مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى المازني (٤) عن أبيه (٥) أنه قال لعبد الله ابن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى، وهذا وهم قبيح من يحيى (٦) بن يحيى وغيره، وأعجب منه أنه سئل عنه ابن وضّاح (٧)، وكان من الأئمة، فقال هو جده لأمه ورحم الله من انتهى إلى ما سمع ووقف دون ما لا يعلم وكيف جاز هذا على ابن وضّاح، والصواب في المدونة التي كان يقرئها ويرويها عن سحنون، وهي بين يديه ينظر في كل حين فيها. وصواب الحديث مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد، وهذا الرجل هو عمارة بن أبي حسن المازني جد عمرو بن يحيى (٨)، والوضوء يكون في الخمسة
_________________
(١) سَحْنُون ١٦٠ - ٢٤٠ هـ. عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنَّوخِي الملقب بسحنون، انتهت إليه الرياسة في العلم بالمغرب، الديباج: ٢/ ٣٠، شجرة النور: ١/ ٦٩. المدارك: ٢/ ٥٨٤، الأعلام: ٢/ ٥٢٠.
(٢) ابن عبد الحكم ١٨٢ - ٢٦٨ هـ. محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، أبو عبد الله فقيه عصره، انتهت إليه الرياسة في العلم بمصر وقد مات بها، الديباج: ٢/ ١٦٣، شجرة النور: ١/ ٦٧، الأعلام: ٧/ ٩٤.
(٣) اشهب بن عبد العزيز بن داود أبو عمرو صاحب مالك، قال الشافعي: ما أخرجت مصر أفقه من أشهب ولد سنة ١٤٥ - توفي سنة ٢٠٤. انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٩٩، الأعلام ١/ ٣٣٥.
(٤) عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني المدني، ثقة من السادسة، روى له/ ع. ت ٢/ ٨١، ت ت ٨/ ١١٨، الخلاصة: ١/ ٢٩٤.
(٥) يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المدني، ثقة من الثالثة/ ع ت/ ٣٥٤، الخلاصة: ١/ ٤٢٦.
(٦) يحيى بن يحيى بن كثير الليثي مولاهم أبو محمَّد صدوق فقيه قليل الحديث وله أوهام، مات سنة ٢٣٤ هـ على الصحيح وعمره ٨٠ سنة، ت ٢/ ٣٦٠، ت ت ١١/ ٣٠٠، الديباج: ٢/ ٣٥٢.
(٧) ابن وضّاح ١٩٩ - ٢٨٦ هـ. محمَّد بن وضّاح بن يزيغ أبو عبد الله، مولى عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، محدِّث من أهل قرطبة فهرس ابن خير ١٥٠ و٢٥٥، ٢٧٤، لسان الميزان: ٦/ ٤١٥، بغية الملتمس: ١٢٣، الأعلام: ٧/ ٣٥٨.
(٨) انظر المدوَّنة: ١/ ٢، وانظر كلام ابن عبد البر وابن دقيق العيد على الموضوع في تنوير الحوالك: ١/ ٣٩،=
[ ١١٨ ]
الأعضاء الأول الكفان وليس غسلهما مشروعًا لنفسه وإنما هو للتأهب للوضوء به.
قال النَّبيّ - ﷺ - "إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ في الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" (١)، فأمر بغسلها استظهارًا وقد كنا نقول كما قال أحمد (٢) وإسحاق (٣) إن غسلها واجب إلا أن النبيَّ، - ﷺ -، أعقب الأمر الأول في الحديث بقوله فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده فعلل بالشك، والشك لا يوجب حكمًا في الدين بيد أنه لما واظب عليها النبيُّ، - ﷺ -، في جميع وضوئه، وبدأ بهما في كل حالة من أحواله، عدها العلماء من جملة الوضوء وحسبوها من جملة الأعضاء اقتداء بفعل النبي، - ﷺ -، فيها ومحافظة عليها حتى قال علماؤنا: لو أن رجلًا غسل يديه ووجهه ثم عرض عليه الحدث في أثناء الوضوء وجب عليه أن يبتدىء الوضوء، واستحبوا له أن يعود إلى غسل يديه لأنهما من جملته.
العضو الثاني: الوجه. قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٤).
