لما رأى مالك، رحمه الله تعالى، أن حديث جبريل في تقدير الأوقات بالظل لم يصِحّ أدخل حديث أبي مسعود المحتمل في قوله: فصلى فصَلَّى رَسُولُ الله - ﷺ -" ثم أدخل حديث أبي هريرة في الظل المفسّر.
قال: (أَنَا لَعَمْرُ الله أُخْبِركَ صَلِّ الْظُّهْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَكَ (٢) والعَصْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَيْكَ)، وغاص (٣) ذلك الحبر، وهو البخاري (٤)، على هذه النكتة فقبلها فصار يترجم بما
_________________
(١) قال الباجي: وقوله أنْ صلِّ الظهر إذا زاغت الشَّمس ظاهره مخالف لظاهر كتابه إلى عماله في قوله أن صلوا الظهر إذا فاء الفيء ذراعًا. ويحتمل أن يكون كتب إلى أبي موسى الأَشْعَري، في ذلك، في خاصة نفسه في غير وقت أمارته لأن صلاة الفذ في أول الوقت أفضل، ويحتمل أن يريد بذلك الجمعة، المنتقى ١/ ١٦.
(٢) الموطّأ ١/ ٨ عن يزيد بن زياد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، زوج النبي ﷺ، أنه سأل أبا هريرة عن وقت الصلاة فقال أبو هريرة قال ابن عبد البر: هذا الحديث موقوف عند جماعة رواته والمواقيت لا تدرك بالرأي وإنما تؤحذ بالتوقيت. وقد روي عن أبي هريرة حديث المواقيت من طرق مرفوعًا بأتمِّ من حديث يزيد ابن زياد. التقصي ص ٢٠٩، ورواه النسَّائي من طريق محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. النسّائي ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠. أقول: رواية النسائي فيها محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني صدوق له أوهام من السادسة. مات سنة ١٤٥ على الصحيح/ ع ت ٢/ ١٩٦. وانظر ت ت/ ٣٧٥، الكاشف ٣/ ٨٤. وقال ابن عدي: ولمحمد بن عمرو حديث صالح وقد حدَّث عنه جماعة من الثقات كل واحد منهم ينفرد عنه بنسخه ويغرب بعضهم على بعض، وروى عنه مالك غير حديث في الموطّأ وغيره وأرجو أن لا بأس به. الكامل ٦/ ٢٢٢٩. وقال الذهبي: حسن الحديث، نقله عنه الدكتور نور الدين عتر في تعليقه على الكاشف ٣/ ٨٣. درجة الحديث: صححه السّيوطي في تنوير الحوالك ١/ ٣٥ فقال أخرجه النّسائي بسند صحيح، وكذا قال الزرقاني في شرحه ١/ ٢٣. وقال الحافظ رواه النّسائي لإسناد حسن. وقال وصحَّحه ابن السكن والحاكم، وقال الترمذي في العلل حسن والراجح لدي أنه حسن والله أعلم لما تقدم عن محمَّد بن عمرو.
(٣) غاص على الأمر علمه. مختار القاموس ٤٦٣ وانظر ترتيب القاموس ٣/ ٤٢٨.
(٤) قلت: مراد الشارح أنه ضعَّفه فقد روى الترمذي عن هَنَّاد عن محمَّد بن فضَيْل عن الأعْمَش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال. قال رسول الله ﷺ: "إنَّ لِلْصَّلاَةِ أَوَّلًا وَآخِرًا .. إنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ وإِنّ آخِرَ وقتِها حِينَ يغيْبُ الأُفُقُ .. " قال: وسمعت محمدًا يقول حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث محمَّد بن فضيل عن الأعمش، وحديث محمَّد بن فضيل خطأ أخطأ فيه محمَّد بن فضيل. وقال: حدثنا هَنّاد حدثنا أبو أسامة عن أبي إسحاق الفَزَاري عن الأعمش عن مُجَاهِد قال: كان يقال إِن =
[ ٨٣ ]
لم يصح عنده ويعقبه بتفسير الصحيح.
