ذكر مالك حديث عبد الله بن زيد (٣)، وروى وضوء رسول الله، - ﷺ -، جماعة منهم عبد الله ومنهم عثمان (٤) وعلي (٥) وعبد الله ابن عباس (٦) وجماعة هؤلاء أصولهم. والوضوء
_________________
(١) سورة الأعراف، آية ١٥٧.
(٢) أما إحالته على كتاب الأحكام فقد تكلم هنا باختصار فقال: الخبيث فيه قولان. أحدهما الكافر، والثاني الحرام. والطيب فيه أيضًا قولان. المؤمن، والثاني الحلال، الأحكام: ٢/ ٦٩٦ وقد تكلم القرطبي على الآية كلامًا حيدًا فقال: مذهب مالك أن الطيبات هنَّ المحلّلات فكأنه وصفها بالطيب إذ هي لفظة تتضمن مدحًا وتشريفًا، وبحسب هذا نقول في الخبائث إنها المحرّمات ولذلك قال ابن عباس: الخبائث هي لحم الخنزير والربا وغيره، وعلى هذا حلَّل مالك المتقذرات كالحيّات والعقارب والخنافس ونحوها. ومذهب الشافعي أن الطيبات هي من جهة الطعم إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها لأن عمومها بهذا من الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير بل يراها مختصة فيما حلّله الشرع، ويرى الخبائث لفظًا عامًا في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات فيحرم العقارب والخنافس والوزع وما جرى هذا المجرى والناس على هذين القولين. القرطبي: ٧/ ٣٠٠، وقريب من هذا قال ابن عطية في تفسيره: ٧/ ١٨٠، وانظر زاد المسير ٣/ ٢٧٣.
(٣) متفق عليه البخاري في كتاب الوضوء، باب مسح الرأس كله: ١/ ٥٨، ومسلم في الطهارة، باب وضوء النبيّ - ﷺ -: ١/ ٢١٠، والتَّرْمذي: ١/ ٦٦، والنّسائي: ١/ ٧١، وهو الذي ترجم عليه مالك في الموطّأ: ١/ ١٨، ولفظه من طريق يحيى المازني عن أبيه عن عبد الله بن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب رسول الله، - ﷺ -، قال هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله، - ﷺ -، يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد بن عاصم نعم فدعا بوضوء فأفرغ على يديه ..
(٤) متفق عليه، البخاري في كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا: ١/ ٥١، ومسلم في الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله: ١/ ٢٠٤، وأبو داود: ١/ ٧٨ والنّسائي: ١/ ٦٤، مختصرًا ومطوَّلًا: ١/ ٨٠، وأحمد: ١/ ٥٩.
(٥) أبوداود: ١/ ٨٢، والترمذي ١/ ٦٣، مختصرًا وفي: ١/ ٦٧، وقال حسن صحيح، والنّسائي: ١/ ٦٧ - ٧٠، وابن ماجه: ١/ ١٤٢، وأحمد في المسند: ١/ ١٢٥، وابن خزيمة: ١/ ٧٦. درجة الحديث: جوَّد إسناده الشيخ البنا في الفتح الرباني: ٢/ ٨، ونقل تحسينه عن الحافظ وصحّحه الشيخ أحمد محمَّد شاكر في تعليقه على الترمذي ١/ ٦٧.
(٦) البخاري في كتاب الوضوء، باب الوضوء مرة مرة: ١/ ٥١، وأبو داود: ١/ ٩٥، والترمذي: ١/ ٦٠، والنسائي: ١/ ٦٢، وابن ماجه: ١/ ١٤٣، وأحمد. انظر الفتح الرباني: ٢/ ٤٧.
