روي الوضوء من مس الذكر عن النبيِّ - ﷺ -، جماعة منهم بسرة (١) وهو أصح الأحاديث فيه وأعرض عنه الإِمامان الجعفي والقشيري، والعجب لإِمامنا، ﵁،
_________________
(١) = الهيثمي في المجمع وعزاه للطبراني في الكبير وقال فيه محمَّد بن مسلمة ضعفه الناس وقال الدارقطني لا بأس به. مجمع الزوائد: ١/ ٢٤٦، ورواه الدارقطني من طريق أخرى عن ابن أرقم عن عطاء عن ابن عباس وقال سليمان ابن أرقم متروك. سنن الدارقطني: ١/ ١٥٢ - ١٥٣، وأورده الروداني في مجمع الفوائد: ١/ ١٠٣. أقول: الحديث في طريقه الأول. عمر بن رياح، بكسر أوله وتحتانية، العبدي البصري الضرير متروك وكذّبه بعضهم من الثالثة/ ق. ت ٢/ ٥٥ وقال في ت ت. قال البخاري عن عمرو بن علي القلاس هو دجال، وقال النسائي والدارقطني: متروك. وقال ابن عدي: يروي عن طاوس البواطيل ما لا يتابعه أحد عليه والضعف بيِّن على حديثه، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب، وقال العقيلي: منكر الحديث. ت ت ٧/ ٤٤٧ - ٤٤٨، وانظر الكامل: ٥/ ١٧٠٧، والضعفاء للعقيلي: ٣/ ١٦٠. وفي الطريق الثاني محمَّد بن مسلمة الواسطي صاحب يزيد بن هارون ضعَّفه أبو القاسم اللالكائي، وقال الدارقطني: لا بأس به. لسان الميزان: ٥/ ٣٨١ وانظر الكامل: ٦/ ٢٢٩٤ كما أن شيخه هنا هو سليمان بن أرقم، أبو معاذ، ضعيف من السابعة/ د ت. ت ١/ ٣٢١، وقال في ت ت قال أبو داود وأبو حاتم والترمذي وابن خراش والدارقطني: متروك الحديث ت ت ٤/ ١٦٨ - ١٦٩. درجة الحديث: ضعيف.
(٢) سنن أبي داود: ١/ ١٢٥، والترمذي: ١/ ١٢٦، والنسائي: ١/ ١٠٠ - ١٠١، وابن ماجه ١/ ١٦١، والموطّأ: ١/ ٤٢، والشافعي في الأم: ١/ ١٥ وأحمد انظر الفتح الرباني: ٢/ ٨٦، والحاكم: ١/ ١٣٧ وابن الجارود في المنتقى ص ١٩، والبيهقي: ١/ ١٢٩ - ١٣٠، وابن خزيمة ١/ ٢٢، والبغوي في شرح السنة ١/ ٣٤٠. أقول: الحديث قال فيه الترمذي: ١/ ١٢٩: حسن صحيح، وقال. هكذا رواه في واحد عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة. والدارقطني ١/ ١٤٦، وقال الحافظ في التلخيص، صححه الترمذي ونقل ممن البخاري إنّه أصح شيء في الباب، وقال قال أبو داود، وقلت لأحمد: حديث بسرة ليس بصحيح؟ قال: بل صحيح، وقال الدارقطني: صحيح ثابت، وصححه أيضًا يحيى بن معين وأبو حامد بن المشرقي =
[ ١٦٣ ]
يرويه في كتابه ويدرسه مدى عمره ثم لا يقول به وتختلف فيه فتواه فتارة يضعِّفه وتارة يقوِّيه وتارة يعتبر فيه الشهوة وتارة يسقطها، ونحن نقبل روايته فنقول الحديث صحيح ولا نقبل تفريعه فنقول: ينتقض الوضوء من مسه بقصد أو بغير قصد إتباعًا لظاهر الحديث، وأخذًا بمطلق الرواية فيه، وفروعه معلومة فلا معنى للإِطالة بسردها (١). بيد أن بعض أشياخي ذكر لي منه فرعًا غريبًا وهو إذا مسَّ الخنثى ذكره وفرجه انتقض وضوؤه فإذا مسَّ أحدهما وقلنا إن المرأة ينتقض وضوؤها بمس فرجها فمن يغلب الشك ينتقض الوضوء لاحتمال أن يكون قد لمس ما يجب عليه منه الوضوء ومن لا يرى تغليب الشك وهو الصحيح لا ينتفض الوضوء إلا بمسه لهما جميعًا ..