_________________
(١) = وفتح الباري: ١/ ٢٩٠، فقد قال الحافظ والذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو حسن الأنصاري، وابنه عمرو، وابن ابنه يحيى بن عمارة بن أبي حسن فسألوه عن صفة وضوء النبي، - ﷺ -، وتولى السؤال منهم له عمرو بن أبي حسن فحيث نسب إليه السؤال كان على الحقيقة، ويؤيده رواية سليمان ابن بلال عند المصنف (أي البخاري) في باب الوضوء من التور، قال حدثني عمرو ابن يحيى عن أبيه قال: كان عمي، يعني عمرو بن أبي حسن، يكثر الوضوء فقال لعبد الله بن زيد أخبرني فذكره. وحيث نسب السؤال إلى أبي حسن فعلى المجاز لكونه كان الأكبر وكان حاضرًا، وحيث نسب السؤال ليحى بن عمارة فعلى المجاز أيضًا لكونه ناقل الحديث وقد حضر السؤال، فتح الباري: ١/ ٢٩٠، وانظر كلام الشارح في المسالك ل ٢٤.
(٢) متفق عليه فقد أخرجه البخاري في الوضوء، باب الاستجمار وترًا: ١/ ٥٢، ومسلم في الطهارة، باب كراهية غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثًا: ١/ ٢٣٣، والموطّأ: ١/ ٢١، وشرح السنة: ١/ ٤٠٦، كلهم عن أبي هريرة.
(٣) قال في كشاف القناع: فإن كان قائمًا من نوم الليل الناقض للوضح فغسلهما ثلاثًا واجب تعبدًا كغسل الميت لحديث إذا استيقظ أحدكم ولكون غسلهما واجبًا تعبدًا وجب ولو باتتا مكتوفتين أو في جراب ونحوه: كشاف القناع: ١/ ١٠٣، والمبدع: ١/ ٤٦. وقال ابن هبيرة اتفقوا على استحباب غسل اليدين عند القيام من نوم الليل ثم اختلفوا في وجوبه فقالوا إنه غير واجب إلا أحمد في إحدى الروايتين عنه فإنه أوجبه. الإفصاح: ١/ ٧١.
(٤) وقال إسحاق: يجب غسل اليدين سواء قام من نوم الليل أو من نوم النهار، وهو قول داود ومحمد بن جرير وقالوا إذا أدخل اليد في الإناء قبل الغسل تنجس الماء. شرح السنة: ١/ ٤٠٧.
(٥) سورة المائدة، آية ٦.
[ ١١٩ ]
واختلف العلماء هل يتناول هذا الأمر باطن الفم والأنف أم لا؟ فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهما إلى وجوب (١) ذلك، وقال عامة الفقهاء لا يجب ذلك لأن الأمر إنما يتناول الظاهر دون الباطن، والعرب لا تسمي وجهًا إلا ما وقعت به المواجهة (٢)، ولكن النبيَّ، - ﷺ -، واظب عليهما بالمضمضة والاستنشاق فكان ذلك مأخوذًا من فعله، وقد قال النبيُّ، - ﷺ -، للأعرابي: "تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ الله تَعَالَى" (٣) فأحاله على القرآن.
_________________
(١) انظر المغني لابن قدامة: ١/ ٨٨، وتفسير القرطبي، ٦/ ٨٤، تفسير ابن كثير ٢/ ٢٥، فتح القدير للشوكاني: ٢/ ١٦.
(٢) الوجه مستقبل كل شيء، ج أوجه ووجوه، ونفس الشيء ومن الدهر أوله، ومن النجم ما بدا لك منه، ومن الكلام السبيل المقصود وسيد القوم ج وجوه كالوجيه ج وجهاء. ترتيب القاموس: ٤/ ٥٧٩.
