قال لزوجته: إن كنت حاملًا فأنت طالق، فولدت لدون ستة أشهر من التعليق. . طلقت، سواء كان يطؤها أم لا؛ لتحقق الحمل حينئذ عند التعليق؛ لأن أقل مدته ستة أشهر، ونازع ابن الرفعة فيما إذا كان يطؤها بأن كمال الولد ونفخ الروح فيه يكون بعد أربعة أشهر؛ كما يشهد به الخبر، فإذا أتت به لخمسة أشهر مثلًا. . احتمل العلوق به بعد التعليق، قال: والستة إنما هي معتبرةٌ لحياة الولد غالبًا.
وأجاب عنه أبو زرعة بأن الخبر ليس فيه أن النفخ يكون عقب الأربعة، فإن لفظه: "ثم يأمر اللَّه الملك، فينفخ فيه الروح" و(ثم) تدل على تراخي أمر اللَّه بذلك، ومدته مجهولةٌ، لكن لما استنبط الفقهاء من القرآن -أي: من آية: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ مع آية: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ - أن أقلَّ مدة الحمل
_________________
(١) أخرجها ابن جرير في "تفسيره" (٦٥٦٦).
(٢) أي: في ابتدائها، وهو معنى قوله: (أحد وثمانون يومًا) فتأمل. اهـ هامش (ج)
[ ٢٠٤ ]
ستةُ أشهر. . علم أنها مدته، وأن نفخ الروح عندها. اهـ
وفي ادعائه أن هذا الاستنباط يدل على أن النفخ عند الستة أشهر وقفةٌ، بل لا دلالة له على ذلك بوجهٍ، كما هو ظاهرٌ ممَّا مر ومما سيأتي.
والأَولى أن يقال: إن (ثم) دلت على التراخي، ولا تعرف مدته، ولا أنها تختلف باختلاف الأولاد أو لا، فأُنيط بالأمر المحقق وهو الستة؛ لأن العصمة ثابتةٌ بيقين، فلا ترفع إلا به، فاندفع قول ابن الرفعة: إذا أتت به لخمسة أشهر مثلًا. . احتمل العلوق به بعد التعليق.
ووجه اندفاعه: أن كل احتمالٍ لا يرفع العصمة، وإنَّما يرفعها أمر محقَّقٌ أو مظنون، وكلاهما مُنْتَفٍ هنا، ولذلك مزيدٌ ذكرته في "شرح الإرشاد" في (باب الطلاق) (١).
قال القاضي: (ولم يُختلف أن نفخها بعد مئةٍ وعشرين يومًا، قال القاضي: واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلَّا بعد أربعة أشهر) (٢) أي: عقبها كما صرَّح به جماعةٌ، وخبر الإمام أحمد المصرِّح بأن الأربعين الرابعة يخلق فيها العظام، ثم بعدها ينفخ الروح. . ضعيف (٣).
قال بعضهم: وهو غلطٌ بلا شك؛ فإنها تنفخ بعد الأربعين الثالثة، وعن ابن عباس ﵄: (أنها تنفخ بعد أربعة أشهرٍ وعشرة أيام) (٤) لكن في إسناده نظر، لكن أخذ به الإمام أحمد.
ودخوله في الخامس وحركة الجنين في الجوف قرينةٌ غالبًا لذلك النفخ، قيل: وهذا حكمة كون عدة الوفاة أربعة أشهرٍ وعشرًا؛ لأنها بالشروع في الخامس من غير ظهور حملٍ يتبيَّن براءتها منه، والعشرة احتياط، أو أن الروح تنفخ فيها كما قاله ابن المسيب (٥)، وتبعه أحمد، وروي عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما.
_________________
(١) انظر "فتح الجواد" (٢/ ١٦١ - ١٦٢).
(٢) انظر "إكمال المعلم" (٨/ ١٢٣).
(٣) مسند الإمام أحمد (١/ ٣٧٤) عن سيدنا ابن مسعود ﵁.
(٤) أخرج نحوه اللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (١٠٦٠).
(٥) قوله: (والعشرة احتياط أو أن الروح) هكذا في النسخ الصحاح بـ (أو) أي: والعشرة إما احتياط، وإما لأن الروح تنفخ فيها. اهـ "مدابغي"
[ ٢٠٥ ]
ويؤخذ منه: أن السِّقط لا يُصلَّى عليه حتَّى يبلغ تلك المدة؛ لأنَّه قبلها جماد، ومعنى نفخه الروح: أنه سببٌ لخلق الحياة عنده؛ لأنه وضعًا: إخراج ريحٍ من النافخ يتصل بالمنفوخ فيه، وهذا غير مؤثرٍ شيئًا، وما يحدث عنده ليس به، بل بإحداث اللَّه تعالى، فهو مُعرِّفٌ عادي، ونسبة الخلق والتصوير إليه فيما مرَّ مجازية؛ لأنه آلةٌ في التصوير والتشكيل بإقدار اللَّه تعالى له بالأفعال؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾.
والإيجادُ على هذا الترتيب العجيب مع قدرته تعالى على إيجاده كاملًا كسائر المخلوقات في أسرع من لحظةٍ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كنايةٌ عن مزيد السرعة (١)، وإلَّا. . فلا قول؛ لأنَّه بمجرد تعلُّقِ الإرادة به يوجد في أقل من زمن (كن) لو تصور. . يمكن (٢) أن يقال في حكمته ما قالوه في خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما في ستة أيَّام؛ وهي تعليمه ﷾ لعباده التأنِّي في أمورهم.