تتميم: لما كان هذا الحديث أصلًا في نفسه اختلف العلماء هل يعلّل أم لا؟ فمن علَّله بأن لمسه ربما أفضى إلى خروج الخارج ألحق به المرأة؛ لأن لمسها أيضًا لفرجها قد يفضي إلى خروج الخارج لا سيما وقد روى الدارقطني عن أبي هُرَيْرَة، ﵁، عن النبيّ - ﷺ -: "إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ" (٢)، وهذا عام في الرجل
_________________
(١) = والبيقي والحازمي، وقال البيهقي: هذا الحديث وإن لم يخرجه الشيخان لاختلاف وقع في سماع عروة منها أو من مروان فقد احتجا بجميع رواته، واحتج البخاري بمروان ابن الحكم في عدة احاديث فهو على شرط البخاري بكل حال، وقال الاسماعيلي في صحيحه في أواخر تفسير سورة آل عمران: إنه يلزم البخاري إخراجه فقد أخرج نطيره. تلخيص الحبير: ١/ ١٣١. درجة الحديث: صحيح كما قال الشارع وغيره.
(٢) انظر الخلاف في الموضوع في بداية المجتهد: ١/ ٣٩، المنتقى: ١/ ٨٩.
(٣) الدارقطني: ١/ ١٤٧ من طريق يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النفيلي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، والحاكم: ١/ ١٣٨، وقال هذا حديث صحيح. والشافعي: ١/ ٣٤، وأحمد: ٢/ ٣٣٣، والبزار. انظر كشف الأستار عن زوائد البزار: ١/ ١٤٩ وقال: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ عن أبي هُرَيْرَة إلا من هذا الوجه ويزيد ليِّن الحديث. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: ١/ ٣٣ من طريق يزيد المتقدم. ويزيد هذا قال عنه الحافظ في التقريب ضعيف من السادسة/ ق ت ٢/ ٣٦٨ وابن حبان انظر موارد الظمآن ص ٧٧، وشرح السنة: ١/ ٣٤١، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط والصغير والبزار وفيه يزيد بن عبد الملك النفيلي، وقد ضعَّفه أكثر الناس ووثَّقه يحيى بن معين في رواية مجمع الزوائد: ١/ ٢٤٥، وعزاه الحافظ في التلخيص إلى ابن حبان في صحيحه من طريق نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك جميعًا عن سعيد المقبري عن أبي هريرة بهذا وقال: احتجاجنا في هذا بنافع دون يزيد بن عبد الملك وقال في كتاب الصلاة: له هذا حديث صحيح سنده عدول نقلته وأدخل البيهقي في الخلافيات بين يزيد ابن عبد الملك النفيلي وبين المقبرى رجلًا؛ فإنه أخرجه من طريق الشافعي عن عبد الله بن نافع عن النفيلي =
[ ١٦٤ ]
والمرأة، وأعجب من هذا ما حكاه الدارقطني أيضًا عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين أنه ليس في مس الذكر حديث صحيح (١)، مع أنهم يتلون حديث مالك، ﵁، عن بسرة إلا إن مالوا إلى طريق المعنى وقالوا بقول أبي حنيفة (٢) بأن قول بسرة وهي امرأة في مثل هذه النازلة التي تتعلق بالرجال ولا يرويها أحد سواها بعيد وهذا قول ضعيف لأن الله تعالى لم يرد أن يجري السنة مجرى القرآن حتى يتولى حفظها كما تولى حفظه، وإنما أراد تعالى أن يكون القرآن محفوظًا نصًا معلومًا قطعًا وأن تكون السنة يلتقطها الرواة التقاطًا ويؤخذ من كل أحد ما سمع منه حتى من النساء والرجال ولذلك قال تعالى. ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٣) الآية، فما اجتمع من السنة اجتمع وما خفي منها في وقت سيظهر في وقت آخر، بل كان كثير من الصحابة يقبضون أنفسهم عن ذكرها فلا تستبعدوا بصركم الله تعالى والحالة هذه أن تضبط امرأة ما يفوت رجلًا وأن يذكر امرؤ ما نسي آخر، وأما لمس النساء فقد تناوله القرآن بالبيان قال الله ﵎: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٤)، وقرىء: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٥) وكل قراءة قائمة بنفسها حجة في متناولها وقد روي عن جماعة من الصحابة (٦)
_________________
(١) = عن أبي موسى الحنّاط عن المقبري وقال: قال ابن معين: أبو موسى هذا رجل مجهول. التلخيص: ١/ ١٣٤ - ١٣٥ وصححه أحمد في المسائل: ٣٠٩ وقال ابن عبد البر: قال ابن السكن: هذا الحديث من أجود ما روي في هذا الباب لرواية ابن القاسم صاحب مالك عن نافع بن أبي نعيم، وأما يزيد فضعيف والله أعلم، وقال: قال أبو عمر كأَنّ حديث أبي هريرة هذا لا يعرف إلا بيزيد بن عبد الملك هذا حتى رواه أصبغ عن ابن القاسم عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك النفيلي جميعًا عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هُرَيْرَة، وأصبغ وابن القاسم ثقتان فقيهان فصح الحديث بنقل العدل على ما ذكر ابن السكن. الاستذكار: ١/ ٣١١ - ٣١٢. درجة الحديث: صحيح من طريقه الثاني.