(٣) رواه أبو داود من طريق إسحاق بن أبي طلحه عن علي بن يحيي بن خلاد، ومن طريق محمَّد بن عمرو عن علي أيضًا، ومن طريق محمَّد بن إسحاق قال حدثني علي بن يحيي، وكذلك من طريق إسماعيل بن جعفر أخبرني يحيي بن علي سنن أبي داود: ١/ ٥٣٦ - ٥٣٨، والنسَّائي من طريق إسحاق بن عبد الله: ٢/ ٢٢٥، وكذلك ابن ماجه: ١/ ١٥٦، والبيهقي في السنن الكبرى: ١/ ٤٤ ورواه الترمذي من طريق إسماعيل بن جعفر عن يحيي بن علي بن خلاد: ٢/ ١٠٠، والحاكم في المستدرك من طريق داود بن قيس. قال ثنا علي بن يحيي بالمستدرك: ١/ ٢٤٢، ونقل البيهقي: ٢/ ٣٧٣ اختلاف الرواة في إسناد الحديث ورجح بعضها، ثم ساق بسنده عن محمَّد بن عجلان عن علي بن يحيي من آل رفاعة عن أبيه عن عم له بَدْري أنه حدّثه أن رجلًا دخل المسجد فصلّى ورسول الله، - ﷺ -، يرقبه إلى أن قال ورواه محمَّد بن إسحاق ابن يسار عن علي بن يحيي بن خلاد بن رافع عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع، وكذلك قاله داود بن قيس عن علي بن يحيي بن خلاد، ورواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحه عن علي بن يحيي من رواية همام ابن يحيي عنه وقصر به حماد بن سلمة فقال عن إسحاق عن علي بن يحيي بن خلاد عن عمه، وقال محمَّد ابن عمرو عن علي بن يحيي بن خلاد عن رفاعة بن رافع، والصحيح رواية من تقدم، ووافقهم إسماعيل بن جعفر عن يحيي بن علي بن يحيي بن خلاد بن رافع الزَّوْرَقي عن أبيه رفاعة بن رافع، وقصر بعض الرواة عن إسماعيل في نسب يحيي وبعضهم في إسناده، فالقول قول من حفظ والرواية التي فكرناها موافقة للحديث الثابت عن أبي هُرَيْرَة. أقول: الحديث فيه يحيي بن علي بن يحيي بن خلاد بن رافع الأنصاري الزورقي المدني، مقبول من السادسة، مات سنة ١٢٩/ دت س، ت ٤/ ٣٥٢ وقال في ت ت: روى عن أبيه عن جده وعنه إسماعيل بن جعفر، ذكر هذا ابن حبان في الثقات وأنه هو وجماعة أرَّخوا وفاته سنة ١٢٩ ت ت ١١/ ٢٥٩، وقال في ١١/ ٢٠٤ في ترجمة يحيي بن خلاد قيل إنه وُلِدَ على عهد النبي - ﷺ -، روى عن رفاعة بن رافع وعمر بن الخطاب وعنه ابنه علي بن يحيي وابن يحيي بن علي إن كان محفوظًا، ذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو بكر بن أبي عاصم مات سنة ١٢٨، وقال الراقدي ١٢٩، فإن صح هذا وأنه ولد في عهد النبي - ﷺ - فقد بلغ ١٢٠ سنة أو أكثر، قلت: هذه النتيجة الفاسده من تلك المقدمه الباطله وذلك أن ابن أبي عاصم إنما أرَّخ =
[ ١٢٠ ]
العضو الثالث: اليدان، وقد ذكرهما الله ﷿ في كتابه وحدهما بتحديده فقال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. واختلف الناس في دخول المرافق في التحديد وأطالوا في ذلك الكلام وما فهم أحد مقطع المسألة إلا القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب (١) فإنه قال: إن قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ حد للمتروك من اليدين لا المغسول منهما وبذلك تدخل المرافق في الغسل (٢).
العضو الرابع: الرأس، وهو رأس في مسائل الوضوء اختلف العلماء في تقدير مسحه على أحد عشر قولًا: ثلاثة لأبي حنيفة (٣)، وقولان للشافعي (٤)، وستة أقوال لعلمائنا، والصحيح منها واحد (٥) وهو وجوب تعميمه لأن الله، ﷿، لما قال: ﴿فَاغْسِلُوا
_________________
(١) = وفاة يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد في السنة المذكورة، وأما جده صاحب الترجمة فلم يتعرض له وكذلك الواقدي. درجة الحديث: حسنّه الترمذي ولعل ذلك بناء على أن له شاهدًا من حديث أبي هريرة متفق عليه، البخاري في صفة الصلاة، باب أمر النبيّ، - ﷺ -، الذي لا يتم ركوعه بالإعادة: ٢/ ٢٢٩، ومسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة: ١/ ٢٩٨.
(٢) عبد الوهاب: ٣٦٢ - ٤٢٢ هـ. وهو ابن علي بن نصر البغدادي، أبو محمَّد، قاضٍ من فقهاء المالكية، ولد ببغداد وولِّي القضاء بالعراق وتوجه إلى مصر فعلت شهرته وتوفي فيها. الديباج ٢/ ٢٦، شجرة النور الزكية ١/ ١٠٣ - ١٠٤ ترتيب المدارك: ٤/ ٦٩١، تاريخ بغداد: ١١/ ٣١، فوات الوفيات: ٢/ ٢١، طبقات الفقهاء للشيرازي: ١٦٨، حسن المحاضرة ١/ ٣١٤.
