هذه الترجمة تحتمل أربعة أوجه:
أحدها: أن تكون الطاء من الطهور والواو من الوضوء مرفوعين.
والثاني: أن يكونا منصوبين.
والثالث: أن تكون الطاء مرفوعة، والواو منصوبة.
والرابع: بعكسه وهو حرف لم تضبطه الرواة إما عن جهالة وإما عن غفلة لمن كان يتقن، وقد اختلف أرباب اللغة في معناهما على هذا الضبط اختلافًا كثيرًا والأشهر، والذي استقام على الأمثلة واستمر، أن يكون الفعول بضم الفاء للفعل وبفتحها للمفعول به وهي الآلة، فالطهور والوضوء بفتح الطاء والواو للماء وبضمهما للفعل، فعلى هذا يكون مساق
_________________
(١) أنظر أحكام القرآن: ٢/ ٥٦٣.
(٢) الموطّأ: ١/ ٢٢ قال مالك: الأمر عندنا أنه لا يتوضأ من رعاف ولا من دم ولا من قيح يسيل من الجسد، ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من ذكر أبو دبر أو نوم.
(٣) انظر فتح القدير: ١/ ٢٥، والبناية في شرح الهداية: ١/ ١٩٤.
(٤) انظر المجموع: ٢/ ٤.
(٥) قال الباجي: أما غير المعتاد كالحصى والدم والدود فإن المشهور عن مالك وأصحابه أنه لا يجب به وضوء، وقال محمَّد بن عبد الحكم يجب به الوضوء. المنتقى: ١/ ٥٤.
[ ١٣٨ ]
الترجمة الطهور بفتح الطاء والوضوء بضم الواو (١)، حديث: قال أبو هريرة ﵁: (جَاءَ (٢) رَجُلٌ إِلى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّا نَرْكُبُ البَحْرَ (٣) .. الحديث) إلى آخره، وهو حديث لم يروه أحد عن رسول الله إلا أربعة أبوهُرَيْرَة (٤)، وجابر (٥)، والفراسي (٦)،
_________________
(١) انظر النهاية لابن الأثير: ٣/ ١٤٧، ولسان العرب: ٤/ ٥٠٤ - ٧٠٥، وجامع الأصول: ٧/ ٦٣.
(٢) قال الحافط ابن حجر: سمى ابنُ بشكوال السائلَ عبد الله المدلجي وقال: قال النووي، في شرح المهذب، اسمه عبيد، وقيل عبد، قال: وأما قول السمعاني، في الأنساب، اسمه العركي فيه إبهام أن العركي اسمه علم له، وليس كذلك بل العركي وصف له وهو ملّاح السفينة كذا في التلخيص ١/ ١٢ وانظر الأنساب: ٩/ ٢٧٩. وقال ابن العربي، في العارضة: العربي هو الملّاح الذي يقال له عندنا النوتي، عارضة الأحوذي: ١/ ٨٨.
(٣) رواه أبو داود: ١/ ٢١، والترمذي: ١/ ١٠١، والنسائي ١/ ١٧٦، والموطأ: ١/ ٢٢، وابن ماجه: ١/ ١٣٦، والحاكم ١/ ١٤٠، كلهم عن أبي هريرة من طريق مالك ورواه الدّارمي: ١/ ١٨٥، من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن الجَلّاح عن عبد الله بن سعيد المخزومي عن المُغيرة بن أبي بُرْدة عن أبيه عن أبي هُرَيْرَة، ورواه البيهقي في السنن الكبرى: ١/ ٣ موافقًا لرواية الموطّأ، والحديث صححه الحاكم وروى له متابعات وشواهد. المستدرك: ١/ ١٤١. وقال الحافظ في ت ت ٤/ ٤٢، في ترجمة سعيد بن سلمة المخزومي. روى عن أبي هريرة حديث البحر هو الطهور ماؤه الشيخل ميتته، وصححه البخاري فيما حكاه عنه الترمذي في العلل الفرد حدثه، وكذا صححه ابن خزيمة وابن حبان وغير واحد وقال في الدراية لا بأس به، الدراية: ١/ ٥٤، وقال الترمذي حديث حسن صحيح. سنن الترمذي: ١/ ١٠١. وقال البغوي حسن صحيح. شرح السنة: ٢/ ٥٦، وأخرجه أحمد ونقل الشيخ البنا عن ابن الأثير وابن عبد البر تصحيحه. الفتح الرباني ١/ ٢٠٢ وصححه الشارح في الأطعمة، وقال الشيخ ناصر إسناده صحيح، وقد صححه غير الترمذي جماعة منهم البخاري والحاكم وابن حبان وابن المنذر والطحّاوي والبغوي والخطابي وغيرهم كثير، إرواء الغليل: ١/ ٤٣.