أو يقال: حكمته: إعلام الإنسان بأن حصول الكمال المعنوي له إنَّما يكون بطريق التدريج، نظيرَ حصول الكمال الظاهر له بتدرُّجه في مراتب الخلق، وانتقاله من طورٍ إلى طورٍ إلى أن يبلغ أشده، فكذلك ينبغي له في مراتب السلوك أن يكون على نظير هذا المنوال، وإلَّا. . كان راكبًا متنَ عمياء، وخابطًا خبطَ عشواء (٣).
(ويؤمر) الملك، ظاهر سياقه: أن هذا الأمر والكتابة بعد الأربعين الثالثة، ورواية البخاري: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثم يكون علقةً مثله، ثم يكون مضغةً مثله، ثم يُبعث إليه الملك، فيُؤمر بأربع كلمات: فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح" (٤) كالصريحة في ذلك، لكن
_________________
(١) في النسخ: (إنَّما أَمْرنا) والصواب ما أثبت. وقوله: (كناية) خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: وما في الآية كناية، أو مفعول مطلق؛ أي: كنى بهذه الآية عن مزيد السرعة. اهـ "مدابغي"
(٢) خبرٌ لقوله: (والإيجادُ على هذا. . .).
(٣) الخبط: الضرب بالأيدي. والعشواء: الناقة التي في بصرها ضعفٌ، تخبط إذا مشت، ولا تتوقَّى شيئًا، والمراد هنا: التسرُّع، وعدم الدقة والتمحيص.
(٤) صحيح البخاري (٧٤٥٤) عن سيدنا ابن مسعود ﵁.
[ ٢٠٦ ]
في روايات أُخر لمسلم وغيره: أن كتابة تلك الأمور عقب الأربعين الأُولى (١)، وبهذا أخذ جماعةٌ من الصحابة.
وجمع بعضهم بأن ذلك بختلف باختلاف الناس؛ فمنهم من يكتب له ذلك عقب الأربعين الأُولى، ومنهم من كتب له ذلك عقب الأربعين الثالثة، ولعل الجمع بهذا أَولى من قول القاضي عياض -وإن أقره المصنف-: إن (ثم يبعث) وما بعده معطوفٌ على (يجمع) ومتعلقاته، لا على (ثم يكون مضغة مثله) بل هو و(ثم يكون علقة مثله) معترضان بين المعطوف والمعطوف عليه (٢)، ومن قول غيره (٣): إنها تكون مرتين: مرة في السماء، وأخرى في بطن الأم.
وظاهر رواية البخاري: أن النفخ بعد الكتابة، وفي رواية البيهقي عكسه (٤)، قيل: فإما أن يكون من تصرُّف الرواة، أو المراد: ترتيب الإخبار فقط (٥)، لا ترتيب ما أُخبر به.
وأقول: الأَولى: تقديم رواية البخاري؛ لأنها أصح وأثبت.
(بأربع كلمات) في خبر "صحيح ابن حبان": "خمس" الثلاثة الآتية، والأثر، والمضجع (٦)؛ أي: القبر، وفي حديث صحيحٍ أيضًا: "أذكرٌ أو أنثى؟ شقيٌّ أو سعيد؟ وما عمره؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ فيقول اللَّه تعالى، ويكتب الملك، فإذا مات الجسد. . دُفن من حيثُ أُخِذ ذلك التراب" (٧) ولا تنافي؛ لأن الزائد على تلك الأربع أُعلم به ﷺ بَعْدُ.
(بكتب) بإعادة الجار (٨)، وقيل: مضارع، ولعله رواية أخرى (٩).
_________________
(١) تقدم ذكر بعض روايات مسلم رحمه اللَّه تعالى، انظر (ص ٢٠١).
(٢) انظر "شرح صحيح مسلم" للإمام النووي رحمه اللَّه تعالى (١٦/ ١٩١).
(٣) أي: وأَولى من قول غيره.
(٤) سنن البيهقي الكبرى (٧/ ٤٢١) عن سيدنا ابن مسعود ﵁.
(٥) أي: ترتيب خبرٍ على خبر، لا ترتيب الأفعال المخبرة عنها. اهـ هامش (غ)
(٦) صحيح ابن حبان (٦١٥٠) عن سيدنا أبي الدرداء ﵁. وقوله: (الأثر) أي: مواضع مشيه وقعوده وغيرهما.
(٧) أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٦٥٦٦) عن سيدنا ابن مسعود وابن عباس وغيرهما ﵃.
(٨) في بعض النسخ زيادة، والصواب ما أثبت، والزيادة موجودة في شرح قوله الآتي: (أو سعيد) بعد قوله: (بين عيني الولد).
(٩) قوله: (بإعادة الجار. . . إلخ) عبارة الشيخ الشبرخيتي (بكتب) ضبط بوجهين: أحدهما: بموحدة مكسورة، =
[ ٢٠٧ ]
(رزقه) قليلًا أو كثيرًا، حلالًا أو حرامًا، ومن أي جهةٍ هو، ونحو ذلك، وهو ما يُتَناول لإقامة البدن وانتفاعه ولو حرامًا، خلافًا للمعتزلة.
(وأجله) طويلًا أو قصيرًا، وهو مدة الحياة (وعمله) صالحًا أو فاسدًا، وفي رواية حذفه (١) (وشقي) في الآخرة، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو شقي (أو سعيد) فيها.
والمراد بأمر الملك بذلك: إظهار ذلك له، وأمره بإنفاذه وكتابته، وإلَّا. . فقضاء اللَّه تعالى وعلمه وإرادته لكل ذلك سابق على ذلك في الأزل لقدمه، وفي خبر عند البزار: أن كتابة ذلك ككل ما هو لاقٍ يكون بين عينيه (٢)، وفي حديثٍ آخر: أنه يكتب ذلك في صحيفةٍ بين عيني الولد، وهذه الكتابة غير كتابة المقادير السابقة على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ كما في خبر مسلم (٣).