(٣) قال القاضي عبد الوهاب: إدخال المرفقين في غسل اليدين واجب خلافًا لزفر وغيره، لأنه، ﵇، كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ولأنه عضو مغسول كالعينين، الإشراف على مسائل الخلاف: ١/ ٨.
(٤) قال ابن العربي في الأحكام: قال أبو حنيفة بمسح الناصية، وأن الفرض أن يمسح الربع الرواية الثالثة له لا يجزيه إلا أن يمسح الناصية بثلاث أصابع أوأربع، الأحكام: ٢/ ٥٦٦.
(٥) قال الشافعي: إنه إن مسح منه شعرة واحدة أجزأه الثاني ثلاث شعرات، الثالث ما يقع عليه الاسم (وانظر أحكام القرآن للكيا الهراسي: ٣/ ٨٥)، وقال مالك بمسح الجميع، القول الثاني إن ترك اليسير من غير قصد أجزأه الثالث إن ترك الثالث أجزأه الرابع، وإن مسح ثلثه أجزأه الخامس، إن مسح مقدمه أجزأه. الأحكام: ٢/ ٥٦٦، وقد رجح مسح الكل بعدة مرجحات توجد هناك.
(٦) قال القاضي عبد الوهاب والفرض من الرأس إيعابه خلافًا لأبي حنفية والشافعي لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، والحكم إذا علق باسم وجب استيفاء ما يتناوله، كل رغيفًا وأعطِ درهمًا، ولأن الصيغة عموم بدليل حسن تقدير الاستثناء فيه ودخول التخصيص عليه وتم تأكيده بألفاظ العموم، ولأنه عضو ورد الظاهر به مطلقًا من غير تحديد فأشبه الوجه، ولأنه عضو من أعضاء الوضوء فلم يتعلق فرضه بأقل ما يقع عليه الاسم أو بالربع كسائر الأعضاء، ولأنه لو كان له أصل في الوضوء لكان التيمم أولى به ولأنه عضو يعتد بمباشرته في المسح فوجب إيعابه كالوجه في التيمم، الإشراف على مسائل الخلاف: ١/ ٨.
[ ١٢١ ]
وُجُوهَكُمْ﴾ فوجب غسل الجميع بظاهر القرآن، لذلك قال وأمسحوا برؤوسكم فوجب مسح جميع الرأس بظاهر القرآن أيضًا. فإن قيل فما فائدة دخول الباء ههنا فعن ذلك جوابان:
أحدهما: أنا نقول فائدتها ههنا، فائدتها في قوله في التيمم فامسحوا بوجوهكم فلو كان مقتضاها التبعيض لافادته في ذلك الموقع وهذا قاطع لهم في كل جواب يحاولونه.
الثاني: أن أحدًا من المحققين لم يخطر بباله أن الباء للتبعيض لكن أفادت ههنا فائدة بديعة وهي أن الغسل لغة يقتضي مغسولًا به، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحًا به. فلو قال امسحوا رؤوسكم لم يفد ذلك ممسوحًا به ولا جزأ مسح اليد على الرأس كذلك مطلقًا فدخلت الباء لتفيد معنى متعلقًا به، وهو الممسوح به وهو الماء فيكون تقديرها وامسحوا برؤوسكم الماء، وذلك فصيح في اللغة على وجهين: أما على القلب كما أنشدوا:
كنواحِ (١) ريش حمامة نجدية ومسحت باللثتين عصف الأثمد (٢)
وإما على الاشتراك في الفعل والتساوي في نسبته كقول الشاعر:
مثل القنافذ هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوآتهم هجر (٣)
فإن قيل فقد روي: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ" (٤).
قلنا. هذه حكايته حال وقضية عين وحكايات الأحوال لا تحمل على العموم ولا يحتج بها في الإِطلاق، ولعل النبيَّ، - ﷺ -، فعل ذلك لعذر بدليل أن كل من وصف وضوءه في
_________________
(١) البيت كما أنشده سيبويه لخفاق بن نديه السلمي، شرح أبيات سيبويه، تحقيق الدكتور محمَّد علي سلطان: ١/ ٤١٦.
(٢) والأثمد: الكحل المعروف، والكحل حجارة تؤخذ من معدن من المعادن وليس بشيء يثبت فيكون له ورق ولم يكن الأثمد من الأشياء التي تكون في بلاد العرب فهم لا يقفون على حقيقته شرح أبيات سيبويه: ١/ ٤١٦.
