يرى البعض أن رحلة ابن العربي، وولده القاضي، كانت رحلة سياسية وأنهما خرجا موفدين من قبل يوسف بن تاشفين، ملك الدولة اللمتونية، وهذا رأي ابن خلدون.
فقد قال: لما محى رسم الخلافة وتعطل دستها وقام بالمغرب يوسف بن تاشفين، ملك لمتونة، فملك العدوتين، وكان من أهل الخير والاقتداء، نزعت به همته إلى الدخول في طاعة الخليفة كميلًا لمراسم دينه فخاطب المستظهر العباسي وأوفد عليه ببيعته عبد الله ابن العربي وابنه القاضي أبا بكر من مشيخة أشبيلية يطلبان توليته إياها على المغرب وتقليده
[ ٤١ ]
ذلك فانقلبوا إليه بعهد الخلافة له على المغرب (١).
ورأي ابن خلدون هذا يعارضه سياق القاضي لرحلته مع والده فقد قال: (دعت الضرورة إلى الرحلة فخرجنا والأعداء يشمتون بنا .. ولقد كنت مع غزارة السببية ونضارة الشبيبة أحرص على طلب العلم في الآفاق) (٢).
وعندما كان ابن العربي في بيت المقدس وأراد والده الحج طلب منه أن يتركه مع مشايخه في تلك الديار لطلب العلم.
قلتُ لأبي رحمة الله عليه: إن كانت لك نيَّة في الحجِ فامضِ لعزمك فإني لست برايم هذه البلدة حتى أعلم علم من فيها وأجعل ذلك دستورًا للعلم وسلّمًا إلى مراقيها. فساعدني حين رأى جِدّي وكانت صحبته لي من أعظم أسباب جِدي (٣).
فالنصوص السابقة تدل على أن ابن العربي كان هدفه من الرحلة هو المعرفة والتعرف على العلماء لكنه لم يقتصر على ذلك، فيما بعد، واتصلا بالخليفة المستظهر بالله ورفعا إليه خطابًا مطوَّلًا يذكران فيه ما يقوم به الأمير يوسف بن تاشفين من دعوة للخلافة الإِسلامية، وإشاعة العدل بين الرعية، وجهاد أعداء الإِسلام وطلبا من الخليفة التقليد له بأمير المسلمين بالمغرب. ولما وصلنا مدينة السلام ولقينا فيها كبار الإِسلام كتب أبي، برَّد الله مثواه، إلى الخليفة كتابًا في درج طويل على صفة أدراجهم في مخاطباتهم (٤). وقد أشاد عبد الله بن العربي، في هذا الخطاب، بيوسف بن تاشفين فوصفه بالعدل والجهاد المستمر لأعداء الدين، وفي نهاية الخطاب يستأذن الخليفة في صدوره، هو وابنه، إلى الوطن بعد أن ظلّا ببغداد عامين كاملين في ضيافة الخلافة العباسية.
وصدر جواب الخليفة على ظهر نفس الدرج بتاريخ رجب سنة (٤٩١ هـ) يتضمن التقليد الرسمي للأمير ابن تاشفين، كما يتضمن الأمر السامي إلى الأمير ابن تاشفين بأن يختص حاملي الخطاب، ابن العربي وولده، بالأنعام الذي يضفو عليهما برده ويصفو لهما وده ليظهر عليهما من المهاجرة جميل الأثر فليقابل الأمر الأسنى بالاستقبال إن شاء الله (٥).
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون: ص ٢٢٩.
(٢) قانون التأويل قسم التحقيق: ص ١٠، قانون التأويل ص: ٢٦.
(٣) له (٥) أ.
(٤) انظر شواهد الجلة ل ٢أ، مخطوط الخزانة العامة ١٠٢٠.
(٥) انظر الكامل لابن الأثير ١٠/ ٤١٧ وعصر المرابطين والموحدين ١/ ٤٠ - ٤١.
[ ٤٢ ]
وقد استصدر ابن العربي من شيخه الغزالي فتوى مسهبة أورد أبو بكر خلاصتها في شواهد الجلة؛ وفيها أن يوسف كان على حق في إظهار شعار الإِمامة للخليفة المستظهر، وأن هذا الواجب على كل ملك استولى على قطر من أقطار المسلمين، وإذا نادى الملك المشمول بشعار الخلافة العباسية وجبت طاعته على كل الرعايا والرؤساء ومخالفته مخالفة للإِمام وكل من تمرَّد واستعصى فحكمه حكم الباغي (١).
