) = صار المجموع ثمانية وستين سنة ونصف، وأُلغي الكسر وهو النصف، فادعاء أن المجموع تسعة صحيح، وكذا قوله: (وتوفي وهي بنت ثمان عشرة سنة) لأنه ﵊ بعد الهجرة عاش عشر سنين ومات في أول الحادية عشرة، وكان سنها قبل ذلك ثمان سنين. فليتأمل. اهـ "مدابغي"
(٢) كذا في النسخ، وفي "تهذيب الأسماء واللغات" للإمام النووي رحمه اللَّه تعالى (٢/ ٣٥١)، و"عمدة القاري" للإمام العيني رحمه اللَّه تعالى (١/ ٣٨): أن ما انفرد به الإمام البخاري أربعة وخمسون، فليتنبه.
(٣) أي: الأمر الذي هو مصدر (أمَرَ).
(٤) أخرجه البخاري (٦٧٠٤)، وأبو داوود (٣٣٠٠)، وابن ماجه (٢١٣٦) عن سيدنا ابن عباس ﵄.
(٥) قوله: (فلا ينقل. . . إلخ) بالبناء للمفعول أو للفاعل، وضميره راجعٌ إلى العقد المختل شرطًا أو ركنًا، فلا ينقل ذلك العقد، ويجب رد المأخوذ على صاحبه. اهـ هامش (غ)
(٦) هذا مذهب الإمام الشافعي، وعند الحنفية: كما ينعقد البيع بالإيجاب والقبول ينعقد بالتواطؤ (التعاطي) =
[ ٢٢١ ]
فيه في نحو الصلاة دون نحو الوضوء، أو لارتكابه منهياته (١)، كالصلاة بنحو مغصوبٍ أو فيه، والحج بمالٍ حرامٍ، والذبح بمغصوب؛ والاعتكاف مع اقتراف كبيرة، والصوم مع نحو كذب، والبيع مع نحو النجش وغيره مما نُهي عنه لأمرٍ خارجٍ، وهبةِ بعض الأولاد على رأيٍ ضعيفٍ في الجميع (٢).
والأصح: الصحة؛ لأن النهي في هذه لأمرٍ خارجٍ بخلافه للذات؛ فإنه يبطلها؛ كذبح المحرم للصيد، ولبسه للخف بلا عذر، فلا يمسح عليه، وجماعِ الصائم، أو الحاجِّ قبل التحلُّل.
أما ما لا ينافي ذلك بأن شهد له شيءٌ من أدلة الشرع أو قواعده. . فليس يُردُّ على فاعله، بل هو مقبولٌ منه، وذلك كبناء نحو الربط وخانات السبل (٣)، وسائر أنواع البِرِّ التي لم تُعهَد في الصدر الأول؛ فإنه موافقٌ لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف، والمعاونة على البِر والتقوى، وكالتصنيف في جميع العلوم النافعة الشرعية على اختلاف فنونها، وتقرير قواعدها، وكثرة التفريعات، وفرض ما لم يقع وبيان حكمه، وتفسير القرآن والسنة (٤)، والكلام على الأسانيد والمتون، وتتبع كلام العرب نثره ونظمه، وتدوين كل ذلك، واستخراج علوم اللغة؛ كالنحو والمعاني، والبيان والأوزان، فذلك كله وما شاكله معلومٌ حُسْنُه، ظاهرٌ فائدته؛ معينٌ على معرفة كتاب اللَّه تعالى وفهم معاني كتابه، وسنة رسوله ﷺ، فيكون مأمورًا به.
وكتفريع الأصول والفروع، وما يحتاجان إليه من الحساب وغيره من العلوم الآلية، وككتابة القرآن في المصاحف، ووضع المذاهب وتدوينها، وتصنيف الكتب ومزيد إيضاحها وتبيينها، وغير ذلك مما مرجعه ومنتهاه إلى الدين بواسطةٍ أو وسائط؛ فإنه مقبولٌ من فاعله، مثابٌ ممدوحٌ عليه.
_________________
(١) = مطلقًا، فينقل الملك عندهم فاحفظ ذلك. اهـ هامش (غ)
(٢) في بعض النسخ: (منهيًا عنه)، وفي أخرى: (منهيًا فيه).
(٣) أي: من قوله: (الصلاة بنحو مغصوبٍ أو فيه) وما بعدها.
(٤) الخان: ما ينزله المسافرون.
