خلق الله العبد حيًّا داركًا مفكرًا قادرًا في أحسن تقويم، ثم رده أسفل السافلين، ثم سلَّط عليه السهو والغفلة ليتبين قصور هذه الفضائِل التي فيه حتى لا يقول أنا وأنا، وسلّط عليه النوم وهي آفة تدرك الحواس وركود يقوم بالجوارح لا يلحق القلب ولا الروح ولا النّفس منها شيء، ولذلك قال علماؤنا، ﵃، إن الرؤيا إدراك حقيقة وعلم صحيح، والمرء في يقظته ومنامه لا ينفكّ عن حاله التي هو عليها، إن كان في اليقظة في تخليط وتلاعب مع البطالين انتقل إلى مثل ذلك في المنام، وإن كان في يقظته في العلم والتحقيق انتقل إلى مثل ذلك في المنام. فلقفه ملك الرؤيا إلى نفسه وألقى عليه مثل ما كان فيه من التحقيق. لكن الرؤيا أكثر حقا لأنها أقرب إلى الله، ﷿، ولأنها تأتي بواسطة الملك وليس عنده إلّا الحق فلذلك كانت جزءًا من النبوة (١)؛ لأن الملك يلقيها إلى كل عبد ولأجل ذلك كانت بشرى لأنها خبر من الملك عن الله، ﷿، ونظيرها في اليقظة الفأل (٢)؛ فقد كان النبي - ﷺ -، يصغي إليه ويعوِّل عليه. ولكن الفأل أدنى منزلة إذ يكون من طفل وامرأة ومؤمن وكافر في دار الشّعوب (٣)، وهي اليقظة، والرؤيا تكون من الملك محصلة في حالة الخلوص. لكن لغلبة الشهوات بالآدميين، واستيلاء الغفلات علي العباد، والإقبال على شهوة البطن والفرج. قد يقع العبد من النوم في غمرة فلا يرى شيئًا حقيقة ولا خيالًا يكون نسبة تلك الغفلة في المنام نسبة السكر والوَلَه في اليقظة، وهذه الصبابة تكفي من بحر الرؤيا إذا ثبت هذا فالنبي - ﷺ -، في حكم الآدمية وجبلة البشر مطهر عن ذلك كله وعن أسبابه في ابتدائه وفي مآله، وكيفما اختلف حاله من نوم أو يقظة في حق وفي تحقيق ومع الملائكة في كل طريق، إن نسى فتأكد من المنسي اشتغل وإن نام فقلبه
_________________
(١) متفق عليه: البخاري في التعير باب رؤيا الصالحين ٩/ ٣٨، ومسلم في الرؤيا ٤/ ١٧٧٤، والموطَّأ ٢/ ٩٥٦ كلهم عن أَنَس بن مالك أن رسول الله، - ﷺ -، قال: "الرؤْيا الحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جِزْءٌ مِنْ سِتَّةِ وَأَرْبَعِينَ جِزْءًا مِنَ النبوَّةِ" لفظ البخاري وساقه مسلم عن أنس عن عبادة بن الصَّامت.
(٢) ورد عند الشيخين من حديث أنس، ﵁، عن النبيّ، - ﷺ -: (لا عَدْوَى وَلَا طيرَةً وُيعْجِبُنِي الفأْلُ الصَّالِحُ وَالكَلِمَةُ الحَسَنَةُ) البخاري في الطب باب الفأل ٧/ ١٧٥، ومسلم في كتاب السلام باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم ٤/ ١٧٤٦.
(٣) الشغب والتشغيب تهييج الشر وتشغبهم وتشغب عليهم كمنع وفرح وهيَّج الشر عليهم وهو شغاب ومشاغب وشاغبه سار. مختار القاموس ٣٣٣. وانظر ترتيب القاموس ٢/ ٧٣٥.
[ ١٠٠ ]
ونفسه على الله، ﷿، أقبل، وهذا القدر الذي ألقينا إليكم قد علمته الصحابة، رضوان الله عليهم، فإنها قالت في الصحيح: وكان رسول الله - ﷺ -، إذا نام لا نوقظه حتى يستيقظ لأنّا لا ندري ما هو (١) فيه فنومه - ﷺ -، عن الصلاة، أو نسيانه لشيء منها لم يكن عن آفة وإنما كان بالتصرف من حالة إلى حالة مثلها ليكون لها سنة. قال - ﷺ -: "إِنَّمَا أَنَا بَشَر مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسَيْتُ فَذَكِّرُوني" (٢)، فبيّن الاشتراك في البشرية والنسيان وظهر الفرق في سبب ذلك بينه وبين كل إنسان.
