ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْكَرَّاثًا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا".
وورد الحديث في الصحيح من طريق ابن عمر (٢) وجابر (٣) وأنس (٤) وأبي سعيد (٥) ووقع طرف منه في حديث سلمة بن الأكوع وهو قوله (أصابتنا مخمصة بخيبر) (٦) لأن النبي - ﷺ -، قد كان نهى عن أكل الثوم والبصل فأصابتهم مجاعة بخيبر فوقعوا في زراعة بصل فأكلوها من الجوع، فقال النبي - ﷺ -: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْ مَسَاجِدَنَا" (٧) فقال الناس حرمت حرمت، فبلغ ذلك النبيِّ، - ﷺ -، فقام - ﷺ -، فخطب الناس فقال: "يَا أيُّهَا النَّاسُ لَيْسَ لِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ الله وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا" (٨).
وذكر النبيُّ، - ﷺ -، في ذلك ثلاثَ علل قوله "يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ"، وقوله: "فَإِنَّ
_________________
(١) هذه الترجمة وضعها مالك في الموطأ ١/ ١٧، ووضع تحتها مرسل سعيد بن المسيّب أن رسول الله، - ﷺ -، قال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هذهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَب مَسَاجِدَنَا يُؤْذِينَا بِريحِ الثُّومِ" .. وقد وصله مسلم في كتاب المساجد باب نهى من أكل ثومًا أو بصلًا أو كرّاثًا ونحوها، عن ابن المسيب عن أبي هريرة ١/ ٣٩٤، وابن ماجه من نفس الطريق ١/ ٣٢٤.
(٢) مسلم في كتاب المساجد في الباب السابق ١/ ٣٩٤.
(٣) مسلم في كتاب المساجد في الباب السابق ١/ ٣٩٤ - ٣٩٥ بعدة روايات.
(٤) مسلم في كتاب المساجد في الباب السابق ١/ ٣٩٤، والبخاري في الأطعمة باب ما يكره من الثوم والبقول ٧/ ١٠٥.
(٥) مسلم في كتاب المساجد في الباب السابق ١/ ٣٩٥.
(٦) متفق عليه البخاري في عدة مواضع منها في كتاب الأدب باب ما يجوز من الشعر والرجز:٨/ ٤٣، ومسلم في الجهاد والسير باب غزوة خيبر ٣/ ١٤٢٧ قال خرجنا مع رسول الله، - ﷺ -، إلى خيبر فتسيّرنا ليلًا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنياتك، وكان عامر رجلًا شاعرًا فنزل يحدو بالقوم .. فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة ..
(٧) في م مسجدنا وهي رواية أبي هريرة السابقة، وورد في حديث جابر مسجدنا قال الشارح في المسالك ل٢١ روى يحيى وجماعة مساجدنا وروت طائفة مسجدنا، والمعنى واحد ومساجدنا أعم وإن كان الواحد من الجنس في معنى الجماعة.
(٨) هذا جزء من حديث أبي سعيد السابق.
[ ١١٢ ]
الملَائِكَةَ تَتَأذَّى بمَا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ"، وذلك يدل على أنهم مركبون من ريش وجسم لا كما تقوله الفلاسفة أنهم بسائط وتقول (١) إنهم يكبرون حتى يملأ أحدهم الأفق، ويصغرون حتى يصير أحدهم كالريضيع، ولذنك قال النبيُّ، - ﷺ -، لصاحبه: "كُلْ مِنَ القِدْرِ الَّذِي فِيهَا الخضْرَوَاتِ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي" (٢)، إشارة إلى أن الملك يأتيه من غير وعد فربما وجده على تلك الحال.
وفي الآثار المرسلة "أَنَّ الرَّجُلَ يِكْذُبُ الكِذْبَةَ فَتُبَاعِدُ عَنْهُ المَلَكَ منْ نَتْنِ رِيحِهِ" (٣)، وذلك كثير في الشريعة. والعلة الثالثة قوله: فَلَا يَقْرُبْ مَسَاجِدَنَا وَمَسْجِدَنا، فذكر الصفة في الحكم وهي المسجدية، وذكر الصفة في الحكم تعليل لأن الأسماء التي علّقت عليها الأحكام على قسمين: أحدهما مشتق والآخر جامد. فإذا علق الحكم على اسم مشتق أفاد الحكم والعله كقوله أكرم العالم ومعناه لعلمه.
وإذا كان الاسم جامدًا لم يفد إلَّا ما قيَّدته الإِشارة وهو بيان المحل كقوله أكرم زيدًا. وعلى القسم الأول جاء قوله سهى فسجد وزنا فرجم وقتل فقتل (٤) وهذا يدل على مسألة حسنة من أصول الفقه وهي تعلُّق الحكم الشرعي بعلل كثيرة كامتناع من وطئ الحائض المحرمة الصائمة بخلاف العلل العقلية فإن الحكم لا يتعلق منها إلا بواحدة.
_________________
(١) ليست في بقية النسخ.
(٢) مسلم في كتاب المساجد باب نهى من أكل ثومًا أو بصلًا أو كرّاثًا أو نحوها ١/ ٣٩٥ من حديث جابر بن عبد الله.
(٣) رواه التَّرْمذي بلفظ: إذاَ كذبَ العَبْدُ تَبَاعَدَ عنهُ المَلَكُ مِيلًا مِنْ نَتَنِ مَا جَاء بِهِ. قال التِّرمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه تفرد به بن عبد الرحيم بن هارون، سنن التِّرمذي ٤/ ٣٤٨. وعزاه الزُبَيْدي في شرح إحياء علوم الدين لابن أبي الدنيا في الصمت. إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٧/ ٥١٥، وأبو نعيم في الحلية وقال: غريب من حديث عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر تفرد به عبد الرحيم بن هارون الغساني. الحلية ٨/ ١٩٧. وعبد الرحيم هذا قال فيه الحافظ عبد الرحيم بن هارون الغساني أبو هشام الواسطي نزيل بغداد ضعيف، كذبه الدارقطني من التاسعة مات بعد ٢٠٠ هـ ت ١/ ٥٠٥ وقال في ت ت قال أبو حاتم مجهولًا لا أعرفه وروى له ابن عدي أحاديث منها عن ابن أبي روّاد عن نافع عن ابن عمر الحديث وساق فيه كلام الدارقطني ت ت ٦/ ٣٠٨، الكاشف ٢/ ١٩٤، والكامل ٥/ ١٩٢١ - ١٩٢٢. درجة الحديث: ضعيف.
(٤) انظر في هذا المبحث روضه الناظر لابن قدامة ١٥٧، شرح التنقيح ص ٣٩٠، إرشاد الفحول ص ٢١١.
[ ١١٣ ]