(٥) في هامش (أ): (بلغ مقابلة على نسخة المؤلف بمكة المشرفة).
[ ٢٢٢ ]
ومن ثَمَّ استجاز كثيرًا منه الصحابةُ رضوان اللَّه تعالى عليهم (١)، كما وقع لأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنهم في جمع القرآن؛ فإن عمر أشار به على أبي بكر؛ خوفًا من اندراس القرآن بموت الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم لمَّا كثر فيهم القتلُ يوم اليمامة وغيره، فتوقَّف لكونه صورةَ بدعة، ثم شرح اللَّه صدره لفعله؛ لأنه ظهر له أنه يرجع إلى الدين، وأنه غير خارجٍ عنه، ومن ثَمَّ لمَّا دعا زيد بن ثابت وأمره بالجمع. . قال له: (كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول اللَّه ﷺ؟!) فقال: (واللَّه إنه حقٌّ) ولم يزل يراجعه حتى شرح اللَّه صدره للذي شرح له صدرهما (٢).
وكما وقع لعمر رضي اللَّه تعالى عنه في جمع الناس لصلاة التراويح في المسجد، مع تركه ﷺ لذلك بعد أن كان فعله لياليَ؛ وقال -أعني عمرَ ﵁-: (نعمت البدعة هي) (٣) أي: لأنها وإن أُحدثت ليس فيها رَدٌّ لِمَا مضى، بل موافقةٌ له؛ لأنه ﷺ علَّل الترك بخشية الافتراض، وقد زال ذلك بوفاته ﷺ.
وقال الشافعي ﵁: (ما أُحدث وخالف كتابًا أو سنةً أو إجماعًا أو أثرًا. . فهو البدعة الضَّالة، وما أُحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك. . فهو البدعة المحمودة) (٤).
والحاصل: أن البدع الحسنة متفقٌ على ندبها؛ وهي: ما وافق شيئًا ممَّا مرَّ ولم
_________________
(١) وأعلم: أن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة؛ فتارة تكون واجبة كضبط المصاحف والشرائع إذا خيف عليها الضياع، وتارة تكون محرمة كالمكوس وسائر المحدثات المنافية للقواعد الشرعية، وتارة تكون مندوبة كصلاة التراويح جماعة؛ ولذلك قال سيدنا عمر ﵁ في التراويح: (نعمت البدعة هي)، وتارة تكون مكروهة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف، وتارة تكون مباحة كاتخاذ المناخل للدقيق؛ ففي الآثار: (أن أول شيءٍ أحدثه الناس بعد رسول اللَّه ﷺ اتخاذ المناخل) وإنما كانت مباحة؛ لأن لين العيش وإصلاحه من المباحات، فوسائله مباحة. اهـ "تحفة المريد" (ص ٣٤٣)
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٨٦)، وابن حبان (٤٥٠٦)، والترمذي (٣١٠٣) عن سيدنا زيد بن ثابت ﵁.
(٣) أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ١١٤)، والبيهقي في "السنن الصغير" (٨١٦).
(٤) انظر "المدخل إلى السنن الكبرى" للبيهقي (٢٥٣).
[ ٢٢٣ ]
يلزم من فعله محذورٌ شرعيٌّ، ومنها ما هو فرض كفاية؛ كتصنيف العلوم ونحوها مما مر.
قال الإمام أبو شامة شيخ المصنف رحمهما اللَّه تعالى: (ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عامٍ في اليوم الموافق ليوم مولده ﷺ من الصدقات، والمعروف، وإظهار الزينة والسرور؛ فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعرٌ بمحبته ﷺ، وتعظيمه، وجلالته في قلب فاعل ذلك، وشكرِ اللَّه ﷾ على ما منَّ به من إيجاد رسوله ﷺ، الذي أرسله رحمة للعالمين ﷺ) (١).
وأن البدع السيئة -وهي: ما خالف شيئًا من ذلك صريحًا أو التزامًا- قد تنتهي إلى ما يوجب التحريم تارةً، والكراهة أخرى، وإلى ما يظن أنه طاعةٌ وقُربةٌ:
فمن الأول: الانتماء إلى جماعةٍ يزعمون التصوف، ويخالفون ما كان عليه مشايخ الطريق من الزهد والورع وسائر الكمالات المشهورة عنهم، بل كثيرٌ من أولئك إباحيَّة لا يُحرِّمون حرامًا؛ لتلبيس الشيطان عليهم أحوالَهم القبيحة الشنيعة، فهم باسم الفسق أو الكفر أحق منهم باسم التصوف أو الفقر (٢).