فقه: أخَّرَ النبيّ - ﷺ -، الصلاة عند الهبوب من النوم حتى اقتادوا لأحد خمسة أوجه أو لمجموعها:
أحدهما: انتظار الأمر من الله ﷿، كيف يكون العمل في ذلك.
الثاني: لتحرُّزٍ من العدوِّ واستشراف له.
الثالث. كراهية للبقعة التي وقعت فيها الآفة.
الرابع: ليعم الاستيقاظ والنشاط إذا رحلوا جميعهم.
الخامس: قال أصحاب أبي حنيفة: حتى يزول وقت النهي (٣) عن الصلاة وفي
_________________
(١) رواه مسلم من رواية عُمران بن حصين. قال النووي قال العلماء: كانوا يمتنعون من إيقاظه، - ﷺ -، لِمَا كانوا يتوقعون من الإِيحاء إليه في المنام، شرح النووي على مسلم ٥/ ١٩٠.
(٢) مسلم في كتاب المساجد باب السهو في الصلاة والسجود له ١/ ٤٠٠، وأبو داود ١/ ٦٢٠، والنّسائي ٣/ ٢٨ كلهم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.
(٣) قال الباجي: ذهب أبو حنيفة إلى أن تأخير رسول الله، - ﷺ -، الصلاة وأمره بالاقتياد إنما كان لأنه انتبه حين طلوع الشمس ولا يجوز قضاء الفوائت عنده فأمرهم بالاقتياد إلى أن ترتفع الشمس عن الأفق ويتم طلوعها، فتجوز الصلاة، وهذا الذي ذهب إليه ليس بصحيح لا يحتمله لفظ الحديث لأنّ وقت طلوع الشمس وكونها في الأفق لا يكون لها ضوء يضرب. شيئًا مما على الأرض وإنما تضرب الناس الشمس ويرتفع ضوؤها عليهم بعد ارتفاعها من الأفق يومئذ هذا التأويل قوله في حديث عمران بن حصين: فما أيقظنا إلا حرّ الشمس، ولا يكون ذلك إلا بعد تمكّن ارتفاعها إلى أن قال: ومما يبين فساد ما ذهب إليه قوله - ﷺ - إن هذا وادٍ به شيطان، فجعل ذلك علَّة خروجهم عن الوادي واقتيادهم رواحلهم شيئًا، ولو كان طلوع الشمس مانعًا من الصلاة وموجبًا للاقتياد لعلل به، ولقال اقتالوا فإن الشمس طالعة، وأيضًا فإن أبا حنيفة لا يقول بمقتضى هذاالحديث لأنه يجوز عليه أن يصلّي في هذا الوقت صبح يومه، وإنما منع أن يُصلّى فيه غيرها من الفوائت والذي امتنع النبي، - ﷺ -، من أدائها في الوادي هي صبح ذلك اليوم فلا يتناول الحديث الخلاف معه. المنتقى ١/ ٢٨، وانظر الزرقاني ١/ ٣٦، والفتح ٢/ ٦٧ - ٦٨.
[ ١٠١ ]
الحديث "حَتَّى إذًا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَضَّتْ نَادى رَسُول الله - ﷺ -، بِالْصَّلاَةِ" (١) وفي تتبع هذه الأوجه كلام طويل لا يليق بهذا القبس.
تفريع: لم يختلف أحد من رواة الأحاديث في نوم النبي - ﷺ -، في الصحيح أنه، - ﷺ -، لما استيقظ (٢) أذَّن بالصلاة وأقام لها وفي ذلك خلاف من العلماء (٣)، وخلاف مذهبي أيضًا، وفي بعض الطرق أذَّن وأقام أو أذَّن (٤) أو أقام.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) وفي رواية أبي قتادة. يا بِلَالَ، قُمْ فأَذَّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلاةِ، فتوضأ فلما ارتفعت الشمس وابيضّت قام فصلى. البخاري في المواقيت باب الأذان بعد ذهاب الوِقت ١/ ١٥٤. وفي رواية أبي داود، في هذا الحديث: وأذَّن بلال فصلوا ركعتي الفجر ثم صلّو الفجر وركبوا. سنن أبي داود ١/ ٣٠٥.
