وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ ﵃ فِي هَذَا الْبَابِ مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ، فَأَوَّلُ مَنْ عَلِمْتُهُ صَنَّفَ فِيهِ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ المُبَارَكِ، ثُمَّ مُحَمَّد بْنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ الْعَالِمُ الْرَّبَّانِيُّ، ثُمَّ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الآجُرِّيٌّ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الأَصْفَهَانِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْمَالِينِيُّ، وَأَبُو عُثْمَانَ الصَّابُوييُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنْ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَونَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتأَخِّرِينَ.
وَقَدِ اسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي جَمْعِ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا؛ اقْتِدَاءً بِهَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ، وَحُفَّاظِ الإِسْلَامِ، وَقَدِ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ اعْتِمَادِي عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، بَلْ عَلَى قَوْلهِ ﷺ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: "لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ"، وَقَوْلِهِ ﷺ: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا".
(وقد صنف العلماء ﵃ في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات) أي: فلي بهم أسوةٌ في ذلك (فأول من علمته صنف فيه: عبد اللَّه بن المبارك، ثم محمد بن أسلم الطُّوسي) بضم الطاء (العالم الرباني) هو: مَنْ أُفيضت عليه المعارف الإلهية فعرف بها ربه، وربى الناس بعلمه.
(ثم الحسن سفيان النَّسوي) بنون فمهملة مفتوحتين، نسبة إلى نَسا.
(وأبو بكر الآجري) بهمزة مفتوحة ممدودة.
[ ١٠٧ ]
(وأبو بكر محمد بن إبراهيم الأصفهاني) بكسر الهمزة وفتحها، وبالفاء لا الباء (١).
(والدارقطني) بفتح الراء، نسبة إلي دار القطن، محلَّةٌ كبيرةٌ ببغداد.
([والحاكم وأبو نعيم] (٢) وأبو عبد الرحمن) محمد بن الحسين (السُّلَمي) بضم السين وفتح اللام، نسبة إلي سليم بن منصور، قبيلة مشهورة.
(وأبو سعيد) الذي قاله السمعاني: أبو سعد أحمد بن محمد (٣) (المالينيُّ) بفتح الميم وكسر اللام ثم تحتية ثم نون، نسبة إلي مالين (٤)، قرى مجتمعة من أعمال هراة، وهو راوية ابن عديٍّ الحافظ، (وأبو عثمان الصابوني) نسبة إلي عمله (٥).
(ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاري (٦)، و) الإمام الجليل، الحافظ الكبير (أبو بكر البيهقي) نسبة إلي بيهق، قرية بناحية نيسابور، أحد أئمة الشافعية، (وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين) (٧).
ولما كانت الاستخارة مطلوبةً في جميع الأمور، وحديثها ثابتٌ في
_________________
(١) قوله: (بالفاء لا بالباء) عبارة السعد: (والأصبهاني: بالباء والفاء مع كسر الهمزة وفتحها، والفتح أفصح) انتهى، وقال ابن رسلان: (نسبة إلى أصبهان بلدة من بلاد فارس) انتهى، وفي "القاموس": أن الفاء تبدل منه باءً، فقول الشارح: (لا الباء). . مشكل. وفي بعض النسخ: (بالفاء والباء) فلا إشكال. ويمكن أن يكون مراده: لا بالباء من حيثُ نسخةُ المصنف. اهـ "مدابغي" في هامش (هـ): (قوله: "لا الباء" أي: هنا في نسخة المصنف، فلا ينافي أنها في اللغة لم تستعمل، بل تستعمل كذلك مثل الفاء، ففيها أربع لغات).
(٢) قال العلامة المدابغي رحمه اللَّه تعالى بعد تعريفه بالإمامين رحمهما اللَّه: (وهذان الاسمان -أعني قوله: "والحاكم وأبو نعيم"- ساقطان في شرح ابن حجر، موجودان في الأصول المصححة والمتون المشروحة كما قاله ملا علي). وهما موجودان فيما بين أيدينا من "مخطوطات الأربعين".
(٣) انظر "الأنساب" (٥/ ١٧٩). وفي كثيرِ من النسخ تحريف للاسم، والمثبت من نسخةٍ، وهو الصواب.
(٤) قوله: (نسبة إلى مالين) وأهل هراة يقولون: مالان، وحينئذٍ فيقال فيه: المالاني الهروي الأنصاري. اهـ "مدابغي"
(٥) قال السمعاني في "الأنساب" (٣/ ٥٠٦): (ولعل أحد أجداده عمله فعُرفوا به وهو المعروف بشيخ الإسلام، وكان إمامًا مفسرًا محدثًا فقيهًا، روى عن الحاكم، وروى عنه البيهقي) اهـ بتصرف
(٦) صوابه: عبد اللَّه بن محمد الأنصاري من ذرية سيدنا أبي أيوب ﵁، له "الأربعين في التوحيد"، و"الأربعين في السنة". انظر "سير أعلام النبلاء" (١٨/ ٥٠٥ - ٥١٨).