ومنه: ما عمَّ به الابتلاء، من تزيين الشيطان للعامة تخليقَ حائطٍ أو عمودٍ (٣)، وتعظيمَ نحو عينٍ أو حجرٍ أو شجرةٍ لرجاء شفاءٍ أو قضاء حاجة، وقبائحهم في هذا ظاهرةٌ غنيةٌ عن الإيضاح والبيان.
وقد صحَّ: أن الصحابة ﵃ مروا بشجرة سدرة قبل حنين، كان المشركون يعظمونها، وينوطون بها أسلحتهم -أي: يعلقونها بها- فقالوا: يا رسول اللَّه؛ اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواط، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه
_________________
(١) انظر "الباعث على إنكار البدع والحوادث" (ص ٢٣ - ٢٤).
(٢) قال بعضهم: (من الخفيف) طلعَ الفقرُ مُستغيثًا إلى اللَّهِ إنَّ بعضَ العبادِ قد ظلموني يتسمَّونَ بي -وحقِّكَ- زورًا لستُ أعرفهم ولا يعرفوني
(٣) التخليق: وضع الخَلوق عليه، وهو الطيب.
[ ٢٢٤ ]
عليه وسلم: "اللَّه أكبر، هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لتركبنَّ سَنَن مَنْ كان قبلكم" (١).
ومن الثاني -ومنشؤه أن الشرع يخص عبادةً بزمنٍ، أو مكانٍ، أو شخصٍ، أو حالٍ، فيعمِّمونها جهلًا وظنًا أنها طاعة مطلقًا-: نحو صوم يوم الشَّك، أو التشويق، والوصال، وغيرها، مما لو قيل لهم: لا تفسدوا في الأرض. . قالوا: إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون.
ومنه: التعريف بغير عرفة عند جمعٍ من السلف (٢)، لكن استحسنه آخرون منهم، فخفَّ أمره إلا في نحو ما يفعل ببيت المقدس؛ لاقترانه بمفاسد كثيرة، كما نبَّه عليه العلماء.
ومنه: الصلاة ليلة الرغائب أولَ جمعةٍ في رجب، وليلة النصف من شعبان، فهما بدعتان مذمومتان، خلافًا لمن استحسنهما، وحديثهما موضوعٌ، كما بيَّنه المصنفُ رحمه اللَّه تعالى في "شرح المهذب" (٣) وغيرُه ممن قبله وبعده، وردُّوا على ابن الصلاح رجوعه عن موافقتهم إلى الانتصار لهما، وأبطلوا جميع ما استدل به، وهو كما قالوا (٤)، وهو في الثَّانية على كيفيات: مئة ركعة بألف ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وثنتي عشرة ركعة في كل ركعةٍ ثلاثون مرة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وأربع عشرة ركعة، ثم يجلس فيقرأ (الفاتحة) و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوّذتين كلًّا أربعة عشر، و(آية الكرسي) مرة، و﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآيةَ، وكلها موضوعة.
والكلام في خصوص إحيائهما بالكيفية المشهورة بين العوام دون غيرهما من الليالي، فلا ينافيه ما جاء في ليلة نصف شعبان، كخبر: "قوموا ليلها، وصوموا يومها" (٥)، وكخبر: (أنه تعالى يغفر ليلتها لأكثر من عدد شعر غنم
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (٦٧٠٢)، والترمذي (٢١٨٠)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١١٢١) عن سيدنا أبي واقد الليثي ﵁.
(٢) التعريف: هو اجتماع الناس يوم عرفة بغير عرفة بعد العصر للدعاء، وانظر "المجموع" (٨/ ١١١).
(٣) انظر "المجموع" (٤/ ٦١).
(٤) أي: الأمر كما قالوا من الرد والإبطال.
(٥) أخرجه ابن ماجه (١٣٨٨) عن سيدنا علي ﵁.
[ ٢٢٥ ]
كلب) (١)، وخبر: (أنه تعالى يغفر ليلتها لجميع خلقه إلا لمشركٍ أو مشاحنٍ) (٢)، على أن هذه الثلاثة ضعيفةٌ بالمرة، وإن أخرج الأول الترمذي (٣)، ومن ثَمَّ قال ابن العربي رحمه اللَّه تعالى: (ليس فيها حديثٌ يساوي سماعه) (٤).
