.
[قوله شهدت مع النبي ﷺ حجته] أي عام حجة الوداع.
[قوله انحرف] المراد بذلك إما انحرافه على جري عادته بعد الصبح والعصر وأما انحرافه لذهابه إلى بيته وهو ظاهر ما أفاده قوله فإذا هو يرجل إلخ.
[فقالا يا رسول الله إنا كنا صلينا في رحالنا] هذان الصحابيان لم يصليا بالجماعة الثانية في المسجد ولا أراد ذلك من رحالهما فإنهم لو كان من عادتهم ذلك لما صليا في رحالهما بل كان عليهما إتيان المسجد لما لهم من اعتياد الجماعة الثانية فإذ لم يجدا غيرهما صليا كلاهما بالجماعة وإن وجدا غيرهما صليا معه كلهم ثم في هذا حجة للشوافع (١) على الأحناف نظرًا إلى ظاهر ألفاظ الحديث، وأما الإمام فقد أراد التفصي مما يرد عليه بما ورد في هذا الحديث من قوله ﷺ فإنها لكما نافلة فإن النافلة حكمها لما كان معلومًا لم يحتج إلى زيادة بيان في ذلك فاتكل على ما بينه النبي ﷺ من الأوقات التي يكره فيها النافلة في غير هذا الحديث ألست ترى هؤلاء الذين ذهبوا إلى الإعادة في الصلوات كلها كيف خصوا العرب (٢) بزيادة ركعة هل أمرهم النبي ﷺ بذلك فليس هذا إلا بما روى عن النبي ﵇ أنه نهى عن البتيراء فماذا عليهم في التخصيص بالأحاديث الآخر صلا (٣) الفجر والعصر أيضًا مع ما أنه
_________________
(١) أي في مسألة إعادة الصلاة مع الجماعة مطلقًا، والحنفية قيدوها بما تصح بعدها النافلة كما تقدم.
(٢) فقد قال ابن قدامة إذا أعاد المغرب شفعها برابعة نص عليه أحمد وبه قال الأسود بن يزيد والزهري والشافعي وإسحاق لأن هذه الصلاة نافلة ولا يشرع التنقل بوتر غير الوتر فكان زيادة ركعة أولى من نقصانها لئلا يفارق إمامه قبل إتمام صلاته، انتهى مختصرًا.
(٣) قال أبو الطيب كيف وقد جاء فيه حديث صريح أخرجه الدارقطني عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال إذا صليت في أهلك ثم أدركت فصلها إلا الفجر والمغرب قال عبد الحق تفرد بوصله سهل بن صالح الأنطاكية وكان ثقة فلا يضره وقف من وقفه لأن زيادة الثقة مقبولة، انتهى.
[ ١ / ٢٤١ ]
ﷺ منبه على علة التخصيص بقوله فإنهما لكما نافلة فكيف يفرد حكم هذه النافلة عن حكم سائر النوافل فإن قيل وقوع ذلك الأمر في صلاة الفجر (١) يؤيد مرام الشافعي قلنا أمرهم في صلاة الفجر ليس إلا أنهما لم يكونا يعلمان المسألة مطلقًا في غير صلاة الفجر أيضًا فأعلمهما إياها والله أعلم.
[قوله أيكم يتجر] على هذا لا يخفى عليك أن هذا لا يثبت (٢) مرامهم فإنهم إنما جوزوا صلاة المفترض خلف المفترض وليس في ذلك دليل على هذا المرام بل النظر فيه يحكم بثبوت مرام المانعين بهذا الحديث (٣) فإنه لو كان أمر الجماعة الثانية ثابتًا لكان الرجل الذي جاء بعد الجماعة إنما تفحص عن آخر مثله وكان النبي
_________________
(١) قلت: اختلفت الروايات في ذلك وجزم صاحب البدائع أن قصتها هذه كانت في صلاة الظهر ويؤيده ما في مسند أبي حنيفة نحو قصتها بلفظ أن رجلين صليا الظهر في بيوتهما، الحديث، ونحوه أخرجه محمد في كتاب الآثار فلما ثبت عند الحنفية أن القصة في صلاة الظهر فلا حاجة إلى الجواب.
(٢) أي في تكرار الجماعة في مسجد صلى فيه مرة وهو مكروه عند الحنفية والمالكية خلافًا للحنابلة وحكى ابن عابدين أن علماء الأئمة الأربعة أجمعوا على كراهة ذلك بمكة المكرمة ٥٥١ هـ ولشيخ مشايخنا العلامة الكنكوهي نور الله مرقده، فيه رسالة أنيقة باللسان الفارسي اسمها القطوف الدانية.
(٣) على أن الجزء الواحد في عموم البلوى لا يعتبر عند الحنفية وقد روى في الطبراني برجال ثقات عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة فوجد الناس قد صلوا فمال إلى منزله فجمع أهله فصلى بهم وقد أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن كان أصحاب محمد ﷺ إذا دخلوا المسجد وقد صلى فيه صلوا فرادي وعن أبي قلابة يقول يصلون فرادي.
[ ١ / ٢٤٢ ]
ﷺ قال هل من رجل لم يصل صلاته حتى يصلي معه ولكان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين قاموا من آخرهم أو أكثرهم إليه بل كان الأمر بعكس ذلك حتى لم يقم إليه أحد من الصحابة لما في طبعهم من رغبة عن الجماعة الثانية وكان المتجر أبا بكر (١) ﵁ لا رغبة في ذلك الثواب الذي يحصل له في الصلاة فإن الجلوس مع النبي ﷺ كان أفضل من هذا بل رغبة فيما فيه رغبة النبي ﷺ وامتثالًا لأمره الشريف.
[قوله لا بأس أن يصلي القوم] لا بد من حمل لفظة لا بأس على معناه الاصطلاحي حتى يظهر تغاير بين القولين ولا يغرنك ما ذهب إليه أحمد وإسحاق فإن أحدًا من فقهاء المجتهدين لم يختر ذلك لكونه سبب التكاسل في أمر الجماعة الأولى وسبب المكروه مكروه فأفهم فإن فيه دقة.