مما لا شك فيه أن القاضي أبا بكر وصل بجده واجتهاده ومداومة الطلب والتحصيل والرحلة الواسعة إلى درجة رفيعة في العلوم جعلته محط الرحال لطلاب العلم، فوفدوا إليه متجشمين الأخطار والصعاب كي يتعلموا على هذا الإِمام الفذِّ الذي أصبح حافظ العصر ومدققه بلا نزاع.
وكثرت طلبته حتى كان رؤوس العلم من تلاميذه وتخرج به علماء أصبحوا أعلام هداية وأساتذة أجيال ورواد علم، وسأترجم فيما يلي لبعضهم ترجمة موجزة.
١ - القاضي عِيَاض: هو عِيَاض بن موسى بن عِيَاض العلامة أبو الفضل السبتي المالكي أحد الأعلام. قال ابن فرحون: كان إمام وقته في الحديث وعلومه، عالمًا بالتفسير وجميع علومه، فقيهًا أصوليًا عالمًا بالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، بصيرًا بالأحكام عاقدًا للشروط، حافظًا لمذهب مالك ﵀. رحل إلى الأندلس وأخذ بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله محمَّد بن علي بن حمدين، وأبي الحسين بن سراج، وأبي محمَّد بن عتاب وغيرهم، وأخذ عن ابن العربي عند اجتيازه سبتة. قال القاضي عياض: اجتاز ببلدنا فكتبت عنه فوائد حديثية وناولني كتاب المُؤْتَلِف والمُخْتَلِف للدارقطني. مات ﵀ سنة (٥٤٤ هـ) (٣).
٢ - السهيلي أبو زيد وأبو القاسم وأبو الحسن عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد العلاّمة
_________________
(١) طبقات الشافعية: ٤/ ٨٥، المنتظم: ٩/ ١٢٥.
(٢) العبر: ٢/ ٣٦٧.
(٣) الديباج: ٢/ ٤٦، المرقبة العليا: ص ١٠١، شذرات الذهب: ٤/ ١٣٨، تذكرة الحفّاظ: ٤/ ١٣٠٤ - ١٣٠٧، بغية الملتمس: ٤٢٥، الغنية: ص ٦٨.
[ ٤٩ ]
الأندلسي المالقي: النحوي الحافظ العلم، صاحب التصانيف. أخذ القراءات عن سليمان بن يحيى وجماعة وروى عن ابن العربي والكبار وبرع في العربية واللغات والأخبار والأثر وتصدر للإفادة. مات سنة (٥١٨ هـ) (١).
٣ - أبو زيد عبد الرحمن بن محمَّد بن يحيى الغماري: من أهل الجزيرة الخضراء وأصله من بلاد غمارة بشمال المغرب. روى عن ابن العربي واستظهر عليه موطّأ مالك، وأجاز له، وكان من حفّاظ العلم. كف بصره وهو ابن اثنتي عشرة سنة، حدث الناس عنه وسمعوا عليه الموطّأ بلفظه وكان يورده من حفظه ويقول: هكذا كنت أعرضه على أبي بكر بن العربي. توفي سنة (٦٠٢ هـ) (٢).
٤ - ولده أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن العربي: كان من أهل النباهة والجلالة معنيًا بالرواية وسماع العلم. قُتل خطأ يوم أن دخلت أشبيلية على المرابطين من قبل الموحدين، فثكله أبوه وحسن صبره عليه سنة (٥٤١ هـ) (٣).
٥ - عبد الرحمن بن محمَّد بن حبيش القاضي أبو القاسم الأنصاري المرّي: نزيل مرسية. عاش ثمانين سنة. قرأ القراءات على جماعة ورحل بعد ذلك فسمع بقرطبة من يونس ابن محمَّد بن مغيث والكبار، وكان من أئمة الحديث والقراءات والنحو واللغة. ولي خطابة مرسية وقضاءها مدة واشتهر ذكره وبعد صيته وكانت الرحلة إليه في زمانه (٤). مات سنة (٥٨٤ هـ).
وكان عبد الرحمن أيام إقامته بقرطبة عند القاضي ابن العربي، بعد تركه القضاء، وكان ينزل معه في بيته وقد سمعه يومًا يذكر الانصراف إلى وطنه (المرية) فقال له: ما هذا القلق؟ أقِمْ حتى يكون لك في رحلتك عشر سنين كما كان لي (٥).
