قبل الخوض في تفاصيل رحلته لا بد من التنبيه على أهمية الرحلة ودوافعها عند العلماء. وهي عند ابن العربي ترجع إلى عاملين: علو الإِسناد، والثاني لقاء العلماء ومذاكرتهم، لأن أئمة الحديث كانوا أشد الناس اهتمامًا بالرحلة ومقاساة مشقتها، وذلك اهتمامًا منهم بسنَّة المصطفى، - ﷺ -، وخدمة لها ولأهلها، وقيامًا بواجبهم وتأدية لأمانة التبليغ، وقد أجمل الخطيب، ﵀، مقصود الرحلة في أمرين فقال: المقصود بالرحلة في الحديث أمران:
أحدهما: تحصيل علو الإِسناد وقدم السماع.
والثاني: لقاء الحفّاظ والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم. فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب ومعدومين في غيره فلا فائدة من الرحلة، فالاقتصار على ما في البلد أوْلى. [فتح المعنيث ٢/ ٨٧].
ويقول ابن خلدون إن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم، والسبب في ذلك أنّ البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل تارةً علمًا وتعليمًا وإلقاءً، وتارة محاكاة وتلقينًا بالمباشرة، إلَّا أنَّ حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكامًا وأقوى رسوخًا، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها .. فالرحلة لا بدَّ منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال [مقدمة ابن خلدون ص ٥٤١].
وللأسباب السابقة كانت رحلة القاضي أبي بكر من الأندلس إلى المشرق ليحصل مقاصد الرحلة في طلب العلوم بصفة عامة والحديث بصفة خاصة.
ويحدد ابن العربي ملامح الرحلة بقوله: خرجنا مكرمين أو قل مكرهين آمنين وإن شئت خائفين، ففررت منكم لما خفتكم، فوهب لي ربّي حكمًا وجعلني من المرسلين وكتبني في أتباع من قال: ﴿إنّي ذَاهِبٌ إلَى رَبّي سَيهْدِينِ﴾ [الصافات/ ٩٩].
فكان أول بلدة دخلت مالقة (١)، فألفيت بها أمة رأسهم الشعبي (٢) أشهر ما عنده نسبه
_________________
(١) مدينة أندلسية على شاطئ البحر، معجم البلدان ٥/ ٤٣.
(٢) سيأتي في شيوخه.
[ ٣٠ ]
وعنده رواية ومسائل ولديه حشمة، وله عند الأمراء قدم وجاه. ثم طرقت غرناطة (١) إلى المرية (٢) فرأيت بها رجالات في المسائل والقراءات وأدباء متوسطي المنزلة بين درجتي التقصير والكمال في أيام قلائل لبثت بها لم أخبر بها حالهم فربّك أعلم بهم.
وركبت البحر إلى بجاية (٣) فرأيت فيها جماعة من أهل المسائل ولقيت بها محمَّد بن عمّار الميورقي (٤) رأسًا فيهم، وربما كانت عنده في الأصول إشارة تومئ إلى المراد منسوجة على منوال الباجي ونظرائه.
ويتابع القاضي جمع والده رحلتهما طورًا بالبر وطورًا بالبحر، وقد أحاط بهم الكرب واشتدت الأنواء ومرا في طريقهما على بونة (عنّابة (٥) حاليًا) ولقيا بها بعض الشخصيات ودخلا تونس وزارا سوسة ثم نزلا المهدية.
يقول ابن العربي. ثم دخلت سوسة (٦) والمهدية (٧) ولقيت بها جملة من فقهاء القيروان .. فأخذت في قراءة شيء من أصول الدين والمناظرة فيها مع الطالبين ولزمت مجالس المتفقهين.