عباس (١) رضي الله تعالى عنه فالمراد فيه التشبيه بما شبهه به في الاكتفاء فيهما بالفرك أو في زوالهما بالحك والحت أو في تقذر الطبع لهما معًا لا في الطهارة والنجاسة كيف وقد أمر هو نفسه بإزالته وأصل الأمر الوجوب ما لم يقم قرينة خلافه فلا يضر قوله لمن قصد إثبات نجاسته شيئًا.
[باب الجنب ينام قبل أن يغتسل إل خ] كأنه جعل النوم قبل الغسل مصدقًا بنوعين فإن النائم قبل الغسل إما أن لا يتوضأ أيضًا كما أنه لم يغتسل أو يكتفي بالوضوء ولا يغتسل فأورد المؤلف كلًا من هذين النوعين في الترجمتين وهذا بالنظر إلى نفس الروايات التي أوردها وأما رأيه (٢) ﵁ فلا يوافق إلا وجوب الوضوء أو استحبابه سيما في نقل فعله ﷺ وهذا الذي (٣) ذكره من نسبة الغلط إلى أبي إسحاق دون من أخذ منه مبني على أن الآخذين من أبي إسحاق كثيرون ممن لا يكاد العقل يجوز تطابقهم في الغلط مثل شعبة والأعمش والثوري وغيرهم فكان عزو الغلط إلى أبي إسحاق وحده أهون منه إلى هؤلاء بأسرهم وأنت تعلم أن المؤلف رحمه الله تعالى كان في سعة من ورد هذا الإشكال لو فعل إذ الروايتان لا يرد صدق إحداهما صدق الأخرى فأية ضرورة إلى القول بوهم أحد من الرواة مع إمكان الوجه الصحيح فإن عائشة رضي الله تعالى عنها يمكن أنها ذكرت للأسود كلًا من الأمرين إذ الظاهر أن النبي ﷺ وإن كان غالب أحواله النوم بعد الوضوء إلا أنه
_________________
(١) هو ما ذكره شراح الهدلية: المني كالمخاط فأمطه عنك ولو بأذخر، انتهى، قلت: وقد روى بألفاظ مختلفة موقوفًا ومرفوعًا وحكى الترمذي بلفظ المني بمنزلة المخاط.
(٢) كما يظهر من كلامه على حديث أبي إسحاق وترجيحه حديث الوضوء.
(٣) ووافقه على ذلك أبو داؤد كما صرح به في سننه وغيره أيضًا كما ذكره الشيخ في البذل، وقال ابن مفوز: أجمع المحدثون أنه خطأ من ابن إسحاق وإن تعقب الحافظ الإجماع كما سيأتي.
[ ١ / ١٥٠ ]
لا يبعد أن يكون فعل هذا (١) أيضًا بيانًا للجواز ولو مرة أو مرتين كيف وذكر كل من الأمرين لا يتوقف صحته على استغراق عادة هذا الأمر كان زمان من أزمنته ﷺ حتى يلزم التناقض بحمل كل منهما على الصحة (٢) فقد ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها في غير موضع من أفعاله ﷺ وعاداته في أحواله ما دل على أن الأمر كان واسعًا عنده ﷺ ولم يكن يلتزم شيئًا من أمثال هذه الأمور خوفًا من أن يثقل على أمته القيام به عينًا فقد قالت في قيام الليل أنه كان ينام ويصلي وفي وتره أنه أوتر من آخر الليل وأوسطه وأوله وفي نومه بعد الجنابة أنه نام قبل الغسل وبعده فأية استبعاد على أنه نام قبل الوضوء وهذا هو المذهب عندنا من أن النوم بعد الوضوء وإن كان يتضمن فضلًا ولا كذلك النوم دونه إلا أن ذلك لا يوجب إساءة وكراهة هذا ويحتمل (٣) أن يراد بمس الماء المنفي في الرواية المس الكامل الذي لا يغادر شيئًا من أجزاء جسمه المصدق بالغسل لا مطلقه الشامل لكل مس
_________________
(١) وهذا هو الصواب كما بسطه الشيخ في البدل وبرهن عليه، وقال النووي: هو عندي حسن، قلت: ويؤيده ما روى الطبراني عن عائشة كان ﷺ إذا جامع بعض نسائه فقبل أن يقوم ضرب يده على الحائط وروى البيهقي عنها كان ﷺ إذا أجنب وأراد ان ينام توضأ أو تيمم وإسناده حسن قاله ابن رسلان، قال الشوكاني: ويجب الجمع بين الأدلة بحمل الأمر على الاستحباب ويؤيد ذلك أنه أخرج ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث ابن عمر أنه سأل النبي ﷺ أينام أحدنا وهو جنب قال نعم ويتوضأ إن شاء.
(٢) على أن الحديث صححه البيهقي وأبو عبد الله الحافظ وأبو الوليد وأبو العباس بن سريج كما حكى عنهم الشيخ في البذل.
(٣) هذا توجيه ثان للجمع بين الروايتين وبهذا جمع البيهقي وحكاه عن أبي الوليد وهو عن أبي العباس بن سريج كما في البذل.
[ ١ / ١٥١ ]
المصدق بالوضوء والاستنجاء، وعلى هذا فلا يخالف هذه الرواية سائر الروايات لأن المنفى فيها حينئذ هو الغسل لا غير فلا ينافيه ثبوت الوضوء ونحوه في سائر الروايات وهذا وإن كان يستبعد فيما يبدو للناظر إلا أنه غير مستبعد نظرًا إلى محاوراتهم فكثيرًا ما يورد القصر على وجه العموم ولا يراد إلا القصر بالنسبة إلى من فهمه المخاطب متفردًا بالنسبة أو متشاركًا للمقصور عليه في ثبوت النسبة ومن ذلك قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «لا وضوء إلا من فساء أو ضراط» وقوله ﷺ إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضجعًا إلخ، وقوله إنما الماء من الماء مع اتفاق العلماء قاطبة على وجوب الغسل للحائض والنفساء إلى غير ذلك فأفهم.
[أينام أحدنا وهو جنب قال نعم إذا إلخ] وهذا ندب إلى المندوب (١) المستحب لا أنه نفى لأصل الجواز كما قدمنا آنفًا.