أدخله مالك، رحمه الله تعالى، لنكتة واحدة وان كان فيه كلام كثير ليبيّن، من قول ابن عمر (٢) وابن عباس (٣)، ﵄، وهما أصلان في اللغة أن الدلوك الزوال حتى يكون قوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ إلى قوله: ﴿مَشْهُودًا﴾ (٤) متناولًا للصلوات الخمس.
_________________
(١) دلكت الشمس دلوكًا غربت أو اصفرت أو زالت عن كبد ألسماء. مختار القاموس/٢١٥، وانظر الصحاح ٤/ ١٥٨٤. وقال الباجي قول عبد الله بن عمر حجة في اللغة لأنه من أهل اللسان مع ما يضاف إلى ذلك من العلم بالشريعة وصحبة النبي - ﷺ -، والدين والورع. وإذا كان يُحتج بقول امرئ القيس والنابغة في اللغة فبأن يُحتج بقوله أَوْلى. المنتقى ١/ ٢١.
(٢) مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: دلوك الشمس ميلها. الموطّأ ١/ ١١، ورواه عبد الرزاق عن سالم عن ابن عمر قال: (دلوك الشمس زياغها بعد نصف النهار وذلك وقت الظهر) مصنف عبد الرزاق ١/ ٥٤٣. درجة الحديث: صحيح.
(٣) مالك عن داود بن الحصين قال أخبرني مُخْبر أن ابن عباس كان يقول: (دلوك الشمس إذا فاء الفيء وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته) الموطّأ ١/ ١١. وقال الشارح، في الأحكام ٣/ ٢٠٧: روى مالك في الموطأ عن ابن عباس أنه قال دلوك الشمس ميلها وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته، ورواية مالك عنه أصح من رواية غيره وهو اختيار مالك في تأويل هذه الآية. أقول: الحديث فيه شيخ مالك داود بن الحصين الأموي، مولاهم، أبو سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة، ورُمي برأي الخوارج من السادسة مات سنة ١٣٥/ ع، ت/ ١/ ٢٣١. وقال في ت ت: قال ابن المديني ما رَوى عن عكرمة فمنكر ت ت/ ٣/ ١٨١. قلت: وروايته هنا عن عكرمة، كما قال الزرقاني، فقد قال قوله (أخبرني مخبر) هو عكرمة، وكان مالك يكتم اسمه لكلام ابن المسيب فيه قاله في الاستذكار، ونقل ذلك في التمهيد عن غيره، ورد بأن مالكًا صرّح برواية عكرمة في الحج وقدَّمها على رواية غيره. وقال أبو داود ما روى داود بن الحصين عن عكرمة فمنكر وحديثه عن شيوخه مستقيم. شرح الزرقاني ١/ ٢٦. وكذا قال الشارح في المسالك ل ١٥. درجة الحديث ضعيف.
(٤) سورة الإسراء آية ٧٨.
[ ٩٤ ]
تأصيل: بيَّن مالك، ﵀، في هذا الباب، أصلًا من أصول الفقه وهو أن الحكَم إذا تعلَّق باسم له أول واخر تعلق بأوله (١). وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا، وتتعلق به الفروع من كتاب الطهارة إلى أمهات الأولاد (في) آخر الفقه. وللدلوك أول وهو سقوط الشمس عن كبد السماء، وآخر وهو الغروب في رأى العين؛ فكل ذلك من مَثَلٍ أو خبرٍ، أو شعرٍ، أو قرآنٍ يتعلق بهذد الجملة على حد ما يليق به منهما فارقبوه وركبوه.