نعم؛ أخرج البيهقي أنه ﷺ صلى ليلته وقال: "في هذه الليلة يكتب كل مولودٍ وهالكٍ من بني آدم، وفيها تُرفع أعمالهم، وتنزل أرزاقهم"، وأنه قال: "إن للَّه تعالى في هذه الليلة عتقاء من النار بعدد شعر غنم كلب" (٥) قال: (وفي إسنادهما بعض من يجهل، وإذا انضم أحدهما إلى الآخر. . أجدى بعض القوة) اهـ
ولا شاهد فيهما، وإن أجدى بعض القوة؛ إذ ليس فيهما صلاة مخصوصة، وقيام الليل سُنَّةٌ مطلقًا، فصلاته ﷺ فيها كصلاته في غيرها؛ فإنه كان لا يتركها لوجوبها عليه (٦).
ومنه: الوقود ليلة عرفة، والمشعر الحرام، والاجتماع ليالي الختوم آخر رمضان، ونصب المنابر والخطب عليها؛ فيكره ما لم يكن فيه اختلاط الرجال بالنساء؛ بأن تتضامَّ أجسامهم؛ فإنه حرامٌ وفسقٌ.
قيل: ومن البدع: صوم رجب، وليس كذلك، بل هو سنةٌ فاضلةٌ، كما بينتُه في "الفتاوى" وبسطت الكلام فيه (٧).
وقولُ بعض الشافعية: منها: مداومة الإمام على قراءة (السجدة) و(هل أتى)
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٧٣٩)، وابن ماجه (١٣٨٩)، والإمام أحمد (٦/ ٢٣٨) عن أم المؤمنين سيدتنا عائشة ﵂.
(٢) أخرجه ابن حبان (٥٦٦٥)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ١٠٨)، والبيهقي في "الشعب" (٣٥٥٢) عن سيدنا معاذ ﵁.
(٣) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (الثاني) بدل (الأول).
(٤) عارضة الأحوذي (٣/ ٢٧٥).
(٥) انظر "شعب الإيمان" (٣٥٥٤) وما بعده.
(٦) قوله: "لوجوبها عليه" كما كانت واجية علينا في صدر الإسلام ثم نُسخ وجوبها، وهل نسخ أيضًا في حقه ﷺ أو لا؟ خلاف، والراجح: الأول. اهـ هامش (غ)
(٧) انظر "الفتاوى الكبرى الفقهية" (٢/ ٥٣ - ٥٤).
[ ٢٢٦ ]
في صبح الجمعة. . ليس في محله، كما بينتُه في "شرح العباب" وغيره، وروى الطبراني: أنه ﷺ (كان يقرؤهما فيه كل جمعة) (١).
وكذا قوله: منها: الاضطجاع بين سنة الفجر وفرضه، كيف وقد صحَّ عنه ﷺ فعله (٢)، والأمر بها؟! ومن ثَمَّ أوجبه بعض الظاهرية.
(رواه البخاري ومسلم) وهو قاعدةٌ عظيمةٌ من قواعد الإسلام، بل من أعظمها، وأعمها نفعًا من جهة منطوقه؛ لأنه مقدمةٌ كليةٌ في كل دليلٍ يستنتج منه حكمٌ شرعي، كما يقال في الوضوء بماء مغصوبٍ، أو نجسٍ، أو بلا نيةٍ، وفي الصلاة مع نحو كشف العورة، وفي بيع نحو النجس (٣)، ونكاح نحو الشغار: هذا أمرٌ ليس من الشرع، وليس عليه أمره، وكل ما كان كذلك. . فهو باطلٌ، فهذا العمل باطلٌ ومردودٌ.
أما الكبرى. . فلا نزاع فيها (٤)، وأما الصغرى (٥). فدليلها ما نحن فيه (٦)، ومن جهة مفهومه؛ إذ مفهومه: أن كل عملٍ غير محدثٍ صحيحٌ مقبولٌ، فيقال في نحو الوضوء مثلًا بدون نحو مضمضة: هذا عليه أمر الشرع، وكل ما كان كذلك. . صحيحٌ، فهذا صحيحٌ.
أما الكبرى. . فثابتةٌ بمفهوم هذا الحديث، وأما الصغرى. . فيثبتها المستدل بدليلها.