(٣) البيت كما في ديوان الاخطل: ١/ ٢٠٩. على العبارات هداجون قد بلغت- نجران أو بلغت سوآتهم هجر.
(٤) متفق عليه، البخاري في الوضوء، باب الرجل يوضىء صاحبه: ١/ ٥٦، والمسح على الخفين: ١/ ٦٢، وفي الصلاة، باب الصلاة في الجبَّة الشامية: ١/ ١٠١، وفي الجهاد باب الجبَّة في السفر والحرب: ٤/ ٥٠، وغير ذلك. ومسلم في الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة: ١/ ٢٣٠ من حديث المُغيرة بن شُعبة عن أبيه قال: تَخَلَّفَ رَسُولُ الله، - ﷺ -، وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُ فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ .. مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلى العَمَامَةِ .. لفظ مسلم.
[ ١٢٢ ]
جميع الأحوال ذكر عموم الرأس في الصحيح لا سيما وكان هذا الفعل منه، - ﷺ -، في السفر وهو مظنة الأعذار وموضع الاستعجال والاختصار وحذف كثير من الفرائض لأجل المشقات والأخطار.
العضو الخامس: الرجلان، وقد اتفقت الأمة على وجوب غسلهما وما علمت من رد ذلك إلا الطبري (١) من فقهاء المسلمين والرافضة (٢) من غيرهم، وتعلّق الطبري بقراءة الخفض. وقد قرئت هذه الآية على ثلاثة أوجه: فرفع الإِمام نافع وخفضها غيره ونصبها أيضًا نافع وغيره (٣)، ولكل واحد منهما في العربية وجه ظاهر. وكنا نأخذ كيفية طهارة الرجلين من هذه القراءات لولا أن السنَّة قد أوضحت شأنهما فغسل النبيُّ، - ﷺ -، رجليه دائمًا، ورأى قومًا تلوح عراقبهم (٤) فقال: "وَيْلٌ (٥) لِلأَعْقَابِ (٦) مِنَ النَّارِ" ولم يبقَ
_________________
(١) إبن جرير: ٢٢٤ - ٣١٠ هـ. محمَّد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر، المؤرِّخ المفسِّر الإِمام، وُلد في آمل طبرستان واستوطن بغداد، وتوفي بها وعرض عليه القضاء فامتنع والمظالم فأبى، قال ابن الأثير: أبو جعفر أوثق من نقل التاريخ، وفي تفسيره ما يدل على علم غزير وتحقيق، وكان مجتهدًا في أحكام الدين لا يقلِّد أحدًا- تذكرة الحفّاظ: ٢/ ٣٥١، والوفيات ١/ ٤٥٦، طبقات الشافعية ٢/ ١٣٥ - ١٤٠، الأعلام: ٦/ ٢٩٤، قال محمد بن جرير عنه قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. والصواب من القول عندنا في ذلك أن الله أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء، كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم. وإذا فعل ذلك بهما المتوضئُ كان مستحقًا اسم ماسح غاسل لأن غسلهما إمرار الماء عليهما أو إصابتهما بالماء، ومسحهما إمرار اليد، أو ما قام مقام اليد عليهما. فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو غاسل ماسح وذلك من احتمال المسح، المعْنيَيْن اللذين وصفت من العموم والخصوص اللذين أحدهما مسح ببعض، والآخر مسح بالجميع، تفسير ابن جرير: ٦/ ٨٣.
(٢) الرافضة. فرقة من الشيعة بايعوا زيد بن علي ثم قالوا له: يتبرأ من الشيخين فأبى، وقال: كانا وزيرَيْ جدّي، فتركوه ورفضوه وأرْفَضُّوا عنه، والنسبة رافضيّ. ترتيب القاموس: ٢/ ٣٦٦.
(٣) قال ابن الجزري: قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص بنصب اللام وقرأ الباقون بالخفض. النشر في القراءات العشر ٢/ ٢٥٤.
(٤) في "م " أقدامهم.
(٥) متفق عليه، البخاري في كتاب العلم، باب من رفع صوته بالعلم ١/ ٢٣، وفي باب من أعاد الحديث ثلاثًا: ١/ ٣٤، وفي كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين: ١/ ٥٢، ومسلم في الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما: ١/ ٢١٤، وأبو داود ١/ ٧٣، والنسائي: ١/ ٧٨، كلهم من حديث عبد الله ابن عمرو قال. رجعنا مع رسولِ الله، - ﷺ -، من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء بالطريق فعجل قدم العصر فتوضؤا وهم عجال فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسولُ الله، - ﷺ -: "وَيلٌ لِلأعْقابِ مِنَ النَّارِ .. " لفظ مسلم.