(٤) تقدمت روايته.
(٥) أما حديث جابر فقد أخرجه أحمد. انظر الفتح الرباني: ١/ ٢٠٢. وابن ماجه ١/ ١٣٧، والدارقطني: ١/ ٣٤، والحاكم: ١/ ١٤٣، وأورده الحافظ في التلخيص: ١/ ١١، ونقل عن ابن السكن قوله. حديث جابر أصح ما روي في هذا الباب. درجة الحديث: حسن لأن فيه أبا القاسم بن أبي الزناد ليس به بأس من التاسعة/ ق ت ٢/ ٤٦٣ ت ت ١٢/ ٢٠٣.
(٦) الفراسي صحابي لا يعرف اسمه، الإِصابة: ٣/ ٢٠٢ ت ٢/ ٥٢١ ت ٢/ ٥٢١ ت ت ١٢/ ٣٠٧، التاريخ الكبير: ٧/ ١٣٧، الاستذكار: ١ // ٢٠٢. وحديثه رواه ابن ماجه ١/ ١٣٦ وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه ١/ ٥٧: هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن مسلمًا لم يسمع من الفراسي ولا صحبة له، وإنما روى الحديث عن أبيه، فالظاهر أنه سقط من هذا الطريق. ونقل الحافظ عن الترمذي قوله: سألت محمدًا عنه فقال هذا مرسل لم يدرك الفراسيُّ النبيَ - ﷺ -، =
[ ١٣٩ ]
والعركي، وابن عمر (١)، وأبو بكر (٢)، وعلي (٣)، وعبد الله بن عمرو (٤).
_________________
(١) = والفراسي له صحبة، قال الحافظ: قلت فعلى هذا كأنه سقط من الزواية عن أبيه أو أن ابن زيادة فقد ذكر البخاري أن مسلم بن مخشى لم يدرك الفراسي نفسه وإنما يروي عن ابنه والابن ليست له صحبة، ورواه البيهقي من طريق شيخ شيخ ابن ماجة عن يحيى بن بكير عن الليث عن جعفر بن ربيعة عن مسلم ابن مخشى أنه حدّثه أن الفراسي قال كنت أصيد، فهذا السياق مجرد وهو على رأي البخاري مرسل. التلخيص: ١/ ٢٣، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد، وعزاه للطبراني وحسَّن إسناده: ١/ ٢١٥، وضعّفه ابن عبد البر في الاستذكار: ١/ ٢٠٢، وعندي أنه حسن لقول الهيثمي والحافظ ابن حجر.
(٢) حديث ابن عمر رواه ابن حبان من حديث السري بن عاصم بن سهل الهمداني عن محمَّد بن عبيد الله بن عمر به مرفوعًا؛ المجروحين: ١/ ٣٥٥، وأعله به وقال: كان ببغداد يسرق الحديث ويرفع الموقوفات لا يحل الاحتجاج به، وإنما هو من قول أبي بكر الصدّيق فأسنده. وقال الحافظ بعد الإِسناد الذي ساق ابن حبان وهذا إسناد مركب ما حدث به هؤلاء قط هكذا، وإنما يعرف من حديث أبي بكر موقوفًا، وكنّاه ابن عدي بأبي سهل وقال له غير حديث سرقه من الثقات وحدث به عن مشايخهم. لسان الميزان: ٣/ ١٢، وانظر الكامل: ٣/ ١٢٩٨، وقال الذهبي: السري بن عاصم مؤدب المعتز بالله وقد ينسب إلى جده، روى عن ابن علية ووهّاه ابن عدي وكذّبه ابن خراش. الميزان: ٢/ ١١٧. درجة الحديث: ضعيف.
(٣) رواه الدارقطني في سننه: ١/ ٣٤ من حديث عبد العزيز عن وهب بن كَيْسان عن جابر بن عبد الله عن أبي بكر الصدّيق أن رسول الله - ﷺ -، سئل عن ماء البحر .. الحديث. وأخرجه من طريق آخر عن عبيد الله بن عمر عن عمرو بن دينار عن أبي الطُّفيل عن أبي بكر موقوفًا. سنن الدراقطني: ١/ ٣٥. أقول: الطريق الأول فيه عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز المدني الأعرج، يعرف بابن أبي وثاب، متروك أحترقت كتبه فحدَّث من حفظه فاشتد غلطُه وكان عارفًا بالأنساب من الثامنة، مات سنة ١٩٧/ ت. ت ١/ ٥١١ وانظرت ت ٦/ ٣٥٠ الميزان: ٢/ ٦٣٢. وقال الحافظ: صحيح الدارقطني وابن حبان وقفه. التلخيص: ١/ ٢٤، الدارية: ١/ ٥٤، ونقل الزيلعي عن الذهبي قوله: وهذا سند صحيح (أي الموقوف) نصب الراية: ١/ ٩٩. درجة الحديث: المرفوع ضعيف والموقوف صحيح.
