والعلماء رحمهم الله تعالى قد تفرقت آراءهم في معنى حديث الباب من حمله على ظاهر معناه فذهب إلى وجوب التسمية وهم طائفة قليلة من الظاهرية (١) والشافعية وموافقوهم ذهبوا بها إلى النية (٢) فإن
_________________
(١) قال في العارضة قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا ولكنه أوجب التسمية وروى عنه أنه ليس بواجب، وقال علمائنا إن المراد بالحديث النية.
(٢) قال ابن رسلان: أجاب أصحابنا وغيرهم من الحديث بأجوبة أحسنها أنه ضعيف، والثاني المراد الكامل، والثالث جواب ربيعة شيخ مالك والدارمي وغيرهما أن المراد منه النية، وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره إلى أن هذه الصيغة التي دخل فيها النفي على ذوات شرعية مجملة لأنها مترددة بين نفي الكمال ونفي الصحة كما في «لا نكاح إلا بولي» و«لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» قلت: وكما في حديث «لا أجر لمن لا حسبة له» و«لا عمل إلا بنية» و«لا صلاة بحضرة الطعام».
[ ١ / ٥٧ ]
التسمية بالقلب هي النية والقصد وأيًا ما كان فالنفي عندنا راجح إلى الكمال فالطهارة صحيحة كافية من غير نية وتسمية وإن كان له في الإتيان بهما أجر كثير وفضل كبير والوجه في ذلك أن كلمة لا هذه تستعمل في نفي الذات وهو حقيقة معناها ولا تحتاج فيه إلى قرينة، وفي نفي الكمال وهو مجاز فيه فإن الذي لم يأت على ما كان ينبغي له أن يكون عليه فكان وجوده كلا وجود وهو كثير في الكلام سيما في الروايات وههنا كذلك والقرينة عليه قوله (١) الصلاة والسلام «من توضأ وذكر اسم الله كان طهورًا لجميع بدنه ومن توضأ ولم تذكر اسم الله كان طهورًا
_________________
(١) الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر وفيه أبو بكر الدابري متروك ومنسوب إلى الوضع ورواه الدارقطني والبيهقي أيضًا من حديث أبي هريرة وفيه مرداس بن محمد عن أبيه وهما ضعيفان ورواه البيهقي والدارقطني أيضًا من حديث ابن مسعود وفي إسناده يحيى بن هاشم السمسار وهو متروك، ورواه عبد الملك بن حبيب عن إسماعيل بن عياش عن أبان وهو مرسل ضعيف جدًا، وقال أبو عبيد في كتاب الطهور سمعت من خلف بن خليفة حديثًا يحدث بإسناده إلى أبي بكر فلا أجدني أحفظه وهذا مع إعضاله موقوف، كذا في التلخيص، وقال الشيخ في البذل: ويؤيد ذلك حديث ذكر الله على قلب المؤمن سماه أو لم يسم، وأما الجواب عن ضعف هذا الحديث فإنه تعاضد لكثرة طرقه واكتسب قوة كما قلنا في ضعف حديث الباب واحتج البيهقي على عدم الوجوب بحديث لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله واستدل الطحاوي بحديث مهاجر بن قنفذ أنه سلم على رسول الله ﷺ وهو يتوضأ، الحديث، وقد صرح ابن سيد الناس في شرح الترمذي أنه قد ورد في بعض الروايات في حديث الباب «لا وضوء كاملًا، وقد استدل به الرافعي، وقول الحافظ في التلخيص: لم أره، ليس بحجة على من رآه من المتقدمين.
[ ١ / ٥٨ ]
لأعضاء وضوئه» فهذا يبين مراده ﷺ بقوله «لا وضوء لمن لم يسم» وأي قرينة أعظم من تصريح المتكلم بمراده فكان قوله هذا نظير قوله «لا إيمان لمن لا أمانة له» وغير ذلك مما هو أكبر من أن يحصي مع أن حمل الرواية على حقيقة معناها الظاهر يوجب تخصيص الآية الذي هو في حكم النسخ وليس ذلك إلى خبر الواحد (١) وإنما ذهب إسحاق إلى فساد الوضوء بترك التسمية لما فيه من رفض الفريضة وأما إذا نسى أو تأول كما ذهب إليه من لم يوجب التسمية فإنما أجزأه عنده لأن اختلاف العلماء يورث تخفيفًا مع أن قوله ﷺ «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» محمول عند هؤلاء على أجزاء الفعل وصحته إذا ترك شيئًا من الأركان بنسيانه.
[قوله أحسن شيء إلخ] هذا الحسن إضافي فلا ينافي قول أحمد «لا أعلم» في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد إذ المراد بالجودة بلوغه مرتبة الصحة.