حديث: قوله، - ﷺ -: "منْ فاتَتْهُ صلاةُ العَصْر فَكَأَنَّما وَتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ" (٢). أدخل مالك، ﵁، هذا الحديث في جامع الوقوت بما رأى من تضييع الناس لها خصوصا حتى أخرجوها عن وقتها المختار لها وهو البياض الغالب على الشمس، وقد أدخل فضل. غيرها في موضعه وقدم هذه الصلاة للحاجة إلى تقديمها. وفي البخاري عن بريده "منْ فاتتْهُ صلاةُ العَصْرِ فقد حبط (٣) عَمَلُهُ" معناه ذهب. ففي حديث ابن عمر جعلها قرينة الأهل والمال، وفي حديث بريدة جعلها معادلة العمل، والمعنيان يتشاركان عند التأويل لأن المراد بقوله. "وَتِرَ أَهلهُ وَمَالَهُ" بقي سليبًا محرومًا في الدنيا فضربه مثلًا لبقائه كذلك في الآخرة، وكذلك هو يكون إذا حبط عمله. فأحد اللفظين مَثَل والآخر حقيقة، فإن قيل ظاهر ما ذكرتم يقدح في عقيدة أهل السنة وهي أن الكبائر لا تحبط الأعمال فما تأويل هذا؟
قلنا. أما من يقول بأن مخرج الصلاة عن وقتها (٤) كافر وقد كشف الغطاء فيه، ولكنه
_________________
(١) قال في نشر البنود: اختلفوا في مقتضى الامر المعلّق على أمر معنى كلي له جزيئات متباينة في القلَّة والكَثرة هل هو الأول، أي الأقل والأخف، أو هو الآخر منهما، أي الأثقل والأكثر والمرجَّح، أي المختار، عند القاضي عبد الوهاب، كما في التنقيح، أن الأمر المعلَّق على اسم يقتضي الاقتصار على أوله، والزائد على ذلك إما مندوب أو ساقط أي غير معتبر. نشر البنود علي مراقي السعود ١/ ١٨٤.
(٢) متفق عليه: البخاري في كتاب المواقيت باب إثم من فاتته صلاة العصر ١/ ١٤٥ ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب التغليظ في تفويت صلاة العصر ١/ ٤٣٥ - والموطأ ١/ ١١، كلهم عن ابن عمر.
(٣) البخاري في المواقيت باب من ترك العصر ١/ ١٤٥.
(٤) قال الذهبي: مؤخر الصلاة عن وقتها صاحب كبيرة وتاركها، أعني الصلاة الواحدة، كمن زنى وسرق لأن ترك كل صلاة أو تفويتها كبيرة، فإن فعل ذلك مرات كان من أهل الكبائر إلا أن يتوب. فإن لازم ترك الصلاة فهو من الأخسرين الأشقياء المجرمين. كتاب الكبائر وتبيين المحارم ص ٥١. وقال الحافظ: تمسك بظاهر الحديث الحنابلة ومن قال بقولهم من أن تارك الصلاة يكفر. فتح الباري ٢/ ٣٢.
[ ٩٥ ]
يرجع معناه في صلاة العصر إلى الفوت المعقب لغروب الشمس لاختلاف العلماء في أن ما قبل غروب الشمس وقت اختياري للعصر أم لا. وإنما يتوجه الإشكال على من ينكر حبط الكبائر للأعمال. والذي يكشف الغطاء فيه ما مهَّدناه، في كتب الأصول، عند ذكر الآيات والأحاديت المتشابهة والجمع بينها وبين المحكمة وهتك الخفاء عن أن الأعمال لا يحبطها إلا الشرك وأن المعاصي والطاعات متعارضة حتى يحكم الله فيها للعبد بالخاتمة فإن مات على الإيمان فلابد من مغفرتها على أربعة (١):
أحدها: الخروج من النار، عافانا الله تعالى من ذلك، فاطلبوه هنالك بيد أنّا نذكر لكم ههنا دستورًا مختصرًا يستشرف به المبتدى ويشرف به على الغاية المنتهى وذلك أن اللفظ العام (٢) إذا ورد فلا يخلو إما أن يتعلق بالزمان أو بالأعيان أو بالأمكنة كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣) فهذه الآية ركن العموم. فإن فيها ذكر الأزمنة كلها كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وفيها ذكر الكفار بأجمعهم كقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. وفيها ذكر الأمكنة كقول: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وفيها تعيين (٤) الغاية لقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ فمثل هذه الآية هي التي يتعب في تخصيص عموماتها.