(٤) رواه الحاكم في المستدرك: ١/ ١٤٢، من حديث الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه مرفوعًا، وسكت عنه الحاكم، ورواه الدارقطني في سننه ١/ ٣٥ من نفس الطريق، وقال الحافظ هو من طريق أهل البيت وفي إسناد من لا يعرف التلخيص: ١/ ١٢، وكذا قال الشوكاني في النيل: ١/ ١٦. درجة الحديث: ضعيف.
(٥) رواه الحاكم في المستدرك: ١/ ١٤٣ وسكت عنه والدارقطني في السنن: ١/ ٣٧ كلاهما من طريق عمرو بن =
[ ١٤٠ ]
وأمثلها حديث أبي هُرَيْرَة هذا، واتفقت الصحابة على جواز الوضوء بماء البحر إلا ما روي عن عبد الله بن عمر (١) وعبد الله بن عمرو. وكان عبد الله ابن عمرو يقول هو طبق جهنم (٢)، وروي عنه أنه قال هو نار، وكأن هذا إشارة إلى أنه ماء سخط وعذاب فلا يتوضأ
_________________
(١) = شعيب عن أبيه عن جده، ووقع في رواية الحاكم الأوزاعي بدل المثنّى (ابن الصبّاح) وهو غير محفوظ. التلخيص: ١/ ١٢. وهذا الطريق فيه المثنّى بن الصبّاح، بالمهملة والموحدة الثقيلة، اليماني أبو عبد الله، أو أبو يحيى، نزيل مكة ضعيف اختلط بأخرة وكان عابدًا من كبار السابعة، مات سنة ١٤٩ / د ت ق ت ٢/ ٢٢٨ وانظر ت ت ١٠/ ٣٥. درجة الحديث. ضعيف.
(٢) رواه ابن أبي شيبة من طريق عقبة بن صهبان قال: سمعت ابن عمر يقول: التيمم أحب إلى من الوضوء من ماء البحر، مصنف ابن أبي شيبة: ١/ ١٣١ موقوفًا وعزاه الشوكاني في النيل: ١/ ١٧ إلى ابن عمر فقال قوله - ﷺ -:"لَا تَرْكَبِ البَحْرَ إلَّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا في سَبِيلِ الله فإِنَ تَحْتِ البَحْرِ نَارًا وَتَحْتِ النَّارِ بَحْرًا" أخرجه أبو داود وسعيد بن منصور في سننه عن ابن عمر مرفوعًا، وقد روى موقوفًا على ابن عمر بلفظ "مَاءُ البَحْرِ لَا يُجْزِي مِنْ وُضُوءٍ وَلَا جَنَابَةٍ إنَّ تَحْتَ البَحْرِ نَارًا ثُمَّ مَاءًا ثُمً نَارًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَةَ أَبْحُرٍ وَسَبْعَةَ أنيَارٍ". قلتُ: والذي في سنن أبي داود: ٣/ ١٣ من حديث عبد الله بن عمرو إن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا وليس فيه ذكر لابن عمر. ثم قال الشوكاني وحديث ابن عمر المرفوع قال أبو داود رواته مجهولون وقال الخطابي ضعَّفوا إسناده، وقال البخاري ليس هذا الحديث بصحيح، قلت: وهذا كله قيل في حديث عبد الله بن عمرو. وقال الترمذي: كره بعض أصحاب النبىّ، - ﷺ -، الوضوء بماء البحر منهم ابن عمر وعبد الله بن عمرو، وقال عبد الله بن عمرو وهو نار. الترمذي: ١/ ١٠٢، وكذا نقل البغوي مثل قول الترمذي. شرح السنة: ٢/ ٥٦. درجة حديث ابن عمر موقوف وفيه قتادة مدلّس وقد عنعنه فعليه يكون ضعيفًا.
