المسح على الخفين سنة من سنن الدين ورخصة للمسلمين ورد (١) به الكتاب والسنة، وأجمعت عليه الأمة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (٢) فأحد التأويلات فيمن قرأها بالخفض إنه أراد به المسح على الخفين (٣) إذ لا حالة للرجل يتمسح فيها إلا تلك الحالة.
وأما السنة فروي المسح على الخفين عن النبيِّ - ﷺ -، جماعة من الصحابة أعيانهم
ستة عمر (٤) بن الخطاب،
_________________
(١) في "م" بها.
(٢) سورة المائدة، آية ٦.
(٣) قرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو بالخفض. كتاب السبعة في القراءات لأبن ماجد ص ٢٤٣ ط دار المعارف ط الثانية، تحقيق د/ شوقي ضيف وانظر الإقناع: ٢/ ٦٣٤، تفسير القرطبي: ٦/ ٩١.
(٤) حديث عمر رواه ابن ماجه: ١/ ٨١ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه رأى سعيد ابن مالك، وهو يمسح على الخفين فقال إنكم لتفعلون ذلك فاجتمعنا عند عمر فقال سعد لعمر أفتِ ابن أخي في المسح على الخفين فقال عمر: (كُنَّا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ -، نَمْسَحُ عَلى خِفَافِنَا لَا نرى بِذَلكَ بَأْسًا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَإِنْ جَاءَ مِنَ الغَائِطِ؟ قَالَ: نَعَمْ). سنن ابن ماجه: ١/ ١٨١، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: ١/ ٧٨، هذا إسناد رجاله ثقات وهو في صحيح البخاري بغير هذا السياق، وسعيد بن أبي عروبة وإن كان اختلط فقد روى عنه محمَّد بن سواء قبل الاختلاط، ورواه الإِمام أحمد من طريق عبد الله بن عمر عن نافع قال: رأى ابن عمر سعد بن مالك يمسح على خفيه .. الفتح الرباني: ٢/ ٥٩. قلب: والسياق الذي أشار إليه البوصيري ما أخرجه البخاري عن طريق أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن ابن عمر أن سعد بن أبي وقاص عن النبي - ﷺ -، أنه مسح على الخفين وأن عبد الله بن عمر سأل عمر عن ذلك فقال: "نَعَمْ إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدُ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ" البخاري في كتاب الوضوء باب المسح على الخفين: ١/ ٦٢. أقول: الحديث من رواية ابن ماجة وأحمد فيها، سعيد بن أبي عروبة قال فيه الحافظ ثقة حافظ له تصانيف لكنه كثير التدليس واختلط وكان من أثبت الناس في قتادة من السادسة، مات سنة ١٥٦ أو ١٥٧ ع ت ١/ ٣٠٣ وانظر ت ت ٣/ ٦٣. وعندي أن الحديث لا يقل عن درجة الحسن لكثرة طرقه.
[ ١٥٨ ]
وعلي (١) بن أبي طالب، وسعد (٢) بن أبي وقاص، وجرير (٣) ابن عبد الله، وعمرو (٤) بن أمية الضمري، وبلال (٥)، مولى أبي بكر، ﵃، وأجمعت عليه الأمة لم ينكر ذلك منهم إلا الرافضة (٦)، وليس لها مذهب يعتبر ولا خلاف يعتدُّ به ولا جماعة يلتفت إليها. وقد اختلفت الروايات عن مالك، ﵁، فيها وأشد ما روي عنه قوله: إني أقول اليوم مقالة ما قلتها قبل في ملأ من الناس أقام رسولُ الله، - ﷺ - بالمدينة، والخلفاء بعده، قريبًا من أربعين سنة ما مسح أحد منهم على الخفين (٧) وقد ثبت عن النبيِّ، - ﷺ -، أنه قال. "يمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيالِيهِنَّ
_________________
(١) مسلم في الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين: ١/ ٢٣٢، والنسائي ١/ ٨٤ وابن خزيمة: ١/ ٩٨، والبهيقي في السنن الكبرى: ١/ ٢٧٢ كلهم بلفظ "جَعَلَ رَسُولُ الله - ﷺ -، ثَلَاثَةَ أَيَّامِ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيومًا وَلَيْلَةً لِلْمقِيمِ" لفظ مسلم.
(٢) البخاري في كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين: ١/ ٦٢ وانظر لفظه في التعليق رقم ٤ الصفحة السابقة. ورواه البيهقي في السنن: ١/ ٢٦٦، والنسائي: ١/ ٨٢ والموطّأ: ١/ ٣٦.
(٣) متفق عليه، البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في الخفاف: ١/ ١٠٨، ومسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين: ١/ ٢٢٨ قال همام ابن الحارث: رأيت جرير بن عبد الله بال ثم توضأ ومسح علي الخفين ثم قام فصلى فصلى فقال: "رَأَيْت رَسُولَ الله - ﷺ - صَنَعَ مْثل هَذَا" وأبو داود: ١/ ١٠٧، والترمذي: ١/ ١٥٥، والنسائي: ١/ ٨١، وابن ماجة: ١/ ١٨٠، وأحمد. انظر الفتح الرباني: ٢/ ٥٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٧٠.