[ ١١٥ ]
أصل في الدين وطهارة المسلمين وخصيصة لهذه الأمة في العالمين، وقد روي أن النبيّ، - ﷺ -: "تَوَضَّأَ فَقَالَ: هذَا وُضُوئي وَوُضُوءُ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي وَوُضُوءُ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ" (١)
_________________
(١) رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف من طريق عبد الرحيم بن زيد العَمِّي عن أبيه عن معاوية بن قرَّة عن ابن عمر قال: توضأ رسول الله، - ﷺ -، واحدة واحدة فقال: هَذَا وُضوء مَنْ لَا يَقْبَلُ الله مِنْهُ صَلاَةً إلا بِه، ثم توضأ ثنتين ثنتين، وثلاثًا ثلاثًا ..، سنن ابن ماجة: ١/ ١٤٥. أقول: في الحديث عبد الرحيم بن زيد العَمّي، بفتح المهملة وتشديد الميم، البصري، أبو زيد، كذبه ابن معين. مات بعد سنة ١٨٤/ ق. ت ١/ ٥٠٤، وقال في ت ت: قال أبو حاتم. حديثه منكر، وقال أبو داود: ضعيف، وقال النسّائي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: يروي عن أبيه عن شقيق عن عبد الله غير حديث منكر وله أحاديث لا يتابع عليها، وقال ابن معين: كذّاب خبيث ت ت: ٦/ ٣٠٥، انظر الكامل: ٥/ ١٩٢٠، الكاشف: ٢/ ١٩٣. كما أن فيه: زيد الحواري أبو الحواري العَمَّي البصري قاضي هرات، يقال اسم أبيه مُرَّة ضعيف من الخامسة أ. ت ١/ ٢٧٤ وقال في ت ت روى عن أنس وسعيد بن المسيّب وأبي وائِل وسعيد بن جبير .. وعنه ابناه عبد الرحمن وعبد الرحيم وشعبة والثوري والأعمش وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم ضعيف، وقال أبو زرعة ليس بالقوي، وقال ابن عدي عامة ما يرويه ضعيف، وقال ابن حبان روى عن أنس أشياء موضوعة، ت ت ٣/ ٤٠٧ وانظر الكامل: ٣/ ١٠٥٥، المجروحين: ١/ ٣٠٩، تهذيب تاريخ ابن عساكر: ٦/ ٥، الميزان: ٢/ ١٠٢، وفيه أيضًا معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني أبو إياس البصري ثقة عالم من الثالثة، مات سنة ١١٣ وهو ابن ٧٦/ع. ت ٢/ ٢٦١، قال ابن أبي حاتم لم يلقَ ابن عمر، العلل: ١/ ٤٥، وكذا قال الحاكم في المستدرك: ١/ ١٥٠، وانظر ت ت: ١٠/ ٢١٦ - ٢١٧. والحديث رواه الإِمام أحمد في المسند: ٨/ ٨٧، ورقم ٥٧٣٥ من طريق أبي إسرائيل عن زيد العَمِّي عن ابن عمر. وأبو إسرائيل هو إسماعيل بن خليفة العَبْسِي، بالموحدة، أبو إسرائيل الملائِي كوفي معروف بكنيته، وقيل اسمه عبد العزيز، صدوق سيء الحفظ نسب إليه الغلوفي التشيُّع من السابعة، مات سنة ١٧٩ وله أكثر من ٨٠ سنة ت ق ت ١/ ٦٩، وقال العقيلي في حديثه وهم واضطراب وله مع ذلك مذهب سوء، وقال ابن عدي عامة ما يرويه يخالف الثقات ت ت ١/ ٢٩٣، وانظر الضعفاء: ١/ ٧٥، والكامل: ١/ ٢٨٥، وقال ابن حبان كان رافضيًا يشتم أصحاب رسول الله، - ﷺ -، المجروحين: ١/ ١٢٤. ورواه الدَّارْقطني من نفس الطريق التي سبقت عند الإِمام أحمد، سنن الدارقطني: ١/ ٨١، ورواه أبو داود الطيالسي عن سلّام الطويل عن زيد العَمِّي عن معاوية بن قرّة عن ابن عمر، مسند الطيالسي ص ٢٦٠. وسلّام، بتشديد اللام، بن سليم أو سلم أبو سليمان، ويقال له الطويل المدائني، متروك من السابعة. مات سنة ١٧٧/ ق. ت ١/ ٣٤٢ ت. وقال في ت ت قال أحمد روى أحاديث منكرة وكذا قال ابن معين، وقال البخاري تركوه، وقال مرّة تكلموا فيه، وقال النسائي متروك ومرة قال ليس بثقة ولا يكتب حديثه ت ت ٤/ ٢٨١ - ٢٨٢، ورواه البيهقي في السنن الكبرى: ١/ ٨٠، من طريق سلّام عن زيد العَمِّي عن =
[ ١١٦ ]
وذلك لا يصح وهو مشروع في الدين على ستة أقسام، وضوء للدعاء، ووضوء لرد السلام، ووضوء للنوم، ووضوء لقراءة القرآن عن ظهر قلب ووضوء للدخول على الأمراء ووضوء للفضيلة وتجديد العبادة والأصل وضوء الحدث، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ﴾ (١) الآية.
