حديث: «الصوم لي وأنا أجزي به» (^٤) يُسأل عن معناه وحكمته.
فأما حكمته: فقد ذُكرت في الحديث، وهو قوله: «يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». وذلك أنه يجتمع في الصوم من ترك الشهوات ما لا يجتمع في غيره من العبادات.
وأما المعنى: فظاهر حديثِ (^٥) أبي هريرة المتفق عليه ــ كما في
_________________
(١) في «السنن الكبير» (٤/ ٢١٦).
(٢) روي ذلك عن أبي بكر ﵁. أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٩٠٢٢).
(٣) مجموع [٤٧٢٦].
(٤) أخرجه البخاري (٧٤٩٢) ومسلم (١١٥١) من حديث أبي هريرة.
(٥) الأصل: «حد».
[ ٢٤ / ١٩١ ]
«المشكاة» ــ أن المعنى أن جزاءه لا يتقيّد بعشرة أمثاله إلى سبعمائة، بل هو موكول إلى فضل الله ﷿.
قال في «المشكاة» (^١): وعنه (أبي هريرة) قال: قال رسول الله - ﵌ -: «كل عمل ابن آدم يُضاعَف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».
وقد يُدفع بأحاديث أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر، وحديث صوم رمضان وستة أيام من شوال صوم الدهر؛ فإنه مبنيّ على أن الحسنة بعشر أمثالها.
لكن يجاب بأن بناءه على الأقل لا يستلزم نفيَ الأكثر، يعني أن الباري سبحانه ﷿ قدّر جزاء الصدقة ــ مثلًا ــ بعشر أمثالها إلى سبعمائة، ووَكلَ الصيام إلى فضله، فكان معلومًا أنه لا يجوز أن يكون أقل من عشر، بل لا شك أنه أكثر. فبُني حديث صيام ثلاثة أيام على العشر لأنها محققة قطعًا، وأما ما زاد عنها، وإن كان محقّقًا أيضًا، لكنه دون تحقّق العشر. والله أعلم.
وقال ابن عيينة (^٢): إن معنى الحديث أن الأعمال كلها يؤخذ منها جزاء المظالم يوم القيامة إلا الصوم فإنه لا يؤخذ منه، بل إذا فَنِيت أعمال الظالم في جزاء المظالم وبقيت عليه مظالم، فإن الله ﵎ يقضي الباقي من فضله ويترك له الصوم.
_________________
(١) «مشكاة المصابيح»: (١/ ٤٤٢).
(٢) أخرجه عنه البيهقي في «الكبرى» (٤/ ٢٧٤، ٣٠٥)، وفي «شعب الإيمان» (٣٣٠٩).
[ ٢٤ / ١٩٢ ]
وهذا المعنى، وإن كان توافقه رواية البخاري (^١) في التوحيد بلفظ: «يقول الله تعالى: الصوم لي وأنا أجزي به والأعمال كفارت» (^٢)، فإن بقية الروايات تدفعه. وأيضًا ففي حديث القصاص الذي في «صحيح مسلم» (^٣): «أَتدرون من المفلس؟» ذُكِرَ الصيام.
ولفظه: «لكل عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (^٤).
* * * *