تكلمنا، في ما مضى، على كون القاضي ابن العربي، ﵀، كان مثالًا في الجد والاجتهاد، وأنه رحل في طلب العلم متنقِّلًا من بلد إلى بلد لتلقِّي مختلف العلوم، وللأخذ عن العلماء والشيوخ لسماع الكتب بالأسانيد المتصلة والعالية. ومما لا شك فيه أن ابن العربي أخذ عن شيوخ هم من الكثرة بحيث لا يستطيع أحد أن يحيط بهم في هذه الدراسة الموجزة. وقد حرص ابن العربي على أن يضع فهرسًا لأسماء شيوخه الذين أخذ عمهم وقد شاء الله أن يضيع هذا الفهرست.
ولكن ضياعه لا يمنعنا من محاولة التعرف على بعض شيوخه، والترجمة لهم وخاصة المشاهير الذين تلقى عنهم وأثَّروا في حياته العلمية وكوَّنوا عنده هذه الملكة القوية والعقلية العلمية النيِّرة التي جعلته يتبوأ مكان الصدارة في عصره بين العلماء.
تتلمذ القاضي أبو بكر بن العربي على شيوخ في مختلف العلوم الشرعية، فله شيوخ في القراءات والفقه وأصول الفقه واللغة والحديث.
١ - أبو عبد الله بن أحمد: من أهل سرقسطة روى عن أبي عبد الله بن شريح وغيره. قال ابن بَشْكُوَال: أخذ عنه القراءات شيخنا القاضي الإِمام أبو بكر بن العربي وذكر أنه كان شيخًا صالحًا، وكان يقرئ الناس بحضرة أشبيلية. توفي سنة (٥٠٠ هـ) (١).
٢ - الفقيه الوزير الرئيس أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن العركي المَعَافِري، والد القاض: قال الذهبي: الإِمام العلَّامة الأديب ذو الفنون أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن العربي الأشبيلي، والد القاضي.
صحب ابن حزم وأكثر عنه ثم ارتحل بولده أبي بكر فسمعا من طرّاد الزّيني
_________________
(١) الصلة ٢/ ٥٦٣ رقم ١٢٣٤، وانظر الحلل السندسية: ٢/ ١٣٨ - ١٥٧، ونفح الطيب: ٢/ ٢٨.
[ ٤٦ ]
وعدة، وكان ذا بلاغة ولسن وإنشاء. مات بمصر سنة (٤٩٣ هـ) ومولده سنة (٤٣٥ هـ)، رجع ابنه إلى الأندلس (١).
٣ - أبو محمَّد جعفر بن أحمد بن الحسين. ذكر في العواصم ص ١٥١: أنه قارئ محدِّث أديب، من القراء المشهورين.
قال ابن رَجَب: جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر السرَّاج المقرئ المحدِّث الأديب أبو محمَّد، ولد سنة (٤١٧ هـ) أو أول (٤١٨ هـ). ذكره السَّلفي عنه. وقال الشجاع الذّهلي سنة (٤١٦ هـ) وقرأ القرآن بالروايات وأَقرأَ سنين.
سمع أبا علي شاذان وأبا محمَّد الخَلّال وأبا القاسم بن شاهين والبرمكي والقزويني وخلقًا كثيرًا .. قال ابن الجوزي: حدثنا عنه أشياخُنا، وآخر من حدَّثَنا عنه شهدة بنت الإبري .. ذكره القاضي أبو بكر بن العربي فقال: ثقة، عالم، مقرئ له أدب ظاهر واختصاص بالخطب.
وقال السلفي: كان ممن يُفتخر برؤيته وروايته، وله تواليف مفيدة، وفي شيوخه كثرة وأعلاهم إسنادًا ابن شاذان مات سنة (٥٠٠ هـ) (٢).
٤ - الفقيه الحافظ أبو القاسم بن عمر بن الحسن الهَوْزَني الأشبيلي: كان زعيم بلده في وقته. سمع أباه وابن منظور وغيرهما من أهل بلده ورحل وكتب عن جماعة من العلماء، وأجازه محمَّد بن الوليد وأبو منصور الشَّهْرَزُورِي وسمع منه. توفي سنة (٥١٢ هـ) (٣).
٥ - أبو محمَّد بن الأكفاني هِبَة الله بن أحمد بن أحمد بن محمَّد الأنصاري الدمشقي الحافظ: سمع أباه وأبا القاسم الجنائي وأبا بكر الخطيب وطبقتهم ولزم أبا محمَّد الكناني مدة، وكان ثقة، فهمًا، شديد العناية بالحديث والتاريخ، كتب الكثير وكان من كبار العدول، مات سنة (٥٢٤ هـ) (٤).