وأما قوله: "وَتِرَ أَهْلَهُ أَوْحَبِطَ عَمَلُهُ" فليس من ألفاظ العموم وإنما هو خبر عن حال أو صفة؛ فالذي يدَّعي عموم الصفة والحال هو الذي يلزمه الدليل. فإن قيل لقد عرفنا هذا الأصل حق معرفته فهل من مزيد بيان في تفصيل تأويله؟
قلنا: نعم. فيه وجهان: أما أحدهما فمعناه يوقف عمله عنه مدة يكون فيها بمنزلة المحبط حتى يأتيه من
_________________
(١) في ل زيادة أوجه.
(٢) قال في مراقي السعود: ويلزم العموم في الزمان والحل للأفراد والمكان. قال شارحه: يعني أَن عموم العام لجميع أفراده يدل بالالتزام على المطابقة على عموم الأزمان والأحوال والأمكنة؛ إذ لا غنى للأفراد عنها، وهذا مذهب السبكي ووالده والسمعاني، ويدل عليه كلام المحصول كقوله تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾، الآية. أي كل زان على أي حال من طول وقصر بياض وسواد وغير ذلك، وفي أي زمان كان، وفي أي مكان كان، وخص منه المحصَّن فيرجم وقوله ﴿أقْتُلُوا المُشُرِكِينَ﴾ أي كل مشرك على أي حال كان، وفي أي زمان ومكان، وخص منه البعض كأهل الذمة، أ. هـ. نشر البنود على مراقي السعود ١/ ٢١٢، وانظر شرح التنقيح ص ٢٠٠.
(٣) سورة التوبة آية ٥.
(٤) في م تمهيد.
[ ٩٦ ]
فضل الله ﷿ ما يدرك به ثواب عمله، وإلى هذا التوقيف وقعت الإشارة بحديث يروى (أَوَّلُ مَا ينظُرَ الله فِيهِ مِنْ عَمَلِ العَبْدِ يَوْمَ القِيَامَة الصَّلاَة (١)، فَإنْ جَاءَ بِهَا نَظَرَ في سَائِرِ عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا لَمْ يَنْظُرْ في شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ). فكما أنه في قسم المنهيات أيضًا أول ما يحكم فيه منها الدماء (٢)، فإن خلص منها نظر في سائر معاصيه وان لم يخلص منها فهذه تكفيه فيتوقف النظر في بقية المعاصي مدة ها هنا كما يتوقف النظر في بقية الطاعات مدة هناك.