وظاهر الحديث: أن كل أحدٍ يكتب فيه ذلك، وتجويزُ بعضهم أن المراد: ذكر جملة ما يؤمر به، لا أن كل شخصٍ يُؤمَر فيه بهؤلاء الأربع. . يحتاج لدليل.
وظاهر الحديث أيضًا: الأمر بكتابة تلك الأربع ابتداءً، وليس مرادًا، وإنما المراد -كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة-: أنه يؤمر بذلك بعد أن يسأل عنها فيقول: يا رب؛ ما الرزق؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ وهل هو شقيٌّ أو سعيدٌ؟
فمن تلك الأحاديث: "إن النطفة إذا استقرَّت في الرحم. . أخذها الملك بكفِّه فقال: أي رب؛ أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ بأي أرضٍ تموت؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب -أي: اللوح المحفوظ، وقد يطلق على
_________________
(١) = وكاف مفتوحة، ومثناة ساكنة، ثم موحدة على البدل من قوله (أربع)، والآخر: بتحتانية مفتوحة بصيغة الفعل المضارع على الاستئناف، ورواية البخاري: (فيكتب) بزيادة الفاء، ورُوي بفتح الياء وضمها فيهما؛ أي: في رواية البخاري، ورواية المؤلف على الضبط الثاني مبنبًا للفاعل أو للمفعول وهو أوجه؛ لأنه وقع في رواية آدم وأبي داوود وغيرهما: "فيؤذن بأربع كلماتِ فيكتب". انتهت، وهي مأخوذة من "فتح الباري" (١١/ ٤٨٢) اهـ "مدابغي"
(٢) عند البخاري (٦٥٩٤) عن سيدنا ابن مسعود ﵁.
(٣) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٩٦) عن سيدنا ابن عمر ﵄، وعزاه للبزار وأبي يعلى.
(٤) صحيح مسلم (٢٦٥٣) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
[ ٢٠٨ ]
العلم القديم، وليس مرادًا هنا؛ لأن ذلك لا يطَّلِع عليه غير اللَّه تعالى- فإنك تجد قصَّة هذه النطفة، فينطلق، فيجد قصتها في أُمِّ الكتاب: تُخلَق فتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلها. . قُبضت فدُفنت في المكان الذي قُدر لها" (١).
وفي أخرى أنه يقول: "يا ردب؛ مُخلَّقة أو غير مُخلَّقة؟ فإن كانت غير مخلقة. . قذفتها الأرحام دمًا، وإن قيل: مخلقة. . قال: يا رب؛ أذكرٌ أم أنثى؟. . . " (٢) وذكر ما مر.
واستقرارها: صيرورتها علقة أو مضغة؛ لأنها قبل ذلك غير مجتمعةٍ كما مر، فلا تؤخذ بالكف؛ وسُميت بعد الإستقرار نطفةً باعتبار ما كان.
واستفيد من عدم اجتماعها قبل صيرورتها علقةً: أنه لا يدار على إلقائها حكمٌ ما دامت نطفة، فلا تثبت بها أمية ولد، ولا تنقضي بها عدة، قال الحنابلة وغيرهم: ولا يحرم التسبب إلى إلقائها؛ لأنها لم تنعقد بَعْدُ، وقد لا تنعقد ولدًا؛ بخلاف العلقة، لا يجوز إسقاطها لانعقادها؛ أي: وهو يغلب على الظن صيرورتها ولدًا، ومن ثَمَّ جاء في بعض الروايات السابقة: أن الملك لا يعلم أن النطفة ولدٌ حتى تصير علقة.
وقولُ جمعٍ من الفقهاء: (يجوز الإسقاط ما لم ينفخ فيه الروح كالعزل) (٣). . ضعيفٌ (٤)؛ إذ لا جامع بينهما؛ فإن غاية ما في العزل تسببٌ إلى منع الانعقاد، فكيف يقاس به ولدٌ انعقد، وربما تصور؟!
ويؤيّد ما قررناه من حرمة إسقاط العلقة قول المالكية: يثبت بها الاستيلاد،
_________________
(١) ذكره الإمام السيوطي رحمه اللَّه تعالى في "الدر المنثور" (٦/ ٩) عن سيدنا ابن مسعود ﵁ بنحوه، وعزاه للحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" وابن أبي حاتم.
(٢) ذكره في "الدر المنثور" (٦/ ١٠) عن سيدنا ابن مسعود ﵁ بنحوه، وعزاه لابن جرير.
(٣) قوله: (يجوز) معتمد، فقوله: (ضيف) ضعيف، وعبارة (م ر) في كتاب أمهات الأولاد: والراجح تحريمه بعد نفخ الروح مطلقًا -أي: ولو من زنا- وجوازه قبله. اهـ "مدابغي" قال الشارح رحمه اللَّه تعالى في "التحفة" (٨/ ٢٤١): (فرع: اختلفوا في التسبب لإسقاط ما لم يصل لحدِّ نفخ الروح فيه، وهو مئة وعشرون يومًا، والذي يتجه -وفاقًا لابن العماد وغيره- الحرمة) ثم قال: (ويحرم استعمال ما يقطع الحبل من أصله كما صرَّح به كثيرون، وهو ظاهر). قال العلامة الشرواني رحمه اللَّه تعالى في "حاشيته على التحفة" (٨/ ٢٤١): (قوله: "والذي يتجه. . . " سيأتي في "النهاية" في أمهات الأولاد خلافُه. وقوله: "من أصله" أي: أما ما يبطئ الحمل مدّةً ولا يقطعه من أصله. . فلا يحرم كما هو ظاهر، ثم الظاهر: أنه إن كان لعذرٍ كتربية ولدٍ. . لم يكره أيضًا، وإلا. . كره. اهـ "ع ش").