(٤) البخاري في كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين: ١/ ٦٢، والنسائي: ١/ ٨١، وأحمد. انظر الفتح الرباني: ٢/ ٦٠، والبيهقي في السنن: ١/ ٢٧٠، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري أن أباه أخبره أنه رأى رسول الله - ﷺ -، يمسح على الخفين.
(٥) مسلم في الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة: ١/ ٢٣١، وأبو داود ١/ ١٠٦، والترمذي: ١/ ١٧٢، والنسائي ١/ ٧٥ - ٧٦، وابن ماجه: ١/ ٨٦، وأحمد: انظر الفتح الرباني: ٢/ ٦٠، والبيهقي في السنن الكبرى: ١/ ٢٧١، وابن خزيمة: ١/ ٩٣، والحاكم في المستدرك ١/ ١٥١.
(٦) الروافض قوم من الشيعة سموا بذلك لأنهم تركوا زيد بن علي. قال الأصمعي: كانوا بايعوه ثم قالوا له تبرأْ من الشيخين نقاتل معك، فأبى وقال: كانا وزيري جدي فلا أبرأ منهما، فرفضوه. لسان العرب: ٧/ ١٥٧، وانظر الفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢١.
(٧) قال أبو الوليد: روي عن مالك في العتبية ما ظاهره المنع منه وإنما معناه إيثار الغسل عليه وحسبك بما أدخل في موطئه، وهو أصح ما نقل عنه. وقد قال الشيخ أبو بكر في شرح المختصر الكبير بأنه روى عن مالك لا يمسح المسافر ولا المقيم، فإد صحت هذه الرواية فوجهها أن المسحَ منسوخٌ، ثم قال: وعندي أن هذا يبعد لأن ابن وهب روى عنه أنه قال لا أمسح في سفر ولا حضر، وكأنه كرهه وفي النوادر عن ابن وهب أنه قال آخر ما فارقته على المسح في السفر والحضر وكأنه، وهو الذي روى عنه، متأخر وأصحابه مطرف وابن الماجشون فدل =
[ ١٥٩ ]
وَالمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً" (١) ثبوتًا لا شك فيه، وقد سئلت عائشة، ﵂، عن المسح على الخفين (٢) فأحالت على عليّ ابن أبي طالب، ﵁، فأسند عليّ ﵁، الحديث إلى رسول الله، - ﷺ -، بالتوقيت للمسافر والمقيم كما تقدم. ومن نظر إلى مقاطع الشريعة وقرائنها لم يستبعد المسح على الخفين لما في نزعهما من المشقة، وتكلف الوضوء على الرجلين والشقة بعيدة والسير متصل، وقد قال مالك: لا توقيت على المسافر ومسحه على الخفين جائز دائمًا ما لم يقع في (٣) جنابة، وهذا مأخوذ من النظر لا من الأثر، والنظر الذي اقتضى جواز المسح للمسافر، من غير توقيت، يبيحه للمقيم لأنه قد يستغرق شغله نهاره كله.
وقد يفوته بنزع الخفين من أمره مما يفوت للمسافر لو نزعهما لكنه في آخر نهاره يرجع إلى قراره ويأوي إلى سكنه فيشق عليه حبس الخفين فضلًا عن أن ينزعهما، فلأجل هذا قلنا إن الصحيح جواز المسح مؤقتًا على ما في حديث عليّ ابن أبي طالب، ﵁،
_________________
(١) = ذلك على أنه منعه أولًا على وجه الكراهية لمَّا لم يرَ أهل المدينة يمسحون، ثم رأى الآثار فأباح المسح على الإطلاق. المنتقى: ١/ ٧٧. وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من الصحابة جاء عنه إنكار المسح على الخفين ممن لا يختلف عليه إلا عائشة، وكذلك لا أعلم أحدًا من فقهاء المسلمين روي عنه إنكار ذلك إلا مالكًا، والروايات الصحاح عنه بخلاف ذلك وموطؤه يشهد للمسح على الخفين في الحضر والسفر، وعلى ذلك جميع أصحابه وجماعة أهل السنة، وإن كان من أصحابنا من يستحبّ الغسل ويفضله على المسح من غير إنكار للمسح. الاستذكار: ١/ ٢٧٤، وقال القرطبي: أما مالك فما روي عنه من الإنكار فهو منكر لا يصح، والصحيح ما قاله عند موته لابن نافع قال: إني كنت آخذ في خاصة نفسي بالطهور ولا أرى من مسح مقصرًا فيما يجب عليه، وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل ما رواه ابن وهب عنه أنه قال: لا أمسح في حضر ولا سفر، قال أحمد. كما روي عن ابن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا خفافهم وخلع هو وتوضأ، وقال حبيب إلى الوضوء ونحوه عن أبي أيوب قال أحمد، ﵁، فمن ترك ذلك على نحو ما تركه ابن عمر وأبو أيوب ومالك، لم ننكر عليه وصلّينا خلفه ولم نعِبْه إلا أن يترك ذلك ولا يراه كما صنع أهل البدع فلا يصلى خلفه. تفسير القرطبي: ٦/ ٩٤.
