قال الأستاذ أبو المظفر (٣) الإِسفرائيني: قال الله تعانى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (٤) فأخبر تعالى أنه يتوفاها في الوضعين، وقال ﷿: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (٥).
وقال تعالى في موضع ثالث: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ والثلاثة الأحوال المعدَّدة حالة واحدة في الحقيقة، ووجه الجمع بينها أن الله تعالى هو الفاعل الأول الكلي، جعل إلى ملك الموت جزءًا من أفعاله وهو قبض الأرواح قرن به جنودًا من ملائكته وأوعز إليهم أن يتصرفوا بأمره. فإذا أمر الله ﷿ الملك فبادر إلى أمره أعوانه وتولو حينئذ أمر ربهم، فإذا نسبته إلى الأول الحقيقي قلت إن الله قبض أرواحنا وإذا نسبته إلى الواسطة المقدم لذلك قلت: يتوفّاهم ملك الموت، وإذا نسبته إلى المباشرين
_________________
(١) هذا قول النظام، فقال الروح جسم وهي النفس (مقالات الإِسلامين) ١/ ٢٧.
(٢) وقال جعفر بن حرب: النفس عرض من الأعراض يوجد في هذا الجسم، وهو أحد الآلات التي يستعين بها الإِنسان (مقالات الإِسلاميين) ١/ ٢٩. قلت: وما قاله الشارح هنا فيه نظر فإن الروح جسم ولكنه جسم نوراني. يقول ابن القيم، ﵀، عن الروح إنه جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكًا لهذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإِرادية: الروح ص ٢٨٥.
(٣) هو طاهر بن محمَّد الإِسْفَرَايِيني الشافعي الشهير بشاهفور أبو المظفر، مفسر متكلِّم من تصانيفه تاج التراجم في تفسير القرآن للأعاجم، التبصير في الدين، وتمييز الفرقة الناجية من الفرق الهالكين. مات سنة ٤٧١ هـ. معجم المؤلفين ٥/ ٣٨. طبقات الشافعية ٧/ ١١٤.
(٤) سورة الزمر آية ٤٢.
(٥) سورة السجدة آية ١١.
(٦) سورة الأنفال آية ٥٠.
[ ١٠٥ ]
الفعل قلت: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ وانتظمت بذلك الآيات الثلاث المختلفات في الظاهر في سلك الانتظام الواحد (١).
_________________
(١) يقول المرحوم الشيخ محمَّد الأمين عن هذه الآية ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ الآية. أسند، في هذه الآية الكريمة، التوفي إلى ملك واحد وأسنده في آيات أخر إلى جماعة الملائكة كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وقوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾، الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ الآية. وأسنده في آية أخرى إلى نفسه، جلَّ وعلا، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية. والجواب عن هذا ظاهر وهو إسناده التوفي إلى نفسه؛ لأن ملك الموت لا يقدر أن يقبض روح أحد إلا بإذنه ومشيئته تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. وأسنده لملك الموت لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وأسنده للملائكة لأن ملك الموت له أعوان من الملائكة تحت رياسته يفعلون بأمره وينزعون الروح إلى الحلقوم فياخذها ملك الموت، والعلم عند الله. دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ص ٢٣٦.
[ ١٠٦ ]