(٤) كما ضعف هذا القول في عدة مواضع من "شرح المنهاج" راجع أول النكاح، وفصل عدة الحامل، وبحث الغرة، واللَّه تعالى أعلم. اهـ هامش (غ)
[ ٢٠٩ ]
فأداروا عليها حكم الوَلَدية، وهو مستلزمٌ لحرمة الإسقاط، ولا ينافيها عدمُ انقضاء العدة بها، وعدم ثبوت الاستيلاد عندنا؛ لأنا وإن منعنا تسميتها ولدًا وحملًا كما يأتي، لا نمنع حرمة إسقاطها؛ لما قررته عند عدم انقضاء العدة بها آنفًا بقولي: (وهو يغلب على الظن. . . إلخ).
فإن صارت مضغة، وشهد أربع قوابل بتصويرها، أو بأنها أصل آدمي، ولم يتشككن فيه. . انقضت بها العدة، بخلاف أُمِّيَّة الولد، لا تثبت إلَّا بإلقاء صورةٍ ظاهرة التخطيط.
والفرق: أن مدار العدة على تحقُّق براءة الرحم، وهو متحققٌ بإلقاء المضغة المذكورة، ومدار أُمِّيَّة الولد على إلقاء ما يسمى ولدًا، وما لم يظهر التخطيط لا يسمى ولدًا، فإثباتُ المالكية انقضاء العدة، وأُمِّيَّة الولد بوضع العلقة فما فوقها بعيدٌ؛ إذ لا قرينة على الحمل حتى ترفع به العدة المحققة، واحتماله مع عدم القرينة لا أثر له، وأُمِّيَّة الولد لم تثبت إلَّا بوضع الولد، وهو لا يسمى ولدًا إلا إن ظهرت الصورة فيه، ولا يسمى حملًا إلا إن ظهر أو قامت عليه قرينة، فقبل ذلك لا يسماه، فلا يدخل في: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ ونحوه، بل قيل: هذا الحديث يقتضي أنه لا يسمى ولدًا قبل أربعة أشهر؛ لأنه سماه قبلها نطفةً وعلقةً ومضغةً، ولا يُسمى شيءٌ من ذلك بولدٍ لغةً ولا عرفًا، فلا تثبت به أُمِّيَّة الولد.
ولا يقال: إنه مشتقٌّ من الولادة؛ وهي: الخروج من الرحم؛ لأنه يلزم عليه صيرورتها أمَّ ولدٍ بخروج النطفة، والقولُ به بعيدٌ عن دليل الشرع، وإنما صار بعض الفقهاء إلى صيرورتها أُمِّ ولدٍ بدون ما ذكرناه؛ حرصًا على عتقها، وتشوفًا إليه ولو بسببٍ ضعيفٍ. اهـ
ومنعُه تسميته ولدًا لغةً وعرفًا قبل الأربعة. . ممنوعٌ، بل حيث وجد ما شرطناه فيه آنفًا. . يسمى ولدًا عرفًا (١)؛ بخلاف النطفة، لا تسمى مطلقًا، وكذا العلقة، وضمانه بالجناية نظير ما مر في العدة.
وقال علي كرم اللَّه وجهه: (لا يضمن حتى تمضي عليه الأطوار السبعة المذكورة
_________________
(١) في بعض النسخ: (نسميه عرفًا)، وفي أخرى: (سمي به عرفًا) وفي غيرها غير ذلك.
[ ٢١٠ ]
أولَ "المؤمنين") (١) وهي: السلالة، والنطفة، والعلقة، والمضغة، ثم العظام، ثم كسوَتها لحمًا، ثم إنشاؤها خلقًا آخر.
(فو) اللَّه (الذي لا إله غيره) (٢) فيه الحلف من غير استحلاف، ولا كراهة فيه إذا كان لعذر؛ كتأكيد أو ترهيب، أو تعجُّب أو تعجيب كما هنا؛ فإن العرب إذا تعجَّبت من شيء. . أقسمت عليه، وزاد (الذي. . . إلخ) لمناسبة المقام؛ فإنه تعالى المنفرد بالألوهية، المستلزمة لانفراده بخلق الأعمال من خيرٍ وشرٍّ، المعبَّر عنه فيما مر بالإيمان بالقدر، ومن ثَمَّ كان هذا المحلوف عليه مأخوذًا من آيات القدر؛ نحو: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، وأحاديثِهِ؛ كحديث محاجَّة آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام (٣)، وحديث: "كلٌّ ميسرٌ لما خلق له" (٤)، وحديث: "اعملوا على مواقع القدر" (٥).
(إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون) بالرفع؛ لأن (ما) كفَّت (حتى) (٦) (بينه وبينها إلا ذراع) هو من باب التمثيل المقرر في علم البيان، فهو تمثيل للقرب من موته ودخوله عقبه إحدى الدارين؛ أي: ما بقي بينه وبين أن يصلها إلا كمن بقي بينه وبين مقصده ذراع.
(فيسبق عليه الكتاب) أي: المكتوب له في بطن أمه، مستندًا إلى سابق العلم الأزلي فيه، ويصح بقاؤه على مصدريته.
_________________
(١) أخرج نحوه ابن عبد البر في "الإستذكار" (٢٧٥٣٩).