وقد اختلفت آراء علمائنا، في هذا التقسيم، اختلافًا طال معه الكلام، والذي يرتبط فيه المرام أن الرجل إذا توضأ بنية رفع الحدث الطارئ عليه فإنه يجوز له أن يفعل كل شيء كان الحدث مانعًا منه، ولا خلاف فيه بين علمائنا، إلا أنه قد ذكر القاضي أبو الحسن (٢) بن القصّار أن رفع الحدث إن كان مطلقًا صح هذا القول وإن كان مقيدًا- بفعل لم يجز إلا ذلك الفعل، متل أن يتوضأ للظهر قال فلا يجوز له أن يصلي به العصر وهذا قول ساقط لأن الحدث ليس بمحسوس وإنما معناه المنع، وإذا زال المنع لم يعد إلا بعود سببه. وأما الوضوء بنية الأقسام المتقدمة فإن الصلاة وأمثالها مما يمنع الحدث منه تجوز به لأنه إنما توضأ ليكون على أكمل الأحوال فيقول في النوم ألقي ربي على طهارة إن مت، ويقول في الدخول على الأمير لا أدري قدر ما أحتبس فربما تحين الصلاة فتجدني طاهرًا، وأما ذكر الله فيقول لا أتكلم به إلا على طهرٍ. فأي خلاف يتصور في هذا لولا الغفلة عن وجوه النظر، يبقى وضوء الفضيلة.
_________________
(١) = معاوية بن قَّرة عن ابن عمر وقال هكذا روى عبد الرحيم بن زيد العَمِّي عن أبيه وخالفهما غيرهما وليسوا في الرواية بأقوياء والله أعلم. درجة الحديث: ضعيف. فقد قال أبو حاتم لا يصح هذا الحديث عن النبيّ، - ﷺ -. وسئِل أبو زرعة عن هذا الحديث فقال هو عندي حديث واهٍ ومعاوية بن قرَّة لم يلقَ ابن عمر. العلل لابن أبي حاتم: ١/ ٤٥، وقد وهم الهَيْثَمي، ﵀، في مجمع الزوائد: ١/ ٢٣٠ بعد عزوه لأحمد فقال فيه زيد العمِّي وهو ضعيف، وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح، وفات عليه أن أبا إسرائيل ما روى له أحد من أصحاب الصحيحين، وقد طعن فيه كثيرًا، وقد قدّمنا ترجمته. والحق أن كل الطرق السابقة ضعيفة فقد ذهب إلي ذلك المرحوم الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند حديث رقم (٥٧٣٥)، وقبله شيخ الإِسلام ابن تيمية في الاختيارات ص ١١، فقال ضعيف عند أهل الحديث.
(٢) سورة المائدة، آية (٦).
(٣) هو علي بن أحمد البغدادي أبو الحسن المعروف بابن القصّار تفقه بالأبْهَرِي. قال الشيرازي: له كتاب المسائل لا أعرف لهم (أي المالكية) كتابًا في الخلاف أحسن منه، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٦٨، وانظر الديباج: ٢/ ١٠٠، شجرة النور الزكية: ١/ ٩٢، وفيها أنه توفي سنة ٣٩٨.
[ ١١٧ ]
قال سحنون (١) ومحمد بن عبد الحكم (٢): لا يصلي به إن كان تبيَّن أنه كان محدثًا، وقال أَشْهب (٣): يجزيه. وقد روي الوجهان عن مالك، ﵁، والصحيح أنه لا يجزيه لأنه لم ينوِ الطهارة والإِباحة وإنما نوى الكمال والفضيلة.