باب
٤٨ - حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ. أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ
_________________
(١) جعل كله ذلك دينًا وقال ههنا من الإيمان. قلت أما جعله دينًا فظاهر حيث قال (يعلمهم دينهم) وأما جعله إيمانًا فمن إما تبعيضية والمراد بالإيمان هو الإيمان الكامل المعتبر عند الله تعالى وعند الناس فلا شك أن الإسلام والإحسان داخلان فيه وإما ابتدائية ولا يخفى أن مبدأ الإحسان والإسلام هو الإيمان بالله تعالى إذ لولا الإيمان بالله لم تتصور العبادة له واعلم أن هذه الأسئلة والأجوبة صدرت قبل حجة الوداع قريب استقرار الشرع وفيه فوائد كثيرة لا تكاد تحصى. ومنها أن العالم إذا سئل عمالًا يعلم يصرح بأنه لا يعلمه وأن ذلك لا ينقص من جلالته بل يدل على ورعه وتقواه وعدم تبجحه بما ليس عنده ومنها أنه ينبغي لمن حضر مجلس العلم إذا علم بأهل المجلس حاجة إلى مسألة أن يسأل عنها ليعلمه السامعون وعليك بالتأمل والاستخراج وفقك الله تعالى. قوله: (إبراهيم بن حمزة) بالحاء والزاي ابن محمد بن حمزة بن مصعب بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني قال ابن سعد ثقة صدوق ويأتي الربذة كثيرًا فيقيم بها ويتجر بها ويشهد العيدين بالمدينة مات سنة ثلاثين ومائتين بها. قوله: (إبراهيم) هو أبو إسحق بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني تولى بيت المال ببغداد وتوفي بها وقد مر في باب تفاضل أهل الإيمان. قوله: (صالح) هو أبو محمد بن كيسان الغفاري المدني وتقدم في آخر قصة هرقل توفي وهو ابن مائة ونيف وستين سنة. قوله: (ابن شهاب) هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري القرشي المدني سبق في الحديث الثالث من الكتاب. قوله: (عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود) الإمام أحد فقهاء المدينة السبعة مر في الخامس منه و(عبد الله بن عباس) هو حبر الأمة تقدم في الرابع منه ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون والثلاث منهم تابعيون وأكثرهم قرشيون. و(أبو سفيان) هو صخر ابن حرب بن أمية القرشي قد مر في السادس منه و(هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف هو المشهور ويقال أيضًا بكسر الهاء والقاف وسكون الراء وهو علم له ولقبه قيصر وكذا كل من ملك الروم وسبق فيه أيضًا. قوله: (قال له) أي قال هرقل لأبي سفيان (هل يزيدون) يعني
[ ١ / ٢٠٠ ]
أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَد
_________________
(١) أتباع رسول الله ﷺ. فإن قلت القياس يقتضي أن يقال أيزيدون بالهمزة لأن أم المتصلة مستلزمة للهمزة كما أن الرواية السابقة أول الكتاب بالهمزة. قلت هي منقطعة لا متصلة تقديره بل أينقصون يعني يكون إضرابًا عن سؤال الزيادة واستفهامًا عن النقصان. سلمنا أنها متصلة لكونها لا تستلزم الهمزة بل الاستفهام. قال الزمخشري في المفصل: أم لا تقع إلا في الاستفهام إذا كانت متصلة فهو أعم من الهمزة. فإن قلت شرط المتصلة أن تقع بين الاسمين صرح به بعض النحاة. قلت قد صرحوا أيضًا بأنها لو وقعت بين الفعلين جاز اتصالها لكن بشرط أن يكون فاعل الفعلين متحدًا كما في مسئلتنا. فإن قلت المعنى على تقدير الاتصال غير صحيح لأن هل لطلب الوجود وأم المتصلة لطلب التعيين سيما في هذا المقام فإنه ظاهر أنه للتعيين. قلت يجب حمل مطلب هل على أعم منه تصحيحًا للمعنى وتطبيقًا بينه وبين الرواية المتقدمة صدر الكتب. قوله: (فزعمت) وفي الرواية السابقة فذكرت (وكذلك الإيمان) وفي السابقة وكذلك أمر الإيمان والمراد من الروايتين في الأمرين واحد. قوله: (هل يرتد) وفيما سبق أيرتدو فذكرت بدل فزعمت وزيد ههنا (لا يسخطه أحد) وقد مر شرح الحديث بطوله فاتحة الكتاب. ومقصوده هنا أن هرقل لم يفرق بين الإيمان والدين فسماه مرة دينًا وأخرى إيمانًا. النووي: وقع هذا الحديث في بعض النسخ في الباب السابق من غير تخصيصه بباب وهذا فاسد والصواب ما في أكثر أصول بلادنا أي مع وجود لفظ الباب لأن ترجمة الباب الأول لا يتعلق بها هذا الحديث فلا يصح إدخاله فيه وأقول ليس لا يتعلق بها لأن الغرض من تلك الترجمة بيان جعل الإيمان دينًا وهذا يدل عليه وقال وفي الاستدلال به إشكال لأن هرقل كافر فكيف يستدل بقوله: وقد يقال هذا الحديث تداولته الصحابة ﵃ ولم ينكروه بل استحسنوه وأقول لا إشكال أما أولًا فلأنه قد اختلف في إيمانه وأما ثانيًا فلان هذا ليس أمرًا شرعيًا بل هو محاورة ولا شك أن محاوراتهم كانت على العرف الصحيح المعتبر الجاري على القوانين فجاز الاستدلال بها وأما ثالثًا فلأنه من أهل الكتاب وفي شرعهم كان الإيمان دينًا وشرع من قبلنا حجة وأما رابعًا فلما ذكره هو بنفسه
[ ١ / ٢٠١ ]