(٣) رواه أبو داود من حديث بشر بن مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله، - ﷺ،:"لا يَرْكَبِ البَحْرَ إلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ في سَبِيلِ الله فَإِنَ تَحْتَ البَحْر نارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا" أبو داود ٣/ ١٣، ورواه البخاري في ترجمة بشر بن مسلم الكندىِ عن رجل عن عبد الله ابن عمر عن النبي، - ﷺ -، وقال الكندي عن عبد الله ابن عمرو عن النبي، - ﷺ -، ولم يصح حديثه، وقال أبو حمزة عن مطرف عن بشر أبي عبد الله عن عبد الله بن عمرو. التاريخ الكبير: ٣/ ١٠٤ - ١٠٥. وقال المنذري في هذا الحديث أضطراب روي عن بشير هكذا، وروى عنه أنه بلغه عن عبد الله بن عمرو، وروى عنه عن رجل عن عبد الله بن عمر وقيل غير ذلك، وقال =
[ ١٤١ ]
به كما نهى النبيُّ - ﷺ -، عن الوضوء بماء (١) ثمود وحضّ على الوضوء بماء بئر صالح (٢) التي كانت تردها الناقة هذا ضعيف فإنه لو كان ماء سخط وماء عذاب لما أذن النبيُّ - ﷺ -، في ركوبه فكيف بأن يمدح راكبه وكيف لا يتوضأ به وهو منزل من السماء مخرج بالقدرة إلى التهيؤ للمنفعة وليس فيه أكثر مما أنه لايصلح للشرب وذلك لا يمنع من جواز الوضوء كالماء الأجاج وقد ركبت الصحابة البحر من عهد (٣) النبيّ، - ﷺ -، ركوبًا طويلًا مرارًا فما روي عن أحد منهم أنه احتمل ترابًا للتيمم.
تنبيه: لما لم يكن هذا الحديث على (٤) شرط البخاري.
بوب عليه فقال باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل (٥) عنه، وأدخل حديث ابن عمر: سئل رسول الله، - ﷺ -، عما يلبس المحرم من الثياب (٦)، وإنما قصد التنبيه على هذا الحديث الذي فيه جواب السائل بأكثر مما سأل عنه في موضعين:
_________________
(١) = الخطابي ضعفوا إسناد هذا الحديث. مختصر السنن: ٣/ ٣٥٩. وعزاه الشّوكاني لسعيد بن منصور وقال قال أبو داود رواته مجهولون. نيل الأوطار: ١/ ١٧ وكذا نقل صاحب عون المعبود: ٧/ ١٦٧. ورواه ابن أبي شيبة من طريق قتادة عن أيوب المَراغي عن عبد الله بن عمرو بلفظ (مَاءُ البَحْرِ لَا يَجْزِي مِنْهُ وُضُوءٌ وَلَا جَنَابَةٌ ..) المصنف: ١/ ١٣١. درجة الحديث: ضعيف.
(٢) متفق عليه، البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف ١/ ٧٩ وفي كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى، ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾: ٦/ ٦٧، ومسلم في كتاب الزهد، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين: ٤/ ٢٢٨٥، وأحمد. انظر الفتح الرباني: ٢٠/ ٤٦، كلهم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله، - ﷺ -: "لاَ تَدْخُلُوا عَلَى هؤُلاَءِ المُعَذّبِينَ إلَّا أَنْ تَكونوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لاَ يُصِيبُكُمْ مَا أصَابَهُمْ".
(٣) مسلم في الباب السابق: ٤/ ٢٢٨٦ من حديث ابن عمر.
(٤) في ك وم زمن.
(٥) في ك وم من.
(٦) البخاري في كتاب العلم: ١/ ٣٢.
(٧) متفق عليه، البخاري في عدة مواضع منها الموضع السابق، وفي الحج باب ما لا يلبس المحرم من الثياب: ٢/ ١٦٨، ومسلم في الحج باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة ٢/ ٨٣٤، والموطأ: ١/ ٣٢٤ - ٣٢٥، وشرح السنة: ٧/ ٢٣٧.
[ ١٤٢ ]
الأول: قوله هو الطهور ماؤه، فإنه لو قال له نعم لكان جوابًا محالًا على السؤال وكان يقتضي ألا يجوِّز الوضوء بماء البحر إلا عند خوف العطش وقلة الماء، فأطلق النبيُّ، - ﷺ -، القول إطلاقًا ليبين أنه طهور مطلق وحكم عام.
الموضع الثاني: قوله: (الحلَّ ميتته) وكأن النبيَّ - ﷺ -، فهم من السائل استنكافًا من البحر فأراد النبيُ - ﷺ -، أن يبين له أنه بركة كله ماؤه طهور وميتته حلال (١) وظهره مجاز وقعره جواهر ودرر وقد قال جماعة منهم: (ح) لا تحل ميتته وتعلق في ذلك (٢) بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣) وهذا عموم (٤) ظاهر وما قلناه أصح لثلاثة أدلة أحدها هذا الحديث الذي تلوناه آنفًا.
