وقد طلب منه الأمير يوسف الشهابي أن يتولى الفتوى والقضاء في بيروت، فامتنع الشيخ البربير عن ذلك حتى أقنعه الأمير بالموافقة، غير أنَّ الشيخ وضع شروطًا لقبوله، فإذا أخلَّ الأمير بإحداها اعتزل المنصبين، وكانت الشروط هي:
١ - أن لا يتصدَّى الأمير للدعوى بعد أن يكون هو فصلها بمجلس قضائه، وأن يأمر بتنفيذها دون إبطاء.
٢ - إذا كانت الخصومة بين الأمير وبين أحد المواطنين العاديِّين، وكان الحكم ضد الأمير، فإنَّ على الأمير أن ينقِّذ ما أمر به الشرع الحنيف.
٣ - أن يبعث الأمير من قِبله أحد أتباعه ويجلس في المحكمة لتحصيل ما على الدعوى من الرسوم المقرَّرة بين القضاة.
٤ - أن لا يلتزم الشيخ البربير بارتداء الزيّ المقرَّر للقضاة من لبس العمامة والفَرَجيَّة (١).
_________________
(١) هي الجبة التي كانت خاصة بالقضاة تمييزًا لهم عن بقية العلماء. وهي منسوبة =
[ ١٣ ]
وقد نزل الأمير عند رغبة الشيخ وتعهد بالتزام الشروط التي طلبها.
لكن الشيخ كان يتمنى أن يخل الأمير بشرط حتى يتخلص من هذا المنصب الذي قَبِله على مضض، ولم يكن يخفي تبرمه وضيق صدره، فمما نظمه مُعبرًا عن ذلك قوله:
قد عَدَلْنا وما عَدَلْنا بغَيٍّ وحكَمْنا بأمرِ ربِّ السماءِ
فشكا الناسُ حُكمَنا ولَعمري قلَّ مَن يرتضي بحكمِ القضاءِ
وقوله:
رماني زماني بما يجهدُ فمن ذا أرومُ ومن أقصدُ
وأوقفني في القضاءِ القضا وما كنتُ أحسبه يوجدُ
وظيفةُ كرْبٍ، لأثقالها تراني لموتي الرَّدَى أحمدُ
وحسبي انقلابُ صديقي بها عدوًّا، إذا فاته المقصدُ
فباطنها الذُّلّ والابتلا وظاهرها العزُّ والسُّؤددُ
وإذ ليس دأبي ولا ديدني ولا أرتضيه، ولا أعمدُ
وصعبٌ على المرء تكليفُهُ أمورًا خلاف الذي يَعْهَدُ
ولم تلق هذه المنظومات لدى الأمير أذن صاغية، مما اضطر الشيخ أن يوجه للأمير قصيدة مطولة ضمَّنها رجاءه بإلحاح لِإعفائه من هذا المنصب، واصفًا نفسه بالظلم وعدم الأهلية لتولي هذا المنصب، فمما قاله فيها:
_________________
(١) = إلى السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق من سلاطين المماليك الجركسية، ولي الحكم بمصر بعد أبيه سنة ٨٠١ هـ، ثم عزل سنة ٨٠٨ هـ، ثم أعيد إليه وانتهى به الأمر أن قتل سنة ٨١٥ هـ.
[ ١٤ ]
تنبَّه أخي فماذا العمى وقد بَلَغَ السيلُ أعلى الرُّبى
تواريتَ في جُنح ليل الذنوب ولم ترَ إشراق فجر الدُّجى
فكيف رضيتَ ترى قاضيًا وفوقكَ بالقهر قاضي السما
وكيف عجزتَ يحمل القميص وتقوى على حمل حقِّ الملا
وأصبحتَ بالظلم في غاية ومرتبةٍ ما لها منتهى
وقال:
أما في الأُلى سلفوا عبرة لمثلكَ دلَّت على ما نأى
فأينَ القضاةُ وأين الملوك وأين الحُليُّ وأين الحُلى
وأينَ الأحاديثُ في سردها وقد أنبأتكَ بذمِّ القضا
فإن قلتَ إني امرؤٌ عادلٌ فلا تنس "من حام حول الحمى"
درءُ المفاسدِ تقديمهُ على جلب مصلحةٍ يرتضى
وإن قلتَ إني أمرؤٌ منكرةٌ عليها فدونكَ رحب الفضا
وكلُّ مَنْ تخلفُهم للذي أحاط بما كان تحت الثرى
فقد رزَقَ الطير في وكرهِ وخصَّ الجنينَ بِطيبِ الغِذا
وعشْ باليسير وأكل الشعير وترك الحرير ولبس العبا
فذلك أهونُ من بيع دينكَ يا غافلًا بدين الدُّنى
فلما أن اطلع الأمير يوسف الشهابي على هذه الأبيات دخلت قلبه خشية الله، فبادر إلى إعفاء الشيخ من القضاء وعيَّن له مرتَّبًا يكفيه، فامتدحه الشيخ البربير بقوله:
أميرُنا أَكرِمْ من حاتمٍ له بَنانٌ ضاق عنها الفضا
بحلمهِ أدركتُ ما أشتهي وقد كفاني الله شرَّ القضا
[ ١٥ ]
وقال أيضًا:
أميرٌ عظيم لهُ رتبةٌ على غيره صعبةُ المُرتَقَى
قصرتُ ثنائي على وصفهِ وأعطيتُهُ في الورى مَوْثِقا
ولا غروَ في كونِهِ وارثًا ثنائيَ دون الورى مطلقا
فقد أعتقَ القلب من كربِهِ وصحَّ الولاءُ لمَنْ أعتقَا
وبعد ذلك أنشأ مكتبًا (كُتَّابًا) لتعليم الأولاد قانعًا بما يناله منه من الرِّزق الكفاف، إلاَّ أنه لم يسدّ حاجته، وافتقر.