قال: اشتكت النار إلى ربها. اختلف الناس هل هذه الشكوى حقيقة بكلام أم هي مجاز عبّر فيها (٣) بلسان الحال عن لسان المقال (٤) كما قال الراجز:
يشكو إليَّ جملي طول السّرى صبرًا جميلًا فكلانا مبتلى (٥)
_________________
(١) قال في أصول الفقه: المجاز على قسمين أحدهما التشبيه كقوله في الشجاع أسد والبليد حمار تشبيهًا للعاقل بغير العاقل، والثاني التسبب وهو على وجهين: أحدهما أن يعبر عن الشيء بمقدمته السابقة له، الثاني أن يعبر عنه بفائدته - أصول الفقه ل/٦. قلت: ومراد المؤلف هنا التعبير عن الشيء بفائدته.
(٢) البخاري في الجنائز باب ما يكره من الصلاة على المنافقين ٢/ ١٢١، وفي تفسير سورة براءة باب استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ٦/ ٥٦ والتِّرمِذي ٥/ ٢٧٦، والنسائي ٤/ ٦٧ - ٦٨ كلهم من طريق ابن عباس عن عمر بن الخطاب، ﵁، أنه قال: لما مات عبد الله بن أبيّ بن سلول دُعي له رسول الله، - ﷺ -، ليصلي عليه، فلما قام رسول الله، - ﷺ -، وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلّي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا وكذا، فتبسم رسول الله، - ﷺ -، وقال: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ".
(٣) في م فيه.
(٤) قال السيوطي: اختلف هل هو حقيقة بلسان المقال أو مجاز بلسان الحال أوتكلم عنها خازنها أو من شاء عنها، والأرجح حمله على الحقيقة. كذا رجَّحه ابن عبد البر وقال: أنطقها الله الذي أنطق كل شيء. والقاضي عياض وقال: إن الله قادر على خلق الحياة بجزء منها حتى يتكلم أو يخلق لها كلامًا يسمعه من شاء من خلقه. وقال النّووي: جعل الله فيها إدراكًا وتمييزًا بحيث تكلمت بهذا. وقال ابن المنير: استعارة الكلام للحال وان عدت وسمعت لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل له والإذن والقبول والنفس وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز خارج عما ألف من استعماله. ورجّح البيضاوي الثاني فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكل بعضها بعضًا مجاز عن ازدحام أجزائها ونفسها مجاز عن خروج ما يبرز منها. تنوير الحوالك ١/ ٣٧ وانظر فتح الباري ٢/ ١٩. قلت: الأولى، في هذا الموضع، الحمل على الحقيقة لأن الله تعالى لا يعجزه أن ينطق النار أو غيرها من المخلوقات والله أعلم.
(٥) البيت انظره في شرح الشافية الكافية لابن مالك تحقيق الدكتور عبد المنعم أحمد هريدي ١/ ٣٦١. وانظره في شرح التسهيل ١/ ٤٧.
[ ١٠٨ ]
وفي الحديث أن النبيّ، - ﷺ - قال: "مَنْ كَذَبَ (١) عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا" قالوا. يا رسول الله أَوَ لِجَهَنَّمَ عينان؟ قال: أَوَ مَا سمعتم إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (٢) وفي الخبر الصحيح عن يوم القيامة
_________________
(١) الحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٤٧ عن أبي أمامة قال: قال رسول الله، - ﷺ -: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ بيْنَ عَيْنَيِّ جَهَنَمَ" فشق ذلك على أصحابه فقالوا. يا رسول الله نحدث بالحديث نزيد وننقص؟ قال: "لَيْسَ أَعْينكُمْ إِنَّما أَعْنِي الذِي يَكْذِبُ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا يطْلُبُ بِهِ شَيْنَ الإِسْلاَمِ". قالوا: يا رسول الله إنك قلت بين عيني جهنم، وهل لجهنم عينان؟ قال: "نَعَمْ أَمَا سَمِعْتُمْ الله تَعَالَى يَقُولُ إِذَا رَأتهُمُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ. فَهَلْ تَرَاهُمْ إِلّا بعَينَيْنِ". وقال رواه الطبراني في الكبير وفيه الأحوص بن حكيم ضعّفه النسائي وغيره ووثَّقه العجلي ويحيى بن سعيد القطان في رواية. قلت: هو في المعجم الكبير ٨/ ١٥٥. وقد أورده ابن الجَوْزي في الموضوعات من أجل محمَّد بن الفضل، الذي تأتي ترجمته، وقال ابن الجوزي: هذا الحديث لا يصح، لأن محمَّد بن الفضل قد كذّبه يحيى بن معين والفَلّاس وغيرهما. وقال أحمد بن حنبل: ليس بشيء وإنما وضع هذا الحديث من في نيته الكذب. الموضوعات لابن الجوزي ١/ ٩٥، والحديث ضعيف جدًا ولكن أصله صحيح، ومحمد بن الفضل، الذي يدور عليه الحديث، متفق على تركه ونكارة حديثه؛ فقد قال أحمد بن حنبل: ليس بشيء حديثه حديث أهل الكذب، وقال الجَوْزجاني: كان كذّابًا، وقال عمرو بن علي: متروك الحديث كذّاب، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث تُرك حديثه، وقال مسلم والنسّائي وابن خراش: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروىِ الموضوعات عن الأثبات لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار، وقال ابن عدي: عامة حديثه مما لا يتابعه الثقات عليه، مات سنة ثمانين ومائة، وقال الحاكم أبو عبد الله: روي عن ابن إسحاق وداود بن أبي هند أحاديث موضوعة. ت ت ٩/ ٤٠١، التاريخ الكبير ١/ ٢٠٨، الضعفاء والمتروكون ٣٠٣ ديوان الضعفاء ٢٨٥، المجروحين ٢/ ٢٧٤. الأَحْوَص بن حكيم الدّمشقي قال ابن معين: ليس بشيء، وقال علي بن المديني: وسمعت يحيى بن معين يقول: الأحوص صالح الحديث، وقال السَّعْدي: ليس بالقوي في الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه وقد حدَّث عنه من الثقات مثل ابن عُيَيْنه وعيسى بن يونس ومروان الفَزاري وغيرهم وليس فيما يرويه شيء منكر إِلا أن يأتي بأسانيد لا يُتابع عليها: مختصر الكامل للمقريزي ل ٤٣ ب. قلت: الحديث ضعيف من هذا الطريق الطريق محمَّد بن الفضل والأحوص بن حكيم. وقد أورده ابن كثير عن رجل من أصحاب رسول الله، - ﷺ - بلفظ مماثل للفظ الذي أورده ابن العربي، تفسير ابن كثير ٣/ ٣٢٥. تفسير ابن جرير ١٨/ ١٨٦. درجة الحديث ضعيف.