والثاني: حديث أبي عُبَيْدَة، ﵁، حين ألقى لهم البحر حوتًا يقال له: العنبر فأكلوه. (٥) فإن قيل كانت تلك حال ضرورة، قلنا: وهو الدليل الثالث، قد أكل القوم منه وشبعوا وادَّهنوا وتزوَّدوا، لو كانت حال ضرورة ما جاز شيء من ذلك وقد وافقنا أبو (ح) على أكل ما صاده المجوسي من السمك (٦)، فلو كان الصيد تذكية كما زعموا ما جاز من المجوسي لأنه ليس من أهل الذكاة.
تفسير: إذا ثبت أن الماء طهور لا ينجس إلا بماء غيَّر صفاته، لكنه يستحب صيانة قليله عن النجاسة لأنه أكمل في الطهارة وأقوى للنظافة وأطيب على النفس، فأما المياه الكثيرة كالآبار العظام والأنهار الكبار فإِنه يجوز رمي النجاسات والأقذار فيها قصدًا، وعلى ذلك هذه الأمة كلها في البلاد التي تكون على الأنهار، وقد سئل النبيُّﷺ - (عَنْ بِئْرِ
_________________
(١) في "م" حل.
(٢) في ك وص في ذلك.
(٣) سورة المائدة، آية ٣.
(٤) قال الجصاص الحنفي قال أصحابنا لا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك، وهو قول الثوري، أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٧٩ وانظر شرح فتح القدير لابن الهمام: ٨/ ٦٥ وأحكام القرآن للشارح: ١/ ٥٢.
(٥) روي مسلم، في كتاب الصيد والذبائح باب إباحة ميتات البحر، من حديث جابر قال: بعثنا رسول الله - ﷺ -، وَأَمَّرَ علينا أبا عُبَيْدة نتلقى عيرًا لقريش، وزودنا جرابًا من تمر لم نجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة .. وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فإذا هي دابة تدعى العنبر .. مسلم: ٣/ ١٥٣٥.
(٦) انظر نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار تكملة فتح القدير ٨/ ٥٣، فقد قال إن المجوسي إذا صاد سمكة حلَّ أكلها.
[ ١٤٣ ]
بضَاعَةٍ وَقِيلَ لَهُ إِنَّهَ يُطْرَحُ فِيهَا الجِيَفُ وَالنَتَنُ وَمَا يَنَحى النَّاسُ فَقَالَ المَاءُ طَهُورٌ لاَ يَنْجِسُهُ شَيْءٌ (١».
حديث قول الرسول، - ﷺ - "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ إِنَّما هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ" (٢). الحديث قد روى الدارقطني أن النبي - ﷺ -، دُعي إلى دَار قوم فأجاب، ودُعي إلى دار آخرين فلم يجب، فقيل له في ذلك؟ فقال: "إن في دار بني فلان، يعني التي لم يجب إليها، كلبًا". فقيل له: في دار بني فلان، يعني الدار التي أجاب إليها هرة؟ فقال: "الهرة سبع (٣)، يعني أنها سبع المؤذيات للآدميين من الفأر والخشاش"، ولهذا قال في
_________________
(١) أبو داود: ١/ ٥٣ من طريق أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمَّد بن كعب عن عبيد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسول الله - ﷺ -، أنتوضأ من بئر بضاعة، وقال سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قَيِّم بئر بضاعة عن عمقها؟ قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة، قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. قال أبو داود: وقدَّرت أنا بئر بضاعة بردائي؛ مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غيّر بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا، ورأيت فيها ماءًا متغير اللون. وأخرجه الترمذي: ١/ ٩٥ وقال هذا حديث حسن، وقد جوَّد أبو أسامة هذا الحديث فلم يروِ أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد ورواه النسائي: ١/ ١٧٤ من طريق أخرى عن أبي سعيد قال: مررت بالنبي، - ﷺ -، وهو يتوضأ من بئر بضاعة فقلت أنتوضأ منها .. وأخرجه البيهقي في السنن: ١/ ٤، والدارقطني: ١/ ٣١، وقال الحافظ في التلخيص حديث حسن، وقد جوَّده أبو أسامة وصحَّحه أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين وأبو محمد بن حزم. تلخيص الحبير: ١/ ٢٤. درجة الحديث: صحيح.
(٢) أبو داود: ١/ ٦٠ من طريق مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحه عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت ابن أبي قتادة أن أبا قتادة رواه الترمذي: ١/ ١٥٣ وقال هذا حديث حسن صحيح، والنسائي: ١/ ١٧٨ والموطّأ: ١/ ٢٢، وابن ماجه: ١/ ١٣١، والدارمي: ١/ ١٨٧ - ١٨٨، وابن خزيمة: ١/ ٥٥، وابن أبي شيبة: ١/ ٣١، والدارقطني: ١/ ٧١، والحاكم في المستدرك: ١/ ١٦٠، وأحمد، انظر الفتح الرباني: ١/ ٢٢٢، والحديث نقل الحافظ في التلخيص تصحيحه عن البخاري والعقيلي والدارقطني التلخيص: ١/ ٥٤، ونقل تصحيحه في بلوغ المرام عن ابن خزيمة، بلوغ المرام رقم ١٠، وصححه البغوي في شرح السنة: ٢/ ٧٠. درجة الحديث: صحيح.