(٧) سقطت هذه الفقرة من إحدى عشرة نسخة، وهي مثبتة من (ز) و(غ)، وقد نبه العلامة المدابغي رحمه اللَّه تعالى لذلك فقال: (والاسمان المتقدمان إلى هنا ساقطٌ من شرح ابن حجر).
[ ١٠٨ ]
"الصحيح" (١)، قيل: ولأنها استشارة الرب، والمستشار مؤتمن، ويروى: "من سعادة ابن آدم الرضا بالقضاء والقدر، واستخارة اللَّه تعالى في أموره، ومن شقاوته ترك ذلك" (٢). . قدَّمها المصنف على هذا التأليف؛ لتعود بركتها عليه، كما قال: (وقد استخرت اللَّه تعالى) أي: طلبت منه خير الأمرين (في جمع أربعين حديثًا؛ اقتداءً بهؤلاء الأئمة الأعلام، وحفَّاظ الإسلام) إذ الاقتداء بالأئمة فيما يفعلونه من الخير مطلوبٌ ما لم يكن محل اجتهاد، ويؤدي اجتهاد مَنْ فيه أهلية الاجتهاد إلى خلافهم.
(وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال) لأنه إن كان صحيحًا في نفس الأمر. . فقد أعطي حقه من العمل به، وإلَّا. . لم يترتب على العمل به مفسدة تحليلٍ ولا تحريم، ولا ضياع حقٍّ للغير، وفي حديث ضعيف: "من بلغه عني ثواب عمل فعمله. . حصل له أجره وإن لم أكن قلته" (٣) أو كما قال.
وأشار المصنف رحمه اللَّه تعالى بحكاية الإجماع على ما ذكره إلى الرد على من نازع فيه بأن الفضائل إنما تُتَلقى من الشرع، فإثباتها بالحديث الضعيف اختراعُ عبادة، وشرع في الدين ما لم يأذن به اللَّه.
ووجه ردِّه: أن الإجماع لكونه قطعيًا تارةً، وظنيًا ظنًا قويًا أخرى لا يُردُّ بمثل ذلك لو لم يكن عنه جوابٌ، فكيف وجوابه واضح؟! إذ ذاك ليس من باب الاختراع والشرع المذكورَينِ، وإ نما هو ابتغاء فضيلةٍ ورجاؤها بأمارةٍ ضعيفةٍ من غير ترتُّب مفسدةٍ عليه كما تقرر.
_________________
(١) أخرج البخاري (٦٣٨٢) عن سيدنا جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلِّها كالسورة من القرآن: "إذا همَّ بالأمر. . فليركع ركعتين ثم يقول: اللهم؛ إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم؛ إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله-. . فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري، وآجله-. . فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به، يسمي حاجته".
(٢) أخرج نحوه الشاشي في "مسنده" (١٨٥) عن سيدنا سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٣) أخرجه بنحوه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٩٣) عن سيدنا أنس ﵁.
[ ١٠٩ ]
(ومع هذا) المقرر من جواز العمل بالضعيف في الفضائل إجماعًا (فليس اعتمادي على هذا الحديث) وحده حتى يرد عليَّ الإشكال السابق (بل على قوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة: "لِيبلغِ الشاهدُ منكمُ الغائبَ") أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" في خطبته في حجة الوداع (١)، وأخرجه ابن منده في "مستخرجه" عن ثمانية عشر صحابيًا.
(وقوله ﷺ): "بلِّغوا عنِّي ولو آية" (٢)، وقوله ﷺ: (نضَّر اللَّه) بتخفيف الضاد المعجمة، ورجَّحه بعضهم، وعليه جرى الروياني من أصحابنا في "بحره" (٣) -وبتشديدها قال المصنف رحمه اللَّه تعالى، وهو الأكثر (٤) - وفيه أيضًا: (أنضر) من النضارة؛ وهي: حُسْن الوجه وبريقُه، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾.
ومن ثَمَّ قال بعضهم: إني لأرى في وجوه أهل الحديث -وعبَّر بعضهم بأهل العلم- نضرةً وجمالًا (٥) لهذا الحديث، يعني: إنها دعوةٌ أُجيبتْ (٦).
_________________
(١) صحيح البخاري (١٠٥)، وصحيح مسلم (١٦٧٩) عن سيدنا أبي بكرة ﵁. وفي "الفتوحات الوهبية" (ص ٤٠): (وهذا تحريض على التعليم والتعلم؛ فإنه لولاه. . لانقطع العلم بين الناس).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٦١)، وابن حبان (٦٢٥٦)، والترمذي (٢٦٦٩) عن سيدنا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄.
(٣) حيث قال في "بحر المذهب" (١/ ٢٠): (يقال: "نضر اللَّه" بالتخفيف والتثقيل، وأجودهما التخفيف).
(٤) ضبطها المصنف رحمه اللَّه تعالى في آخر "الأربعين" في باب سماه: (باب الإشارات إلى ضبط الألفاظ المشكلات) انظر (ص ٦٤٠) آخر هذا الكتاب.
