نقل المحشِّي عن ابن المَلَك (^٤) وغيره: أنه قد يُشكل هذا مع حديث: «أفضل الصدقة جُهد المقلِّ» (^٥)، وذكر الجواب عنه بما فيه نظر.
_________________
(١) برقم (١٠٢٢).
(٢) برقم (١٠٣٦).
(٣) برقم (١٠٣٤) من حديث حكيم بن حزام ﵁.
(٤) انظر عن «المحشي، وابن الملك» ما تقدم (ص ١٥٠).
(٥) أخرجه أحمد (٨٧٠٢) وأبو داود (١٦٧٧) وابن خزيمة (٢٤٤٤، ٢٤٥١) وابن حبان (٣٣٤٦) والحاكم (١/ ٤١٤) من حديث أبي هريرة، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، ولم يتعقَّبه الذهبي. وروي أيضًا من حديث عبد الله بن حبشي عند أحمد (١٥٤٠١)، وأبي داود (١٤٤٩) وغيرهما بإسناد حسن.
[ ٢٤ / ١٥٤ ]
وأقول: إنه لا منافاة؛ فإن المراد بالغنى الكفاف، بمعنى أنَّ أفضل الصدقة ما لم تخلَّ بالكفاف. أي ما تركتْ لصاحبها ما يكفيه. والمقصود أن المتصدِّق له حالان:
الأولى: أن يتصدَّق وقد بقي له ما يكفيه.
الثانية: أن يتصدَّق بقوته الذي هو محتاج إليه.
فالأولى أفضل. وقوله في الحديث الآخر: «جهد المقل» لا ينافي هذا؛ لأن جهد المقلِّ المراد به أقصى ما قدر عليه حيث لم يبق له غير الكفاف.
والحاصل أن للمتصدِّق في نفس الأمر ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يتصدَّق وقد بقي عنده أكثر مما يكفيه.
الثانية: أن يتصدَّق وقد بقي عنده ما يكفيه فقط.
الثالثة: أن يتصدَّق بقوته ويبقى محتاجًا.
فقوله: «عن ظهر غنى» يشمل الحالين الأوليين. وإنما فَضَّلهما بالنسبة إلى الثالثة. وقوله: «جهد المقلِّ» فَضَّل فيه الثانية على الأولى.
نعم، إنما يشكل ما جاء في فضل الإيثار لقوله ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
والجواب: أن جهد المقل أفضل من الإيثار غالبًا، ولكن قد يكون الإيثار أفضل في بعض المواطن كحال الصحابي وزوجته اللذَين آثرا ضيف
[ ٢٤ / ١٥٥ ]