(٣) رواه الدارقطني في سننه: ١/ ٦٣ من طريق عيسى بن المسيب، حدثنى أبو زرعة عن أبي هُرَيْرَة قال: كان رسول الله - ﷺ -، يأتي دار قوم من الأنصار، وقال تفَّرد به عيسى بن المسيب عن أبي زرعة وهو صالح =
[ ١٤٤ ]
الحديث، "إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكمْ وَالطَّوَّافَاتِ"، فأشار، - ﷺ -، إلى أن الحاجة إليها أسقطت.
اعتبار حالها في نجاسة سؤرها، رفعًا للحرج وتنبيهًا على أصل من أصول الفقه، وهو أنَّ كلَّ ما دعت الضرورة إليه من المحظور فإنه ساقط الاعتبار على حسب الحاجة وبقدر الضرورة وفي إصغاء الإناء لها فائدتان إحداهما طلب الأجر في ذي الكبد الرطبة.
والثانية. الابتداء بتمكينها من الماء إشارة إلى أن طهارة سؤرها أصلية، وأن ما يعرض من حالها المتوهمة بأكلها للنجاسة ساقط الاعتبار، وهذا ما لم تر في (١) فمها أذى أو تمشي على عينك من النجاسة إلى الماء، فإن ذلك لا يجوز حتى تغيب عنك فتعود إلى أصلها، الذي حكم لها به النبيُّ - ﷺ -. فأما آثار السباع إذا وردت مياه الفلاة فإنها ساقطة الاعتبار أيضًا بعلَّة أنه لا يمكن الاحتراز منها، وقد ثبت أن النبي - ﷺ -، (سُئِلَ عَنِ المِيَاهِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ فَقَالَ. لَهَا مَا حَمَلَتْ في بِطُونِهَا وَلَنَا مَا بَقِيَ شَرَابًَا وَطَهُورًا) (٢)، ويخالف هذا
_________________
(١) = الحديث، وأخرجه الحاكم في المستدرك: ١/ ١٨٣ وقال حديث صحيح ولم يخرجاه، وعيسى هذا ليس بالقوي تفرد عن أبي زرعة إلا أنه صدوق ولم يجرح قط، وتعقبه الذَّهبي وقال ضعفه أبو داود وأبو حاتم، أهـ. وقال ابن أبي حاتم في العلل قال أبو زرعة لم يرفعه أبو نعيم وهو أصح وعيسى ليس بالقوي، العلل: ١/ ٤٤. وقال الحافظ في التلخيص عيسى ليس بالقوي، قال العقيلي لا يتابعه على هذا الحديث إلا من هو مثله، أو دونه، ونقل عن ابن حبّان أنه خرج عن حدِّ الاحتجاج به، وقال ابن عدي هذا لا يرويه غير عيسى وهو صالح فيما يرويه. تلخيص الحبير: ١/ ٣٧ ورواه في الكامل في ترجمة عيسى: ٥/ ١٨٩٢، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه لأحمد وقال: فيه عيسى بن المسيب وهو ضعيف. مجمع الزوائد: ١/ ٢٨٧ وساقه العقيلي في الضعفاء: ٣/ ٣٨٦. أقول: الحديث فيه عيسى بن المسّيب البَجْلي قاضي الكوفة في إمرة خالد القسري عن الشعبي وقيس بن أبي حازم وإبراهيم النّخعي. وعنه هاشم بن القاسم ووكيع وأبو نعيم، ضعَّفه ابن معين وأبو زرعة وغيرهما وقال أبو حاتم محله الصدق، وضعفه أبو داود والنسائي والدارقطني وجازف الحاكم في مستدركه وأخرج حديثه فصححه، وقال ابن حبّان كان ممن يقلب الأخبار ويخطىء في الآثار ولا يعلمه حتى خرج عن حدّ الاحتجاج به، تعجيل المنفعة ص ٣٢٩، وانظر المجروحين: ٢/ ١١٩، الكامل: ٥/ ١٨٩٢، الضعفاء: ٣/ ٣٨٦، الميزان: ٣/ ٣٢٣، تاريخ ابن معين: ٢/ ٤٦٤. درجة الحديث: ضعيف.
(٢) قال مالك لا بأس إلا أن يرى في فمها نجاسة. الموطّأ: ١/ ٢٣.