(٢) سورة الفرقان آية ١٢.
[ ١٠٩ ]
"فَيَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَيَلْتَقِطُ الكُفَّارَ لَقْطَ الطَّائِرِ حَبَّ السُّمْسُمِ" (١) يعني يفصلهم عن الخلق في المعرفة كما يَفصل الطائر حب السمسم من التربة. وليس من شرط الكلام عندنا (٢) والعلم في القيام بالجسم إلا الحياة، فأما الهيئة واللسان والبَلَه فليس من شرطه، وليس أيضًا من شرطه وجود الحياة بالجسم وجود بنية ولا بله، وسمعت شيخنا أبا بكر (٣) الفِهْرِي يقول بالمسجد الأقصى، أما قوله اشتكت (٤) النار إذا قلنا إنه حقيقة فليس يحتاج إلى أكثر من وجود الكلام في الجسم.
وأما قوله: تحاجت الجنة (٥) والنارُ فلا بد من وجهد العلم مع الكلام لأن المحاجة
_________________
(١) وأورده القرطبي ٧/ ١٣ بلفظ: يخرج عنق من النار له عينان تبصران ولسان ينطق يقول وكلت بكل من جعل مع الله إلهًا آخر، فلهو أبصر بهم من الطير بحب السمسم يلتقطه، وفي رواية: يخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم. وقال: ذكره رزين في كتابه ونقل تصحيح ابن العربي له. وأخرج التِّرمِذي من حديث أبي هُرَيْرة قال: قال رسول الله، - ﷺ -: "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْم القِيَامَة لَهَا عَيْنانِ تَبْصران وأُذُنَانِ تَسَمْعَانِ وَلسَانٌ يَنْطُقُ يَقُولُ إِنِّي وُكِّلْتُ بثَلاَثَةٍ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مع الله إلهًَا آخَرَ وَبِالمُصِّورِينَ" قال الترمذي: وفي الباب عن أبي سعيد قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح: السنن للترمذي ٤/ ٧٠٣. وقد أخرجه أحمد من رواية أبي هريرة: ٢/ ٣٣٦. درجة الحديث: صححه الشارح ونقله القرطبي وأقره ويشهد له حديث أبي هريرة الذي قال فيه الترمذي حسن صحيح.
(٢) عندنا: يقصد الأشاعرة.
(٣) الطَّرْطُوشي ٤٥١ - ٥٢٠ هـ. أبو بكر الفِهْرِيّ محمَّد بن الوليد بن خَلَفْ القرشي الفِهْرِيّ الأندلسي، أبو بكر الطرطوشي، ويقال له ابن أبي رندقة، أديب من فقهاء المالكية الحفّاظ من أهل طرطوش بشرقي الأندلس تفقه ببلاده رحل إلى المشرق. وفيات الأعيان ١/ ٤٧٩، الديباج ٤/ ٢٤٢، شجرة النور ١/ ١٢٤، نفح الطيب ١/ ٣٦٨، آداب اللغة ٣/ ١٠٨، بغية الوعاة ١/ ٧٧، بغية الملتمس ١٢٥.
(٤) الحديث متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب المواقيت باب الإِبراد بالظهر من شدة الحر عن أبي هريرة - البخاري ١/ ١٤٢، ومسلم في كتاب المساجد باب استحباب الإِبراد بالظهر من شدة الحر لمن يمضي إلى جماعة ويناله الحر في طريقه، مسلم ١/ ٤٣١ ولفظه: "إذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأبرِدُوا بالصَّلاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرَّ مِنْ فِيحِ جَهَنَّمَ وَاشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا .. ".
(٥) الحديث متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب التفسير في تفسير سورة (ق) باب قوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٦/ ١٧٣، ومسلم في كتاب الجنة باب النار يدخلها الجبارون ٤/ ٢١٨٦، والترمذي ٤/ ٦٩٤ كلهم عن أبي هُرَيُرَة وانظر زاد المسلم ١/ ١٥٧. قال القرطبي: يجوز أن يخلق الله ذلك القول فيما شاء من أجزاء الجنة والنار لأنه لا يشترط عقلًا في=
[ ١١٠ ]
تقتضي التفطن لوجه الدلالة قال لنا الإِمام "أبو سعيد الشهيد الزنجاني" (١): ألا ترى إلى قول الهدهد ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ﴾ إلى قوله ﴿الْعَظِيمِ﴾ (٢) فلم يدرك حديث الشمس وزخرفة الشيطان وصدوف (٣) الخلق عن الحق ووجود الإله ومعرفته بالخفيات واستوائه (٤) على العرش العظيم إلا بالعلم وهذا هو التوحيد كله.