(٢) هكذا في جميع النسخ بالجمع بين الجلالة وصفته، وعبارة المناوي: (فوالذي: صفة لمقسم به محذوف؛ أي: واللَّه الذي، وفي رواية "البخاري": "فواللَّه؛ إن أحدكم"، وفي رواية "ابن ماجه": "فوالذي نفسي بيده" انتهت، والفاء فصيحة. اهـ "مدابغي"
(٣) أخرجه البخاري (٣٤٠٩)، ومسلم (٢٦٥٢) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه البخاري (٧٥٥١)، ومسلم (٢٦٤٩) عن سيدنا عمران بن حصين ﵄.
(٥) أخرجه ابن حبان (٣٣٨)، والإمام أحمد (٤/ ١٨٦) عن سيدنا عبد الرحمن بن قتادة ﵁ بنحوه.
(٦) قوله: (بالرفع لأن "ما" كفت حتى) قلَّد في ذلك قول الشارح الفاكهاني: يتعين رفع (يكون) لأن (ما) نافية قطعت عمل (حتى) عنه. اهـ، وما زعمه من التعين ممنوعٌ، بل لا يصح؛ فقد قال الطييي في "شرح المشكاة": (حتى) هي الناصبة و(ما) نافية ولم تكف (حتى) عن العمل، فتكون منصوبة بـ (حتى). وأجاز غيره كون (حتى) ابتدائية. . . ونسبة النصب إلى (حتى) مجازية؛ لأن النصب بـ (أن) مضمرة بعدها كما في كتب النحو. اهـ "مدابغي"
[ ٢١١ ]
(فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها) تفريعٌ على ما مهَّده ﷺ من كتابة السعادة والشقاوة عند نفخ الروح مطابقين لما في العلم الأزلي؛ لبيان أن الخاتمة إنما هي على وفق تلك الكتابة، ولا عبرة بظواهر الأعمال قبلها بالنسبة لحقيقة الأمر وإن اعتبر بها من حيث كونها علامة كما يأتي بسطه، إما لكفره (١)، فيكون دخولَ خلودٍ، وإما لمعصيته، فيكون دخول تطهيرٍ، قال القاضي وغيره: وهذا نادرٌ جدًا؛ لخبر: "إن رحمتي سبقت غضبي" (٢)، وفي رواية: "تغلب غضبي" (٣)، بخلاف ما بعده؛ فإنه كثيرٌ، فلله الحمد والمِنَّة على ذلك.
(وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب) بالمعنى السابق (فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها) أي: بحكم القدر الجاري عليه في هذا وما قبله، المستند إلى خلق الدواعي والصوارف في قلبه إلى ما يصدر عنه من أفعال الخير، فمن سبقت له السعادة. . صرف اللَّه تعالى قلبه إلى خيرِ يختم له به، وعكسه بعكسه.
وفي بعض روايات هذا الحديث: "وإنما الأعمال بالخواتيم" (٤)، و: "الأعمال بخواتيمها" (٥).
وفي حديثٍ صحيحٍ: "اعملوا؛ فكلٌّ ميسرٌ لما خلق له" (٦) أي: فذو السعادة ميسرٌ لعمل أهلها، وذو الشقاوة ميسرٌ لعمل أهلها، وهذا أيضًا فيه إشارة إلى تصريف كلٍّ في أفعاله إلى ما يراد به بحسب القدر الجاري عليه، المستند إلى سابق العلم به بحسب خلق تلك الدواعي والصوارف فيه، المشارِ إليه بقوله ﷺ:
_________________
(١) أي: فيدخلها إما لكفره. . . إلخ.
(٢) أخرجه البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١/ ١٥) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٣) عند البخاري (٧٤٠٤)، ومسلم (٢٧٥١/ ١٤) عن سيدنا أبي هريرة ﵁. وقوله: (تغلب غضبي) قال شارحه: المراد بالغلبة: سعة الرحمة وشمولها للخلق؛ كما يقال: غلب على فلانٍ الكرم؛ أي: هو أكثر خصاله، وإلَّا. . فرحمة اللَّه وغضبه صفتان راجعتان إلى إرادة عقوبة العاصي وإثابة الطائع، وصفتاه لا توصفان بغلبة إحداهما على الأخرى، وإنما هو على سبيل المجاز للمبالغة. اهـ "مدابغي"
(٤) عند البخاري (٦٦٠٧) عن سيدنا سهل بن سعد ﵁.
(٥) عند البخاري (٦٤٩٣) عن سيدنا سهل بن سعد ﵁.
(٦) أخرجه البخاري (٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٧/ ٧) عن سيدنا علي ﵁.
[ ٢١٢ ]
"قلوب الخلق بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء" (١).
فتصرُّفه تعالى في خلقه إما ظاهرٌ بخرق العادات كالمعجزة، أو نصبِ الأدلة كالأحكام التكليفية، وإما باطنٌ بتقدير الأسباب نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾، أو بخلق الدواعي والصوارف، نحو قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، "يا مقلب القلوب؛ ثبِّت قلبي على دينك" (٢) أي: طاعتك (٣).
ومعنى سببية الأعمال (٤) للسعادة والشقاوة الدال عليها الحديث: أنه تعالى خلق الخلق وركَّب فيهم طباع الخير والشر، فعلم ما يكون منهم بحسب مقتضى طباعهم المركوزة فيهم، فلو أسعدهم وأشقاهم اعتمادًا على سابق علمه وحكمته. . لكان في ذلك مأمونًا غير متهمٍ؛ لكنَّه تعالى عادلٌ في حكمه، حكيمٌ في عدله، والحكمة تقتضي اجتناب مظانِّ التُّهم ولو من سُخفاء العقول، فلو عذَّب بعضهم بموجَب علمه فيهم. . لاتهموه، فدفع هذه التهمة بأن كلَّفهم حتى ظهرت معصيتهم على طباعهم المركوزة فيهم من القوة إلى الفعل، وهذا هو سرُّ قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وقوله ﷺ في أطفال المشركين: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين" (٥) لكن الأصح: أنهم في الجنة.