وأما حديث أنَس في خروجهم بعد انقضاء الصلاة إلى بني عمرو بن عوف وقباء فيجدونهم يصلون العصر (١)، فإنما قصد به بيان تفاوت الناس في تقديم الصلاة وتأخيرها حسب أَعمالهم وأَشغالهم لتوسعة الباري، ﵎، عليهم.
وقد اخْتُلِف في الشغل والصلاة إذا تعارضا مع الوقت، فقال أحبارهم (٢) من فقه الرجل أن يبدأ بشغله قبل صلاته حتى يقيمها بقلب فارغ لها وإلى هذا وقعت الإشارة
_________________
(١) = للصلاة أولًا وآخرًا فذكر نحو حديث محمَّد بن فضيل عن الأعمش نحوه بمعناه. سنن التِّرمذي ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤. ورواية محمَّد بن فضيل رواها أحمد عنه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة المسند رقم ٧١٧٢، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦، وبن حزم في المحلَّى ٣/ ١٦٨. قال الشيخ أحمد شاكر، معقبًا علي كلام التِّرمذي: أراد التِّرمذي برواية أثر مُجاهد أن يذكر إسناده ليدلَّ على الرواية التي رآها البُخاري صوابًا، وهي أنَّ هذا الحديث موقوف من كلام مُجاهد، وكذلك فعل البيهقي، ونقل ابن أبي حاتم في العلل ١/ ١٥١ عن أبيه أنه قال: هذا خطأ وهم فيه ابن فضيل يرويه عن أصحاب الأعمش عن الأعمش عن مجاهد. وهذا التعليل منهم خطأ لأن محمَّد بن فُضَيل ثقة حافظ. قال ابن المديني: كان ثقة ثبتًا في الحديث ولم يطعن فيه أحمد إلا برميه بالتشيع وليست هذه التهمة مما يؤثر في حفظه، وقد رد ابن حزم هذا التعليل وقال ما يضر إسناد من أسند إيقاف من أوقف، ثم قال: والذي اختاره أن الرواية المرسلة أو الموقوفة تؤيد الرواية المتصلة المرفوعة ولا تكون تعليلًا لها. تعليق أحمد شاكر على الترمذي ١/ ٢٨٥ وانظر المسند رقم ٧١٧٢ جـ ١٢/ ١٦١.
(٢) الموطّأ ١/ ٨ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أَنَس بن مَالِك أنه قال: كنا نصلّي العصر ثم يخرج الإِنسان على بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر. وأخرجه البُخاري في كتاب مواقيت الصلاة باب وقت العصر ١/ ١٤٤ ومسلم في كتاب المساجد باب استحباب التبكير بالعصر ١/ ٤٣٤. قال ابن عبد البر هذا يدخل في المسند وهو الأغلب من أمره، وكذلك رواه جماعة الرواة للموطّأ عن مالك، ورواه عبد الله بن المبارك عن مالك عن إسحاق عن أنَس فذكره مسندًا التمهيد ١/ ٢٩٥، وانظر سنن النّسائي ١/ ٢٥٢. وقال الحافظ: إخراج المصنف (أي البخاري) لهذا الحديث مشعر بأنه كان يرى أن قول الصحابي كنا نفعل كذا مسند ولو لم يصرح بإضافته إلى زمن النبي، - ﷺ -، وهو اختيار الحاكم. وقال الدّارْقُطْني والخطيب وغيرهما: هو موقوف، والحق أنه موقوف لفظًا مرفوع حكمًا لأن الصحابي أورده في مقام الاحتجاج فيحمل على أنه أراد كونه في زمن النبي، - ﷺ -. فتح الباري ٢/ ٢٧ - ٢٨.
(٣) قلت يقصد بذلك أبا الدرداء؛ فقد روى البخاري، في كتاب الأذان باب، إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة معلقًا. قال وقال أبو الدرداء (من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ) البخاري ١/ ١٧١، وشرح السنة ٣/ ٣٥٦. قال الحافظ وصله ابن المبارك في كتاب الزهد وأخرجه محمَّد بن نصر في كتاب تعظيم قدر الصلاة من طريقه فتح الباري ٢/ ١٥٩.