(٣) قال الشافعي، في القديم، وأحمد وأبو ثور وابن المنذر: يؤذن للفائتة. وقال الأوزاعي ومالك والشافعي، في الجديد: لا يؤذن لها. قال الحافظ والمختار عند كثير من أصحابه (أي الشافعي) أن يؤذن لصحة الحديث وحمل الأذان هنا على الإِقامة متعقب، لأنه عقب الأذان بالوضوء ثم بارتفاع الشمس فلو كان المراد به الإقامة لما أخَّر الصلاة عنها. فتح الباري ٢/ ٦٨. وقال ابن عبد البر ولا أذان إلا للمكتوبات ولا يؤذَّن لنافلة ولا لصلاة مسنونة ولا لصلاة مكتوبة فائتة تُقضى في غير وقتها. الكافي ١/ ١٩٦. وقال الشارح في المسالك ل ٦٩ بعد حكايه المذاهب والمنصور من هذه الأقوال قول من قال لا يؤذن، والدليل على ذلك أن الأذان إنما هو إعلام للناس بالوقت، ووقت القضاء ليس بوقت إعلام، وأيضًا فإن الأذان، في غير وقته، تخليط على الناس، فإذا أختص بأوقات الصلوات فلم تشرع في الفوائت إذ الفوائت لا تختص بوقت كالنوافل.
(٤) ورد من رواية الحسن عن عِمران بن حصين، عبد أبي داود، ثم أمر مؤذنًا فأذن فصلى ركعتين قبل الفجر ثم قام فصلى الفجر. أبو داود ١/ ٣٠٨. ورواه الحاكم في المستدرك ١/ ٢٧٤ وقال حديث صحيح على ما قد قدمنا من صحة سماع الحسن عن عمران وكذا صححه الذَّهبي أيضًا. أقول: الحديث فيه الحسن بن أبي الحسن البصري واسم أبيه يسّار، بالتحتانية والمهملة، الأنصاري مولاهم ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلَّس كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوَّز ويقول حدثنا وخطبنا يعني قومه الذين حدثوا وخطبوا بالبصرة. مات سنة ١١٠ هـ وقد قارب التسعين / ع ت ١/ ١٦٥. وقال في ت ت: قال ابن المديني: سمعت يحيى القَطّان وقيل له كان الحسن يقول سمعت عمران بن حصين، وقال ابن المديني وأبو حاتم لم يسمع منه وليس يصح ذلك من وجه يثبت، وقال أحمد لا نعرف له سماعًا من عتبة ابن غزوان ت ت ٢/ ٢٦٨. درجة الحديث: صححه الحاكم والذَّهبي وظاهر كلام الشارح تضعيفه ويترجح لدي ماذهبا إليه بناء على أن أصل الحديث صحيح كما تقدم.
[ ١٠٢ ]
واليقين في الأحاديث الصحاح أَوْلى أن يتبع من الشك.
كما أنه لا بد من صلاة ركعتي الفجر لأن النبيَّ - ﷺ - صلاهما في الصحيح، قبل صلاة الصبح (١) فلا تلتفتوا لرواية تركهما.
تكملة: قول النبيّ - ﷺ -، "إنَّ هذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ" نص في وجود الشياطين ولا خلاف فيه بين أهل السنة؛ وهم نوع من الخلق خلقهم الله تعالى ويسّر لهم التبدل في الصور باختيارهم كما يسّر لنا التصرف في الحركات، وسلّطهم على الخلق تسليطًا سبق به الوعد الحق ليتميز في الوجود المطيع من العاصي بفتنته، كما تميّز عند الله، ﷿، في علمه وكلمته فتسلّط على "بلال" حتى أضجعه وشغله عن الصلاة وفاتت لرسول الله - ﷺ -، وللأُمة، وظن الشيطان أنه قد حصل على صفقة، فهيأ الله تعالى لنا فيها سنة لكل من نام عن صلاة أو نسيها وكمل لنا فيها المثوبة، وهكذا يفعل الله تعالى بالأولياء إذا طالبهم الأعداء قد ينفذ مراده فيهم، ولكن يعقبهم بعد ذلك عقبى جميلة حتى يتمنى العدو أنه لم يكن ما أراد.