وإنما اقتصر في الحديث على قسمين مع أن الأقسام أربعةٌ؛ لظهور حكم القسمين الآخرين: مَنْ عمل بعمل أهل الجنة أو النار، من أول عمره إلى آخره.
وقد اختلف أهل التحقيق؛ فمنهم من راعى حكم السابقة وجعلها نصب عينيه، ومنهم من راعى حكم الخاتمة، والأول أَولى؛ لأنه تعالى سبق في علمه الأزلي سعيد العالم وشقيه، ثم رتَّب على هذا السبق الخاتمةَ عند الموت بحسب صلاح العمل
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٤)، وابن حبان (٩٠٢)، والإمام أحمد (٢/ ١٦٨) بنحوه عن سيدنا عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٥٢٦)، والترمذي (٢١٤٠)، والإمام أحمد (٣/ ١١٢) عن سيدنا أنس ﵁.
(٣) في النسخ كلِّها إلا (غ): (أو طاعتها) وهي ليست من لفظ الحديث.
(٤) في كثير من النسخ: (ومعنى سبقية الأعمال).
(٥) أخرجه البخاري (١٣٨٤)، ومسلم (٢٦٥٩) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
[ ٢١٣ ]
عندها وفساده، وعلي الخاتمة سعادةَ الآخرة وشقاوتَها، والمبني على المبني على الشيء مبنيٌّ على ذلك الشيء (١)، فحقيقة السعادة أو الشقاوة مبنيةٌ على سابق العلم بها (٢)، فهي إذن أَولى بالخوف منها والمراعاة لها.
قال أبو المظفر السمعاني: وسبيلُ باب القدر -أي: المستفاد من الأحاديث والآيات السابقة- التوقيفُ من الكتاب والسنة، فمن عدل عنهما لقياسٍ أو عقلٍ. . ضلَّ وتاهَ، ولم يصِلْ إلى ما يطمئن إليه قلبه؛ لأن القدر سرٌّ من أسرار اللَّه تعالى، ضُربت دونه أستارٌ اختص اللَّه تعالى بها، وحجبها عن عقول خلقه حتى الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، قيل: ولا ينكشف إلا بعد دخول الجنة.
وأفاد الحديث: أن التوبة تهدم ما قبلها من الذنوب، وأن من مات على خيرٍ أو شرٍّ. . أُديرت عليه أحكامه. نعم؛ الميت فاسقًا تحت المشيئة، خلافًا للمعتزلة.
وأن عمل مَنْ سبق في علم اللَّه موتُه على الكفر يكون صحيحًا مُقرِّبًا للجنة، حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، وأن عمل مَنْ سبق في العلم موتُه على الإسلام يكون باطلًا مُقرِّبًا من النار، حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، لكن لا مطلقًا في هذين، بل باعتبار ما يظهر لنا؛ كما دلَّ عليه خبر مسلم: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار" (٣).
أما باعتبار ما في نفس الأمر. . فالأول لم يصح له عملٌ قط (٤)، فلم يقرب من الجنة شيئًا مطلقًا؛ لأنه كافرٌ في الباطن، وأما الثاني. . فعملُه الذي لا يحتاج لنيةٍ صحيحٌ، والذي يحتاج إليها باطلٌ من حيث عدمُ وجودها.
هذا فيما صورته سورة خيرٍ، وأما ما عداه. . فلا يؤثر فيه الكفر؛ لخبر: "أسلمت على ما سلف لك من خير" (٥).
_________________
(١) قوله: (المبني على) أي؛ السعادة والشقاوة المبية على (الشيء) أي: السابقة، مبنيةٌ على ذلك الشيء الذي هو السابقة نفسها.
(٢) قوله: (على سابق العلم) من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: علمه تعالى بها السابق؛ أي: القديم الأزلي.
(٣) صحيح مسلم (١١٢) عن سيدنا سهل بن سعد ﵁.
(٤) أي: من سبق في علم اللَّه موته على الكفر.
(٥) أخرجه البخاري (٢٢٢٠)، ومسلم (١٢٣) عن سيدنا حكيم بن حزام ﵁.
[ ٢١٤ ]
وأن العبرة إنما هو بسابق القضاء؛ إذ لا تغيير فيه ولا تبديل، ويوافقه حديث: "الشقي مَنْ شقي في بطن أمه" (١) أي: يظهر من حاله للملائكة، أو لمن شاء من خلقه ما سبق في علم اللَّه الأزلي وقضائِهِ الإلهي، الذي لا يقبل تغييرًا ولا تبديلًا؛ من سعادته، أو شقاوته، ومن رزقه، وأجله، وعمله، ألا ترى الملائكة كيف تستخرج ما عند اللَّه ﷾ من علم حال النطفة وتقول: يا رب؛ ما الرزق؟ ما الأجل؟ قال: فيقضي ربك ما شاء؛ أي: يُظهر من قضائه وحكمه للملائكة ما سبق به علمه، ونطقت به إرادته (٢)، ويكتب الملك من اللوح المحفوظ كما مر، ثم يخرج بالصحيفة؛ أي: من حال الغيبة عن هذا العالم إلى حال المشاهدة، فيُطلع اللَّه تعالى عليها مَنْ شاء من الملائكة الموكلين بأحواله؛ ليقوموا بما عليهم حسبما سُطِّر في صحيفته.