[قوله إذا توضأت فانتثر وإذا استجمرت فأوتر] أمران اقتضيا وجوبًا لأنه أصل فيه وعارض الثاني فعله ﷺ المار ذكره عن قريب، والأول إطلاق الآية فوجب حملهما على الاستحباب ولا يمكن حمل فعله ﷺ في رواية ابن عمر على الخصوصية لعدم الضرورة إلى ذلك مع أن تنقية الموضع ليس أمرًا يختص به، هذا ما أخترنا، وأما الآخرون (٢) فمنهم من ذهب إلى وجوب المضمضة والاستنشاق
_________________
(١) لا سيما إذا كان ضعيفًا فقد تقدم عن أحمد أنه قال: لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا، وأما حديث الباب فقال الدارقطني: اختلف فيه، ثم ذكر الاضطراب فيه، حكاه الحافظ في التلخيص، وذكر عن أبي حاتم وأبي زرعة أنهما قالا، إن الحديث ليس بصحيح، أبو ثفال ورباح مجهولان، وقال ابن القطان: الحديث ضعيف جدًا، وقال البزار: أبو ثفال مشهور ورياح وجدته لا نعلمهما رويًا إلا هذا الحديث، ولا حدث عن رياح إلا أبو ثفال فالخبر من جهة النقل لا يثبت، انتهى.
(٢) قال ابن العربي اختلف الفقهاء في المضمضة والاستنشاق في الطهر على أربعة أقوال: الأول أنهما سنتان في الطهارتين قاله مالك والشافعي والأوزاعي وربيعة، الثاني أنهما واجبتان فيهما قاله أحمد وإسحاق، الثالث: أن الاستنشاق واجب والمضمضة سنة، قاله أبو ثور، الرابع أنهما واجبتان في الغسل سنتان في الوضوء قاله الثوري وأبو حنيفة.
[ ١ / ٥٩ ]
معًا ومنهم من ذهب إلى كونهما مسنونين غير أن الاستنشاق آكد من المضمضة، ثم إن تفرق أصحابنا رحمهم الله تعالى بين الوضوء والغسل فيهما وجوبًا وسنية مذكور في كتبنا بما لا مزيد للبيان عليه وجملة الأمر أن القول بوجوبهما في الوضوء يؤدي إلى نسخ الآية فوجب القول بالسنية ولا كذلك في الغسل (١) لأنه مؤيد
_________________
(١) على أنه قد روى الدارقطني والبيهقي من حديث بركة بن محمد الحلبي عن يوسف بن أسباط عن سفيان عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثًا فريضة، قال القدوري في تجريده قولهم: بركة الحلبي ضعيف ليس بصحيح لأن ابن معين أثنى عليه في كتبه الأخيرة وقد روى الخبر من غير طريق مرسلًا، وقال الشيخ تقي الدين في الإمام قد روى هذا الحديث موصولًا من غير حديث بركة ثم أخرجه بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا المضمضة والاستنشاق ثلاثًا للجنب فريضة، قال الدارقطني: غريب تفرد به سليمان عن همام ثم ذكر الكلام على ضعفه وأخرج البيهقي بسنده عن ابن عباس أنه سئل عمن نسى المضمضة والاستنشاق قال لا يعيد إلا أن يكون جنبًا فهذه الروايات كلها شاهدة على فرضيتهما وضعف بعضها يرتفع بضم الآخر وأخرج أبو داؤد والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة مرفوعًا أن تحت كل شعر جنابة فاغسلوا الشعر، الحديث، وأنت خبير بأن في الأنف أيضًا شعرًا وأخرج أبو داؤد بمعناه عن على مرفوعًا وسكت عليه فهو صالح للاحتجاج على أنه ﷺ واظب عليهما في الغسل، كذا في الأوجز.
[ ١ / ٦٠ ]
بقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ حيث أورد فيه صيغة المبالغة ولا يتصور المبالغة إلا بزيادة في الكم أو الكيف، أما الثاني فلم يثبت شرعًا ولا هو معقول فوجب المصير إلى الأول ويتحقق إما بزيادة في المرات أو بزيادة في المغسول ولا سبيل إلى الأول لقوله ﷺ «من نقص عن هذا أو زاد فقد تعمدى وظلم» أو كما قال، فلم يبق إلا الزيادة في مقدار المغسول ولا شيء وراء الجسم يغسل في الغسل حتى يتحقق مقتضى المبالغة فقلنا بوجوب المضمضة والاستنشاق معًا في الغسل حتى يغسل فيه ما هو داخل في الوجه من وجه وخارج منه من وجه ولا كذلك في الوضوء فإن الوارد فيه الغسل مطلقًا فيتحقق بأدنى ما تناوله، ثم إن الظاهر المبني على العادة كون مثل هذه الأمور واجبًا لا سنة فإن الثابت بخبر الواحد يكون واجبًا إلا أنهم لم يذهبوا إلى الوجوب لثبوت وجود هذه الأمور تارة والترك أخرى مع أن الواجب ما ورد على تركه ثم إن المراد (١) بالانتثار والاستنشاق كليهما واحد وهو إدخال الماء في الأنف ثم إخراجه وإن كان المذكور أحدهما وإنما اقتصر على ذكر أحدهما لما فيهما من الملازمة فإن الاستنشاق لا يكون إلا للانتشار وكذا الانتشار لا يكون إلا بعد الاستنشاق، وللاتسجمار ثلاثة معان كلها تصح ههنا لكن الأول أولى وأليق ههنا من الباقيين، والثاني من الثالث، الأول طلب الجمرة لتنقية موضع الغائط، والثاني تجمير الأكفان، والثالث رمي الجمار في الحج.