قال بعض الأئمة: وهو ثلث الإسلام، وكأن وجهه أن أحكام الشرع إما منصوصة نصًا لا يحتمل التأويل، أو يحتمله، أو مستنبطة ومآلها إليه منطوقًا أو مفهومًا، كما قررناه، على أنه يصح أن يكون نصف الأدلة؛ لأن الدليل إنما يتركَّب من صغرى
_________________
(١) المعجم الكبير (١٠/ ١٠٠) عن سيدنا عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (١١٦٠)، ومسلم (٧٣٦/ ١٢٢) عن أم المؤمنين سيدتنا عائشة ﵂.
(٣) في بعض النسخ: (وفي بيع نحو النجش).
(٤) قوله: (أما الكبرى) وهي التي فيها الحد الأكبر الذي هو محمول المطلوب؛ أعني بها قوله: (وكل ما كان كذلك. . فهو باطل) اهـ "مدابغي"
(٥) قوله: (وأما الصغرى) وهي التي فيها الحد الأصغر الذي هو موضوع المطلوب؛ وهي قوله: (هذا أمرٌ ليس من الشرع وليس عليه أمره) اهـ "مدابغي"
(٦) أي: ما تقرر من قول الشافعي: (ما خالف كتابًا أو سنة. . . إلخ) ومن غيره وليس المراد بما نحن فيه حديث المتن؛ إذ لا يدل على الكبرى بقرينة ما ذكره في النتيجة.
[ ٢٢٧ ]
وكبرى، ثم المطلوب إما إثبات الحكم أو نفيه، وهذا الحديث مقدمةٌ في إثبات كل حكمٍ شرعيٍّ ونفيه باعتبار منطوقه ومفهومه، كما مر، فلو وجد حديث مقدمة صغرى لإثباتِ أو نفي كل حكمٍ شرعي. . لَاسْتَقَلَّا بأدلة الأحكام (١)، لكن هذا لم يوجد، فكان ذلك نصفًا بهذا الاعتبار.
وقال بعضهم: إنه مما ينبغي حفظه وإذاعته؛ فإنه أصلٌ عظيمٌ في إبطال جميع المنكرات، وحوادث الضلالات؛ إذ هو من جوامع كلمه ﷺ، واستمداده من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآيةَ. قال مجاهد: (السبل: البدع والشبهات) (٢).
وروى الدارمي: أنه ﷺ خطَّ خطًا ثم قال: "هذا سبيل اللَّه" ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله ثم قال: "هذه سُبُلٌ، على كل سبيل منها شيطانٌ يدعو إليه" ثم تلا هذه الآية (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه في "الرسالة": (إلى ما قال اللَّه والرسول) (٤).
ويوافقه قوله ميمون بن مهران من فقهاء التابعين: (الردُّ إلى اللَّه: إلى كتابه وإلى رسوله؛ فإذا قبض. . إلى سنته) (٥).
وقد كان ﷺ يقول في خطبته: "خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهُدَى هُدَى محمدٍ ﷺ (٦)، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ
_________________
(١) في نسخ عدة: (لاستقلاله بأدلة الأحكام).
(٢) أخرجه الدارمي في "سننه" (٢٠٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨١٠٤).
(٣) سنن الدارمي (٢٠٨) عن سيدنا عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
(٤) الرسالة (٨٠ - ٨١).
(٥) أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٩٨٨٨).
(٦) قوله: (وخير الهُدَى هدى محمد ﷺ) هو بضم الهاء وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء وإسكان الدال أيضًا، ضبطناه بالوجهين، وكذا ذكره جماعة بالوجهين، وقال القاضي عياض: رويناه في "مسلم" بالضم وفي غيره بالفتح، وبالفتح ذكره الهروي، وفسره بالطريق؛ أي: أحسن الطريق طريق محمد ﷺ، وأما على رواية الضم. . فمعناه: الدلالة والإرشاد. اهـ "شرح النووي على مسلم" (٦/ ١٥٤)
[ ٢٢٨ ]
بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ" رواه مسلم (١)، زاد البيهقي: "وكل ضلالةٍ في النار" (٢).
وفي الحديث الصحيح: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم والمحدثات؛ فإن كل محدثةٍ بدعةٌ" (٣).
وروى الدارمي: أن ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه أنكر على جماعةٍ اجتمعوا في المسجد يعدُّون الأذكار بالحصى، وأشار إليهم بأن يعدوا سيئاتهم، وأنهم مفتتحو باب ضلالة (٤).
