.
_________________
(١) هكذا في الأصل وظاهر السياق أنه سقط من القلم خبر يكون وأصل العبارة فيكون سبب الحرام حرامًا ويحتمل أن يكون الخبر محذوفًا لظهوره ويحتمل أيضًا أن يكون قوله سبب الحرام خبرًا، والاسم ضمير يرجع إلى مباشرة ما تحت الأزار.
(٢) أخرجه وسلم أبو داؤد وغيرهما مفصلًا.
(٣) قلت: تقدم في باب الرجل يستدفئ بالمرأة بعد الغسل.
[ ١ / ١٧٢ ]
[إن حيضتك ليست في يدك] لما علمت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النهي عن دخول الحائض المسجد لمعنى يعم الجسم كله فلا بد وأن يكون اليد متلبسة بشيء منه أيضًا فإن حلول هذا المعنى في الجسم يقتضي حلوله في جزء جزء منها، فدفعه النبي ﷺ بأن النهي عن الدخول لا يستلزم النهي عن إدخال اليد وغيرها مما لا يعد دخولًا عرفًا أو لغة أو شرعًا فإدخال سائر تلك الأجزاء منفردة لا يكون متهيأ عنه لعدم دخوله تحت الدخول ولعل الوجه في ذلك أن الحدث بنوعيه يسري في الجسم كله بحيث اتصف به المجموع كله اتصافًا واحدًا ولذا اشتهر فيما بينهم أن الحدث غير متجز كنقيضه فليس الجسم كله إلا متصفًا بمعنى واحد جعل سببًا لترتب النهي عليه لا أن حدث الرأس مثلًا وراء حدث الرجل وحدث اليد سوى حدث الوجه فإذا أدخل شيئًا من أجزائه في المسجد مثلًا لم يلزم دخول هذا المعنى المبني عليه النهي عن الدخول بل دخول شيء منها وذا لا يضر لا يقال على هذا التقرير أن الداخل في المسجد إذا أبقى رجله أو يده خارجة يعد غير داخل فيه لعدم دخول الجسم كله فلا يلزم دخول المعنى المبني عليه النهي لكون الجزء الحال منه في اليد أو الرجل غير داخل فيه لأنا نقول لما أمكن اتصاف الجسم بالحدث ونقيضه مع عدم بعض هذه الأجزاء كمن قطعت يده ورجله أو كلتاهما لم تعتبر تلك الأجزاء في مقابلة الجسم كله وكذلك الرأس فإن الجسم يتصف بالطهر ونقيضه من دون الرأس ولذلك إذا وجد الميت بغير الرأس غسل وصلى عليه وإذا وجد الرأس فقط لم يغسل ولم يصل عليه وما ذلك إلى لاتصافه بالطهارة في الصورة الأولى دون الثانية، والصلاة مترتبة على الغسل فهذا كله يدل على أن انعدام بعض هذه الأجزاء لا يمنع صحة اتصاف الجسم بالحدث والطهارة فلذلك قلنا من دخل المسجد وهو جنب، ورأسه أو رجله أو غيره من الأجزاء خارج منه كان أثمًا لوجود الدخول لا يقال يلزم من هذا الذي ذكرتم جواز مس المصحف للجنب والمحدث كليهما إذ ليست المماسة إلا بجزء من الجسم كإدخال اليد في المسجد ولا يظهر بينهما فرق والجواب
[ ١ / ١٧٣ ]
أن مماسة المصحف لا يمكن بحسب العادة إلا بجزء منه ولا يعقل مس المصحف بالجسم كله أو بعضه فكان النهي عن المس الوارد فيه واردًا على هذا المس لا غير إذا المس بمعنى ماسة سائر أجزاء الجسم فممنوع من قبل فلو حمل النهي ههنا عليه أيضًا لم يبق للنهي فائدة لوروده على ما هو ممتنع عادة وما يتوهم من مضمون الحديث من جواز استعمال آلات المسجد وأسبابه فباطل إذ البورياء (١) لم تكن ههنا من أوقاف المسجد إذ لم تجر العادة بذلك بعد بل الخمرة كانت له ﷺ كان يفرشها في المسجد تارة وفي البيت أخرى ومما يدل عليه قوله الخمرة بتعريف العهد ولولا أنه معروف معهود لتعينه لقيل ناوليني خمرة من المسجد لا يقال كانت واحدة فتعينت لذلك لأنا نقول لو كان كذلك لقيل ناوليني خمرة المسجد مع أن الخمرة الواحدة وهي البورياء الصغيرة ماذا تغني في المسجد النبوي ومما ينبغي أن يتنبه له أن الظاهر مما ذكرناه كونه ﷺ خارج المسجد في حجرته وأن قوله من المسجد متعلق بقوله من المسجد (٢) وأنه لا حاجة إلى ما نقله النووي عن القاضي أن قوله من المسجد متعلق بقوله قال ونص عبارة القاضي على ما في النووي هذا معناه أن النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد أي وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفًا وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض لقوله ﷺ إن حيضتك ليست في يدك فإنما خافت من إدخال يدها المسجد ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى انتهى كلامه، وأنت تعلم أن الذي جعله القاضي رحمه الله تعالى
_________________
(١) قال المجد: البوري والبورية والبورياء والباري والبارياء والبارية الحصير المنسوج وإلى بيعه ينسب الحسن بن الربيع البواري شيخ البخاري ومسلم.
(٢) كذا في الأصل وفيه تحريف من الناسخ، قال صاحب المجمع قوله من المسجد متعلق بناوليني أو يقال، انتهى، قلت: والأوجه عندي أنه على الاحتمال الأول متعلق بمحذوف أي آخذه من المسجد.
[ ١ / ١٧٤ ]
داعيًا للعدول عن الظاهر لا يكفي له ولا يتعين ما ادعاه إذ يمكن كون الخمرة على قرب باب الحجرة بحيث تتلقى بأدنى امتداد اليد فلا حاجة للعدول عن ظاهرة العبارة نعم لا يبعد القول بأنه ﷺ لما كان أكثر نافلته بل كلمها في البيت فلم تفرش الخمرة في المسجد إلا عند صلاته بالناس ويتعين المحراب له ومما يدل على تضعيف ما قصده القاضي رحمه الله تعالى أنها لو كانت هي المعطية للخمرة والنبي ﷺ أخذها وهو في المسجد وهي خارجة عنه لما افتقرت إلى إدخال يدها في المسجد لإيتاء الخمرة بل كان النبي ﷺ يأخذها منها ويدها خارجة من المسجد فأفهم وقد يساعد ما قلنا وضع المؤلف (١) هذا الباب لإثبات تناول الحائض شيئًا من المسجد، وقوله بعد ذلك وهو قول عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئًا من المسجد.