[ ٨٤ ]
بقوله، - ﷺ -، في الحديث الصحيح: "إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ (١) والصَّلاَة" زاد الدارقطني وَأَحَدُكُمْ صائِمُ، فَلْيَبْدَأْ بِالْعَشَاءِ (٢).
وههنا اختلف العلماء، قديمًا وحديثًا، إذا ترك الصلاة في أول الوقت بعد علمه بها هل يتركها إِلى بدلٍ أو يتركها مطلقًا.
فمن العلماء من قال إنه يتركها مطلقًا وليس بشيء لأن في ذلك تسوية بينها وبين النفل، ومنهم من قال يتركها إلى بدل وهو العزم على الفعل. فإن قبل لو كان العزم على الفعل بدلًا لأسقطها إذا فعل كسائِرِ الأبدال إذا فُعِلت سقطت مبدلاتها.
والجواب أن سائر المبدلات إنما سقطت بأبدالها لأنها جَعِلت بدلًا عن أصل الفعل، وفي مسألتنا جعل العزم بدلًا عن تأخير الفعل، وقد أدخل الدارقطني هذا الحديث في أوهام مالك لمخالفة الجماعة له فيه وانفراده به دونهم (٣) والله أعلم.
_________________
(١) متفق عليه البخاري في كتاب الآذان باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة ١/ ١٧١، ومسلم في المساجد باب كراهية الصلاة بحضرة الطعام ١/ ٣٩٢، كلاهما عن أنس عن النبي، - ﷺ -، قال: "إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الْصَّلاَةُ فَآبْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ".
(٢) لم أطلع عليه في مظانه من سنن الدارقطني، ولم أجد من عزاه له غير الشارح وعزاه الهَيْثَمِي للطبرَاني في الأوسط وقال رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد ٢/ ٤٦ - ٤٧. وصحح أيضًا هذه الرواية الحافظ فقال، في رواية صحيحه: (إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ) .. وقال أيضًا: زاد ابن حبان والطبراني في الأوسط من رواية موسى بن أَعْيُن عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب، وذكر الطبراني أن موسى بن أعين تفرّد بها، وموسى بن أعين ثقة متفق عليه. فتح الباري ٢/ ١٦٠.
(٣) قال الدارقطني في غرائب حديث مالك: روى مالك، في الموطأ عن الزهري عن أنس: كنا نصلّي العصر ثم يذهب الذاهب إلي قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة موقوفًا، وقد أسنده عنه ابن المبارك وغيره في غير الموطأ. وخالف مالك أصحاب الزهري في قوله إلي قباء فرفعوه كلهم إلي النبي، - ﷺ -، وقالوا فيه: فيذهب الذاهب إلي العوالي، ولم يقل أحد منهم إلي قباء. غرائب حديث مالك ل ٣ ب و٤، وكذا قال مثل الكلام السابق في الالزامات. ص ٤٠٣. ونقل الحافظ عن ابن عبد البَرّ قوله: لم يختلف على مالك أنه قال في هذا الحديث إلي قباء، ولم يتابعه أحد من أصحاب الزهري، بل كلهم يقولون إلي العوالي وهو الصواب عند أهل الحديث وقول مالك إلى قباء وهم لا شك فيه. وقد عقّب الحافظ على كلام ابن عبد البر بقوله وتعقب بأنه روي عن ابن أبي ذؤيب عن الزُّهري إلى قباء، كما قال مالك. نقله البَاجي عن الدارقطني فنسبه الوهم فيه إلي مالك منتقدًا. فإنه وإن كان وهمًا احتمل أن يكون منه أو يكون من الزهري حين حدّث به مالكًا، وقد رواه خالد بن مُخلد عن مالك فقال فيه إلي العوالي،=
[ ٨٥ ]