بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الاِسْتِسْلَامِ أَوِ الخَوْفِ مِنَ القَتْلِ لِقوله: تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾.فَإِذَا كَانَ عَلَى الحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قوله: جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾.
٢٦ - حَدَّثنا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ
_________________
(١) لأهله) ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقًا. قال البخاري ﵁ (باب إذا لم يكن) لفظة إذا للظرفية المحضة أي باب حين عدم كون الإسلام على الحقيقة فلفظة الباب مضافة إليها ويحتمل أن تكون متضمنة لمعنى الشرط والجزاء محذوف أي نحو لا يعتد به ولا ينجيه فيجوز في الباب غير الإضافة. فإن قلت إذا للاستقبال ولم لقلب المضارع ماضيًا فكيف اجتماعهما. قلت إذا هنا لمجرد الوقت ويحتمل أن يقال لم لنفي الكون المقلوب ماضيًا وإذا لاستقبال ذلك النفي. قوله: (على الاستسلام) أي الانقياد الظاهر فقط والدخول في السلم. و(أسلمنا) أي دخلنا في السلم وانقدنا وليس إسلامنا على الحقيقة وإلا لما صح نفي الإيمان عنهم لأن الإيمان والإسلام الشرعي واحد عند البخاري وكذا عند غيره لأن الإيمان شرط صحة الإسلام عندهم. الجوهري: في الصحاح أسلم أي دخل في السلم وهو الاستسلام. قوله: (على قوله:) أي فهو وارد على مقتضى الآية أو الآيتين كما في بعض النسخ قوله: (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع الحمصي. و(شعيب) وهو ابن أبي حمزة الأموي. و(الزهري) هو ابن شهاب وقد مر ذكرهم. قوله: (عامر) روى له الجماعة توفي بالمدينة زمن الوليد بن عبد الملك سنة ثلاث أو أربع ومائة. قوله: (سعد) هو أبو إسحق بن أبي وقاص بالقاف المشددة من الوقص وهو الكسر مالك بن وهب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري أحد العشرة المبشرة بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر ﵁ أمر الخلافة إليهم. أسلم وهو ابن تسع عشرة سنة سابع سبعة بل هو ثلث الإسلام كما في الصحيح وهاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول الله ﷺ إليها وهو من المهاجرين الأولين شهد المشاهد كلها وكان مجاب الدعوة لدعاء رسول الله ﷺ له بذلك قال ﷺ اللهم استجب دعوته وسدد رميته. وحديثه في دعائه على الرجل الكاذب عليه من أهل الكوفة وهو أبو سعدة وأجيبت دعوته فيه في ثلاثة أشياء
[ ١ / ١٢٨ ]
أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ، ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا، وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ
_________________
(١) مشهور في الصحيح وهو أول من رمى سهمًا في سبيل الله وأول من أراق دمًا في سبيل الله وكان يقال له فارس الإسلام استعمله عمر ﵁ على الجيوش التي بعثها لقتال الفرس وهو كان أميرًا على الجيش الذين هزموا الفرس بالقادسية وحينئذ قال القائل: ألم تر أن الله أظهر دينه وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم فقال سعد اللهم اكفنا يده ولسانه فأصابته رمية فخرس لسانه ويبست يده وسعد هو الذي فتح مدائن كسرى وبنى الكوفة وولاه عمر العراق وقال الزهري رمى سعد يوم أحد ألف سهم وفي الصحيح عن علي ﵁ ما سمعت رسول الله ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد فإني سمعته يقول له يوم أحد ارم فداك أبي وأمي وروى أنه قال ﷺ له هذا حالي فليأت كل أحد بخاله ونقل عنه عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وسبعون حديثًا ذكر البخاري عشرين منها توفي بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة وصلى عليه مروان بن الحكم ودفن بالبقيع سنة إحدى أو خمس أو ست أو سبع أو ثمان وخمسين وهو آخر العشرة موتًا فلما حضرته الوفاة دعا بخلق له جبة من صوف فقال كفنوني فيها فإني كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر وإنما كنت أخبؤها لذلك ﵁. وفي هذا الإسناد لطيفة وهي أنه جمع بين ثلاثة زهريين مدنيين. قوله: (رهطا) أي جماعة وأصله الجماعة دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة وقيل دون الأربعين والجمع أرهاط وأرهط وتقدير الكلام قال أنه أعطى فحذف لفظ قال. قوله: (أعجبهم إلى) أي أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي. فإن قلت السياق يقتضي أن يقال أعجبهم إليه حيث قال وسعد جالس ولم يقل وأنا جالس. قلت هذا التفات من الغيبة إلى التكلم. فإن قلت فهل في قوله: وسعد جالس التفات حيث لم يقل وأنا. قلت فيه خلاف عند علماء المعاني من قال الانتقال من التكلم والخطاب والغيبة لابد أن يكون محققًا فلا التفات عنده فيه إذ لا نقل حقيقة ومن قال الانتقال فيه أعم من أن يكون محققًا أو مقدرًا كما هو مذهب صاحب المفتاح ففيه أيضًا التفاتمن التكلم الذي هو مقتضى
[ ١ / ١٢٩ ]
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا، فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: يَا سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ،