(٢) تقدم قريبًا في حديث علي ﵁.
(٣) مسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين: ١/ ٢٣٢.
(٤) قال في المدونة: ١/ ٤١: يمسح المسافر وليس لذلك وقت. وقال ابن عبد البر: روي عن مالك التوقيت في المسح في رسالته إلى بعض الخلفاء وأنكر ذلك أصحابه وروي التوقيت عن النبي - ﷺ -، من وجوه كثيرة. الاستذكار: ١/ ٢٧٧.
[ ١٦٠ ]
ولا يمسح عليهما إلا إذا لبسهما على طهارة لقول النبيِّ، - ﷺ -، في حديث المغيرة: (دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ) (١) وإن لبس خفين فليمسح على الأعلى خاصة، وقد روي أن النبيَّ، - ﷺ -، أنه مسح أعلى الخف وأسفله (٢) وذلك غير لازم لأن المسح مبني على التخفيف فلا يستوفى فيه ما كان يستوفى في الأصل. والخف هو كل ساتر من جلد مخروز يكون على الرجل يمكن متابعة المشي عليه، فهذا هو الذي تتعلق به الرخصة (٣)، ويكون بدلًا عن الرجلين ولا يبالي لبس منهما واحدًا أو أكثر من ذلك؛ لأن حكم الآخر حكم الأول ويعتبر في لبسهما الحاجة دون الرفاهية، فإن لبسهما للرفاهية لم يجز المسح عليهما لأن الرخص موقوفة على الحاجة تجوز بوجودها وتعدم بعدمها.
_________________
(١) متفق عليه، البخاري في كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين: ١/ ٦٢، ومسلم في الطهارة باب المسح على الخفين: ١/ ٢٣٠.
(٢) أبو داود من طريق الوليد بن مسلم قال محمود: أخبرنا ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة قال "وَضَّأتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، في غَزْوَةِ تّبُوكَ فَمَسَحَ أَعْلَى الْخفَّيْنِ وَأَسْفَلَهُمَا". سنن أبي داود: ١/ ١١٦ وقال: قال أبو داود: وبلغني إنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء، ورواه الترمذي: ١/ ١٦٢ وقال هذا حديث معلول لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وقال: قال أبو عيسى: وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقالا ليس بصحيح لأن ابن المبارك روى هذا الحديث عن ثور عن رجاء بن حيوة قال حدثت عن كاتب المغيرة مرسل عن النبي - ﷺ -. ورواه ابن ماجه: ١/ ١٨٢ عن وراد كاتب المغيرة، ونقل الحافظ في التلخيص: ١/ ١٦٨ عن البخاري في التاريخ الأوسط رواية أخرى متصلة فقال: ثنا محمَّد ابن الصباح ثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة قال: رأيت رسولَ الله - ﷺ -، يمسح على خُفين ظاهرهما، قال البخاري: وهذا أصح من حديث رجاء عن كاتب المغيرة، ورواه الدارقطنى في السنن من نفس الطريق التي ذكر ابن حجر أن البخاري أخرجها، كما روى الطريق التي تعد مرسلة أيضًا الدارقطني في السنن: ١/ ١٩٥، وأحمد، انظر الفتح الرباني: ٢/ ٧٠، والبيهقي في السنن الكبرى: ١/ ٢٩٠، وابن الجارود في المنتقى ص ٣٨. وقال ابن القيم: هذا حديث ضعفه الأئمة الكبار: البخاري وأبو زرعة والترمذي، وأبو داود والشافعي، ومن المتأخرين أبو محمَّد بن حزم وهو الصواب لأن الأحاديث الصحيحة كلها تخالفه .. وقد تفرد الوليد بن مسلم بإسناده ووصله وخالفه من هو أحفظ منه وأجل، وهو الإمام الثبت عبد الله بن المبارك، فرواه عن ثور عن رجاء قال حدثت عن كاتب المغيرة عن النبيَّ - ﷺ - .. وقال بعض الحفّاظ: أخطأ الوليد بن مسلم في هذا الحديث في موضعين: أحدهما أن رجاء لم يسمعه من كاتب المغيرة، وإنما قال حدثت عنه، والثاني أن ثور لم يسمعه من رجاء، وخطأ ثالث أن الصواب إرساله. ورواه الوليد معنعنًا من غير تبيين. تهذيب السنن: ١/ ١٢٦، وقد رد هذه العلل أحمد شاكر، وذهب إلى أن الحديث صحيح. انظر تعليقه على سنن الترمذي: ١/ ١٦٤ والحق أنه ضعيف كما قال غيره.
(٣) انظر المنتقى: ١/ ٨٢، بداية المجتهد: ١/ ١٤.
[ ١٦١ ]