(٣) رواه ابن ماجة: ١/ ١٧٣ من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء ابن يسار عن أبي سعيد =
[ ١٤٥ ]
الدواجن التي تكون في البيوت فإنه ممكن الاحتراز منها ولا تدعو الحاجة إليها، ويخالف سؤر النصراني وشارب الخمر لأن ذلك معصية لا رخصة فيها ولا اعتبار بها، ويتركب على هذا مسألة أسئِار النساء، قال جماعة منهم: أحمد لا يتوضأ بسؤر المرأة (١) لحديث رواه لم يصح، وقد ثبت في الصحيح مخالطة الرجال والنساء (٢) والوضوء معهن وبما يفضل عنهن، وليس من جملة نواقض الوضوء أَكل ما غيَّرت النار وقد ثبت عن النبيِّ - ﷺ -: "أنَّهُ يُتَوضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ وَلَا يُتَوَضَّأ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ" (٣)، وقد جاء مالك،
_________________
(١) = الخدري أن النبي - ﷺ -، "سُئِلَ عَنِ الحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَةَ وَالمَدِينَةِ تَرِدُهَا السَبَاعُ وَالكِلاَبُ وَالحُمُرُ وَعَنِ الطَّهَارَةِ مِنْهَا فَقَالَ" أقول: الحديث فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، مولاهم، ضعيف من الثامنة، مات سنة ١٨٢/ ت ق. ت ١/ ٤٨٠ وقال ابن حبّان: كان ممن يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك. المجروحين: ٢/ ٥٧، وانظر الميزان: ٢/ ٥٦٥، التاريخ الكبير: ٥/ ٢٨٤ وقال الذهبي ضعفه. الكاشف: ٢/ ١٦٤ وقال في ت ت ضعَّفه أحمد، وقال البخاري وأبو حاتم ضعفه علي بن المديني جدًا، وضعفه النسائي، وقال أبو زرعة ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي وقال الحاكم وأبو نعيم روى عن أبيه احاديث موضوعة، وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه ت ت ٦/ ١٧٧ وقال الزيلعي هو معلول بعد الرحمن، نصب الرواية: ١/ ٣٦ وقال البوصيري هذا إسناد ضعيف، مصباح الزجاجة: ١/ ٧٥. درجة الحديث: ضعيف خلاف ما ذهب إليه الشارح، والله أعلم.
(٢) انظر الفتح الرباني: ١/ ٢١١ فقد أخرجه من طريق شعبة عن عاصم الأحول عن أبي حاجب عن الحكم بن عمرو الغفاري، ﵁، أن النبي - ﷺ - "نَهَى أنْ يَتَوَضَأَ الرَّجُلُ مِنْ سُؤْرِ المَرْأَةِ" وأبو داود: ١/ ٦٣ من نفس الطريق والترمذي: ١/ ٩٣ وقال هذا حديث حسن وابن ماجة: ١/ ١٣٢ وأبو داود الطيالسي: ١/ ٤٢ وابن حبان انظر موارد الظمآن ص ٨٠، والبغوي في شرح السنة: ٢/ ٢٨ وقال ولم يصحح محمَّد ابن إسماعيل حديث الحكم بن عمرو وإن صح فهو منسوخ، وصححه الحافظ في بلوغ المرام ص ١١ وذكره في الفتح وقال رجاله ثقات ولم أقف له على علّة. فتح الباري: ١/ ٣٠٠. درجة الحديث: ضعفه الشارع والبخاري والنووي؛ فقد نقل ذلك الحافط في الفتح: ١/ ٣٠٠ وقال أغرب النووي فقال اتفق الحفّاظ على تضعيفه، وصحّحه ابن خزيمة وابن حبان وابن حجر والشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: ١/ ٩٣.
(٣) البخاري في الوضوء، باب وضوء الرجل مع امرأته، وفضل وضوء المرأة ١/ ٦٠ ولفظه عن ابن عمر. "كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ في زَمَانِ رَسُولِ الله - ﷺ -، جَمِيعًا".