قلت: وهو الذي روى عن القاضي كتاب القبس.
٦ - محمَّد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن فرج الجدّ الفهري: الحافظ الجليل، يكنى
_________________
(١) العبر: ٣/ ٨٢، الديباج: ١/ ٤٨٠، تذكرة الحفاظ: ٤/ ١٣٤٨، نكت الهيمان: ١٨٧، شجرة النور الزكية: ١/ ١٥٦.
(٢) التكملة: ٥٨١.
(٣) التكملة: ٣٧١.
(٤) العبر: ٣/ ٨٨.
(٥) انظر بغية الملتمس: ٣٤٠، التكملة: ٥٧٣، غاية النهاية: ١/ ٣٧٨.
[ ٥٠ ]
أبا بكر جليل أشبيلية وزعيم وقته في الحفظ، كان في حفظ الفقه بحرًا يغرف من محيط.
روى عن أبي الحسن بن الأخضر ودرس عليه كتاب سيبويه، وأخذ عنه كتب اللغات والآداب، وسمع من ابن العربي، وبرع، أولًا، في العربية واقتصر عليها ثم مال إلى دراسة الفقه ومطالعة الحديث والإشراف على الاتفاق والاختلاف بتحريض أبي الوليد بن رشد. انتهت إليه الرياسة في الفتيا وقدم للشورى مع أبي بكر ابن العربي ونظرائه بأشبيلية سنة (٥٢١ هـ)، وتمادى به ذلك نيفًا على ستين سنة في ازدياد سمو الرياسة واطراد تمكن الحظوة، ولم يشتغل بالتأليف مع غزارة حفظه واتساع مادة علمه. مات سنة (٥٨٦ هـ) (١).
٧ - أبو بكر محمَّد بن خير بن عمر اللمتوني الإِمام الحافظ شيخ القراء الأشبيلي: أتقن القراءات على شرَيْح بن محمَّد واختص به حتى ساد أهل بلده، وسمع منه ومن أبي مروان الباجي والقاضي أبي بكر بن العربي، وبقرطبة من أبي جعفر ابن جعفر ابن عبد العزيز وابن عمه أبي بكر وأبي القاسم بن بقي وابن مُغِيث وطائفة سواهم. قال ابن الأبّار: كان مكثرًا إلى الغاية. سمع من رفاقه وشيوخه أكثر من مائة نفس، لا نعلم أحدًا من طبقته مثله.
وتصدر بأشبيلية للإقراء والإسماع وحمل الناس عنه كثيرًا، وكان مقرئًا مجودًا ومحدثًا متقنًا أديبًا نحويًا لغويًا، واسع المعرفة رضًا مأمونًا، لما مات بيعت كتبه بأغلى الأثمان لصحَّتها، ولم يكن له نظير، في هذا الشأن، مع الحظ الأوفر من علم اللسان، توفي سنة (٥٧٥ هـ) (٢).
٨ - أبو القاسم بن بَشْكُوَال خلف بن عبد الملك بن مسعود الأنصاري القرطبي: الحافظ محدِّث الأندلس ومؤرِّخها ومسندها، سمع أبا محمَّد بن عَتَّاب وأبا بحر بن العاص وطبقتهما، وأجاز له أبو علي الصَّدَفي، وله عدة تصانيف. توفي سنة (٥٧٨ هـ) (٣) تولّى القضاء ببعض جهات أشبيلية لأبن العربي. أخذ عن ابن العربي الجم الغفير من معاصريه من الأئمة وطلاب العلم.
_________________
(١) الديباج: ٢/ ٢٨٦، شجرة النور الزكية: ١/ ١٥٩، العبر ٣/ ٩٢، شذرات الذهب: ٤/ ٢٨٦، البغية: ١٨٨.
(٢) تذكرة الحفاظ: ص ١٣٦٦، العبر: ٣/ ٦٩، تذكرة الحفاظ للسيوطي: ٤٨٣، طبقات القراء: ٢/ ١٣٩، شذرات الذهب: ٤/ ٢٥٢، مرآة الجنان: ٦/ ٨٦، الديباج: ١/ ٣٥٣، شجرة النور الزكية: ١/ ١٥٤.
(٣) الديباج ١/ ٣٥٤ شجرة النور ١/ ١٥٤ مرآة الجنان ٣/ ٤٣٢.
[ ٥١ ]