ولا ينافي ذلك كله خبر: "إنما الأعمال بالخواتيم" (٣) لأن ربطها بها إنما هو لكون السابقة مستورةً عنَّا، والخاتمة ظاهرة لنا، فكانت الأعمال بها بالنسبة إلى ما عندنا، واطلاعِنا في بعض الأشخاص والأحوال، وأنه ينبغي ترك الإعجاب بالعمل، والالتفات والركون إليه، وأن يعول على كرم اللَّه تعالى ورحمته، والاعتراف بمنَّته؛ كما قال ﷺ: "لن ينجي أحدًا منكم عملُه. . . " الحديث (٤)، لكن ثبتت الأحاديث بالنهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر، بل يتعيَّن العمل، كما قال ﷺ: "اعملوا، فكلٌّ ميسرٌ لما خُلق له" (٥)، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.
فينبغي التيقُّظ لهذا؛ فإنه مزَلةُ قدَمٍ لمن لا علم عنده ولا يقين، فإن الشيطان
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٤٥)، وابن حبان (٦١٧٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٤٢٢) موقوفًا على سيدنا ابن مسعود ﵁.
(٢) قوله: (ونطقت به إرادته) أي: تعلقت ثم رأيته هكذا في نسخة، فلعل الناسخ حرفه بـ (نطقت) اهـ "مدابغي"
(٣) تقدم تخربجه قريبًا (ص ٢١٢).
(٤) أخرجه البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٥) تقدم تخريجه قريبًا (ص ٢١٢).
[ ٢١٥ ]
وأعوانه من النفس وغيرها ربما أوحوا إلى الإنسان أنه لا عبرة بالعمل، وإنما العبرة بالسابقة أو الخاتمة على ما مر، فمن سعد ثَمَّ. . لا يضره أيُّ شرٍّ اقترفه، ومن شقي ثَمَّ. . لا ينفعه أيُّ خيرٍ اكتسبه، فيصغَى إليهم؛ لظهور حجتهم وزخرفتها، ويترك أعمال الخير، وينهمك في قبائح الشر، وما دَرَى المسكين أن هذا تمويهٌ عليه، وإضلالٌ له، وغفلةٌ عمَّا وضعه اللَّه تعالى من الأسباب الدالة على مسبباتها، بل والمستلزمة لها عادة (١).
وأما انخرامها بموت من كانت أعمالُه صالحةً على الكفر. . ففي غاية الندور، والنادر لا تنخرم به القواعد الكلية، على أن غاية المنهمك في الشر إذا فُرض موتُه على الإسلام النجاةُ من الخلود في النار، على ما فيه من خلافٍ لنحو المعتزلة.
وأما حوزه لشيءٍ من الكمالات. . فبعيدٌ عنه، فوجب عليه تحرِّي الأعمال الصالحة، وأن يغلب الرجاء في اللَّه تعالى وفضله بإماتته إياه على الإسلام؛ لأنه على هذا التقدير يكون من ملوك الجنة وساداتهم.
فإن فُرض -والعياذ باللَّه تعالى- خلافُ ذلك. . لم تضره تلك الأعمال شيئًا، بل ربما خفَّفت عنه؛ فإن الكافر معاقبٌ على المعاصي مع الكفر، فمن لا معاصي له إنما يعاقب على الكفر فقط (٢)، فلا ضرر في الأعمال الصالحة بوجهٍ، بل إن الغالب -بل المطَّرد- نفعها وحوز الكمالات بسببها، فأي حجةٍ في العدول عنها؟!
فظهر لك أن تلك الحجة التي أقامها إبليس إنما هي كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطل، فافهم ذلك وتدبَّره؛ فإنه أهم ما يعتني به المكلف، ويجعله نصب عينيه، وإلَّا. . زلَّ به القدم، وندم حيث لا ينفعه الندم، نسأل اللَّه دوام رضوانه، وسوابغ امتنانه، آمين.
_________________
(١) وما أحسن ما قاله بعضهم: (من الطويل) ألم تر أن اللَّه قال لمريمٍ: وهزي إليك الجذع يسَّاقطِ الرُّطَبْ ولو شاء أدنى الجذع من غير هزِه إليها ولكن كل شيءٍ له سببْ
(٢) قوله: (فمن لا معاصي له. . . إلخ) هو ظاهرٌ على القول بعدم تكليف الكفار بفروع الشريعة، أما على الأصح. . فلا يظهر، اللهم إلا أن يقال: إنه يصونه بموته عقب بلوغه قبل التمكن من التكليفات، فتأمل. اهـ هامش (ب)
[ ٢١٦ ]
وفي "الصحيحين" أنه ﷺ قال: "ما من نفسٍ منفوسةٍ إلا وقد كتب اللَّه مكانها من الجنة والنار" فقال رجلٌ: يا رسول اللَّه؛ أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: "اعملوا؛ فكلٌ ميسرٌ لما خُلق له، أما أهل السعادة. . فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة. . فييسرون لعمل أهل الشقاوة" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآيتينِ (١)، ففيه: أن الكتاب سبق بالسعادة والشقاوة، وأنهما مقدران بحسب الأعمال، وأن كلًّا ميسرٌ لما خُلِق له من الأعمال التي هي سببٌ لهما، وروي هذا المعنى عنه ﷺ من وجوهٍ كثيرةٍ.
(رواه البخاري ومسلم) وهو حديثٌ عظيمٌ جليلٌ، يتعلَّق بمبدأ الخلق ونهايته، وأحكام القدر في المبدأ والمعاد، وإنكارُ عمرو بن عبيدٍ من زهَّاد القدرية له من ضلالاته وخرافاته، وحماقته وجهالاته.