(٤) أبو داود: ١/ ١٢٨، والترمذي: ١؛١٢٢، وابن ماجه: ٢؛ ٩٣، وابن خزيمة: ١/ ٢٢ وأحمد. انظر الفتح الرباني: ٢/ ٩٤ كلهم عن البراء بن عازب وقال ابن خزيمة لم نر خلافًا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة رواته. وعزاه الحافط في، التلخيص، إلى ابن حبان وابن =
[ ١٤٦ ]
﵁، في هذا الباب، بأصل بديع فقال: ترك الوضوء مما مست النار، ثم أدخل اختلاف الأحاديث، ثم أدخل عمل الخلفاء بترك الوضوء مما مست النار (١)، وهي مسألة من أصول الفقه إذا اختلفت الأحاديث عن النبي - ﷺ -، فما عمل بها الخلفاء أرجح (٢)، وما روي أن النبيَّ، - ﷺ -، قرِّب إليه خبزًا ولحمًا فأكل منه ثم توضَّأ وصلَّى فحكاية (٣) حال وقضية عين ونقل صورة ولم يكن الوضوء من الأكل وإنما كان الوضوء من سببه الموجب له
_________________
(١) = الجارود وقال: قال البهيقي صح في الوضوء من لحوم الإبل حديثان: حديث جابر بن سمرة وحديث البراء قاله أحمد بن حنبل وإسحاق. التلخيص: ١/ ١١٥ - ١١٦، قلت: وحديث جابر رواه مسلم في الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل ١/ ٢٧٥. درجة الحديث: صحيح.
(٢) الموطّأ: ١/ ٢٥.
(٣) انظر كتاب المحصول للشارح: ل/ ٦٥.
(٤) أبو داود: ١/ ٤٩، والترمذي من طريق محمَّد بن عقيل سمع جابرًا قال سفيان وحدثنا محمَّد بن المنكدر عن جابر قال: "خَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ -، وأَنَا مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلى امْرأَةٍ مِنَ الَأنْصَارِ فَذَبَحَتْ لَهُ شَاةً فَأَكَلَ، وأَتَتْهُ بِقَنَاعٍ مِنْ رَطْبٍ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَ تَوَضَّأ وَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَتْهُ بِعَلَالَةٍ مِنْ عَلَالَةِ الشَّاةِ فَأَكَلَ ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ وَلَمْ يَتوَضَّأ". الترمذي: ١/ ١١٦ والموطّأ: ١/ ٢٧ مرسلًا والنسائي: ١/ ١٠٨ مختصرًا، وابن ماجة ١/ ١٦٤ بلفظ. أكَلَ النَّبيُّ - ﷺ -، وأَبو بَكْرٍ وَعُمَرَ خُبزًا وَلَحْمًا وَلَمْ يَتوَضَّأ، وقال الشيخ محمَّد فؤاد عبد الباقي قال في الزوائِد رجال الإسناد ثقات، ورواه عبد الرزاق في المصنف: ١/ ١٦٥، وأبو داود الطيالسي منحة المعبود -١/ ٥٨ كلهم من حديث جابر بن عبد الله، وقال الشيخ أحمد شاكر، في تعليقه على رواية الترمذي: هذا حديث صحيح ليست له علة، وقد حاول بعضهم أن يعلله فنقل البيهقي في المعرفة أنه قال لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر إنما سمعه من عبد الله بن محمَّد بن عقيل عن جابر وهو مردود برواية ابن جريج عند أحمد. انظر الفتح الرباني: ٢/ ١٠٣ وأبي داود: ١/ ٤٩، قال أخبرني محمَّد بن المنكدر قال سمعت جابر بن عبد الله يقول: "قُرِّبَ لَلْنَّبيِّ، - ﷺ -، خُبْزا وَلَحْما فَأكَلَ ثُمَّ دَعَا بِوُضُوءٍ فَتَوَضَأَ بِهِ ثُمَ صلَّى الظّهْرَ ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ طَعَامِهِ فَأَكَلَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ" والبيهقي في السنن ١٠/ ١٥٤ - ٥٥. ونقل الشوكاني عن النووي قوله: حديث جابر حديث صحيح روه أبو داود، والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيدهم الصحيحة، وقال الحافط: يشهد لأصل الحديث ما أخرجه البخاري في الصحيح عن سعيد بن الحارث قلت لجابر. الوضوء مما مست النار؟ قال. لا. وللحديث شاهد آخر من حديث محمَّد بن مَسْلمة أخرجه الطبراني في الأوسط ولفظه "أكَلَ آخِرَ أمْرِهِ لَحْمًا ثُمَ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأَ". نيل الأوطار ١/ ٢٤٧. درجة الحديث: صحيح بالنظر إلى مجموع طرقه.
[ ١٤٧ ]
لأجل الصلاة، وقد أنكر أبيُّ بن كعب وأبو طلحه على أنس، ﵃، مسألته التي جاء بها من سفرته وهي الوضوء مما مست النار، فندم أنس، ﵁، ورجع عن قوله (١). والمسألة اليوم ساقطة الاعتبار لإجماع علماء الأعصار عليها، وإنما خص النبيُّ - ﷺ -، لحوم الإبل بذكر الوضوء في ذلك الحديث للإشارة (٢) إلى غلظها وزهمتها، والصلاة ينبغي أن تكون على أكمل نظافة (ولأجل) ذلك شرعت فيها الطهارة.