_________________
(١) المقام إلى الغيبة. قوله: (مالك عن فلان) أي أي شيء حصل لك أعرضت عن فلان أو عداك عن فلان أو من جهة فلان بأن لم تعطه ولفظة فلان كناية عن اسم سمي به المحدث عنه الخاص وفي رواية صحيح مسلم فقمت إلى رسول الله ﷺ فساررته فقلت مالك عن فلان. قوله: (لأراه مؤمنًا) النووي: هو يقرأ بفتح الهمزة أي أعلمه ولا يجوز ضمها على أن يجعل بمعنى أظنه لأنه قال ثم غلبني ما أعلم منه ولأنه راجع النبي ﷺ مرارًا فلم يكن جازمًا باعتقاده لما كرر المراجعة. وأقول ويجوز الضم كما في بعض الروايات ويكون أعلم بمعنى أظن كما أن في قوله: تعالى (فإن علمتموهن مؤمنات) بمعنى ظننتموهن والرجوع مرارًا لا يستلزم الجزم لأن الظن يلزم متابعته اتفاقًا. قوله:: (أو مسلمًا) بسكون الواو ومعناه أن لفظ الإسلام أولى أن تقولها لأنها معلومة بحكم الظاهر وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله. قال صاحب التحرير في شرح مسلم: هذا حكم على فلان بأنه غير مؤمن وقال النووي ليس فيه إنكار كونه مؤمنًا بل معناه النهي عن القطع بالإيمان لعدم موجب القطع وقد غلط من توهم كونه حكمًا بعدم الإيمان بل في الحديث إشارة إلى إيمانه وهو قوله: (لأعطى الرجل وغيره أحب إلي منه" وأقول فعلى هذا التقدير لا يكون الحديث دالًا على ما عقد له الباب وأيضًا لا يكون لرد رسول الله ﷺ على سعد فائدة ولئن سلمنا أن فيه إشارة إليه فذاك حصل بعد تكرار سعد إخباره بإيمانه وجاز أن ينكر أولًا ثم يسلم آخر الحصول أمر يفيد العلم به. قوله: (فعدت لمقالتي) يقال عاد لكذا إذا رجع إليه والمقالة والمقال بمعنى القول قوله: (وغيره) مبتدأ. و(أحب) خبره والجملة حالية. و(خشية) منصوب بأنه مفعول له لأعطى سواء فيه رواية التنوين مع تنكيره وتقدير لفظة من أي خشية من أن يكبه الله ورواية الإضافة مع تعريفه لأنه مضاف إلى أن مع الفعل وأن مع الفعل معرفة ويجوز في المفعول لأجله التعريف والتنكير
[ ١ / ١٣٠ ]
خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ. وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي
_________________
(١) والمفعول الثاني من باب أعطيت محذوف والحذف إما للتعميم أي أعطيت أي شيء كان أو يجعل المتعدي إلى اثنين كالمتعدي إلى واحد أي أوجد هذه الحقيقة يعني إعطاء الرجل والفائدة فيهما المبالغة قوله: (يكبه) بفتح أوله وضم الكاف أي يلقيه منكوسًا وهذا من النوادر على عكس القاعدة المشهورة فإن المعروف أن يكون الفعل اللازم بغير الهمزة والمتعدي بالهمزة فإن أكب لازم وكب متعد ونحوه أحجم وحجم والضمير في يكبه للرجل أي أتألف قلبه بالإعطاء مخافة من كفره ونحوه إذا لم يعط والتقدير أنا أعطي من في إيمانه ضعف لأني أخشى عليه لو لم أعطه أن يعرض له اعتقاد يكفر به فيكبه الله تعالى في النار كأنه أشار إلى المؤلفة أو إلى من إذا منع نسب رسول الله ﷺ إلى البخل وأما من قوي إيمانه فهو أحب إلي فأكله إلى إيمانه ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه ولا سوء اعتقاد ولا ضرر فيما لا يحصل له من الدنيا ولا يلزم من هذا التقدير أن يكون ذلك الرجل ممن قوي في الإيمان لاحتمال أن يكون المراد منه غيره تعريضًا بنحو سعد نفسه. فإن قلت هذا النوع من الكلام أهو مجاز أم كناية. قلت الكب في النار لازم الكفر فأطلق اللازم وأراد الملزوم فهو كناية فإن قلت لم لا يكون مجازًا من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم إذ الملازمة في الكناية لابد أن تكون مساوية. وإن اعترضت بأن الكب قد يكون للمعصية فلا يستلزم الكفر أجيب بأن المراد من الكب كب مخصوص لا يكون إلا للكافر وإلا فلا تصح الكناية أيضًا. قلت شرط المجاز امتناع اجتماع معنى المجاز والحقيقة وههنا لا امتناع في اجتماع الكفر والكب فهو كناية لا غير. النووي: في الحديث جواز الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم وفيه مراجعة المشفوع إليه في الأمر الواحد مرارًا إذا لم يؤد إلى مفسدة وفيه الأمر بالتثبت وترك القطع بما لا يعلم وفيه أن الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهم فالأهم وفيه أن المشفوع إليه لا عيب عليه إذا رد الشفاعة إذا كانت خلاف المصلحة وفيه أنه ينبغي أن يتعذر إلى الشافع ويبين له عذره في ردها وفيه أن المفضول ينبه الفاضل على ما يراه من المصلحة لينظر فيه الفاضل وفيه أنه لا يقطع لأحد على التعيين بالجنة إلا من ثبت فيه كالعشرة المبشرة وفيه أن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب وعليه الإجماع ولهذا كفر المنافقون واستدل به جماعة على جواز قول المسلم أنا مؤمن مطلقًا من غير تقييد بقوله: إن شاء الله وأما الفرق بين الإيمان والإسلام فقال الخطابي هما يجتمعان في مواضع فيقال للمسلم مؤمن وبالعكس ويفترقان في مواضع فكل مؤمن مسلم دون العكس فما يتفقان فيه هو أن يستوي الظاهر والباطن
[ ١ / ١٣١ ]
الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.