الجواب الثاني: أن معنى حبط عمله عند الموازنة فإنه إذا وضعت الحسنات
_________________
(١) أبو داود من طريق أنس بن حكيم الضبي قال: خاف زياد، أو ابن زياد، فأتى المدينة فلقي أبا هُرَيْرَة قال فنسبني فانتسبت له، فقال: يا فتى ألا أحدثك حديثًا. قال قلت بلى، رحمك الله، قال يونس وأحسبه ذكر عن النبي - ﷺ - قال: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمِ الصَّلاَةُ .. ". أبو داود ١/ ٥٤٠، وابن ماجه ١/ ٤٥٨، والحاكم وقال صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه، وكذا قال الذهبي. ورواه أبو داود الطّيالِسي. حدثنا أبو الأشْهَب عن الحسن قال: قدم رجل المدينة فلقي أبا هُرَيْرَة فقال له أبو هريرة: كأنك لست من أهل البلد. قال. أجل. قال: أفلا أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ - قال أبو داود: وسمعت شيخنا في المسجد الحرام يحدِّث بهذا الحديث فقال الحسن، وهو في مجلس أبي هريرة لما حدث هذا الحديث: والله لهذا لأبن آدم خير من الدنيا وما فيها. مسند الطّيالسي ص ٣٢٣ وقال التِّرمذي روى عن أنس بن حَكِيم عن أبي هُرَيْرَة عن النبي - ﷺ -، نحو هذا سنن الترمذي ٢/ ٢٧٢ وقال الحافظ: أنس بن حَكِيم الضبّي البصريِ روى عن أبي هريرة وعنه الحسن وابن جَدْعَان ذكره ابن المديني في المجهولين من مشايخ الحسن، والحديث الذي روياه له في الصلاة مضطرب. اختلف فيه على الحسن فقيل عنه هكذا، وقيل عنه عن حريث بن قبيصة، وقيل عن صعصعة عن الأحْنَف، وقيل عنه عن رجل من بني سليط وقيل عنه غير ذلك. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان مجهول ت ت ١/ ٣٧٤. وانظر الكاشف ١/ ١٤٠. وعلق الشيخ أحمد شاكر على رواية الترمِذي بقوله هذا حديث مرفوع وإن شك يونس في رفعه لأن مثله لا يقال بالرأي، ولأنه ورد مرفوعًا بالإسناد الذي عند الترمذي. وقال الحاكم، بعد روايته: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه، ووافقه الذهبي ورواه أبو داود عقبه بإسناده من طريق حميد عن الحسن عن رجل من بني سليط عن أبي هريرة/ أبو داود ١/ ٥٤١/، فلعل الحسن سمعه من ناس متعددين حريث بن قبيصة وأنس بن حكيم ورجل من بني سليط، أو يكون الرجل المبهم أحدهما وليس هذا اضطرابًا فيه يوجب ضعفه بل نهي طرق يؤيد بعضها بعضًا. سنن الترمذي ٢/ ٢٧٢. وانظر كلامه، بأوسع من هذا، في تعليِقه على المسند حديث رقم (٧٨٨٩). درجة الحديث: صححه الحاكم والذهبي وأحمد شاكر والشيخ ناصر في صحيح الجامع الصغير ٢/ ٣٥٢.
(٢) متفق عليه البخاري في الديات ٩/ ٣، ومسلم في القسامة باب المجازاة في الدماء٣/ ١٣٠٤، كلاهما عن أبي وَائِل عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أولُ مَا يُقْضَى بَيْنَ الناسِ يَومَ القِيَامَةِ في الدِّمَاءِ".
[ ٩٧ ]
والسيئات في كفتيهما فرجحت كفة السيئات- نعوذ بالله تعالى- فقد بطلت حينئذ وصار صاحبها في قسم العقاب، وبقي أمر الله، ﷿، فإذا جاء بالفضل بعد الاقتصاص من الزائد أو إسقاطه أدرك ثواب عمله (١)، وهذا هو تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٢) فافهموا ذلك.
_________________
(١) لقد زاد الشارح هذه المسألة وضوحًا في العارضة فقال: الحبط على قسمين: حبط موازنة وحبط إسقاط. فأما الكفر فيحبط إسقاطًا حتى لا يبقى للحسنات. وأما المعاصي فتحبط حبط الموازنة، وحبط ذلك عندي جعل الحسنات في كفَّتي الميزان فترجح السيئات فيذهب مثلًا إلى النار فيسقط حكم الحسنات الآن، فإذا أُخرج من النار أو غُفر له أخذ جزاء حسناته. العارضة ١/ ٢٨٧. وزاد الحافظ عنه وهذا بخلاف قول الإحباطية الذين سَوَّوْا بين الإحباطين وحكموا على العاصي بحكم الكافر وهم معظم القدرية. فتح الباري ١/ ١١٠.
(٢) سورة البقرة آية ٢٦٤.
[ ٩٨ ]