٦ - الحافظ أبو المظفر عبد الرحمن بن قاسم الشَّعْبي المالقي: [راحع الأعلام ٤/ ٩٧] ولِّي
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ١٩/ ١٣٠ - ١٣١، وانظر سير النبلاء: ٢٠/ ١٩٨، وفهرست ابن خير: ٤١٠ - ٤١٥، التكملة: ١/ ٣٨٩، شجرة النور الزكية: ١/ ١٢٢ - ١٢٣.
(٢) ذيل طبقات الحنابلة: ١/ ١٠٠، العبر: ٢/ ٣٨٠، وفيات الأعيان ١/ ٣٥٧.
(٣) ترتيب المدارك: ٤/ ٨٢٦، الفهرست لابن خير: ١١٧، ٣٠٤، التكملة: ١/ ٣٦.
(٤) العبر: ٢/ ٤٢٤، شذرات الذهب: ٤/ ٧٣.
[ ٤٧ ]
القضاء ببلده نيابة ثم استقلالًا، وكان حافظًا للمسائل، وعليه كان يدور الفتيا بقطره. وكان يستحضر كتابَي الموطّأ والمدوّنة، وقد جرت بينه وبين ابن العربي، عند اجتيازه على مالقة، مناظرات في ضروب من العلوم ولا سيما فيما يرجع إلى رواية أشهب ونظرائه مات سنة (٤٩٩ هـ) (١).
٧ - أبو عبد الله محمَّد بن موسى بن عمّار الكلاعي: من أهل العلم والفهم ورحل فلقي بقية مشيخة القيروان السّيوري وطبقته، وأخذ الكلام والأصول هناك عن أبي عمر بن سراج أبي سراج وأبي عبد الله الصَّيْرفي وأبي القاسم الدّياجي. وأخذ بصقلية عن شيوخها أبي محمَّد عبد الحق وأبي العباس الخرّاز. ولقي شيوخ مصر ومن كان بمكة، وغلب عليه التوحيد والكلام فيه. وكان حسن العبارة جيِّد القريحة (٢)، قال ابن الأبّار: سمع منه ابن العربي في رحلته إلى المشرق سنة (٤٨٥ هـ) (٣).
٨ - مكي بن عبد السلام أبو القاسم بن الرّميلي المَقْدسي الحافظ: أحد من استشهد بالقدس. رحل وجمع وعنى بهذا الشأن، وكان ثقة متحرِّيًا. روى عن محمَّد بن يحيى بن سلوان المازني وأبي عثمان بن وَرَقاء وعبد الصمد بن المأمون وطبقتهم. مات سنة (٤٩٢ هـ) (٤).
قال ابن النجّار: مكّي من الحفّاظ، رحل وحصّل وكان مفتيًا في مذهب الشافعي سمع ابن سلوان، وكانت الفتوى تجيئه من مصر ومن الساحل ودمشق (٥).
٩ - أبو منصور محمَّد بن محمَّد بن الصَّبَّاغ: ذكره في العارضة: انظر [العارضة: ٣/ ٢٠٧]. قال السبكي. هو أبو منصور بن الصباغ البغدادي، ابن أخي الشيخ أبي نصر وزوج ابنته. إمام عالم جليل القدر تفقَّه على القاضي أبي الطيب وعلى عمه الشيخ أبي نصر، صروى الحديث عن القاضي أبي الطَّيِّب، والحسن بن علي الجوهري، وأبي يعلي بن الفَرّاء، وأبي الحسين بن النقور، وأبي القاسم بن اليُسْرَى. روى عنه محمَّد بن طاهر المقدسي. قال ابن النجار. كان فقيهًا فاضلًا حافظًا للمذهب.
_________________
(١) المرقة العليا: ص ١٠٧ - ١٠٨، الصلة ٣٢٩.
(٢) ترتيب المدارك: ٤/ ٨٢٦ - ٨٢٧.
(٣) التكملة: ٤٠٣.
(٤) العبر: ٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧، شذرات الذهب: ٣/ ٣٩٨، مرآة الجنان: ٣/ ١٥٥.
(٥) تذكرة الحفّاظ: ١٢٢٩، طبقات الشافعية ٥/ ٣٣٢.
[ ٤٨ ]
مات سنة (٤٩٤ هـ) (١).
١٠ - أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمَّد بن طلحة النّعالي. ذكره في [العارضة: ٨/ ١٦٥]، قال الذهبي: رجل عامّي من أولاد المحدثين، عمّر دهرًا وانفرد بأشياء. روى عن أبي عمر بن مهدي، وأبي سعد الماليني وطائفة. توفي في صفر (٤٩٣ هـ) (٢).