(٦) في "م" "يَرْبِطُونَ أقْدَامَهُمْ" وهذه الزيادة ليست من حديث عبد الله بن عمرو بل هي من حديث عبد الله بن =
[ ١٢٣ ]
مع هذا إشكال مع الطبري.
(تكملة) إذا ثبت هذا فكل من وصف وضوء رسولِ الله، - ﷺ -، اختلفوا في نقله. فمنهم من قال إنه توضأ (١) مرة ومنهم من قال إنه توضأ مرتين (٢)، ومنهم من قال إنه توضأ ثلاثًا (٣)، وهذا كله صحيح نقله ثابتة روايته وروي "مَنْ زَادَ عَلى الثَّلَاثِ أَوْ ازْدادَ فَقَدْ تَعَدّى أَوْ ظَلَمَ" (٤)، وهذا لم يصح. وحذارِ أن تظنَّ أن الذين نقلوا وضوء رسول الله، - ﷺ -، مرة أو مرتين أو ثلاثًا أنهم أخبروا بذلك عن إسباغ وضوئه فيها أو تكملة طهارته بها، فإن هذا شيء باطن لا يعلمه أحد إلا الله، فلا يصح لأحد من البشر أن يطلع عليه إلا من قِبَل صاحبه، وإنما نقلوا أعداد الغرفات فيحتمل أن يكون النبيُّ، - ﷺ -، عم بواحدة أو اثنتين، والثانية في الثانية، والثالثة في الثالثة فضل، ويحتمل أن يكون عم بالجميع بحسب
_________________
(١) = الحارث بن جزة الزبيدي من أصحاب النبي، - ﷺ -، رواها أحمد في المسند: ١/ ١٩٠ - ١٩١. وأوردها الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاها لأحمد، والطبراني في الكبير وقال: رجال أحمد والطبراني ثقات، مجمع الزوائد: ١/ ٢٤٠. درجة الحديث: صحيح إلا أنه موقوف كما قال الدكتور سيف الرحمن مصطفى في غاية المقصد في زوائد المسند: ٢/ ٥٦٨.
(٢) ورد ذلك من حديث ابن عباس.
(٣) ورد ذلك من حديث عبد الله بن زيد.
(٤) ورد ذلك من حديث عثمان بن عفان. انظر كل ذلك فيما تقدم.
(٥) أخرجه أبو داود من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا أتى النبيَّ، - ﷺ -، فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا ثم قال: "هكَذَا الوُضوءُ فَمَنْ زَادَ عَلى هذَا أو نَقَصَ فَقَدْ أسَاءَ أو ظَلَمْ وَأسَاءَ". سنن أبي داود: ١/ ٣٠، وابن ماجه: ١/ ١٤٦، وقال: فقد أساء أو تعدّى أو ظلم، وابن خزيمة: ١/ ٨٩ وقال: من زاد فقد أساء أو تعدّى وظلم، والبيهقي: ١/ ٧٩، وقال: فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء أو ظلم وأساء، وقوله نقص يحتمل أن يريد به نقصان الوضوء، وقوله ظلم يعني جاوز الحد والله أعلم، والطحاوي في معاني الآثار: ١/ ٣٠، والنسّائي بلفظ أن أعرابيًا: ١/ ٧٥، وكذا لأحمد، الفتح الرباني: ٢/ ٥٠، قلت: والحديث وإن كان ضعَّفه الشارح بسبب عمرو بن شعيب هنا فقد صحح حديثه في الأيمان والنذور كما سيأتي. وهذا الحديث صححه الحافظ ابن حجر في التلخيص، فقد قال روي من طرق صحيحة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مطولًا ومختصرًا .. وقال: يجوز أن تكون الإساءة والظلم وغيرهما مما ذكر مجموعًا لمن نقص ولمن زاد، ويجوز أن يكون على التوزيع، فالإساءة في النقص والظلم في الزيادة وهذا أشبه بالقواعد، والأول أشبه بظاهر السياق. التلخيص: ١/ ٩٤، درجة الحديث: صححه الحافظ وقبله ابن خزيمة.
[ ١٢٤ ]