(٥) ومن نظم الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه اللَّه تعالى في فن الحديث: (من الكامل) مَنْ كانَ من أهلِ الحديثِ فإنَّهُ ذو نضرةٍ في وجهه نورٌ سطَعْ إنَّ النبيَّ دعا بنضرةِ وجهِ مَنْ أدَّى الحديثَ كما تحمَّل واتَّبعْ ومن نظمه أيضًا: (من الكامل) أهلُ الحديثِ لهم مفاخرُ ظاهرةْ وهمُ نجومٌ في البريَّةِ زاهرةْ في أيِّ مصرٍ قد ثَوَوْا تلقاهُمُ حقًا لأعداءِ الشريعةِ قاهرةْ بالنُّورِ قد مُلئتْ حشاشةُ صدرهِمْ فكذا وجوهُهُم تراها ناضرةْ
(٦) وخُصَّ حامل السنة بالدعاء؛ لأنه سعى في نضارتها وتجديدها، فجازاه اللَّه تعالى في دعائه بما يناسب جماله، وذكر سيدي محمد الشاذلي ﵀ في كتابه "البيان" ما نصه: (اخُتصَّ أهل الحديث من دون سائر العلماء بأنهم لا تزال وجوههم نضرة؛ لدعوة النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم لهم بقوله: "نضر اللَّه. . . إلخ"، =
[ ١١٠ ]
وقال بعضهم: (ليس هذا من الحسن في الوجه، وإنما معناه: حسَّن اللَّه وجهه في خَلْقه؛ أي: في جاهه وقَدْره، فهو مثل قوله ﷺ: "اطلبوا الحوائج إلى حسان الوجوه" (١) يعني: الوجوه من الناس وذوي الأقدار) انتهى، وهو تأويلٌ بعيدٌ مخالفٌ للظاهر من غير حاملٍ عليه، وليس نظيرَ حديث: "اطلبوا الحوائج" لذكر الوجوه فيه المحتمل لأن يراد بها جمع (وجه) من الوجاهة؛ وهي: التقدُّم وعلو القدر.
وحكى ابن العربي عن ابن بُشْكوال: أنه بالصاد المهملة، وهو شاذٌّ.
(امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) رواه الترمذي عن ابن مسعود، وقال: حسن صحيح، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" عن جبير بن مطعم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأبو داوود، وابن ماجه، والترمذي عن زيد بن ثابت، وقال: حسن (٢).
وفي روايةٍ صحيحةٍ: "نضر اللَّه امرأ سمع منَّا حديثًا فأداه عنَّا كما سمعه، فربَّ مبلَّغ -أي: بفتح اللام- أوعى من سامع" (٣).
وفي أخرى صحيحةٍ أيضًا: "نضر اللَّه رجلًا سمع منا كلمةً فبلغها كما سمعها، فرب مبلَّغٍ أوعى من سامع" (٤).
قال الروياني في "بحره": (في الخبر: بيان أن الفقه هو الاستنباط والاستدراك لمعاني الكلام، وفي ضِمْنه وجوب التفقهِ والحثِّ على استنباط معاني الحديث) اهـ (٥)
_________________
(١) = والنضرة: الحسن والرونق، والمعنى: خصه اللَّه تعالي بالبهجة والسرور؛ لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السنة، فجازاه في دعائه بما يناسب حاله في المعاملة. اهـ "الفتوحات الوهبية" (ص ٤١).
(٢) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣٧٩٩) عن سيدنا أبي هريرة ﵁.
(٣) سنن الترمذي (٢٦٥٦) و(٢٦٥٧)، وصحيح ابن حبان (٦٦)، ومستدرك الحاكم (١/ ٨٧)، وسنن أبي داوود (٣٦٦٠)، وسنن ابن ماجه (٢٣٠).
(٤) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١٣٢٦) عن سيدنا عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
(٥) أخرجه الشاشي في "مسنده" (٢٧٨)، والبيهقي في "الشعب" (١٦٠٧) عن سيدنا عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
(٦) بحر المذهب (١/ ٢٠ - ٢١).
[ ١١١ ]
وليس في قوله: "كما سمعها" منعٌ لرواية الحديث بالمعنى بشروطه (١)، خلافًا لمن زعمه؛ لأن المراد: أداء حكمها لا لفظها؛ بدليل قوله في آخر الحديث: "فرب حامل فقهٍ غير فقيه، ورب حامل فقهٍ إلى مَنْ هو أفقه منه" (٢) والفقه: اسمٌ للمعنى لا لِلَّفظ.
* * *
_________________
(١) عبارة "جمع الجوامع وشرحِه" للجلال (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦): (مسألة: الأكثر من العلماء -منهم الأئمة الأربعة- على جواز نفل الحديث بالمعنى للعارف بمدلولات الألفاظ ومواقع الكلام؛ بأن يأتي بلفظٍ بدل آخر يشاركه في المراد منه وفهمه؛ لأن المقصود المعنى، واللفظ آلةٌ له، أما غير العارف. . فلا يجوز له تغيير اللفظ قطعًا، وسواء في الجواز نسي الراوي اللفظ أم لا) اهـ هامش (غ)
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٣٠) عن سيدنا جبير بن مطعم ﵁.
[ ١١٢ ]