وأرفق الغزالي، مع تلميذه، خطابًا وجَّهه إلى ابن تاشفين يحضُّه فيه على التمسك بالعدل وينوَّه بمحامد سيرته ومحاسن أخلاقه، ويذكر الدور الذي قام به أبو محمَّد ابن العربي وولده أبو بكر في إشاعة ذلك مما تعطَّرت به أرجاء العراق، ويذكر أن الخلافة دعت الشيخ ابن العربي إلى الإِقامة ببغداد تحت البر والكرامة فأبى إلى الرجوع إلى ذلك الثغر لملازمة الجهاد مع الأمراء، ولا ينسى أن ينوِّه بمقام أبي بكر في العلم والمعرفة في رحلته الطويلة في المشرق وفي بغداد بصفة خاصة فيقول:
والشيخ أبو بكر قد أحرز من العلم، في وقت تردُّده إليّ ما لم يحرزه غيره مع طول الأمد وذلك لما خُصَّ به من توقّد في الذهن وذكاء الحس وإنفاذ البصيرة، وما يخرج من العراق إلا وهو مستقلّ بنفسه حائز قصب السبق بين أقرانه (٢).
وفي نهاية الخطاب يوصي ابن تاشفين بالشيخين خيرًا لأنهما أهل لذلك ومن أحقّ بالإِكرام من أهل العلم (٣).
ثم غادرا بغداد عائدَيْن إلى بلدهما سنة (٤٩١ هـ) مارين بالشام وبيت المقدس ثم الإِسكندرية، وقد شاءت إرادة الله أن يموت عبد الله، والد القاضي، في نهاية الرحلة بذلك الثغر، ويأسف عليه ابنه أشدّ الأسف ثم واصل سيره إلى بلاده، وقد ودعه شيخه وابن بلده أبو بكر الطرطوشي وزوده برسالة إلى الأمير يوسف ابن تاشفين يوصيه فيه بتقوى الله وطاعته.
ويقول: ومِمَّا أتحفك به وهو خير لك من قلاع الأرض ذهبًا لو أنفقته في سبيل الله
_________________
(١) شواهد الجلة ل ٢أ، عصر المرابطين والموحدين: ١/ ٤٢. ويبدو من ذكر الخليفة المستظهر في رواية ابن العربي وفي فتوى الغزالي أنهما يرجعان إلى سنة ٤٨٧ هـ. وقد تولى المستظهر الخلافة بعد وفاة أبيه المقتدي: ١٦/ ٤٨٧/١.
(٢) شواهد الجلة ل ٧أ.
(٣) شواهد الجلة ل ٧أ.
[ ٤٣ ]
حديث: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغرِبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أمْرُ الله" (١).
والله أعلم هل أرادكم رسول الله، - ﷺ -، معشر المرابطين أو أراد بذلك جملة أهل المغرب وما
هم عليه من التمسك بالسنة والجماعة وطهارتهم من البدع والإِحداث في الدين، وإنَّا لنرجو أن تكونوا أوليِ بقية ينهَوْن عن الفساد في الأرض. ولقد كنّا في الأرض المقدسة، جبر الله مصابها، تترى علينا أخبارك وما قمت به من أداء فريضة الله تعالى في جهاد عدوّه وإعزاز دينه وكلمته ..
ولئن كنت تستنصر لك بجنود أهل الأرض فلقد كنا نستنصر لك بجنود أهل السماء حتى قدم علينا الأرض المقدسة أبو محمَّد بن العربي وابنه الفقيه الحافظ أبو بكر، فذكروا من سيرتك في جهاد العدو، وصبرك على مكافحته ومصابرته وإعزازك للدين وأهله والعلم وحملته، حتى تمنينا أن نجاهد الكفار معك ونكثر سواد المسلمين في جملتك. وينهي الطرطوشي رسالته بالتنويه بمكانة تلميذه أبي بكر ويوصي الأمير به وأن يشد يديه عليه.
والفقيه أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن العربي ممن صحبنا أعوامًا يدارس العلم ويمارسه، بلوناه وخبرناه وهو ممن جمع العلم ووعاه، ثم تحقق به ورعاه وناظر فيه وجدّ حتى فاق أقرانه ونظر آراءه ثم رحل إلى العراق فناظر العلماء، وصحب الفقهاء، وجمع من مذاهب العلم عيونها، وكتب من حديث رسول الله، - ﷺ -، وروى صحيحه وثابته والله يؤتي الحكمة من يشاء. وهو وارد عليك بما يسرُّك فاشددْ عليه يديك واحفظْ فيه، وفي أمثاله، وصية الله سبحانه لنبيه ﵇: ﴿وإذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرحْمَةَ﴾، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته (٢).
وقد توجَّه ابن العربي، في بداية أمره، إلى مراكش، عاصمة الدولة المرابطية، واستقبله الأمير يوسف بن تاشفين بكل ترحاب، وتسلم منه الرسائل الموجهة إليه، ثم عاد إلى إشبيلية وطنه معزَّزًا مكرَّمًا، وهناك بدأ يناظر ويدرس وينشر ما حصل عليه من علم.