وينبغي حمل إنكاره على هذه الهيئة المخصوصة، وإلَّا. . فالسُّبحة ورد لها أصلٌ أصيلٌ عن بعض أمهات المؤمنين، وأقرَّها النبي ﷺ على ذلك (٥).
وأخرج البيهقي أن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: (إن أبغض الأمور إلى اللَّه تعالى البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور) (٦).
وينبغي حمله على المعتَزَلات المهَيَّأة للصلاة؛ فإن هذه لا يصح الاعتكاف فيها؛ بخلاف ما وُقف منها مسجدًا.
وأخرج أبو داوود عن حذيفة: (كل عبادةٍ لم تفعلها الصحابة. . فلا تفعلوها) أي: إلَّا إن دلَّ عليها دليلٌ آخر، وإلَّا. . فكم من عباداتٍ صحَّت عنه ﷺ قولًا وفعلًا ولم تنقل عن أحدٍ منهم (٧).
وورد أنه ﷺ قال: "عملٌ قليلٌ في سُنَّةٍ خيرٌ من عملٍ كثيرٍ في بدعة" (٨).
_________________
(١) صحيح مسلم (٨٦٧) عن سيدنا جابر ﵁.
(٢) انظر "المدخل إلى السنن الكبرى" (٢٠٢).
(٣) سيأتي تخريجه (ص ٤٦٩) وهو الحديث الثامن والعشرون من أحاديث المتن.
(٤) سنن الدارمي (٢١٠).
(٥) أخرجه الترمذي (٣٥٥٤) عن أم المؤمنين سيدتنا صفية ﵂، وللفائدة انظر رسالة العلامة عبد الحي اللكنوي رحمه اللَّه تعالى "سباحة الفكر في الجهر بالذكر".
(٦) السنن الكبرى (٤/ ٣١٦).
(٧) أي: لم ينقل فعلهم لها.
(٨) أخرجه القضاعي في "مسند الشهاب" (١٢٧٠)، ومعمر بن راشد في "الجامع" (٢٠٥٦٨) مرسلًا عن الحسن رحمه اللَّه تعالى.
[ ٢٢٩ ]
(وفي روايةٍ لمسلم: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا) أي: حكمنا وإذننا، بخلاف غيره مما مر، ومن ثَمَّ سُرَّ رسول اللَّه ﷺ بأخذ خالد رضي اللَّه تعالى عنه اللواء في مؤتة مع عدم أمره له، ومدحه على ذلك؛ لأنه من المصالح العامة، وهي لا تتوقف على أمرٍ بها بخصوصها، وكذا يقال في كل تخصيصٍ لدليلٍ عامٍّ بدليلٍ خاص أو عام؛ لأنه حينئذ عليه أمر الشرع، بخلافه لغير دليل.
ومدح ﷺ بلالًا على صلاته ركعتين كلَّما توضأ (١)، مع أنه لم يأخذهما عنه ﷺ نصًا، بل استنباطًا من الأمر بمطلق الصلاة.
(فهو رد) أي: مردودٌ عليه، وإن لم يكن هو المحدِث له، فاستُفيد منها زيادة على ما مر، وهي الرد لِمَا قد يحتج به بعض المبتدعة من أنه لم يخترِع، وإنما المخترع مَن سبقه، ويحتج بالرواية الأولى، فيرد عليه بهذه الصريحة في رد المحدثات المخالفة للشريعة بالطريقة التي قدمناها، سواء أحدثها الفاعل، أو سُبِق بإحداثها.
وفي الحديث دلالةٌ للقاعدة الأصولية: أن مطلق النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهي عنه مخترعٌ محدثٌ، وقد حُكم عليه بالرد المستلزم للفساد، وزَعْمُ أن القواعد الكلية لا تثبت بخبر الآحاد. . باطلٌ لا يُعوَّل عليه.
وفيه أيضًا: دلالة على عدم انعقاد العقود الممنوعة، وعدم ترتُّب أثرها عليه (٢).
* * *
_________________
(١) في الحديث الذي أخرجه البخاري (١١٤٩)، ومسلم (٢٤٥٨) عن سيدنا أبي هريرة ﵁، واللفظ للبخاري: أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال؛ حدثني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دَفَّ نعليك بين يدي في الجنة" قال: ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة ليلٍ أو نهارٍ إلَّا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي.
(٢) في بعض النسخ: (آثارها عليها).
[ ٢٣٠ ]