يقول ابن العربي: فلما حان وقت إقلاع المركب في البحر إلى ديار الحجاز اعتزمنا فركبناه بعد أن وعيت جملًا من المعلومات، فركبنا وقد سبق في علم الله أن يعظم علينا البحر بزوله (٨) ويغرقنا في هوله فخرجنا من البحر خروج الميت من القبر، وانتهينا، بعد خطب طويل، إلى بيوت بني كعب من سليم ونحن من السغب على عطب، ومن العري في أقبح زي، فقد قذف البحر رقاق زيت مزقت الحجارة هيئتها ودسمت الأدهان وبرها وجلدتها فاحتزمناها أزرًا واشتملناها لففًا تمجنا الأبصار وتخذلنا الأنصار، فعطف أميرهم
_________________
(١) مدينة أندلسية أيضًا. معجم البلدان ٤/ ١٩٥.
(٢) مدينة أندلسية على شاطئ البحر. معجم البلدان ٥/ ١١٩.
(٣) بجاية مدينة على ساحل البحر بالجزائر. معجم البلداد ١/ ٣٣٩.
(٤) سيأتي في شيوخه.
(٥) بونة أو عنّابة مدينة جزائرية على ساحل البحر. معجم البلدان ١/ ٥١٢.
(٦) سوسة ثالثة المدن التونسية. انظر نزهة المشتاق للإدريسي ٢٠٣، معجم البلدان ٣/ ٢٨١.
(٧) المهدية تقع إلى الجنوب الشرقي من سوسة على بعد ٤٣ كلم، المغرب للبكري ص ٢٩، معجم البلدان ٥/ ٢٩٩، الروض المعطار ص ٥٦١.
(٨) أي بعجائبه.
[ ٣١ ]
علينا، لعِرقٍ كان فيه من الحضر، وخفرنا بحرمة أورثتها عنده سجية مصرية؛ إذ كان نشأ في ديار الإِسكندرية ودرت عليه هناك الدرة الدينية، فآوينا إليه فآوانا وأطعمنا الله على يديه وسقانا وأكرم مثوانا وكسانا بأمر حقير طفيف وفن من العلم طريف، وشرحه أنّا، لما وقفنا على بابه، ألفيناه وهو يدير بأعواد الشاه فعل السامد اللاه فدنوتُ منه، في تلك الأطمار، وسمح لي بيادقته، إذ كنت من الصغر في حد يسمح فيه للأغمار، ووقفت بإزائهم أنظر إلى تصرفهم من ورائهم، إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في مجلس البطالة مع غلبة الصبوة فقلت للبيادقة: الأمير أعلم من صاحبه.
فلمحوني شزرًا عظمتُ في عيونهم بعد أن كنت نزرًا، وتقدم إلى الأمير مَنْ نقل إليه الكلام فاستدناني فدنوت منه فسألني هل لي بما هم فيه بصر؟ قلت له فيه بعض نظر سيبدو لك ويظهر. حرِّكْ تيك القطعة ففعل، وعارضه صاحبه فأمرته أن يحرَّك أخرى وما زالت الحركات بينهم كذلك تترى حتى هزمه الأمير وانقطع التدبير .. واقبلوا يتعجَّبون مني ويسألون كم سنّي ويستكشفونني عني. فبقرتُ لهم حديثي وذكرت لهم نجيثي، وأعلمتُ الأمير بأنّ معي أبي، فاستدعاه وقمنا الثلاثة إلى مأواه، فخلع علينا خلعه وأسبل أدمعه، وجاء كلّ خوان بأفنان الألوان .. وأقمنا عنده حتى ثابت إلينا نفوسنا وذهب عنا بؤسنا وسألنا الإِقامة عنده .. فأبينا إلا الاستمرار على العزيمة الأُولى والتصميم إلى المرتبة الكريمة التي كانت بنا أوْلى ففارقناه على ضنانة بنا وحرص علينا (١).