لقد استغلّ هذه المناسبة السعيدة أحسن استغلال، فأخذ عن الكثير من الشيوخ الذين حضروا إلى مكة لأداء فريضة الحج.
وبعد أداء فريضة الحج توجه إلى المدينة، وكان يقضي أغلب وقته في الروضة الشريفة يستمع إلى أحاديث علماء المدينة.
ولم تطل إقامته هناك فقد توجه إلى بغداد ثانية ولقي بها جملة من العلماء من جملتهم الغزالي الذي قال عنه: ورد علينا ذا شمر فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، معرضًا عن الدنيا مقبلًا على الله تعالى، وعرضنا أمنيتنا عليه وقلت له: أنت ضالتنا الذي كنا ننشد [قانون التأويل ص ٤١].
كما أخذ عن الأساتذة الزائرين لبغداد، وكان متأثرًا بقرّاء بغداد وحُسن تلاوتهم للقرآن، يقول: سمعت بمدينة السلام شيخ القراء البصريين بدار بهاء الملك يقرأ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ﴾؛ فكأني ما سمعتها قط حتى بلغ إلى قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُريدُ﴾ فكأن الإيوان قد سقط علينا. [الأحكام ص ١٥٩٦].
وبعد أن أمضى، في زيارته الثانية، قرابة السنتين قضاها في التردد على حلق الذكر يستفيد ويفيد غادر بغداد، في طريق عودته إلى وطنه، صحبه والده مارًا بدمشق وكان ذلك في سنة (٤٩١ هـ). قال ابن عساكر: خرج من دمشق راجعًا إلى مقره سنة (٤٩١ هـ) ولما غريب صنَّف عارضة الأحوذي. [نفح الطيب ٢/ ٢٨].
ويقول ابن العربي: قفلنا وقد قضينا من الهجرة إلى الخلافة المفترض وحصلنا من
[ ٣٩ ]
العلوم على بعض الغرض، وكان بودي أن لو أقمت هناك برد شبيبتي وأفنيت معهم بقية عمري [شواهد الحيلة ل ٣٢ ب].
وقد توجها من دمشق إلى بيت المقدس وقابل القاضي هناك شيوخه السابقين وزار بعض الأماكن ووجدها تغيرت بعده، يقول: دخلت بيت لحم سنة (٤٨٥ هـ) فرأيت في متعبدهم غارًا عليه جذع يابس كان رهبانهم يذكرون أنه جذع مريم بإجماع، فلما كان في المحرم سنة (٤٩٢ هـ). دخلت بيت لحم قبل استيلاء الروم عليه لستة أشهر فرأيت الغار في المتعبد خاليًا من الجذع فسألت الرهبان عنه فقالوا نخر وتساقط. [الأحكام ص ١٢٥٢ - ١٢٥٣].
ويقول في موضع آخر: وكان صاحب مصر الملقب بالأفضل قد دخلها (أي بيت المقدس) في المحرم سنة (٤٩٢ هـ)، وحوَّلها عن أيدي العباسية، وهو حنق عليها وعلى أهلها، بحصاره لهم وقتالهم، فلما صار فيها وتدانى بالمسجد الأقصى منها وصلى ركعتين تصدّى له ابن الكازروني وقرأ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
فما ملك نفسه حين سمعه أن قال للناس، على عظم ذنبهم وكثرة حقده عليهم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]، [الأحكام ص ١٥٩٧].
ولم تطلْ إقامته، هذه المرة، ببيت المقدس وغادرها متوجهًا إلى الإسكندرية وحل فيها ضيفًا على أستاذه السابق وابن بلده، الذي لازمه بالقدس طيلة مقامه بها، وقد انتقل أبو بكر الطرطوشي إلى الإسكندرية وأصبح من الشخصيات اللامعة بها، وأحيا بها المذهب السني وحارب البدع.
وكان الطرطوشي يقدِّر تلميذه كل التقدير كما أن ابن العربي كان يقدِّر شيخه ويحترمه غاية الاحترام ويتأثر بسلوكه.
يقول ابن العربي: (وفي أثناء القفول لقيت زاهد الوقت .. بثغر الإسكندرية للقاءة الثانية وأقمت معه نتجاذب ذيول الإشكال ونختبر فصول القيل والقال). [شواهد الجلة ل ٣١ ب مخطوط الخزانة العامة بالرباط].
[ ٤٠ ]