حياء، وإن كان مخالفًا لما تقتضيه غريزة الحياء، كاستحياء الجاهل عن تعلُّم ما يلزمه. فهذا يسمَّى حياءً لكن صاحبه إذا طاوعه فامتنع عن السؤال فإنه بذلك لم يستَحْيِ من الجهل الذي هو عيب ومظنة الوقوع في عيوب كثيرة.
وبذلك يصدق عليه أنه ليس عنده غريزة الحياء الكامل؛ إذ لو كانت عنده لحملتْه على أن يراعيَ الحياء الأكبر، أعني التخلُّص من العيب الأكبر، وإن وقع في الأصغر. والله أعلم.
* * * *
(باب تحريم الكبر)
عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﵌ -: «لا يدخل النارَ أحد في قلبه مثقال حبَّةِ خردلٍ من إيمان، ولا يدخل الجنةَ أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء» (^١).
ربما يُفهم منه أن المراد بالكبر هاهنا الكبر عن الإيمان.
* * * *
حديث مسلم (^٢) عن حكيم بن حزام أنه قال لرسول الله - ﵌ -: أرأيت أمورًا كنت أتحنَّث بها في الجاهلية، هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله - ﵌ -: «أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير».
خلاصة ما قامت عليه الأدلة أن أعمال الخير مكتوبة للكافر، ولكنه إن
_________________
(١) رقم (٩١/ ١٤٨).
(٢) رقم (١٢٣/ ١٩٤).
[ ٢٤ / ١٤١ ]
علم الله ﷿ منه أنه يموت على كفره فإنه يجزيه بها في الدنيا موفَّاةً بلا بخس. فإذا جاء يوم القيامة لم يكن له حسنة. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
وقد تقدّم صريحًا (ص ١٦٠) (^١) في حديث مسلم عن أنس.
وحينئذ يقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠].
وإن علم الله ﷿ أنه يؤمن جزاه بها في الدنيا وفي الآخرة كما في حديث حكيم.
فإن قيل: قد تكثر أعمال الخير من الكافر جدًّا ويقلُّ جزاؤه في الدنيا.
قلتُ: إن الله ﷿ يحاسب الكافر بجميع النعم التي أنعمها عليه من الخلق والسمع والبصر والقوة وغير ذلك. فإذا نظر إلى هذا علم أن أقل نعمة من هذه النعم تفي بجميع الأعمال.
فأما المؤمن فإن الله ﷿ فضلًا منه يُسامحه من هذا الحساب.
وربما إذا كثرت أعمال الخير من الكافر يوفقّه الله تعالى للإيمان.
_________________
(١) من كنَّاشة الشيخ، ولفظ الحديث: قال رسول الله - ﵌ -: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة؛ يُعطى بها في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يُجزى بها». «صحيح مسلم» (٢٨٠٨/ ٥٦).
[ ٢٤ / ١٤٢ ]