وُلِّي القاضي أبو بكر بن العربي القضاء، وقد أجمع كل الذين ترجموا له أنه كان مثال العدل والاستقامة وحسن القيام بأمر القضاء.
فمثلًا يقول النباهي: وُلِّي القضاء مدة أولها رجب سنة ٥٣٨ فنفع الله به لصراحته ونفوذ أحكامه، والتزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله فأحسن الصبر على ذلك كله ثم صُرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وبثّه (١).
وقال الذهبي. وُلِّي قضاء أشبيلية فحمدتْ سياسته، وكان ذا شدة وسطوة فعُزل وأقبل على نشر العلم وتدوينه (٢).
وكان بداية توليه القضاء كما يقول صاحب البيان المغرب [٤/ ٩٢ - ٩٤]، في سنة ٥٢٨ هـ. فقد قال: أصدر علي بن يوسف بن تاشفين مرسومًا بتولية أبي بكر بن العربي قضاء أشبيلية يحمل تاريخ منسلخ جمادي الثانية سنة (٥٢٨ هـ).
ويشير لنا القاضي، ﵀، في كتاب العواصم إلى تولِّيه القضاء فيقول: ولقد حكمتُ بين الناس فألزمتهم الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يك يرى في الأرض منكر. واشتد الخطب على أهل الغضب وعظم على الفسقة الكرب وألبسوا وثاروا إليّ. واستسلمت لأمر الله وأمرت كل من حولي ألا يدافعوا عن داري وخرجت من السطوح بنفسي فعاثوا علي وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن المقدار لكنت قتيل الدار (٣).
ويقول في الأحكام: كنت أيام تولية القضاء قد رفع إليّ قوم خرجوا محاربين إلى رفقة فأخذوا منهم امرأة مغالبة على نفسها من زوجها ومن جملة المسلمين معه فيها فاحتملوها،
_________________
(١) ص ١٠٦ تاريخ قضاة الأندلس للنباهي ص ١٠٦.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٠٠ تذكرة الحفاظ ١٢٩٥.
(٣) العواصم من القواصم ٢/ ٤٠٠ - ٤٠١.
[ ٢٣ ]
فجدَّ فيهم الطلب فأُخذوا وجيىء بهم، فسألت من كان ابتلاني الله به من المفتين فقالوا: ليسوا محاربين لأن الحرابة إنما تكون في الأموال لا في الفروج، فقلت لهم: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ألم تعلموا أن الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال، وأن الناس كلهم ليرضَون أن تذهب أموالهم وتُحْرب من أيديهم ولا يُحرب المرء من زوجته وبنيه، ولو كان فوق ما قال الله عقوبةٌ لكانت لمن يسلب الفروج وحسبكم من بلاء صحبة الجهال وخصوصًا في الفتيا والقضاء (١).
ولم تدم مدته في القضاء بل لم يجلس فيه إلا سنة وأشهرًا.
يقول صاحب البيان المغرب ٤/ ٩٣: ولم تمضِ سنة وأشهر على ولايته القضاء حتى ثارت الغوغاء في وجهه ونُكب، فانصرف عن القضاء أو صُرف عنه والتحق بقرطبة، وبها جماعة من محبيه ومعارفه، فانقطع للعلم والبحث وقد استراح من أعباء القضاء.
ولمّا وصل إلى قرطبة أقبل عليه طلبة العلم للاستفادة منه ومذاكرته والاستماع إلى دروسه. يقول عنه أحد طلابه وهو أبو القاسم: كنا نبيت معه في منزله بقرطبة، فكانت الكتب عن يمينه وعن شماله، وإذا غلبه النوم نام ومهما استيقظ مدّ يده إلى كتاب وكان مصباحه لا ينطفئ الليل كله (٢).
ويسوق لنا المراكشي قصة ثورة السفهاء على القاضي بقوله: وثارت السفلة بأشبيلية على قاضيهم أبي بكر بن العربي؛ وذلك أنه كان له في عقاب الجناة اختراعات مهلكات ومضحكات فانتدب أنفسًا جملة صلبًا وضربًا وسِيق إليه أحد الزمرة فأمر بضرب يديه وثقب شدقيه .. وظلّ ابن العربي يوالي التشدد والتسلط حتى ثقل على الفساق والأشرار فهاجروا (٣).