(٢) لم أطلع على هذا العزو في السنن ولا في العلل للدارقطني بل وجدته نقل عن أحمد في العلل: ٥/ ١٩٦ تصحيحه لحديت بسرة ولعله في المفقود من نسخة العلل لأن الموجود منها ناقص.
(٣) انظر شرح كنز الدقائق لابن نجيم: ١/ ٤٥، الطبعة الأولى والفتاوى الهندية: ١/ ١٣.
(٤) سورة الأحزاب آية ٣٤.
(٥) سورة المائدة آية ٦.
(٦) قرأ حمزة والكسائي وخلف بغير ألف فيهما، وقرأ الباقون فيها بالألف النشر: ٢/ ٢٤١ الاقناع: ٢/ ٦٣٠.
(٧) منهم عمر فقد كانت تقبِّله زوجته ولا يتوضأ. مصنف عبد الرزاق: ١/ ١٣٥، قال ابن عبد البر بإسناد ثابت من أسانيد أهل المدينة. الاستذكار: ١/ ٣١٨، وروي أيضًا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "يَتوَضَّأُ الرَّجُلُ مِنَ =
[ ١٦٥ ]
والتابعين (١) واختار أبو حنيفة (٢) أن الآية كناية عن الجماع حتى روي عن ابن عباس، ﵄، أنه قال: إِنَّ الله حَييُّ كَرِيمٌ يعْفو ويكنّى باللمس عن الجماع (٣) وليس إلى ذلك حاجة تدعو، ولا ضرورة توجبه، وإنما يعدل عن التصريح إلى الكناية بدليل يقتضي ذلك، فأما مطلق القول وصريح اللغة فيقتضي ما أشرنا إليه من ظاهر اللمس وبذلك قال مالك، ﵁، وهو شيخ من شيوخنا (قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ مِنَ المُلاَمَسَةِ" (٤).
_________________
(١) المُبَاشَرَةِ وَمِنَ اللَّمْسِ بِيَدِهِ ومنَ القُبْلَةِ إِذَا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ، وكان يقول في هذه الاية: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قال: هو الغمز. المصنف لعبد الرزاق: ١/ ١٣٣، وأعلّه الهيثمي بأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. مجمِع الزوائد: ١/ ٢٤٧، وكذا قال ابن عبد البر في الاستذكار: ١/ ٣٢٠، ورواه مالك في الموطأ بلاغًا: ١/ ٤٤. أقول: أثر ابن مسعود فيه انقطاع؛ فقد قال الحافظ أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته، والأشهر أن لا اسم له غيرها، ويقال اسمه عامر، كوفي ثقة من كبار الثالثة والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه، مات بعد سنة ٨٠/ ع ت ٢/ ٤٤٨، وانظر ت ت ٥/ ٧٥، والكاشف: ٢/ ٥٦. ورواه البيهقي من طريقين، من الطريق المتقدم ومن طريق مخارق عن طارق ابن شهاب أن عبد الله بن مسعود قال في قوله تعالى. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قالا: معناه ما دون الجماع. السنن الكبرى: ١/ ١٢٤، وهذا الطريق صححه شعيب الأرناؤوطي في تعليقه على شرح السنة: ١/ ٣٤٥.
(٢) نقله ابن عبد البر عن عبيدة وعامر الشعبي وسفيان وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ومكحول وابن شهاب وربيعة بن عبد الرحمن ومالك. الاستذكار: ١/ ٣٢٢، وحكاه البغوي في شرح السنة: ١/ ٣٤٥ عن الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال ابن رشد: والذي أعتقده أن اللمس وإن كانت دلالته علي المعنيين (يعني الجماع أو اللمس باليد) بالسواء أو قريبًا من السواء إنه أظهر عندي في الجماع وإن كان مجازًا لأن الله تعالى قد كنَّى بالمباشرة واللمس عن الجماع وهما في معنى اللمس. بداية المجتهد: ١/ ٢٩ وكذا قال الطبرى في التفسير: ٨/ ٣٩٦ بعد حكايته القولين: الصواب قول من قال عني بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. الجماع دون غيره من معاني اللمس.
(٣) انظر البناية في شرح الهداية: ١/ ٢٤٤.
(٤) عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن عبيد بن عمير وسعيد ابن جرير وعطاء ابن أبي رباح أختلفوا في الملامسة .. مصنّف عبد الرزاق: ١/ ١٣٤ والسنن الكبرى: ١/ ١٢٥ وابن جرير في تفسيره: ٨/ ٣٨٩. درجة الحديث. حسن من خلال إسناد ابن جرير.
(٥) الموطَّأ ١/ ٤٣، والشافعي في الأم: ١/ ١٢، والدارقطني في السنن: ١/ ١٤٤، وقال صحيح وشرح السنة: ١/ ٣٤٤، والبيهقي في السنن الكبرى: ١/ ١٢٤، من طريق مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: قبلة الرجل أمرأته. درجة الحديث: صححه الدارقطني.
[ ١٦٦ ]