.
[قوله قال إنما صلى رسول الله ﷺ الركعتين بعد العصر] هذا اعتذار منه وسببه أن ابن عباس كان يضرب الناس مع عمر على الصلاة بعد العصر فلما قيل لابن عباس أن النبي ﵇ صلى بعد العصر بين أن صلاته تلك ليست بمقيسة عليها وهذا هو الجواب عنا في ذلك فإنه كان إما من خصوصياته ﷺ أو كان واجبًا عليه فلم يك من قبيل التنقل بعد العصر بل من قبيل قضاء الفوائت ونحن لم نمنعه بل هو مؤيد لما ذهبنا إليه في ذلك.
[قوله روى غير واحد عن النبي ﷺ أنه صلى بعد العصر ركعتين] وليس ذلك بمخالف لحديث ابن عباس الذي قدمنا فإن ذلك لا يقتضي دوام النبي ﷺ على ذلك فإن المصحح لثبوت صلى وصدقه إنما هو الصلاة مرة واحدة وأما قول عائشة فيها أن النبي ﵇ ما دخل عليها بعد العصر إلا صلى ركعتين فالجواب عنه (٣).
_________________
(١) بياض في الأصل بعد ذلك والمراد بهذا الحديث حديث العقيقة فإنهم استدلوا على صحة سماع الحسن عن سمرة بهذا الحديث.
(٢) هذا غاية الاحتياط من المحدثين فإن دأبهم أن الشيخ إذا لم يذكر أحدًا من الرواة بالنسب وأراد التلميذ أن ينسبه يزيد بعد كلام الشيخ لفظًا يشير إلى ذلك كلفظ هو ويعني وغير ذلك.
(٣) بياض في الأصل بعد ذلك والجواب عنه أولًا أن روايات عائشة مضطربة في ذلك جدًا كما لا يخفى على ممارس كتب الحديث وثانيًا أن نفي ابن عباس الدوام مبني على علمه ثم الجواب عن فعله ﷺ أن ذلك كان خصيصة له ﷺ كما ثبت أنه ﷺ إذا فعل أمرًا داوم عليه وقد ورد نصًا من حديث أم سلمة عند الطحاوي، قلت يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتا قال لا، وحكى الحافظ هذه الزيادة عن أحمد فهذا نص في الخصوصية وستجيئ الإشارة إلى هذا الجواب في كلام الشيخ أيضًا.
[ ١ / ٢١٢ ]
[قوله هذا خلاف ما روى عنه أنه نهى عن الصلاة بعد العصر] وأنت تعلم أنه لا يخالفه إذا النهي للأمة لا يقتضي النهي له ولعل الوجه في ذلك أن النهي عن الصلاة بعد العصر إنما وجهه التشبه بعابدي الشمس وذلك إنما هو وقت الغروب بعينه لا قبله لكن النهي عن الصلاة بعد العصر مطلقًا سواء كان وقت الغروب أو قبله فإنما ذلك لئلا يفضي شروعه في الصلاة بعد العصر إلى انتهاء الصلاة وقت عين الغروب وأما النبي ﵊ فمع قطع النظر عن تنزهه عن توسخ التشبه كان يعلم وقت الغروب فلم يكن شروعه في الصلاة بعد العصر مفضيًا إلى وقوعها في عين وقت الغروب ومما يدل على كون ذلك مختصًا به ﷺ أنه صلاها في البيت ولولا أنه أراد أن لا يقتدوا به فيهما لصلاهما جهرة وعيانًا.
[قوله فقد روى عن النبي ﷺ رخصة (١) في ذلك] وهو ما أورده
_________________
(١) وتوضيح مسالك الأئمة في ذلك كما بسط في الأوجز أنه تصح الصلاة مطلقًا في هذه الأوقات كلها عند داؤد وابن حزم وغيرهما من الظاهرية وتحرم عند الحنابلة النوافل في هذه الأوقات الخمسة أي عند الطلوع والغروب والاستواء وبعد الفجر والعصر مطلقًا سواء كانت ذات سبب أولًا بمكة وغيرها إلا سنة الظهر في الجمع بين الصلاتين وإلا ركعتي الطواف ويجوز القضاء والنذر في هذه الأوقات كلها وأما عند الشافعية فتجوز النوافل ذات سبب أيضًا وغير ذات السبب أيضًا بمكة وسنة فلا يجوز سنة الظهر في المجموعة والمراد بذات السبب ما تقدم سببه كتحية الوضوء وغيرها، وأما ما له سبب متأخر كصلاة الاستخارة والإحرام فلا يجوز أيضًا، وأما عند المالكية فمنع غير المكتوبة حتى صلاة الجنازة أيضًا عند الطلوع والغروب وكره بعد صبح وعصر إلا لجنازة وسجدة التلاوة قبل الأسفار والاصفرار وأما عند الحنفية فلا تجوز الصلاة مطلقًا في الأوقات الثلاثة الأول إلا عصر يومه، وإلا جنازة حضرت فيها والوقتان الأخيران من الخمسة لا يجوز فيها النوافل والبسط في الأوجز مع الدلائل.
[ ١ / ٢١٣ ]
في كتاب الحج أن النبي ﷺ قال يا عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل ونهار وأنت تعلم أن القصد بذلك النهي عن سد أبواب دورهم التي كانت في المطاف وحوالي البيت لا إجازة الصلاة في أي وقت كان فلا يعارض ما سبق النهي عنها وسيجيئ بعض الكلام عليه في الباب (١) الذي أورد الرواة فيه.