وأما ما بيَّنه الخطيب الحافظ وبرهن عليه من أن: "فواللَّه الذي لا إله غيره. . . إلخ" من كلام ابن مسعود. . فمردودٌ عليه، وورودُهُ عنه مدرجًا من قوله في رواية لا تقاوم رواية "الصحيحين" هذه الصريحة في رفعه (٢).
وعلي التنزل وأنه مدرجٌ من قوله. . فلا ينسب إليه إلا اللفظ، وأما المعنى. . فهو صحيحٌ عنه ﷺ من طرقٍ صحيحةٍ؛ منها للبخاري: "إنما الأعمال بالخواتيم" (٣).
ومنها لابن حبان في "صحيحه": "إنما الأعمال بخواتيمها كالوعاء، فإذا طاب أعلاه. . طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه. . خبث أسفله" (٤).
ومنها لمسلمٍ: "إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له
_________________
(١) الحديث مركب من حديثين: عند البخاري (٤٩٤٨)، (٤٩٤٩)، وعند مسلم (٢٦٤٧/ ٦)، (٢٦٤٧/ ٧) عن سيدنا علي ﵁.
(٢) قوله: (ووروده عنه) مبتدأ، وقوله: (في رواية) خبر؛ أي: ورودهُ عن ابن مسعود مدرجًا من قوله إنما هو في روايةٍ لا تقاوم رواية "الصحيحين". . . إلخ، تأمل. اهـ "مدابغي"
(٣) تقدم تخريجه (ص ٢١٢).
(٤) صحيح ابن حبان (٢١٢) عن سيدنا معاوية ﵁.
[ ٢١٧ ]
بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له بعمل أهل الجنة" (١).
وأخرج أحمد: "لا عليكم ألَّا تعجبوا بأحدٍ حتى تنظروا ما يُختم له. . . " الحديث (٢)، وأحمد والترمذي والنسائي عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (٣) قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ وفي يده كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ " قلنا: لا يا رسول اللَّه إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى (٤): "هذا كتابٌ من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا" ثم قال للذي في شماله: "هذا كتابٌ من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا" فقال أصحابه: ففيم العمل -يا رسول اللَّه- إن كان أمرٌ قد فُرغ منه؟ فقال: "سدِّدوا وقاربوا؛ فإنَّ صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أيَّ عملٍ، وإنَّ صاحب النار يُختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيَّ عملٍ" ثم قال ﷺ بيديه فنبذهما، ثم قال: "فرغ ربكم من العباد، فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير" (٥) وروي هذا الحديث من وجوهٍ متعددة.
وحديث البخاري (٦) في الرجل الذي قاتل المشركين أبلغ القتال، وقوله ﷺ: "إنه من أهل النار" فجُرح فلم يصبر فقتل نفسه؛ فلمَّا بلغ ذلك النبي ﷺ. . قال: "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٦٥١) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٢) مسند الإمام أحمد (٣/ ١٢٠) عن سيدنا أنس ﵁.
(٣) كذا في النسخ، لكن في المصادر التي عزا إليها الشارح رحمه اللَّه تعالى: (عن ابن عمرو ﵄) وقال الترمذي رحمه اللَّه تعالى: (وفي الباب عن ابن عمر).
(٤) لعل اللام فيه وفيما بعده بمعنى (في) أو (عن) فليراجع. اهـ هامش (غ)
(٥) مسند الإمام أحمد (٢/ ١٦٧)، وسنن الترمذي (٢١٤١)، وسنن النسائي الكبرى (١١٤٠٩) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمرو ﵄. وقوله: (فرغ ربكم من العباد) أي: أنهى تقدير سعادتهم وشقاوتهم وشؤونهم في الأزل. اهـ "مدابغي"
(٦) أي: ومنها حديث البخاري رحمه اللَّه تعالى.
[ ٢١٨ ]
من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة" (١).
وفي قوله فيه: "فيما يبدو للناس" إشارةٌ إلى أن باطن الأمر قد يكون بخلاف ظاهره، وأن خاتمة السوء تكون -والعياذ باللَّه تعالى- بسبب دسيسةٍ باطنيةٍ للعبد، ولا يطلع عليها الناس، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلةُ خيرٍ خفيةٌ تغلب عليه آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة.
وحكى عبد العزيز بن [أبي] رَوَّاد قال: حضرت عند محتضرٍ لُقِّن الشهادتين، فقال: هو كافرٌ بهما، فسأل عنه، فإذا هو مدمن خمر، وكان عبد العزيز يقول: (اتقوا الذنوب؛ فإنها هي التي أوقعته) (٢).
وأخرج الإمام أحمد والترمذي: أنه ﷺ كان يكثر في دعائه: "يا مقلب القلوب؛ ثبِّتْ قلبي على دينك" فقيل له: يا رسول اللَّه؛ آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع اللَّه ﷿، يُقلِّبها كيف يشاء" (٣).
وأخرج مسلم: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن ﷿ كقلبٍ واحدٍ، يصرفه حيث يشاء" ثم قال ﷺ: "اللهم مصرف القلوب؛ صرِّف قلوبنا على طاعتك" (٤).
* * *
_________________
(١) صحيح البخاري (٢٨٩٨) عن سيدنا سهل بن سعد ﵁.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المحتضرين" (٢٨٦)، وما بين معقوفين زيادة منه.
(٣) مسند الإمام أحمد (٣/ ١١٢)، وسنن الترمذي (٢١٤٠) عن سيدنا أنس ﵁.
(٤) صحيح مسلم (٢٦٥٤) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمرو ﵄.
[ ٢١٩ ]